الهوية الفلسطينية داخل الدولة اليهودية

الصفحة

 

“دراسة فـــــــــــــــــــــــي الأدب 

 

سلافة حجاوى

كانون ثاني /1984

مركز الدراسات الفلسطينية

جامعة بغداد

 

 

 مقدمة

دفعني الى اختيار دراسة الهوية الوطنية في ادب الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية جملة من العوامل يمكن ايعازها بما يلي :-

1-      الاهمية التي تحتلها دراسة الهوية الوطني الفلسطينية من حيث كونها ظاهرة سياسية كبيرة غيرت معادلة الصراع العربي – الصهيوني منذ اواسط الستينات .

2-      اختلاف ابعاد متغير الهوية الوطنية الفلسطينية داخل الدولة اليهودية عن ابعاد هذا المتغير في مناطق الشتات الفلسطيني الاخرى ، وذلك من حيث احتمالات تحول هذه الساحة – الدولة اليهودية – الى ساحة صراع مصيرى في حالة توفر المعطيات غير المتوفرة حتى الآنء .

3-      اهمية الوظائف التي يؤديها الادب بصفته احد نتاجات الشريحة المثقفة التي تلعب دورا متميزا في حياة الشعوب المستعمرة بشكل عام ، اضافة الى بروز ظاهرة ادبية فلسطينية داخل الدولة اليهودية .

4-      قلة الدراسات السياسية للادب الفلسطيني التي صدرت حتى الآن و خاصة ادب السبعينات .

لذلك فان هذه الدراسة هي محاولة اولية لاستقصاء معالم الهوية الوطنية الفلسطينية في هذا الادب ، وذلك ضمن اطار معطيات الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون داخل اليهودية ،وضمن معطيات طبيعية الصراع العربي الصهيوني .

فقد تميز الصراع العربي الصهيوني عن غيره من الصراعات التي شهدها عصرنا الحديث في انه صراع شامل بل متعدد الابعاد ، سواء في طبيعته او مستوياته او الاطراف المشاركة فيه . واذا كان هذا الصراع قد نشأ نتيجة المنافسات الدولية الاستعمارية ضمن عملية السعي للسيطرة على مناطق النفوذ في العالم ، واتخذ بعد ذلك ابعاد خطيرة ضمن دائرة الصراع الدولي ، فقد تميز عن اشكال الصراع التحررى – الاستعمارى التي شهدها العصر في انه صراع وطني قومي- استيطاني استعمارى توسعي لا مثيل له في حقبتنا هذه سوى جنوب افريقيا ،وعلى مستوى اقل حدة بسبب انتقاء البعد القومي في هذه الحالة الاخيرة .

لقد ادت كارثة عام 1948 الى تجنيد البعد الوطني في هذا الصراع وذلك لنحو عقدين من الزمن ، تحولت قضية فلسطين خلالها الى مشكلة لاجئين .

كما ادى تعطل عملية التكامل القومي الى تحييد البعد القومي في هذا الصراع وذلك من حيث كونه صراعا بين كيان عربي ودولة استيطانية قامت على جزء مقتطع من هذا الكيان الساعي نحو التكامل القومي ، حيث ما لبث هذا الصراع ان انحدار الى مستوى نزاع بين دولة يهودية استيطانية ودول عربية لا تملك الادعاء بشرعية الاقليم .

لقد تعرض الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية منذ عام 1948 الى محاولات التصفية المعنوية وطنيا وقوميا ، فمنح البعض منهم المواطنية الاسرئيلية الشكلية بينما ظل آخرون بدون اية هوية ، وانقطعت صلتهم سواء بشعبهم المشتت او بالوطن العربي عامة وبلغ انحدار مستوى الوعي العربي حد اعتبارهم اعداء “اسرائيليين” .

لقد اعاد اتبعات الهوية الوطنية الفلسطينية منذ اواسط الستينات ، الصراع الى مستواه الحقيقي في بعده الوطني ، بحيث تحول الى صراع مصيري بين جماعة وطنية تملك حقا شرعيا في الاقليم – فلسطين – وجماعة استيطانية استعمارية تدعي شرعية سيطرتها على الاقليم .   وقد طرحت هذه التطورات تحديات جديدة امام الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية ، في مقدمتها استعادة كينونتهم كجزء من الجماعة الوطنية التي تخوض صراعا مصيريا مع الدولة التي يعتبرون فيها مواطنين ، وما يمضي ذلك من احتمالات نقل الصراع الى داخل الدولة ضمن موازين قوى غير متكافئة .

فبتغير الهوية الوطنية الفلسطينية داخل الدولة اليهودية يتضمن نفياً لشرعية الدولة في حده الاقتنص بينما يتضمن في حده الادنى المطالبة بحقوق وطنية في مقدمتها حق “تقرير المصير وحق الانفصال عن الدولة اليهودية ، وهو ما يتناقض مع طبيعة الدولة اليهودية الاستيطانية الاستعمارية التي لم تستكمل شروط بقائها الممثلة في الهجرة والاستيلاء على الارض وتصفية السكان .

لذلك ، فقد قسمت هذه الدراسة الى فصلين يتضمن الفصل الاول عرضا لثلاث متغيرات على صعيد الممارسة ، هي متغير الهوية الوطنية الفلسطينية في بعده التاريخي ومتغير الدولة اليهودية ومتغير الهوية الوطنية للفلسطينيين داخل الدولة اليهودية .

اما الفصل الثاني فيتضمن دراسة لتغيرا الهوية الوطنية الفلسطينية في الادب ، وذلك في ضوء ان الادب ارحب مجالا في قول ما لا يتسطيع السياسة ان تقول ، واكثر تأثيرا في تشكيل الثقافة السياسية من انواع الكتابة الاخرى ، بحيث يمكن ان يشكل مؤشرا الى بعض الاحتمالات المستقبلية .

كذلك ، حددت مجال الدراسة الادبية في عدد من النماذج القصصية والروائية فقط لعدد من الادباء المعروفين سواء من حيث جودة انتاجهم او غزارته ، وذلك لثلاثة اسباب :

اولها : ان الادب قد اتجه منذ اواخر الستينات نحو الاقلال من الشعر والتوجه نحو القصة القصيرة والرواية والمسرحية ، وثانيهما  ان هذه التوجه الجديد قد ترافق مع انبعاث الهوية الوطنية الفلسطينية ، اضافة الى ان القصة والرواية اكثر ملائمة للتعبير عن الافكار من الشعر ، لذلك فان الحدود الزمانية لهذه الدراسة انما تمتد من اواخر الستينات الى اوائل الثمانيات .

لقد اتبعت في هذه الدراسة السياسية منهجا تحليليا ،حاولت من خلاله اجراء قراءة سياسية للوعي السياسي الفلسطيني تاريخيا ، واعتمدت في تتبع متغير الهوية الوطنية الفلسطينية على صعيد الممارسة منهج التحليل العلمي المبني على خلفية وواقع التغير الاقتصادى .

والاجتماعي للبنية الفلسطينية الاجتماعية في ضوء السياسات التي تتبعها الدولة اليهودية ازاء هذا المجتمع ، كم اتبعت منهج تحليل المضمون للاعمال الادبية في الفصل الثاني .

اما بالنسبة للمصطلحات المستخدمة في هذه الدراسة فقد تم اعتماد اصطلاح “يهود” كمرادف للجماعة الاستيطانية ،واصطلاح “دولة يهودية ” بدلا من اسرائيل او “كيان صهيوني” ، وذلك انطلاقا من ان هذه الدولة هي “دولة اليهود” وليست دولة كافة المواطنين ، اضافة الى ان الصهيونية هي مجرد بناء فوقي ايديولوجي وظيفته تبرير العملية الاستيطانية – الاستعمارية التي تكتسب خصائصها من طبيعتها هذه ، اسوة بكافة الدول الاستيطانية – الاستعمار كما تم اعتماد مصطلح ” فلسطين ” كمرادف للعربي ، وذلك انطلاقا من ان الفلسطينية هي التجسيد السياسي الوطني للعروبة والنقيض الاساسي لليهودية السياسية .

اما من حيث المصادر ، فلابد من الاعتراف بأن الدراسات الاكاديمية التي جرت حول الفلسطينين في الدولة اليهودية قليلة جدا ، سواء من الجانب اليهودي او من الجانب الفلسطيني .

فالجانب اليهودي يتحاشي الاقتراب من هذه الموضوع قدر المستطاع ، ولذلك فقد تعمدت ايراد بعض ما صدر عنهم في هذا المجال ضمن الفصل الاول من الدراسة ، اما بالنسبة للجانب الفلسطيني فتعود قلة لدراسات الى قلة عدد الفلسطينين الذين اتيحت لهم مجالات التخصص الاكاديمي في الدولة اليهودية ..

وذلك اضافة الى صعوبة الحصول على ما ينشره الفلسطينيون من ادب او دراسات داخل الدولة اليهودية .

 

الفصل الاول

الهوية الوطنية الفلسطينية في الممارسة

(1)   الوعي السياسي الفلسطيني – تمهيد تاريخي .

تعتبر “الهوية” في مفهومها الاجتماعي العام بانها اعلان الفرد عن تماثله مع جماعة بشرية معينة ورغبته في الانتماء اليها ، وتتحدد عملية التماثل هذه بمتغيرين هما موقف الفرد من الجماعة وموقف الجماعة من الفرد .

لقد مرت عملية التماثل والانتماء الاجتماعي بعدة مراحل تاريخية كما شهدت عدة مستويات فكرية وثقافية ، وارتبطت بنوع الثقافة السائدة في أي من التجمعات. فلقد تماثل الانسان عبر التاريخ مع العائلة والعشيرة والقبيلة ، ثم مع الشعب والامة، كما تمثل عقائديا وفكريا مع الجماعة الدينية او القومية او مع الطبقة ، وذلك وفقا للمعطيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، والشروط الانسانية والتاريخية.

وقد اكتسب مفهوم ” الهوية” بعدا سياسيا منذ نشؤ نظام الدولة الحديثة* ، حيث اصبح يعرف باسم الهوية الوطنية التي تعني تماثل الفرد مع جماعة معينة فوق اقليم معين ضن اطار سياسيي – قانوني تحكمه منظومة من الحقوق والواجبات ،وقوانين جنسية صادرة عن حكومات الاقاليم ، هي قوانين مختلفة بااختلاف الفلسفات السياسية التي تتبناها الحكومات .

لقد تم نشوء العديد من الدول الحديثة كتتويج لاستمرارية تاريخية لجماعات بشرية فوق اقاليم جغرافية محدودة ، وخاصة في المجتمعات الزراعية المستقرة الآخذة في التحول الى نوع ارقي من العلاقات الاقتصادية – الصناعية حيث شكل ظهور الدولة الحديثة استجابة منطقية لمتطلبات هذا التحول الاقتصادي في تلك المجتمعات . وقد ادى ذلك الى تماثل الهوية الوطنية الجديدة في تلك الدول مع شخصية الجماعة او طابعها القومى المتكون تاريخيا .

ممـــا ادى الى تبلـور ما يعرف باسم الشخصية الوطنية او القومية التي تنصهر

فيها الاختلافات الدينية والعرقية والقوميـــة او تتعايش ضمن اطـــــار مصلحـــة

——————————————————————-

* هناك ثلاثة مقومات للدولة الحديثة هي

(1) جماعة بشرية ثابته فوق                  (2) اقليم جغرافي معين لها

(3) حكومة تمارس سلطتها عليها ضمن اطار ذلك الاقليم – وذلك بغض النظر عما يوجد بين الجماعة من اختلاف في المعتقدات الدينية او الاصول القومية و الانتماءات العنصرية . انظر :

Mallison, J.R., in : Moors , The Arab – Israaeli Conflict, vol. I london . 1974 P.

 

وطنية عليا ذات هوية وطنية واحدة .

غير ان تعرض مجتمعات اخرى لسيطرة استعمارية خارجية قد عطل عملية تحول هذه المجتمعات الى مجتمعات صناعية ذات علاقات اقتصادية متطورة ، وعرقل قيام دول حديثة فيها ، حيث تعثرت عملية تبلور مفهوم سياسي واضح للهوية الوطنية ، وظل مفهوم التماثل مع القبيلة او العشيرة او الطائفة سائدا ، كما احتفظت عملية الانتماء للارض بطابعها الفطرى اللاشعورى الذى يستمد شرعيته من التاريخ ومن الانتفاع من الارض .

لقد طرح نظام الدولة الحديثة – الصناعية – تحديات خطيرة امام الشعوب المستعمرة ، في مقدمتها انتهاك شرعية انتمائها التاريخي والفطرى للاقليم الجغرافي الذي تقيم فيه ، والاستهتار بشخصيتها الجماعية  بحجة انه لا تشكل كيانات سياسية معترف بها ضمن اطار النظام الدولى الحديث .

ولعل اوضح مثال على ذلك ما حل بشعب فلسطين الذي يملك شرعية الانتماء القطرى التاريخي للاقليم ، حيث أدت السياسات البريطانية واليهودية قبل عام 1948 الى تدمير البنية الاقتصادية – الاجتماعية لشعب فلسطين وعرقلة عملية تبلور قيادة سياسية قادرة على حماية هذه الشرعية التي ما لبثت ان انتهكت على نحو صارخ ..

 

شكل المجتمع الفلسطيني على مدى التاريخ مجتمعا زراعيا مستقرا ، حيث بلغت نسبة الفلاحين عام 1947 نحو 80% من مجموع سكان فلسطين نحو 90% من مجموع السكان العرب(1)  ويرجع هذا الاستقرار الريفي الى فترة موغلة في التاريخ ، حيث يرى بعض المؤرخين ان الفلاحين الفلسطينيون هم سلالات الكنعانيين الاوائل الذين استقروا في فلسطين منذ الالف الرابعة قبل الميلاد ، وبأن كافة الموجات البشرية اللاحقة التي دخلت فلسطين قد انصهرت في بوتقة الكنعانيين ، مشكلة جماعة بشرية كنعانية الطابع ما لبثت ان استعربت مع الفتح الاسلامي لفلسطين في القرن السابع الميلادى (2).  وقد تألف الفلسطينيين منذ ذلك الحين من تلك الجماعة ، اضافة الى عدد من القبائل العربية التي جاءت مع الفتح الاسلامي اضافة الى بعض الموجات اللاحقة .

عاش الفلاحون الفلسطينيون ضمن اطار مجتمع تقليدي قائم على الاقتصاد الفطرى ، حيث القرية هي الوحدة الاهم في حياة الفلاح ، وكثيرا ما كانت القرى المتجاورة تتآلف اما بحكم الجوار اوصلة القربي حيث تمتد العائلة التي تشكل نواة القرية في عدة قرى ، فيطلق عليها اسم “الحمولة” . وكان نظام مشاعية الارض هو  السائد حتى منتصف القرن التاسع عشر ، حيث الملك الاسمي للارض هو السلطان العثماني ، بينما يجري التصرف بالارض على اساس حق الانتفاع وعلى نحو متوارث . كما كان سكان القرية يمكلون الارض بشكل جماعي لقا ضريبة يتم دفعها الى الحكومة العثمانية (3) . ويذكــــــر بأن القرية الفلسطينية قد اخذت منـــذ القــــرن السابع عشر بالاتجاه نحو الاكتفاء الذاتي بسبب انهيار التنظيم والامن في الدولة العثمانية حيث اخذت تنتج مختلف انواع الحبوب والخضروات ، اضافة الى تربية المواشي كما تطورت فيها مختلف انواع المهارات الحرفية والصناعية (4) .

أدى نظام مشاعية الملكية الى تنمية روح الجماعة بين القرويين الى سيادة القيم العائلية الابوية . كما لعبت مدن فلسطين التاريخية دورا كبيرا في بلورة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين الريف والمدينة ، حيث شكلت المدن محاور لنحو الف قرية تابعة لهذه المدينة او تلك ، اضافة الى ان صغر مساحة فلسطين وتقارب المدن والقرى من بعضها البعض قد ساعد على ايجاد شبكة                                                                    ——————————————————————————–

(1) Sayegh ,R., Palestinians Form  Peasants to Revolutionaries. Zed Press, London  .1979,P.6.

(2) Betty, ilene, Arab s & Jews inlhe Iand af Canaan , Chicago .U.S.A ,1957,in ,khalidi,      w.(ed.), from haven to Conquest , i.p.s. , p.12 .

(3) Grantt, R.,The Land System in Palestine , London , 1950, P.52

(4) Polk & stamler . Back Drop to Tragedy , N.Y.,19 ,P. 50.

من العلاقات الواسعة بين مختلف المناطق *.

كذلك ادت التطورات التى شهدتها “الارض العثمانية منذ اواسط القرن التاسع عشر ، كانتشار طرق المواصلات ودخول النظام النقدي ، الى تعزيز الصلات بين الريف والمدينة وارتفاع نسبة الانتاج الزراعي ونسبة الزيادة الطبيعية بين السكان ، حيث قفز عدد الفلسطينيين العرب .

بين عام 1800 ونهاية القرن التاسع عشر من 200 الف الى نحو نصف مليون(5)، فاخذ الفلاحين في التدفق نحو المدن للاقامة فيها ، وتخلخل نظام القرية كوحدة اجتماعية وسياسية ، واتسع النشاط الاقتصادى وتراكمت الاموال في ايدي بعض الشرائح الاجتماعية التى ما لبثت ان شكلت نويات بورجوازية محلية .

وعلى الرغم من ان التطورات التي شهدها القرن التاسع عشر قد وضعت حدا لنظام الملكية المشاع حيث ما لبثت الارض ان تحولت الى سلعة رأسمالية فقد بقيت الجماهير الفلاحية في وضع جيد نسبي رغم مختلف الضرائب التي تحتم عليها دفعها للمالك الجديد ، كما ظلت تعتبر نفسها المالك الحقيقي للارض بسبب استمرارها في العيش والعمل فوقها . ولم تبدأ متاعب الفلاحين الحقيقية الا مع بداية الغزو الصهيوني حيث كان مصير الفلاحين المقيمين فوق الارض التي يشتريها الصهاينة هو الطرد من الارض ، في وقت لم تكن فيه الارض كافية للفلاحين . وكان رد فعل الفلاحين الفلسطينيين على عمليات الاستيطان الصهيوني سريعا ومباشرا* ،

——————————————————————————–

*شهدت فلسطين عدة تقسيمات ادارية منذ العهد الروماني ، حيث قسمها البيزنطيين الى ثلاث مناطق هي : فلسطين الاولى وفلسطين الثانية و فلسطين الثالثة، وذلك من رأس الناقورة شمالا حتى العريش جنوبا ومن البحر الى النهر وقد حافظت معظم التقسيمات اللاحقة على التقسيم الروماني . فقد امتد جند فلسطين في العهد الاسلامي من مرج بن عامر حتى العريش بينما ضم جند الاردن كل من طبرية والجليل والبحر الميت ونابلس وصور . كذلك قسمت فلسطين في العهد العثماني الى ثلاثة الوية هي لواء القدس ونابلس ولواء عكا الذي تبع ولاية بيروت ادارية ويلاحظ اجتماعيا ان المدن والقرى الفلسطينية قد ظلت مترابطة ، اضافة الى ان فلسطين قد اكتسبت مفهوم جغرافيا وحضاريا لما تمت به من خصوصية دينية ارتبطت بمفهوم الاراضي المقدسة ، و بحكم كونها مفترق طرق العالم على مدى التاريخ.

(5) Migdal ,j.,(ed), Palestininan Society and Politics, Princeton Univrsity Press, U.S.A  1980,P .15

* ركز العديد من الصهاينة على مقولة جذب فلسطين قبل مجيء الصهاينة وذلك على النقيض مما اورده العديد من الرحالة الذين زارو فلسطين فقد وصف صموئيل “مرج بن عامر” على سبيل المثال ، الذي اشتراه الصهاينة من عائلة اللبنانية سرسق اللبنانية في عام 1921 بانه “صحراوى في معظمة وغير مستغل قبل مجيء “الاستيطان اليهودي” بينما كان لورانس اوليفائت قد وصف هذا السهل ذاته في عام 1887 بقوله: “انه بحيرة خضراء ضخمة من القمح المتماوج حيث ترتفع تلاله المتوجه بالقرى كالجزر بينها ، وهي تقدم للناظر احد الصور بالغة التأثير عما يمكن تصوره من الخصب الوفير”  .

حيث شهدت اواخر القرن التاسع عشر العديد من الهجمات المسلحة التي شنها الفلاحون على المستوطنات ، التي ما لبثت ان شكلت “فرق دفاع”(6) .

وفيما يعترف المؤرخين الصهاينة بتلك الهجمات ، الا انهم  يعزون ذلك الى جهل المستوطنين “لغة وعادات وطبائع العرب”(7) ، بينما تؤكد الوثائق العربية المتوفرة بأن الوعي الفلسطيني بالخطر الصهيوني كان حادا منذ ذلك الحين ، فقد رفع في عام 1891 خمسمائة مواطن من القدس عريضة الى لسلطات التركية يذكر ونفيها بأن ” اليهود قد سلبوا اراضي المسلمين وبداو تدريجيا بالسيطرة على كل التجارة المحلية ،و احضار السلاح الى فلسطين ،(8) . كما ينقل اهرون كوهين فقرات من مذكرات كالفارسكي يروى فيها اخبارا عن منازعات جرت قرب طبريا في اواخر القرن التاسع عشر ، و يقول بأن قائممقام طبيا ، امين ارسلان ، قد اخبره ” باننا حاربنا ليس ضد مساوئ طرد المستأجرين العرب دون تعويض ، بل ضد التغيير في الصفة القومية للاراض .(9)

يمكن الاستنتاج في ضوء تلك التطورات التي شهدتها اواخر القرن التاسع عشر ، ان الهوية الجماعية لفلسطينيين قد تمثلت في ذلك الحين بالهوية الاسلامية ، الى جانب ظهور بوادر هوية قومية عربية ترافقت مع بدايات ظهور الحركة القومية العربية ، غير ان السلام ظل هو المتغير الاساسي في حياة الريف الفلسطيني . ومن جهة اخرى ،فان الوعي المبكر بالخطر اليهودي الذى ابداه الفلاحيون الفلسطينيون الى جانب الشريحة المثقفة، قد شكل نقلة نوعية في الوعي الانتمائي للارض والجماعة، حيث لم يعد هذا الانتماء انتماء طبيعيا لاشعوريا وانما اخذ بالتحول الى انتماء سياسي ، تلاحمت فيه الجماعة والارض في هوية وطنية واحدة هي الهوية الاسلامية ، ضمن اطار سلطة سياسية وهي الدولة العثمانية الاسلامية ولذلك فقد شعر الفلسطينيون بنوع من الاطمئنان وهم يوجهون شكاواهم من خلال مبعويثهم الى السلطة العثمانيــــة – على الرغم من نجاح العديد مــــن الاختراقـــات الاستيطانية –

——————————————————————————–

(6) خيرية قاسمية : النشاط الصهيوني في الشرق العربي و مصداه ، مركز الابحاث الفلسطينية ، بيروت 1973،ص31، نقلاً عن :…. Golombe , E. The History of Jewish Defence in Palestine

(7) خيرية قاسمية ، المصدر السابق ،ص31

(8) نفس المصدر ،ص32

(9) نفس المصدر ،ص33

 

الاستعمارية ، بسبب البنية التقليدية ما قبل الحديثة للدولة العثمانية وحالة التفكك التي آلت اليها .

بدأ الوعي السياسي الفلسطيني مع بداية الوعي السياسي العربي عامة في اواخر القرن التاسع عشر ، حيث شكل الفلسطينيون جزءا من الحركة القومية الداعية الى استقلال المنطقة العربية وقيام الدولة العربية الواحدة ، وهو توجه اتضحت معالمة بعد الانقلاب التركي في عام 1908 الذي اطاح بالسلطان عبد الحميد ووصول حزب الاتحاد والترقي الى السلطة ، وقد لعب الفلسطينيون دورا هاما في الاعداد للمؤتمر القومي الاول الذي عقد في باريس في عام 1913 وكان عدد البرقيات التى تلقاها المؤتمر نحو 387 برقية 139 برقية من فلسطينيين (10). وكانت الصحف الوطنية بدأت في الظهور في فلسطين وفي مقدمتها جريدة “الكرمل” التي تأسست في عام 1908 ولعبت دورا كبيرا في بلورة الوعي السياسي الوطني القومي .

وقد واصل الفلسطينيون تمسكهم بالوحدة السياسية القومية حتى بعد انقسام الحركة القومية العربية اثر احتلال بريطانيا للعراق في عام 1918 ، وكانت آخر محاولة للتشبت بالامل القومي هو المؤتمر الخاص الذى عقده المندوبون الفلسطينيين في المؤتمر السورى في 27/2/1930 و قرروا فيه انتسابهم الى سوريا ورفض اقامة حكومة فلسطينية (11) .

غير ان صدور قرار مجلس السلم العالمي  بانتداب بريطانيا على فلسطين      وفرنسا على سوريا ، ثم سقوط حكومة فيصل في دمشق عام 1920 ، قد وضع الفلسطينيين امام واقع جديد ، حيث نادى المؤتمر الفلسطيني الثالث الذي عقد في حيفا في 14/12/1920 بأنشاء حكومة قومية فلسطينية . كما انبثقت عن المؤتمر المذكور اول قيادة فلسطينية هي اللجنة التنفيذية ، وذلك بهدف ان تعترف بريطانيا بها وتفاوضها نيابة عن الشعب ، غير ان بريطانيا رفضت الاعتراف بها .

نشأت خلال هذه الفترة بعض المنظمات السرية التي تدعوا الى الكفاح المسلح ضد الاستيطان – الاستعمارى اليهودي ، منها “الكف الاسود ” كما انشئت العديد من      الجمعيات الفلسطينية ، وقد بلغ التوثر اوجه في عامي 1920 و 1921 حيث        وقعت الصدمات المسلحة بين الجماهير الفلسطينية والقوات البريطانية واليهودية .

——————————————————————————–

(10) اميل توما ، ستون عاما على الحركة القومية العربية الفلسطينية ، منظمة التحرير الفلسطينية بيروت   ،1978، ص17.

(11) المصدر السابق ، ص20

وكان هناك اجماع شعبي عام على ثلاثة مبادئ اساسية ظل الشعب والقيادة السياسية متمسكين بها حتى عام 1948 ،وهي :

1- اقامة حكومة وطنية مسؤولة امام برلمان ينتخبة اهل البلاد من مسلمين و مسيحيين ويهود .

2- الغاء مبدأ الوطن القومي اليهودى ..

3- ايقاف الهجرة اليهودية و انتقال الاراضي الى اليهود(12)  .

وعلى هذه القاعدة رفضت اللجنة التنفيذية مشروع المجلس التشريعي الذي تقدمت به حكومة الانتداب في عام 1922 حيث كان من شأن القبول به يشكل اعترافا بحكوم الانتداب ، اضافة الى انه قد نص على ان تكون غالبية الاعضاء من البريطانيين واليهود ، كما ان صلاحياته لم تتجاوز الصفة الاستشارية ولم تتح حق التصويت بالنسبة للأمور الهامة كالهجرة والاراضي والميزانية والضرائب(13) .

كذلك رفضت اللجنة التنفيذية في عام 1923 فكرة نشاء وكالة عربية على غرار الوكالة اليهودية حيث كان من شأن ذلك ان يضع العرب على قدم المساواة مع اليهود.

لقد انحلت اللجنة التنفيذية عمليا بوفاة رئيسها في عام 1934 ، وبقيت البلاد بدون قيادة سياسية حتى عام 1936 حين بادرت ستة احزاب كانت قد تشكلت منذ اوائل الثلاثينات الى تشكيل قيادة سياسية هي اللجنة العربية العليا وكانت الثورة (ثورة 1936-1939) قد اندلعت بقيادة لجان قومية تشكلت في المدن والقرى ، ولدى رفض الجنة لمشروع التقسيم الذي طرحته اللجنة الملكية البريطانية في عام 1937، بادرت حكومة الانتداب الى حلها ونفت اعضاءها الى خارج البلاد .

هكذا بقيت البلاد بدون قيادة سياسية حتى عام 1946 حين تم تشكيل “الهيئة العربية العليا” التى مارست عملها من الخارج ، بحيث يمكن القول بان البلاد قد ظلت بدون قيادة سياسية فوق الارض .

وعلى الرغم من ان الهيئة العربية العليا قد رفضت قرار التقسيم الصادر في عام 1947 ، الا انها لم تدر ظهرها نهائيا له ، حيث كان الإعلان عن تشكيل أول

——————————————————————————–

(12) تيسير الناشف ، الخلفية الثقافية للقيادة الفلسطينية العربية ، مجلة مركز الدراسات الفلسطينية ، العدد 25،1977،ص12.

(13) ناجي علوش ، المقاومة العربية في فلسطين ، مركز الابحاث الفلسطينية 1967ن ص44.

 

 

حكومة فلسطينية “حكومة عموم فلسطين” في اواخر عام 1948مؤشرا على الرغبة في اقامة حكومة فلسطينية في المناطق التي لم تحتلها الدولة اليهودية (14). غير ان هذه الحكومة ما لبثت ان انتهت عمليا لدى ضم “الضفة الغربية الى شرق الاردن في عام 1950.

ويدل هذا الاستعراض لمواقف القيادة السياسية الفلسطينية حتى عام 1950 ، على ان الوعي الفلسطيني العام كان متجها نحو اقامة حكومة وطنية فلسطينية ، خاصة وان المقدمات الموضوعية لاقامة مثل هذه الحكومة قد بدأت بالتوافر منذ اوائل الثلاثينات مع بروز بورجوازية وطنية فلسطينية ، كان من شأن اشتداد قوتها ان يقود الى تشكيل قيادة فلسطينية متماسكة ومتجانسة رغم العراقيل التي وضعتها حكومة الانتداب والقيادة اليهودية في وجه نمو اقتصاد فلسطيني .

وعلى الرغم من ان ثورة 1936-1939 قد اصابت البلاد بالشلل الاقتصادى الا ان الاربعينات مالبثت ان شهدت انتعاش اقتصاديا شكل  مقدمة التبلور طبقي الا ان عامل الزمن لعب دورا حاسما في اجهاض هذه المقدمات (15).

لقد تبلور الوعي السياسي بالهوية الوطنية الفلسطينية قبل عام 1948 عبر عدة متغيرات :

1- معاهدة سايكس – بيكو وتقسيم المنطقة العربية الى دول متعددة .

2- الانتداب البريطاني وصدور قانون الجنسية الفلسطينية في عام 1925.

3- نمو الاقتصاد الفلسطيني وتبلور علاقات متقدمة نسبيا على نحو مستقل عن الاقتصاد اليهودي .

4- وجود قيادة سياسية فلسطينية بغض النظر عن طبيعتها .

5- التحدى الاسيطاني – الاستعمارى اليهودى.

وقد شكلت الهوية الوطنية الفلسطينية مقدمة لتبلور شخصية وطنيةقومية استمدت مقوماتها من التاريخ والارض وشخصية الجماعة (طابعها القومي) والتطورات  الاقتصادية التي نقلت الفلسطينيين عبر قرون عديدة من مستوى العلاقات العشائرية والقبلية الى مستوى اللشعب .  وقد ازدادت هذه الشخصية رسوخا وتفاعلا عبر عملية النضال ضد الاستيطان اليهودي ، حيث شكلت الانتفاضات والثورات بوتقة انصهرت فيها الانتماءات الطائفية .

——————————————————————————–

(14) عيسي الشعيبي ، الكيانية الفلسطينية ، الوعي الذاتي والتطور المؤسساتى

(15) Migdal ,  Op., cit .

وهناك من يرى بأن عدم أتخاذ موقف حازم باتجاه تشكيل حكومة فلسطينية في الاراضي التى لم تحتلها الدولة اليهودية في عام 1948 سواء من قبل القيادة الفلسطينية او المواقف الشعبي انما يعود الى “عدم تجذر الوعي الكياني لدى الفلسطينيين الذين لم يمارسوا في تاريخهم الحديث حكمهم لانفسهم ، وبالتالي فانهم عندما سلموا بالاجراءات الاردنية ، لم يكن يساورهم الشعور بانهم مقدمون على التنازل عن تجربة كيانية لها تراثها الاستقلالي وامتيازاتها السلطوية ، اضافة الى ان معركة عروبة الارض كانت متقدمة على غيرها من المعارك (16) ، الا ان ما يمكن ترجيحة هو ان حجم الكارثة وحالة الخوف والذهول التي اصيب بها الفلسطينيون نتيجة تدمير كافة مؤسساتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية قد شلت كل قدرة في تلك السنوات المبكرة علىالتفكير باتجاه اقامة دولة فلسطينية ، ناهيك عن ان ميزان القوى على الصعيدين القومي والدولي كان في صالح القوى المناهضة لاقامة دولة فلسطينية عربية ، في مقدمة هذه القوى الدولة اليهودية ذاتها ، هو الذي أدى الى اجهاض محاولة .

ادت كارثة عام 1948 الى تمزق الشخصية الوطنية الفلسطينية والى اندثار الهوية الوطنية الفلسطينية ، كما ادى الارتطام بواقع الشتات الى فقدان الفلسطيني لأى تماثل او انتماء . فقد كان الفلسطيني يجاهر وهو فوق ارضه بأنه مسلم او عربي وفقا لنوع ثقافته، اما وقد اضاع الأرض وخرج الى الشتات فهو لم يجد تلك الجماعة الاسلامية  والجماعة العربية التي يتماثل معها ، بل وجد دولا حديثة ذات هويات وطنية لامكان له فيها الا كلاجئ . كذلك الحال بالنسبة للفلسطينيين الذين واصــــلوا الاقامة فــــوق الارض التي انتزعت منها هويتها ، حيث تحول الفلسطينيون داخل الدولة اليهودية الى اقلية مضطهدة غريبة عن الارض التي تقيم فوقها ، كما فقد فلسطينيون ” الضفة الغربية ” هويتهم لكي يحملوا الهوية الاردنية . وكان فلسطينيو غزة هم الاستثناء الوحيد رغم فقدانهم لامتداداتهم الطبيعية.

ويمكن التعرف على حيرة الفلسطيني في تعريف نفسه من خلال اجابات عدد من اللاجئين على استقصاء ميداني اجرى في مخيمات الاجئين في الضفة العربية عام 1967 حول الهوية حيث اجاب القسم الاكبر منهم بأنهم “مسلمون ” ، يليهم          ——————————————————————————–

(16) عيسى الشعيبي ،الكيانية الفلسطينية ،الوعي الذاتي والتطور المؤسساتي مركز الابحاث الفلسطينية ،بيروت ،بيت روت ، 1979 ، ص34 .

 

 

اولئك الذين اجابوا بانهم “عرب”، اما المجموعة الثالثة فقد عرفت نفسها بانها مرغمة على ان تكون “اردنية” ، بينما اجابت مجموعة رابعة مؤلفة من المثقفين والنساء بانها “فلسطينية”، ويشير الاستقصاء الى ان النساء كن اكثر حسما من الجميع في الاعلان عن فلسطينيتهن (17) ، كما يشير الاستقصاء الى ان اولئك الذين عرفوا انفسهم بانهم “مسلمون” او “عرب” قد استبعدوا اية وحدة سياسية اسلامية او عربية ، واشتكوا من ان مشكلة ” الفلسطينيين” تكمن في افتقارهم الى قيادة سياسية ، وان دل هذا الاستقصاء على شيء، فهو انما يدل على ان الوعي الفلسطيني”بالهوية الوطنية” وعي متقدم ، غير انه مشوش بسب الكارثة التي المت بهم .

شكلت الخمسينات مرحلة ذهول ثم ترقب فلسطيني حيث بدأ البعض بالبحث عن اطار قومي للعمل باتجاه تحرير فلسطين او باللجوء الىالعمل العسكري الفردى .

كمال شكل العدوان الثلاثى على مصر في عام 1956 وما سبقه من احتلال لقطاع غزة من قبل اسرئيل ، بداية التحول في الوعي الفلسطيني باتجاه ضرورة الفصل بين قضية فلسطين كونها قضية قومية تتعلق باقتطاع جزء من الكيان العربي وبين كونها قضية شعب مقتلع من وطنه . وأخذ التاريخ والواقع يتشابكان في الوعي الفلسطيني كمنطلق نحو المستقبل . واذا ما عدنا الى ادبيات “فتح” المبكرة ، نلمس ذلك التململ باتجاه استعادة الدور الفلسطيني والفصل بين الابعاد الوطنية  والقومية لقضية فلسطين :

“ان المؤرخين لن يجدوا مفرا عندما يؤرخون لفترة الخمسينات من من تاريخ المنطقة، من ان يقدروا بأن طريق دايان الى غزة والقويصة وسيناء عام 1956                           كان طريق عبد الناصر الى كسر الارتباط التاريخي بالغرب ،وطريق الفلسطينيين  الى اكتشاف دورهم الخاص ، ومن ثم التمرد ، فالثورة . فقد اكتشف الفلسطينيين     دورهم الخاص اثناء الاحتلال الاسرائيلي لقطاع غزة 1956، وانهم يستطيعون ان  يقاتلوا حتى في اسوأ ظروف الاحتلال ، وان الانسان اذا ما اراد ، يستطيع النضال حتى ولو كان على حافة الموت ، وان سيطرة العدو على الارض لا تعني الهزيمةالنهائية . فالهزيمة هي سقوط الارادة . باختصار ، لقد الهمت حرب السويس من خلال التمرس في مواجهة الاحتلال طليعة الفلسطينيين بما يمكن فعله وما يمكن

تجنبه (18) . في عام 1959 باشر تشكيل “فتح” الجديد باصدار مجلة “فلسطينناً        ——————————————————————————–

(17) Migdal, J ., op. cit p.153-158

(18) هاني الحسن ، فتح بين النظرية والتطبيق ، شؤون فلسطينية العدد 7،  1972 ، ص 10

وقد خاطبت فتح “شباب النكبة” في العدد الاول قائلة :

“ان النكبة قد وقعت واستمرت ، لاننا لم نكن عنصراً اساسيا في قيادة المعركة ، وستبقى النكبه ما دمتم ياشباب فلسطين بمنأى عن قضية فلسطين .

آن لكم ياشباب النكبة ان تقودوا شعبكم لتكونوا طليعة الشعب العربي في الكفاح العربي من اجل استرداد ارضنا المباركة”(19)  .

وعندما عادت “لجنة التوفيق الدولية” الى  الاتصال بالدول العربية والدولة اليهودية في مطلع الستينات ، كتبت فلسطيننا : “لقد عيل صبرنا يا ابناء فلسطين ، فلا صوت لنا سمع ولاكيان لقد آن لصوتكم يا ابناء فلسطين ان يرتفع ، لقد آن لكم في ان يكون لكم ممثلة فلسطيني يحمل آراءكم ويدعوا لتنفيذها باسمكم (20) .

وتشير نشرات فتح الاولى ،بأن الحركة الناشئة  قد انطلقت من تصور سياسي واضح ومحدد هو اقامة كيان سياسي فلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية رغم عدم التصريح بذلك علنا ،بسبب ما اعترض ذلك من صعوبات ، فقد جاء في فلسطيننا:

“اننا نحن عرب فلسطين لا نزال نملك جزءا من وطننا المغتصب وهذا الجزء صالح كقاعدة انطلاق لنا لتحرير وطننا … والمستعمرون خالقوا اسرائيل لايريدون ان يكون لنا كيان ، اذ ان الشعب الفلسطيني المغلوب على امره لا يستطيع ان يثور على اليهود ما دام له كيان .وحكامه يحاربون كيانه ويكتبون ثورته (21) .

ومضت قائلة في العدد المحادى عشر لعام 1960:

” الكيان مطلب اساسي من مطالبنا نحن عرب فلسطين المشردين …والكيان حق     شرعي لنا ، فكافة شعوب الارض تسعي للحرية ونحن لن نتأخر في طلب           الحرية…. ان هناك اقساما عربية من فلسطين ، على هذه الاقسام ينبغي ان نشيد    صرح حكم وطني فلسطيني ثورى قيادى يعمل بالتعاون مع الدول العربية … لانقاذ فلسطين من المجرمين اليهود . ان هذا الحكم الذي تطمح بالحصول عليه يتمثل بكيان نابع من ضمير شعبنا ونكبته وهذا الكيان كفيل برد الاعتبار والكرامة لمن فقدوها(22).

——————————————————————————–

(19) مجلة فلسطيننا ، العدد الاول ، تشرين اول ، 1959 ، في عيسي الشعبي ، مصدر سابق ، ص53 .

(20) فلسطيننا ، العدد الرابع ، 1960 ، المصدر السابق ، ص53 .

(21) فلسطيننا ، العدد التاسع ، 1960 ، المصدر السابق ، ص54 .

(22) المصدر السابق ، ص55

 

لم تكن مبادرة فتح هذه هي الوحيدة على الصعيد الفلسطيني ففي وقت يكاد يكون متزامنا تقريبا انطلقت دعوة شبيهة داخل صفوف الفلسطينيين العرب في اسرائيل ، حيث تم تشكيل تنظيم “الارض” وهو تنظيم قومي – وطني لعب دورا في بذر نواة الفكر السياسي بين عرب الارض المحتلة عام 1948 وباتجاه اعتبار انفسهم اقلية “قومية” وبالدعوة الى اقامة دولة عربية فلسطينية . وقد رمز اسم التنظيم “الارض” الى تأكيد البعد الوطني المتمسك بالارض ، كما نص البيان الذى اصدرته الحركة في نيسان 1958 على :”نحن الجناح القومي في الجهة الشعبية الديمقراطية* نعلم اننا جزء من الشعب الفلسطيني الذي هو جزء من الامة العربية … ونطالب قادة اسرائيل … ان يعترفوا بحق تقرير المصير لشعب العربي الفلسطيني(23)…وقد رفضت اسرائيل اجازة الحركة التي قامت بدورها بارسال مذكرات الى الامم المتحدة واعلن قادتها على صفحات الجرائد الاسرائيلية في عام 1964 مطالبتهم باقامة دولة عربية فلسطينية قائلين :

اذا كان لليهود حق في اقامة دولة مستقلة ، فللشعب الفلسطيني ايضا حق في اقامة دولة مستقلة …اننا نعيش ضمن حدود هدنة … ولا يجب ان نقرر ان ان كل عربي يعيش في هذا المنطقة هو “اسرائيلي”…ان ما هو موجود اليوم ليس خط حدود هبط من السماء ، من الممكن تعديله الى هنا او هناك (24)”.

كذلك ما لبثت ” الهيئة العربية العليا ” ان نشطت بالاتجاه ذاته حيت رفعت في عام 1960 مذكرة الى كافة الدول العربية مطالبة باحياء كيان فلسطين (25) .

وقد برزت بعد ذلك توجهات مماثلة داخل صفوف الدول العربية وهي توجهات حكمتها الصراعات السياسية الدائرة بينها . ففي عام 1959 ناقشت الجامعة                 العربية بمبادرة من الجمهورية العربية المتحدة مسألة اعادة تنظيم الشعب الفلسطيني وابراز كيانه ، دون ان تتوصل الى نتيجة . وكان عبد الكريم قاسم قد نادى منذ عام 1958 بتطبيق قرارات الامم المتحدة بشأن فلسطين ،  ودعا في خطاب القاه في المؤتمر الطبي الاول الذي عقد في بغداد في 15/12/1959الى اقامة دولة فلسطينية، كما كرر ذلك عدة مرات كان آخرها في خطاب القاه في دار الضباط في 7/1/1960 دعا فيه الى قيام “جمهورية فلسطينية خالدة ” فوق الارض” التي تحتلها ——————————————————————————–

* جبهة ضمت القوميين والشيوعيين العرب داخل اسرائيل تم تشكيلها عام 1957 .

(23) حبيب قهوجي ، العرب في ظل الاحتلال الاسرائيلي ، بيروت1972، ص 447.

(24) عيسي الشعيبي ، مصدر سابق ، ص69.

(25) خطاب عبد الكريم قاسم في دار الضابط 7/1/1960منشورات وزارة الاعلام .

الاردن ومصر” ، واتبع ذلك بتشكيل فوج فلسطيني اعتبره جيش تحرير الجمهورية الفلسطينية ، وذلك في 27/3/1960 .

كذلك عمدت الاحزاب القومية العربية في الفترة ذاتها الى تبنى فكرة اعادة تنظيم الشعب الفلسطيني ، حيث قدم حزب البعث العربي الاشتراكي مذكرة الى مؤتمر وزارة خارجية العرب المنعقد في بغداد ، اكد فيه على ضرورة اطلاق حرية شعب فلسطين بتنظيم نفسه في جبهة تحرير فلسطينية (26) .

كما شكلت حركة القوميين العرب في عام 1958 “لجنة فلسطين” وذلك للعمل على تحرير فلسطين من خلال الفلسطينيين  انفسهم واعتمادا على دولة الوحدة ” تم شكلت في عام 1960 جهازا خاصا باسم “اقليم فلسطين” اسوة ببقية اقليم الحركة(27) .

كذلك رفعت الحكومة العراقية في عام 1963 مذكرة الى الجامعة العربية طالبت فيها بانشاء “حكومة فلسطينية (28) وفي عام 1964 اتخذت الجامعة العربية قرار بانشاء منظمة التحرير الفلسطينية “ككيان لتنيظم الفلسطينيين (29) في الوقت الذي كانت فيه التنظيمات الفلسطينية المسلحة الصغيرة قد انتشرت على نحو واسع وجامح ، حيث قدر البعض عدد بنحو اربعين تنظيما او اكثر …

وقد ظلت منظمة التحرير كيانا عائما رغم ان الفلسطينين قد سارعوا الى استغلال هذه  الفرصة ، فعقدوا اول مؤتمر فلسطيني في العام ذاته في مدينة القدس ، ووضعوا ميثاقا فلسطينيا تضمن تعريفا قانونيا “للفلسطينيين” ، وبانهم المواطنين العرب الذين كانو يقيمون بصورة دائمة في فلسطين حتى عام 1948، وكل من ولد لاب فلسطيني بعد ذلك ،سواء فوق ارض فلسطين او خارجها ، كما نص الميثاق     على اعتبار اليهود الذين كانوا يقيمون اقامة دائمة في فلسطين قبـــل الغزو الصهيوني ، بأنهم فلسطينيون ، وحــــدد احد القرارات الملحقة بالميثاق بدايـــــة الغــزو الصهيوني بعام 1917(30) .

——————————————————————————–

(26) البعث والقضية الفلسطينية ، بيانات ومواقف ،1945-1965 ،المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1975، ص 65 .

(27) عيسي الشعيبي ، مصدر سابق ص86 .

(28) البعث والقضية الفلسطينية ، مصدر سابق .

(29) قرارا الجامعة العربية ، وثائق فلسطين .

(30) المادتان الخاصمسة و السادسة من الميثاق الوطني الفلسطيني الوثائق الفلسطينية لعام 1965 ،مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت .

على الرغم من الصفة” الكيانية” الفضفاضة لمنظمة التحرير الفلسطينية وغياب الارض التي تستطيع ان تمارس من فوقها اية سلطة سياسية ، الامر الذي جردها من السلطة القانونية على الفلسطينيين وكل ما يترتب على مثل هذه السلطة من حقوق وواجبات ، الا ان المنظمة ما لبثت بقيادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني ” فتح” التي كانت قد اعلنت عن تنظيمها العسكرى في الاول من كانون الثاني 1965، ان تحولت الى كيان فاعل باتجاه بعث الهوية الوطنية الفلسطينية ، عبر العديد من المؤسسات التي ستقوم بانشائها بعد عام 1967 وذلك ضمن غياب تام للسلطة القانونية .

في ضوء ذلك خضعت عملية بعث الهوية الوطنية الفلسطينية لعوامل ذاتيه ونفسية واجتماعية ، ولدرجة الوعي السياسي الذى يتمتع به الفلسطينيون حيث ما لبثت السنوات اللاحقة ان شهدت عملية التفاف فلسطيني طوعي حول المنظمة ، مشكلة بذلك ظاهر سياسية علىالصعيدين القومي والدولي وقد تمثلت خطورة هذه الظاهرة في تبلور “قرار وطني مستقل ” تعارض بعض الاحيان مع السياسات الداخلية والخارجية للدول العربية المختلفة .

2- طبيعة الدولة اليهودية :

يرتبط الوضع الذي تعيشه الجماعة الوطنية الفلسطينية داخل الدولة اليهودية بطبيعة هذه الدولة ،هي طبيعة تتحكم بها ظروف نشأتها والتطورات السياسية .

فعلىالرغم من ان هذه الدولة تعتبر نفسها “دولة قومية حديثة ” الاّ ان ظروف نشاتها ومكوناتها ودوافعها لا تتوفر فيها تلك المقومات التي ادت الى قيام الدول القومية الاوروبية التى استطاعت تحقيق تكاملها القومي بفضل عوامل التطور الاقتصادي لجماعة ثابته من السكان فوق اقليم جغرافي معين ، كما لاتتوفر فيها مقومات الدول الجديدة حيثة الاستقلال التي ظهرت في العالم الثالث التي تشكلت ايضا من جماعة ثابتة من السكان فوق اقليم جغرافيى معين .

فالدولة اليهودية دولة استيطانية ، تطورت من جماعة استيطانية الى كيان ، ثم دولة بدعم من دولة استعمارية كبرى هي “بريطانيا” واتخذت صفتها الاستعمارية بسبب وجود وطني فوق الارض التي استوطنتها ، ولذلك فهي تشترك في مقومات نشأتها مع كافة الدول الاسيطانية – الاستعمارية التي ظهرت في العالم الحديث كالولايات المتحدة الاميركية ،وكندا واستراليا ودول امريكا اللاثينية وجنوب افريقيـــا

 

وروديسيا (سابقا) ، من حيث العمل على خلق حقائق سياسية بثلاث ادوات ، وهي:-

1- الهجرة                               2- السيطرة على الارض.

3- تصفية المجتمع الوطني .

غير انه فيما استطاعت معظم الدول الاستيطانية الاستعمارية استكمال عمليات الهجرة والاستيلاء على الارض وتصفية المجتمعات الوطنية ، ومن ثم فك ارتباطاتها بالدول “الام” والتحول الى دول عادية ، فان “اسرائيل” وجنوب افريقيا ما زالتا تواجهان مسألة تصفية السكان الاصليين ، اضافة الى عدم استكمال عمليات الهجرة والاستيلاء على الارض ، كما هو الحال بالنسبة لاسرائيل ، بينما فشلت روديسيا في تحقيق اهدافها .

فاسرائيل وجنوب افريقيا متماثلتان في انهما قد عجزتا عن التحول الى دول عادية ، حيث ظلتا محتفظتين بصفتها الاستيطانية – الاستعمارية بسبب عجزهما عن تصفية  المجتمع الوطني . كما انها متماثلتين في كونهما على تناقض اساسي مستمر مع المجتمع الوطني من جهة ، وعلى تناقض رئيسي مستمر مع محيط متجانس مع المجتمع الوطني من جهة اخرى : العربي بالنسبة لاسرائيل ، والافريقي بالنسبة لجنوب افريقيا ، مع فارق ان المحيط العربي يشكل كلا قوميا يلعب دورا اساسيا في الصراع .

ان من شأن القضاء على التناقض الاساسي ان يؤدي الى اضعاف التناقض الرئيسي ، حيث يمكن ان تتحول الدولة الاستيطانية الى دولة عادية مكونة عاملا من العوامل السياسية في المنطقة التي توجد فيها .

تتصف الدولة الاستيطانية – الاستعمارية بجملة من الخصائص التي تميزها عن انماط الدول العادية ، هي (31):

  1. ينتمي المستوطنون عادة الى عدة مجتمعات مختلفة عرقيا وثقافيا وحضاريا بحيث تحتاج عملية التكامل القومي في المجتمع الجديد الى مرحلة زمنية طويلة .
  2. يؤدى الصراع مع الجماعة الوطنية والمحيط الخارجي الى ايجاد نوع من التماسك والتكاتف بين افراد الجماعة الاستيطانية ولكن لا يرقي الى درجة االتجانس الاجتماعي ، بينما يؤدى الصراع من جهة اخرى الى تكامل قومي اسرع وتيرة بين ——————————————————————————–

(31) Van Don Berghe , Race & Racism, in:

مجدى حماد ، النظام السياسي الاستيطاني ، دراس و مقارنة بين اسرائيل وجنوب افريقيا ، دار الوحدة ، 1981، ص 85.

صفوف الجماعة الوطنية بسبب توفر الرابطة التاريخية بالاقليم والانتماء الاثني الواحد والثقافة المشتركة والحضارة الواحدة ، اضافة الى الامتدادات القومية .

  1. يؤدى تواصل تدفق موجات المهاجرين المستوطنين الى عرقلة عملية التكامل القومي للجماعة الاستيطانية .
  2. تحتل الايديولوجيا مكانه عليا في المجتمع الاستيطاني بهدف ايجاد قاعدة مشتركة تلتقي عندها الثقافات السياسية المتخلفة للجماعة الاستيطانية ….
  3. يتبنى المجتمع الاسيتطاني نظاما سياسيا ازدواجيا يمارس الديمقراطية ازاء الجماعة الاستيطانية من اجل استيعاب الثقافات السياسية المختلفة للمستوطنين ، بينما يمارس سياسة قمعية استغلالية ازاء الجماعة الوطنية بهدف خنقها معنويا وماديا .
  4. تتصاعد سياسة القمع والاضطهاد كلما اتجهت الجماعة الوطنية الى اثبات وجودها الوطني .
  5. يؤدى تصاعد الصراع بين الجماعة الاستيطانية والجماعة الوطنية الى تزايد التحام الدولة الاستيطانية ، بدولة استعمارية كبرى .
  6. كما يتصاعد السعي للحصول على مزيد من المهاجرين لتوفير التفوق الديمغرافي .
  7. يتصاعد السعي لتوسيع الرقعة الاقليمية الاستيطانية لتوفير مقومات استمرارها .

10.اعطاء الاولوية لدى الدولة الاستيطانية للقوة العسكرية .

لقد اشتركت كافة الدول الاستيطانية – الاستعمارية بشكل او بآخر ،وفي مرحلة واخرى بهذه الخصائص العامة ، التي تم التعرف عليها عبر دراسات مختلفة اجراها العديد من الباحثين على مختلف الدول الاستيطانية الاستعمارية (32) ، وهي خصائص تشكل الدولة اليهودية نموذجا جامعا لها .

فقد اتجهت الجماعة الاسيتطانية عبر مراحل تطورها من جماعة الى كيان فدولة نحو الاستيلاء على الارض تحت غطاء نظام الامتيازات الاجنبية في عهد الدولة العثمانية بواسطة قوانين الانتداب البريطانية ثم بالاحتلال المباشر في عامي 1948 و 1967 .كما شكلت الهجرة اول هدف من اهدافها .

اما سياسة تصفية المجتمع الوطني الفلسطيني ، فقد بدأت منذ اواخر القرن التاسع عشر، حيث عمد المستوطنون الى طرد الفلاحين الفلسطينيين من الارض . وكانت سياسة تصفية المجتمع الوطني سياسة ثابتة ليس بالنسبة للجماعة الاستيطانية فقط ،

 

 

وانما بالنسبة للدولة الاستعمارية الكبرى بريطانيا *.

وقد بات من المؤكد بعد صدورة العديد من الوثائق و الشهادات و الدراسات على مدى السنوات التي اعقبت قيام الدولة اليهودية في عام 1948 ان عملية “تنظيف” الدولة اليهودية من السكان الاصليين كانت سياسة ثابته للقيادة اليهودية ، حيث اعطيت الاولوية للمناطق التى شملها قرار التقسيم ، ثم للمناطق التي تم الاستيلاء عليها خارج تلك الحدود ، وذلك عملا بالخطتين العسكريتين “غيميل” و داليت” اللتين وضعتا في اواخر عام 1947 (33) . ولم تكن مصادفة ان القسم الاكبر من الفلسطينيين الذين استطاعوا البقاء فوق اراضهم داخل الدولة اليهودية ، كانوا من سكان المناطق المخصصة للدولة العربية وفق قرار التقسيم ، الذين لم تصلهم عملية “التنظيف” على نحو حاسم .

و تشير السياسات اليهودية الحاضرة الى انها مستمرة بثبات على مبدأ تصفية السكان الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية ، حيث تشكل و ثيقة “كونيع” الصادرة عام 1975**دليلا على ذلك ، اضافة الى سياسة ضرب مواقع التجمعات الفلسطينية وارتكاب المجازر التصفوية ضد الجماهير الفلسطينية في الشتات ، واعتماد مبدأ طرد السكان الوطنيين من الاراضي المحتلة عام 1967 .

من جهة ثانية ، فعلى الرغم من ان لايديولوجية الصهيونية قد صيغت قبل بداية الاستيطان اليهودي المنظم ، بينما تبلورات الايويولوجية الافريكانية مثلا فوق الارض المستوطن ، فهي قد نبتت ونمت في كنف الايديولوجية الاوروبية الاستعمارية و شكلت فوق الارض بناء فوقيا جامعا لمختلف الثقافات السياسية التي حملها خليط من المستوطنين الى الارض المستوطنة .

و يلاحظ بأن الايديولوجية التي صاغتها الجماعات الاستيطانية المتجهة نحو خلق حقائق سياسية فوق اراضي الغير ، منها الصهيونية و الافريكانية ، والكالفينية       الاميريكية ، لقد نبعث من اصل واحد هو التوراة ، حيث شكلت الكالفينية المستمدة من التواراة اساس الايديولوجيا الدينية للمستوطنين في امريكا الشمالية ، الذين شكلوا ——————————————————————————–(32) انظر ، مجدى حماد المصدر السابق .

* جاء في حديث لبلفور مع مستشار الرئيس الامريكي و يلسن اشوؤن الشرق الاوسط ، براندايز: “اننا نسعي و بوعي تام من اجل احلال مجموعة سكانية جديدة في فلسطين و العمل على تفوقها العددى في المستقبل .

Khalidi,w Froo Iavo to Conquest, Institute of Palestine Studies, beirut,1971, P. 195 .

(33) Lorch Plan Dalst , in Khalidi Ibid., pp. 755-760 .

“محكمة الله” على الارض معتبرين ” الهنود” عقبة وضعها الشيطان في طريقهم(34) . كما استمدت الافريكانية ايديولوجيتها من ذات الاصوال الكالفينية التوراتية فالافريكانيون مثل “ابناء اسرائيل ” يسعون جميعا الى “ارض الميعاد” ، وانتصاراتهم هي انتصارات الله نفسه (35) .

ضمن اطار الايدلوجيا الصهيونية *، شكل النظام السياسي الاستيطاني اليهودي نظاما ازدواجيا ، مارس الديمقراطية ازاء الجماعة الاستيطانية ، بهدف استيعاب الثقافات السياسية المختلفة حيث تبرز ظاهرة تعدد الاحزاب على نحولا مثيل له في اى مجتمع آخر . فعدد الاحزاب التي تشارك في اية دورة انتخابية لا يقل عادة عن سبعة عشر حزبا الى جانب العديد من القوائم والتنظيمات الصغيرة ، وما يرافق ذلك من عمليات انشقاق و التحام متتالية . في الوقت ذاته ، يمارس هذا النظام الازدواجي سياسة قمعية اضطهادية ضد الجماعة الوطنية التي حظر عليها تشكيل أي حزب سياسي ناطق باسمها كما يمارس ضدها ازدواجية اخرى قائمة على مبدأ الفصل العنصري من جهة والاستغلال الاقتصادي من جهة اخرى .

ولقد بلغ الصراع بين الجماعة الاستيطانية والجماعة الوطنية درجة الاحتدام مع قيام منظمة التحرير الفلسطينية في اواسط اللستينات كتعبير عن النهوض الوطني للجماعة الفلسطينية ، حيث تبعت ذلك سلسلة من التوجيهات ذات الطابع الاستعماري الملازم للدولة الاستيطانية اليهودية هي:

  1. شن حملة تهجير اليهود السوفيت مع بداية النهوض الفلسطيني ..
  2. احتلال بقية الارض الفلسطينية في عام 1967 لمنع تبلور أي كيان سياسي وطني عليها …
  3. العمل على ضرب النهوض الفلسطيني في الاردن عام 1970.
  4. العمل على ضرب النهوض الفلسطيني في لبنان عام 1975 .
  5. تصاعد التوجه اليميني داخليا بصعود اليكود الى السلطة عام 1977 .
  6. الهجوم على قواعد ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عام 1982.

——————————————————————————–

(34) انظر : الخفيات الفكرية للادب الامريكي . ترجمة سلافة حجاوى الثقافة الاجنبية بغداد الثاني 1982،ص20

(35) ريتشارد ستيفنز ، ابعاث المؤتمرالفكرى حول الصهيونية ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر ،1977،ص97 .

* استمدت الايديولوجية الصهيونية مكوناتها من عدة مصادر في مقدمتها التوراة، والفكر العنصرى      الاوروبي والداروينية الاجتماعية والقومية الاوروبية والاشتراكية واليبرالية .

  1. الرفض القاطع لاقامة دولة فلسطينية في المناطق الفلسطينية التي تقر بالانسحاب منها .
  2. تجريد الجماعة الوطنية داخل الدلة اليهودية والمناطق المحتلة عام 1967 من الاراضي وتدمير قاعداتها الاقتصادية الوطنية بهدف دفعها الى المغادرة .

اما من حيث التكامل القومي فترمي الدولة الاستيطانية الى بلورة قومية للمجتمع الاستيطاني والى تحقيق التكامل القومي بين اجزاء ذلك الخليط غير المتجانس من المستوطنين . وقد اخذت الدولة اليهودية تواجه منذ اوائل الستينات حالة من النهوض الوطني – القومي للجماعة الوطنية داخل الدولة ذاتها . ويري الباحثون في ديناميكيات الدولة الاستيطانية ان الصراع انما يقوم داخل  الدولة الاستيطانية وخارجها كذلك بالنسبة للدولة اليهدوية – بين قومية كامنة وقومية اصطناعية ، حيث يكون هذا الصراع بين الجماعتين صراعا مصيريا (36)، حول شرعية الاقليم ، حيث يكون هدف الجماعة الاستيطانية ليس تحقيق التكامل بين قوميتين وثقافتين او اسلوبين من اساليب الحياة ،وانما تمكين قومية وثقافة وحضارة المستوطنين من استيعاب هذه الاخيرة . وهي بهذا المعني لا تقدم صيغة قومية او ثقافية او حضارية جديدة تجمع بين مميزات الطرفين من خلال التفاعل السلمي و انما تهدف الى الغاء قومية و حضارية المجتمع الاصلي من جذورها وافناء جميع خصائصها  (37) .

ويرى الباحثين في هذا المجال ان تاكمل كل من القوميتين يسير باتجاه التكامل من خلال الصراع ، غير ان الغلبة لأى منهما انما تتحدى بطيبعة المقومات التى يمتلكها كل منهما . ففي الوقت الذي تمتلك فيه الجماعة الاستيطانية ادوات السيطرة المادية التي تستطيع من خلالها ان تحاصر قومية الجماعة الوطنية ، فهي تؤجه في الوقت ذاته عوامل ضعفها الذاتي ، والمتمثلة في صعوبة تحقيق تكاملها القومي على صعيد الجماعة الاستيطانية ذاتها – كاستمرار تدفق المهاجرين الجدد مثلا ، وتعدد الانتماءات الاثمنية ، بينما تملك الجماعة الوطنية مقومات تؤدى الى تسريع عملية تكاملها ، وهي مقومات تتضمن رابطة الاقليم والوجود التاريخي والتماثل الاثني والثقافي والحضارى . “فتسمية تكوين اجتماعي ما بالمجتع او الامة ، يفترض معيشة وحياة مجموعة معينة من السكان  على مساحة اقليمية معينة لفترة طويلة من الزمن،

——————————————————————————–

(36) Thompaon, L., The South African Dilemma,in ;

(37) انظر : حامد ربيع “محاضرات في اقرار السياسي في اسرائيل ، القاهرة ، ص61-62 في مجدى حماد ، مصدر سابق ص105 .

تسمح بالانصهار الاجتماعي بين العناصر المكونة للسكان ، وبروز نظام قيمي معماري مشترك يجمع بين اعضاء المجتمع الامر الذى لا يتم الا عبر اجيال … ومعنى ذلك ، ان عناصر الاقليمية ، او الوجود الاقليمي لفترة طويلة من الزمان ، يعتبر هاما للغاية لبلورة نسق موحد من التنشئة الاجتماعية التي تتطلب تراكمات زمنية لتطوره ، ولذلك فان ظواهر الامة والقومية والمجتمع ، فيما يتصل بالدول الاستيطانية تعتبر في طور التكوين على افضل تقدير (38) .

وقد طرحت بعض النظريات حول عملية التبلور القومي للجماعات الاستيطانية والجماعات الوطنية ، منها نظرية مونغير التي استمدها من دراسته الافريقية والقومية الافريكانية ، وتتألف من ثلاث مراحل هي : مرحلة الاولى ، وتتضمن تبلور اطار ايديولوجي عريض نسبيا مع التركيز على دور القيادة الكاريزمية .

اما المرحلة الثانية ، فهي تشهد انسياب الفكرة القومية التي تبنها الصفوة الى قاعدة اجتماعية كثر اتساعا ، حيث يجري التركيز خلال هذه المرحلة على القضايا الاقتصادية مع نمو البنيان الطبقى على الرغم من وجود درجة عالية من الحراك الاجتماعي .

بينما تتميز  المرحلة الثانية بتبلور هوية قومية ، وقيام الاحزاب السياسية مع اهتمام اكبر بالعلاقات الخارجية مع الدول الاخرى (39) .

ويضيف مونغير ان القومية الافريكانيةّ ” قدسبقت القومية الافريقية التي لا تزال في بداية المرحلة الثانية من التطور ، الا ان الفجوة الزمنية بين الاثنتين اختزالت الى نحو ثلاثين عاما ، وان القومية الافريكانية قد تحقق لها الاستقلال كــــدولة في عـــــام 1910 بينمـــا كانت في نهايــــة  المرحلة الثانيــــة مــن التطور. القومي ، ومع الستينات ، اصبحت في مرحلتها الاخيرة ، ولكنها ما تزال عرضة للتدمير “(40).

وقد جرى تطبيق هذه النظرية على ” القومية اليهودية ” والقومية العربية الفلسطينية*” ، حيث تبين تطور الاخيرة كان اسرع بكثير من تطور الاولى التياعتبرت بانها ما زالت في مرحلة التكوين الاولى حتى بعد مضي ثلاثين عاما على قيام دولتها (41) .

——————————————————————————–

(38) قدرى حنفي ، التجمع الاسرائيلي بين الحق العربي و الفكر الصهيوني قضايا عربية ، العدد 7، 1982،ص206.

(39) Minger & Farley , Israe & South Afrlca ,in .

في مجدي حماد ، ص106

(40) نفس المصدر .

(41) اكرام عبد القادر ، ازمة التكامل في الدول حديثة الاستقلال ، مع دراسة الكيان الصهيوني ، دراسة ماجستير غير منشورة في مجدى حماد ، مصدر سابق ، ص 106.

3- هوية الفلسطينيين في الدولة اليهودية على صعيد الممارسة .

هناك فرق بين نوع واشكال التحديات التي يواجهها الفلسطينيون في الشتات وفي الاراضي المحتلة عام 1967 ، وتلك التي يواجهها الفلسطينيون داخل الدولة اليهودية

فانبعاث الهوية الوطنية الفلسطينية في الشتات لم يشكل في حد ذاته نقيضا للفكر القومي الذى يفترض  ذوبان الفلسطينيين في اطار وحدة قومية فوق – قطرية ذات قرار سياسي فوق – قطرى لتحرير فلسطين ، وانما شكل تعارضا في حالات معينة مع السياسات القطرية العربية ضمن اطار الغياب التام للوحدة القومية فوق – القطرية والقرار السياسي القومي الذي يغلب المصلحة القومية العليا على اية مصالح قطرية . لذلك فقد انبعثت الكيانية والهوية الوطنية الفلسطينية بمساعدة وتأييد القوي والاحزاب القومية ذاتها .

غير ان الاعلان عن هوية وطنية فلسطينية داخل الدولة اليهودية انما يتضمن نفيا لشرعية الدولة التي يعيش الفلسطينيون فيها كمواطنين ، لذلك كان احد المنطلقات الاولية للفلسطينيين بعد عام 1948 هو “تقبل الدولة اليهودية على انها الحالة الموضوعية الجدية بعد ان وجدت الجماعة الفلسطينية نفسها كاقلية في بيئة سياسية   وعقائدية معادية (42) .

هناك جملة من العوامل المؤثرة في عملية التكامل الوطني – القومي للفلسطينيين داخل الدولة اليهودية ، وفي انبعاث هوية وطنية فلسطينية ضمينية لهم . بعض هذه العوامل ايجابي وبعضها سلبي والبعض الآخر جدلى :

عوامل ايجابية :

(1) اماكن الاقامة :

يقيم الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية فوق ارضهم التاريخية ضمن مدنهم وقراهم الخاصة بهم ، وذلك في ثلاثة مراكز رئيسية هي الجليل والمثلت الصغير والنقب ،هناك مدينتان عربيتان خالصتان هما الناصرة وشفا عمرو ، اضافة الى نحو مئة قرية* يضم الجليل اكبر نسبة من الفلسطينيين (60%) بينما يضم النقب 20%

——————————————————————————-

* من الواضح ان ثمة اشكالا في ترؤجمة كلمة – ناشنال – التي لا تتضمن تمييزا بين “وطني ” وقومي . وقد رأيت السياسية الفلسطينية على استخدام مصطلح “وطني و هوية ” وطنية للتتمييز بين القضية الفلسطينية الوطنية االمترابطة بالاقليم الجغرافي المحدد ، وبين القومية العربية التؤ يشكل الفلسطينيون جزءا منها . و هناك من يطلق مصطلح ” القومي العربية الفلسطينية “.

(42) خليل نخلة ، تقويم للنضال الفلسطيني تحت الاحتلل ، صامد الاقتصادي العدد 39/1982 .

* قامت الدولة اليهودية بهدم و الغاء معالم 250 قرية فلسطينية منذ عام 1948 .

وهناك 7% في مدينة حيفا و6% في اماكن متفرقة .

 (2) الزيادة الطبيعية :

بلغ عدد الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية نحو 173.500 نسمة في عام 1951 وارتفع عددهم في عام 1965 الى 300.000 نسمة ثم الى 489.000 نسمة في عام1978 مشكلين نسبة تقدر بـ15% من السكان ، و ذلك بفضل الزيادة الطبيعية التي تقدر بنسبة 4.5% بينما لا تزيد نسبة الزيادة الطبيعية بين اليهود على 2.5% . وتشير بعض الدراسات المستقبلية التي اجرتها مؤسسات يهودية الى ان الفلسطينيين سيشكلون عام 1985 نسبة 18.3% من السكان في حالة عدم تحقيق هجرة الى الدولة ،بينما سيشكلون نسبة 16.7% في حالة تحقيق هجرة سنوية مقدارها 15 الفا ، ونسبة 15.9% في حالة تحقق هجرة سنوية مقدارها 25 الفا (43) بينما تشير تقديرات اخرى الى بلوغهم مليون نسمة في عام 1990 بينما يبلغ عدد اليهود  4.191.000 نسمة مشكلين نسبة 25% و ذلك مع افتـــراض معــدل هجرة مقدارهــا 40 الف نسمة (44). يذكر لانداو بان ” متطرفين عرب “قالوا له بانهم يهدفون الى تكون غالبية سكانية عن طريق الزيادة الطبيعية للفلسطينيين في ضوء ما يجري من تحولات في بنيتهم الاجتماعية ضمن اطار السياسة الاقتصادية – الاجتماعية اليهودية ازاءهم (45) . ومن الواضح ان التكاثر العددى للفلسطينيين يدفع باتجاه تعزيز الثقة  بانفسهم .

(3) السيطرة التمييزية :

تؤدى سياسة التمييز القانوني والمؤسسي والاجتماعي التي يخضع لها الفلسطينيون داخل الدولة اليهودية الى تعزيز تلاحمهم كجماعة مضطهدة فهم مواطنون من الدرجة الثانية قانونيا ، وذلك بموجب قانون العودة وقانون الجنسية اليهودية الصادرين في عامي 1950و1952، حيث يمنح اليهودى حقوق المواطنية الكاملة بينما فرضت شروط صارمة على اكتساب الفلسطيني الجنسية “الاسرائيلية” ، ادت الى حجب الجنسية عن العديد من الفلسطينيين ” المتسلليين ” الذين استمروا بدون جنسية حتى عام 1980 حين منحهم الجنسية من قبل حكومة الليكود لاسباب سياسية هي مناداة الليكود باقامة دولة يهود في “ارض اسرائيل التاريخية”
تكون السيادة فيها لليهود بينما يمنح الفلسطينيون صفة مواطنين ، غير ان التعديل الاخير لقانون الجنسية لم يتم الا بعد ان وقعت الحكومة ميثاقين جديدين مع المنظمة ——————————————————————————–

(43) Zurik , op .cit . ,p. 112

(44) ibid

(45) Lan dau , J. op . cit .p .

الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية في عام1979 تم بموجبهما تكريس وضع المنظمات الصهيونية رسميا ، الامر الذي كرس وضع الفلسطينيين كمواطنين الدرجة الثانية و ذلك بالنسبة لكافة حقوق المواطنين .

(4) الشريحة المثقفة :

ظهرت منذ اواسط الخمسينات شريحة فلسطينية مثقفة لعبت الدور الاساس في بلورة الوعي الفلسطيني ، وقد شكل الادب مجالا واسعا لنشاط  هذه الشريحة .

(5) قيام منظمة التحرير الفلسطينية :

قيام منظمة التحرير الفلسطينية و انبعاث الهوية الوطنية الفلسطينية حافزا للجماعة الوطنية التي عاشت في عزلة تامة حتى عام 1967، على التماثل والانتماء  الى جماعتها الوطنية في المناطق الاخرى .

العوامل السلبية :

(1) مصادرة الارض :

لعل اخطر متغير في حياة الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية هو تجريدهم من ارضهم التاريخية ،وذلك عبر سلسلة من القوانين المختلفة بحيث لم يعودوا يملكون نحو 10% من اراضيهم (46)، ومن ثم تحولهم الى اجراء فوق الارض اوعمال

هامشيين في المدن اليهودية وفي المجالات الدنيا كاعمال البناء والطرق وغيرها من الاعمال التي لا تتيح لهم التحول الى عمال مهرة ،و تخضعهم لسوق العرض والطلب بعيدا عن المجالات الانتاجية .

لقد ادت هذه السياسة التي هي سمة اساسية من سمات الدولة الاستيطانية الى تحويل القرية الفلسطينية التي طالما شكلت قبل عام 1948 مؤسسة اقتصادية و طنية ضمن اطار الاقتصاد الفلسطيني الى وحدة راكدة اقتصاديا ، الامر الذي ادى الى تخلف القطاع الاقتصادي العربي عامة . ويدخل ذلك ضمن اطار السياسة الاسرائيلية الرامية لى جعل القطاع الزراعي الذي طالما شكل العصب التقليدي للاقتصاد الفلسطيني قطاعا هامشيا . وقد ادى هذا الوضع الى درج القطاع العربي بالاقتصاد الاسرائيلي ودفع سكان القرى الى الهجرة نحو المدن اليهودية بحثا عن العمل كعمال زراعيين في المزارع اليهودية او حتى فوق الارضالتي كانت ملكا لهم او في قطاعات الخدمات والبناء .

——————————————————————————–

(46) Zureik, op .cit . p.Ii6

لقد ادى تحول الفلاحين الى عمال هامشيين ملحقين بجهاز الانتاج الاسرائيلي المتقدم الى الحيلولة دون تبلور شريحة عمالية منتظمة وقوية ، كما انعدمت فرص تبلور بورجوازية فلسطينية قادرة على لعب دور في الحياة الاقتصادية والسياسية باستثناء بعض الفئات التجارية الوسيطة السخرة لخدمة الاقتصاد الاسرائيلي . ويقول غوتهيل في هذا المجال ، بأن القطاع العربي في اسرائيل “سيستمر في وضع التبعية هذه ، وذلك بسبب ان المنطقة العربية (الجليل) قد تم تحويلها الى منطقة مستهلكة بدلا من ان تكون منطقة منتجة ، ولان فائض العمل العربي المتأتي من عملية ابعاد عن مجال الزراعة وتقلص المساحات الزراعية المتبقية للعرب ، هو عمل مؤقت من حيث استيعابه في المجالات اليهودية ، الامر الذي يعرضهم لاستغناء القطاع اليهودي عن خدماتهم دون ان يجدوا في قطاعهم اى مجال للعمل ، حيث سيأتي يوم يتحول فيه القطاع العربي الى “ابالاش اسرائيل”*(47) .

(2) بعثرة مناطق الاقامة :

عمدت السلطات الاستيطانية الى بعثرة مناطق الاقامة الفلسطينية من خلال زرع المستوطنات اليهودية في قلب المناطق العربية بهدف تحويلها الى جيوب متفرقة ومحصورة بين المتسوطنات .

(3) السيطرة الايديولوجية :

وتتمثل في التحكم بمحتويات برامج التعليم وصياغة محتوياتها على نحو يؤدى الى تغريب الطلاب عن ثقافتهم وقوميتهم العربية وتصوير التاريخ العربي على نحو مشوه وسيء  في الوقت الذي يتم فيه التركيز على اضفاء صورة براقة للتاريخ اليهودي . فتاريخ اليهود  يصبح وفق الصيغة الصهيونية تاريخ امة والسيطرة الاستيطانية الاستعمارية على فلسطين هي “حرب تحرير مقدسة” ، وفلسطين من حق اليهود لانهم شعب متفوق ومقدس .

وتكمن خطورة السيطرة الايديولوجية في ان جيل الاطفال انما يشكل حاليا نحو نصف مجموع الجماعة الفلسطينية ،وهم يتعرضون لهذه السيطرة الايديولوجية في الوقت الذي تنعدم فيه وجود مؤسسات وطنية لهم تتيح التعرف على تاريخهم باستثناء مؤسسة العائلة .

 

——————————————————————————–

(47) Gothiel , Isreal Social Stru Cture & Change , in . Zu reik , p.9l

* نسبة الى منطقة الهنود الحمر في الولايات المتحدة .

 

(4) دعم التخلـــــــف :

ويتمثل في دعم نظام الحمولة بهدف الابقاء على العلاقات العشائرية اضافة الى الحد من انتشار التعليم حيث تبلغ نسبة الاطفال الذين لم تتوفر لهم فرص الالتحاق بالمدراس نحو 30% من مجموع الاطفال الذين هم في سن الدراسة (48).

(5) انعدام المؤسسات الوطنية :

حيث لا تتاح للفلسطينيين اقامة مؤسساتهم الخاصة بهم ولا الاتصال بالمؤسسات الوطنية الفلسطينية التي انشأتها منظمة التحرير الفلسطينية .

(6)  السيطرة السياسية :

وتتمثل في حظر انشاء احزاب سياسية فلسطينية مستقلة وخلق زعامات وطنية متعاونة مع السلطة ، معضمها من رؤساء الحمايل او التجار الوسطاء .

(7) سياسة التفتيت :

وتتمثل في اعتبار الجماعة الفلسطينية مجموعات متعددة من الاقليات الدينية : مسلمين، مسيحيين دروز ،  و اتباع سياسيات تمييزية مختلفة ازاء كل جماعة .

عوامل جدلــــــــية :

ثمة عوامل باتجاه خدمة عملية التكامل الوطني – القومي كما تعمل ضدها في آن واحد . فتفكك البنية التقليدية للمجتمع الوطني الفلسطينيي قد ادى الى تزعزع اسس    نظام الحمولة المتحجر رغم دعم السلطة له ، كما ادى الى اضعاف السيطرة الدينية المحجرة ويؤدى ذلك في نفس الوقت الى البحث عن صيغ جديدة للعلاقات ، الاجتماعية على مستوى الجماعة الوطنية حيث تزداد اهمية العلاقة الوطنية – القومية .

كما ان سياسة العدمية القومية التي اتبعتها السلطة اليهودية قد دفعت العناصر المثقفة الى تعزيز شخصيتها القومية ،ونفي وجود شعب فلسطيني قد دفع بالمثقفين الى التماثل مع الشعب الفلسطيني في الخارج .

كما ان تعرف الجماعة الوطنية على ديمقراطية الجماعة الاستيطانية من شأنه ان يؤدى الى بلورة الوعي السياسي لها و يحفزها الى تطوير ثقافتها السياسية على نحو يؤدى الى التمرد على ازدواجية النظام  السياسي الاستيطاني باتجاه ، تصعيد عملية المطالبة بالحقوق السياسية .

——————————————————————————–

(48) مجدى حماد ، مصدر سابق ص 200.

ثمة ظواهر اخرى تعمل باتجاهين منها حظر تعدد الزوجات حيث ان السلطة الاستيطانية قد اصدرت هذا القانون بهدف الحد من حجم الزيادة الطبيعية بين الزيادة الطبيعية بين الجماعة الوطنية ، فهو سلبي من هذه الناحية و ايجابي من الناحية الاجتماعية . ويشار كذلك الى ان السلطة الصهيونية تعمد الى تشجيع انخراط الفتيات في العمل لنفس الهدف المتمثل في تأخير زواج الفتيات ومن ثم الاقلال من لانجاب ، حيث يعمل ذلك باتجاه تحرير الفتيات من نظام العائلة الابوية المتخلف ويتيح مجالا اوسع لانخراط المرأة في العملية السياسية .

في ضوء ما سبق يمكن القول بأن الدور الذى تلعبه الشريحة المثقفة دورا حاسما على الصعيد الاجتماعي وذلك لان عملية التكامل لا تجرى بمعزل عن الضغوطات الشديدة التى تمارسها السلطة اليهودية لعرقلة عملية التطور الطبيعي هذا.

ولاجل التعرف على مسار عملية التكامل القومي هذا الذي يفترض – وفق نظرية – مونغير – ان يبلغ ذروته بالاعلان عن هوية قومية – وطنية خلال المرحلة اللثالثة ، يمكن الرجوع الى وقائع السلوك السياسي والمناخ السياسي العام  للجماعة الفلسطينية داخل الدولة اليهودية .

فقد بدأ النشاط السياسي للشريحة المثقفة منذ اواسط الخمسينات و ذلك عبر قناتين هم الحزب الشيوعي المجاز رسميا من الدولة وتنظيم “الارض” القومي الذي برز عام 1985 . وعلى الرغم من ان الشعارات التي رفعها تنظيم “الارض” هي شعارات مماثلة لتلك التي رفعها الحزب الشيوعي : الفلسطينيون داخل الدولة اليهودية جزء من الشعب الفلسطيني ، حق العودة ، حق تقرير المصير ، تنفيذ قرار التقسيم باقامة دولة عربية فلسطينية الاشتراكية على ماركسية – لينينية (49)الا أن ظهور تنظيم الارض قد جاء في فترة كان الحزب الشيوعي قد حصر نشاطه في نطاق الشعارات المطالبية ، اضافة الى ان تنظيم “الارض” قد شكل اول تنظيم عربي خالص بينما شكل الحزب الشيوعي تنظيما عربيا – يهوديا . وبذلك كانت مبادرة الارض الى اعتبار الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية جزاء من ” شعب فلسطيني” و المناداة بقرار التقسيم احدى اولى المبادرات الفلسطينية الخالصة باتجاه الاعلان عن هوية وطنية فلسطينية اضافة الى ان هذا التنظيم كان اعلى صوتا في المطالبة بمنح الفلسطينيين حقوق “اقلية قومية” والتركيز على النضال القومي اكثر من التركيز على النضال الطبقي . وقد شهد عام 1965 نهاية تنظيم “الارض” حيث بادرت السلطة الى اعتقال قادته ونفيهم الى خارج الدولة كما شهد العام ذاته انقسام الحزب الشيوعي الى قسمين ، احداهما يهودي خالص “ماكي” الدى اقترب من السلطة الصهيونية والثاني ذو غالبية عربية “راكاح” .

من جهة ثانية سدت الاحزاب اليسهودية ابوابها في وجه اى راغب في العمل الحزبي داخلها . وذلك باستثناء حزب بابام الذى منح عضوية كاملة لبعض الاعضاء العرب مع التحفظ على المدى الذي يمكن لهم ان يتحركوا فيه داخل الحزب المذكور.

وقد اعتمدت بعض الاحزاب الصهيوني ، وفي مقدمتها حزب الماباى ثم ائتلاف المعراخ اسلوب تشكيل قوائم انتخابية عربية ملحقة بها حيث قامت بايصال عدد قليل من الفلسطينيين الى عضوية الكنيست . وقد تحكمت المصلحة الشخصية والرغبة في الحصول على بضع الامتيازات في مشاركة الفلسطينيين في هذه القوائم ، كما كان الحصول على الصوت الفلسطيني  هو الدافع وراء تشكيل هذه القوائم بالنسبة للماباى ثم المعراخ . لذلك يلاحظ بأن العمل السياسي ضمن هذا اطار قد اقتصر على الرغبة في الحصول على الكاسب الشخصية والعائلية ضمن اطار العلاقات العشائرية .

وضمن هذا الاطار ، ثمة ملاحظتان رئيستان هم : كثافة المشاركة الفلسطينية في الانتخابات العامة وذهاب غالبية الاصوات للاحزاب الصهيونية .

فمن حيث كثافة المشاركة ، فاقت المشاركة الفلسطينية المشاركة اليهودية في

كافة انتخابات الكنيست . وقد بلغت ما يلي :

79.3%                 1949

85.5%                 1951

91%                   1955

88.9%                 1959

85.6%                         1961

87.8%                 1965(50)

كما يلاحظ بأن هذه الكثافة قد اخذت بالانخفاض خلال السبعينات حيث بلغت 76%في عام 1987 و75% في عام 1977(51) .

——————————————————————————–

(49) حبيب قهوجي ، القصة الكاملة لحركة الارض ،شؤون فلسطينية ، العدد 1،1971 ، ص 112 وحبيب قهوجي ، العرب في ظل الاحتلال الاسرائيلي ، مركز الابحاث الفلسطينية 1972، ص446.

(51) خليل نخلة : مصدر سابق ، صد 48 . وزريق ، مصدر سابق ، ص169 .

(52) زريق ، مصدر سابق، ص168.

 

ويشكل الجدول التالي مؤشرا كبير الدلالات على اتجاه الاصوات منذ عام 1965 وحتى عام 1973 بالنسبة لمختلف قطاعات المجتمع  الفلسطيني(52) :

اصوات سكان المدن

الجهة 1965% 1969% 1973%
المعراخ 48.3 44.5 33.7
راكاح 42 45.9 55.1
اخرى 7.9 9.6 11.2

 

اصوات سكان القرى الكبيرة

المعراخ 63.7 .50 40.4
راكاح 23.1 31.7 40.9
اخرى 13.2 18.3 18.7

 

اصوات سكان القرى الصغيرة

المعراخ 75.2 69.5 .63
راكاح 22.1 13.1 18.7
اخرى 11.7 17.4 18.3

اصوات البدو

المعراخ .83 75.7 78.8
راكاح 4.5 5.1 6.5
اخرى 12.5 19.3 14.7

 

ان السلوك الانتخابي يعكس الواقع السياسي ولا يعكسه في آن واحد . فهو من جهة يبين مدى انهماك المجتمع الوطني الفلسطيني في الحصول على المكاسب الشخصية ، ويشكل مؤشرا على ان الحصول على المكاسب الشخصية هو سمة من سمات التخلف المرتبط بالعائلية والعشائريه ، ومن جهة ثانية ، فان التصويت من اجل الحصول على المكاسب لايعني بالضرورة وجود قناعة بالحزب الذى يتم  التصويت له ، او بالنظام السياسي القائم او الدولة …

يمكن تمييز ثلاث مراحل في عملية تطور المناخ السياسي العام لدى الجماعة الوطنية داخل الدولة اليهودية ، هذه المراحل هي مرحلة التماثل مع الدولة اليهودية ويمثلها الجيل الاول من القرويين من ذوى الثقافة العشائرية – الدينية . اما المرحلة الثانية فهي مرحلة رد الاعتبار وتأكيد الهوية القومية العربية . اما المرحلة الثالثة فهي مرحلة التماثل مع الهوية الوطنية الفلسطينية العربية .

انها ثلاثة اجيال متعاقبة يمثل كل منها ثقافة سياسية معينة ودرجة من درجات الوعي السياسي . فقد سعي الجيال الاول الى اثبات نفسه كمواطن صالح في دولة بعد ان فقد صلته المادية بانتمائه السابق ولم يبق له غير انتمائه العشائرى والديني، بينما سعي الجيل الثاني الى تأكيد هويته القومية متمردا علىاعتباره اقلية دينية ، وطالب بالمساواة بالحقوق على اساس قومي ضمن اطار الدولة اليهودية ، اما الجيل الثالث فقد اخذ يتجه نحو التفاعل مع التطورات في الساحة الفلسطينية الخارجية ، فيعتبر نفسه جزءا من شعب وليس مجرد اقلية قومية ، وله حق في الارض كفلسطيني وفي حق تقرير المصير السياسي .

وفي الوقت الذى اطمأن فيه الجيل الاول الى عالمه العشائرى  وثقافته الخاصة به ، فان تمرد الجيل الثاني على ثقافة جيل آبائه قد اوقعه في ازمة البحث عن هوية بديلة . لذلك نجد ان جيل الستينات قد اخذ يعبر بصوت عال عن تأزمه الانتمائي ، ولا يعني هذا ان الجيل الثالث قد حل هذه الازمة ، الا ان مقدمات الهوية الوطنية الفلسطينية قد بدأت في الظهور بين صفوف هذا الجيل .

وتشير بعض الدراسات التي جرت حول الجيل الثاني وقيمة السياسية الى ان هذه الجيل قد اظهر كراهية فائقة لاسرائيل كدولة” ، منها دراسة اجريت في عام 1969 على عدد من افراد الجيل الاول و الجيل الثاني ، حيث وجه اليهم سوءال    “هل لاسرائيل حق في البقاء ؟” اجاب اكثر من نصف الآباء” “بنعم” بينما اجاب ربع الشباب فقط “بنعم” ،وتشير الدراسة الى ان مستوى رفض اسرائيل يزداد كلما ازداد مستوى الثقافة . كما تشير الدراسة الى اختلاف مستوى الوعي القومي قبل وبعد عام 1967 ، حيث كانت الاجابة على سؤال الهوية كما يلي :

اجاب الغالبية قبل عام 1966 بانهم “اسرائيليون ” اما بعد حرب 1967 فقد اجاب الغالبية بانهم “عرب” بينما تضاءل عدد الذين اجابوا بأنهم “اسرائيليون” الى الحضيض . كذلك انخفض عدد الذين اجابوا بانهم يشعرون بالاطمئنان والانتماء داخل اسرائيل من 62 الى 31 . اما الذين اجابوا في عام 1969 بانهم “فلسطينيون” فقد بلغ 5/1 الذين استجوبوا .

والملفت للنظر ان الدراسات الاسرائيلية اللاحقة لم تضع “فلسطيني” ضمن خيارات الهوية ، في الوقت الذي يرجح الكثيرون بان الاعلان عن هوية فلسطينية قد ازداد على نحو واضح بعد عام 1973(53) . وهناك دراسة اخرى اجريت بعد عام 1967على عدد من طلاب المدارس طالب فيها 36% من الطلاب بدولة فلسطينية مستقلة فوق ارض فلسطينية (54) .

لقد شكل سؤال “من انا؟” معضلة للجيل الثاني منذ اواخر الخمسينات وقد عبر الشاعر الراحل راشد حسين عن هذه الازمة لدى وصفه لوضعه في مؤتمر عدم الانحياز الذي عقد في بلغراد عام 1960 الذي ذهب اليه لتغطية وقائع المؤتمر ، وذلك بقوله: “…. طبعا لم اتوقع من المراسلون العرب ان يعانقوني ، غير انني لم اكن على استعداد ان أقرأ في عيونهم او اسمع منهم كلمات الاتهام المماثلة لتلك التي اتلقاها في اسرائيل ، هناك فقط في بلغراد ، ادركت حجم مأساة العرب الاسرائيليين. ادركت اننا نعاني من نتائج حرب 1948 بقدر لا يقل عما يعانيه اللاجئون . هناك في بلغراد، لم اعد اعرف “من انا” … هل انا قومي عربي مخلص لشعبة …. ام انا مواطن اسرائيلي مشبوه فالمفاهيم التي طالما تقبلتها قد اختلطت علي” و لم تبق في رأسي غير فكرة واحدة واضحة : هي انني واحد من 250 الف عربي لا تثق بهــــم

البلدان العربية ولا الحكومة الاسرائيلية (55)  .

ويعبر محمود درويش عن هذه الازمة بقولة : لم تشهد الحياة السياسية والفكرية الاسرائيلية طيلة السنوات السالفة الحاحا مثل الحاح السؤال المطروح الآن حول هوية العرب الفلسطينيين المقيمين في اسرائيل بطاقات هوية اسرائيلية .. فهذا بنحاس سابير يتسائل قائلا” اريد ان استنتج شيئا من تطور عرب اسرائيل . هؤلاء الذين يعيشون معنا منذ 25 عاما ، وهو أنه كلما ارتفع المستوي المعيشي والثقافي ازدادت المشاكل و تفاقمت و انني اخشي الا يكون اولئك الذين يعتقدون ان رفع مستوى المعيشة هو تعويض عن المطامح القومية ، قد تعلموا درس التاريخ جيداً . اننا نعلم ——————————————————————————–

(53) In Zureik , op. cit. , p .159

(54) Zu reik .Op.cit,159

(55) Landau , Op, Cit. 35

من خلال تجربتنا في اسرائيل ان مستوى المعيشة ، وفي الاساس مستوى الثقافة لا يعيق بصورة خاصة المطامع القومية ” ….

اما صحيفة معاريف فتقول ” في الثمانينات ، ستكن احدى مشاكل اسرائيل الاساسية هي كيفية الحيلولة دون انفجار خيبة امل 300 الف شاب عربي مثقف “. ويستطرد محمود درويش قائلا : ادت الفترة التى سبقت حرب حزيران واعقبتها كانت هي المرحلة التي اعادت الى وعي العربي في اسرائيل كون حالته مؤقته حيث سيطر الاحساس العام بأن ” العرب ليسوا اقلية مضطهدة تناضل من اجل تحقيق مطالب ديمقراطية ومساواة في الحقوق ، ولكنهم شعب محتل يقف امام بوابة الخلاص ، وكان للقاء شطرى الشعب المحتل بعد الهزيمة تأثير كبير في تعميق الاحساس و الوعي المشتركين بالاحتلال فعلي الرغم من حمل بطاقة الهوية الاسرائيلية واتقان اللغة العبرية والتعامل مع اسلوب  الحياة الاسرائيلية ، كانت ميزات قومية الشعب الفلسطيني الواحد وخصوصية حياته ومصيره و علاقاته العائلية و صحوة الحنين الذي نام ذات يوم من شدة النعاس ، اقوى من تأثير ربع قرن من محاولات طمس هذه المعالم و الميزات (56) .

وفي عام 1973 ، يهبر احد طلاب الجامعة عن هذه الازمة بقلة ” ليس لدى العربي في العراق او مصر او سرويا اية مشكلة في تعريف قوميته . فالقومية باللغة العربية تحمل معنيين ، هما : الوطنية وتعني رابطة الفرد بوطنه – فالسورى وطنه سوريا مثلا ، والقومية تعني القومية العربية الشاملة والوحدة العربية . لو اراد عربي اسرائيلي ان يعبر عن وطنيته ، لتحتم عليه ان يرفض وجود اسرائيل ، فوطنه هو فلسطين ، وشعب فلسطين  جزء من الشعب العربي … فالعربي الاسرائيلي اذا يفكر، لا يجد مجالا لحق تقرير المصير ، فهو في مكان كان يدعي فلسطين قبل

ثلاثة وعشرين عاما ، وهو يسمي الآن اسرائيل . لقد ولدت في هذا البلد ولكنني احس انني غريب في وطني . فاليهودىالاسرائيلي يعتقد بأنه ولد في وطنه وانا اعتقد انني ولدت في وطني فلماذا لا يكون هذا الوطن وطنا لي وله ؟ فكلانا له الحق في البقاء”.

اما المدرس العربي …. فيعبر عن ازمته قائلا…………

“حين القن تلاميذى الاخلاص للدولة اعتبر خائنا ……………

وحين اؤكد على الشخصية القومية لطلابي وابت فيهم روح الفخر بقوميتهم

 

اعتبر كذلك خائنا (57)……    .

وقد ظهر في اواخر الستينات تنظيم شاب ابناء الجيل الفلسطيني الثالث هو تنظيم “اولاد البلد” . وقد بدأ هذا التنظيم الفلسطيني الخاص بهدف ” التصدي للمحاولات الاسرائيلية التي تعتمد اسلوب “فرق تسد” تجاه الجماعة العربية من خلال تسعير الخلافات العربية في المجالس البلدية ” ، كما يقول رئيسه ، غيرانه ما لبث ان تحول الى تنظيم سياسي غير رسمي يعمل من اجل اهداف وطنية محددة كفلسطينيين … للدفاع عن حقنا في الارض “.

فالجماعة الفلسطينية داخل الدولة اليهودية جزء من الشعب الفلسطيني ونظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد الفلسطيني و يطالب التنظيم بأن أى حل للمشكلة الفلسطينية يجب ان يتضمن اعترافا رسميا و ضمانات دولية اللهوية الوطنية للفلسطينيين المقيمين في اسرائيل و حقهم في البقاء فوق الارض و اعادة كافة الاراضي المصادرة و التمتع بكافة الحقوق الثقافية و الاجتماعية و المدنية و السياسية (58) .

هناك بين صفوف الشريحة المثقفة الفلسطينية عدد من المثقفين الآكاديميين منهم الدكتور خليل نخلة الي يقول في تقويمه للوضع الفلسطيني داخل اسرائيل : ” ان من احتلونا لم يدخرؤ فرصة لتذكيرنا بصورة عنيفة وغير انسانية … باننا نعيش كاقلية في دولة يهودية صهيونية .. وان هويتنا الطبيعية التاريخية كفلسطينيين لنا تطلعات شرعية في تقرير مصير شعبنا هي هوية باطلة وغير مقبولة “.

ويستطرد  قائلا” بأن علينا الآن ان نعود الى الاساسيات واعادة تقويم اهدافنا ،

وذلك على النحو التالي :

1-  الانفصال عن نموذج الدولة المحتلة الذي فرض علينا وذلك بالكف عن النظر الى الكنيست على انه المنبر الذي يمكننا منه التعبير عن مطالبنا والتوقف عن مشاركتنا فيه ،والسيطرة على مجالسنا البلدية و القروية و تحويلها كأمر واقع الى اعلى القانون ، وتعزيزمنظماتنا الاقليمية وتوسيع شبكة الجمعيات والحركات والاندية واللجان القائمة حاليا …

2- ايجاد عقلية متقلبة للتحرر .. اى ايجاد نمط فكرى شامل نقاد ومقاوم للاستغلال والاضطهاد … ان ذلك سيؤدى الى بلورة هويتنا القومية الجماعية وترجمتها        ——————————————————————————–

(57) In Zureik , op. cit. 175

(58) Sons of the village Ass ert Paloetinan Identity in Israel, Merip Reports, no.,68,p.15

 

الى سلوكنا اليومي وتنشيط وتسييس منظماتنا المحلية (59) ….. .

واذا كان لنا ان نحلل العوامل التي ادت الى تزايد الاعلان عن هوية وطنية فلسطينية داخل الدولة اليهودية ، على نطاق ذاتي وفردى بشكل عام خلال السبعينات، فلا يمكن اغفال الدور الذي لعبته البرامج السياسية الفلسطينية التي تبنتها منظمة التحرير الفلسطينية في تلك  الفترة ، حيث اصبح بمقدور الفرد الفلسطيني ان يعلن عن هويته الفلسطينية دون خوف التعرض “لشرعية الدولة “.

آراء اليهود الاستيطانيين :

تكاد تكون الدراسات التي كتبها اليهود حول الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية نادرة قبل اوساط الستينات ، على الرغم من ان هذه الجماعة قد شكلت حتى ذلك الحين نحو 12% من مجموع سكان الدولة الاسيتطانية ، ولم تبدأ الدراسات بالظهور بعد انتشار طاهرة تسيس الجماعة الفلسطينية المذكورة ، الامر الذي اضطر الكتاب اليهود الى عدم تجاهلها ومعالجتها وفقا لمنطلقاتهم الفكرية .

ولعل المنطلق الرئيسي لمعظم هؤلاء الكتاب هو اعتبار وجود الجماعة الوطنية فــــي الدولة الاستيطانية “مشكلة بحد ذاته(60) ولذلك فهم قلما يعتبرونها جــزاء مـــن    “المجتمع الاسرائيلي” . فكتاب ايزنشتات مثلا ” المجتمع الاسرائيلي “.

الصادر في 1967 لا يخصص سوى ستة عشر صفحة في كتاب المؤلف من نحو 450 صفحة لما يسميه “بالاقليات غير اليهودية  في اسرائيل “بينا ينوه ادلر في كتابه ” التركيب الاجتماعي في اسرائيل” الصادر عام 1974 قائلا :”لابد من الاشارة

بوضوح الى ان هذه الدراسة لا تتناول مظهرا آخر من مظاهر التركيب الاجتماعي في اسرائيل الا وهو الجانب العربي – اليهودي ، وذلك لان هذا ويا للاسف هو اولا واخير مشكلة سياسية وليست اجتماعية او تربوية الا على نحو ثانوي (61) . وقد صدرت في عامي 1973 و 1974 مجموعتان ببليوغرافيتان تتضمنان ملخصات للبحوث و الدراسات الاجتماعية في اسرائيل لم تتضمن كل منهما سوى صفحتين من نحو 270 صفحة للبحوث الخاصة بالجماعة الوطنية رغم ان المجموعة الثانية تغطي كافة البحوث التي صدرت على امتداد خمسة وعشرين عاما (62) .

——————————————————————————–

(59)

(60) Zu reik ,op. cit ,p.4 .

(61) Ibid.

(62) Ibid., p.2

 

وكان رفائيل بتاى قد نشر في عام 1953 كتابا بعنوان اسرائيل بين الشرق والغرب- فصلا خاصا “بالاقليات غير اليهودية ” كما نشر جاكوب لانداو في عام 1969 اول كتاب خاص باللسلوك السياسي للجماعة الوطنية ، بعنوان “العرب في اسرائيل”- حيث ما لبثت* الدراسات ان ازدادت بعد ذلك .

وقد عبر يوزى افنيرى في كتابه “حرب بين اخوة ساميين عن النظرة السابقة بقوله “ان الصعوبة الاساسية تكمن في موقف النظام واقتناعه بان على اسرائيل ان تشكل دولة يهودية متجانسة احادية القومية ولا يمكن و الحالة هذه ، اعتبار العرب مواطنين ،وانما شر لا بد منه (63) . وعلى الرغم من ان افنيرى يعتبر هذه النظرية بانها موقف “النظام ” فان كافة الادله تشير بان هذه النظرة هي نظرة عامة تسود اوساط المستوطنين على الصعيد الاجتماعي عامة حيث ينعكس ذلك على نحو واضح في المدن المختلطة التي يقيم فيها يهود وفلسطينيون وفي الجامعات والمؤسسات وغير ذلك من المجالات                      ولا تقتصر على سياسة النظام نفسه فقط * .

سوف يتم هنا استعراض بعض نماذج من الدراسات اليهودية للتعرف على النظرة ازاء الجماعة الوطنية .

ففي كتابه “اسرائيل بين الشرق و الغرب” الصادر في عام 1953 ينطلق بتاى من اعتبار الجماعة الوطنية في اسرائيل بانها مجموعات من الاقليات الدينية ويتعامل معها كلا على انفراد ، مبررا ذلك بقوله ان الاقليات في العالم الثالث عامة هي اقليات دينية في معظمها . يصور الاوضاع الاجتماعية و الاقتصادية لهذه الاقليات على نحو اقرب الى المثالية ، ثم يرجح بأن مصير هذه الاقليات هو الاندماج الثقافي بالمجتمع اليهودي ، وذلك من خلال عملية التحديث “و التغريب” ( تمثل الثقافة الغربية ) مستندا في ذلك الى اربع اطروحات هي :

  1. مبدأ عام هو ان الاقلية تتبع الاغلبية دائما ، فالاقلية المسيحية في فلسطين قبل عام 1948 قد تبعت الاغلبية المصلحة ، اما وقد تغيرالوضع الآن بحيث اصبح اليهود هم الاغلبية فان مصير الاقليتين المسيحية و المسلمة ان تتبعا الاغلبية .
  2. الوعي بالمصلحة المادية المشتركة .

——————————————————————————–

*

(63) من الفكر الصهيوني المعاصر ، مركز الابحاث الفلسطينية ، بيروت ، 1968، صـ345.

*

  1. استمرار الاقامة في المناطق التاريخية ، يمنح الاقليات الثقة بالنفس و يشجعها على الاستجابة للمؤثرات الثقافية الجديدة .
  2. عامل الدين الذي يعمل باتجاه الانفصال والاندماج في كآن واحد فالتخلي عن الدين غير وارد ، وهذا من شأنه ان يؤدى الى استمرار الانقسام ، غير ان عدم المس بالدين من شأن كذلك ان يوفر عنصر الاطمئنان لدى الاقليات و يشجعها على الاستجابة للمؤثرات الثقافية الجديدة . اضافة الى ان الاديان بشكل عام تتضمن عنصر القدرية ،وهو امر يؤدى بمعتنقيها الى القبول بالامر الواقع .

ثم يقول بأنه على الرغم من بعض مظاهر التذمر لسبب او لآخر الا ان الاتجاه العام لهذه الاقليات هو الاندماج و الرغبة في الاعلان عن هويتها الاسرائيلية  واخلاصها الشديد للدولة (64) ….

ومن الواضح ان بتاى كان شديد التسرع في وضع اطروحاته التي لا تستند الى اساس موضوعي ، حيث تشير معطيات الواقع الفلسطيني داخل الدولة اليهودية الى عدم نجاح محاولات التقسيم الطائفي الدى اعتمدته الدولة اليهودية ، الا في نطاق ضيق وبأنه كلما ارتفع  المستوى الثقافي للفلسطينيين كلما ازداد تلاحمهم .

كما يبرز التناقض واضحا في افتراض بتاى الثالث حيث يعتبر استمرار اقامة الفلسطينيين في مناطقهم التاريخية دافعا الىالاستجابة للمؤثرات الثقافية ، بينما تؤكد المعطيات المتوافرة عكس ذلك حيث يؤدى استمرار الاقامة الى تعزيز الثقة بالنفس باتجاه التمسك بالثقافة الوطنية و القومية ، حيث عمدت السلطة اليهودية الى مصاردة الارض بهدف تغريمهم عن ارضهم و ثقافتهم …..

اما جاكوب لانداو ، الذي خصص كتابة لدراسة السلوك السياسي للجماعة الوطنية وذلك حتى عام 1966 ، فهو اقل تفاؤلا من بتاى ، وان كان يرجح هو الآخر بان ” المجابهة قد تتحول الىتعاون ومن ثم الى اندماج” ، وذلك استنادا الى ثلاثة متغيرات :

  1. حقيقة ان جزءا من الجيل الاول قد اعترف بوجود اسرائيل وبنفسه جزءا منها ، مما يشكل سابقة ومؤشرا للمستقبل .
  2. استمرار التوجه اليهودي الناشط باتجاه كسب “الاقلية العربية” .
  3. ازدياد تقدير الاقليات العربية للنتائج الايجابية للتقدم الذي تم حرازه .

——————————————————————————–

(64) Patai ,r., Israel Between East & West,U. S.A., 1953<pp. 216-263 .

الف الانداو كتابه هذا في اجواء معينة هي بداية تسيس الجماعة الوطنية وظهر جيل جديد شاب رافض وناقم  ، هذا من  جهة ، اما من الجهة الثانية ،فقد شكل عام 1966 قيام السلطات بالغاء الحكم الذي فرض على الجماعة الوطنية منذ عام 1949 ويبدو أن هذه الخطوة الشكلية هي التي منحت لانداو ذلك التفاؤل .

اما ايزنشتات ، فيعتبر في كتابه ” المجتمع الاسرائيلي” ان المشكلة المركزية بالنسبة لدولة اسرائيل ، التي تشكل تجسيدا للاهداف الصهيونية المقترنة بالحقائق العلمانية والعالمية كدولة حديثة قائمة على المساواة بين كافة المواطنين دون تفضيل لاية مجموعة دينية او واثنية …وفقا لما جاء في بيان الاستقلال (65) .

انما هي مشكلة العلاقة مع الاقليات ” العربية والدرزية وغيرها ” خاصة وان العرب ” يحتلون وفق كل الكقاييس تقافيا وتربويا ، ادنى المراتب بحيث انهم اكثر تخلفا من المهاجرين اليهود من أسيا وافريقيا الذين هم الاكثر تخلفا بين السكان اليهود . فالمشكلة انما تنبع من متغيرين هما التخلف الثقافي من جهة والاجراءات الحكومية من جهة اخرى والتي تمليها الضرورات للحفاظ على امن اسرائيل ، وذلك بسبب ان ” القلة فقط” منهم اظهرت توجهات ايجابية نحو الدولة (66) .

ثم يقول انه على الرغم من وجود اعتراف بحق الاقليات في الاستقلال الذاتي الثقافي ، فان مفهوم هذا الاستقلال لا يتعدى فكرة ” المواطنة العامة ” وذلك لعدة اسباب :-

  1. ان المجتمع اليهودى كان يواجه مشكلة تطوير هوية جماعية خاصة به .
  2. ان اى تطور متواز لحركتين قوميتين صهيونية وعربية من شأنه ان يعيق تطور الهوية المشتركة .
  3. ان الاقلية العربية (سواء المسلمة والمسيحية ) لم تملك من قبل هوية جماعية خاصة بها الا ضمن المستوى المحلي التقليدى الذى استمر عبر قرون طويلة من الاحتلال ، ولم تبدأ عملية تشكيل هوية عامة لهم الا بعد الاتصال بالحركة القومية العربية في زمن الانتداب ، وهي هوية مرتبطة بالبلدان و الجماعات العربية رغم ان هذا لا ينطبق على الدروز (67) .

ثم يتطرق ايزنشتات الى ازمة الهوية بالنسبة لعرب اسرائيل فيرى انها ازمة سياسية ترتبط بطبيعة العلاقات بين اسرائيل والدول العربية “رغم ان الجهود التي           ——————————————————————————–

(65) Eisenstadt, S. , Israeli Society , London , 1967, P.349 .

(66) Ibid., p,359

(67) Ibid., P . 396

 

بذلتها الحكومة حتى الآن تشير الى ان مستوى العرب في اسرائيل قد اصبح اعلى بكثير من مستوى كافة الاقليات في الدول العربية *(68) .

لقد ظهرت العديد من الكتابات اليهودية خلال السبيعينات وقد ركزت هذه الكتابات على موضوعين اساسيين : اولهما الاعتراف بأن اسرائيل دولة استيطانية مع نفي كونها دولة استعمارية قد ظهرت هذه الدراسات كرد فعل على كتاب ماكسيم رودنسون ” اسرائيل استيطانية استعمارية ” الذي ظهر في عام 1973. اما الموضوعة الثانية فتشكل استمرار للاطروحة الثقافية التي بدأها بتاى و لانداو اويزنشتات والقائلة بحتمية الاندماج الثقافي للعرب في المجتمع الاسرائيلي مع التركيز على ضرورة تكثيف الاتجاه السياسي للحكومة نحو هذه الغاية* .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

——————————————————————————–

* تشير الدراسات المقارنة التي جرت حول مستويات التعليم بين الفلسطنيين داخل اسرائيل و خارجها با\ن هذا المستوى داخل اسيرائيل اقلبكثير منه في الضفة و القطاع وفي كافة مناطق التجمع الفلسطيني : انظر : – للمزيد من  التفاصيل حول هذه الدراسات انظر :

(68) Ibid., P,409

الفصل الثاني

——–

الهوية الوطنية الفلسطينية في الادب

——————–

الادب والسياسة  :

 

هناك اتفق عام على اهمية الدور الذى تقوم به الشريحة المثقفة في اعادة تشكيل الثقافة السياسية في مجتمع ما . ذلك ان المثقف هو الذي يعمل في مجال الفكر ويملك القدرة على التقييم ، ويحتل الادب كنتاج ثقافي ابداعي ، اهمية خاصة في هذا المجال، انظرا لما يتميز به من قدره على التأثير تفوق قدرة اشكال الكتابة الاخرى ، وهي قدرة التمثل العضوى للافكار وتجسيدها في تجارب خاصة تخاطب الوجدان وتتفاعل معه على نحو اكثر رسوخا في النفس البشرية .

وقد تعاظمت في عصرنا الحديث الوظيفة السياسية للادب حيث اخذ يلعب دورا تحريضيا في توعية الجماهير ودفعها الى المطالبة بحقوقها ومقاومة الغزو والاحتلال عب ما يقدمه من تجارب ونماذج انسانية تعكس المعاناة والاضطهاد وتكشف المفاهيم الخاطئة السائدة ، كما اخذ يلعب دورا سياسيا آخر هو التوعية السياسية بمفهوم الهوية الوطنية وتشكيل الشخصية الوطنية للشعب المستعمرة ، بل لقد امتزجت شخصية الاديب بشخصية السياسي في المجتمعات الخاضعة للاستعمار ، بحيث يمكن القول ان كل اديب يتحول الى سياسي مع فارق ان الاديب اقدر من السياسي على قول ما يريد ذلك ، من خلال اللامباشرة الادبية و الصدق الادبي .

كذلك برزت وظيفة جديدة اخرى للادب في عصرنا الحديث هي وظيفة التزويد بالمعلومات ، وهي معلومات تستخدم في مختلف حقول المعرفة لتحليل النشاط الانساني الاجتماعي ، كما تستخدمها المؤسسات السياسية و اجهزة الاستخبارات للاتعرف على نفسية وشخصيات الشعوب ، بهدف التعامل معها وفق ما تتوصل اليه من نتائج ، وهو منهج تحليل المضمون ، فالعمل الادبي انما يعكس الواقع التاريخي لمجتمعه ويشكل انعكاسا للواقع المادى والثقافي فيه رغم انه لا يشكل انعكاسا مطابقا تمام المطابقة للواقع ،وذلك ان الاديب انما ينطلق من الواقع لكي يصوره وفقا لرؤيته الخاصة له ، وهي رؤية تخضع لمحددات عديدة منها ثقافية الاديب و انتماؤه السياسي والطبقي والغاية التي يرمي اليها والاسلوب الذي ينتهجه للوصول الى غايته: هل هو تضخيم سلبية الواقع من اجل تثويره ام هو تضخيم ايجابيته من اجل التحريض على بلوغه .

لذلك ،فان استقصاء معالم الهوية الوطنية الفلسطينية في الادب المكتوب داخل الدولة من قبل الشريحة المثقفة الفلسطينية لا يعكس الواقع بالضرور ،وانما يعكس واقع السياسية للشريحة المثقفة التي تكاد القيادة السياسية للفلسطينيين الخاضعين تحت سيطرة الدولة الاستيطانية – الاستعمارية اليهودية ، وواقع الثقافة التي تريد هذه الشريحة ان تبثها في المجتمع الفلسطيني .

الشريحة الفلسطينية المثقفة :

يختلف  تعريف  الشريحة المثقفة من مجتمع لآخر وفقا  لمستوى تطور المجتمع الذي تنتمي اليه ونوع حضارته ومقدار الحرية المتوفرة لاكتساب المعرفة وللتعبير ، اضافة الى الشروط التاريخية و الانسانية التي تتحكم في حياتها و تكون ثقافتها  .

تشكلت الشريحة المثقفة الفلسطينية خلال الخمسينات من عدد قليل جدا من المخضرمين الذين تكونت ثقافتهم ضمن اطار المجتمع الفلسطيني العربي قبل عام 1948 ، تأثروابالفكر القومي والفكر الماركسي ، فصدرت لبعضهم خلال النصف الاول من الخمسينات بعض الاعمال الادبية التي غلب عليها الشعر المعبر عن الحيرة و الذهول و الضياع ، غير ان اواسط الخمسينات ما لبثت ان شهدت تحركا ثقافيا وسياسيا باتجاه امتلاك هوية حيث تم تشكيل “رابطة الادباء و المثقفين العرب” في عام 1955.

وازاء صعوبة الحصول على وسيلة للنشر فقد عمدت الرابطة الىاقامة الامسيات والمهرجانات الشعرية التي تحولت الى تقليد من تقاليد المجتمع الفلسطيني ، ميدانها القرى والساحات العامة و المقاهي . غير ان الرابطة ما لبثت ان تعرضت لمطاردة السلطات اليهودية ، حيث لقي القبض على شعرائها وزج بهم في السجون وتوقف نشاط الرابطة تماما في عام 1958 .

والجدير بالذكر ان المناطق الفلسطينية التى احتفظت بطابعها الفلسطيني العربي داخل الدولة اليهودية الجليل و المثلث و النقب ، قد غلب عليها الطابع الريفي و خلت من المراكز الادبية الناشطة ، حيث لم تشكل مدينة الناصرة ،وهي المدينة الفلسطينية الوحيدة التي احتفظت بطابعها العربي ، غير مركز تقافي ثانوى قبل عام 1948 كما لم توجد في هذه المناطق خلال الخمسينات اية مكتبة عامة .

اما الجيل الثاني ، فهو الذي كان طفلا في عام 1948 وكان اكثر علوا في الصوت وقدرة على التعبير والتحدي ، حيث برزت من صفوف هذا الجيل من الشعراء الذين لعبوا دروا كبيرا في الانتقال بالوعي الفلسطيني من مرحلة الذهول والضياع الى مرحلة الوعي بالهوية العربية وانتجوا شعرا ترك اثره ليس على صعيد الفلسطينيين في الداخل وانما على الصعيد العربي بعد ان بدأ هذا الشعر بالوصول الىالخارج بعد حرب 1967 .

لقد تصدى هذا الجيل بقوة لسياسة العدمية القومية والتغريب الثقافي التي اتبعتها السلطات اليهودية ضدهم ، حيث اتجه الادباء إلى التأكيد على انتمائهم العربي والمحافظة على تقافتهم العربية باستدعاء التراث والحفاظ على اللغة العربية في وقت اشتدت فيه حملة السلطة باتجاه اعتبارهم اقليات دينية” ، والزج بالادباء في السجون وتشكل قصيدة محمود درويش “سجل انا عربي ” مثالا واضحا على طبيعة المعركة التي خاضها هذا الجيل ،والتي هي المعركة القومية .

اما الجيل الثالث الذي بدأ الكتابة في السبعينات فيتألف في معظمة من الجيل الذي ولد في الدولة اليهودية ، رغم ان ابرز كتاب هذا الجيل هم من الجيلين الاول والثاني ، مثل اميل حبيبي ( الجيل الاول) وسميح القاسم (الجيل الثاني) .

هناك جمل من العوامل المؤثرة في بنية الشريحة المثقفة هي :-

  1. قلة الفرص للحصول علىالتعليم الجامعي ، حيث تتشكل الشريحة المثقفة في غالبيتها العظمي من خريجي المدارس الثانوية .
  2. الانقطاع شبه التام عن الحياة الثقافية العربية في الخارج وخاصة قبل عام 1967.
  3. الانقطاع شبه التام عن الحياة الثقافية اليهودية .
  4. الخلفية الريفية القروية لغالبية افراد الشريحة .
  5. المكونات الثقافية : الثقافة العربية الاسلامية و الفكر القومي و الفكر الماركسي .
  6. غلبة الادب على غيره من النتاجات الثقافية .

شهدت اواخر الستينات واوائل السبعيات تحولا واضحا نحو الاقلال من الشعر والتوجه لكتابة القصة القصيرة والرواية والمسرحية ويرى فرانز فانون في نظريته ذات المراحل الثلاثة حول تطور وعي الشريحة المثقفة في المجتمع الوطني الخاضع للاستعمار ان “هناك اشبه ما يكون بقانون عام يلزم بالاقلال من التجليات الشعرية كلما توضحت اهداف كفاح التحرير وطرقه . حيث تندر شيئا فشيئا تلك الصرخات المرة اليائسة وتلك الاندفاعات الثورية الكي تفسح المجال للقصة القصيرة ثم الرواية والبحث *. بينما هناك من يرى ان تلكؤ لادب القصصي انما يعود الى “عدم نمو وتطوير حياة ميدنية عربية ” خلال العقدين السابقين ، في ضوء  واقع ان الفن القصصي هو نتاج تقاليد ثقافية خاصة بالثقافة الحضرية للمدن الكبيرة . هذا الى جانب حقيقة اخرى هي تأخر نمو الفن القصصي العربي عامة و الفلسطيني منه بالطبع قبل عام 1948 ، بحيث لم يتوفر لاجيال الخمسينات وما بعدها تراثنا قصصيا مثبلورا .

في ضوء ما سبق ، يمكن تعليل ظهور الفن القصصي على نحو واسع في اواخر الستينات ثم السبعينات ، بجملة من العوامل في :

  1. بداية ظهور حياة مدينية في المجتمع الفلسطيني داخل الدولة الهيودية تحولت مدينة الناصرة الى مركز ثقافي حضري يضم عددا كبيرا من افراد الشريحة المثقفة ، ” اضافة الى اقامة عدد آخر من افراد هذه الشريحه في مدينة حيفا التي تضم نحو 7% من مجموع الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية .
  2. الاثر اليجابي الذي خلفة التئام الارض الفلسطينية بجماهيرها بعد احتلال عام 1967 وانفتاح الحدود بين الدولة اليهودية و الاراضي الفلسطينية الاخرى ، حيث تقلص الاحساس لدى الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية بكونهم “اقلية” معزولة .
  3. اثر انبعاث الهوية الوطنية الفلسطينية وما رافقها من مقاومة مسلحة ، على تعزيز الثقة بالنفس .

من جهة ثانية ، فان انتشار ظاهرة القصة القصيرة قياسا مع قلة الاعمال الروائية رغم بداية ظهورها ، انما يعكس واقع عدم وضوح الرؤية الشاملة للواقع و الاهداف ، وذلك انطلاقا من واقع ان ظهرو القصة القصيرة انما يواكب في العادة حالات التحول الاجتماعي والسياسي وما يواكب هذه التحولات من قلق توتر ، فقد اعتبرت القصة القصيرة فى اوروبا مثلا ، ناطقا باسم البرجوازية الصغيرة المأزومة في الوقت الذى كانت فيه الرواية ناطقا فنيا باسم البرجوازية الصاعدة . كذلك هناك من يرى بان القصة القصيرة انما تظهر مع ظهور ما يسمي ” بالجماعات السكانية المغمورة ” ، بينما يرى  آخرون بانها تصلح دون الرواية ، للتعبير عن الخلل في المجتمعات او عن تحلل مجتمع في مواجهة الحداثة . غير انه في ضوء ان القصة القصيرة تتعامل عادة مع لحظة معينة في حياة  انسان ما ، حيث يلعب الحدث دورا مصيريا في حياته ،  فكثيرا ما يكون هذا الحدث رمزا لمصير مجتمع باكملة ،      ——————————————————————————–

*فرانز فانون

مؤشرا على   التحول الفعلي الذى يجري في حياة الفرد والمجتمع .

لذلك يمكن النظر الى انبثاق القصة القصيرة الفلسطينية داخل الدولة اليهودية بأنه نتاج تفاعل عميق لعبت فيه التحولات الاقتصادية الجارية في هذا المجتمع، نتيجة السياسات اليهودية الرامية الى تدمير البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع الفلسطيني ،دورا كبيرا كما لعبت فيه نتائج حرب حزيران 1967 دورا آخر.

اما الرواية ، فانتاجها قليل ، ولا يتناولها الا قلة ضئيلة من الادباء الذين يمتلكون نوعا من الرؤية الشمولية . ويستدل على ذلك من حجم النتاج القصصي والروائي . ففي الوقت الذي صدر فيه لا يزيد على تسع عشرة مجموعة قصصية خلال الفترة الممتدة بين عامي 1949 و1967 ، فقد بلغ عدد المجموعات القصصية التي صدرت بين عامي 1967 و1978 نحو خمس وثلاثين مجموعة ، بينما صدرت روايتان فقط خلال الفترة الاولى و خمس روايات خلال الفترة الثانية .

من السمات العامة لأدب الفلسطينين داخل الدولة اليهودية ، هناك سمتان بارزتان هما الاستخدام المكثف للرمز و اسلوب السخرية .

فهناك استخدام كثيف للرمز يوضح مدى انهماك الاديب في ايصال ما يرييد ان يقوله دون التعرض لمصادرة عمله الادبي او ملاحقته من قبل السلطة : فالمراة هي الوطن والوحش الضارية هي السلطة ولقاء الحبيبين هو لقاء الشعب والنجم الذي لا يفارق سماءة هو الفلسطيني الذي لا يغادر  وطنه و الخازوق هو الدولة اليهودية…الى غير ذلك من الرمؤز التي لاتكاد تخلو منها قصة او رواية.. اما الاسلوب الساخر فهو سمة خاصة لمرحلة ما بعد حرب حزيران بكل مامثلته نتائجها من مفارقات وهناك آراء مختلفة حول استخدام اسلوب السخرية في الادب بشكل عام، حيث يرى البعض مثلا بان السخرية انما تنبع من مصدر قوة اذ يكون الاديب قد وصل الى مرحلة من الثقة بالنفس تدفعه الى رؤية الواقع السيء بنظرة ساخرة وثقة بالقدرة على تغييره ، بينما هناك آراء مخالفة بأن السخرية في الادب مرحلة من مراحل القلق وعدم وضوح الرؤية .وقد عبر الاديب اميل حبيبي ، وهو من ابرز من استخدم الاسلوب الساخر في الادب الفلسطيني داخل الدولة اليهودية ، عن رؤية تكاد تقترب من الرأى الاخير ، وذلك بقوله ان لجؤه الىالادب الساخر انما يعود الى امرين اولها انه يرى في السخرية سلاحا يحمي الذات من ضعفها وتعبيرا من مأساة هي اكبر من ان يتحملها ضميره الانساني* .

——————————————————————————–

*الكرمل

 

الادب الفلسطيني :

لقد تم تعريف الهوية الوطنية في هذه الدراسة بانها موقف سياسي ، يعبر  الفرد من خلاله عن وعية لمعني الاستقلال والسيادة فوق الارض الوطنية . غير ان الادب اوسع مجالا وافقا في تعريف معني الهوية الوطنية ، حيث يحصل الادب على هويته الوطنيه عبر مجموعة من المتغيرات ، بعضها كامنه في بنيته الذاتيه ، وبعضها في ما يريد ان يقوله . لذلك يمكن تحديد جملة من المتغيرات التي تحدد الهوية الوطنية للادب :

  1. المكان :

فالاديب ، وخاصة منذ ان اصبح الادب اداة كفاح سياسي ، انما ينطلق المكان الذى هو فيه ويعبر عن رؤيته ومفهومه للمكان الذى تدور فوقه الاحدات التي يعالجها او التجارب التي يعكسها . لذلك يكتسب الادب هوية المكان الذي ينطلق منه.

  1. الزمن :

الزمن هو لحظة الفعل الحاضر ضمن : مرحلة تاريخية معينة ينطلق الفعل او الحدث منها الى الماضي والمستقبل فهو زمن محكوم بالشرط التاريخي الذي يتحكم في مصير الشخصيات الادبية في مكان محدد.

  1. الشرط الانساني :

كل اديب انما ينطلق من شرطه انساني و لا يتسطيع الفكاك من الشرط الذى يتحكم في وجودة . فلزنجي مثلا كما يقول سارترلا يستطيع الفكاك من شرطة كزنجي ولا يمكنه ان يكتب عن عالم البيض الا من خلال علاقته بعالم السود . وكذلك الفلسطيني الذي لا يستطيع الفكاك من شرطة كانسان مضطهد سياسيا حرم من الانتماء وطن اسوة بالآخرين .

  1. اللغة :

كل اديب يكتب بلغته (مع استثناءات شاذة) ، وكل لغة تختزن تراثا تاريخيا واجتماعيا وتعكس نمطا معينا من التفكير والثقافة ،و نسقا محددا من الخبرات .

ولدى تطبيق هذه المتغيرات على الادب الذي يكتبه الفلسطينيون ، يتضح بان لهذا الادب هوية فلسطينية خالصة تميزه عن الادب العربي المكتوب في الدول العربية المختلفة كما تميز الادب الذي يكتبه الفلسطينيون داخل الدولة ، اليهودية عن الادب الذي ينتجه اليهود فى تلك الدولة فهو يمتلك هوية مشتركة مع الادب الفلسطيني المكتوب في مناطق الشتات ، كما يمتميز عنه في خصوصيات وتفاصيل شرطة التاريخي الخاص .

فالمكان الذى ينطلق منه الادب الفلسطيني بشكل عام هو ارض فلسطين التاريخية وارض المخيم الفلسطيني او الارض التي يحس الفلسطيني فوقها بالاغتراب ، حيث توجد الادله على ذلك في ادب اميل جبيبي داخل الدولة اليهودية وادب غسان كنفاني وادب جبرا ابراهيم جبرا و غرهم من الادباء الفلسطينيين .

كذلك نجد الزمان واحد هو زمان الاحتلال اليهودي والزمان الفلسطيني قبل الاحتلال ، والزمان العربي في حاضره و تاريخه من موقع رؤية الفلسطيني له .

اما الشرط الانساني فهو شرط انتساب الانسان الفلسطيني المقتلع من ارضه ووطنه ، المناظل من اجل استرداد وطنه . بينما تتميز اللغة في لهجتها المحكية وامثالها الشعبية و حكمها وما اختزنت مفرداها من سياق تاريخي اجتماعي .

ثمة سمات خاصة تميز الادب الفلسطيني داخل الدولة اليهودية تتمثل في الاكثار من اللغة المحكية والامثال والحكم الشعبية ، واضافة الى الاكثار من التداعيات التاريخية فلسطينيا وعربيا ، كما شهد النشاط الثقافي عملية احياء التراث الشعبي الفلسطيني ،ويعكس ذلك مدى انهماك الاديب الفلسطيني في تأصيل ذاته وترسيخ هويته الوطنية وتكاد تكون قصص محمد نفاع تسجيلا وثائقيا لكل معالم المكان حتي في ادق تفاصيله وترسيخا لكل ما يختزنه الشعب من حكم وامثال ، بينما نجد التداعيات التاريخية لتراثية بعيدة الغور في اعمال اميل حبيبي الروائية .

هناك جانب آخر من معالم الهوية الوطنية الفلسطينية في ادب الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية هو الجانب السياسي المتمثل في ما يقوله الادب ، وذلك ضمن اطار ثلاثه متغيات هي المكان (الارض) ،والشعب والسلطة وهو ما سيتم استعراضه في الصفحات التالية ، في محاولة للتعرف على الهوية الوطنية السياسية لهذا الادب ، وذلك من خلال بعض الاعمال التي تم اختيارها في ضوء جودتها النسبية وغزارة الانتاج الادباء الذين اختبرت اعمالهم واتساع دائرة قرائهم على الصعيد الفلسطيني والعربي ، وقد آثرت استعراض هذه الاعمال ضمن تسلسلها التاريخ يقدر المستطاع بهدف التعرف على مسار الرؤية السياسية – الادبية لهذا الادب …وهذه الاعمال هي

  1. بيت حانون ، 1967 توفيق فياض ، 1967 مسرحية .
  2. سداسية الايام الستة ، اميل حبيبي ، 1968 مجموعة قصص
  3. الشارع الاصفر ، توفيق فياض ، 1968 مجموعة قصص
  4. الوقائع الغربية في اختفاء سعيد ابي النحس المتشائل ،اميل حبيبي ، 1974 ، رواية .
  5. الابن ، سيمح القاسم ،1974 ،رواية مسرحية .
  6. مختارات من مجموعتي “ريح الشمال و”كوشان” لمحمد نفاع ، 1978، 1980 .
  7. مختارات من مجموعتي”جسر على النهر الحزين” وعائد الميعارى يبيع المناقيش في تل الزعتر “لمحمد علي طه .
  8. الى الحجيم ايها الليلك . سيمح القاسم ، 1978 ،رواية .
  9. لكع بن لكع ، اميل حبيبي ، 1980 ، رواية مسرحية .

المختارات:1- الارض تتخذ ثيمة الارض ابعاد متعددة يمكن حصرها بما يلي:

  1. البقاء فوق الارض .
  2. التمسك بالارض والدفاع عنها .
  3. وحدة الارض الفلسطينية بحدودها التاريخية .
  4. ذاكرة الارض …

البقاء فوق الارض :

تتكررتتيمة البقاء فوق الارض في مجموعة “الشارع الاصفر” 1968 لتوفيق فياض وفي رواية ” الوقائع الغربية في اختفاء سعيد ابي النحس المتشائل “لاميل حبيبي (1974) وفيما ترد هذه التتيمة في “الشارع الاصفر” على نحو تحريضي ، تبرز في المتشائل ” على نحو مناقشة سياسية تحليلية ثم تختفي هذه التتيمة فى الاعمال اللاحقة الداخلية ضمن هذه الدراسة مما يوحي وكأن الامر قد بت فيه ولم يعد مثل هذا الخطر، خطر مغادرة الارض تحت ضغط الواقع الاقتصادي او الارهابي قائما .

ففي “الشارع الاصفر” ، تكمن مشكلة امين اسعد في انهم يفتحون له الابواب لكي يغادر ، ويحرضونه على ذلك بمختلف اساليب الترغيب والارهاب . لقد خرج للتو من السجن بعد ان قضي فيه عاما بتهمة ضرب شرطي ، دون ان يكون فى مقدوره ان يوكل محاميا للدفاع عنه ” ومن الذى سيمول المحامي ،هل هو الذى يرقد في السجن ، ام والده الذي سيق الى الموت مع العشرات من ابناء قريته في عام 1948، ام امهم التي رحلت بهم الى هذا الغيتو (حيفا) ، بعد هدم القرية كلها لكي تطعمه هو واخوته من لحم اناملها المتفتت في ماء الغسيل القذر في البيوت ، ام اخته التي تفوح من فراشها رائحة لموت ، ثم ماتت دون ان يراها …” . هاهو يخرج من السجن محملا بجراح التعذيب الذي تلقاه فيه ، وبذكرى رفيق السجن ، سليم واكد ، الذي لم يستطع ان يقاوم اغراء الانشوطة التي علقوها لهما في سقف الزنزانة ، فتوجه اليها دون ان يلتفت لتحذير امين ،: “انك بذلك تدني لحظة انتصارهم عليك ….” ، واذ تحمله قدماه الى سفح الكرمل ويشاهد اضواء الميناء متلالئه امام عينيه ، ترن كلمات ريتا ، صديقته القادمة من بحر الشمال ، في اذنيه وهي تغادر الى بلادها: “ولكنك اذا كنت تريد ان تقول الحقيقة فلا بد لك من ان تختار المنفيذ: ساساعدك انا في منفاك على قول الحقيقة … انك تعيش هنا في قبر مظلم قاتم ، وطنك هذا الذي لك و ليس لك ، لماذا تهجره ، لماذا ؟ انهم يفتحون لكم الطريق ويساعدونكم على ذلك والى اى مكان تريد !! “غير انه يبعد الفكرة عن باله “،ويصر على التمسك بجوابه الذي اعطاء لريتا: “لا ..لن يغادر هذان النجمان (عيناه اللتان ترقبهما كنجمتين) سماءهما، لن يكونا منفيين في سماء اخرى” . يعود امين ادراجه الى الشقة العفنه ، ليجد امه المرهقة واخواته نائمين ، ينبش الجرائد القديمة ،فيقرأ انباء اعتقاله ومحاكمته ويتذكر الحركة التي ينتمي اليها والتي لم تسأل عنه وهو في السجن . ولكنها هي الاخرى مطاردة واذ يقف في الصباح على الشرفة ليشاهد جموع المتظاهرين في الشارع ، يبصق عليهم ، ثم يقذف بنفسه عليهم لكي تتلقفه الايدي جثة هامدة !! يظل السؤال قائما حول السبب الذى دفع امين الى الانتحار ،وهو الذي يرفض ان “يدني لحظة انتصارهم عليه” ويصر على البقاء فوق الارض” لأن النجمين لن يغادرا سماءهما  ” حقا ، لقد شكل انتحاره احتجاجا عنيفا على واقع مهين ، ولكن من الذى انتصر على الآخر في هذه النهاية التي قررها المؤلف ؟

تطرح “بيت الجنون” 1967 لتوفيق فياض ايضا ثتمة البقاء والاصرارا على التحدى . انها رواية مسرحية رمزية ذات بطل واحد هو سامي مدرس الادب والتاريخ المفصول من عمله اما البطل الثاني في هذه المسرحية فهو كابوس مؤلف من شرطة وجمهور يقتحم عليه بيته وذكريات عاصفة دامية وزوابع وبحر هائج ، تلتقي سامي وقد انكب على مكتبه مرددا من كتاب امامه :

انهض ، انهض يا اوزوريس

جئت اعيد اليك الحياة

جئت اجمع عظامك

وأصل اعضاءك

انا حوريس الذى تكون اباه

حوريس يعطيك عيونا لترى

واذانا لتسمع ،واقدما لتسير

وسواعد لتعمل

هاهي اعضاؤك صحيحة

وجسدك ينمو

ودماؤك تدب في عروقك

ان لك دائما قلبك الحقيقي

فانهض ، انهض يا اوزوريس !

الريح العاصفة فى الخارج واحذية الشرطة والبحر في قمة هياجه بينما تطل فوق مكتبه حبيبته لبني احبته ثم خانته نعلم من خلال هلوسته ، ان امه قد ولدته في مرحاض في زمن حرب حيث كانت الطائرات تقصف والمدافع تضرب ، ثم ماتت لكي تخلفه وحيدا ،وبأن اباه قد اختفي ، بينما تتقلب لبنى التي وجد فيها صورة امه ، فاحبها و احبته ، الى نمرة فتقتل ولدهما الوحيد الذي انجباه وتجلب بدلا منه كلبا تدلله . انه يحب لبني ويصر على استعادة صورتها النقية الظاهرة في ذهنه ، بل يكاد يتخيل بأن الذين قتلوها هم الآخرون ، ذلك السرطان المتدفق من البحر الهائج وتلك الشرطة التي تطرق باحذيتها خلف نوافذه …. يلتفت فجأة ، فيرى جمهورا يملأ غرفته فيصيح ” يا اله السماء…. انتم … ماذا تفعلون هنا ؟ كيف دخلتم دارى بحق الشيطان ؟.. كيف استطعتم ذلك ؟ الم يعد ثمة قانون فى العالم ؟ منتهي الوقاحة!! لا استطيع ان اتصور كيف يسمح شخص لنفسه دخول بيت غير بيته دون اذن من صاحبه … حتي حديقة الحيوانات … بل والمقابر … اصبح لدخولها وقت معين ، بل وثمة ابواب لها تقفل على موتاها “ثم يندفع صارخا ” : “لا ارهبكم …ساتحداكم جميعا … سانتصر عليكم جميعا …وحدى ..وحدى !!!”.

يختلط الواقع بالرموز في هذه المسرحية .. فقد ماتت امه الارض بعد ان خلفته وحيد في مرحاض كبير هو الدولة اليهودية غير انه يحاول انتشال نفسه ، فيحب لبنى (الارض الجديدة) …. وينجب منها طفلا ربما يكون رمزا لحياة جديدة ولكنها مستحيلة ، لان لبني تبادر الى قتل هذا الطفل . بل ان كل شيء هو ضد الطبيعة فالطبيعة غاضبة مجنونة والام تقتل طفلها ،ولم يعد للبيوت حرمة حتى على غرارحرمة المقابر والكلاب المدلله تحل محل الاطفال .. ولكنه يصر على التحدي وطرد اولئك الذين اقتحموا عليه بيته ..

تتخذ يتمة البقاء فوق الارض في هذه المسرحية صيغة حلم مشوش وواقع اكثر تعقيدا . فالام قد ماتت والوطن البديل مستحيل ، بل هو قتيل في شخص لبني ، لكن صور لبني باقية انها الوطن الذى لا بد ان يتم التمسك به وتحدى اولئك الذين يقتحمونه ويشوهونه …

تتخذ يتمة البقاء فوق الارض في “الراعي حمدان” 1968 لتوفيق فياض ايضا شكلا رمزيا اكثر تبسيطا ، تبدأ القصة برسم صورة لذلك السلام الطبيعي الذى يلف قرية الناعسة غربي بيسان واهلها المسالمين ومن فلاحين ورعاة ، المنزرعين فيها والمتماثلين مع اشجار اللوز وازواج الحمام ، والنساء اللواتي ينجبن الابناء . غير انه ثمة خطر يداهم القرية على شكل ذئاب تداهم القرية ليلا ، فتفترس الاغنام ، وتترك الرعاة حيارى بين الفقر والعذاب . وفي الوقت الذي يفكر فيه ناجي مغادرة القرية من اجل الحفاظ على بقية اغنامه ، يصيح به حمدان : “تروح تغرّب يا ناجي في الغور ،…. تنساش يا ناجي الغنم ما بحميها غير كلبها وذراع راعيها …” .

يصر حمدان على التصدى للذئاب ويخوض في الليل معركة معها بينما تهرع زوجته حليمه ، وهي حامل ، الى القرية تستنجدها لمساعدة زوجها في معركته مع الذئاب . تهب القرية لنجدة حمدان حيث ما تلبث الذئاب ان تولى هاربه . غير ان ثمة حدثا غريبا يشوه هذه الانتصار هو اغتيال حليمة لدى عودتها الى البيت بخنجر تغرسه يد جهولة في صدرها ، حيث ما تلبث القرية ان تهرع على صوت صراخ طفل حي ملقي الى جانب جثة امه التي ولدته في اطرف الطريق …قبل ان تلفط انفاسها الاخيرة . لقد ولد الطفل حقا ، وخاض حمدان معركته المظفرة مع الذئاب ، وليكن موت حليمة يثير التساؤلات !!

لماذا اصر الكاتب على موت الام التي هي رمز الارض !!!

اما ” الوقائع الغريبة فى اختفاء          ابي النحس المتشائل” 1974 ،لاميل جبيبي ، فتتعامل مع يتمة البقاء فوق الارض من منظور مختلف ، وهو منظور التعامل مع الامر الواقع . يدرك سعيد المتشائل بان حياته في “اسرائيل” فضلة حمار”.  ذلك انهم حين اطلقوا الرصاص عليه في عام 1948 لارغامه على الفرار ، اختبأ خلف حمار ، فقتل الحمار ونجا هو . واذا كان وجود سعيد مرفوضفي هذه الدولة ، فلا مناص من النضال من اجل البقاء بالسبل المتوفرة في الظرف الراهن ،حتى ولو اضطره ذلك الى “التعاون” . لذلك يعجب سعيد بالخيال الشرقي : فلولا هذا الخيال ، هل استطاع عربك يامعلم ان يعيشوا في هذه  البلاد يوما واحد ؟…

فانت في كل سنة في عيد  الاستقلال ، ترى العرب يرفعون اعلام الدولة ابتهاجا، اسبوعا قبل العيد واسبوعا بعده … وتتزين الناصرة بأكثر مما تتزين تل ابيب من اعلام خافقات … وفي وادى النسناس في حيفا ، حيث تآخي العرب واليهود الفقراء ، ويعرف البيت العربي من بيت جاره اليهودي باعلام الدولة الخفاقة فوق بيت العربي فحسب .. اما بيت اليهودى ، فحسبه يهودى … ” كذلك ” اليس الندل شلومو في افخم فنادق تل ابيب هو سليمان بن مئيره ، ابن جارتنا ؟ ودودى ؟ اليس هو محمود …!!

لذلك على الرغم من ان سعيداً باق على حبه لحبيبته الاولى “بعاد” التي طردت في عام 1948 من الارض فهو يقرر الزواج من باقية الطنطورية التي كان بقاؤها في البلاد ايضا مجرد صدقة وذلك انهم حين هدموا الطنطورة وشردوا اهلها عام 1948 فاتهم ان يعرجوا على قرية “جسر الزرقاء” حيث كانت باقية في زيارة لاخوالها . وحين ينجبان ولد ا ترغب باقية ان تسميه “فتحي” بينما يصر المتشائل على تسميته ولاء لكي يشب مخلصا للدولة . غير ان ولاء ما يلبث ان يشب مخلصا لامه الطنطورية ،ويقرر البحث عن الكنز المطمور تحت ترابها في ساحل عكا وهو كنزا اخبرته امه بأن و الدها كان قد دفنه في كهف ما . وتشكل المعركة التي يخوضها ولاء ضد الجنود الذين حاصروه في الكهف نقطة التحول . فهو يقاتل ببندقية صدئة بينما تضطر امه باقية الى الوقوف الى جانبه ومساعدته في معركته غير متكافئة التي تنتهي باختفاء ولاء وامه ، غير انه اذا كان طيش ولاء قد ادى الى رحيله مع امه عن الارض ، فمن الواضح ان ثمة تطور يجعل من هذا الرحيل مختلفا عن رحيل يعاد الاولى فالجنود يفشلون في قتل ولاء وامه ، كما ان المتشائل ما يلبث ان يعلم عن طريق المذياع بأن هناك كتيبة فدائية اسمها “كتيبة الطنطورية “
فيطمئن بأن الطنطورية وابنها حيان …..

غير ان الزمن قد تغير كذلك حتى بالنسبة للمتشائل نفسه , فاعتقال سعيد المتشائل بعد حادثة ولده وزوجته يؤكد بأنه لا مكان في االدولة حتى لسعيد المتعاون الذي اصبح “مشبوها” بحكم ما حدث من تطورات بعد عام 1967، فهو والد ولاء على اية حال . هكذا تتحول عملية التحاق سعيد “برجل الفضاء” رمزا لاختفاء جيل “المتعاونين” لكي يحل محله جيل جديد ، جيل صاحب الجريدة الذى يصر على البقاء فوق الارض باسلوب مختلف عن اسلوب المتشائل وعن اسلوب “ولاء”.

(2) الدفاع عن الارض :

تمتزج قيمة البقاء فوق الارض مع قيمة الدفاع عنها كما حدث في قصة “الراعي حمدان ” لتوفيق فياض ، وذلك حين يكون الموضوع متعلقا بالريف الفلسطيني ، بينما تشكل قيمة البقاء قيمة منفصلة اذا كان الموضوع متعلقا بشخصية مدينية كما هو الحال بالنسبة لأمين اسعد في “الشارع الاصفر” في الوقت الذى نلاحظ فيه وجود علاقة جدلية بين هاتين القيمتيين في المتشائل ، حيث ادى عدم اتفهم الظروف الموضوعي وعدم تكافؤ القوى الى خروج ولاء وامه في مقولة الدفاع عن الطنطورية، مع فارق ان التعامل ” المتشائل ” كرواية ذات رؤية  شمولية لقيمة البقاء والدفاع ، يختلف عن التعامل القصة القصيرة التى تتخذ من الحدث وحدة بعد ذاتها .

فقد اصر الراعي حمدان علىالبقاء رافضا الاستجابة لفكرة المغادرة التي طرحها زميله ناجي “والله ماني هاجرك يا هالبلد  ، لوبفطس في زقاقاتك وما بلاقي مين يدفني” . غير انه اضطر كذلك ان يخوض معركة الدفاع عنها ضد الذئاب المفترسة التي تحاول افقاره وتجويعة بالقضاء على غنمه من اجل دفعه الى المغادرة.

تختفي قيمة البقاء فوق الارض في قصص محمد على طه ومحمد نفاع المكتوبة في اواسط السبعينات ، لكي تحل محلها وبشكل حاد ، قيمة الدفاع عن الارض ، يأتي ذلك ضمن سياق اختلاف التحديات ، ففي الوقت الذي تعرض فيه الراعي حمدان لاسلوب تجريده من مقومات معيشته التي هي الاغنام ، بهدف دفعه الى المغادرة ، تتعرض القرى على نحو حاد ومتصاعد لاسلوب آخر هو اسلوب مصدارة ارض الريفيين الفلسطينييين .

ففي قصة “فارس ابو عرب ” لمحمد علي طه ، سيسترد فارس كرامته حين يقود معركة الدفاع عن الارض التي قررت الحكومة مصادرتها . هنا يصبح الوعي اكثر تبلورا وسطوعا ، فالارض حق لمن يفلحها ، وهو حق تاريخي لا يمكن التنازل عنه. لقد تعلم فارس بعد ان اشتغل عاملا في المدينة ..وفي الوقت الذي كانت فيه القومية تعتبر ذكر الاضراب “عيب وزعرنة .. والبد التي لاتستطيع ان تعضها بوسها ..” ، اصبح فارس يجاهر قائلا : “الحكومة مستغلة تمص دم العمال …حقوق العرب ضايعة يجب ان نعيد اللاجئين … يجب ان نعيد الارض لاصحابها الدار درا ابونا  اجحو الغرب يطحونا ….”  .

لقد تعرض فارس طيلة حياته لاهانات القرية التي كانت تصر على مناداته فارس رتيبه نسبة لامة التي احبت والده وتزوجته رغم ان الحب “غيب” كالاضراب. غير ان الامورتتبذل حين يقوم فارس وجماعته  بالتصدي لشرطة السلطة التي جاءت لكي تصادر الارض ، حيث تخرج القرية من ورائه بكل عصيها وحجارتها وتقيم المتاريس . وحين يصاب فارس بجراح في معركته ، تهتف القرية لكلها “بالروح والدم                        “اسم القرية” بالروح والدم نفديك يافارس “ابو عرب “. !

كذلك ترفض القرية في قصة “كوشان ” لمحمد نفاع ، الاعتراف بشرعية استيلاء الحكومة على الارض ، لان هناك صكا تاريخيا “كوشان “بين الشعب الفلسطيني وارضه .

وحين تتسلم القرية اشعار يقول بأن الارض “ملك للدولة لانها كانت في السابق ارحاشا تابعة للدولة “يسود القرية جو من الوجوم الذي ما يلبث ان ينقلب الى جو من التحدي :

–  نترك الارض بهذه السهولة ‍ !

–  هـــه …. حكومة ‍‍‍‍!!!!

–  بلا بطيخ اصفر ….

– ما احلاك ياحكومة وانت ماخذه خلة النمر ! قال احراش ! مرج بن عامر قال   احراش

وعندما افاقت القرية في الصباح ، كان شارع القرية يعج بالفلاحين المتجيهين للعمل في الارض … لقد وضعوا اشعار الحكومة ” في جهنم …وبعيد عنك ” . فالارض لشعبها الذي يفلحها !

اما ذيب في قصة “نتمرين في الدفاع المدني ” لمحمد نفاع ايضا فيهدد بسلخ جلدها اذا ما تحرشت بارضه . انه اغرب رجل في قريته ويمارس اغرب المهن ، في مقدمتها سلخ جلود الماعز ، وصنع جلالات الحمير ،وهو لم يلبس مرة “فردتي حذاء تجمع بينهما اخوة او قرابة او حتى نسب “. و حين يصله اشعار الحكومة يصادرة ارضه يقيم دعوى على الحكومة ويقرر بأن يحط ربه وراء ظهرة اذا ما قرب واحد من الارضيات .وكان يوم النظر في الدعوى يوما مشهودا علا فيه صوت الذيب وزوجته الحامل على كل اصوات المدخلات بالفاظ لم تعتد المحكمة سماعها : “ارض النا آه …. دولة لا ” …دولة فيش … اسلخ جلود .. هنا انا اولد صبي … آه … حكومة لأ… دولة لأ …” .

تتخذ قيمة الدفاع عن الارض في مسرحية “الابن” (1974) لسميح القاسم ، بعدا رمزيا تاريخيا ، حيث القرية الفلسطينية هي القرية المهدمة الميته ذات الجدران الكالحة والعجائز الناديات اللواتي لا يعرفن فيما اذا كن عاقرات ام انهن قد فقدن ابناءهن ، حيث الرجال اشباح متهالكة . انها القرية الفلسطينية التي لم يبق فيها بعد عام 1948 الا ومضة امل يطرحها سؤال :” هل ثمة هناك ابناء سيعودون لاحيائها؟…

يتألف المشهد الاول من امرأة عجوز جالسة فوق عتبة بيتها الكالح تبكي وتعدد:

عادتك المعتادة

تستيقط مثل الديك

تحدجني في قلق كابيك

كالمرحوم ابيك

وتغيب ، تغيب بلا خبز او زوادة …

غير ان الابن ظهر فجأة بينما الوحوش تهاجم القرية لكي يخوض معركة تولي بعدها الوحوش هاربة ، ثم يغيب مختفيا بين الناس لكي يصبح ابنا لكل زوجين . غير ان الابن لا يقضي على الوحوش التي قد تعود الى القرية ثانية ينظر الاطفال اليه وهو يغيب وقد اشرق الامل في عيونهم .. لقد شق “الابن” القادم من الخارج الطريق ، بينما يتحتم على اطفال القرية ذاتها ان يحملوا الراية التي سلمها اليهم . انها ثلاثة اجيال متعاقبة ، جيل ضائع وجيل يحاول وجيل ثالث يستمد حتمية انتصاره من الجيلين السابقين …

ذاكرة الارض :

تحتفظ الارض في القصص والروايات التي تستعرضها في هذه الدراسة ، بمعالمها في ذاكرة الشعب الذي ينتسب اليها .

فالارض هي التاريخ ، كل القرى التي هدمت ، والمساحات التي تبدلت والازقة والشوارع التي كانت قبل 1948 .

حيفا في سداسية الايام الستة (1968) لاميل حبيبي هي”سوق الشوام” و “ووادى النسناس ” وحين تعود حبيبته الى قريتها الجليلية بعد عام 1967 يفاجأ بها السائق تحذره من حفرة قادمة في طرف الزقاق . كذلك لا يستطيع امين اسعد في “الشارع الاصفر” ان ينس تلك القرية التي قتل فيها والده والتي اضطرت امه بعد هدمها ان تعمل غسالة في البيوت .

اما “باقية” في سعيد المتشائل ” فهي باقية الطنطورية التي اختفت معالمها منذ عام 1948 ، شأنها في ذلك شأن كل تلك المجموع من النساء والاطفال والشيوخ الذين احتشدوا فى جامع الجزار في عكا وهم يصرخون:

– انا من المنشية ، لم يبق حجر على حجر ، هل تعرف احد من المنشية .

– انا من عكا ، حرقوها ودلقوا زيتها ، هل تعرف احدا من عمقا ؟..

– نحن من البروة ، طردنا وهدموها ،هل تعرف احد من البروه ؟..

– نحن من الروس ، من الحدثة ، من الدامون ، من المزرعة ، من الشعب ، من ميعار ، من الزيب ، من …. ، من …. “

هكذا تنتصب مئات القرى الدراسة حية فى ذاكرة اهلها الذين لا ينتسبون الا لها.

وحين يدخل سعيد مدينة حيفا لاول مرة بعد “حرب الاستقلال ” يفاجأ بالشرطي قائلا: “اهلا وسهلا في ” مدينة اسرائيل” فينقض قلبه اذا ظن انهم غيروا اسم مدينته الحبيبة ولكنه يكتشف بعد ذلك بأن (مديناه) تعني دولة ! .

كذلك تظل “ساحة الحناطير ” في حيفا محافظة شخصيتها وتداعياتها في اذهان العمال القرويين الفلسطينيين غير المعنيين بتغيير اسمها الى “ساحة باريس” في باريس ” في ” حكاية ايريق الزيت” لمحمد على طه . وتتكرس معالم الارض الفلسطينية بكل تفاصيلها في قري محمد نفاع ، فتعود القرى الدراسة بكل تفاصيلها الى الحياة .

“جهد رفيقي وهو يدلني على موقع قرية “المنصورة” من على سطح الكنيسة . فالشجرات هناك اطلت من خلف الرابية البعيدة ، داكنة متراصة ، مغمورة توشك ان تختنق فعلى حمام الرابية ، اقيمت “مستوطنة جديدة ” في لصقها اكوام من الرجم المتاكلة المسودة ، فعن المنصورة واشياء اخرى ، يحدث فلاح قريتي في سنة من السنين زرعنا الحاكورة بالثوم الشامي ، كان الموسم متأخرا ونزل المطر طيلة شهر نيسان ، نما الهشير وتشابك …….

وحدة الارض :

الحدث والانسان يوحدان الارض في سداسية الايام الستة لاميل جبيبي ، فحوش الغزلان الذى هدمت بيوته وتبعثر اهله في القدس عام 1967 هو نفسه مراح الغزلان الذي هدمت بيوته وتبعثر اهله في الناصرة عام 1948 ، وسوق العطارين في القدس هو نفسه سوق السوام في حيفا . وطلعة اللبن في جبال القدس هي طلعة العبهرية في الطريق من الناصرة الى حيفا .

اما في “سعيد المتشائل ” فالارض كلها ” محتلة ” في اللاوعي الذتي للمتشائل ، حيث  يبادر في عام 1967 الى رفع خرقة بيضاء على مكنسة فوق في حيفا ، وذلك استجابة الى النداء الذي وجهته الاذاعة اليهودية لسكان “الاراضي المحتلة” بالاستسلام غير ان سعيد يفاجأ وقد جاءت الشرطة لاعتقاله بتهمة اعتبار حيفا مدينة محتلة .

هناك وجهة نظر اخرى يطرحها الادب السياسي في “الى الحجيم ايها الليلك”  (1978 لسميح القاسم ، فالعدل المطلق فى حالتنا هذه شيء مستحيل ..لن نتفق عليه الآن ، وقد لا نتقف عليه لعدة اجيال … اعترفوا لي بشيءمن العدل ….هوية واحدة من العدل … “دنيا واحدة من العدل ” هذا مايدور في ذهن الشخص .. وهو يستقل السيارة الى جانب السيدة روت ، سيدة اسرائيل المرموقة ،وهو طريقة للتحدث في حلقة “ابناء سام ” التي تديرها السيدة المذكورة في تل ابيب اثر احدى العمليات الفذائية . تخفق في عيني الشخص اسراب لاحصر لها من طيف الليلك مشكلة حاجزا بينه وبين السيدة روث . الليلك هو فستان دنيا ، حبيبة الطفولة التي طرت من وطنها في عام 1948 ، وهي طالما ارقت الشخص دون ان يجد لعودتها حلا . فالعدل المطلق ، عدل استعادة الماضي كما كان ، مستحيل ، غير ان جزاء من العدل لا بد ان يتحقق ، الا وهو عودة دنيا الفلسطينية الى جزء من فلسطين الى دولة خاصة بها عاصمتها القدس . ينقشع الليلك حين يلاقي الشخص حسن ” الكسيح” الذي مات عام 1948 . انه يلاقيه فدائيا متخفيا بلباس جندي اسرائيلي في محطة باصات تل ابيب بنفذ حسن عمليته وتنطلق به السيارة السوداء الخالية من غبش ليلكي نحو الشمال الجليلي ، الى وطن دنيا الذي عاصمته القدس .

من جهة ثانية ،تطرح لكع ابن لكع (1980) لاميل حبيبي فكرة الارض الفلسطينية العربية الواحدة التي لا تتجزأ . انها بدور ام بدر المشرد في كل مكان . ولبدر اخوه هم بيدر وبدران وبدرية (الشعوب العربية ) العاجزون عن مساعدة اخيهم بدر لكي يعود الى صدر امه . ولكن بدور (الارض الفلسطينية الواحدة الموحدة بعد حزيران 1967 ) تؤمن بأن الوقت قد اقترب كي يتحرر الوطن العربي فينطلق بدران وبدرية وبيدر لمساعدة بدر على العودة الى امه المنتظرة في كل مكان : “فوق ركال عكا وعلى الخط الاخضر ، في غزة هاشم وفي مرتفعات ام الفحم وكفر قاسم ، هنا ، هناك ، اقرب ، ابعد ” .

واذا كان بدرجا الى مساعدة اخواته ، الا الن بدور تعرف بأن ولدها بدور موجود في بطنها ايضا ، وسوف يأتي اليوم الذي يولد فيه كما يولد الربيع في كل مكان ..

تتكرر هذه التيمة في قصة عائشة تضع طفلا حيا يقرأ ما تيسر من سورة البقرة (1977) لمحمد على طه” . ” فعندما مات عمر بن العاص – رضي الله عنه ، التهم الوالي الحديد كل ميراثه ، لوم يترك لنا سوة بقرة طويلة هزيلة لا تملاء العين و لاتشبع شهو الطامع ” … ومع ذلك فقد كان جدنا (عمرو ) يجبها لانه امتلكها مع معركة القادسية وحضرت معه مؤتمر الجابية . وشرب عمر بن الخطاب من لبنها قبل سفره لمقابلة بطريرك بيت المقدس ورافقته – اى عمر – حتي اشتهر بها ” .

ووقد اهتم صاحبها بها كثيرا بعد ذلك ، حيث ما لبثت ان سمنت وكبرت . وحين مر صلاح الدين ذات يوم ، شرب صحنا من لبنها لقاء فصره الباهر في حطين . وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأن زوجة صاحب البقرة عاقر ، الا انها ما لبتث ان حملت ، وكلما تقدم بها الحمل كبلما ازدادت البقرة صحة وحليبا ، بحيث سال لعاب من رآها ،وفي ذات يوم جاء رجل لا يعرف احد امه ، وقال “هذه البقرة لي لانها كانت في قطيع يعقوب في صحراء يهوذا . غير ان مختار البلد ذي الغليون ما لبث ان اصدر مرسوما نص على اعتبار الثدي الايمن الامامي و الثدي الايسر الخلفي  للرجل الذي يدفع اكثر ” غير ان الرجل الغريب هذا ما ان استولى على الضرعين الآخرين ، حين ولدت عائشة طفلها ، ارضعته حتى جف حليبها ، فطالب الزوج جاره بالبقرة ، غير ان الجار رفض . وقام المختار بارسال برميل منالحليب الجاف ، فرفض الطفل ان يشرب وحين نطق الطفل اول كلمة ، قال  :اريد بقرتي ، فرد الرجل الغريب : اذبحها ولا اعيدها لهّ . فابتسم الطفل …

تترجم هذه القصة تاريخ فلسطين بكلمة في قالب شعبي مرح عامر بالرموز . فالطفل هو ” المسيح ” صاحب المعجزة الذي ينطق في المهد ويتكلم بثقة عن المستقبل . ومن الملاحظ ان الزوج وطفله لا يطالب بالضرعين اللذين نص عليهما “قرار التقسيم ” بل ان الطفل ” المعجزة ” يؤمن بأنه سوف يسترد البقرة كاملة .

الشـــــــــعب :

هناك متغيران جديران بالتتبع في ثيمة الشعب هما متغير الشعب الفلسطيني و العربي ، ومتغير العلاقة مع المجتمع اليهودي .

 

الشعب الفلسطيني العربي :

هناك ثيمة اساسية واحدة توحد مجموعة قصص ” سداسية الايام الستة لاميل حبيبي هي ثيمة وحدة الشعب الفلسطيني ، اذا كانت هذه الوحدة قد وجدت مجال التعبير عنها بعد حرب حزيران 1967 نتيجة انفتاح الحدود بين شطرىالارض المحتلة ، فهي وحدة غير قابلة للانفصام لانها مبينية على سياسي جديد متطور عن السابق ، حتي في حالة انقسام الارض ثانية  .

فسعود طفل في  نحو العاشرة من عمره . لكنه ليس طفلا في وعيه السياسي ، بلا ان له نشاطا سياسيا كتنفيس عجلة سيارة الشرطي ، كما يرفض اعتبار العرب “جرب” وهو الذي صاغ شعار “ذهب” .

غير انه “مقطوع من شجرة ” بلا اخوالا او اعمام . وحين يكتشف بان له اعماما واخوالا بعد حرب حزيران يصبح اكثر ثقة بنفسة ومحط احترام الجميع و على الرغم من ان احتفال الانسحاب من الضفة و القطاع يؤرق مسعود خوف فقدان ان اعمامه واخوانه ، الا انه لا يبوح بذلك ، لانه اصبح اكثر ثقة بنفسه بعد ان عرف بانه له اعماما واخوالا . لقد اكتشف مسعود بانه جزء من شعب .

اما الاستاذ م. فهو مدرس تزوج الوظيفة منذ قيام الدولة اليهودية وانقطع عن زيارة اصادقائه القدامي الذين طالما  ناضل معهم قبل عام 1948 حين كان لا  يكف عن التحدث عن فتوحات خالد بن الوليد وقراءة المتنبي وابي العلاء المعرى . غير ان انقلابا ما لبث ان وقع في حياته بعد الخامس من حزيران 1967 حيث توجه الى ” الضفة ” واخذ في البحث عن اصدقائه القدامي الذين ما لبثوا ان عادا كما كانوا منذ عشرين عاما ، جزءا عزيزا من حياته ” . بينما كان يتوهم في الماضي انهم “نسوني واستحوا بي وانهم  قطعونا من شجرة حياتهم كما يقلم الفع الجاف لتنوا الشجرة وتورق ” . واذ يقول له زميله : “ولكننا فرع افرعته الحياة” ، يرد قال : “صدقت… لقد رفعوا من قدرى فارتفعت، وشالوني فطالت قامتي واصبح رأسي فوق الضربات”.

غير ان “ام الوبابيكا” تختلف عن الاستاذ م . في انها صممدت على طريقتها الخاصة . فلقد عاشت منذ عام 1948على ” ” المنهوبات ” بعد ان رحل زوجها و ابناؤها فيما بقيت هي الى جانب امها المريضة . اخذت ” تنهب ” اثاث الذين رحلوا وتبيعه لكي تعيش من ثمنه ، هكذا فعلت ايضا بعد احتلال هضبة الجولان . ولم لا ؟

وهل يعد عملها هذا نهبا بينما يعتبر معرض المنهوبات الرسمي حلال ؟

بل لقد كانت عمليتها هذه بمثابة صلة وصل  بشعبها الذي انقطعت عنه منذ عام 1948 . كانت تفتح الدواشك فتعثر على رسائل حب مخفية في صفوفها فتخبؤها لاصحابها فبل ان تبيع الدواشك وكانت تحتفظ بكل ما تجد من اساور و اقراض وقلوب ذهبية لكي تردها لاصحابها في يوم ما ، وها هو حزيران قد جاء ،وجاء معه ابنها الطبيب الذي تكتشف بأنه نزيل سجن الرملة الا انه وزع منشورات في القدس القديمة ، فتغسل له ملابسه وتوكل له محاميا تدفع اجراء من اثمان المنهوبات ، وتتحدث عنه بحماس .

اما جبينه فهي المرأة الشابه التي تعود بعد حرب حزيران لزيارة امها في القرية الجليلية ، فتقول امها : رجعت جبينة . وجبينة هي في الاصل حكاية شعبية فلسطينية عن ” مرأة عاقر دعت ربها وهي تجبن الجبنه ان يرزقها بنتا كالجبنة ، فاستجاب اله لدعائها ، فاسمتها جبينه وعلقت مصعمها خرزة زرقاء . غير ان الغجر ما لبثوا ان خطفوا جبينة فعميت الام حزنا وجف ماء النبع  . ومرت سنوات عادت بعدها جبينه فمسحت الام بالخرزه الزرقاء وعاد النور الى عينيها . ثم ذهبت جبينه الى النبع فتفجر الماء فيه، غير ان عودة جبينه الثاني بعد حرب حزيران لم تعد النور لعيني امها لانها كانت قد نزعت الخرزة الزرقاء من معصمها قبل ان يختطفها الغجر ، كما لم يتفجر نبع الماء لانها اجلت الذهاب نحو النبع لمرة اخرى . غير انها لم تنس ان تلبس الخرزة قبل رحيلها .

كذلك يظل سعيد ابو النحس المتشائل على حبه ليعاد الاولى التي طردت من وطنها في عام 1948 . ولكن غياب يعاد يضطره الى الزواج من باقية  الفلسطينية   الطنطورية ) ، وينجبان “ولاء” الى يمنح ولاءه لشعبه و يلتحق بالجزء المشرد مقاتلا. وحين تعود يعاد الثانية في عام 1967 يطلب منها الزواج به ، ولكنها ترفضه لانه عجوز ( رمز الجيل الن\متعاون المهزوم ) .

اما “الابن ” السميح القاسم ، فهو يعود من الشتات لكي يصبح ابنا لك لزوجين ، مدشنا بذلك مرحلة تحرير الارض ، فيولد الصصغار منه و يحملون الرسالة .

كذ تطرح ” الى الجحيم ايها الليلك ” لسميح القاسم رؤية الشعب الذي كان كسيحا في عام 1948 مسجدا في شخص حسن الكسيح . وفيما تظل دنيا ، ذات الفستان الليلكيي حبه الوحيد تحل قيامة حسن الكسيح في شوارع حيفا معضلة عودة دنيا الى حبيبها .

كذلك تطرح قصة عائشة ” تلد طفلا حيا يقرأ”  سورة البقرة لمحمد على طه جانبا آخر من جوانب وحدة الشعب الفلسطيني فالطفل يبتسم ويتكلم في المهد . انه المسيح ، ولكنه يقرأ سورة البقرة .

وبدر ابن بدور في لكع بن لكع ، شاب ربيعي مقاتل موجود في كل مكان ، ينهض حيا اشد ايناعا كلما قتل . وهو حين يلتقي بالسياف مسرور ( رمز الدولة اليهودية) ، يدوزر بينهما حوار :

السياف : من انت ؟

الشاب : ربيع

السياف: اسمك الحركي

الشاب : شعب

السياف: اسمك كلب

الشاب : حق التسمية للوالدين

السياف : تلوح عليك امارات العلم

الشاب : لا اجهلك

السياف: بيدى ان اركعك

الشاب : اقوم واقف ..

كذلك تسخر بدور من النهوج ( ضمير الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية ) حين تلتقية على مسرح الارض المحتلة بعد حرب 1967 فيدور بينهما الحوار التالي :

المهرج : بدور البشائر

طير السنونو المبشر بعودة الربيع

ارايت يا بدور ؟

لا رحنا ولا جينا

بدور : بل رحنا ياقشمر

المهرج : بقينا حرصا علىالبقية يا بدور

بدور : وتركتمونا في متاهات الفيافي ، نتيه في مجاهل التجربة الاولى .وكانكم           لم تكونوا هل ولدنا من الحائط ياغربال الماضي ؟

الهرج : صندوقي علمني ، يابدور ، ان مسيرة التاريخ البشري قد حفرت عبر                الآف السنين

اخدود عميقا في جبين الارض

حتى لا تتساب جميع الانهار

الا في هذا السّيب ، في قريقها الى مصبها

لا سيب امام اى شعب من الشعوب

سوى التجربة الذاتية

وما من شعب يستفيد من تجارب الشعوب الاخرى

كان عليكم ان تتقلعوا اشواككم باظافركم !

من جهة ثانية يشكل المجتمع اليهودي عالما غريبا لاصلة بالمجتمع الفلسطيني فيه ثمة شخصيات يهودية تظهر في الاعمال الادبية التي تستعرضها هذه الدراسة :

  1. سداسية الايام الستة : هناك شخصية يهودية واحدة في هذا المجموعة هي شخصية الشرطية التي تقوم بنقل الرسائل فيروز المقدسية من السجن الى امها . ولكنها شخصية غائبه لا نتعرف عليها الا من خلال ما ورد في رسالة فيروز الثالثة الىامها ، وهي رسالة نشرت في الصحف اثناء محاكمة الشرطية اليهودية التي طردها من وظيفتها وحكموا عليها بسنة حسن سير وسلوك حين وجدوا انها هي التي تهرب رسائل فيروز الى والدتها وان الملائكة موجوددون حتي في جهنم ! ويستطرد المؤلف قائلا: ” غير اني متاكد بأن ما نشروه مليء بالتشويهات ان كل ما ورد في الصحف عل  انه من هذا الرسالة حول الاتفاق مع الفتاة الحيفاوية هلى تنظيم خلية سرية داخل اسرائيل ” هو محض تشوية لصداقة بريئة بين فتاتين من شعب واحد    (الحيفاوية والمقدسية) اجتمعتا ، بعد فراق طويل تحت سقف واحد ، سقف القاووش”.

هكذا نعلم بان شخصية هذه الشرطية هي شخصية واقعية غير ادبية بحيث يمكن اعتبار هذه الصقة ” الحب في قليبي ” عملا ادبيا تسجيليا .

  1. الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد ابي النحس المتشائل : الى جانب الشخصيتين اللتين تمثلا الدولة : الرجلذو النظارة و الكوبونيل سفارتشك ،هناك شخصية يعقوب اليهودي الشرقي المضطهد من قبل اليهود الغربي ، الذي يقوم بدوره باضطهاد الفلسطيني ، فهو اداة بيد اليهود الغربي و شرطي التحرى الذي يرصد تحركات سعيد لخدمة مصالح الكولونيل سفارتشك و الرجل ذى النظارة ، ممثلي المؤسسة السياسية. انه يجلس فوق الخازوق شأنه شأن المتشائل غير انه يصر على اعتبار ” خازوقه” مختلفا عن خازوق المتشائل …. “فكل وخازوق وحيد ” لذلك لا نجد لامكانية تعاون اليهودى الشرقيمع الفلسطيني ، فلا يرى خازوق يعقوب ولا يعقوب يرى خازوق سعيد .

اما لشخصية الرابعة ، فهي شخصية عابرة لاتلعب دورا الا للتدليل على عدم تكامل المجتمع اليهودي ذاته . انه العامل الذي يسأله سعيد عن الساعة ، فيجب بالالمانية : اخت أي ثمانية !! فالعامل اليهودي لا يعرف العبرية ، او انه يرفض التحدث بها! رغم ان سعيد يخاطبه بها !

  1. الى الجحيم ايها الليلك : هناك شخصية السيدة روث ، سيدة اسرائيل المرموقة التى تدير حلقة ” ابناء سام ” و التي تنقل الشخص الفلسطيني في سيارتها لالقاء محاضرة في تلك الحلقة ، بينما الشرطة تقيم حاجزا على الطريق اثر احدى موجات العمل الفدائي… يحول الشخص عينيه باحثا عن انطباع ما على وجهها ، ثمة حقيقة تجمع هؤلاء الثلاثة : الشرطة العربي الذي يشكل خطرا على الامن – وانت ، سيدة اسرائيل المرموقة ..الآن في هذه اللحظة ماذا يدور فى رأسك !! هل تشتهين ان تكتشف الشرطة هويتي ، لتخلصيني منها ، فتتقدمين خطوة نحو شاهك المحاصر ، ام تشتهين ان تنفذى بي عبرا العاجز حتى لاتقترب الشرطة من شاهك المحاصر ؟”

عد اجتياز حاجز الشرطة ، تخفق اسراب من الليلك بين وجه الشخص ووجه السيدة روث ، انه وجه الدنيا  الذي يشكل حاجزا غير قابل للاختزان بين الشخص والسيدة روث ‍

هكذا يتضح بأن التفاهم مستحيل ، وحلقة سام ” لا تعدو ان تكون احدى المحاولات “خداع النفس ” بالنسبة للطرفين .

نلتقي  كذلك بشخصيتين هما شخصية الجندي “يورى” الذى يقتل في سيناء ، ثم يعود ليتجسد في الجندي اليهودي الذي يصر على القضاء على ” الشخص” لن لقاء ” الشخص” بدنيا يعني حتمية افتراقه عن “ايلانه” . غير ان ايلانه اقل حسما منه في هذا المجال ، فهي تدرك لانها لن تلقي مع “لشخص”  لان ساعتيهما  تؤشران باستمرار الى موعد مختلف وزمان مختلف . الا ان التجربة الانسانية التي تمر بها ، وهي مقتل حبيبها يورى ، يجعلها اكثر تفهما ، حيث ما تلبث ان تحول بين يورى  والقضاء على الشخص  انها تقول له : دعه يا يوري هو الذى قتلك ، انه وزير دفاعنا الذي قتلك هو رصاصك ‍” وتتساءل : لماذا لا نفكر في وسيلة تجمعهما دون ان تفرقنا ‍ “ولكن جهاز الووكي توكي الذي تحمله يسقط من يدها ، بحث لا تسمع القيادة جملتها الاخيرة ‍! .

تكاد تكون شخصية الشرطية و ايلانه هما الشخصيتان الايجابيتان  على نحو “سلبي” في هذا الاعمال ، مما يشير ال ان التفاهم الفلسطيني اليهودى غي قائم ، وبأن الانقسام الرأسي داخل الدولة اليهودية هو انقسام حاد وغير قابل لأي راسب على المدى المنظور .

السلطة :

كيف تنظر هذه الاعمال الادبية الى متغير الدولة ؟ واذا كانت هي الدولة الاطار الذي يعتبر الفرد مواطنا فيه على الرغم من رفضه للنظام السياسي ، فان الفرد لشعب آخر غير الشعب الذي تعبر الدولة عنه ، اعتبار الارض التي تقوم عليها الدولة ملكا لشعب آخر ، انما يفترض نفيا لشرعية الدولة ، قد لا تعثر على هذه الاجابة الصريحة ، غير ان اللامباشرة الادبية كفيلة بالتعبير عما يشير الى ذل .

الدولة في نظر مدرس الادب و التاريخ ، سامي ، هي “بيت الجنون” . انه بيت لا نظام فيه ولا قانون ، فهو بيت يقتل اطفاله ويخترق الحرمات ،  وتسكنه سرطنات البحر او العواصف و احذية الشرطة . وسامي هو العاقل الوحيد في “بيت الجنون” هذا و لذلك فهو يقرر ان يتحداه .

اما امين اسعد في ” الشارع الاصفر” فكل شيء باطل في نظره وحين مد عمود الثقاب الى براميل الغاز ، تصور بأنه انما يحرق كل هذا “الغيتو” الكبير باكمله . حين قذف بنفسه من الشرفة فوق جموع المتظاهرين ، كان قد بلغ ذروة الاحتجاج على ذلك الاسلوب من الاحتجاج الذي يجرى ضمن اطار شرعية الدولة فالدولة هي التي تحاصره وهي تعلق الانشوصة التي مضي  سليم  واكد اليها في حالة يأس .

والدولة لا تشكل وطنا للفتاة الحيفاوية في سداسية الايام الستة ” فالوطن هو “الغربة” ضمن الدولة . هكذا يتحول السجن الى “وطن” حين تلتقي بفيروز المقدسية .

اما سعيد المتشائل ، فقد شارك في حرب “الاستقلال” لاول مرة بوقوفة صامتا الى جانب الحاكم العسكري وهو يطرد المرأة الفلسطينية المختبئة بين سيقان القصب مع اطفلها ، ويراهما متجهين غربا . وفيما هما يسيران فك الطفل يدم من أمه وانطلق ، مشكلا اول بادرة تمرد على “الاستقلال” . غير ان اللاوعي الذاتي للمشتائل يوقعه في ورطه حين يرفع علم الاستسلام فوق بيته في حيفا ” المحتلة ” . حين يدرك جالس فوق خازوق (هو الدولة) يفضل الرحيل مع رجل الفضاء منتظرا ان يقوم الآخرون بتحطيم هذا الخازوق . د

تبدو القرية الفلسطينية الادبية خارج نطاق الدولة . انها عالم خاص تهاجمها الدولة على شكل وحوش كاسرة وذئاب في كل من “الابن” “و الراعي حمدان ” ، كماا ترفض القرية الاعتراف بقرارات و مراسيم الدولة و تعلن الكفاح المسلح ضدها ، كما يفعل “فارس ابو عرب ” .

كما ان الرابطة التي تربط الفلاحين بارضهم اقوى من كل المراسيم حيث يلقي الفلاحون بهذه المراسيم الى “جهنم” ويتجهون الى الارض يفلحونها بكل اصرار .   وحين يلجأ ذيب الى المحكمة مسجلا رفضه الالتزام بقرار الحكومة ، فهو لا يعرف ما تتضمن المحكمة من شرعية و يعلن من فوق ارضها  :” دولة لا … دولة فيش … اسلخ جلود ” .

وحين يكتشف اهل المدينة في قصة ” الساعة ” لمحمد على طه ان الساعه تو قفت عن الدوران ، يكتشفون بانها لن تدور ثانية الا بعد ان يرجموا ذلك الرجل الكبير ” الذى ما زال يرهبهم منذ عام 1948 ، فينها لون عليه بالحجار ثم تدورالساعة معلنة ميلاد يوم جديد . وهل يمكن للطفل الذي يقرأ سورة البقرة يعترف بالدولة وهو يطالب بالبقرة كلها ، بفلسطين كلها !. غير اننا نجد في قصة “العلم” لمحمد نفاع ، مباشرة اكثر وضوحا ، وذلك  حين يقرر عدد من الطلاب رفع العلم الفلسطيني فوق مرستهم ، فتسقط الطالبة التي ادت تلك المهمة شهيدة وهي تؤدى وزملائها التحية للعلم المرفرف فوق سطح المدرسة ….

اما الى ” الجحيم ايها الليلك ” فتطرح رؤية سياسية محددة . ذلك ان “القيامة” لابد ان تقوم في قلب الدولة، من اجل الحصول على “دنيا واحدة من العدل ” ، لان العدل المطلق لن يتفق عليه ، ربما لعدة اجيال …

كذلك تطرح “لكع ابن لكع” رؤية اخرى . فتحمية عودة بدر الى امه سوف تطرح متغيرات جديدة تضع حد لمتغير الدولة اليهودية” . ولا تبدو الدولة الا في شخصية السياف مسرور الذى يريد قتل الفلسطيني “بدر” .

خلاصـــــــــــــة :

يمكن الخروج بجملة من الاستنتاجات من الاعمال الادبية التي عنيت بها هذه الدراسة .

  1. تشكيل الارض الهم الاساسي ، حيث تتخذ هذ القيمة عدة ابعاد هي البقاء فوق الارض و الدفاع عنها ووحدة الارض الفلسطينية وتاريخها الفلسطيني ..برزت ثيمة البقاء فوق الارض في اواخر الستيانات ثم تراجعت لكي تتخذ ثيمة الدفاع عن الارض مركز الاولوية في الاهتمامات .
  2. الطابع الفلسطيني الخالص للارض حيث ينعدم الاحساس بوجود اية معالم يهودية فوق الارض الا في حالات قليلة منها رواية الى ” الجحيم ايها الليلك” التي تتخذ خلفيتها طابعا يهوديا .
  3. تاريخية الارض – حيث يتم اعادة بناء الارض على النحو الذي كانت عليه قبل 1948 فتستعيد القرى الدراسة مكانها على خارطتها ..
  4. الطابع الريفي القروى للارض .
  5. تتبلور هوية الشخص الادبي من خلال الدفاع عن الارض والتمسك بها .
  6. يشكل المجتمع الادبي مجتمعا فلسطينيا عربيا مغلقا لا وجود فيه لاثر مجتمع يهودي الا على نحو قمعي ….
  7. الطابع الريفي القروى للمجتمع الفلسطيني .
  8. انعدام وجود علاقات فلسطينية – يهودية الاعلى نحو قلق ومتوثرمما يوحي ينمو عملية التكامل القومي للمجتمع الفلسطيني على نحو منفصل تمام الانفصال عن المجتمع اليهودي .
  9. تتخذ الدولة صفة مؤسسة غير شرعية في اساس وجودها .
  10. ينعدم اى اثر للمؤثرات الثقافية اليهودية في البنية الثقافية الفلسطينية – العربية .

 

خاتمــــــــــــــة

لقد انطلقت هذه الدراسة من فرضيتين اساسيتين ، اولهما ان الهوية الوطنية الفلسطينة موقف سياسي يرتبط بنوع الثقافة السياسية و تطور الوعي السياسي للجماعة الوطنية ، باتجاه ادراك حقها في تطور الوعي السياسي للجماعة الوطنية ،باتجاه ادراك حقها في السيادة و الاستقلال فوق ارضها الوطنية ضمن اطار “دولة حديثة ” وان تأخر تبلور مثل هذا الوعي ، يعرض الجماعة الوطنية في عصرنا الحديث الى خطر انتهاك هذه الحقوق من قبل قوى خارجية الحديث الى خطر انتهاك هذه الحقوق من قبل قوى خارجية .

اما الفرضية الثانية ، فيه ان انتهاك هذه الحقوق قد يتخذ شكل استيطان – استعمارى ، على فرار ما حدث في فلسطين ، حيث تعمد الجماعة الاستيطانية – الاستعمارية الى خلق حقائق سياسية فوق ارض الجمناعة الوطنية ، عب ثلاثة متغيرات هي الهجرة والاستيلاء على الارض وتصفية المجتمع الوطني .

ان فشل الدولة الاستيطانية – الاستعمارية في استكمال هذه الاهداف ، وفي مقدمتها شرط تصفية المجتمع الوطني ، يحرمها من فرصة التحول الى دولة عادية ومنفرصة الحصول علىالشرعية غير المنازعة ، حيث يؤدى تطور الوعي السياسي للجماعة الوطنية باتجاه الاعلان عن ، هوية وطنية ، الى اندلاع صراع مصيرى بين الجماعة الوطنية والجماعة الاستيطانية حول شرعية لاقليم ، تأخذ فيه عملية التكامل القومي للجماعة الوطنية وتيرة اشد سرعة من عملية تكامل المجتمع الاستيطاني .

لقد استعرضت في الفصل الاول من هذه الدراسة الخلفية التاريخية للمجتمع الفلسطيني وعملية تبلور الوعي السياسي فيه منذ بدايات القرن الحالي ، وتوصلت الى نتيجة ان هذه الوعي قد اخذ بالتبلور منذ لك الحين الى حد ادراك معني السيادة و الاستقلال فوق الارض الوطنية . رغم انعدام فرص ترجمة هذا الوعي على ارض الواقع ، بفعل ضخامة التحديات التي طرحتها الدولة الاستعمارية لمنتدية على فلسطين بريطانية ، و الجماعة الاستيطانية – الاستعمارية اليهودية ، اللتين عملتا على تدمير البنية الاقتصادية – الاجتماعية الفلسطينية بهدف الحيلولة دون تطور عملية تكاملها القومي . كما اعتبرت بأن هذا الوعي هو الذي شكل الارضية التى انطلقت منها عملية انبعاث الهوية الوطنية الفلسطينية في اواسط الستينات ، بعد ركود استمر نحو عقد ونصف العقد ، بأن عملية الانبعاث هذه ادت الى العودة بالصراع في بعده الوطني ، الى مستواه الحقيقي كصراع مصيري بين جماعة وطنية وجماعة استيطانية – استعمارية ، حول شرعية القليم .

كما استعرضت في هذا الفصل طبيعة  الدولة اليهودية كدولة استيطانية – استعمارية فشلت في التحول الى دولة عادية شرعية بسبب فشلها في تصفية المجتمع الوطني الفلسطيني ، حيث يصبح واضح سبب الاصرار امستمر على المطالبة بالاعتراف بحق هذه الدولة في الوجود وتوصلت الى نتيجة هي ان متابعة اهداف الدولة الاستيطانية ، الاستعمارية ، لاستكمال شروط تحولها الى دولة عادية ، هي مسألة حتمية وسمة خاصة من سمات الجمعات والكيانات والدول الاستيطانية – الاستعمارية .

كذلك استعرضت في هذا الفصل اثر انبعاث الهوية الوطنية الفلسطينية علىالفلسطينين داخل الدولة اليهودية ، وذلك على صعيد الممارسة الفعلية ، في ضوء اختلاف التحديات التي يتعرضون لها عن تلكالتي تتعرض لها بقية اجزاء الشعب الفلسطيني ، وفي مقدمتها ذلك الاطار القانوني الذي يجعل من الفلسطينيين “مواطنين” شكليين في دولة يهودية ، وتعرضهم المباشر لعملية عرقلة تكاملهم القومي من خلال سياسة تدمير البنية الاقتصادية – الاجتماعية لهم ، التي تتبعها السلطة اليهودية ، التي تكاد تكون متماثلة مع السياسات التي اتبعت قبل عام 1948. وتوصلت الى نتيجة ان ثمة جملة من العوامل السلبية و الايجابية ادت الى خلق “ازمة هوية”  فلسطينية يعتمد حلها في المستقبل على قدرة العوامل الايجابية على التغلب على العوامل  السلبية او بالعكس .

اما الفصل الثاني ، فقد خصصته لدراسة اثر انبعاث الهوية الوطنية الفلسطينية في ادب الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية ، وذلك باعتباره احد العوامل الفعالة سلبا او ايجابا ، وانطلاقا من اهمية الوظائف التي يؤديها الادب كعاكس غير مطابق تمام المطابقة للواقع من جهة ، مكون للثقافة السياسية ومبلورا للوعي السياسي من  خلال اللامباشرة الادبية من جهة اخرى … فان هذا الادب لا يعكس وجود ازمة ،وانما يعبر عن هوية وطنية فلسطينية خالصة ، ذات مقومات سيساية هي :

1.الطابع الفلسطيني الخالص للارض الفلسطينية ، حيث يكاد ينعدم وجو د اى اثر لمعالم يهودية فوق الارض الفلسطينية .

2.الطابع الفلسطين الخالص للمجتمع الفلسطيني ، حيث يكاد ينعدم الاحساس   بوجود “مجتمع يهودي فوق الارض الفلسطينية ….

3.انعدام العلاقات الفلسطينية – اليهودية ، الا في حالات استثنائية قليلة لا تشكل ظاهرة ، مما يشير الى الانقسام الرأسي الحاد بين مجتمعين   قائمين ، والى عمليات تكامل قومي منفصلة ومتفاوتة .

4.لاشرعية السلطة – الدولة . وفي الوقت الذي يشكل فيه الادب “هوية ادبية لفلسطينيين داخل الدولة اليهودية ، ويعبر عن موقف سياسي – ادبي فلسطيني ، ويعمل باتجاه تعزيز الشخصية الوطنية الفلسطينية ، الا ان هذه الادب ، مازال قاصرا عن التحول الى “حركة ادبية” ذات وظيفة سياسية مؤثرة على صعيد الواقع الفعلي ، وذلك لسببين :

  1. في الوقت الذي يتصدى فيه الادب للتحدي الاساسي الممثل بتحدى لالمصدر وتغريب الجماعة الفلسطينية من ارضها التاريخية ، الا انه قد عجز حتى الان في التصدي للتحديات المرتابطة بذلك التحدي الاساسي ، و الارتقاء الى مستوى التعبير عن التحولات الاقتصادية – الاجتماعية في البنية الفلسطينية – تحول الريفيين من قبل الدولة اليهودية الى عمال هامشيين اجراء غير شركاء في العملية الانتاجية – و بالتالي عدم الاسهام في بلورة حركة سياسية فلسطينية معبرة عن هذه التحولات التي تهدد المجتمع الفلسطيني بالتصفية .
  2. ان الحصار اللذي تفرضة الدولة على عملية توسيع وتطوير الشريحة المثقفة ، يهدد نسبة هذه الشريحة كما ونوعا ، مقارنة مع حجم الجماعة الوطنية . ويبدو ذلك واضحا من انخفاض نسبة الخريجين الجامعيين سنة بعد اخرى ، حيث تقلصت زيادة هذه النسبة بين عامي 1968 ،و 1974 من 38% الى 11% .

لقد تم في القسم الثالث من هذه الدراسة ، ذكر جملة من العوامل الايجابية و السلبية والجدلية ، الفاعلة في مسألة الهوية الوطنية الفلسطينية ، وهي عوامل مؤثرة في تطور الشريحة المثقفة و النشاط الادبي .

علىالرغم من الجدل القائم بشكل عام حول الاحتمالات المستقبلية حيث يرى بعض المنظورين بأن السياسة الاستيطانية – الاستعمارية للدولة اليهودية ، وفي مقدمتها الاقتصادية – الاجتماعية الثقافية للجماعة الوطنية ، تعمل باتجاه الضعاف الجماعة وتؤدى الى تصفيتها معنويا وماديا ، بينما يري منظرون آخرون ان هذه السياسة انما تقود الى حتمية التمرد ، فالثورة – فانه لا  يمكن اغفال اهمية عامل اساسي آخر هو مصير الهوية الوطنية الفلسطينية خارج الدولة اليهودية ذلك ان نجاح الحصار المفروض حاليا بمختلف الاشكال ، على الهوية الوطنية الفلسطينية من خلال محاولات تدمير كيانها السياسي الممثل بمنظمة التحرير اللفلسطينية ، من شأنه ان يعكس سلبا على الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية ، يؤدى الى تصفيتهم المعنوية والمادية ، بينما يؤدى نجاح منظمة التحرير الفلسطينية في المحافظة علىنفسها ، وخلق حقائق سياسية تعزز الهوية الوطنية الفلسطينية ، الى تعزيز موقف الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية الى درجة مكانية تحويل الدولة ذاتها الى مساحة صراع مصيرى .