حين تجلّيت شعراً

الصفحة

 

سلافة حجاوي

2015

أكتب الآن عن إحدى فترات حياتي التي أعتبرها من أهم هذه الفترات لأنها تميزت بخصوصية مختلفة ، هي خصوصية تدفقي الشعري المتكرس كليا للفدائيين الفلسطينيين. إنها الفترة الممتدة بين حربي 1967 و1973، اللتين لعبت كل منهما دورا كبيرا في حياتي النفسية والفكرية والأدبية. في تلك الفترة البالغة نحو ست سنوات، كنت قد أنهيت دراستي الجامعية الأولى من جامعة بغداد في العام 1956، وحصلت على البكالوريوس في الأدب الإنجليزي بدرجة الشرف من كلية الآداب والعلوم التابعة للجامعة ، وتزوجت في العام ذاته من الأديب الشاعر العراقي كاظم جواد، ثم انجبت طفلي مصعب وشعلة. في الفترة الأولى التي قضيتها منذ أن ولدت في العام 1934 في مدينتي نابلس، والممتدة حتى العام 1951 وهي سنوات طفولتي ومراهقتى وأوائل سنوات صباي، تنازعتني هوايتان هما الرسم والكتابة الأدبية ما بين نثر وشعر. كانت معلمة اللغة العربية الأستاذة الفاضلة لواحظ عبد الهادي، أطال الله في عمرها، تقرأ كل ما أكتب من إنشاء على طالبات الصف وتعلقه على لوحة المدرسة، وكنت كثيرا ما أقف خلف الباب لكي انتظر خروج شاعرتنا العظيمة فدوى طوقان من زيارة لعمتي الرائعة، فخرية الحجاوي، مؤسسة وأول مديرة لمدرسة العائشية وإحدى أوائل المثقفات الفلسطينيات خلال الثلاثينيات والأربعينات من القرن الماضي، لكي أريها قصيدة أولية ما، كنت قد كتبتها في لحظة ما. وحين أخذنا والدي إلى العراق في العام 1951، إلى حيث ذهب لكي يعمل هناك بعد أن ضاقت الدنيا في عينيه وفي جيبه بعد النكبة وضاقت البلاد بأهلها، ولم يعد يستطيع إعالة عائلته المؤلفة من زوجة وأربعة أطفال، ،كنت قد تركت لوحة من رسوماتي في كل بيت من بيوت أفراد عائلتي الكبيرة المؤلفة من جدة وأعمام وعمات. وقد استمر هذا التنازع عندي خلال دراستي الجامعية في بغداد . فمن جهة ، كان هناك في الكلية مرسم يشرف عليه الرسام العراقي المرموق حافظ الدروبي، وهو من كبار فناني العراق، وكنت اذهب إليه كلما سنح لي الوقت. وكان الدروبي يشجعني جدا حتى إنني اشتركت ببعض الرسومات في بعض المعارض. غير أن دراستي للأدب الإنجليزي وحركة الشعر الإنجليزي والأوروبي الحديثة بشكل خاص قد أسرتني وغذت هواية كتابة الشعر عندي. وما إن تزوجت شاعرا ، حتي غلب الشعر عندي على الرسم. غير أني لم أصل إلى درجة التجرؤ على النشر حيث شغلتني بعد زواجي كثير من الأمور المعيشية والسياسية وتربية طفلي، باستثناء بعض القصائد الجميلة للأطفال التي اخذت أنشرها في المجلة العراقية الشهيرة ” مجلتي” الخاصة بالإطفال. كان ما حدث لي مع وقوع حرب حزيران 1967ونتائجها أشبه بزلزال. فقد كنت في العراق بعيدة عن مدينتي وأهلي وبلادي ، بما فيها مدينتي نابلس، حيث أمي وأخوتي وأهلي الذين أصبحوا تحت الاحتلال بمفردهم بعد وفاة والدي، واستنفر الحدث الهائل في نفسي تاريخا سياسيا مؤلما كنت قد عشته في نابلس. فمنذ طفولتي، وعيت ما يحدث في فلسطين من أحداث سياسية وبخاصة بعد اندلاع ثورة فلسطين الكبرى في العام 1936، بفعل انخراط والدي في الصراع السياسي الدائر على الصعيد المحلي بين ما كان يسمى بالمجلسيين هم أنصار الحاج أمين الحسيني والمعارضين من أنصار حزب الدفاع الذي كان يرأسه راغب النشاشيبي، ومن ذلك محاولة اغتياله وإصابته بطعنة سكين على بعد شعرة من قلبه في إحدى التظاهرات الوطنية، ثم التحاق والدي بالحاج أمين الحسيني الذي فر في العام 1937 إلى لبنان بعد قيام حكومة الإنتداب البريطاني بحل اللجنة التنفيذية التي كانت بمثابة حكومة للفلسطينيين والتي كان الحسيني يرأسها، ومطاردتة ومحاولة القبض عليه. وبعد ذلك لحقنا انا ووالدتي بأبي في لبنان، ثم عدنا إلى نابلس بعد ان هدأت الأمور قليلا فيها، لنجد منزلنا وقد تم حرقه بأكملة في غيابنا. كل تلك الأحداث وغيرها، وفي مقدمتها استشهاد أحد أعمامي ، فخري الحجاوي، خلال أول اشتباك فلسطيني مع اليهود في أواخر العام 1947 بعد صدور قرار التقسيم. كل ذلك حفر في عقلي وقلبي أمورا لم أنسها ولن أنساها في أي يوم من حياتي.هكذا كانت حرب حزيران تتمة لكل تلك الذكريات والأحداث المؤلمة. لم تكن حرب 1967 هي التي فجرتني شعرا، وإنما انطلاق حركة المقاومة الفلسطينية وتصاعد عملياتها وبروز ما اصبح يعرف بحركة المقاومة الفلسطينية والفدائيين الفلسطيين الذين أخذوا يقومون بالعمليات المسلحة ويستشهدون. فبعد حرب حزيران وما مثلته من هزيمة ساحقة على الصعيد العربي باحتلال إسرائيل للضفة الغربية وغزة وصحراء سيناء وهضبة الجولان، سطع نجم حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة التي وجدت الجماهير العربية فيها تعويضا عن هزيمة حزيران التي سموها “نكسة” في محاولة كاذبة للتخفيف من وطأة ما حدث والادعاء بان العرب سوف يتجاوزونها قريبا. اما نحن الفلسطينيين ، فكان جرحنا أعمق ونما أملنا في أن المقاومة الفلسطينية سوف تحفز العرب على خوض معركة التحرير. وإذ تتالت أخبار العمليات الفدائية الفلسطينية وسقوط الشهداء تدفقت أنا شعرا مكرسا للفدائيين. صارت القصائد تنهال علي في أي وقت كان، أنهض فورا في منتصف الليل لكي أكتب قصيدة تكون قد دهمتني كي لا أنساها إذا ما واصلت النوم ، في المطبخ وأنا أعد الطعام فأهرع لأية ورقة فيه لأكتب عليها قصيدة ما قبل أن تطير مني، وهكذا: سأجلس ليلا أحوك الجوارب أدفّئ منك القدم لأنك يا ذا الجبين المحارب تعيش الألم كثيرون غيرك في لهوهم وباراتهم – حسبهم غربتك وأنت تدفئ رشاشتك بنيران قلبك تغوص عميقا عليما بدربك تخضب أرضك، أرضي بحبك لتجمع ذراتها من جديد على كف طفل وليد ……………….. ……………….!!! ولم أقل لزوجي إلا بعد حين إذ كنت أكتب وأخبئ القصائد منتظرة مناسبة ما ، أظهر فيها ما كتبت في حالات مفاجئة. وحين أريته القصائد صعق، وما لبث البيت أن امتلأ باصدقائه الشعراء وكان الأعجاب كبيرا… وكان أن المؤتمرالعام السابع للأدباء العرب من المقرر أن ينعقد بعد فترة قصيرة من العام 1969 في بغداد ، وعلى هامشه انعقاد المهرجان الشعري العربي التاسع ، فحمل زوجي القصائد إلى لجنة المؤتمر وعرضها على اللجنة، وكان هناك إجماع على ضرورة مشاركتي في المهرجان الشعري الذي سيعقد بعد الجلسات النقاشية. وفي أوائل شهر نيسان1969، انعقد المؤتمر الذي حضره نحو ألفين من كبار الأدباء العرب، كما عقد مهرجان الشعر في ختام المؤتمر، وألقيت قصائدي في الجلسة الختامية في الثامن والعشرين من نيسان ، وما أن انتهيت من قراءة قصائدي حتى هبت في القاعة زوبعة لم تحدث من قبل….الجميع وقفوا يصفقون لي لأكثر من عشرين دقيقة وانهال عليّ التقدير والإعجاب الذي انقطع نظيره ونقلت الجلسة عبر التلفزيون العراقي ونشرتها الصحف المحلية والعربية في شتى أنحاء الدول العربية وكتبت المقالات التي تتحدث عن ظهور شاعرة فلسطينية تنبئ بأن تكون أكبر شاعرة عربية….!!! تمتعت تلك القصائد، التي صدرت بعد ذلك في طبعتها الأولى عن وزارة الثقافة العراقية بعنوان ” أغنيات فلسطينية”، بالبساطة والشفافية والموسيقية المتأتية من استعمال الأوزان المجتزأة أو ما يسمى بشعر التفعيلة. غير أن أهم ما ميزها هو موضوعها المقتصر على الفدائي الفلسطيني بالذات، هذا بالإضافة الى انها مثلت قفزة باتجاه ما ثقفته خلال دراستي للأدب الإنجليزي من خصائص حركة الشعر الأوروبي الحديث التي نقلت القصيدة من عالم التقاليد القديمة إلى عالم حر يتميز بقصرالقصيدة ووحدتها الموضوعية ولغتها السلسة غير المقعرة عربيا، إضافة إلى الدور المميز للصورة فيها: يغفون مثل زهرة برية على الجبل شقائق من الدماء لفها المطر بغيمة تومض بالبريق والقبل… يا ألف أه حين يسقطون وألف مرحى حين ينهضون روحا فدائيا بلا جسد فلا يموت منهمُ أحد فهم إذا تناثروا شرر وهم إذا تجمعوا قمر ونحن من ورائهم نلملم الضياء معاقلا، بيارقا، معابرا، فداء لكل قرية ومنحدر وإننا في إثرهم شقائق أخر…!! هذا بالإضافة إلى القصة أو الحكاية ألتي تلعب دورا مميزا في الشعر الحديث: وفي أعطاف قريتنا يقول الشيخ للآرضِ وهبت لك البنين العشرة الأحباب ، لا تهني ولا تبكي نذرتهم إلى الوطن ويسري العشرة الأحباب في الظلمة يغلفهم سرى غيمة …. ………. وعند اللد والرملة هنالك تسعة عادوا وكانوا أكملوا الرحلة وأين اخوكم العاشر يقول الشيخ والقمر الحزين محدق ساهر هناك أبي زرعناه” هناك أبي زرعناه….!!! غير أن القصيدة الحكاية التي شغلت القراء بجمالها الفائق وما يسكنها من خيال دافق، هي قصيدة ” حكاية المساء” التي أهديتها لطفلتي شعلة ، وهي حكاية بسيطة تتألف من أب فدائي يسكن في أحد المخيمات مع عائلته، يأتي لكي يودع طفلته ويقول لها بأنه: مسافر حبيبتي إلى الوطن لآمسح الدموع والضياع والشجن عن وجنتيك آه ياصغيرتي…. إن الحديث عن هذه القصائد التي شكلت أكثر من ثلاثين قصيدة لكل واحدة خصوصيتها يطول، وما حدث بعد ذلك المهرجان الشعري هو انني اصبحت أشهر من نار على علم في كل مكان داخل العراق وخارجه، حيث ما لبثت الدعوات أن أنهالت على من الكليات والمدارس والجمعيات ومختلف المؤسسات الثقافية وغيرها لكي ألقي قصائدي في احتفالات يقيمونها، وكانوا يصرون علي أن ألقي أنا القصائد لأن قراءتي للشعر كانت متميزة، بل إن بعض المعلقين قال بأن قراءة سلافة للشعر أجمل من القصائد ذاتها. وقد استمر هذا الحال لعدة سنوات ، إلى أن وقعت حرب أكتوبر 1973. شكلت هذه الحرب صاعقة أخرى بالنسبة لي، وبخاصة من حيث نتائجها. فمن جهة ، اعتبرت نتائج الحرب بأنها أجهضت مفاجأة العبور المصري العظيم، وأنها كرست مسار التسوية السياسية وأكدت خروج مصر من جبهة المقاومة ووضعت تساؤلا كبيرا حول مصير حركة المقاومة الفلسطينية وحلم التحرير الكبير. وقد تأكدت تلك الهواجس مع انعقاد مؤتمر جنيف في العام ذاته وما تمخض عنه من دخول مصر مسار التسوية مع إسرائيل من رفض أميريكي لمشاركة منظمة التحرير الفلسطينية فيه. هكذا أيقنت أن ما جرى كان يعنى أننا أصبحنا وحيدين ولا نصير لنا.، فخروج مصر من النضال المسلح لاسترداد الأراضي المحتلة عام 1967 على أقل تقدير كان بمثابة الكارثة، وشكل ذلك دليلا على أن عهد الكفاح الفلسطيني المسلح قد ولى. كنت من بين أكثر المدركين لهذه الحقيقة المرة . كانت خيبتي كبيرة إلى درجة توقفت بعدها لفترة طويلة عن كتابة الشعر. فأنا لم تنطقني الشعر بشكل جدي إلا المقاومة الفلسطينية والفدائيون الفلسطينيون وأمل التحرير. فلمن أكتب الآن إذا ما حوصرت حركة المقاومة وانخرطنا في تسوية سياسية ليس لها أول أو آخر ؟؟؟؟ ونتيجة لذلك اليأس الذي أصابني، قررت أن أهمل الأدب وأعود للجامعة للحصول على الماجستير في العلوم السياسية. والتحقت في الآن ذاته بمركز الدراسات الفلسطينية التابع لكلية العلوم السياسية في جامعة بغداد، واصبحت مديرة تحرير للمجلة التي صار المركز يصدرها، وكانت مجلة متخصصة في الشأن الفلسطيني يكتب موادها أساتذة الجامعة المتخصصون والباحثون العاملون في المركز. كما كرست نفسي بعد تخرجي للكتابة في مجال العلوم السياسة فألفت الكتب والدراسات وعملت مدرسة في كلية العلوم السياسية ذاتها. كان ما يشغلني هو ضرورة الخروج من دائرة الوهم إلى دائرة الواقع والتعرف على حقيقة المأساة الفلسطينية بدلا من كتابة الشعر. ولم أعد لكتابة الشعر إلا مع وفاة زوجي الشاعر كاظم جواد في العام 1984، حيث انبثقت فجأة بانبثاقة شبيهة بتلك الانبثاقة التي تملكتني في أواخر الستينيات، بقصيدة رثاء طويلة واحدة هي قصيدة ” سفن الرحيل” التي صارت بعد ذلك عنوانا لمجموعتي الشعرية الثانية التي صدرت في طبعتها الأولى عن وزارة الثقافة الفلسطينية في العام 1998، والتي ضمت ما كتبت من قصائد أخرى حتى ذلك الحين، وهي قصائد معظمها ذاتي لا علاقة له بقضية فلسطين. لقد أيقنت من ذلك الحين أنني لا أستطيع أن أكون شاعرة محترفة أكرس كل وقتي وحياتي لكتابة الشعر مثل العديد من الشعراء الآخرين الذين ينذرون انفسهم لذلك. فانا شاعرة هاوية للشعر ، والشعر بالنسبة لي، إما أن ينبثق كالنبع الدافق أو لايكون فأنا امرأة ذات إهتمامات ومشاغل فكرية وإبداعية متعددة لا تنضب، و ليس الرسم الذي لبيته بفيض من الصور في قصائدي، أولها أو آخرها، ولا أحب أن يأسرني شعر أوغيرة، ولهذا رفضت الاحتراف الشعري. وستظل فلسطين نبعا للإبداع ، وسيظل هؤلاء الفدائيون الذين غنيت لهم من كل قلبي، ومن تبعهم من فدائيين آخرين شموعنا المضاءة أبدا طالما أن هناك نبض حياة فينا……!!! إلى حيفا، إلى يافا سنهرع يا أحبائي نغني أرض آبائي فعند الصبح أحزان الشتاء المر تندثر وعند القدس حيث التل والزيتون والقمر سيشرق وجه أحباب دفناهم ولكن دون أكفان لكي نخطو على أشلائهم نخطو إلى عكا وبيسان لنمسح وجه قاتلهم عن الأرض التي سئمت بثورية حذاء الغزو فانتفضت بحرية..ّ!!!(1) (1) جميع قصائد هذه الفترة الممتدة من 1967 لغاية 1973 موجودة في مجموعتي الشعرية الأولى ” أغنيات فلسطينية”، التي صدرت في العراق في طبعتها الأولى في العام 1977 ، والموجودة على موقعي هذا.