تجربة جنوب إفريقيا

الصفحة

 

سلافه حجاوي

صدرت هذه الدراسة عن مركز التخطيط الفلسطيني على شكل كتيب بتاريخ يناير-1999/ غزة

تقديـم

في 27/4/1998 ، ذلك اليوم الذي أصبح يعرف بعيد الحرية ، جرت في  جمهورية جنوب أفريقيا أول انتخابات عامة غير قائمة على الفصل العنصري بين السود والبيض ، وأسفرت عن فوز المؤتمر الوطني الأفريقي بزعامة نيلسون مانديلا ، حيث تم في العام ذاته تنصيب مانديلا رئيساً للجمهورية ، كما تسلم  دوكليرك ،رئيس الحزب الوطني (الأبيض) الحاكم حتى الانتخابات،  والرئيس السابق لدولة الفصل العنصري (الأبارتهايد) ، منصب نائب للرئيس .

وتشكل عملية تحرر جمهورية جنوب أفريقيا من نظام الفصل العنصري، والتحول السلمي نحو الديمقراطية ، إحدى اكبر ملاحم التحرر في العصر الحديث ، ذلك أنه وبعد اكثر من ثلاثة قرون من الاستعمار الاستيطاني الأبيض ، وكل ما رافق ذلك  من عمليات اضطهاد وإبادة للسكان السود الأصليين  ، وبعد اكثر من خمسين عاماً من تبلور الوعي الوطني الأسود ومقاومته لعملية الفصل العنصري التي تحولت خلال العقود الى نظام سيلسي متكامل، تكلل النضال الأسود بالنصر ، سلمياً ، ومن خلال عملية تفاوضية استناداً الى مبدأ الديمقراطية ، حيث لعبت عوامل عديدة ، محلية وإقليمية ودولية ، أدواراً مختلفة في الدفع باتجاه الوصول الى هذه النتيجة .

إن القارئ الفلسطيني لهذه الإطلالة على تجربة جنوب أفريقيا ، سوف يلحظ دون عناء مدى تشابه هذه التجربة التي تكللت بالنصر ، مع التجربة الفلسطينية التي ما زالت تشق طريقها نحو ذلك . كما سيلاحظ وجود عدد من التباينات التي من شأنها إلقاء الضوء على المسارات المختلفة لحركات التحرير الوطني . وقد يكون السؤال الكبير الذي تطرحه هذه المطالعة ، هو ما اذا كان القرن الحادي والعشرين سوف يشهد انتهاء الصراعات الأثنية – العنصرية، وانتصار الديمقراطية ، أم العكس . إن المستقبل ملئ بالمخاوف والآمال .

 

 

I – إطلالة تاريخية

1 – بدايات الاستعمار الاستيطاني

قبل بداية الاستعمار الاستيطاني الأبيض في القرن السابع عشر ، كان ما يعرف اليوم بجمهورية جنوب أفريقيا ، التي تبلغ مساحتها الحالية نحو مليون و222 ألف كم2 ، أي نحو 9% من مساحة القارة الأفريقية ، أرضاً شاسعة مفتوحة الحدود ، يتوزعها سكانها الأصليون المؤلفون من عدد كبير من القبائل المتفرعة في معظمها من قبيلة أمّ ، هي قبيلة البانتو ، ويعيشون على الزراعة والرعي في المناطق الساحلية والوسطى الخصبة . وكان لهذه القبائل نظمها السياسية التقليدية وتقاليدها العريقة ولبعضها  ” ممالك ” وزعماء قبائل أشداء .

وفي منتصف القرن السابع عشر ، بدأ تاريخ جديد لهذه المنطقة ، وذلك حين حلت شركة شرق الهند الهولندية عام 1652 في رأس الرجاء الصالح – الكيب – لتقيم  محطة لسفنها المتجهة نحو الهند ، حيث ما لبث أن تبعها عدد من الهولنديين الذين راقتهم خصوبة الأرض ووفرة المواشي ، فاستوطنوا في الكيب وحولوها إلى مستعمرة لهم . ولم تكن عملية الاستيطان الأبيض منذ ذلك الوقت المبكر سهلة بالنسبة للمستوطنين ، حيث ما لبث السكان الأصليين في الكيب أن بدأوا بشن غاراتهم عليهم، وبخاصة بعد أن بدأ المستوطنون يستولون على مواشيهم وثم على أراضيهم قطعة فقطعة . وقد تمكنت قبائل الخويسان المذكورة من صد تقدم المستوطنين لمدة تربو على ثلاثة عقود ، غير أنهم ما لبثوا أن انهاروا أمام المستوطنين بفعل الأوبئة التي انتشرت بينهم واضطرار بعضهم إلى الهجرة نحو الشمال ، حيث واصلوا شن هجماتهم من مواقعهم الجديدة في وسط البلاد ،واسهموا في الحروب التي ما لبثت أن اندلعت بين المستوطنين وقبائل الهوسا ، تلك الحروب التي عرفت باسم حرب الكفير أو حرب المائة عام ، والتي امتدت من أواخر القرن السابع عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر حين انهارت مقاومة قبائل الهوسا بعد قدوم الاستعمار البريطاني ، الذي قمعتهم جيوشه بالأسلحة النارية والجيش المنظم . وقد أفسح ذلك المجال إلى توسع مستعمرة الكيب شرقاً لكي تضم أراضي هذه القبائل ، والمعروفة باسم مناطق    ترانسكاي  والناتـال .

لقد كان التواجد البريطاني في مستعمرة الكيب رمزياً في أوائل القرن التاسع عشر . ولكنه ما لبث أن أدى إلى حدوث تطورين جديدين ، أولهما بداية تمدد المستوطنين الهولنديين – الذين اصبحوا يعرفون باسم البويرز ، أي المزارعين ، ثم الأفريكانز تمييزاً لهم عن الأفريقيين الأصليين ، إلى الشمال من مستعمرة الكيب، وثانيهما تدفق مستوطنين بريطانيين إلى المنطقة .

فخلال القرن التاسع عشر ، تمكن البوير من إقامة عدد من الدويلات في المنطقة الوسطي من البلاد، المعروفة باسم الترانسفال والاورانج ، وذلك على الرغم من المقاومة المتواصلة للسكان الأصليين . ففي منطقة الأورانج ، تم القضاء على جيوب مقاومة قبائل الخويسان الذين كانوا قد تمركزوا فيها بعد اندحارهم في منطقة الكيب ، وفي منطقة الترنسفال تم الاستيلاء على أراضى ومواشي قبائل المانديبلي و إخضاعهم أو تشتيتهم . ولم تضعف مقاومة السكان الأصليين إلا بعد تقدم البريطانيين إلى الوسط واستخدام الأسلحة النارية . وفي عام 1864 قام البوير بدمج هذه الدويلات في دولة واحدة تحت اسم جمهورية جنوب أفريقيا . غير أن بريطانيا ،التي كانت قد استولت رسمياً على مستعمرة الكيب  ما لبثت أن تقدمت شمالاً واستولت في عام 1877 على تلك الدولة وحولتها إلى مستعمرة من مستعمرات التاج البريطاني .

وقد أدت تلك التطورات في أواخر القرن التاسع عشر إلى اندلاع حرب جديدة بين بريطانيا والمستوطنين الهولنديين عرفت باسم حرب البوير والتي امتدت من عام 1899 حتى عام 1902 استسلم في نهايتها البوير وعادت دولهم إلى مستعمرات التاج البريطاني . وكان السبب المباشر لتقدم بريطانيا شمالاً نحو مستوطنات البوير هو ادعاء بريطانيا بأن البوير قد حرموا المستوطنين الإنجليز من الحقوق السياسية في أراضى مستعمرتيهم : الترنسفال والأورانج. غير أن السبب الحقيقي وراء الاندفاعة البريطانية وتزايد حدة التنافس بينهما كان اكتشاف الذهب في منطقة الترنسفال وذلك في الوقت الذي كان النظام النقدي العالمي – أي البريطاني في ذلك الحين – يعتمد على الذهب .

ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، كانت قد بدأت عملية اكتشاف المعادن في منطقة الترنسفال التي تقع وسط البلاد . كان اكتشاف الماس أولاً بالصدفة في عام 1889 ، حيث عثر عليه بعض الأولاد الذين كانوا يلعبون على ضفاف نهر الأورانج . ثم تم اكتشاف الذهب وتلته سلسلة اكتشافات لمعادن ثمينة عديدة منها البلاتين والنحاس والرصاص والفحم والحديد والكروم وغيره . وقد أدت تلك الاكتشافات إلى أحداث نقلة كبيرة في مصير المستوطنين البيض . فبعد أن كانت جنوب أفريقيا بشكل عام بلاداً فقيرة نسبياً يعتمد الأفريقيون فيها على زراعة الكفاف ، والمستوطنون على تصدير اللحوم والصوف  بدرجة رئيسة ، انفتحت آفاق الثراء واسعة أمام المستوطنين من إنجليز وهولنديين . وأدى ذلك الى تراجع أوضاع السكان الأصليين السود ، البعيدين عن المشاركة في ثمار هذه الثروات الجديدة ، والى تنامي مؤسسات البيض من جهة ثانية .

لقد شهد القرن التاسع عشر في جنوب أفريقيا تطورات واحداث كبيرة شملت كل الأطراف .فألي جانب الحروب بين المستوطنين والسكان الأصليين كانت الحروب التي شنتها قبائل الزولو ضد القبائل الأفريقية الأخرى والتي عرفت بعملية “الميكيفين”، اي الصاعقة ، مصيبة كبيرة ألحقت بالعديد من القبائل الدمار والهلاك ، حيث عمدت قبائل الزولو نتيجة الضغط السكاني وتأكل التربة والى الحاجة الى المراعي في مناطقها إلى الاندفاع نحو القبائل الأخرى، وانما بعيداً عن مستوطنات البيض . وكان الهدف هو إقامة مملكة مركزية عسكرية للزولو . من جهة ثانية ، فإن اكتشاف الثروات المعدنية الهائلة وحرب البوير ، قد أديا إلى تقارب المصالح البريطانية مع مصالح المستوطنين الهولنديين ،على نحو ما لبث أن أدى مع أوائل القرن العشرين الى تعزيز مكانة المستوطنين من هولنديين وإنجليز ،وإلى مأسسة الوجود الأبيض وتقوية أسس الدولة كدولة للبيض .

2- التطورات على الجبهة البيضاء :

بعد حرب البوير ،منحت بريطانيا دويلات البيض حكماً ذاتياً ، وذلك وفقاً للفلسفة البريطانية للاستعمار والتي أخذت بالتبلور في أواخر القرن التاسع عشر، والمتمثلة في تجنب الحكم المباشر للمستعمرات وتهيئة مستعمراتها للتدرج نحو الاستقلال لكي تظل الدول الجديدة مرتبطة بمصالحها وكمناطق نفوذ لها .

هكذا تم في عام 1909 إصدار تشريع جنوب أفريقيا “وهو تشريع يعترف بوحدة كل المستعمرات البيضاء في جنوب أفريقيا : الكيب والترنسفال واورانج والناتال ، واصبح يعرف باسم ” اتحاد جنوب افريقيا” ، كما نص على اقامة برلمان واحد يمنح وضعاً متساوياً للبيض من البوير والإنجليز ،وهو برلمان يقتصر على البيض ، وتم وضع دستور للأتحاد . وفي 1910 ، تم تدشين الاتحاد الذي تقرر أن يرأسه رئيسان بالتناوب هما بوتا وايان سمتس ، اللذان يعتبرهما البيض المؤسسان الوطنيان للدولة والأول منهما من أصول هولندية والثاني إنجليزي . وكانت أراضى هذه الاتحاد هي حدود دولة جنوب أفريقيا التي كانت حتى ذلك الحين تضم نحو 1.250.000 من البيض ، ونحو 4.250.000 من الأفارقة السود المحرومين من أية حقوق ، إضافة الى نحو 160 الفاً من الهنود وشرق الأسيويين المسلمين ، الذين كانوا قد تدققوا منذ عام 1860 للعمل في جنوب أفريقيا ، وكذلك نحو 500 ألف من الملونين المنحدرين  من علاقات جنسية مختلفة بين البيض والسود والعمال الأجانب .

ومنذ ذلك الحين اكتسبت جنوب أفريقيا وضع الدولة على الصعيد العالمي وتم الاعتراف بها من قبل عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى ، ولم تشملها التصنيفات التي وردت في ميثاق عصبة الأمم بشأن مدى رقي الشعوب ودرجة أهليتها للاستقلال ، بل منحت حق الانتداب على منطقة جنوب غرب أفريقيا المعروفة حالياً باسم ناميبيا .

 

3 – سياسات الفصل العنصري   :

مع اكتمال تلك التطورات على الجبهة البيضاء ، كان وضع الأفارقة السود قد وصل ألى اسوأ مرحلة من تاريخهم . فالمعركة المديدة حول الأراضي والمياه قد كسبها البيض . وكانت عملية تجريد السود من أراضيهم وممتلكاتهم قد استمرت دون هواده على امتداد القرنين الثامن عشر والتاسع عشر – كما كان قد بوشر بإلغائهم عملياً منذ أواسط القرن التاسع عشر حين عمدت بريطانيا بصفتها القوة الاستعمارية المسيطرة على جنوب أفريقيا بين عامي 1846 و 1864 الى إقامة ثماني مناطق لا يحق للسود الإقامة خارجها.  وحين تمت إقامة الاتحاد ،كان نحو 40% من السود يقيمون في هذه المعازل ، بينما كان نحو 40% يقيمون في مزارع البيض إما كعبيد أو أجراء ،بينما كانت هناك قلة متفرقة في مناطق متناثرة تنتج المحاصيل للتصدير والتي ما لبتث أن تقلصت بفعل الضغوط السكانية .كما كانت على امتداد القرن التاسع عشر قد صدرت  العديد من القوانين التي تحدد وضع السود في مرتبة دنيا وتنظم العلاقة بين السود والبيض على أساس سيد – مسود .وعلى رأس هذه القوانين العنصرية ،قانون بطاقة المرور ،الذي يحظر على أي أسود المرور في اية مناطق خارج نطاق المعازل المخصصة لهم بدون بطاقة موقعة من المسؤولين عن مكان إقامته من جهة ومن سيده في مكان عمله من جهة اخرى .

وقد بقيت هذه القوانين والأجراءات سارية بعد أقامة الدولة الاتحادية ، بل تم تعزيزها وتطويرها على نحو اكثر تشددا . ففي عام 1913 صدر قانون يحدد مساحة المعازل المخصصة للسود بنسبة 7% من مساحة كل البلاد ، في وقت كان فيه السود يشكلون أربعة إضعاف البيض . وقد رفعت هذه المساحة الى نسبة 13% في عام 1936 ، دون أن يخفف ذلك شيئاً من معاناة السود واكتظاظ أماكنهم وشح الأراضي واندثار الزراعة ، الأمر الذي اضطرهم للعمل في أراضيهم التي أصبحت ملكاً للبيض وبأجور زهيدة لا تسد رمقهم وذلك في وقت كان فيه الوضع الاقتصادي للبيض يزداد ازدهاراً يوماً بعد يوم بفعل ذلك التحول الكبير الذي بدأت تشهده البلاد من الزراعة الى الصناعات التعدينية والتكميلية التصديرية ، إضافة الى تدفق الاستثمارات البريطانية والأمريكية .

ومع ذلك ، فقد توالى صدور القوانين التميزية على مدى السنوات اللاحقة من القرن العشرين ، منها القانون الذي يحظر اشتراك السود في الأحزاب البيضاء أو تشكيل احزاب مختلطة ، وقانون منع السود من حق تشكيل نقابات عمالية أو القيام باضرابات ، وقانون منع السود من تسلم أية وظائف عالية أو ممارسة عمل ماهر ، الى غير ذلك من القوانين التي لا تحصى ، كما ظل التمثيل البرلماني حكراً على البيض .

ولعل أبرز التطورات في سياسات الفصل العنصري التي مارستها دولة البيض في الخمسينات والستينات من القرن العشرين ،هي سياسية “البانتوستان”،  أي مواطن قبائل البانتو ،  التي ترمي الى تحويل معازل السود المقامة منذ القرن الماضي ، الى نظام قانوني يؤدي بتلك البانتوستانات من الحكم الذاتي الى شبه الاستقلال . وقد سعت حكومة الاتحاد البيضاء ابتكار هذا النظام في محاولة منها لمواجهة المعارضة الدولية المتنامية لسياساتها العنصرية ، وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية ، تلك الفترة التي شهدت بداية انهاء الاستعمار وتشكيل الأمم المتحدة ووضع مواثيق حقوق الانسان وبدء عملية استقلال الكثير من المستعمرات الأفريقية. بل إن الكومونوليث البريطاني، وبفعل الضغوط التي مارستها الدول الأعضاء ، فقد أخذ يمارس الضغوط الأمر الذي اضطر دولة اتحاد جنوب أفريقيا في عام 1961 الى الانسحاب من الكومونوليث واعلان تحويل الأتحاد الى جمهورية مستقلة .

هكذا اندفعت الحكومة البيضاء منذ أوائل الستينات الى تنفيذ سياسية الباتتوستان، فنصبت في 1971 الزعيم التقليدي لقبائل الزولو ، يوثيليزي حاكماً اقليميا لمنطقة الزولو ، وبدأ عدد من الزعماء القبليين التقليديين ، الذين ارتبطت مصالحهم بمصالح النظام ، يجوبون الدول الغربية لأقناعها بدعم هذه السياسات.

لقد كان من شأن نجاح سياسة البانتوستان وتحول المعازل القديمة الى دول، أي يودي الى معاناة السود على نحو اكثر من معاناتهم السابقة ، وبخاصة أن البانتوستانات تشكل مناطق معزولة عن بعضها البعض ، أي لا يمكن لها أن تتواصل اقليمياً ، كما انها لا تملك أية مقومات اقتصادية يمكن ان تستوعب السكان السود وتقودهم الى التنمية والتطور ، بفعل أن معظم المناطق التي تضم ثروات البلاد الزراعية والمعدنية والمائية والتي تبلغ نحو 85% من مساحة البلاد هي في حوزة الدولة البيضاء .

4- التنظيمات السياسية للبيض والسود :

أ- تنظيمات البيض :

بدأ تشكيل الأحزاب في صفوف الأقلية البيضاء فور قيام الدولة الأتحادية في عام 1910 . وكان أول حزب تشكل هو ” حزب جنوب افريقيا” الذي دعا الى القضاء على الانقسامات داخل صفوف البيض والعدوات الكامنة بين الافريكانز ذوي الأصول الهولندية ،والمستوطنين الإنجليز . وقد تزعم هذا الحزب الشخصيتان المرموقتان بوتا وسمتس ، وهو حزب مثل كبار الزراع والرأسماليين الذين كان هدفهم تعزيز المصالح الاقتصادية وتشجيع الاستثمار في الدولة .

غير أن هذا الحزب ما لبث أن انقسم على نفسه بفعل العداء المستحكم بين المجموعتين الأفريكانية الهولندية والإنجليزية وتضارب المصالح بينهما . فقد كان الافريكانز ينظرون الى الإنجليز بأنهم مزاحمون لهم ويعتبرونهم “مستوطنين” ، في حين أصبحوا ينظرون الى أنفسهم بأنهم سكان البلاد “الأصليين”. هذا بالإضافة الى أن الإنجليز كانوا قد اصبحوا يشكلون طبقة كبار الملاك الزراعيين والصناعيين الرأسماليين ، فيما تحول الأفريكانز الى طبقة وسطى وطبعة عاملة . هكذا شكل الأفركانز في عام 1924 حزباً خاصاً بهم ، هو الحزب الوطني ، بينما شكل الإنجليز بزعامة سمتس حزباً خاصاً بهم باُسم حزب العمل ، وعلى غرار حزب العمال البريطاني .

ومنذ ذلك الحين وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية جرت عدة محاولات لاُلتئام الطرفين ، وهي محاولات ما لبثت أن تداعت  مع انتهاء الحرب ، حيث تمكن الحزب الوطني الأفريكاني من الفوز في الانتخابات التي جرت عام 1948 ، وهو الحزب الذي بقي في سدة الحكم حتى عام 1994 . لقد تبدلت تطلعات و أهداف الأفريكانز بعد الحرب العالمية الثانية ، ذلك أن أقدار الأفريكانز قد أخذت بالتبدل خلال الحرب والفترة التي سبقتها حيث أدى الازدهار الاقتصادي والسعي الحثيث لدى الأفريكانز الى تحسين أوضاعهم مقارنة بالإنجليز ، الى رفع مستواهم الى المستوي الرأسمالي والى تشكل حركة قومية أفريكانية لها لغتها الخاصة التي تبلورت على مر الأيام وأصبحت  تعرف بلغة الأفريكانز ، وهي فرع من الهولندية والإنجليزية ومؤثرات محلية، واتسمت هذه الحركة بالأفكار والأيديولوجيات العنصرية المتعصبة . فقد خاض الأفريكانز الحملة الانتخابية وربحوها في عام 1948 تحت شعارين أولهما ” الافريكانز أولاً” وثانيهما “الفصل العنصري عن السود” . وقد يكون صحيحاً الاستنتاج بأن الصحوة السياسية الأفريقية السوداء خلال فترة ما بين الحربين العالميتين وتصاعد النضال الأسود ، كان أحد الأسباب الرئيسة التي أدت الى فوز “الحزب الوطني” وشعاراته في الانتخابات المقتصرة على البيض أصلاً في عام 1948 .

فمنذ أن تسلم الحزب الوطني الحكم برئاسة مالان ، بدأ مسلسل جديد في عمليات الاضطهاد والعزل والاقتلاع للسود . وقد تمثل هذا المسلسل في اتجاه الحزب الحاكم الى تقنين  وتنظيم عملية الفصل العنصري على نحو ما لبثت عملية الفصل أن تحولت الى نظام سياسي اصبح يعرف باسم نظام الفصل . أبارتهايد – حيث أصدرت الحكومة بين عامي 1948 و1985 ما لا يحصي من القوانين والتشريعات في هذا الاتجاه . وقد شملت هذه القوانين  مستويين أولهما والمستوى الذي عرف باسم ” الأبارتهابد الصغير” ، واشتمل على سلسلة من القوانين التي تتعامل مع السود المنتشرين بين البيض ، والذين كانوا يشكلون نحو 40% من مجموع السود البالغ عددهم اكثر من  80% من مجموع سكان البلاد  .

كان أحد أوائل القوانين التي صدرت عام 1949 هو قانون حظر الزواج المختلط بين البيض والسود (علماً بأنه جرت على مدى العقود الماضية عملية تبشير ديني مسيحي واسعة تمخضت عن اعتناق المسيحية من قبل غالبية السود) . أما القانون الرئيس والذي ما لبث أن شكل أساس معظم القوانين اللاحقة ، فهو قانون تسجيل السكان الذي صدر عام 1950 وتم بموجبه تسجيل السكان ضمن ثلاث خانات: ابيض أسود ، ملون .

وفي عام 1952 تم تعزيز قانون “بطاقة المرور” السابق بإضافة شرط بصمة الإصبع على البطاقة ، كما صدرت في الأن ذاته جملة من القوانين الأمنية في مقدمتها قوانين الأمن الداخلي التي تحظر أي نشاط معادي للحكومة وحظر الأحزاب المختلطة إضافة الى ” قانون الإرهاب” وقانون حظر المطبوعات بحيث لم يعد هناك مجال لم تعالجه هذه القوانين . وفي عام 1953 صدر “قانون التسهيلات” ، الذي فصل بين السود والبيض في وسائل النقل والمطاعم والمدارس والمستشفيات والمكتبات والمتنزهات وكل ماله صله بالنشاط الاجتماعي العام .

أما الأبارتهايد  الكبير ، فقد تمثل في تعزيز وتقنين المعازل وتطويرها على نحو يؤدي الى تحويل هذه المعازل القديمة الى دويلات مستقلة شكلياً وخاضعة للنفوذ الأبيض من حيث الواقع ، وهو ما عرف بنظام البانتوستانات .

وقد تم ترويج هذه الأفكار تدريجياً خلال الخمسينات حيث تم في عام 1950 إصدار قانون سلطات البانتو ، وثم قانون تعزيز الحكم الذاتي للبانتو في عام 1959 الذي تم بموجبه تحويل 264 منطقة عزل الى مناطق حكم ذاتي وإقامة سلطات فيها. وعمدت الحكومة الى الترويج لهذه الافكار بقولها إن الحل الوحيد للعداوات العرقية هو موازنة ما يعانيه الأفارقة من حرمان من الحقوق في المناطق البيضاء بإقامة مواطن ذات حدود عرفية لهم ، بحيث يتمكنون من الوصول الى إقامة دول شبه مستقلة لهم . وخلال الفترة ذاتها ، أي منذ اوائل الستينات ، أصدرت الحكومة العديد من المراسيم التي تعترف بالزعماء القبليين التقليديين وتنصيبهم حكاماً على هذه المعازل ،وتعيين مجالس إقليمية لها . وفي عام 1976 عمدت الحكومة الى تحويل باتتوستان ترانسكاي الجنوبي الى “دولة مستقلة” وصدر عن الحكومة قرار بأن دولة ترانسكاي ” ستكون دولة  مستقلة ذات سيادة” وبأنها لن تكون جزءاً من دولة جنوب أفريقيا” . كما تم بين عامي 1977 و1982 إنشاء ثلاثة بانتوستانات أخرى ، وذلك من بين عشرة كان مقرراً إنشاؤها ،بينما تم تحويل المعازل العديدة الصغيرة الأخرى الى وحدات ذات مجالس تابعة مباشرة لحكومة جنوب أفريقيا .

لقد كان من شأن هذا المشروع ان يؤدي الى تحويل 13% من مساحة دولة جنوب أفريقيا الى اكثر من عشرة دول صغيرة لا تملك أي مقوم ذاتي للبقاء بعد أن كان البيض قد استولوا على جميع الأراضي الزراعية الخصبة وعلى جميع المناطق التي اكتشفت فيها الثروات المعدنية الضخمة ، فضلاً عن انها تقسم الأفارقة السود الى اكثر من 264 وحدة معزولة عن بعضها البعض وتحيل سكانها الى إجراء يعتمدون في معيشتهم على العمل في الدولة البيضاء ضمن شروط نظام الأبارتهايد الصغير .

وقد يتساءل المرء : ما الفرق بين الأوضاع التي كانت سائدة قبل 1948 وما بعدها؟ وما الذي يميز الأبارتهايد عما سبقه من عمليات استيلاء على الأراضي وعزل وتجريد من الحقوق ، حيث سيتضح أن هناك فرقاً كبيراً .

فقبل عام 1948 ، كان عدد الأفارقة السود الذي يقيمون في المعازل نحو 40% من مجموع السود ، بينما كان الآخرون ما زالوا يعيشون في المزارع والمناطق الصناعية والأراضي التي استولي عليها البيض وبينهم . أما بعد عام 1948 ، فد جرى العمل على طرد هؤلاء ، حيث يقدر عدد الذين طردوا نحو المعازل بين عامي 1962و 1982 بنحو أربعة ملايين شخص ، وهناك مصادر تقدر عدد المطرودين بضعف ذلك ، الأمر الذي يعني أنهم قد اصبحوا بدون عمل مضمون ،وأن شروط العودة للعمل قد أصبحت اكثر تعقيداً وصعوبة .

من جهة ثانية ، فقد كانت الحقوق السياسية للأفارقة السود قبل عام 1948 منظمة وفق “قانون تمثيل السكان الأصليين” الصادر عام 1936 ، حيث كان يحق للأفارقة السود في بعض المناطق ، وفي مقدمتها منطقة الكيب ، انتخاب ممثلين بيض لتمثيلهم في البرلمان .كما كان القانون المذكور قد أجاز للسود تشكيل مجالس منتخبة ذات صفة استشارية . أما بعد عام 1948 ، فقد ألغي كل ذلك ، ولم يعد للسود أي منبر أو مجال لعرض شكاواهم أو المطالبة بأي حق لهم . هكذا فقد السود تلك الحقوق القليلة التي كانت متوفرة لهم ، حتى أن قانوناً صدر عام 1956 تم بموجبه حرمان كل فرد يعمل في المهن الدنيا من عمال المناجم وزراع وموظفين صغار من أي حق في التقدم بأي شكوى أمام المحاكم ، أو الانتماء للنقابات .

من جهة ثانية ، وإزاء تفاقم الأوضاع ، فقد ظهرت في صفوف البيض العديد من التحركات المناهضة لسياسات الحزب الحاكم ، كما تشكلت الى جانب الحزب الشيوعي الذي حظرتة الحكومة منذ عام 1955 ، احزاب ليبرالية وتقدميه اخرى ، منها الحزب التقدمي الفدرالي الذي دعا الى التفاوض مع السود ، والحزب الديمقراطي الذي دعا الى اعتماد مبدأ دولة واحدة لكل المواطنين من بيض وسود وملونين على قاعدة صوت لكل مواطن . وعلى الرغم من أن تأثير تلك الأحزاب والحركات الأخرى ظل ضعيفا في مواجهة الآلة القمعية الحكومية ، فإنه لا يمكن التقليل من تأثيرها غير المباشر ، حيث أسهم الضغط الذي مارسته في إحداث النقلة النوعية في سياسات الحزب الحاكم وزعيمة دوكليرك في أواخر الثمانينات ، والتي ما لبثت أن أدت الى التحول الكبير .

ب- الحركات والأحزاب السوداء :

كان المؤتمر الوطني الأفريقي أول تنظيم سياسي يتشكل في صفوف الأغلبية السكانية السوداء ، وذلك في عام 1912 حين تأسس باسم      “المؤتمر الوطني للسكان الأصليين” . وفي عام 1917 غير المؤتمر اسمه الى “المؤتمر الوطني الأفريقي” . وإن دلّ هذا التغيير في الاسم على شي فهو انما يدل على درجة الوعي السياسي العالية التي تحلى بها قادة المؤتمر منذ ذلك الحين ، وذلك بتأسيسهم لمبدأ عدم الفصل بين السكان الأصليين والمستوطنين وبخاصة أن وجود هؤلاء المستوطنين قد تأصل وتأسس على شكل حكومة تم الاعتراف بها دولياً ،أي من قبل بريطانيا العظمي في ذلك الحين وثم عصبة الأمم .

أما المأثرة السياسية الثانية للمؤتمر الوطني الأفريقي ، فهي أنه سعى منذ سنواته الأولى الى تجاوز جميع البني القبلية التي قام عليها وجود السكان الأصليين السود ، فأخترق تلك البني كما اخترق الطبقات ، وعلى مدى السنوات بين الحربين العالميتين ، تمكن من بث الوعي السياسي في صفوف الأفارقة وقاد نضاله في إطار دستور  الدولة البيضاء ، لكي لا يسمح لآلة الدولة أن تبطش به وتسحقه . ومن المرجح أن قادة المؤتمر ، ومنهم مانديلا فيما بعد ، الذي كان صغيراً لدى تأسيس المؤتمر ، قد تأثروا بتعاليم المهاتما غاندي التي تقوم على المقاومة السلبية ، وبخاصة أن غاندي قد تواجد في جنوب أفريقيا في عام 1907 تم 1913 – 1914 وقاد خلال وجوده هناك حملة للمطالبة بحقوق الأقلية الهندية المقيمة في البلاد .

ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية ووصول الحزب الوطني للحكم ، كان المؤتمر قد اشتد عوده ، بحيث يذكر أن عدد أعضائه قد بلغ عام 1948 نحو مائة آلف عضو .

وفي عام 1955 ، أصدر المؤتمر والجماعات الوطنية الأخرى التي ظهرت في سياق السنوات ، ميثاقاً سموه “ميثاق الحرية” الذي ظل باستمرار وحتى التحرر في عام 1994 ، النبراس الهادي لنضال الوطنيين الأفارقة . لم يخرج الميثاق عن المبادئ الأساسية التي وضعها المؤتمر منذ عام 1917 والمتمثلة في أن جنوب أفريقيا هي ملك لجميع المجموعات العرقية من سود وبيض وملونين وهنود ، وفي المطالبة بدولة ديمقراطية على قاعدة صوت واحد لكل مواطن . كما طالب بتأميم الصناعات الكبرى والمناجم وتوزيع الارض وذلك تأثراً بالمبادئ الاشتراكية السوفيتية ، وبتأثر من الحزب الشيوعي الأفريقي الذي تحالف نشطاؤه مع المؤتمر الوطني الأفريقي . وقد تصاعد نشاط المؤتمر في تلك الفترة على شكل مظاهرات وإضرابات وعرائض وغير ذلك ،وهو أمر آثار غضب الحكومة الممثلة للحزب الوطني ،  التي ما لبثت في عام 1961 أن حظرت نشاط المؤتمر الوطني الأفريقي وعمدت الى مطاردة قادته ونشطائه الذين لجأوا الى الدول والمناطق المجاورة، وسجن البعض الآخر ، وفي مقدمتهم نيلسون مانديلا .

وعلى الرغم من أن المؤتمر ، سواء في أدبياته السياسة السابقة أو في ميثاق الحرية ، لم يعتنق الكفاح المسلح كاستراتيجية لتحقيق أهدافه ، فإن سنوات القمع الرهيب الذي مارسته المؤسسة الحاكمة منذ أوائل الستينات وحتى أواسط الثمانينات قد اضطرت المؤتمر والقوى السوداء الأخرى الى ممارسة الكفاح المسلح ضد المؤسسة الحاكمة . وتشير تصريحات وبيانات زعماء المؤتمر الى أن الكفاح المسلح قد استخدم كرد على عنف السلطة وليس مبدأ “نضالياً” ، الأمر الذي منح قيادة المؤتمر المرونة في التعامل وفي طرح المبادرات السياسية . ويقول أحد بيانات المؤتمر الصادر في عام 1975 :

” إننا نقول بأن بلادنا تكفي لجميع سكانها من سود وبيض ، الذين يعيشون فوقها. سنكون عنصريين لو أننا أردنا إلقاء البيض بالبحر ، لذلك فإننا نقول : دعونا نعيش معاً كمتساوين ونكون أمة قوية واحدة … ” وكانت العمليات العسكرية تتم في الغالب رداً على العمليات العسكرية الإجرامية التي كانت الطغمة الحاكمة تنفذها ضد السود . وكمثال على ذلك ، فقد فجر المؤتمر مقراً عسكرياً حكومياً قتل فيه مئات الجنود ، رداً على قيام الحكومة بإطلاق النار على الجماهير السوداء خلال انتفاضة سويتو عام 1983 والتي قتل فيها أكثر من ست مائة أسود .

الى جانب المؤتمر الوطني الأفريقي ، ظهرت خلال العقود الأخيرة الكثير من التنظيمات السوداء ، وبخاصة بعد حظر المؤتمر الوطني الأفريقي من قبل الحكومة ، منها المؤتمر الأفريقي الجامع ، ثم الجبهة الديمقراطية المتحدة التي ضمت التشكيلات النقابية العمالية والطلابية السوداء ، وكذلك اتحاد نقابات العمال “كوساتو” الذي وصف بأنه كان ذراعاً داخلياً للمؤتمر الوطني الأفريقي . كما ظهرت خلال الثمانينات العديد من التنظيمات السوداء المتطرفة الداعية الى اعتبار البيض مستوطنين غرباء يجب إخلاؤهم ، والى رفض أفكار الاندماج القومي التي تبناها المؤتمر الوطني الأفريقي ، والى رفض التعاون مع الليبراليين البيض المتعاطفين مع نضال السود .

كذلك ، كانت هناك فئة السود المتعاونين مع السلطة البيضاء والتي ضمت عدداً من الزعماء القبليين ، وبخاصة أولئك الذين حظوا بالامتيازات مع بدء إقامة البانتوستانات وتحويلها الى دويلات شبة مستقلة . فعلى الرغم من أن المجتمع الدولي لم يعترف بهذه البنتوستانات فإن هؤلاء الزعماء القبليين أخذوا يروجون للأفكار التي طرحتها الحكومة حول “التنمية المنفصلة”  في محاولات لأضعاف الساحة السوداء وتقويض النضال ضد التمييز العنصري . ففي عام 1975 ، مثلاً ، اتجه حزب إنكاثا الذي أنشأه بوتيليزي زعيم قبائل الزولو ، للتفاوض بمفرده مع الحكومة البيضاء ومحاربة المؤتمر والجبهة الديمقراطية المتحدة وكوساتو . وقد اتسع نفوذ حزب انكاثا بفعل أن قبائل الزولو التي يتزعمها بوتليزي، تشكل نحو ثلثي السود . مع ذلك ، فقد تمكن المؤتمر والتنظيمات الأخرى من اختراق جبهة الزلو وتحجيم دور حزب انكاثا في توجيه التطورات الخاصة بمصير دولة جنوب أفريقيا .

 

II- تفاقم الأزمة وبدايات التحول

بعد المحاولات الحثيثة التي بذلتها الحكومة البيضاء منذ أواسط السبعينات لتنفيذ الحل العنصري ، والمتمثل في إنشاء الباتتوستانات ، والسعي نحو إقامة مجالس بلدية للمدن السوداء التي خارج الباتتوستانات  العشرة ، أخذت الأمور في جنوب أفريقيا بالتأزم على نحو متصاعد ، حيث اشتدت عمليات القمع للسود في الوقت الذي اشتدت فيه المقاومة السوداء . فمنذ أواخر السبعينات وحتى أواسط الثمانينات ، قدر عدد السود الذين قتلوا على يد الحكومة البيضاء بأكثر من خمسة عشر ألفاً ، وتسارعت عمليات اقتلاع السود والزج بهم في البانتوستانات والمدن السوداء المغلقة . في الأن ذاته ، سعت الحكومة البيضاء الى طرح حلول سياسة مختلفة أهمها ما طرحه رئيس الوزراء بوثا في عام 1982 والمتمثل في إقامة ثلاثة برلمانات : أبيض وهندي وملون ، مع تغيير النظام السياسي الجمهوري الأبيض الى نظام رئاسي بحيث يتم ربط شؤون السود بالرئيس . وكان واضحاً أن هدف بوثاً من ذلك هو الحيلولة دون تحالف الهنود والملونين مع السود ، وإحكام عملية عزل السود . كما لجأ الى محاولة إعطاء مسحة إنسانية للنظام العنصري بإلغاء عدد من القوانين الثانوية كقانون حظر الزواج بين السود والبيض وتخفيف قوانين المرور .

وخلال النصف الثاني من الثمانينات ، وجدت الحكومة البيضاء أنه لا مفر إزاء الضغوط المحلية  والدولية عليها ، من مراجعة سياستها العنصرية، حيث ما لبثت التطورات في هذا المجال أن أدت الى استقالة بوتا من رئاسة الحكومة والحزب الوطني في عام 1989 وتسلم دوكليرك الذي بدأ في تغيير دفة السياسة البيضاء . ولا يمكن إغفال حقيقة أن هذا التحول في السياسة البيضاء قد تزامن مع ما حدث من تحولات في السياسة الدولية والنظام العالمي منذ عام 1985 حين أعلن الاتحاد السوفيتي تخليه عن سياسة المواجهة والحرب الباردة .

فمع تسلم دوكليرك الحكم بدأت أولى المحاولات الجادة للتغيير ، بدءأ من الإفراج في عام 1990 عن نيلسون مانديلا ، مروراً باعلان دوكليرك عن البدء بالغاء نحو ثلاثين قراراً عنصرياً ، واصدار العفو عن عدد كبير من اعضاء المؤتمر الوطني المقيمين خارج البلاد والسماح لهم بالعودة ، وانتهاء بالموافقة على اجراء انتخابات عامة في البلاد على قاعدة صوت لكل مواطن بغض النظر عن اللون والعرق .

والجدير بالذكر أن هذه التطورات قد أتت نتيجة لسلسلة من الأجتماعات والمفاوضات السرية بين الحزب الوطني الأبيض والمؤتمر الوطني الافريقي ، وهي المفاوضات التي أدت الى تسلم دوكليرك الحكم وقيامه بالإجراءات السابقة مقابل اعلان المؤتمر الوطني الأفريقي رسميا في عام 1990 ، تخليه عن الكفاح المسلح . وبالتزامن مع المباحثات السرية ، كان مانديلا قد بدأ بالتحدث من سجنه علناً الى الجماهير السوداء ، مؤكداً على ما التزم   به المؤتمر منذ تأسيسه بمبدأ إقامة مجتمع ديمقراطي لجميع السكان بغض النظر عن أي عرق ، وعلى دولة مركزية ذات برلمان واحد ، رافضاً فكرة حقوق الأقليات والبانتوستانات . كما ظل يؤكد منذ ذلك الحين على العمل السلمي والسياسي وليس المواجهة ،على الرغم من أنه قد اعلن فور الأفراج عنه أن المؤتمر سيمارس الكفاح المسلح اذا تطلب الأمر ذلك . ويذكر باستمرار بأن استخدام العنف من قبل المؤتمر خلال السبعينات والثمانينات لم يكن استراتيجية نضالية ، وانما رد فعل على عنف السلطة . في الأن ذاته ، ظل مانديلا منذ ذلك الحين ، يخاطب البيض ويدعوهم الى عدم التخوف من النظام الجديد الذي سينبثق في جنوب أفريقيا ، وأن البيض جزء من جنوب أفريقيا التي هي بحاجة ماسة الى خبراتهم وكفاءاتهم .

ولم يخل هذا الطريق الصعب للمصالحة من العقبات والمشاكل بالطبع . فعلى الجانب الأسود ، رفض الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الأفريقي في بداية الأمر ، التخلي عن الكفاح المسلح ، وعمدت جماعات الوعي الأسود الى محاولة عرقلة هذه المصالحة التاريخية وإشاعة عمليات القتل لمن وصفوا بالمتهادنين والمتعاونين . كما أن زعماء القبائل المتربعين على قمة حكم البانتوستانات خشوا من فقدان الامتيازات التي حصلوا عليها وسعوا الى إشاعة الفوضى وعمليات القتل.

وفي الجانب الأبيض ، ومع تزايد ضغط اليساريين والليبراليين البيض باتجاه المصالحة وإلغاء النظام العنصري ، رفض المتطرفون البيض هذا التحول التاريخي وعمدوا الى محاولة إقامة دولة للبيض على معظم أراضى جنوب أفريقيا، وبدأوا يشيعون الفوضى والقتل . غير أن المسيرة مضت قدماً، حيث تم في عام 1994 إجراء الانتخابات العامة التي فاز فيها مانديلا بالإجماع كرئيس للدولة ، وأخذت مؤسسات الفصل العنصري بالانهيار واحدة تلو الأخرى .

 

1- العوامل المؤدية للتحول الكبير :

لقد تضافرت العديد من العوامل المحلية الداخلية والإقليمية على حدوث هذا التحول الدراميتيكي في جنوب أفريقيا . وكثيراً ما تداخلت هذه العوامل تأثيراً وتأثراً ببعضها البعض ، غير أنه على الرغم من ذلك ، يمكن تصنيف هذه العوامل على النحو التالي :

أ- الجبهة السوداء :

لقد ظهرت تنظيمات نضالية كثيرة بين السود منذ الستينات ، غير أنه لا يمكن إغفال حقيقة أن المؤتمر الوطني الأفريقي ، الذي تأسس في عام 1913 ، قد شكل ظاهرة متقدمة في تاريخ النضالات الشعبية ضد الاستعمار والتفرقة العنصرية . فقد تميز المؤتمر الوطني الأفريقي في أنه شكل قيادة سياسية متواصلة ذات أهداف اتسمت بالوعي بحركة التاريخ على نحو مثير مكن المؤتمر الوطني الأفريقي من الاستمرار وعدم التقلب في أهدافه واستراتيجياته التي ما لبث أن حققها بعد ثمانين عاماً من المثابرة على نفس الأهداف : دولة ديمقراطية لكل مواطنيها على كل أرض جنوب أفريقيا . لقد مارس المؤتمر الوطني الأفريقي الكفاح المسلح كتكتيك وليس كاستراتيجية ، وخلت وثائقه من أي نص على اعتماد الكفاح المسلح كاستراتيجية . وعلى الرغم من الدعم السوفيتي للمؤتمر الوطني الأفريقي خلال سنوات الحرب الباردة من خلال التحالف الذي قام بين المؤتمر والحزب الشيوعي لجنوب أفريقيا ، فإنه لابد من دراسة وثائق المؤتمر للتعرف على ما اذا كان المؤتمر في أية فترة من فترات نضاله قد اعتبر الاتحاد السوفيتي حليفاً استراتيجياً له ، على الرغم من الصبغة الاشتراكية التي اتسم بها .

ب – الجبهة البيضاء :

الى جانب الأغلبية العنصرية التي مارست سياسة الفصل العنصري والقتل والتدمير للغالبية السكانية لسوداء على مدى السنوات ، تولدت في صفوف البيض فئات يسارية وليبرالية ما لبثت أن لعبت ادواراً متصاعدة في دحر المؤسسة العنصرية. ففي صفوف اليسار ، وفي مقدمته الحزب الشيوعي، لعبت الأيديولوجيا الدور الأكبر في مطالب هذا الحزب وفي النضال من أجل المساواة بين البيض والسود . وإن تحالف الحزب الشيوعي ، الأبيض في غالبيته، مع للمؤتمر الوطني الأفريقي ، لعب دوراً كبيراً في تعزيز النضال الأسود خلال الستينات والسبعينات واوئل الثمانينات .

أما الليبراليون البيض ، فقد نما عددهم تدريجياً انطلاقاً من النظرية الليبرالية ذاتها ومصالح هذه الفئة . وقد ازداد عدد هذه الفئة على مر الأيام مع تزايد الحاجة الى العمالة السوداء وتأثير العقوبات الاقتصادية الدولية على الاقتصاد الأبيض .

ولا يمكن إغفال حقيقة أن الساحة البيضاء قد لعبت دوراً كبيراً في الدفع باتجاه إنجاز التحول المصيري في جنوب أفريقيا والقضاء على سياسات الفصل العصري . ففي الاستفتاء الذي أجري عام 1989على هذا التحول وعلى إنهاء الفصل العنصري، حصل دوكليرك الذي قاد هذه السياسات الجديدة ، على تأييد نحو 69% من البيض ، الأمر الذي منحه تفويضاً واسعاً للمضي قدماً في سياساته الهادفة الى انهاء الفصل العنصري وأقامة دولة جنوب أفريقيا الديمقراطية .

 

 

ج- العوامل الإقليمية :

تحيط بجنوب أفريقيا ست دول كانت مستعمرات بريطانية وحصلت على استقلالها بين عامي 1963 و1980 . وهي ليسوتو التي تشكل جيباً محاطاً من كل الجهات بدولة جنوب أفريقيا ،وسوازيلاند وموزابيق وبوتسوانا ثم زيمبابوي (روديسيا الجنوبية سابقاً)التي لم تحصل على الاستقلال إلا في عام 1980 .

وقد أقام المؤتمر الوطني الأفريقي ومنظمات سوداء أخرى قواعد لهم في هذه الدول ، كما لجأ إليها الكثير من المطاردين السود . غير أن حكومة جنوب أفريقيا ما لبثت أن تمكنت من عقد العديد من الاتفاقات مع هذه الدول لمنع النشاط العسكري الأسود من أراضيها. كما إن كل هذه الدول دول ضعيفة جداً بشكل عام، التزمت شكلياً بتطبيق العقوبات الاقتصادية الدولية على حكومة جنوب أفريقيا . فمنذ عام 1982 عقدت اتفاقية أمنية اقتصادية بين جنوب أفريقيا وموزمبيق ، أدت الى طرد الجناح العسكري للمؤتمر ، كما عقدت اتفاقية أخرى في نفس العام مع سوازيلاند . وكانت زيمبابوي قد تعهدت لدى حصولها على استقلالها بحظر أي نشاط معادي لحكومة جنوب أفريقيا من أراضيها . وكذلك الحال بالنسبة لبوتسوانا التي امتنعت عن تنفيذ العقوبات ضد جنوب أفريقيا . وفي عام 1986 نفذت حكومة جنوب أفريقيا انقلاباً في ليسوتو تم بعده طرد المؤتمر من اراضي ليسوتو . وبهذا فقد تأكد للمؤتمر الوطني الأفريقي والمنظمات السوداء الأخرى استحالة الاعتماد على دول الجوار لإنهاك الحكومة البيضاء .

د- العوامل الدولية :

على الرغم من مطالبة المؤتمر الوطني الأفريقي منذ أوائل الستينات بفرض عقوبات دولية على نظام الفصل العنصري ، فإن المجتمع الدولي لم يبدأ بالتحرك الا في آواخر السبعينات ، حيث أخذت الجمعية العامة تصدر القرارات المنددة بسياسة الفصل العنصري وتطالب بوقف الأستثمار في جنوب أفريقيا .

فخلال الستينات والسبعينات كانت السياسات البريطانية والأمريكية تطالب فقط بتعديل وتخفيف نظام الفصل العصري وليس أزالته . غير أن بريطانيا والولايات المتحدة ما لبثتا منذ أواسط الثمانينات أن أخذتا في الاتجاه الى تأييد ودعم الغاء نظام الفصل العنصري ، الامر الذي أدى الى عدة تطورات هامة لاحقة . ففي عام 1985 تمكن مجلس الأمن من اصدار قرار يطالب دول العالم بفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على نظام جنوب أفريقيا . وعلى الرغم من أن الفيتو الأمريكي أو البريطاني ، وأحياناً الفرنسي ، وقد حال في السابق دون اصدار قرار في هذا الشأن ، وإن يكن غير ملزم ، فإن هذا القرار الأخير قد شكل نقله نوعيه على صعيد تعامل المجتمع الدولي مع نظام جنوب أفريقيا .

ويمكن القول أن عام 1985 قد شكل نقطة تحول مصيرية في هذا المجال حيث اتجهت كل المؤسسات والدول الغربية للضغط على حكومة جنوب أفريقيا البيضاء لالغاء نظام الفصل . ففي عام 1985 أيضاً تبنى الكونغرس الأميريكي قراراً بفرض عقوبات على جنوب أفريقيا وحظر تقديم قروض جديده لها . كما تبنى في عام 1986 قراراً آخر حظر فيه على المستثمرين الأميريكيين العمل في جنوب أفريقيا أو الاستيراد منها . وفي العام ذاته سحبت المجموعة الأوروبية سفراءها من بريتوريا وفرضت سلسلة من العقوبات .

وعلى الرغم من أن فرض العقوبات على حكومة جنوب أفريقيا ، سواء من الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة أو المجموعة الأوروبية ظل ، مشروطاً بالطوعية ، أي حث المستثمرين وليس إلزامهم بالمقاطعة ، فإن اقرار مبدأ العقوبات ضد نظام جنوب أفريقيا قد دفع المؤسسات التمويلية والبنوك والمستثمرين الى الاحجام عن التعامل مع النظام المذكور ، وقدرت الأستثمارات التي انسحبت من جنوب أفريقيا حتى عام 1989 بنحو ستة مليارات دولار ، الأمر الذي انعكس سلباً على الاقتصاد الأبيض وترك آثراً بالغ الخطورة عليه .

ولدى تقييم المواقف الدولية من النظام العنصري في جنوب أفريقيا ، وبخاصة منذ اواسط الثمانينات ، فليس ممكنا اغفال جملة من المعطيات أولها بدايات التحول الجذري في طبيعة النظام الدولي . فالتحولات التي بدأت في سياسات الأتحاد السوفيتي في عام 1985 قد طرحت معطيات جديدة لم يعد ممكنا في ضوئها تجاهل المأساة التي يعيشها السود في جنوب أفريقيا ، حيث لم يعد تحول جنوب أفريقيا الى دولة ديمقراطية ذات أغلبية سوداء ساحقة ، يشكل خطراً على مصالح العالم الغربي الذي كان يخشن أن يؤدي مثل ذلك ، الى تحول جنوب أفريقيا الى قاعدة أو منطقة نفوذ سوفيتيه . وأذ أدرك الغرب منذ عام 1985 أن الاتحاد السوفيتي والأيديولوجية الاشتراكية آخذتان في الاضمحلال ، فقد بادر الى تبني قضية السود ، والى الدفع باتجاه الغاء النظام العنصري . فعلى الرغم من وجود الضغط  الأسود في الولايات المتحدة قبل ظهور مؤشرات انحلال الأتحاد السوفيتي ، فإن الكونغرس الأميريكي بديمقراطيية وجمهوريية ، لم يبادر الى تبني قضية السود في جنوب أفريقيا الا بعد ظهور تلك البوادر في عام 1985 .

 

III – جنوب أفريقيا اليوم

خلال زيارة قمت بها لجنوب أفريقيا في أواخر نوفمبر 1998 ، غمرني الفرح إذ شاهدت السود مستلقين فوق حشائش الحدائق العامة والمتنزهات في يريتوريا وجوهانسبرغ ، تلك الحدائق والمتنزهات التي كان محرماً على السود حتى أواخر الثمانينات ، الاقتراب منها إلا كعمال ، ومغادرتها فورا انتهاء عملهم وفقاً لبطاقات المرور. وعندما كنت عصر أحد الأيام ، أتجول في رحاب القصر الجمهوري ، المنتصب فوق تلة عالية تشرف على كل بريتوريا عاصمة جنوب أفريقيا ، اقترب مني ثلاثة شباب عليهم سيماء الانفعال وسألوني :” أين مكتب مانديلا ؟ ”  فأشرت إلى الطريق التي سلكتها الى المكتب المذكور قبل ذلك بدقائق وسألتهم : “هل انتم هنا لأول مرة ؟       “فقالوا ضاحكين : “نعم” .

لقد اصبح القصر ، الذي لم يكن أي شخص أفريقي أسود ليجرؤ على الاقتراب منه إلا للتنظيف وتقديم الخدمات ، ملكاً للشعب ، حيث فتح مانديلا بواباته على مصراعيها لكي يشهد الناس المكان الذي حكمت وتحكم منه جمهورية جنوب أفريقيا ، ولكي يشاهد الناس صور الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم البلاد ،والتي ما زالت معلقة فوق الجدران ، شاهداً على تاريخ البلاد .

حقاً ،لقد انفتحت جنوب أفريقيا أمام الملايين من سكانها الأصليين ، الذين طالما عاشوا فيها إما كعبيد أو أجراء ، غرباء محصورين في المعازل على مدى أجيال متعاقبة ، غير أن بناء جنوب أفريقيا الجديدة ، لم ولن يكون سهلاً، ذلك أن تنفيذ الاتفاقات التي تعقد بعد بضعة أشهر أو بعض سنوات من التفاوض ، قد تحتاج لسنوات مضاعفة لكي يتم تطبيقها ، ولكي يتم القضاء على ذلك الإرث المتراكم من الاضطهاد والحرمان ، وتحقيق التنمية والتطوير لكل مؤسسات وقطاعات الدولة وفق الأسس الجديدة التي اختطتها اتفاقات المصالحة . ويمكن تخليص المشاكل التي تواجهها البلاد في ثلاثة قضايا أساسية : أولها إعادة توزيع ثروة البلاد ، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإنجاز المصالحة التاريخية بين السود والبيض .

  • 1- الاتفاقات والدستور :

إثر الانتخابات العامة التي شارك فيها السود الأول مرة في تاريخهم في عام 1994 ، والتي تمخضت عن الفوز الساحق للمؤتمر الوطني الأفريقي ، تشكلت أول حكومة غير عنصرية على قاعدة اتفاق كان قد أبرم قبل الانتخابات بين المؤتمر الوطني الأفريقي بزعامة مانديلا، والحزب الوطني “الأبيض” بزعامة دوكليرك ، حيث تضمن الاتفاق ضمن أشياء أخرى ، منح كل حزب يفوز بخمسة في المائة من الأصوات مقعداً وزارياً ، ومن الواضح أن هذا البند من الاتفاق قد هدف إلى تجاوز مشكلة تحول البيض بعد التحول الديمقراطي الى أقلية ، حيث حصل الحزب الوطني على أربعة مقاعد وزارية مقابل حصوله في الانتخابات على 20% من الأصوات ، كما حصل حزب إنكاثا الذي يرأسه يوتليزي زعيم ولاية الزولو ، على مقعد وزاري واحد .

كذلك تضمنت وثيقة عام 1994 عفواً عاماً عن جميع ما ارتكب من جرائم قبل المصالحة ، واتفاقاً على تقسيم البلاد إلى تسع ولايات يتمتع حكامها بسلطات وصلاحيات محدودة ، وأن يتم إعداد دستور دائم للبلاد وصولاً إلى الانتخابات العامة الثانية المقرر إجراؤها في مايو 1999 . وقد ثم إنجاز هذا الدستور والمصادقة عليه في أوائل عام 1997، حيث تم فيه إلغاء مبدأ المشاركة في الحكم لمن يحصل على 5% من الأصوات والتأكيد على حكم الأغلبية . كما تضمن الدستور قضايا عديدة تتعلق بالمساواة والنظام الاقتصادي وتوزيع ثروة البلاد وفي مقدمتها إعادة الأراضي التي صادرها البيض إلى أصحابها السود .

  • 2- قضايا ومشاكل :

وتمثل مشكلة الأراضي إحدى أخطر المشكلات التي تواجه حكومة المؤتمر الوطني الأفريقي . فمن المعروف أن نظام الفصل العنصري كان قد صادر معظم أراضي السود وحصرهم في 13% من مساحة البلاد . وقد حقق اتفاق المصالحة إنجازا عظيماً في هذا المجال حيث نص الاتفاق على برنامج مؤلف من ثلاثة نقاط، أولها إعادة الأراضي إلى أصحابها الأصليين أو أحفادهم ، ثانيها إعادة توزيع 30% من الأراضي الصالحة للزراعة على السود، وثالثا تحديد اللزمة ومنح أي أسود أقام على أرض لأكثر من جيل حق شراء جزء منها . وقد تمثل الحل الوسط بالنسبة لمشكلة الأراضي في أن تقام الدعاوى من جانب السود ضد الحكومة وليس ضد الأفراد ، الأمر الذي فرض على الحكومة تعويض الشخص الأسود إما بإعادة شراء أرضه أو بشراء أرض بديلة له . ولأجل طمأنة البيض ، فقد أكد وزير الأراضي أن الأمر قد لا يقود بالضرورة إلى مصادرة أراضيهم . ولا تكمن المشكلة في وثائق الملكية ، حيث يشار إلى أن الحكومة البيضاء كانت تسجل كل قطعة ارض تصادرها وتحتفظ بوثائقها ، وانما في حقيقة أن الكثير من الأراضي قد تحولت إلى مرافق عامة كشوارع وساحات ومباني حكومية ومتنزهات وغير ذلك ، حيث سيترتب على الحكومة دفع تعويضات هائلة . وقد ذكر مؤخراً أنه قد تم فعلاً إعادة مساحات كبيرة من الأراضي لأصحابها ، وأن عدداً كبيراً من الدعاوى ينظر فيه .

أما المشكلة الكبيرة الثانية التي تواجه الحكومة الجديدة فهي مشكلة الإسكان، حيث أن أكثر من خمس السود ما زالوا يعيشون في الأكواخ وأكثر من نصف مساكن السود غير مزودة بالكهرباء والماء . ولقد حققت حكومة المؤتمر الوطني إنجازات في هذا المجال ، وما زال أمامها الكثير لتحقيقه.

وكان التوجه الأول للحكومة منذ عام 1994 هو قيامها ببناء المساكن وتقسيط أثمانها على المحتاجين ، كما فكرت في منح القطاع الخاص مهمة البناء والبيع. ولكن المشكلة التي ما زالت تواجه الحكومة هي عدم قدرة المحتاجين على سداد أثمان البيوت على الرغم من انخفاض سعرها نسبياً . ويذكر على سبيل المثال أن خطة قد وضعت في عام 1997 تضمنت بناء وحدات سكنية تبلغ مساحة الوحدة الواحدة منها 19م2 ، بكلفة 10 آلاف دولار، بحيث يدفع الفرد ثلاثين ألف “راند” مقدماً أي ما يعادل ستة آلاف دولار تقريباً ، ويتم تسديد الباقي على أقساط . وكانت المشكلة وما زالت ، في أن المحتاجين غير قادرين على دفع ثلاثين ألف راند ، لأن هذا المبلغ إنما يساوي ثلاثة أضعاف دخل الفرد السنوي لنحو ثلثي الطبقة الفقيرة . وقد طرح على الحكومة فكرة تقسيم بعض أراضي الدولة إلى قطع صغيرة وتزويدها بالماء والكهرباء والطرقات ، ثم يقوم الفرد ببناء بيته على حسابه فوقها . وعلى الرغم من أن هذه الفكرة هي اكثر الحلول إمكانية ، فقد خشيت الحكومة من أن هذا الحل قد يؤدي لاحقاً إلى إقامة معازل سوداء جديدة، وذلك في ضوء أن أراضي الدولة تقع في مناطق بعيدة .

وتواجه الحكومة مشكلة كبيرة أخرى هي مشكلة البطالة . فعلى الرغم من أن جنوب أفريقيا تعتبر بلداً غنياً وذات اقتصاد هو الأقوى على صعيد القارة الأفريقية ، بل وأقوى من اقتصاد معظم دول العالم الثالث، فإن البطالة فيها تقدر حالياً بما لا يقل عن 40% من القوى العاملة . فجنوب أفريقيا دولة غنية وذات اقتصاد قوى يقوم على ما تمتلكه من معادن ثمينة وما تم تطويره فيها من قاعدة صناعية واسعة ومتقدمة . ويقدر الناتج المحلى الحالي لجنوب أفريقيا بنحو 126 مليار $ ، أي ما يزيد على عشرة أضعاف النواتج المحلية للدول الست المحيطة بها ، وبذلك فهي تعتبر إحدى دول الصف الثاني من حيث حجم الاقتصاد في العالم وذلك مقارنة مع معدل الدخل السنوي للفرد الذي لا يتجاوز 3500 راند ، أي نحو 700 دولار . ويشار إلى أنه على الرغم من حالة الكساد التي أصابت اقتصاد جنوب أفريقيا منذ أواسط الثمانينات بفعل المقاطعة الدولية، فإن الاقتصاد ما لبث أن انتعش منذ عام 1994 ، أي سنة التغيير ، وتواصل النمو الاقتصادي بمعدلات جيدة . ولكن هذا النمو الذي بلغ نحو 3.5% أو 4% ، لم يؤد إلى توفير فرص عمل كافية للتغلب على الكم الهائل من العاطلين السود ، الذين كانوا قد تحولوا على مدى سنوات الفصل العنصري إلى عمال مدن بعد تدهور الزراعة وفقدان الأرض كما لم يعد ممكناً العودة إلى زراعة الكفاف .

ففي عام 1994 تعهد مانديلا بخلق مليون فرصة عمل سنوياً . غير أنه ما لبث أن أدرك استحالة تحقيق ذلك . فمنذ عام 1994 وحتى أواسط 1996 يذكر أنه قد تم خلق 50 ألف فرصة عمل فقط ، وذلك في الوقت الذي يدخل فيه سوق العمل سنوياً أكثر من 400 ألف شخص من خريجي المدارس الثانوية ، ناهيك عن إعداد العاطلين من الأجيال السابقة . وتتطلع الحكومة الآن إلى تحقيق نمو بنسبة 6% لكي تتمكن من خلق 500 ألف فرصة عمل في العام الواحد .

أما المشكلة الرابعة التي تواجهها جنوب أفريقيا اليوم ، فهي مشكلة الجريمة وارتفاع معدلاتها على نحو ملفت للنظر . فقبل عام 1994 ، لم تكن أعمال العنف تصنف كجريمة ، حيث كان كل طرف من البيض والسود يرتكب عمليات العنف ضمن معايير مختلفة : النضال من جانب السود ضد البيض ، والحفاظ على النظام من جانب البيض . أما اليوم ،فإن أية عملية قتل أو سطو أو تهريب أو غير ذلك قد أصبحت تصنف كجريمة . ولم تعد الجريمة في أفريقيا اليوم تقترف من جانب البيض ضد السود أو من جانب السود ضد البيض ، حيث اصبح الضحايا بشكل عام هم خليط من السود والبيض من قبل جهات غير محددة المعالم . إن جنوب أفريقيا اليوم توصف بأنها إحدى البلدان ذات أعلى معدلات الجريمة في العالم . ففي عام 1996 قدر المعدل السنوي لعدد القتلى بنحو 55 قتيلاً لكل مائة ألف نسمة. ولدى تذكر أن عدد سكان جنوب أفريقيا اليوم يربو على 40 مليون نسمة ، فهذا يعني أن نحو 22 ألف شخص  يقتلون سنوياً . وتشير إحدى الإحصائيات الى أن 19 ألف شخص قد قتلوا في عام 1997 ، الأمر الذي قد يوحي بأن العدد قد انخفض قليلاً .

وتشكل ولاية كوازولوناتال التي يتزعمها بوتليزي زعيم الزولو مرتعاً لأكبر عدد من الجرائم ، حيث أن معظم الجرائم تحدث فيها ، وذلك في إطار صراعات معقدة بين حزب انكاثا الذي يتزعمه يوتليزي الذي يمثل النزعة الانفصالية، والمؤتمر الوطني الأفريقي ، الذي يمثل النزعية الوحدوية الاندماجية .

والى جانب ذلك ، هناك الجريمة المنظمة حيث يفيد تقرير صادر في أوائل عام 1998 عن مركز موارد المعلومات للشرطة الأفريقية أن هناك اليوم في جنوب أفريقيا نحو 192 نقابة إجرامية منظمة تضم وتقترف سلسلة من العمليات بدءاً من السطو على البنوك والمنازل ، مروراً بتهريب الأسلحة والجواهر والمعادن الثمينة والسيارات جيئة وذهاباً بين دول المنطقة ، وانتهاء بغسيل الأموال وتجارة المخدرات. وتقر مختلف الأطراف أن نقابات الجريمة المنظمة هي نتاج الحكومة البيضاء التي لم تعمد إلى مقاومة ظهورها ، إن لم يكن قد شجعت ظهورها قبل التغيير بين صفوف السود ، حيث ما لبثت هذه الظاهرة أن استفحلت بعد التغيير  . وتشكل تجارة المخدرات إحدى أخطر العمليات التي تمارسها نقابات الجريمة المنظمة . فقد أفاد تقرير صادر في عام 1997 أن جنوب أفريقيا تشكل ممراً نشطاً للكوكائين والهيرويين ، وبأن جنوب أفريقيا قد تحولت إلى اكبر منتج للماريجوانا واكبر مستهلك للماندراكس أحد فصائل اخطر المخدرات ، وبأنها تستهلك نحو 70% من إنتاج هذا المخدر على الصعيد العالمي .

وتعزى أسباب ارتفاع معدلات الجريمة في جنوب أفريقيا الجديدة إلى عدة أسباب يمكن حصرها بما يلي :

  • 1- عدم وجود عصا سحرية لحل متطلبات التغيير منذ عام 1994، وفي مقدمتها متطلب إعادة توزيع ثروات البلاد وتوفير العمل للملايين من السود العاطلين .
  • 2- استمرار وجود النزعات الانفصالية التي يغذيها المتطرفون البيض والتي تلقى صدى وتجاوباً لدى قطاعات بعض الأقاليم التي كانت تشكل بانتوستانات سوداء ، وفي مقدمتها اقليم كوازولونتال .
  • 3- ضعف الجهاز القضائي للحكومة السوداء حيث أدى التغيير منذ عام 1994 الى تضعضع هذه المؤسسة باستقالة العديد من الخبراء البيض وتسلم السود ، الذين لا يتمتعون بخبرة واسعة ، مقاليد الأمور .
  • 4- ضعف جهاز الشرطة للأسباب السابقة أعلاه .

بل هناك اعتقاداً بأن اليمين المتطرف الأبيض هو الذي يغذي الجريمة الموجهة حتى للبيض في جنوب أفريقيا ، بهدف إشاعة عدم الاستقرار والفوضى في البلاد وصولاً إلى هدف الانفصال .

أما المشكلة الخامسة التي تعاني منها جنوب أفريقيا اليوم ، فهي مشكلة مرض الإيدز . إن مرض الإيدز ينتشر في القارة الأفريقية على نحو لا مثيل له في أنحاء العالم الأخرى ، حيث يقدر أن نحو 83% من الإصابات بمرض الإيدز تحدث في القارة الأفريقية ،وتشير التقديرات إلى وجود نحو 1500 إصابة جديدة يومياً الأمر الذي يعني إصابة نحو 540 ألف شخص سنوياً بهذا لمرض الفتاك . في خطابه بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الإيدز في كانون الأول 1994 اعترف رئيس جمهورية أفريقيا ، نيلسون مانديلا بوجود نحو ثلاثة ملايين شخص مصابين بالإيدز في جنوب أفريقيا ، وبأن نحو 1500 شخص يصابون مجدداً بالمرض يومياً ودعا الشباب للامتناع عن ممارسة الجنس قدر الإمكان وذلك في ضوء أن أحد ابرز الأسباب في انتشار الإيدز هو ممارسة الجنس مع المصابين بالمرض . ويشير تقرير في هذا المجال إلى  اكتشاف أن معظم وسائل الوقاية المستخدمة لدى ممارسة الجنس في جنوب أفريقيا ، معطوبة على نحو يحول دون قيامها بالوظيفة الوقائية ، الأمر الذي يرجح القبول بنظرية المؤامرة .

ولعل المشكلة السادسة التي تواجه جنوب أفريقيا هي الأخطر ، والتي قد تكون أحد الأسباب الرئيسة لمعظم المشاكل الأخرى . إنها مشكلة المصالحة الحقيقية بين البيض والسود ، والتي سوف يعتمد مصير جنوب أفريقيا على مدى ما سيتحقق في حلها .

فعلى الرغم من الاتفاقات الموقعة منذ عام 1994 ، فإن الأحقاد ما زالت كبيرة، بل إن البعض يرى أنها قد ازدادت منذ عام 1994 ، وبخاصة أن الاتفاق قد تضمن حلاً وسطاً لم يرض المتطرفين البيض كما لم يرض الكثيرين من السود بالإضافة إلى أن البيض هم الذين يسيطرون على اقتصاد البلاد ويمتلكون معظم شركات التعدين والمصانع الكبيرة ، حيث أن المؤتمر الوطني الأفريقي قد تخلى منذ أوائل التسعينات عن المبادئ الاشتراكية التي كان قد تبناها منذ ميثاق 1957 وعن سياسات التأميم التي طالما تبناها . فاتفاق عام 1994 ، وكذلك الدستور الدائم ينصان على اعتماد اقتصاد السوق .

ومن الجدير بالذكر أن عدداً من السود قد تمكنوا خلال السنوات الأخيرة من شراء عدد من تلك الشركات أو شراء حصص فيها حيث أن فئة رأسمالية سوداء آخذة بالتشكل  . بل يذكر أن بعض النقابات العمالية قد تحولت إلى مؤسسات رأسمالية لها ممتلكاتها واستثماراتها ، الأمر الذي يشير إلى بداية التقاء مصالح البيض وطبقة جديدة سوداء في المجال الاقتصادي ، بينما الجماهير ما زالت بحاجة إلى قطف ثمار المصالحة .

وقد تشكلت منذ عام 1996 لجنة أطلق عليها اسم “لجنة الحقيقة والمصالحة” وأصدرت تقارير في نوفمبر عام 1998 أثارت ضجة كبيرة نظراً لما وجهته من اتهامات للبيض ولعدد من السود على السواء ، بشأن ارتكاب فظائع خلال عهد الفصل العنصري . وقد رأى البعض أن تشكيل هذه اللجنة وأسلوب عملها وتوجهاتها في توجيه الاتهامات يتناقض مع قرار العفو العام الذي نص عليه اتفاق عام 1994 ، فضلاً عن أنه ينكأ الجراح ويثير العداوات، والتي كان الهدف من تشكيل اللجنة إغلاق ملفاتها .

3- القوى السياسية والأحزاب :

تستعد جنوب أفريقيا حالياً للانتخابات العامة الثانية التي ستجري في أيار 1999 . والى جانب القوى والأحزاب التقليدية الموجودة قبل عام 1994 وفي مقدمتها المؤتمر الوطني الأفريقي والحزب الوطني وحزب انكاثا ومؤتمر نقابات العمال (كوساتو) والحزب الشيوعي ، والمؤتمر الأفريقي الجامع ، ظهرت بعد 1994 قوى جديدة في مقدمتها الحركة الديمقراطية المتحدة ، حيث انضم الى هذه الحركة الجديدة عدد من الأعضاء السابقين في الحزب الوطني “الابيض” وشخصيات سوداء .

وقد أجريت العديد من استطلاعات الرأي خلال العامين المنصرمين ، أشارت جميعها الى فوز ساحق متوقع في انتخابات عام 1999 للمؤتمر  الوطني الأفريقي ، على الرغم من توقعها انخفاض نسبة التأييد للمؤتمر من 63% التي حصل عليها في عام 1994 الى نسب تتراوح بين 58% و52% . كما إن هناك توقعات كبيرة بانخفاض نسبة التأييد للمؤتمر الوطني “الابيض” ، وكذلك بالنسبة لحزب انكاثا ، مع ارتفاع نسبي في التأييد للأحزاب الصغيرة الأخرى . وتدور المعركة الانتخابية حالياً حول الولايات المختلفة ، وبخاصة ولاية كوازولوناتال والكيب الغربي ، والشمالي الغربي ، حيث يسعى المؤتمر الوطني الأفريقي للفوز في هذه الولايات التي طالما شكلت معاقل لكل من الزولو والبيض . ففي انتخابات 1994 حصل المؤتمر الوطني الأفريقي على 32% من الأصوات في ولاية كوازولو بناتال في حين حصل حزب انكاثا على 50% في ولايته ، وذلك بفعل تأييد قسم من قبائل الزولو له ، وتصويت أغلبية البيض المقيمين في الولاية إلى جانب انكاثا . أما في ولايتي الكيب الغربي والشمالي ، فإن الحزب الوطني “الأبيض ” هو المسيطر ، على الرغم من وجود تأييد للمؤتمر . ويسعى المؤتمر حالياً إلى ضمان أغلبية له في هذه الأقاليم الثلاثة في الانتخابات ، حيث أن من شأن فوز المؤتمر في هذه الولايات ان يحبط أيةمحاولات انفصالية في هذه الأقاليم.

ويبدو واضحاً أنه على الرغم من الاتفاقات الشجاعة التي ثم توقيعها في عام 1994 ، والتي أذهلت العالم ، وعلى الرغم من تقارير لجنة الحقيقة والمصالحة ، التي طرحت مسألة محاسبة الماضي وأدت إلى وجود مؤيدين ومعارضين لها ، فإن المعركة الانتخابية الجاريةالآن،ذات أهمية بالغة ، وبخاصة أنها ستدشن مرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد مانديلا،الذي قرر عدم ترشيح نفسه في هذه الانتخابات .

أن نجاح جنوب أفريقيا في تعزيز وترسيخ إقامة النظام الديمقراطي غير العنصري ، الذي يتساوى فيه جميع سكان البلاد بالفرص المتساوية وبالحقوق السياسية الواحدة ، سوف يشكل إنجازا عظيماً لنهاية القرن العشرين ، ونموذجاً يقتدي في الكثير من البلدان التي ما زالت العنصرية تشكل سياسة لها.

 

 

المصادر والمراجع

 

  1. Encyclopedia Britannica .
  2. The Economist – Issues from 1995.
  3. Stevens, Richards , Israel & South Africa, North American Inc.1977.
  4. Hunter, Jane, Undercutting Sanctions , Washington Middle East Association , 1987 .
  5. Mansour , Christopher , International Control in Israel and South Africa , Eaford , London , 1983 .
  6. United Nations , The Anatomy of Apartheid, New York , 1968 .
  7. South African Yearbook of International Affairs, Johannesburg, 1998
  8. International Herald Tribune , Several daily issues up to Jan.1999.
  9. مجلة السياسة الدولية ،مركز دراسات الأهرام ، مصر ، أعداد التسعينات .
  10. هنري غريمال ، حركات التحرير الوطني في آسيا وأفريقيا منذ 1919 ، تعريب صباح كعدان ، وزارة الثقافة سورية ، 1994 .
  11. رسالة جنوب أفريقيا ، نشرات المكتب التمثيلي لجنوب أفريقيا لدى السلطة الوطنية الصادرة خلال 1998 .
  12. مشاهدات ومقابلات شخصية .