حق الاحتجاج السلمي وقتل المحتجين

الصفحة

 

                                       سلافة حجاوي

                                         10/4/2012

تقديـــم

في قصيدته الشهيرة، “الأرض الخراب”، يصف الشاعر البريطاني ت. س. إليوت الربيع بأنه أقسى الفصول ، وذلك لأنه يثير الجذور الراقدة بمطر الربيع ويطلع الليلك من الأرض الميتة. غير أن ما سمي بالربيع العربي، وكما يبدو عليه الحال بعد مرور أكثر من عام كامل على بدايته،  يبدو عاجزا عن إنبات أي ليلك في هذه الأرض العربية الميتة ، وذلك لأن الحكام العرب وأنظمتهم إنما يسقون الأرض بدماء شبابهم الثائر على الظلم ، فيقتلون الأمل في التغيير والتطوير، ويصرون على الإبقاء على  المنطقة العربية  تجترنفسها، وعلى بقاء حكامها في الحكم الآبد، هم وأبناؤهم وعقولهم المتحجرة.

ففي أوائل العام 2011، شهدت المنطقة العربية ما لم تشهده من قبل. هبت عدة شعوب على غير عادتها، في عمليات احتجاج عارم  ما لبثت أن أسقطت خلال أيام حاكمين من حكامها العتاة ، هما الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، الذي، وبعد إصداره الأمر بقتل المتظاهرين  وانهمار الدم وسقوط القتلى  وتحول  المطالب المطلبية  إلى مطالب ثورية تطالبه بالرحيل، مالبث أن اضطر في الرابع عشر من يناير 2011 إلى الرحيل. أما الثاني فهو الرئيس المصري حسني مبارك، الذي كان أكثر عتوا من سابقه. فهو لم يتعظ بما حصل لزين العابدين. وبعد ملحمة دموية  أردت المئات من الشباب المصري الثائر وتصاعدت فيها المطالب والتهبت الثورة، مالبث هو الآخر أن اضطر في الحادي عشر من فبراير 2011، إلى الرحيل. وقد اتخذت الاحتجاجات الأخرى مسارات متباينة. ففي اليمن تمكنت الاحتجاجات بفضل تمسكها بطبيعتها السلمية وجماهيريتها، إلى إسقاط الرئيس الطاغية علي عبد الله صالح، اما ليبيا، فقد انحرفت الاحتجاجات عن المسار السلمي للثورات الثلاث السابقات، وطلبت العون الخارجي الذي خلف ليبيا خرابا فوق خراب، وقضى الثوار على القذافي بدلا من تقديمه إلى القضاءالقذافي. كما انفجر الوضع في كل من البحرين وسورية، ولكنه ما زال يراوح مكانه على الرغم من مرور أكثر من عام على كل منهما.  وكان يمكن للأوضاع أن تتفجر في بلدان أخرى لولا أن حكامها قد لجأوا إلى بعض الإجراءات الداخلية التي أدت إلى تلبية بعض المطالب الشعبية وتهدئة الأوضاع فيها ولو إلى حين.

وهناك أسباب عميقة لما حدث في المنطقة في العام 2011. فلأول مرة  منذ ثورتي 1952 و1958 في كل من مصر والعراق، وهما الثورتان اللتان بدأتا على شكل انقلابين عسكريين ثم تحول كل منهما إلى ثورة  مع إسقاط النظام الملكي في كل من البلدين وإحداث تغييرات جذرية في معادلات القوة فيهما والتفاف  الجماهير حولهما، لم تشهد المنطقة العربية  منذ أكثرمن خمسين عاما،  سوى بعض الانقلابات العسكرية والاغتيالات الهادفة إلى الاستيلاء على الحكم في هذا البلد أو ذاك.

وكانت المنطقة العربية  قد تشكلت على النحو الذي  هي عليه اليوم  نتيجة لحربين عالميتين شهدهما العالم  وأسفرت الأولى في العام 1917 عن هزيمة الأمبراطورية العثمانية التي حكمت المنطقة العربية لأكثر من أربعة قرون عجاف، فنالت بعض المناطق نوعا من الاستقلال الشكلي ، بينما حصلت مناطق أخرى على استقلال شكلي آخر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في العام 1945 ، وذلك بعد أن قررت الدول المنتصرة التخلص من عبء الاستعمار المباشروربط الدول التي منحتها الاستقلال بمعاهدات.

ولم تشهد المنطقة العربية منذ استقلالها الشكلي هذا أي تطور فعلي في مجال أنظمة الحكم فيها، على الرغم من ظهور النفط فيها، وتحولها إلى إحدى أكثر مناطق العالم ثراء. بل تكاد تكون هي المنطقة الوحيدة في العالم، بعد الكثير من التطورات التنموية التي شهدها العالم، وبعد انتشار الديمقراطية وحقوق الإنسان وتغير معايير الحكم وعلاقة الحاكم بالشعب والشعوب بالحكام،وتحديد سنوات حكم الحكام وغير ذلك من التطورات الإيجابية،  التي لم تتأثر فعليا بتلك التطورات التي طالت أغلب شعوب العالم بعد الحرب العالمية الثانية.  فمنذ ذلك الحين، انقسم الحكام العرب  بين ملوك يحكمون دولهم مدى الحياة ويرثهم أبناؤهم من بعدهم مدى الحياة، وحكام أخذوا شكليا بالنظام الجمهوري والديمقراطية السياسية الحديثين، فوضعوا دساتير بعضها متقدم نوعا ما، لكي يوهموا العالم الخارجي بأنهم ملتزمون بما حدث في العالم من تطورات، ثم عمدوا إلى تزوير الانتخابات ومنعوا قيام الاحزاب، ولجأوا إلى شراء ذمم الناس وسرقة مال البلاد، من أجل أن يظلوا على كراسيهم حكاما آبدين. وكان مبدأ الابقاء على الشعوب في حالة الفقر والجهل والمرض في جميع هذه الدول ، هو السبيل لبقاء الحكام في مناصبهم . لذلك ليس غريبا أن يظل الحاكم العربي في الحكم لثلاثة أو أربعة عقود أو أكثر، وأن يسعى أيضا إلى توريث منصبه الرئاسي إلى ابنه من بعده ، وان يقوم بقتل ابناء شعبه إذا ما حاولوا الإحتجاج  على حكمه.

سوف يتم في هذه المقالة الدراسية إلقاء نظرة على الانتفاضات العربية التي انطلقت في بعض البلدان العربية، وسوف يتم التركيز فيها على أربع انتفاضات انطلقت فيها عمليات الاحتجاج ضد الحكام وأنظمتهم بطرق سلمية تتفق والمعايير الدولية لعمليات الاحتجاج في النظام الدولي الحديث. وهي عمليات احتجاج سلمي تفرض على الحكام احترامها وعدم التصدي لقمعها وعدم استخدام السلاح لمواجهتها وقمعها، وذلك انطلاقا من أن الحركات الشعبية السلمية هي التعبير الأمثل عن كون الشعب هو صاحب السيادة في الدولة المعاصرة. هذه الدول هي: تونس،مصر، اليمن والبحرين. أما ليبيا وسورية، فسوف لا يتم تناولهما إلا كمثالين جانبيين،  وذلك لأن عمليات الاحتجاج فيهما قد انحرفتا أولا نحو استخدام السلاح، وهو ما يتعارض مع مفهوم ومتطلبات  الاحتجاج الشعبي السلمي، وثانيا نحو طلب التدخل العسكري الخارجي، بحيث تحول الوضع في كل منهما إلى حرب دولية كما حدث في ليبيا، أو حرب إقليمية –دولية  كما هو الحال في سورية، وهو ما لا تشمله هذه المقالة الدراسية.

تحتوي المقالة الحالية خمس فقرات، تتضمن الأولى نظرة على سيرة كل من الحكام العرب الذين استهدفتهم الاحتجاجات، وهم حكام بلاشرعية، لأن شعوبهم لم تنتخبهم وإذا ما جرت انتخابات، فهي دائما مزورة. وتتضمن الفقرة الثانية عرضا لمفهوم الاحتجاج الشعبي المعاصر، بينما تتضمن الفقرة الثالثة أسباب الاحتجاجات. وتتناول الفقرة الرابعة عمليات القتل التي مارسها الحكام على المحتجين السلميين، وتتضمن الفقرة الخامسة أهم ما أنجزته الاحتجاجات – الثورات  العربية، وهو تقديم بعض الحكام للقضاء بتهمة قتل المحتجين، وتتطرق إلى المخاطر التي تتهدد هذا الإنجاز، وهي  الالتفاف علىه وإجهاضه، وذلك  من خلال استعراض ” قانون الحصانة” الذي منحته السعودية للرئيس اليمني. ثم تختتم المقالة بملاحظات ختامية.

 

أولا- حكام بلا شرعية

هناك ستة حكام استهدفت الانتفاضات العربية الأخيرة أنظمتهم،  وهم: رئيس تونس زين العابدين بن علي، ورئيس مصر حسني مبارك، ورئيس اليمن علي عبد الله صالح، وملك البحرين حمد بن عيسى، ورئيس ليبيا معمر القذافي، ثم رئيس سورية بشار الأسد. وجميعهم رؤساء جمهوريات- باستثناء نظام ملكي واحد هو نظام البحرين- و يترأسون أنظمة جمهورية لها دساتير وضعية. وإذا ما نظرنا في هذه الدساتير، فسجد بأنها دساتير تقدمية مثيرة في بعض بنودها للإعجاب. فهذه الدساتير أول ما تنص عليه هو  أنها تتبنى النظام الجمهوري، وذلك باستثناء الدستور البحريني الذي ينص على أن النظام ملكي دستوري، وباستثناء ليبيا التي كانت تتبنى في عهد القذافي كتابا أخضر يقول بأن الشعب هو الذي يحكمه هو نفسه. والمعروف أن النظام الجمهوري قد انتشر في العالم في القرن العشرين مع انتشار أهمية البشر وظهور حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية ، وذلك باعتبار أنه وفقا لتسميته  الإنجليزية أو العربية، مأخوذ من كلمة جمهور، أي مجمل الشعب. أما المادة الثانية في هذه الدساتير، فتنص جميعها، بما فيها دستور البحرين، على أن الشعب هو صاحب السيادة و مصدر السلطات. وكل دستور من هذه الدساتير يتضمن كل شروط النظام الجمهوري ، القائم أساسا على التداول السلمي للسلطة ، وعلى تحديد فترة حكم الرئيس بحيث لا تتجاوز أربع أو خمس سنوات،  وعلى عدد الولايات التي يفترض بها أن لا تزيد على ولايتين احتراما لمبدأ تداول السلطة، وعلى الانتخاب الجماهيري الحر والمباشر والنزيه للرئيس والنواب، وعلى حق الشعب في التشريع وإلغاء القوانين  وهكذا. غير أننا نجد بأن هؤلاء الحكام قد انتهكوا كل  مبادئ وشروط النظام  الجمهوري على نحو صارخ بحيث تحولت النظم القائمة تحت رئاستهم إلى نظم ديكتاتورية مستبدة لا علاقة لها بالنظام المثبت في دساتيرها، سواء بالنسبة لكيفية الوصول إلى الحكم، أو عدد السنوات الرئاسية أو عدد الولايات أو العمر أو الشرط المقدس في النظام الجمهوري، الذي هو شرط التداول السلمي للسلطة.

فالرئيس المصري المخلوع، حسني مبارك، البالغ من العمر حاليا نحو خمسة وثمانين عاما، قد وصل إلى رئاسة مصر بعد اغتيال أنور السادات في 6/10/1981. ولا يزال الكثير من المصريين يتهمونه بالضلوع في مؤامرة إقليمية ودولية كبيرة لاغتيال السادات والحلول محله. كان مبارك يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية، وقد تم اختياره لمنصب رئيس الجمهورية بعد اغتيال السادات، عن طريق الاستفتاء بعد أن رشحه عدد من نواب الحزب الوطني في مجلس الشعب وفقا لما نص عليه الدستور المصري الذي كان يميل منذ العام 1964 إلى ترجيح مكانة مؤسسة الرئاسة بالنص على الاستفاء وليس الانتخاب العام الحر والنزيه للرؤساء . وكان السادات قد أجرى في العام 1980، تعديلات مفيدة له على الدستور، أهمها تغيير المادة 77 التي كانت تنص على جواز انتخاب الرئيس لولايتين اثنتين فقط، إلى جواز  إعادة انتخاب الرئيس “لمدد أخرى”.  ومع اغتيال السادات ، توفرت لحسني مبارك كل متطلبات الحكم المديد: البرلمان المؤلف في غالبيته العظمى من الحزب الوطني، حزب الرؤساء، والدستور الذي يتيح له الحكم إلى ما لانهاية. ونظرا إلى أن السادات كان قد ألغى العمل بقانون الطوارئ  قبل اغتياله،  فقد أعاد مبارك فورا العمل به، وظل يجدد ولايتة لثلاث مرات تالية عن طريق الإستفتاء غير المحبذ في النظم الجمهورية إلا كاستثناء، حيث أن القاعدة في النظام الجمهوري هي الانتخابات العامة الحرة والنزيهة. وقد اضطر في العام 2005 ، وأمام الاحتجاجات الكثيرة من المعارضة ، على الموافقة على تعديل المادة 76 من الدستور بإلغاء الاستفتاء وجعل تجديد الولاية عن طريق الانتخاب، حيث تم تجديد ولايتة للمرة الخامسة بالانتخاب الجماهيري العام المباشر، مع فتح باب الترشح لآخرين لم يحصل اي منهم على أصوات تذكر. كانت تلك أول انتخابات جماهيرية  في تاريخ مصر، غير أنها، شأن الاستفتاءات السابقة، لم تكن حرة ولا نزيهة كما تؤكد كل أطراف المعارضة المصرية وكذلك المراقبون الدوليون. كما إن المشاركة الجماهيرية في تلك الانتخابات لم تتجاوز 23% من مجموع المصريين الذين يحق لهم الانتخاب والبالغ عددهم نحو 32مليون ناخب. وفي السنوات الأخيرة من حكمه، ومع اقتراب موعد التجديد التالي لرئاسته في العام 2012 حيث سيكون قد اختتم ثلاثين عاما في سدة الحكم، كان مبارك يعمل على ضمان ترشيح إبنه جمال لوراثة منصب الرئاسة لولا أن ثورة 2011 حرمته من ذلك.

أما رئيس تونس، زين العابدين بن علي، الذي تدرج في عدة مناصب أولها منصب سفير ثم مديرا عاما لجهاز الأمن، ثم وزيرا للداخلية ، فرئيسا للوزراء مع حقيبة الداخلية في عهد الرئيس بورقيبة، فقد بدأ رحلته الرئاسية بعملية غدر كبيرة تمثلت في تلفيق تهمة عجز الرئيس الحبيب بورقيبة، ديكتاتور تونس الأكبر وجالب الاستقلال لتونس ومؤسس تونس الحديثة، عن أداء مهامة كرئيس، بتزوير وثيقة طبية وقعها عدد من الأطباء المتعاونين معه ،  ثم قام في 7/11/ 1987 بما يوصف بالانقلاب الأبيض، منصبا نفسه رئيسا للدولة. ويقول الطبيب الخاص للحبيب بورقيبة، الدكتور عمر الشاذلي، في كتاب نشره مؤخرا بعد الثورة الأخيرة باللغة الفرنسية، بأن بورقيبة ، على الرغم من تقدمه في العمر، كان قادرا تماما على ممارسة مهامه. ويصف الفرق بين بورقيبه وزين العابدين بن علي،  بأنه “فرق بين مستبد نظيف اليد ومثقف، وآخرمستبد وفاسد وجاهل”. ويؤكد بأنه لم ير التقرير إلا بعد تنفيذ المؤامرة . وظل  بن علي منذ ذلك الحين يلعب لعبة الانتخابات المزورة ،  فلم يكن يؤخرها أو يلجأ للاستفتاءات، لأنه كان مسيطرا تمام السيطرة وممسكا بكل خيوط وزارة الداخلية وجميع الأجهزة الأمنية على النحو الذي كان عليه مبارك، إلى أن حدث مؤخرا في العام 2011 ما لم يكن في حسبانه. فعلى امتداد ثلاثة وعشرين عاما من الحكم كرئيس دولة، خاض بن علي خمسة انتخابات في كل من الأعوام التالية: 1989، 1994، 1999، 2004، 2009، حصل في كل منها بالتزوير على 99,2 % من الأصوات . كانت انتخابات 1999 أول وآخر انتخابات تعددية. ولكن بن علي فاز فيها على ثلاثة منافسين ، ووصفت تلك الانتخابات في حينها بأنها ” تعددية مخلصة للأحادية”. كما تمكن بعد العام 1999 من  تغيير المادة الدستورية  التي تنص على عدم جواز حكم أي رئيس لأكثر من ثلاث ولايات، وجعلها مفتوحة  دون تحديد، وبذلك تمكن بن علي من تجديد رئاسته في ولاية رابعة في العام 2004، ثم خامسة في العام 2009. وعلى الرغم من أنه كان قد رفع الحد الأقصى لعمر الرئيس  من 70 إلى 75 عاما في الدستور، فقد تبين له بعد انتخابات 2009 أن هذا الحد الأقصى من العمر لن يسمح له بالترشح لولاية سادسة في انتخابات العام 2014، لأنه من مواليد العام 1936،  فأخذ يعد نفسه لحذف المادة التي تحدد عمر الترشح للرئاسة كلها من الدستور ، بحيث تعود الأمور إلى الوضع الذي كان عليه في عهد بورقيبة: ولاية رئاسية مدى الحياة، وهي مادة كان قد ألغاها هو نفسه  من الدستور لتبرير عزله لبورقيبة في العام 1987، لولا أن الثورة داهمته ثانية. ونظرا لأن بن علي لم يخلف ولدا ذكرا إلا مؤخرا ، فقد قيل بأنه كان يعد شابا من عائلة زوجته لكي يخلفه إذا مات. كما قيل بأن زوجته ليلى الطرابلسي كانت هي الأخرى تعد نفسها لذلك.

أما معمر القذافي، الذي حكم ليبيا دون منازع لأكثر من أربعين عاما فقد أصبح رئيسا بعد إطاحته بالملك السنوسي بانقلاب عسكري قام به مع بعض الضباط في العام 1969، وذلك إلى حين قتله الثوار في العشرين من أكتوبر 2011. وقدغطت عقود حكمه الأربعة أكثر من ثماني ولايات على أقل تقدير، لم يكلف نفسه خلالها إجراء أي انتخابات أو استفتاء ولو بالتزوير. وهو لم يكتف بتسمية نظامه جمهوريا، وإنما أصر على تسميته  نظاما “جماهيريا” ، وذلك تيمنا بأن يضم تحت جناحيه كل جماهير الأمة العربية وجماهير القارة الإفريقية، كما أصدر نظريته الخضراء أو ” الكتاب الأخضر” الذي اعتقد بأنه يضم نظرية سوف تكنس كل النظريات والفلسفات في العالم. لعب القذافي  بالعالم كما شاء ، سواء في مجال الإرهاب، أو في تمويل الحملات الانتخابية لرؤساء العالم أو في شراء أي شيء أو أحد أراد، مؤمنا بأن الله قد وهبه الثروة النفطية الهائلة لكي يتمتع بها ويمتع من يشاء. وكان يعد إبنه سيف الإسلام لوراثتة بعد عمر طويل.

وكان رئيس اليمن، علي عبد الله صالح يعتقد بأنه أدهى الحكام. فهو لم يتردد، كما يؤكد  بعض اليمنيين، في قتل كل من اعترص صعودة إلى سدة الحكم او الاستمرار في الحكم، وفي مقدمة هؤلاء إبراهيم الحمدي الذي أصبح رئيسا لليمن الشمالي في العام 1974 واغتيل في العام  1977، كما اغتيل من أصبح رئيسا من بعده في العام 1978، حيث اصبح علي عبد الله  صالح رئيسا منذ ذلك الحين ولغاية 25/2/2012 حين تم انتخاب نائبه عبد ربه منصورهادي رئيسا وفقا للاتفاق الذي وضعته السعودية ،  والذي ضمن لعبدالله صالح الحصانه من أية مسائلة او ملاحقة قانونية على ما ارتكب من جرائم وما نهب من أموال. كان علي عبد الله صالح ماهرا في إقناع اتباعه الذين يشكلون مجمل أعضاء حزبه المعروف باسم “حزب المؤتمر الشعبي العام” لتنفيذ ما يريدهم أن يفعلوه، وذلك على الرغم من أنه لا يمتلك شخصية كاريزمية. ويبدو أنه تمكن من ذلك برشوتهم مما كان ينهب من أموال البلد. ففي العام 1999، جرت في اليمن أول انتخابات عامة تم فيها انتخاب الرئيس علي عبد اللة صالح من قبل الشعب مباشرة ،ولم يكن هناك مرشح آخر معه، وذلك على الرغم من أنه كان رئيسا منذ العام 1978، أي منذ واحد وعشرين عاما. وفي العام 2003،  جرت انتخابات أخرى فاز فيها علي عبد الله صالح واتخذ البرلمان عدة قرارات لصالحه ، في مقدمتها إعفاؤه  من كل السنوات التي حكم فيها اليمن سابقا، أي منذ 1978 ولغاية 2003،  وأن تعتبر انتخابات 2003 أول ولاية لة ،  بحيث يحق له الترشح ثانية في الدورة القادمة، وذلك بعد أن قام البرلمان بإقرار حق الرئيس بالترشح لولايتين متعاقبتين بدلا من ولاية واحدة. وبذلك اصبح من حق علي عبدالله صالح ان يبقى رئيسا لغاية العام 2013. وقد أطلق شعبيا على ذلك القرار بأنه عملية  ” تصفير العداد”!.  وفي ديسمبر /كانون الأول 2010، أي قبل اندلاع الثورة في اليمن بشهر أو شهرين، تقدمت كتلة صالح النيابية في البرلمان  بمشروع قانون يلغي المادة في الدستور التي تحدد مدة الرئاسة بولايتين، وعدم النص على أية مدة زمنية لولاية الرئيس. غير ان المعارضة كانت لهم بالمرصاد حيث كان هذا التوجه البرلماني السبب المباشر لأول الإحتجاجات الجماهيرية اليمنية في 27/كانون الثاني/يناير 2011.

أما في البحرين التي كان نظامها أميريا ثم صار ملكيا، فعلى الرغم من أن النظام السياسي الأميري الوراثي يعامل في العرف الدولي كالنظام الملكي، فقد تم في العام 2002 تحويل الإمارة البحرانية إلى مملكة والأمير حمد بن عيسى إلى ملك. ولعل سبب ذلك هو الاعتقاد بأن النظام الملكي يظل أكثر رسوخا أمام الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية التي أخذت تندلع في البحرين خلال العقدين الأخيرين، والتي تعاظمت في العام1994 حين قتل فيها مئات المحتجين، ثم تجددت في العام 2011 كما سيرد لاحقا.

ولا يمكن لكل من عايش فترة أوائل السبعينيات من القرن الماضي،  نسيان ما حدث  في سورية بعد وفاة حافظ الأسد الذي حكم سورية نتيجة انقلاب عسكري منذ العام 1971 إلى حين وفاته في 10/6/2000. كان حافظ الأسد هو الوحيد من الطغاة “الجمهوريين” في المنطقة العربية، الذي نجح في توريث الحكم لابنه. فمع وفاته، هرول النواب  في مجلس الشعب من أجل تعديل مادة الدستور التي تنص على أن لا يقل سن الرئيس لدى توليه المنصب عن 40 عاما، حيث تم فورا  وفي أقل من خمس دقائق، تغيير المادة الدستورية  بحيث أصبحت تنص على34  عاما، هو عمر بشار الأسد. تم ذلك بالإجماع وفي خضم التصفيق الحار للنواب. ثم تلا ذلك إصدار قرار بترفيع بشار الأسد إلى فريق في الجيش، ثم صدر قرار آخر “بانتخابه” أمينا  قطريا، لكي يصبح رئيسا لحزب البعث الحاكم في سورية، حيث كان ذلك يشكل  شرطا لتولي أي شخص منصب رئيس الجمهورية.  وقد وقع كل هذه القرارات نائب الرئيس قبل ذلك ، عبد الحليم خدام، الذي أصبح رئيسا مؤقتا لسورية فور وفاة حافظ الأسد  وإلى حين استكمال كل الإجراءات اللازمة لتولي بشار الأسد الرئاسة. ثم اختتمت هذه الإجراءات باستفتاء شعبي عام جرى في 10/7/2000، فاز فيه بشار الأسد فوزا كاسحا، وعمت الأفراح والتظاهرات المؤيدة أرجاء سورية ، وتولى بشار الأسد منصب الرئاسة في 17/7/2000. كان ذلك حدثا مثيرا حقا في المنطقة العربية التي اعتادت على توارث الملوك فقط. ولا شك أن نظرات الغيرة والحسد كانت تنبعث من عيون كل رؤساء الجمهورية العرب. وفي 27/5/2007 تم إجراء استفتاء عام في سورية على ولاية ثانية لبشار الأسد بعد ترشيحه من قبل مجلس الشعب المؤلف في معظمه من اعضاء حزب البعث. ووفقا لبيانات وزارة الداخليه التي لا يصدق أحد بأنها لم تكن مزورة، حصل بشار الأسد بصفته المرشح الوحيد على 97,6%من الأصوات وامتدت ولايته لسبع سنوات أخرى ، أي حتى العام 2014.

وقد لا يكون غريبا ، بحكم الثقافة السائدة في المنطقة العربية ومفاهيم الحكم السائدة فيها،  أن يسعى كل الرؤساء الجمهوريين الذين استهدفتهم الانتفاضات والثورات الأخيرة، وبلا استثناء ، إلى توريث الحكم لأبنائهم، منتهكين أهم مبدأ من مبادئ النظام الجمهوري ، والمتمثل في تداول السلطة. كما يتضح بأن هؤلاء الحكام الذين استهدفتهم ثورات 2011 لم يكونوا يتمتعون بأية شرعية على النحو الذي يتطلبه النظام السياسي الدولي الجديد، الذي اعتمد النظام الجمهوري ووضع نهاية للحكم الملكي المطلق من خلال ربط الملكية بالدستورية التي تقلص سلطات الملوك إلى أدنى حد، ووضع السلطة في يد الشعب من خلال ممثليه في النظام البرلماني. بل إن هؤلاء الحكام قد تمكنوا من البقاء على حساب حرمان شعوبهم من كل ما قدمه العصر الراهن  من ميزات للشعوب، مثل السيادة والحكم الرشيد وحقوق الإنسان والديمقراطية والمساواة أمام القانون، وتداول السلطة وغير ذلك من هذه المنظومة الواسعة من الحقوق، التي من ضمنها حق الشعوب في الاحتجاج.

 

ثانيا- حق الاحتجاج

إن حق الاحتجاج الذي حرمت منه شعوب المنطقة على يد هؤلاء الحكام وبقية الحكام الذين لم تطلهم الثورات بعد، هو حق شرعي وفق المفاهيم والمواثيق  االدولية المعاصرة، وهو جزء من  الحقوق التي أوجدتها العديد من المواثيق والعهود الدولية التي أصبحت تتجسد في ميثاق الأمم المتحدة ووثائقها الأخرى. ولحق الاحتجاج شرط أساسي هو أن يكون سلميا وله عدة أشكال تعرف بالمقاومة السلمية التي تتجلى في المظاهرات والعرائض والإضرابات والمقاطعة والعصيان المدني وأشكال كثيرة أخرى. وإذا ما القينا نظرة على الاحتجاجات التي تحدث في العالم المتقدم، نلاحظ مدى النظام والتنظيم فيها وكيف تلعب اللافتات والبوسترات وغيرها  دورا رئيسا في تقديم وشرح المطالب.  وسبب توفر ذلك وعدم توفره في المجتمعات الأخرى، التي توصف بدول العالم الثالث بشكل خاص، وهي تشمل في حقيقتها الدول المتخلفة والدول الأكثر تخلفا ، هو أن حق الاحتجاج قد ارتبط منذ ظهوره بالدولة الديمقراطية والنظام الديمقراطي.  والنظام الديمقراطي، الذي لايشكل جزءا من الثقافات العربية بأية حال، وتم تثقيف الجماهير المسكينة على كراهيته، هو في حقيقته صيغة للحكم تم ابتكارها كبديل للحروب و العنف والحكم الفاشي والديكتاتوري والإستبدادي بكل أشكاله. فالمواطن في الدول التي تتبنى الديمقراطية فعليا ودون تزوير أو تزييف، لا يخرج  للاحتجاج من أجل إسقاط حكومة، بل هو يسقطها من خلال حزبه أو برلمانه، وإذا ما خرج فهو إنما يفعل ذلك لتعميم المطالب وبطريقة سلمية منظمة. وفي ضوء أن الاحتجاج حق للمواطنين في إطار أنظمة ديمقراطية ترفض العنف، فقد اقترن حق الاحتجاج بشرط كونه احتجاجا سلميا، بمعنى أن لا  يحمل المحتجون أي سلاح ولا يستعملون أي سلاح. مقابل ذلك، حظر القانون إطلاق الرصاص الحي على المحتجين سلميا، واعتبرت كل المواثيق والعهود الدولية إطلاق الرصاص على المحتجين سلميا جريمة يعاقب عليها القانون، بينما تسمح القوانين  للحكومات بالرد على العنف بالعنف، وعلى استعمال السلاح باستعمال السلاح.

غير أن ما سبق لايمكن أن يحدث في المنطقة العربية التي سعى الثوار الشباب إلى تغييرها طالما أن دول ومجتمعات هذه المنطقة ليست ديمقراطية، والحكام العرب لا يعترفون بالديمقراطية إلا شكليا، وإلا على نحو يتيح لهم تزوير الانتخابات، وتقييد حرية تشكيل الأحزاب، والهيمنة على أجهزة الأمن بكل فروعها والتحكم في وظائفها، وممارسة الاستبداد وامتهان الفساد بسرقة اموال البلاد. فانتشار مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية، قد اضطر حملة ثقافة الاستبداد في المنطقة العربية إلى وضع دساتير مزينة ببعض تلك المبادئ التي لم يكونوا على استعداد للعمل بها، وعلى الرغم من وجود هذه المواد في الدساتير الجمهورية العربية، تم قتل المتظاهرين المسالمين. وسوف نكتشف لدى  متابعة أحداث الاحتجاجات الشبابية العربية في العام 2011،  أن هؤلاء الحكام لم يتورعوا عن إصدار الأوامر بإطلاق الرصاص على المحتجين فور انطلاق الاحتجاجات على الرغم من أن هذه الاحتجاجات كانت سلمية خالصة.  وكانت هذه الأوامر بإطلاق الرصاص وقتل المحتجين، التي أصدرها هؤلاء الحكام، هي التي أدت إلى تحول الاحتجاجات في تونس ومصر، ثم اليمن،إلى ثوراتاقتلعت الحكام،  وذلك بفعل تحول الاحتجاجات من حركات مطلبية إلى سياسية ثورية تهدف  وتعمل على إسقاط الرئيس ومجمل النظام الذي يمثله  بواسطة قوة الجماهير السلمية.

 

ثالثا- أسباب الاحتجاج

-أسباب إقتصادية واجتماعية

لدى إلقاء نظرة على الدول العربية التي اندلعت فيها الاحتجاجات منذ أوائل العام 2011،  وهي ست دول، يتضح أن العوامل الاقتصادية قد شكلت سببا  أساسيا في اندلاع الاحتجاجات في  كل من تونس ومصر واليمن. أما ليبيا التي لا يوجد فيها فقر يذكر، فقد كان السبب الرئيس هو الصراع المحلي والدولي على الثروة النفطية في البلاد، ولذلك سارع حلف الأطلنطي إلى  الإستجابة لرغبة المحتجين الليبيين للتخل العسكري المباشر في ليبيا والقضاء على معمر القذافي ونظامه. ولعبت العوامل الاقتصادية في البحرين دورا مقترنا بالبعد الطائفي حيث جرى التمييز إقتصاديا ضد المواطنين الشيعة لمجرد انهم شيعة ، بينما كان السبب الرئيس للاحتجاج في سورية هو السبب  الديني الطائفي على الرغم من أن الفقر منتشر في أوساط الجماهير السورية.

 فتونس ، التي لا يتجاوز عدد سكانها أحد عشر مليون نسمة ، هي بلد فقير نسبيا يعتمد بدرجة رئيسة على الزراعة والسياحة والصيد بحكم موقعه على شاطئ البحر المتوسط، بالإضافة إلى بعض الصناعات التحويلية. وعلى العكس من جارتيها، ليبيا والجزائر ، فهي لا تملك حتى الوقت الراهن سوى احتياطي نفطي صغير يقال بأنه  آخذ في النفاذ تدريجيا، بينما ظهر لديها الغاز مؤخرا. وقد ظل  احتياطي تونس من النفط سرا في عهد  زين العابدين بن علي، ولم يعرف التونسيون عنه شيئا ولا مقدار ما يستخرج منه، بينما كانت الحكومة  تقول بأن ما لديها لا يكفي للاستهلاك المحلي ، وأن ما لديها من نفط يوشك أن ينضب، بينما يقول أخرون بأن مثل هذا الكلام عار عن الصحة وبأن تونس تعوم على بحر من النفط. وعلى الرغم مما يقال بأن تونس قد حافظت خلال عهد بن علي على نمو اقتصادي مطرد، فقد ظل الشعب بأغلبيته الريفية فقيرا ومدقعا . فقد قدرعدد الشباب العاطل عن العمل في تونس في أواخر  العام 2011 بنحو800 ألف شاب منهم نحو 240 ألف حامل شهادة عليا، آخذين في الاعتبار أن بطالة النساء لا تحتسب في الدول العربية إلا على نحو هامشي.  وفي المناطق الفقيرة جدا والتي يسميها التونسيون بالمناطق المحرومة التي تقع وسط تونس، فإن معدل البطالة الدائمة كان  ومازال لا يقل عن 25%. ولدى احتساب البطالة المقنعة يرتفع الرقم إلى أكثر من %40. كان محمد بوالعزيزي أحد هؤلاء الشباب العاطلين عن العمل.  وفي ظل فقر الجماهير التونسية وإدقاعها، يتحدث التونسيون عن الأموال التي نهبها بن علي خلال حكمه لتونس، وهي أموال قدرتها مجلة فوربيس الأميريكية بمبلغ  يتراوح مابين 5- 10 مليارات يورو، وهو تقدير قريب من التقدير التونسي الذي يقول بأن بن علي كان يتحكم بنحو 30-40 % من الاقتصاد التونسي، و هذا  يعادل نحو عشرة مليارات دولار. أما السبب المباشر لاحتجاجات تونس فقد كان  سببا إقتصاديا –أمنيا بامتياز، نجم عن مصادرة الشرطة لعربة الخضار التي يترزق منها الشاب العاطل عن العمل، محمد بوالعزيزي وإهانته ، ثم قيامه باحراق نفسه ثم وفاته. وإذ خرجت الناس محتجين على ما حدث لبوعزيزي في  17/12/2010، فإن إطلاق الرصاص على المحتجين قد حول الاحتجاجات المطلبية التي كان أول ما طالبت به هو حق العمل للجميع، إلى ثورة مالبثت أن أسقطت رئيس تونس زين العابدين  ، ثم بدأت بكنس بعض معالم نظامه.

أما  مصر، فالمشاكل الرئيسة التي تتحكم فيها والتي أدت إلى الثورة تكمن في سوء التخطيط والإدارة والفساد، التي حالت دون حل هذه المشاكل وما أفرعته من مشاكل أخرى. فبعد أن أصبح  حسني مبارك رئيسا بعد اغتيال السادات، لم تؤد الخطتان الخمسيتان اللتان دشن عهده بهما بين عامي 1981 و1992، إلا إلى تفاقم الأوضاع، حيث ارتفعت مديونية مصر بنسبة 26% بعد الخطة الأولى، وأقيمت المشاريع كثيفة رأس المال بدلا من المشاريع كثيفة العمالة وفقأ للخطة الثانية، الأمر الذي فاقم البطالة، وزاد عدد سكان المقابر والعشوائيات، بينما زاد غنى وعدد الأثرياء. ويشار إلى أن البنك الدولي قد وضع لمصر خطة للإنعاش الاقتصادي. ويقول البنك الدولي بأن هذه المشاريع قد درت الكثير من الأرباح، غير أن  المشكلة هي أن المردودات المالية تظل “فوق” ولا تنزل إلى “تحت”، مشيرا إلى أن 22% من الدخل القومي يذهب إلى 5% من السكان. كما يقول البنك الدولي بأنه يحتفظ بسجلين عن حقيقة الأوضاع في مصر، أحدهما يتضمن  ما تزوده به الحكومة المصرية من تقارير وإحصائيات ومعلومات كاذبة ، والثاني يتضمن الحقائق  التي يجمعها البنك بنفسه ويتضمن حقائق الأوضاع المريعة على جميع المستويات. وقد  زادت الأوضاع تفاقما خلال العقد التالي من حكم مبارك، ثم العقد الثالث، حيث ارتفعت تكاليف المعيشة بينما بقي الدخل الشهري للموظف لا يزيد على ما يساوي مئة دولار، علما بأن عدد موظفي الدولة في مصر يزيد على 13مليون موظف. إن التقدير العام للوضع المصري كما ورد في العام  2010 هو أن أكثر من 20% من الجماهير المصرية يعيشون تحت خط الفقر، وان معدلات البطاله تزيد على 10% وأن نسبة الأمية في مصر تبلغ 1 من كل أربعة أشخاص. ويبدو أن هذه الأرقام هي من الأرقام الكاذبة التي أشار إليها البنك الدولي حيث يقدر آخرون الأمية في مصر حاليا بنحو 40%. لا غرابة إذن في أن التقديرات العامة لما نهبه حسني مبارك قد بلغت نحو 70 مليار دولار، في الوقت الذي يعيش فيه أكثر من 15 مليون مصري على أقل من دولار واحد في اليوم الواحد،.

أما السبب المباشر في مصر، فكان سببا أمنيا  بامتياز، حيث خرجت الجماهير الشابة في يوم عيد الشرطة المصادف في 25/2/2011 احتجاجا على الحكم البوليسي وما ترتكبه الشرطة من جرائم  لم يكن آخرها قتل الشاب خالد سعيد باختطافه من مقهى الإنترنيت وضرب رأسه بحائط في الشارع إلى ان انفلق نصفين، وذلك ردا على ما كتب على الفيسبوك عن جرائم الشرطة المصرية. ومع إطلاق النار على المتظاهرين تواصلت الإحتجاجات وزاد إطلاق الرصاص على المحتجبين المسالمين، حيث مالبثت الإحتجاجات المتعاظمة ان أسقطت رئيس الجمهورية وواصلت اعتصاماتها من أجل كنس معالم نظامه.

وفي اليمن، فقد وصف في القديم باليمن السعيد، وذلك لقيام الكثير من الحضارات القديمة  فيه مثل  حضارة سبأ و حضرموت و سد مأرب وازدهاره على مدى تلك العصور.  غير أنه لم يعرف الازدهار على مدى العصور الوسيطة والحديثة. وعلى الرغم  من الموقع الاستراتيجي والمساحة الكبيرة لليمن، التي تكاد تبلغ نصف مليون كم مربع،  والعدد الأكبر في الجزيرة العربية من السكان الذين يبلغون نحو 24 مليون نسمة، والفرص الاقتصادية الكثيرة ووجود قدر معتدل من الثروة النفطية ،فإن غياب القيادة المخلصة الأمينة قد حرم اليمن من أية تنمية حقيقية تنهض بالشعب من الفقروالحاجة. تشكل الزراعة  نحو 10-15 % من الناتج العام ويعتاش عليها معظم اليمنيين إلى جانب الرعي. وتبلغ الأمية في اليمن نحو 50% وفق دراسة أجريت في العام 2005، كما بلغ عدد المسجلين في المدارس نحو 53% فقط من الأطفال الذين في سن دخول المدارس، وبذلك يعتبر اليمن  أفضل قليلا من أسوأ دولتين عربييتين هما جيبوتي وموريتانيا. ويقول تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي بأن اليمن يحتل المرتبة 177 من 179 دولة في العالم تناولها التقرير. وتقارن دراسة أخرى تمت في العام 2010 بين دخل الفرد السنوي  في  كل من دول الجزيرة العربية ، حيث يتبين التالي: قطر- 38290 $، الإمارات-20660 $، الكويت- 18460$، البحرين- 13650$، السعودية- 9490$، عمان- 8080 $، اليمن- 1260 $ن بينما تقول دراسة أخرى أن معدل الدخل السنوي للفرد في اليمن لا يتجاوز 813 $، هذا في حين قدرت ثروة علي عبدالله صالح- بمفرده من غير عائلته- بأنها مابين 40-50 مليار دولار موزعة على شكل أرصدة بنكية واستثمارات وأسهم وقصور ومنتجعات في مختلف دول العالم.

أما السبب المباشر الذي أدى لانطلاق الاحتجاجات  في اليمن، فهو إصرار الشباب اليمني على عدم تمكين علي عبد الله صالح من الاستمرار في الاستهتار بالشعب اليمني. ففي 27/1/2011،  خرجت أول تظاهرة شبابية  حاشدة  تحتج على تحركات صالح المريبة في شأن تعديل الدستور على نحو يريد منه تعديل المادة التي تنص على تحديد حكم الرئيس اليمني بولايتين متتاليتين فقط بجعلها مفتوحة بحيث يصبح ممكنا له أن يظل في منصبه مدى الحياة، علما بأن ولايته الأخيرة القائمة (العاشرة  فعليا على أقل تقدير) تنتهي في العام 2013. كما كان معلوما أنه كان يعمل  داخل حزبه من أجل تنصيب إبنه أحمد مكانه إذا لم يتمكن من ضمان احتفاظه بالرئاسة. كان زين العابدين بن علي قد سقط في 14/1/2011. غير أن الدفعة القوية التي ألهبت إصرار الشباب على تصديهم لعلي عبد الله صالح وإسقاطة، هي سقوط حسني مبارك في 11/2/2011. ومنذ ذلك اليوم،  لم يفارق الشباب ساحات التغيير التي أقاموها في مختلف المدن اليمنية، إلى أن تمكنوا من إسقاطه في 21/2/2012، وإنما بثمن باهظ.

أما البحرين، التي لا يزيد عدد السكان من المواطنين البحرينيين  فيها على نحو 750ألف نسمة،  فهي تعمل اليوم على  تنويع اقتصادها وتشجيع الاستثمار فيها. وهي تستضيف السطول الخامس الأميريكي والكثير من الشركات والمؤسسات الأجنبية متعددة الجنسيات . كما يعمل فيها الكثير من البنوك بحيث أصبحت تشتهر بكونها تشكل مركزا ماليا عالميا، وذلك بسبب قرب نفاذ النفط فيها وفقا لتوقعات الخبراء.  وعلى الرغم من أن البحرين تعتبر من الدول الغنية، حيث يقدر معدل دخل الفرد فيها بأكثر من 13 ألف $ سنويا، فهذا المعدل لا ينطبق على جميع السكان المواطنين في البحرين. فلدى البحرين مشكلة أساسية هي أن أكثر من نصف سكانها المواطنين هم من الطائفة الشيعية، وهناك من يقدر نسبتهم بنحو 70%من المواطنين. فعلى الرغم مما يؤكده الباحثون والدارسون لتاريخ البحرين على أن شيعة البحرين هم في غالبيتهم العظمى  عرب في أصولهم  ومواطنون قدامى في الدولة ، تقوم الدولة بإبعادهم عن جميع الوظائف الحساسة ، كالجيش والأمن والوزارات السيادية وتميز ضدهم في مختلف الوظائف وفرص التشغيل. لذلك  يعمل الشيعة حين يجدون عملا، في القطاع الخاص بمهن متدنية المهارة وبأجور متدنية لا تزيد عن 200 دينار بحريني، أو ما يعادل نحو500$ ، وهذا الأجر هو  أقل من الحد الأدنى الذي حددته وزارة العمل البحرينية نفسها، والبالغ 350 دينار. وتنتشر البطالة بينهم بحيث تقدر بأكثر من 15% رسميا بينما تزيد كثيرا عن ذلك في الواقع، بينما تقوم الدولة باستيراد العمال الأجانب من شرق أسيا وتعمل على تجنيسهم، في محاولة لتغيير التركيبة السكانية في البلاد.  ويصف الصحافي الأميريكي نيكولاس كريستوف ، في صحيفة النيويورك تايموضع شيعة البحرين  بقوله:” ستعرف فورا حين تقترب من منطقة مليئة بالفيلات الفاخرة  والشوارع المرصوفة والإنارة الراقية بأنك في منطقة سنية، بينما إذا اقتربت من منطقة ليس فيها شيء من هذا ، فستعرف بأنك في منطقة شيعية”.

وتشكل البحرين حالة مختلفة أخرى عما سبق من حالات، وذلك من حيث أنها ليست حالة احتجاج جديدة، وإنما تشكل تكرارا لعدة حالات احتجاج سابقة ضد التمييز الطائفي والاقتصادي الذي يمارسه الحكم الملكي السني ضد المواطنين الشيعة.  وكان السبب المباشر لاندلاع الموجة الأخيرة من الاحتجاجات هو إحياء الذكرى العاشرة لإصدار الملك حمد بن عيسى في 14/2/2001 للميثاق الوطني الذي نص على المساواة الكاملة لجميع مواطني البحرين  وإصلاحات عديدة أخرى،  ثم تراجع عنه وأصدر دستورا  أبقى على أوضاع الأغلبية الشيعية على حالها.

أما ليبيا،التي لا يزيد عدد سكانها عن الستة ملايين نسمة، والتي تمتلك أكبر ثروة نفطية في إفريقيا ، وتعد من أغنى دول العالم الثالث بسبب النفط، فقد كان قطاع الطاقة في عهد القذافي يشكل أكثر من 60 % من الناتج المحلي العام ، وأكثر من 95 % من عائدات الحكومة  التي كان القذافي وابناؤه هم الذين يتحكمون بها.  كما بلغ معدل دخل الفرد الليبي  15 ألف دولار  في العام،  وكان العاملون في مختلف القطاعات  يتقاضون مرتباتهم العالية دون عمل أو محاسبة على ما يعملون، فوفقا لنظرية القذافي المسماة ” الكتاب الأخضر،  التي طبقها في بلده، لم يكن في الدولة الليبية أية مؤسسات، ولا توجد فيها زراعة مجزية حيث أن معظم اراضيها صحارى. وكان القذافي خاضعا للهاجس الأمني الذي منعه من تنويع الاقتصاد وتشجيع القطاع الخاص، وذلك تخوفا من أن يفرز ذلك مراكز قوى منافسة لمركزيته المطلقة  وللوضع القائم على عدم المساءلة. لذلك هناك الكثيرون من الشعب الليبي الذين استفادوا من عهد القذافي بطرق غير مشروعة، ولم يكونوا على استعداد لفقدان ما يتدفق عليهم من أموال بدون عمل او محاسبة. ويبدو واضحا انه بعد ان تم إسقاط النظام  وقتل القذافي على يد الثوار بالتعاون مع مخابرات الدول الغربية، فإن المستقبل الليبي لا يزال غامضا  ومحفوفا بالمخاطر.وتتركز الثروة النفطية الليبية في المنطقة الساحلية الشرقية من البلاد في خليج سرت ومدينة بنغازي بدرجة رئيسة. لذلك لا عجب أن تندلع الثورة في بنغازي التي كان القذافي يسيطر على كل نفطها. كما لا عجب أن تسعى المنطقة المذكورة بعد الثورة للعودة إلى الشكل الفيدرالي أو الكونفدرالي الذي كانت عليه ليبيا في اوائل عهدها بالاستقلال، فتعلن محافظة بنغازي استقلالها الذاتي. أما السبب المباشر لانطلاق الاحتجاجات في ليبيا في 17/2/2011  فهو الاحتجاج على اعتقال محامي سجناء سجن أبو سليم، الذين كان القذافي قد أمر بقتلهم في العام 1996، والذين بلغ عددهم نحو  1200سجين، ثم  اطلقت النار على المتظاهرين وتفاقمت الأمور التي ما لبثت ان بلغت ذروتها بتدخل حلف الأطلنطي.

 

ولدى النظر إلى سورية التي يبلغ عدد سكانها حاليا نحو 21 مليون نسمة، فيجب القول بأن جماهيرها لا تختلف من حيث الفقر والحاجة عن الجماهير الفقيرة في مصر وتونس واليمن. فسورية هي في الأساس بلد زراعي ، حيث  كان يعمل في الزراعة أكثر من 30% من السكان، غير أن ذلك تقلص بفعل مشاكل كثيرة ،حيث يقدر عدد العاملين في الزراعة حاليا بنحو 17% فقط. ومع سيطرة حزب البعث على الدولة، وبخاصة منذ عهد حافظ الأسد في أوائل السبعينيات، فرضت الدولة  سيطرتهاعلى القطاعات الاستراتيجية تحت مسمى  الاشتراكية، حيث أصبحت معظم  المؤسسات تخضع للدولة. وفي السنوات الأخيرة،  اتجهت سورية إلى تنويع الاقتصاد ، وبخاصة بعد بداية تراجع انتاج النفط الذي اكتشف في سورية وبوشر بتسويقه خلال الثمانينيات، كما انتعش القطاع الخاص واسهم جيدا في الاقتصاد السوري،  غير أن قطاع الخدمات  ظل يشكل اكبر القطاعات في الدولة ، وهو في معظمه قطاع حكومي، مشكلا نسبة 45% من الناتج المحلي العام و يضم جميع موظفي الدولة ، ويقدر حجم العمالة  الكلية فيه بأكثر من 67% من القوى العاملة. وتتجلى معاناة الجماهير السورية في أن أكثر من 70% من القوى العاملة لا يزيد دخلهم عن 100 $ في الشهر الواحد. وأشارت استطلاعات  جرت  في العام 2009 ، إلى أن أكثر من 700ألف عائلة تضم أكثر من خمسة ملايين نسمة يعيشون بدون أي دخل يذكر. كما أشارت تقارير للأمم المتحدة إلى أن  أكثر من 30% من السكان يعيشون على حافة الفقر، وأن 12% يعيشون تحت خط الفقر. وقد تدهورت الأوضاع أكثر فأكثر مع اندلاع الانتفاضة وانتشار الأعمال العسكرية بفعل إغلاق العديد من مجالات العمل، والعقوبات التي فرضها المجتمع الدولي والتي تمس الشعب في الكثير من المجالات.  ومن الواضح أن البطالة التي كانت تقدر رسميا بنحو 15% من السكان قد أصبحت الآن 30% إن لم تكن أكثر.

غير أن الفقر لم يكن هو السبب الرئيس المباشر للاحتجاجات الشعبية السورية، حيث لم تظهر أيه شعارات إقتصادية في التظاهرات التي اندلعت في منتصف آذار 2011، بل كانت كلها دينية الطابع. وبدأت المطالبة بسقوط النظام منذ البداية، وذلك على العكس مما حدث في الحالات التونسية والمصرية واليمنية، بل والبحرينية، الأمر الذي يؤكد  ان الاحتجاجات  كانت منذ بدايتها طائفية سنية هدفها إسقاط النظام العلوي. فمن المعروف أن الطائفة العلوية أو النصيرية  التي تشكل نحو 20% من الشعب السوري السني في غالبيته، قد استولت في العام 1963  بانقلاب عسكري أول ، ثم بانقلاب عسكري ثاني في العام 1971،  على الحكم في سورية،  وحكمت سورية من خلال حزب البعث العربي الإشتراكي ، واقامت منذ ذلك الحين، نظاما، يتحكم بكل واردات الدولة ويتصرف فيها دون رقيب أو حسيب. وكمثال على ذلك، فقد أشار تقرير صادر عن وزارة الخارجية في العام 1999، أن عائدات النفط السوري المصدر للخارج، والتي بلغت نحو  ثلاثة مليارات $ في العام، لم تكن تدخل الميزانية العامة للدولة، بل كان المبلغ يحول مباشرة إلى حساب حافظ الأسد ، ومن بعده إلى حساب إبنه بشار الأسد .

في العام 1982، سحق النظام العلوي-البعثي تمردا كبيرا قام به الإخوان المسلمون  في مدينة حماة. وتشكل الإنتفاضة الحالية  التي انطلقت منذ بداية العام 2011، امتدادا لتمرد العام 1982، وتلقى الانتفاضة الأخيرة المسلحة دعما  ماليا وعسكلريا من الدول العربية السنية المجاورة ومن تركيا في الشمال، بينما يلقى النظام دعما من إيران ، هذا إلى جانب انقسام القوى الدولية إلى طرفين يدعم الطرف الغربي منهما الموقف العربي السني، بينما يدعم الطرف المؤلف من روسيا والصين وبعض الدول الأجنبية الأخرى النظام السوري ، حيث خرج الصراع الذي تحول داخليا إلى صراع مسلح، من كونه صراعا داخليا إلى صراع إقليمي –دولي يهدف إلى فك التحالف السوري –الإيراني خدمة لمصالح إقليمية –دولية  مركبة منها مصالح إسرائيلية، ولم يعد يشكل صراعا داخليا إلا على نحو ثانوي.

 

رابعا- القتـــــــــل

في تونس، انهمر الرصاص على المحتجين الذين اخذوا يتدفقون على الشوارع بعد إشعال محمد بوالعزيزي النار في جسده في 17/12/2010، ثم وفاته في 4/1/2011. ومع انهمار الرصاص على المحتجين  المطالبين بالعمل ، ومع تزايد سقوط القتلى،  تزايدت  الحشود وتغيرت المطالب إلى المطالبه برحيل الرئيس وسقوط نظامة. وفي مساء الرابع عشر من كانون الثاني 2011، فر زين العابدين بن علي من البلاد.  وعلى الرغم من الغموض الذي ما زال يلف تفاصيل ما حدث في ذلك المساء، فمن الواضح أن الاحتجاجات الشعبية المتعاظمة لم تترك مجالا لبن علي سوى الفرار، وهي عملية ذكر بأن الجيش لعب فيها دورا هاما لصالح المحتجين، كما  تحدث البعض عن تدخل أميريكي في مجال نقل بن علي إلى السعودية، وهو ما لم يتأكد. كان عدد القتلى عند فرار بن علي مساء 14/1/2011  قد جاوز الأربعين قتيلا، وظل العدد يرتفع بفعل استمرار شرطة وزارة الداخلية والشرطة السرية الخاصة ببن علي بإطلاق النار على المتظاهرين، إلى أن سيطرالجيش على الوضع ثم انسحب إلى ثكناته، بينما بوشر العمل على إهارة النظام القائم، بدءا بحل الحزب الذي رأسه  بن علي  وترتيب وضع انتقالي إلى حين إجراء انتخابات عامة.  وعلى الرغم من تراجع عمليات القتل بعد نحو اسبوع من رحيل بن علي، فقد تواصلت عمليات القتل في مختلف المدن والقرى التونسية.، بفعل ان الأجهزة الأمنية قد بقيت على حالها ، حيث يذكر على سبيل المثال أن الشرطة قتلت  شابين في مدينة الكاف في 25 /2/11 كانا ضمن تظاهرة تطالب باستقالة رئيس الشرطة المحلية. وقد جاء في تقريرصادر عن الأمم المتحدة في منتصف أيار 2011،  نقلا عن مصادر حكومية تونسية، أن عدد القتلى قد بلغ نحو 300 قتيل والجرحى نحو 700.  ويشير تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية أن قوات الأمن كانت تطلق الرصاص على المارة وعلى محتجين كانوا يلوذون بالفرار واستخدمت الذخيرة الحية ضد محتجين لم يشكلوا أي تهديد لحياة عناصر الأمن. كما تحدث التقرير عن الانتهاكات التي مورست على  المعتقلين ، وأشار إلى أن الرصاص كان يطلق على الكثيرين من الخلف.

أما في مصر، فبذريعة قانون الطوارئ، المفروض على الشعب المصري منذ العام 1967،  استقبلت الأجهزة الأمنية المصرية، وفي مقدمتها شرطة وزارة الداخلية، احتجاجات الشباب المصريين التي اندلعت في 25/1/11، بالرصاص. وفي 11/2/2011، يوم استقالة حسني مبارك  من رئاسة مصر، كان عدد القتلى من المحتجين الذين أرداهم رصاص وزارة الداخلية والقوات الخاصة ” المجهولة” في ساحة التحرير والساحات الأخرى في مصر،  قد بلغ 348 قتيلا حسب البيانات الرسمية، وأكثر من ألف قتيل  وفق تقديرات غير رسمية. وذلك على الرغم من سحب شرطة وزارة الداخلية ونزول الجيش إلى الشوارع  يوم 28/1/2011. ومع تواصل التظاهرات بعد رحيل مبارك من اجل استكمال تحقيق مطالب الثوار،  تواصلت عمليات قتل الثوار في ساحة التحرير في القاهرة وفي مختلف المدن  المصرية.

فعلى على العكس من تونس، التي استتب فيها نوع من الاستقرار بعد نحو أسبوع او اسبوعين من رحيل زين العابدين، تواصلت عمليات قتل الثوار في مصر، وذلك على الرغم من تسلم الجيش السلطة وتعيين المشير طنطاوي، وزير الدفاع في عهد مبارك ، رئيسا مؤقتا للجمهورية، على الرغم من ترحيب المحتجين بالجيش واعتباره حاميا لهم من وزارة الداخلية. فتواصل المظاهرات والاحتجاجات ، ظل يقابل بإطلاق الرصاص والقتل، بينما ظل الجيش ينكر أنه هو الذي يطلق الرصاص، ولا يتم القبض على أحد آخر إذا كان هناك من أحد  آخر يطلق الرصاص ويقتل غير الجيش أو وزارة الداخلية. ومن 11/2/11، وهو اليوم الذي قدم فيه حسني مبارك إستقالته،  ولغاية يوم  29/6/2011، الذي جرت فيه تظاهرات ضخمة ضد الحكم العسكري والتلكؤ في محاكمة مبارك وبقية رموز نظامه، قدر عدد القتلى بنحو 1036. وتواصلت التظاهرات ضد المجلس العسكري الحاكم، لعدم اتخاذه أي إجراء لتفكيك نظام مبارك. ففي23/7/11، جرح أكثر من 300 شخص في مظاهرات حاولت الاقتراب  من مقر المجلس العسكري. وفي 9/9/11، تم اقتراب المتظاهرين من السفارة الإسرائيلية ، فقتل ثلاثة متظاهرين وجرح أكثر من ألف متظاهر. وقد تكون أحداث ماسبيرو التي وقعت في 9/10/11، ثم احداث 19-25 /11/11 المعروفة باسم احداث شارع محمد محمود، ثم أحداث الملعب الرياضي في بورسعيد بتاريخ 1/2/2012 أبرز الأمثلة على ما شكل سمة الأيام التي تلت رحيل حسني مبارك.

فقد اندلعت في 9/10/11 تظاهرات  سلمية حاشدة أغلبها من الأقباط المسيحيين  المحتجين على هدم كنيسة لهم في أسوان ومعهم عدد كبير من المسلمين المتضامنين معهم. وكانت مثل هذه الأعمال وغيرها قد تكررت في مصر ضد المسيحيين الأقباط قبل الثورة وبعدها. وما إن تقدم المتظاهرون نحو المنطقة القريبة من بناية الإذاعة والتلفزيون ( ماسبيرو)، حتى انهال  عليهم الرصاص. ويقول الجيش والشرطة بأن أشخاصا مجهولين بادروا بإطلاق النار على الأقباط ، فنزل الجيش. غير أن صورا ما لبثت أن ظهرت على الفضائيات تظهر الدبابات العسكرية وهي تدهس المتظاهرين وجثث الذين سقطوا، بينما كان الإعلام المصري الرسمي يذيع بأن الأقباط يقتلون الجيش. قدر عدد القتلى في ذلك اليوم  بعدد يتراوح بين 24 و35 قتيلا معظمهم من الأقباط المسيحيين. وذكربعد ذلك أنه بعد تمكن الجيش من تطويق  ماسبيرو وتراجع المتظاهرين، ظهر مجهولون على دراجات نارية وأخذوا يضربون المتظاهرين بالجنازير، كما ورد ذكر مشاركة السلفيين في العمليات.

وفي19/11/11 اقتحمت قوات الأمن والجيش ميدان التحرير وقتلت 33 ناشطا وجرحت ألفا آخرين. وتواصلت التظاهرات في ميدان التحرير ومحيطه وشارع محمد محمود حتى يوم 25/11/11 وسط استمرار إطلاق النار على المتظاهرين ، حيث بلغ عدد القتلى خلال هذا الأسبوع 43 قتيلا من المتظاهرين ونحو أربعة آلاف جريح. وكانت معظم الأصابات في العيون والوجوه والرؤوس.  وفي الأول من  فبراير 2012 وقعت مجزرة كرة القدم في بورسعيد التي قتل فيها 74 لاعبا رياضيا  من المؤيدين للثورة وجرح المئات منهم في عملية بدت في الشكل الذي وصفته الصحافة المصرية بأنها عملية مدبرة بامتياز. هكذا استمر سقوط شباب الثورة مع استمرار إطلاق الرصاص على المتظاهرين بينما ظل الجيش ينكر إطلاقه الرصاص، وقيل بأن عدد  القتلى قد ارتفع مع نهاية العام 2011 إلى أكثر من2286 قتيل إضافة إلى الآلاف  من الجرحى. وقد قلت عمليات القتل بعد ذلك ، ليس بسبب توقف عمليات القتل والقنص، وإنما لأن الشباب قللوا من تظاهراتهم واحتجاجاتهم مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية التي ما لبثت أن جرت في كانون الأول 2011 وكانون الثاني 2012، وفاز فيها الأخوان المسلمون والمسلمون السلفيون على نحو كاسح، وذلك على حساب الشباب الذين قاموا بالثورة والقتلى الذين سقطوا من أجلها.

أما في اليمن، فلم يتورع علي عبد الله صالح، بعد كل ما ارتكب من عمليات قتل وسرقة ونهب وتعذيب على امتداد حكمه المديد،   أن يختم حكمه بمجازر  بشعة ضد شباب اليمن الذين قرروا ممارسة حقوقهم التي ينص عليها الدستور اليمني ذاته الذي وضعه صالح واعضاء حزبه كواجهة مزورة لعهده دون ان ينفذ منه شيئا.  وتميزت عمليات القتل التي مارستها قوات علي عبد الله صالح باستخدام مختلف الأساليب والأسلحة الثقيلة في التصدي للمحتجين المسالمين الذين لم يحملوا أية أسلحة.   وتشير الأرقام الرسمية لعدد القتلى من المحتجين اليمنيين، الذين  كان معظمهم من الثوار الشباب بنحو 1660 قتيل إلى جانب آلاف الجرحى، بينما تشير الأرقام غير الرسمية إلى أكثر من ألفي قتيل ونحو 22 ألف جريح، بينما يضع أخرون أرقاما أعلى، حيث قدرت بعض المصادر عدد القتلى بنحو 2460 ، مؤكدين وجود الكثير من المفقودين إضافة إلى  اختفاء العديد من الجثث التي لم يتم العثور عليها. وكمثال على ما اخذت تقوم به قوات وأجهزة صالح الأمنية ما حدث يوم “جمعة الكرامة”  في 18/3/11، إذ بينما كان المحتجون يصلون  في ساحة التغيير في صنعاء،  اندس بينهم عدد من المسلحين الذين قيل لاحقا بأنهم كانوا من بلطجية النظام ومن قوات الحرس الجمهوري الذين جاؤوا بملابس مدنية وأخذوا يشعلون الإطارات. وحين ارتفع الدخان، باشروا بإطلاق الرصاص على المصلين من خلف الدخان ومن أسطح المنازل المجاورة. قتل في هذه المجزرة 52 من المحتجين  وجرح نحو 617 . وقد وصف ماحدث بأنه أبشع مجزرة في تاريخ اليمن الحديث، ليس لعدد الضحايا فقط، وإنما كذلك  لبشاعة طريقة القتل ، حيث تأكد أن ما جرى لم يكن إطلاق نار عشوائي، وإنما عمليات قنص منظمة، حيث أصيب الجميع برصاص في الرأس أو الرقبة أو الصدر، مما يؤكد أن جميع الذين  قاموا بذلك كانوا قناصة مدربين مارسوا عملهم بهدف القتل. وقيل بأن أحمد علي عبدالله صالح، وهو ابن الرئيس صالح،  كان موجودا وأشرف على العملية من سطح أحد المنازل. وبعد ذلك  وصف صالح ما حصل بأنه شجار بين المحتجين وأهالي الحي. وتوالت عمليات القتل على مدى الأشهر اللاحقة.  ففي 18/ 9/ 11، قتل 18 شابا في هجوم على ساحة التغيير في صنعاء. وكان اليوم التالي، أي 19/9/11، أسوأ من سابقه، حيث هجمت قوات صالح على ساحة التغيير في مدينة تعز، فقتلت 27 محتجا وجرحت نحو 350، وذلك بعد ان رشت المحتجين بمياه المجاري. ولم تتوقف عمليات قتل الشباب اليمني إلا بعد التوقيع على قانون الحصانه الذي تضمن استقالة علي عبد الله صالح.

و تختلف قصة ليبيا عن قصص تونس ومصر واليمن وحتى البحرين، فقد بدأت  الانتفاضة على شكل تظاهرات احتجاجية سلمية لم تلبث بعد بضعة أيام أن لجأت إلى إحراق المقرات الآمنية ،  وذلك بفعل العنف الشديد الذي مارسه نظام القذافي على المتظاهرين، حيث يذكر أن عدد القتلى من المحتجين في بنغازي قد بلغ  بين يومي 15و 19/2/2011 نحو 300 قتيل ونحو ألف جريح. وعلى مدى الشهر الذي سبق صدور القرار الأممي 1973 وبدء القصف الأطلنطي على قوات القذافي، كان القتلى من الثوار،  كما يقال،  قد بلغوا بضعة  آلاف.  غير أن القصف الأطلنطي، منذ 19/3/11، ما لبث أن رفع وتيرة القتل على نحو دراماتيكي، وذلك من الجانبين: الأطلنطي والثوار الليبيين من جهة، ونظام القذافي من جهة اخرى. ففي معركة تحرير مصراتة مثلا، التي استغرقت نحو ثلاثة أشهر، قدر عدد القتلى بنحو سبعة آلاف قتيل، معظمهم بفعل القصف الأطلنطي اليومي على المدينة. ويمكن القياس على ذلك في معارك تحرير المدن الأخرى، وبخاصة أن الثوار قد تحولوا إلى مقاتلين لديهم مختلف الأسلحة. وتقدر مصادر الثوار عدد القتلى منذ بداية الأحداث وإلى ما بعد دخول طرابلس ومقتل القذافي في العشرين من تشرين الأول 2011، بنحو أربعين ألف قتيل، وذلك وفقا لتصريح السفير الليبي في الأمم المتحدة. غير أن هناك تقديرات غير رسمية لا ترضى بهذا الرقم،  وتورد ما يلي: 50 ألف قتيل، 50 ألف مفقود قد يكون معظمهم في عداد القتلى، و30 ألف جريح، وذلك في صفوف شعب لا يتجاوز عدد افراده  نحو  ستة ملايين نسمة.  وقد  يكون مشروعا أن يتم التساؤل: ألم يكن بمقدور الأطلنطي الذي لجأ إليه الثوار لأنقاذهم من جرائم القذافي، و بكل ترسانته من مختلف أصناف الأسلحة الجوية والأرضية،  أن يختصر عدد القتلى والمدة الزمنية التي استغرقتها العمليات العسكرية التي دمرت ليبيا أرضا وبشرا منذ 19/3/11، حين بدأ القصف البريطاني-الفرنسي ولغاية 31/10/2011 حين صدر قرار مجلس الأمن بإنهاء  العمليات الأطلنطية في ليبيا؟؟

وتشكل البحرين حالة لها بعض الشبه بالحالة الليبية. وذلك  من حيث طلب ملك البحرين، الملك حسن بن عيسى مساعدة قوات درع الجزيرة في السيطرة على حالة عدم الاستقرار الأمني الناجم عن اندلاع الاحتجاجات في 14/2/11. وقد اعتبر دخول هذه القوات إلى البحرين، التي بلغ عددها نحو الفي جندي،  بأنه عملية تدويل للأزمة البحرينية على النحو الذي حدث في ليبيا، وإنما بشكل مصغر. وقيل أيضا بأن هذه القوات قد جاءت لحماية المنشآت الاستراتيجية في البحرين. غير أن الأمور لم تسر بهدوء، على الرغم من أن الاحتجاجات كانت سلمية الطابع.  ففي مساء 17/2/ 11، هاجمت الشرطة دوار اللؤلؤة وهي تطلق الرصاص على المتظاهرين النائمين فيه . وفي الصباح، كانت الجثث ملقاة في الشوارع  والمستشفيات تمتلئ بالجرحى. وعلى مدى العام 2011، قتل أكثر من خمسين محتجا من البحرينيين غير المسلحين، إلى جانب مئات الجرحى والمعتقلين والمفقودين. ويبدو واضحا أن هذه الاحتجاجات البحرينية الشيعية سوف تتواصل ما لم ينفذ ملك البحرين تعهداته السابقة بإجراء إصلاحات جذرية تجعل من المواطنين الشيعة مواطنين كاملين. ويبدو واضحا أن هاجس الطائفية  الذي يتحكم في البحرين ، سيؤدي إلى حرمان البحرين من الاستقرار.وقد كتب الصحافي الأميريكي نيكولاس كريستوف، من البحرين في صحيفة النيويورك تايمز قائلا، ” لقد شاهدت جثث المحتجين الذين أطلق عليهم الرصاص، كما شاهدت فتاة صغيرة ضربت بالهراوة، وشاهدت عمال إسعاف يتم ضربهم بالهراوات لمجرد أنهم حاولوا إنقاذ الجرحى من المحتجين….”ويستطرد قائلا: ” لا يقتصر الأمر في البحرين على إطلاق الرصاص على المحتجين، وإنما تبدو البحرين أشبه ما تكون بدولة أبارتهايد….” . اما تقرير لجنة تقصي الحقائق التي كلفها الملك بإعداد تقرير عما حدث في البحرين منذ اندلاع الاحتجاجات الأخيرة في 14/2/2011، والمؤلفة من رجال قانون دوليين على رأسهم البروفيسور بسيوني الذي اشتهر التقرير باسمه، فقد قدم التقرير في 23/11/2011، وجاء فيه الكثير من المعلومات، أهمها انه اعترف بقتل نحو35 محتجا بحرينيا غير مسلح  على يد قوات الأمن البحرينية ، منهم من قتل بإطلاق الرصاص مباشرة عليهم ، ومنهم من قتل تحت التعذيب. كما نفى التقرير ماتم ترويجه من تدخل وتحريض إيراني لصالح المحتجين في الأحداث، كما لم يشر إلى دخول قوات درع الخليج إلى البحرين مع اندلاع الاحتجاجات. ويذكر أيضا  أن بعض الفقرات قد حذفت من التقرير بعد عرضه على الأدارة الأميريكية قبل تسليمه للملك ثم نشره.

أما في سورية، فقد اندلعت الانتفاضة في 15 او 18 أذار 2011، على شكل تظاهرات احتجاجية سلمية لم تستخدم أو تحمل السلاح. ولكن قوات الأمن السورية ردت في درعا  منذ 18/3 بإطلاق النار على المتظاهرين. وعلى النحو الذي حدث في تونس ومصر واليمن، تصاعدت اعداد القتلى من المحتجين المسالمين وتزايدت الاحتجاجات. غير أن الأمور ما لبثت أن ابتعدت عن المسار السلمي الذي اشتقه ثوار مصر وتونس واليمن والبحرين. ففي  أوائل حزيران، أعلن عن تشكيل “لواء الضباط الأحرار”، وبعد شهرين، تم الإعلان عن تشكيل “الجيش السوري الحر” . وقد أعلن هذان االتنظيمان المؤلفان من جنود وضباط انشقوا عن الجيش النظامي، عن تنفيذ عشرات العمليات ضد النظام السوري ، كما بوشر بعد اتحاد التنظيمين في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 بخوض اشتباكات مع الجيش النظامي. وكانت الأسوشييتد بريس قد صرحت في 11/5/11 بأنه تم  استعمال أسلحة أوتوماتيكية  وقنابل يدوية  ضد الجيش السوري في مدينة حمص. وإذا كان ذلك صحيحا ، فهو يعني أن المرحلة المسلحة قد بدأت في أيار /مايو وليس في حزيران. ومن المسلم به أن النظام السوري كان يتمنى أن يلجأ المحتجون إلى استخدام السلاح. ففي 9/2/2012، قدر عدد القتلى السوريين  بنحو 8079 قتيلا ، ولا يعرف ما إذا كان هذا الرقم يتضمن قتلى الجانبين. وقال أحد الصحفيين المراقبين للوضع السوري بأن عدد القتلى من المحتجين السوريين السلميين قبل تشكيل الجيش السوري الحر كان يتراوح بين 10 و20 قتيلا في اليوم الواحد، ، أما بعد تشكيل هذا الجيش فقد أصبح العدد يتراوح بين 20 و30 قتيلا في اليوم الواحد، أي بين 600 و ألف قتيل في الشهر الواحد.

 

 

خامسا- حكام أمام القضاء…!!!

 

محاكمة زين الدين بن علي

إنطلاقا من حق الاحتجاج السلمي للشعوب، كان زين الدين بن علي  هو المسؤول عن إصدار أوامر بإطلاق الرصاص على المتظاهرين وقتلهم ، حيث لا يمكن لأي شخص أخر تحمل مثل هذه المسؤولية مالم يكن قد حصل على تفويض من الرئيس.  ويؤكد محمد الغنوشي، أول رئيس وزراء في تونس بعد فرار بن علي واستقالته، في شهادته أمام المحكمة التونسية التي بدأت بمحاكمة بن علي في شأن إطلاق الرصاص على المحتجين غيابيا،  بعد أن رفضت السعودية تسليمة إلى تونس بعد لجوئه إليها،، بأنه  اتصل ببن علي يوم التاسع من يناير 2011  طالبا منه أن يصدر أمرا بوقف إطلاق النار على المتظاهرين. ولكن بن علي  رفض وادعى بأن ما يحدث  هو ” دفاع شرعي ضد الهجمات على مراكز الشرطة”، وهي تهمة لم تتأكد أو قد تكون حدثت على نحو عابر واستغلها زين العابدين لكي يبرر قتله المتعمد للمحتجين. دشنت تونس عملية خلع الرئيس وتقديمه للقضاء بتهمة إصدار الأمر للشرطة بإطلاق الرصاص على المتظاهرين وقتلهم. وفي حزيران 2011، بدأت في تونس سلسلة محاكمات غيابية لبن علي وزوجته وأقاربه وأعوانه بعد أن كان القضاء قد حدد نحو 93 تهمة ضد بن علي. واعتمدت تونس نهج توزيع المحاكمات على أماكن متعددة في تونس وفقا للأمكنة التي قتل فيها الشباب المحتجون. كما أحالت القضايا السياسية والأمنية إلى محاكم عسكرية. وقد أدانت بعض المحاكم زين العابدين، في أيار 2011  بالـتآمرعلى الأمن الداخلي والتحريض على الفوضى والقتل والنهب وتعاطي وتهريب المخدرات. وفي 20 /6/11 صدر حكمان على بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي  بالسجن 35 عاما لكل منهما بعد إدانتهما بنهب أموال. كما صدر في 3/7/11 حكم أخر على بن علي  بالسجن  لمدة 15 عاما بعد إدانته بحيازة أسلحة ومخدرات وتحف آثارية بهدف الاتجار فيها .  وفي  22/12/2011، بدأت في محكمة عسكرية محاكمة بن علي بالإضافة إلى نحو 40 مسؤولا، في شأن إصدار الأمر بقتل المحتجين وعقدت في المناطق التي جرت فيها عمليات القتل. ويواجه بن علي في حالة إدانته بتهمة إصدار الأمر بقتل المتظاهرين عقوبة الإعدام، إضافة إلى عقوبات أخرى حول الجرائم الأخرى، ولو غيابيا. كما بدأت محاكمات عدد من وزرائه وأفراد الشرطة المتورطين بالقتل، حيث قال أحد كبار القضاة التونسيين بأن أعوان الأمن الذين “نفذوا أوامر غير شرعية بقصد القتل كان بالإمكان رفضها، مسؤولون أيضا عما قاموا به”.  ولا تزال المحاكمات جارية حتى كتابة هذه السطور. وفي حال قيام بن علي بتسليم نفسه للسلطات التونسية، فستلغى كل الأحكام الصادرة بحقة حتى ذلك الحين، وتبدأ المحاكم بمحاكمته مجددا بحضوره.

محاكمة حسني مبارك

إذا كانت تونس قد بدأت بمحاكمة زين العابدين بن علي في حزيران 2011، فقد تأخر تقديم مبارك للمحاكمة  وظل موضع تساؤلات إلى أن تم تحديد موعد أول جلسة في 3/8/2011 . وقد تم عقد المحاكمة في محكمة مدنية وليست عسكرية على عكس ما تم في تونس، ووجهت لحسني مبارك تهم في مقدمتها الأمر بإطلاق النار على المتظاهرين وقتل ما لايقل عن 2300 من الشباب المحتجين وجرح اكثر من سبعة آلاف، وأنكر ذلك. كما خضعت المحاكمة وجلساتها للتأجيل المتكرر الذي بلغ نحو مئة يوم حتى الآن. وقد تمت محاكمة مبارك ونجليه ووزير داخليته وآخرين في جلسات واحدة وحول قضيتين رئيستين هما إصدار الأمر بقتل المتظاهرين، والتصرف بالمال العام. وبعد أن بدأت الجلسات علنية ، تم لاحقا إغلاق الجلسات، وأصبحت سرية. وفي 15/1/12 طالب الدعي العام بإعدام مبارك لإدانته بالأمر بقتل المتظاهرين وعدم اتخاذ أي إجراء لمنع قتل المتظاهرين. وقال المدعي العام  بأن مبارك هو المسؤول سياسيا وقانونيا عن قتل المتظاهرين. وعلى النحو الذي تسرب للصحافة المصرية  عن الجلسات السرية التي عقدت في سبتمبر/ايلول لسماع شهادات  بعض المقربين من مبارك، فقد ذكر  أن نائب رئيس الجمهورية عمر سليمان قال في إفادته يوم 13/9/ 2011  أن مبارك “كان على علم بكل التفاصيل، وهو الذي كلف القوات المسلحة والمخابرات العامة بمتابعة المظاهرات، وكان يتلقى التقارير كل ساعة من حبيب العادلي ( وزير الداخلية)”. وقيل بأنه قال: “كان مبارك  على علم بكل رصاصة أطلقت على المتظاهرين وبعدد الشهداء والمصابين وعمليات الدهس بالسيارات” وبأنه لم يأمر بفض حدة ممارسات الشرطة. غير أن محامي الدفاع عن مبارك ادعى بأن  المشير طنطاوي كان قد نفذ إنقلابا سريا ضد مبارك في 28/1/2011 وجرده من كل سلطاته وأن المسؤول عن قتل المتظاهرين هو الطنطاوي.

وقد أعلن مؤخرا أن النطق بالحكم على حسني مبارك بتهمة إصدار الأمر بقتل المتظاهرين وعلى نجليه جمال وعلاء ووزير الداخلية حبيب العادلي وستة من كبار معاونيه سيتم  في 2/6/2012. ويؤكد العديد من المراقبين على صعوبة التكهن بالحكم الذي سيصدر على حسني مبارك، وبخاصة أن هناك ضغوطا سعودية شديدة من أجل عدم إدانة مبارك ومعاملته على النحو الذي حلت فيه مشكلة علي عبد الله صالح بقانون “حصانة.” كما تدور شائعات كثيرة حول صفقات يجري تدارسها وعروض من ” شلة” مبارك للكشف عن الأموال المهربة مقابل إطلاق سراح الجميع.  ويبدو كل ذلك مخيفا ومريعا إلى حد يهدد بانزلاق مصر إلى هاوية مرعبة.

وتدور في المحكم الأخرى في مصر أمور مثيرة للريبة منها على سبيل المثال محاكمة شرطي هارب يدعى محمد عبد المنعم السني بتهمة قتل عشرين متظاهرا  وجرح 15 شخصا آخرين. وتحدث شهود أن هذا الشرطي قد ارتكب مجزرة رهيبة في حي الزاوية في القاهرة حيث ظل يطلق الرصاص لخمس ساعات متواصلة  على المتظاهرين دون ان يوقفه أحد.  وبعد صدور الحكم عليه بالإعدام وتسليم أوراقه لمفتي الجمهورية، ورد في 15/1/2012  أنه سلم نفسه وأن كل ما سبق قد تم إلغاؤه و سوف يحاكم مرة ثانية بحضوره.  وهذا ما تم ، حيث أعيدت محاكمته وصدر قرار في 7/12/2012  بتبرئته على أساس انه كان يدافع عن نفسه.

كما أوردت إحدى الصحف المصرية في 22/11/2011  انه على الرغم من مرور أكثر من عشرة أشهر على وقائع قتل المتظاهرين، لم تصدر المحاكم المصرية أية أحكام بحق المتهمين، بينما الضباط المتهمون بتلك القضايا يتمتعون بالحرية الكاملة بعد إطلاق سراح معظمهم، وأنهم لا يزالون يعملون في وزارة الداخلية ويقومون بتهديد الجرحى وأهالي الشهداء.

 

علي عبدالله صالح وقانون الحصانة

اختلفت حالة اليمن عن حالتي مصر وتونس في أن الثورة اليمنية لم تتمكن من إجبار علي عبد الله صالح على الاستقالة قبل انتهاء ولايته في العام 2013، وذلك بفعل تلك الشبكة الواسعة من الجيش والأقارب والأبناء وأعضاء حزب المؤتمر والمنتفعين الآخرين من سرقة أموال الشعب، بالإضافة إلى الدعم الأميريكي لعبد الله صالح بحجة أنه الوحيد القادر على منع انتشار نفوذ القاعدة في اليمن، وإلى عدم توحد اليمنيين حول أهداف الثورةهذا بالإضافة إلى تخوف الدول المجاورة لليمن من ثيام نظام تقدمي في اليمن. هكذا تصدت السعودية، بالتنسيق مع الإدارة الأميريكية  لصياغة اتفاق توفيقي يقنع علي عبد الله صالح بالتخلي عن رئاسة اليمن مقابل منحة حصانة قانونية من المحاكمة على ما اقترف من جرائم وما نهب من أموال، بحجة منع انحدار اليمن إلى حرب أهلية طاحنة. وقد شمل المشروع في البداية  منح الحصانة لجميع أبنائه واعوانه وشركائه في كل الجرائم التي ارتكبوها. وعلى الرغم من المعارضة الشديدة لشباب الثورة وإصرارهم على تقديم صالح للقضاء ، قام صالح بالتوقيع على المبادرة السعودية في نوفمبر /تشرين الثاني  2011.  وفي  8/1/2012 أقرت الحكومة القانون ، وفي 19/1/2012  أجرى البرلمان تعديلا على المشروع بأن جعل الحصانة الكاملة لا تشمل أبناءه ومساعديه. وفي 21/1/2012 صادق البرلمان على مشروع القاننون المعدل وتم انتخاب رئيس مؤقت هو عبد ربه منصورهادي، الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس في عهد علي عبدالله صالح، لمدة عامين.

غير أن المحتجين ما زالوا يرفضون ما جرى، ويطالبون بتقديم علي عبد الله  صالح للقضاء. كما إن النظام الذي اقامه صالح على مدى سنوات حكمه الديكتاتوري الطويل لايزال قائما ، فحزب المؤتر الذي هو حزب صالح، لايزال على حاله ويشكل أعضاؤه اغلب نواب البرلمان الحالي. وعلى الرغم من تسمية عبد ربة رئيسا له بدلا من صالح، فقد تمت تسمية صالح رئيسا فخريا له. ولايزال الجيش وقوات والشرطة والأجهزة الأمنية  كلها في أيدي أبناء وأعوان صالح، كما لا تزال الخلافات  والصراعات بين مختلف التكتلات  على ما هي عليه.

ولعل ما يخيف من إقرار قانون الحصانة، هو أن ينسحب هذا القانون على بقية الاحتجاجات والثورات في المنطقة، حيث هناك من يطالب الآن بصياغة قانون حصانة مماثل  في مصر لتخليص حسني مبارك من النتائج المحتملة  لمحاكمته. كما يجري الحديث عن تطبيق ذات الحيلة على الرئيس السوري بشار الأسد ، كوسيلة لأقناعه بمغادرة منصبه. ولكن الأسد يرفض ذلك ، مفضلا البقاء إلى حين القضاء على المعارضة السورية. وإذا ما تم مثل هذا التعميم في المنطقة، فسوف يعني القضاء على الإنجاز الحقيقي الوحيد الذي انجزته الثورات العربية المسماة بالربيع العربي حتى الآن.

 

 

ملاحظات ختامية:

  • لقد اختصت هذه المقالة الدراسية بمفهوم الاحتجاج في الثقافة السياسية المعاصرة، باعتباره مفهوما يندرج ضمن حقوق الانسان والحكم الديمقراطي في الدول التي تتبنى النظام الديمقراطي الجمهوري في النظام الدولي لعالمنا المعاصر. واثبتت المقالة أن الدول العربية التي انطلقت فيها الاحتجاجات الجماهيرية منذ بداية العام 2011، هي دول تنص دساتيرها على أنها جمهوريات ديمقراطية وأن السيادة فيها للشعب. غير أن الانظمة السياسية في هذه الدول العربية لم تطبق ماهو موجود في دساتيرها، ولم تتعامل مع مبدأ الاحتجاج باعتباره حقا من حقوق الشعوب في الدول التي تتبنى الديمقراطية والنظم الجمهورية وتنص دساتيرها على سيادة الشعوب. ولذلك بادر حكامها إلى الأمر  بإطلاق الرصاص وقتل المحتجين. ونظرا لأن هذا يشكل انتهاكا جسيما لحقوق الانسان وجريمة ضد الانسانية وفقا للقانون الدولي، فقد تم تقديم الرئيس المصري السابق إلى القضاء الذي من المفترض أن يحكم عليه بالإعدام إذا ما ثبت انه أصدر الأمر بإطلاق الرصاص على المحتجين.  كما قررت تونس  تقديم الرئيس السابق زين العابدين بن علي للقضاء وباشرت بمحاكمته غيابيا بعد أن رفضت السعودية تسليمه إلى دولته بعد أن كان قد لجأ إليها.  كما إن السعودية قامت بعقد اتفاق مع الرئيس السابق لليمن، علي عبدالله صالح، ينص على تنازله عن بقية ولايته التي تنتهي في العام 2013 وتقديم استقالته مقابل منحه حصانة قانونية من البرلمان اليمني تحول دون تقديمه للقضاء على جريمة الأمر بقتل المحتجين وجميع الجرائم التي ارتكبها خلال حكمه لليمن والأموال التي نهبها من ثروات الشعب اليمني. ويشكل هذا الاتفاق الذي صادق عليه البرلمان اليمني انتهاكا صارخا للقانون الدولي الذي لا  يسمح بأيه حصانة على جرائم ترتكب بحق الانسانية وجرائم الحرب وغير ذلك من منظومة الانتهاكات التي تعتبر جرائم. غير أن أخطر ما يمثله الاتفاق الخاص بعلي عبد الله صالح، وكذلك عدم تسليم زين العابدين لدولته لمحاكمته، هو أنهما يهددان بالقضاء على أهم إنجاز حققته الثورات العربية، وهو المتمثل في تثبيت مبدأ  مثول الحكام العرب أمام القضاء لدى اتهامهم بارتكاب جرائم جسيمة في مقدمتها إصدار الأوامر بقتل المحتجين من أبناء شعوبهم.

 

انتهى

10/4/2012