أمـــــــــي

الصفحة

             انبثقت هذه الرسالة، إليك يا أمي، من قلب الشوق، من قلب الخوف،                  من قلب الشوق إليك، والخوف من الحقيقة، حقيقة الموت..يا لهذا        الإنسان الذي يتخيل أنه يعرف كل شيء، ولا يعرف شيئا!!!

أمي

أشتاق إليك يا أمي أكثر من أي وقت مضى

يزداد شوقي إليك كلما اقترب الموت مني أكثر

أركض هاربة نحوك كي أحتمي فيك من الموت

أو لكي أموت في موتك أكثر

فلا أجدك إلا كذكرى

أيتها المرأة الجميلة أبدا

الغاضبة أبدا

حتى في الموت!

ما أطول ذكرياتنا يا أمي

ما أطول آلامها وما أقصر إبتساماتها

لا أريد أن أتذكر الآلام

يكفي أننا عشناها

أما البسمات فدعيني أتذكرها فيفرح قلبانا:

هل تذكرين كيف كنا نقتنص لحظات الفرح حين كنت تأتين إلى بغداد ؟

كنت تجدين اللافتة التي علقها الأولاد على الجدار:

“أنقذينا يا تاتا من دجاج ماما”

فتضحكين من كل قلبك

ونقضي معا أجمل الفترات في غفلة من الزمان.

نجلس في الحديقة ونتذكر نابلس

نتذكر قصص القيل والقال

والاستقبالات

والرقص في مجتمع النساء

وصناعة الكنافة النابلسية والعوامة والكلاج

نضحك ونستغيب

ونلعن المحتلين

ثم تسافرين

لكي تعودي كطيور المواسم بعد شهور ثم ترحلين

هل تذكرين “سيدي بوسعيد” في تونس ؟

حيث كنا نجلس على قمة الجبل ندخن الأرجيلة،

ونشرب الشاي المغمس بالصنوبر والنعناع

ونتسابق مع دخان الأرجيلة نحو الآفاق

فيذكرنا بحر تونس الجميل الممتد ببحر فلسطين

وتتحسرين على طفولتك التي قضيتها على شواطئ حيفا

وأنت تلعبين

ثم تأتي الغيوم

فتغمرنا ونغرق في الأحلام.

أين أنت الآن يا أمي ؟

المدينة التي أعطيتني فيها الحياة

خالية من بقاياك

وبقاياك منسية في قبرمهجور

لايمكن الوصول إليه إلا عبر طقوس

لا أهل يأتون إليك ولا أصحاب أو زهور

وإسمك مجهول

وأنا أريد أن أنام في حضنك حين أموت

أريد أن أفنى معك لأنني منك وإليك أعود

لكنني لا أعرف الوصول إليك لأنني

لا أعرف متى وكيف سوف أموت

وكيف سوف أعبر البرزخ الذي

يمتد ما بين آخر الحياة وأول الموتِ

يا ليتني

يا روح قلبي

أعرف الوصول !