ياسر عرفات و صدام حسين

الصفحة

 

 

                                                          سلافة حجاوي

                                               2014

 

 البداية

      يكاد يكون العام 1969 أهم عام في حياتي،  بل وأهم من العام 1956 الذي تخرجت فيه من جامعة بغداد  بحصولي على البكالوريوس في الأدب الإنجليزي بدرجة امتياز وتسلمي هدية عميد كلية الآداب والعلوم، الدكتور عبد العزيز الدوري ، وهي ساعة أوميغا فاخرة، ثم نقش إسمي على جدارية الكلية كواحدة من الأوائل لهذا العام الدراسي * ، ثم زواجي  من الشاعر العراقي كاظم جواد وتكرس إقامتي في بغداد.  ففي العام 1969، حدث لي  في العراق شيئان مهمان خلفا أثرا لا يمحى في مسار حياتي ، أولهما انطلاقي كشاعرة فلسطينية  واعدة بأن تكون “أحدى أكبر الشاعرات العربيات”، كما كتبت الصحافة العربية في ذلك الحين، بعد  مشاركتي في مهرجان الشعر العربي التاسع الذي انعقد في ذلك العام  في ختام المؤتمر السابع للأدباء العرب في بغداد.**

* بعد مدة من وصول البعثيين للحكم وكنت قد غادرت العراق،  تم إعلامي بأن إسمي قد مسح من جدارية المتفوقين ووضغ إسم الخريج الثاني في قائمة الأوائل حيث ادعى المذكور لدى وزارة التعليم العالي، واسمه أحمد مطلوب، بانني لست عراقية ولايجوز لي أن اكون على لوحة الأوائل المخصصة للعراقيين، علم بأنني كنت قد اكتسبت الجنسية حين تزوجت من عراقي وذلك حسب القانون، وأردت أن أبعث باعتراض غير أنني نصحت بأن لا أفعل ذلك لأن الاعتراض لا جدوى منه حيث أن المذكور قد أصبح وزيرا ومن كبار البعثيين.

** أنظر مقالتي: “حين تجليت شعرا” في قسم “من الذاكرة”على موقعي الإليكتروني: www.sulafahijjawi.ps

 

 

 

أما السبب الثاني، فهو استئناف نشاطي الوطني السياسي الفلسطيني بعد حرب  حزيران 1967 التي هزت كياني وأقضت مضجعي ، ليس فقط بسبب أن فلسطين كلها قد أصبحت تحت الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني نتيجة تلك الهزيمة ، وإنما بسبب أن أمي وإخوتي الصغار كانوا في نابلس وقد أصبحوا تحت الاحتلال وكان والدي قد توفي قبل  سنوات قليلة.

 

وكانت الساحة الفلسطينية قد شهدت بعد هزيمة 1967 تطورات هامة تمثلت في تكاثر التنظيمات الفلسطينية المسلحة التي أصبحت تريد العمل على تحرير فلسطين بالحرب الشعبية بعد فشل الحرب النظامية العربية. وقد انضمت هذه التنظيمات في العام 1969 إلى منظمة التحرير الفلسطينية وانتخبت مؤسس فتح وأب المقاومة الفسطينية ، ياسر عرفات ، رئيسا للجنة التنفيذية للمنظمة . وبذلك أصبح للفلسطينيين كيان سياسي وعسكري  ضمن لهويتهم وقضيتهم عدم الضياع وحولهم من ضائعين ومشتتين إلى مقاومين مقاتلين.  ومع حدوث انقلاب حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق في العام 1968، تدفق عدد من كوادر هذه التنظيمات الفلسطينية ، وفي مقدمتها فتح إلى بغداد بفعل أن الذين تسلموا الحكم معروفين بأنهم بعثيون قوميون يضعون قضية فلسطين على رأس اهتماماتهم.

 

هكذا وبعد انقطاعي منذ النصف الثاني من العام 1956 عن النشاط السياسي الذي كنت أقوم به وأنا طالبة في جامعة بغداد، بعد زواجي وإنجابي لطفلين وانهماكي في الوظيفة الخارجية ومهام البيت والأطفال، عدت للنشاط السياسي بعد  حرب 1967.  وكان تنظيم فتح أول التنظيمات الفلسطينية التي وصلت إلى بغداد، وتم تفعيل مكاتب فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، وصرت أتردد عليها، وكان العراق قد اعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية منذ تأسيس المنظمة في العام 1964.

 

ومع استقالة آخر مدير للمكتب، هو الكاتب الفلسطيني عصام سخنيني، ظل المكتب يدار لفترة وجيزة من قبل أحد الكوادر غير الدائميين إسمه خميس ( أعتذر إذ نسيت إسمه الكامل)، وتمكنت بفضل مساعدته وتفانيه أن أنشط فأسست في أواسط العام 1969 فرعا للإتحاد العام للمرأة الفلسطينية الذي كان قد أقيم في الأردن، وقمت بزيارات كثيرة لأماكن سكنى اللاجئين الفلسطينيين الذين كان ولي عهد العراق، الأمير عبد الإله بنفسه إلى فلسطين في أواخر العام 1948 لكي يقتلعهم وينقل سكان قرى إجزم وجبع وعين غزال التابعة لمدينة حيفا، كلاجئين للعراق، لكي يسلم حيفا بدون مزعجات  لليهود. وكانت حيفا في ذلك الحين  تحتل أهمية فائقة بالنسبة للعراق بسبب خط النفط القادم من العراق إلى مينائها الذي كانت بريطانيا قد أنشأته لنقل النفط إلى اوروبا. هكذا عثرت بين هؤلاء اللاجئين المساكين  الذين كانوا يعيشون في ظروف صعبة جدا في بغداد، على النساء والفتيات المتحمسات للعمل في الاتحاد ، ثم اتبعت ذلك، بعد أن اتصلت بالأديب الفلسطيني جبرا ابراهيم جبرا، الذي كان يعمل استاذا في جامعة بغداد، والكاتب الفلسطيني ناصيف عواد وآخرين من أجل إنشاء إتحاد للكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وكان ذلك  قبل أن يتم تأسيس الإتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين.

 

 

الانقلاب البعثي في العراق-1968

كان العراق في ذلك الحين يمر في حالة من عدم الإستقرار نتيجة للانقلاب العسكري البعثي الذي وقع في 17/7/1968 وتواصلت المشاكل بين الإنقلابيين البعثيين والقابضين على أجهزة المخابرات والحرس الجمهوري العاملين تحت الرئيس المخلوع، عبد الرحمن عارف،إلى ان حسمت لصالح الإنقلاب البعثي في 30/7 /1968، الذي قاده أحد كبار زعماء حزب البعث العربي الإشتراكي هو أحمد حسن البكر، الذي شغل في عهد الإنقلاب البعثي الأول في العام 1963 موقع رئيس الوزراء لمدة عشرة أشهر قبل ان ينقلب عبد السلام عارف على البعثيين ويطيح بهم . فعلى الرغم من أن إنقلاب 1968 مر بسلاسة ودون سفك دماء  في بادئ  الأمر، فقد صرنا نسمع  الكثير من الأخبار والإشاعات عن  انقلابات فاشلة وعمليات تجسس  إسرائيلية وغير إسرائيلية واعتقالات  واغتيالات ، طالت كبار الشخصيات  البعثية وغير البعثية وإعدامات تتم علنا في إحدى اكبر ساحات بغداد أمام الحشود الجماهيرية .وأخذنا نظن بسذاجتنا أننا كفلسطينيين غير معنيين بما يحدث لأنه شأن عراقي داخلي ، وذلك إلى حين ثبت العكس لنا، حين وجدنا أنفسنا في خضم المعمعة العراقية.

 

كان الانقلاب البعثي الذي تم في العام 1968 قد وقع في سياق ظروف استثنائية داخلية وإقليمية ، في مقدمتها المشاكل والانقسامات داخل حزب البعث ذاته، وبخاصة بعد انقسام حزب البعث القومي في العام 1966 إلى حزب سوري وحزب عراقي، ثم انهيار القيادة القومية للحزب ، ثم بداية صراع سوري –عراقي لم يهدأ  منذ ذلك الحين إلا بعد  سقوط النظام البعثي في العراق بفعل الغزو الأميريكي في العام 2003. هذا بالإضافة إلى أن الانقلاب قد جاء في أعقاب حرب الخامس من حزيران 1967، التي هزت المنطقة وقلبت موازين القوى فيها ثم ما لبثت أن غيبت جمال عبد الناصر ومعه مصر التي كانت تعتبر أكبر وأقوى قوة إقليمية . ولم تقف الأمور هنا. فقد شهد العام 1969 دخول القوة الفلسطينة إلى صدر الأحداث منذ انضمام الفصائل الفلسطينية لمنظمة التحرير الفلسطينية وانتخاب ياسر عرفات رئيسا  للجنة التنفيذية، وإعلان ياسر عرفات عن سياساته واستراتيجياته المتمركزة في مبدأين رئيسين:  أولوية المبدأ الوطني على القومي، والثاني هو القرار الوطني الفلسطيني المستقل. وهما  الأمران  اللذان  استفزا  القوى القومية في المنطقة، وفي مقدمتها حزبا البعث في العراق وسورية وقياداتهما المتطلعة للسيطرة على المنطقة تحت الشعار القومي القائل بأن الوحدة العربية هي الطريق لتحرير فلسطين.

 

لم يكن صدام حسين معروفا في بغداد حين وقع انقلاب .1968 فقد ورد إسمه لأول مرة في الإعلام العراقي في 30/7/1968 كقائد لمجموعة أوكلت لها مهمة اعتقال رجل المخابرات عبد الرزاق النايف الذي كان يعرقل الانقلاب البعثي، وتسفيرة إلى خارج العراق. كما إن صدام حسين هو  الشخصية الوحيدة  من بين الذين قادوا أو شاركوا في تنفيذ انقلاب 1968، الذي لم يكن عسكريا ولم يخدم في الجيش مطلقا،  ولم يتخرج من جامعة ، ولم يشغل أي منصب او موقع إداري أو سياسي في مسلسل القيادات الحزبية البعثية في العراق ولم يرد إسمه في انقلاب 1963، ولم يعرفه إلا القلة من العراقيين  في العراق وذلك من خلال مشاركته مع عنصر عراقي  آخر في المحاولة  الفاشلة لاغتيال رئيس العراق عبد الكريم قاسم  في العام 1959، حيث اصيب  صدام حسين برصاصة في ساقه وهرب إلى مصر وعاد للعراق لدى قيام الإنقلاب البعثي في العام. 1963

 

ويبدو ان علاقة صدام حسين بأحمد حسن البكر قد توثقت منذ ذلك الحين أو قبل ذلك، حيث قال البعض بأن المحاولة الفاشلة لاغتيال عبد الكريم قاسم  في العام 1959 التي نفذها صدام حسين مع رفيقه الذي قتل في تلك العملية ، قد وضعها البكر. وكان قد تم اعتقال احمد حسن البكر في العام 1964 بعد أن اتهم بتدبير محاولة انقلابية ضد عبد السلام عارف ، وتم اعتقال صدام حسين معه.  كما قيل بأن صدام حسين كان  الساعد الأيمن للبكر، وبأنه كان ينشط في تجنيد الأعضاء لحزب البعث. وقد أفرج عن البكر في العام 1965 لأسباب صحية بينما تمكن صدام حسين من  الفرار من السجن في العام .1966  ويبدو ان البكر لمس في صدام حسين الذي قيل أنه قريبه ومن تكريت، عقلية أمنية ومخابراتية  متميزة، فأخذ يعتمد عليه في الكثير من المهمات كما قام بعد انقلاب 1968 بتسليمه كافة المسؤوليات والمناصب الأمنية والاستخباراتية في الدولة. وفوجئ الجميع، وبخاصة أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين شاركوا في تنفيذ الانقلاب، وفي مقدمتهم الفريق الطيار حردان التكريتي، حين أقدم البكر في أواخر العام 1969 بصفته رئيس الدولة ورئيس مجلس قيادة الثورة ، على تعيين صدام حسين  نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة، ثم نائبا لرئيس الجمهورية. ومنذ ذلك الحين انتشرت تسمية صدام حسين  في العراق بأنه ” السيد النائب”، وأصبحت جميع قضايا الدولة، وفي مقدمتها القضايا الأمنية والمخابراتية لا تمر إلا من خلاله او قد لا تخرج أساسا إلا من عنده.

 

زيارة ابوعمار لبغداد

 في منتصف العام 1969، أخبرني الشباب بأن الرئيس ياسر عرفات قد وصل إلى بغداد.  وكان ذلك متوقعا بعد انتخابه رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبعد الانتصار الذي حققته المقاومة بقيادته في معركة الكرامة التي بدأت في 21 / 3 /1968 . وسرني  جدا حضور أبو عمار لبغداد ، وبخاصة أنني لم أتعرف إليه قبلا. وقررت أن أنتهز الفرصة وأدعوه كوسيلة للتعرف إليه لكي يدشن الافتتاح الرسمي لإتحاد المرأة الفلسطينية الذي كنت قد شكلته قبل فترة وجيزة.  وطلبت من  الشباب ان يوصلوا الدعوة له ويرتبوا ذلك إذا وافق وسمح له الوقت . ولم يخيب أبو عمار أملي. وبالفعل، وصل أبو عمار عصر اليوم التالي، ليجد في استقباله عرسا من الأطفال الفلسطينيين والأمهات وغير الأمهات من الفلسطينيات اللاجئات  اللواتي أصرت بعضهن على استخراج أثوابهن الفلسطينية  التراثية المطرزة من صررهن القديمة البالية وارتدائها مع ما تبقى لديهن من حلي تقليدية احتفاء بأبو عمار القائد و محيي الهوية الوطنية الفلسطينية.

 

وصل أبو عمار ودخل القاعة. وبدلا من أن يتجه للسلام علينا ، لفت انتباهه أن الطاولة التي في وسط الغرفة قد أزيحت من مكانها بفعل تدافع النساء، فتقدم نحوها وعدل موقعها لكي تتوسط الغرفة بتناسق، ثم استدار لكي يسلم علينا بكل حرارة واحدة بعد الأخرى . لفتت تلك الحركة انتباهي ، وتساءلت بيني وبين نفسي عن السبب في تلك الحركة: هل لكي يستجمع نفسه بعد تلك المفاجأة الحاشدة غير المتوقعة؟ أم أنه بطبيعته رجل ذو عقل منظم..؟ وعلقت صورة تلك الحركة في ذاكرتي منذ ذلك الحين، ولعبت دورا في تشكيل قناعاتي المبكرة به.  ففي أول لقاء لي معه، أسرتني شخصيتة كما أسرت الكثيرين والكثيرات ، وذلك بفعل بساطته وحميميته وبزته  العسكرية وكوفيته الفلسطينية التقليدية  وكلامه البسيط  وتواضعه الكبير ولهجته المصرية الغريبة التي تقبلناها بكل رحابة صدر. وقد تكون حادثة الطاولة قد أضافت عندي بعدا ذهنيا لمكونات شخصيته. كان حقا لقاء حافلا امتلأت فيه قلوب الحاضرين والحاضرات بالفرح والأمل وكأن فلسطين قد اصبحت على قاب قوس منا، وخطب فينا ثم غادرنا  في خضم الزغاريد.

 

حادث السيارة

بعد بضعة أيام، فوجئت بخبر أن شاحنة عسكرية عراقية قد صدمت سيارة أبو عمار  وهي تمر من أمام معسكر للجيش في ضواحي بغداد، وأنه أصيب بكسر بسيط  في ذراعه وأجري له  اللازم وأنه  بخير .  هل يعقل…قلت في نفسي، وهو معه أمهر السائقين الفلسطينيين الذين يفدونه بحياتهم..؟؟  وأخذت أسأل الشباب عن أية معلومات لديهم… فالسيارة التي صدمت سيارته عسكرية، وهي لم تقف بعد أن صدمته، بل مضت في طريقها دون أن يلتفت سائقها إلى ما فعله.  قررت أن أزوره وأطمئن على صحته.  أخذت بعض النساء من المشاركات في الاتحاد وذهبنا . فاستقبلنا بابتسامة خاصة أصبحت مألوفة لدى الجميع وذراعه مربوطة،  وقال”: لا تقلقوا، بسيطة، هاجمني عملاء الصهيونية.”

 

ساورني قلق شديد. فأبو عمار ومنذ بدء تردده على بغداد خلال العام 1969 وأوائل 1970 قد حظى بحفاوة شعبية  وجماهيرية عراقية منقطعة النظير،  وبخاصة أن الكثير من العراقيين، وفي سياق هزيمة حزيران 1967 وصعود المقاومة الفلسطينية، قد أيدوا فتح تأييدا كبيرا وانضم العديد من شبابهم لصفوفها. وقد سبق حادث السيارة استشهاد أحد الشباب العراقيين المتطوعين وجلب ابوعمار جثمانه معه لكي يتم تشييعه تشييعا مهيبا في بغداد. وهذا ما حدث، حيث ألهب حضور أبوعمار الجنازة حماس المشيعين وارتفعت الهتافات له وللمقاومة الفلسطينية بشكل عام.  وكان مبكرا جدا ان يحكم أحد منا  او يستنتج  حقيقة موقف قادة الانقلاب العراقي من المقاومة الفلسطينية ومن ابوعمار بالذات، وبخاصة بعد ذلك التأييد الجماهيري العراقي  الكبير له.  وحاولنا تجاهل الموضوع على اعتبار أنه حادث عرضي،  وغادر ابو عمار دون ان يتسرب  شيئ عن لقاءاته وما دار فيها قبل أو بعد حادث السيارة.

 

 

 

 

 

 

أيلول الأسود

 

ومرت أيام وشهور، ويبدو أنه كانت هناك مباحثات سرية  للرئيس عرفات وفلسطينيين آخرين مع القيادة العراقية حول ما تكشف لاحقا من تطورات خطيرة تمثلت في تصاعد توتر العلاقات الفلسطينية- الأردنية في العام 1970 وبخاصة بعد صدور مبادرة روجرز التي قدمت صيغتها الثانية في حزيران 1970وموافقة  كل من مصر والأردن عليها، حيث  ما لبث الوضع  ان انفجر إلى قتال أردني- فلسطيني مسلح  في  السابع عشر من ايلول من العام 1970، وبدأ منذ   ذلك الحين أول اختبار للعلاقات الفلسطينية-  العراقية،  وذلك في سياق أن حزب البعث هو حزب قومي يقول بأن قضية فلسطين هي قضيته الأولى.

 

انضممت في ذلك الحين لمساعدة الشباب  في محطة الإذاعة الفلسطينية، صوت العاصفة، التي انطلقت في منتصف العام 1968 ، وأصبحت على صلة مباشرة  بالأمور وتطوراتها . كانت هناك قوات عراقية معسكرة  في الأردن منذ حرب 1967 . ولا مجال للتساؤل لماذا هذه القوات باقية هناك….!!!!  وكانت المعلومات  المتوفرة عن هذه القوات هو أنها تعسكر في المفرق، وأن عددها يتراو ح بين 12 و20 أو 25 ألف عنصر. وهناك قاعدة مكتملة بها مطار وخدمات أخرى  . ولا بد من افتراض أن إسرائيل كانت  موافقة على وجود هذه القوات وعددها ، وإلا لما سمحت للأردن بالإبقاء عليها، لكن أحدا لا يجؤ على طرح مثل هذا السؤال.

 

لا أعرف كيف اقتنعت القيادة الفلسطينية بأن القوات العراقية ستتدخل للدفاع عن المقاومة الفلسطينية إذا ما اندلع القتال. فالشائعات الرائجة في بغداد في العام 1970 كانت تقول بأن القيادة العراقية قد تعهدت لياسر عرفات بأنها ستتدخل دفاعا عنهم. وكانت هذه الأقوال تدعم موقف ياسر عرفات ، الذي قيل بانه كان واثقا من أن القوات العراقية سوف تتدخل دفاعا عن المقاتلين الفلسطينيين.

 

كانت الأجواء في بغداد لدى بدء القتال في الأردن  في أيلول 1970 محمومة. فالإذاعات العراقية كانت تهاجم النظام الأردني وتحمله مسؤولية ما يحدث ولم تكن تذيع إلا الأناشيد الحماسية والبيانات النارية تأييدا للفلسطينيين والمقاومة الفلسطينية، وبدا لنا هزءا وكأنه لا لزوم إذن لإذاعة صوت العاصفة الفلسطينية إذا كان الإعلام العراقي بأسره يقوم بدور تحريضي يفوق دور صوت العاصفة بإمكانياته الضئيلة. وكان الناس يرددون في بغداد  أقوالا نسبت إلى صدام حسين يقول فيها” “إن سحق الفدائيين يجب أن يمر على أجساد العراقيين”، وأقوالا أخرى نسبت إلى البكر يقول فيها بأنه يقسم بشرفة العسكري والشخصي بأنه سيحرر فلسطين “في العام القادم”.

ووقعت المذبحة، وتواصلت،وقتل في مرحلتها الأولى نحو ثلاثة آلاف فلسطيني معظمهم من المدنيين من سكان المخيمات، ولم تتحرك القوات العراقية، ولم تطلق رصاصة واحدة ، بل ولم تتوسط لإيقاف  الهجوم الأردني على الفلسطينيين. ثم صرح وزير الدفاع العراقي في ذلك الحين، حردان التكريتي، الذي كان موجودا مع تلك القوات لدى اندلاع القتال، قائلا بأن القوات العراقية” لن تتدخل في الصراع الدائر”، وهو ما اعتبرتة المنظمات الفدائية موقفا سلبيا. وجاء في أحد البيانات الفلسطينية  أن الموقف العراقي يشكل نكثا ” بالاتفاقيات السرية المبرمة بين الطرفين “..وأذكر اننا كنا في ذلك الحين قد أصبحنا مشحونين عاطفيا، ولم نستطع في الإذاعة أن نعرف  ماذا نقول، وهل يمكن لنا ونحن فوق أرض عراقية أن نهاجم النظام العراقي أم نكذب التنظيمات الفلسطينية..؟؟

 

وكان الحديث يدور أيضا  في بغداد في ذلك الحين أن القيادة البعثية في العراق كانت منقسمة بالنسبة للموقف الذي يجب أن تتخذه مما يجري في الأردن، قسم يؤيد التدخل والدفاع عن المقاومة الفلسطينية والفدائيين ، ويتزعمه عبد الخالق السامرائي، أحد أبرز القيادات البعثية العليا والذي كان المسؤول الحزبي عن القوات في الأردن، وكان موجودا مع القوات،  وقد تم إعدامه لاحقا في العام 1978 ،  وقسم آخر يقول بأن ما يحدث في الأردن هو شأن داخلي لا يجوز التدخل فيه، ويتزعمه ناب الرئيس العراقي صدام حسين.

وبعد عودة وزيرالدفاع العراقي ، حردان التكريتي إلى بغداد، كان الشارع العراقي يغلي بسبب عدم تدخل القوات العراقية لنجدة الفلسطينيين، ولكن قيادة الحزب –  التي كانت قد أصبحت في ذلك الحين من الناحية الفعلية تتمثل فقط بثنائي البكر- صدام حسين، اخذت تلقي بمسؤولية ذلك على وزير الدفاع حردان التكريتي وتوجه له الإتهام بأنه هو المسؤول عما حدث. وهكذا تم تجريد حردان التكريتي من مناصبه الرسمية والحزبية تدريجيا ، ثم نفي إلى خارج العراق حيث اخذ يكتب مذكراته في الجزائر.

 

يقول حردان التكريتي في مذكراته، ” موقفنا من المقاومة الفلسطينية غير مشرف”  ، ثم يفضح سر بقاء القوات العراقية وعدم تدخلها في أحداث الأردن، فيتحدث عن اتفاق سري تم عقده مع إسرائيل ” بعد شهر من انقلابنا في تموز، وبالضبط في 29/8/1968، على عدم شن أي هجوم على جيشنا أو على العراق، مقابل عدم اشتراك الجيش العراقي في أية عملية ضد إسرائيل، أو حتى في صد  أي هجوم على الأردن، وذلك مقابل السماح لليهود العراقيين  بالهجرة إلى إسرائيل عن طريق قبرص”. “ويضيف أيضا بأن هذا الاتفاق قد “تم عن طريق ميشيل عفلق وشخصية صهيونية كبيرة في القدس. كما يبين حردان التكريتي بان القرار في التدخل أم عدمه لم يكن من اختصاصه بمفرده، وبأن القرارات العليا قد اصبحت  منذ العام 1970 في يد صدام حسين وأحمد حسن البكر. وقد تم تبرير تجريد حردان التكريتي من جميع مناصبة باتهامه بخيانة الثورة الفلسطينية لأنه لم يلتزم بالعهد” الذي أخذه البعثيون على أنفسهم بمساعدة وحماية الفلسطينيين” . وكأن حردان التكريتى كان يشكل دولة أخرى بحد ذاته. وكان مثل هذا الكلام موجها للإستهلاك الداخلي. وكان بإمكان القيادة العراقية لو كان هذا الادعاء صحيحا أن تعزل حردان التكريتي وترسل من ينفذ أوامرها بدلا منه، وبخاصة أن عبد الخالق السامرائي كان يلح على ضرورة اصدار أمر بالتدخل. في 31/3/1971 ، فوجئت الساحة العراقية بخبر اغتيال وزير الدفاع السابق، الفريق الطيار حردان التكريتي بينما كان في الكويت للعلاج.

 

وقد أخذت العلاقات بين صدام حسين وياسر عرفات تتدهور من سيئ إلى أسوأ حتى بعد خروج المقاومة الفلسطينية من الأردن إلى لبنان ، حيث نشطت المخابرات العراقية في ملاحقة العراقيين الذين يعملون في المؤسسات الفلسطينية أو يتعاونون مع فتح بشكل خاص. وتم اغتيال العديد منهم على يد المخابرات العراقية التي كانت منتشرة بكثافة في بيروت ، منهم شاب عراقي كان يعمل كسكرتير تحرير في مجلة فلسطين الثورة، واسمه الحركي كما اعتقد،  عادل وصفي، حيث اغتيل في أحد شوارع بيروت بمسدس كاتم للصوت بتاريخ 20/ 6/ 1970. وقد اطلعت على ما كتبه حسن العلوي في كتابه ” أسوار الطين”، الذي روى فيه ما حدث في اجتماع في دائرة المخابرات العراقيه حضره صدام حسين ، حيث تساءل أحد المسؤولين عن جدوى الاغتيالات الكثيرة التي تتم في الخارج لصحفيين عراقيين “وتثير النقمة علينا” ، وذكر اغتيال الصحفي المرموق  عادل وصفي كمثال.  فرد صدام حسين بكل ببرود كما يقول : “أعتقد أن الرفيق برزان ( التكريتي، أخ صدام حسين) عالج الموضوع .. ليس المقصود هو نفسه، وإنما لجر إذن اللي غيرة سز..  مثل ياسر عرفات” ( سز بالعراقيه تعني لا يوجد أو ماكو).  وقد تعهد أبوعمار في حينها أن ينتقم من قتلة عادل وصفي، غير أنه ما لبث بعد أن تم  القبض على القتله أن سلمهم للنظام العراقي. وقد وجهت انتقادات كثير له بسبب ذلك، غير أنني أستطيع أن أجزم بأن أبو عمار قد تلقى تهديدات خطيرة  من النظام العراقي اضطرته لتسليم أولئك القتلة. وتشكل هذه الحادثة مع حادث السيارة  أوائل نمط العلاقة التي ستسود بين ياسر عرفات وصدام حسين على مدى السبعينيات.

 

صبري البنا أبو نضال

بعد أن هدأت الأمور قليلا وغادر الفدائيون الذين كنت كتبت لهم أجمل  قصائدي، حيث انتقل البعض إلى لبنان وقتل من قتل ودفن من دفن،  تم التفكير فلسطينيا بتعيين ممثل لفتح ولمنظمة التحرير الفلسطينية في العراق، حيث لم يعد  يجوز ترك الساحة العراقية بدون مدير فلسطيني. هكذا تم الاتفاق داخل القيادة الفلسطينية في العام 1971على تعيين صبري البنا، الذي أصبح يشتهر لاحقا باسم أبو نضال، مديرا لمكتبي فتح والمنظمة في بغداد، وذلك بعد ان رشحه صلاح خلف أبو إياد.

يذكر عن صبري البنا أنه لم يحصل على شهادات دراسية أو على أية خبرة في العمل الدبلوماسي، وأنه قد انتمى لحزب البعث العربي الاشتراكي  في العام 1955، ثم ذهب للعمل في السعودية كفني كهرباء، وعاد إلى الاردن عندما اندلعت المواجهات الفلسطينية-  الأردنية في العام 1970.  وقد وجد صبري البنا في أبو إياد خلال إقامته في الأردن،  راعيا له لكون الإثنين يعرفان بعضهم  البعض منذ أن كانا صبيين  جارين في  مدينة  يافا قبل النكبة. غير أنه تم وصف صبري البنا بانه كان حديا وعنيفا  في تصرفاته إبان المصادمات مع الجيش الأردني. ولا أدري السبب الذي جعل الرئيس ياسر عرفات وابو إياد يختاران صبري البنا لإشغال هذا الموقع الحساس في العراق، هل هو لأن له خلفية بعثية أم لأنه عنيف الطبع وذو عقل تآمري يلائم صدام حسين كما كان يقال؟

 

تعرفت على صبري البنا بعد وصوله إلى بغداد في العام 1971 وتسلمه مهامه في مكتبي فتح والمنظمة ، وقليلا ما كنت أراه. وكان ذلك يحدث حين تكون لدي مسألة  تتعلق باتحاد المرأة او غير ذلك.  وبدا لي أنه إنسان لطيف وهادئ  ولا اذكر أنني شاهدته يمارس عنفا او يتصرف تصرفا سيئا إزاء أحد ما أو سمعت له صوتا. كما أذكر أنه طلب مني يوما أن أرافقه في زيارة لجبهة التحرير العربية. وكنت قد سمعت عن تشكيل البعثيين لتنظيم عسكري لممارسة المقاومة الفلسطينية باسم حزب البعث العربي الإشتراكي واطلقوا عليه إسم جبهة التحرير العربية، وجميع كوادر هذا التنظيم من اللاجئين الفلسطينيين الذين في العراق. لم يكن ذلك مستغربا بحد ذاته، فقد سبقهم البعثيون السوريون إلى ذلك بتشكيل أكثر من تنظيم فلسطيني تابع لحزب البعث السوري.

 

تميزت هذه التنظيمات السورية والعراقية عن غيرها من التنظيمات الفلسطينية الأخرى في أنها لم تتبع المؤسسة العسكرية المرتبطة بمنظمة التحرير الفلسطينية ، وتتلقى أوامرها وتوجيهاتها من القيادتين العراقية والسورية. كما إنها، وكما لاحظت في العراق ، مسؤولة عن تبعيث اللاجئين الفلسطينيين الموجودين في العراق ومتابعة أوضاعهم السياسية والأمنية والمعيشية، وبخاصة أن اللاجئين الفلسطينيين قد حرموا منذ وصولهم إلى العراق في العام 1948 من إدراج أسمائهم في سجلات وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة حيث تم الاتفاق بين الحكومة العراقية والأمم المتحدة على أن تكون الحكومة العراقية هي المسؤولة عن إعالتهم ورعاية شؤونهم مقابل إعفائها مما يترتب عليها دفعه من مبالغ سنوية  لوكالة غوث اللاجئين.

 

كان هدف الحكومات العراقية في ذلك الحين يشكل جزءا من سياسة عراقية- بريطانية قديمة بدأت مع  تنصيب الأمير فيصل في أوائل العشرينيات ملكا على العراق،  وتتمثل في نقل أقصى ما يمكن من  الفلسطينيين إلى العراق من أجل تحقيق هدفين: تفريغ فلسطين من سكانها من أجل إقامة الدولة اليهودية من جهة ، وتعديل الميزان السكاني الطائفي في العراق بجعل عدد السنة أكثر من عدد الشيعة في البلاد.  ولم يكن حزب البعث هو المسؤول عن هذه الخطيئة بحق اللاجئين الفلسطينيين في العراق الذين أصبحوا غير مسجلين في قوائم الأمم المتحدة ، حيث لم يكن موجودا في ذلك الحين وإنما كان يمكن لحزب البعث بعد أن أصبح في الحكم  أن يصحح الخطأ التاريخي الذي تم ارتكابه بحقهم في العراق، وأن يعمل على تسجيلهم في وكالة غوث اللاجئين ولا يجعل منهم رهينة. هكذا أصبحت حياة اللاجئين الفلسطينيين في العراق معتمدة كليا في معيشتها على الحكومات والأنظمة العراقية ، ومن الطبيعي جدا أن يلجأؤا إلى الانضمام إلى حزب البعث الحاكم وإلى جبهة التحرير العربية من أجل الحصول على المكاسب التي ترفع من مستويات معيشتهم. غير أن هذا كان سببا في تفاقم  نقمة العراقيين  الفقراء المعدمين عليهم.

وقد لا حظت لاحقا أن أبوعمار لم يكن يقترب من أماكن التجمع الفلسطينية حين يأتي لبغداد ، وظل الفلسطينيون اللاجئون في العراق لا يعرفونه إلا من خلال الإذاعات. وقد خطر ببالي لاحقا أيضا أن أبو عمار ربما فوجئ بوجود التجمع الفلسطيني في مقر اتحاد المرأة الفلسطينية حين دعوته إليه،  وخشي أن تكون المخابرات العراقية قد شكت في أن يكون اللقاء مدبرا لكي يلتقي باللاجئين. فقد كان ممنوعا ان يلتقي باللاجئين الفلسطينيين الذين في العراق.

 

حين اقتربنا أنا وابو نضال من مكتب جبهة التحرير العربية، همس في أذني بأن  أقول إذا سئلت بأنني مستقلة ولست من فتح. ولم أعرف سبب ذلك في حينه. كان هناك مسؤول مكتب الجبهة وهو من الفلسطينيين اللاجئين في العراق،  واسمه عبد الرحيم أحمد.  قال لي بأنه يسره التعرف إلي، وبأنه سمع مديحا لي من النساء اللواتي انضممن لاتحاد المرأة عندي. وتأكدت حالا من أن مهمة جبهة التحرير العربية تتضمن داخليا  مهمة تبعيث الفلسطينيين وحشو ما تقيم فتح وغيرها من التنظيمات من إتحادات بفلسطينيين بعثيين.

 

كانت الأمور تبدو طبيعية في المكتب الفلسطيني بعد مجيئ صبري البنا، حيث كان قيل لي بأنه مناضل فتحاوي، ولم أكن أعرف أنه ذو خلفية بعثية. فتجربتي الخاصة مع حزب البعث لم تكن طيبه منذ أن كنت طالبة في جامعة بغداد حين سعى الأعضاء البعثيون في كلية الآداب والعلوم  لتنظيمي. وبعد وقت قصير أعدت لهم منشوراتهم وقلت لهم بأنهم قد سرقوا أفكار القوميين وأفكار الشيوعيين وحوروها ودمجوها وصنعوا منها حزبا لهم، وأنني لا أنوي الانضمام لأي حزب عربي بسبب التجربة التي خضناها نحن الفلسطينيين  في ضياع فلسطين على يد العرب. ولم أكن في ذلك الحين أعير ما يحدث في الساحة العراقية كثير اهتمام.

 

 

 

حرب أكتوبر1973 وتداعياتها

 

برنامج النقاط العشر وانشقاق صبري البنا

غير أن الأمور تغيرت في الساحة العربية بأسرها  بعد اندلاع حرب السابع من اكتوبر       1973 التي أدت إلى انخراط مصر في عملية التسوية التي كانت الإدارة الأميريكية قد رسمتها لإنهاء الحرب بين مصر وإسرائيل. بعد انتهاء الحرب وما آلت إليه من نتائج،  كان واضحا للرئيس عرفات ومعظم قيادات فتح  وقيادات بعض الفصائل الأخرى، وبعض المراقبين العاديين، أن مؤشرات  توجه مصر لعقد تسوية سياسية خاصة بها مع إسرائيل وعدم ربط التسوية المصرية بتسوية فلسطينية، إنما يؤكد على أن منظمة التحرير الفلسطينية لن تكون قادرة على تحقيق اهدافها النضالية المطروحة حتى ذلك الحين، والمتمثلة بتحرير كامل التراب الفلسطيني بشكل او آخر، وأنه لابد من مراجعة كامل البرنامج النضالي الفلسطيني والتوصل إلى ما هو ممكن وقابل للتطبيق في هذا المجال، وأنه لا بد من العمل للمشاركة في الجهود السياسية والدبلوماسية  الدولية الجارية من اجل تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967 قبل ان تضيع هي الأخرى. وبعد  رفض الإدارة الأميريكية،  بضغط من إسرائيل، إشتراك منظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر جنيف الذي تم ترتيب عقدة بعد انتهاء حرب 1973، للاتفاق على صياغة التسوية السياسية بين الأطراف المتحاربة وباشر أعماله في 21/12/1973، تأكد لي  ما سبق. وفي 8/6/1974 تبنت منظمة التحرير الفلسينية برنامج عمل يتيح للمنظمة التحرك في الساحة الدولية وأطلق عليه إسم برنامج النقاط العشر. وقد صادقت منظمة التحرير الفلسطينية عليه  لاحقا  بصعوبة بالغة نظرا لمعارضة عدد من الفصائل المتمسكة بهدف التحرير الكامل لفلسطين، للبرنامج الذي  نص على ” إقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة على كل جزء  يتم تحريره من الأرض الفلسطينية”. وهي صيغة مواربة كان الهدف منها  إرضاء التنظيمات الرافضة لأي حل لا يتضمن تحرير كل فلسطين التاريخية.

 

كنت من المؤيدين لبرنامج النقاط العشر حتى قبل أن يصدر، وذلك لقناعتي قبل توقف الحرب تماما، أن ما حدث من تراجعات مصرية  وما تمكنت إسرائيل من تحقيقه في الأيام الأخيرة من الحرب، إضافة لما حدث على الجبهة السورية، قد أنهى إمكانية تحقيق انتصار عربي ينعكس إيجابا على قضية فلسطين. بل إنني توقفت في ذلك الحين عن كتابة الشعر المقاوم وانتقلت للعمل في مركز الدراسات الفلسطينية التابع لجامعة بغداد ثم عدت لاحقا إلى الجامعة للحصول على الماجستير في العلوم السياسية، بسبب فقداني لقناعتي بإمكان تحرير فلسطين عسكريا بعد ما لحق بالعرب من هزائم نكراء وعدم جديتهم حقا لخوض أية معارك لتحرير فلسطين والقدس بشكل خاص، وأن تخليص الأراضي الفلسطينية المحتلة  في العام 1967 من براثن الإحتلال الإسرائيلي هو الذي يجب أن يكون هدفا للنضال الفلسطيني  بعد حرب اكتوبر 1973 وذلك قبل أن يتحول مصيرها إلى ما آل إليه مصير ما ضاع من فلسطين في العام 1948.

 

هكذا وبعد صدور برنامج النقاط العشر،  فوجئت بما أخذ يحدث في بغداد من تطورات، حيث تحولت الإذاعات والتظاهرات إلى مدافع كلامية ضد الفلسطينيين الخونة وفي مقدمتهم فتح التي أصبحت توصف بأنها  باعت قضية فلسطين، وتريد الالتحاق بالخائن أنور السادات، بل  توحي وكأن الجيش العراقي الذي جلس في الأردن في العام  1970بقرار النظام البعثي القومي يتفرج على ذبح الفلسطينيين الذين كانوا يريدون تحويل الأردن إلى جبهة مقاومة لتحرير فلسطين،  سوف ينطلق الآن  لتحرير فلسطين.

 

 

وبموازاة هذا النفير المضاد لفتح والمنظمة، تحولت بغداد منذ العام 1974 إلى حاضنة لحدثين رميا إلى شق وإنهاك فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، تمثل الأول في انشقاق ممثل فتح والمنظمة، صبري البنا عن فتح والمنظمة، وتشكيل تنظيم جديد باسم ” فتح- المجلس الثوري”.  بينما تمثل الثاني في  تشكيل ما عرف باسم  جبهة الرفض .

 

ففي مجال انشقاق صبري البنا، كانت ردة الفعل العنيفة هذه من جانب هذا الرجل الذي لم يكن قبل أن تنتشله فتحويساعده أبو إياد،  إلا  إنسانا أميا وفنيا  كهربائيا،  مثيرة للانتباه والاهتمام. وبدا واضحا لنا نحن الفتحاويين الذين كنا نراقب المشهد عن قرب، انه لم يكن ممكنا لصبري البنا أن يقوم بهذه العملية الكبيرة، إي الانشقاق عن فتح التي هي أكبر تنظيم فلسطيني، وتشكيل تنظيم ادعى بانه سيكون تنظيما بديلا  او منافسا لفتح ، بدون دعم قوي من خارج الإطار الفلسطيني. وصار واضحا أنه لم يكن يوجد في الساحة من هو قادر على دعم انشقاق صبري البنا سوى طرفين ، هما النظام السوري والنظام العراقي، وبما أن صبري البنا كان  يقيم في العراق،  فمن المؤكد أن الداعم لإنشقاقه هو النظام البعثي العراقي الجديد وأجهزة مخابراته.

 

أخذت اتابع ما يحدث في الساحة العراقية والفلسطينية حيث تأكد لي أن ما فكرنا فيه فور علمنا بانشقاق صبري البنا  كان صحيحا،  حيث لم يمض وقت قصير حتى قام النظام العراقي وأجهزته الأمنية والمخابراتية  بمصادرة كل ما تملكه فتح من مقرات ومكاتب ومرافق ومعسكرات وورشات صغيرة لصناعة المتفجرات  ، بعضها أقيم منذ عهد الرئيس العراقي  عبد الكريم قاسم في أوائل الستينيات، وتم تسليمها جميعا لصبري البنا، إضافة إلى الأموال التي كانت، كما يبدو ، قد خصصتها القيادة العراقية كمساعدة لفتح حين زار الرئيس عرفات بغداد.

 

وإذ كنت أفكر  بما حدث  وما الذي يجب أن أفعله بعد تلك التطورات، إذا بصبري البنا يتصل بي، ويرجو مني أن أقابله. واتفقنا على موعد وذهبت إلى مكتبه  عصرا. وجدته هناك ومعه شخص شبه صديق لي هو الكاتب الفلسطيني القومي ناجي علوش الذي كنت أعرف أنه أصبح قريبا من أبو نضال في الفترة الأخيرة . كان اللقاء وديا ، ولم أعلق أو أظهر أنني أعرف شيئا عن انشقاقه وما شاع بين الفلسطينيين  في بغداد انذاك عن تلك التطورات ، ولكنه ما لبث ان فتح الموضوع،  وبدأ يتحدث عن  الخونة في فتح الذين خانوا القضية وأنه قد قرر الإنشقاق عنهم.  وطلب مني ان انضم إلى تنظيمه الجديد وأساعده على تصحيح المسار الفلسطيني، وأخذ ويقول لي بأن بساطا أحمر سوف يفرش تحت قدمي لأنه يريدني أن أتسلم مسؤولية العلاقات الخارجية. وكان ناجي علوش ، الذي تخلى في ما بعد عن أبو نضال، يؤيده ويشجعني ويمتدح وطنيته ويشارك في الهجوم على ما قامت به فتح. تحاشيت مجادلتهما، وشعرت في داخلي بالخوف، وقلت  بأنني سأفكر في الموضوع . في اليوم التالي، أرسلت له كتابا أقول له فيه بأنني أقدم له استقالتي من العمل كرئيسة لفرع إتحاد المرأة ولاتحاد الكتاب والصحفيين وأية مهام أخرى كالمساعدة في الأذاعة الفلسطينية. وكانت الإذاعة من أوائل المقتنيات التي استولى عليها. وانقطعت فورا عن العمل وعن الذهاب إلى مكتب المنظمة ، ولم أره شخصيا منذ ذلك الحين.  وإذ أخذ الرعب يسيطر علي،  وكنت أعمل في ذلك الحين مديرة لتحرير مجلة ” الدراسات الفلسطينية” التي كانت تصدر عن  مركز الدراسات الفلسطينية التابع لكلية العلوم السياسية في جامعة بغداد ، رويت  لمدير الإدارة في المركز ما حدث،  ورتب لي حارسا يظل متواجدا في الممر الذي فيه غرفتي وأن لا  يسمح لأحد بالدخول إلى عرفتي إلا بعد استئذاني.

 

ومنذ ذلك الحين، تجمد وجود فتح في العراق، وتوقفت زيارات أبو عمار، وصرت أسافر أحيانا إلى بيروت لحضور مؤتمرات الإتحاد العام للمرأة الفلسطينية  والاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين كعضوة من الإعضاء الفرديين ، بينما كان الفرعان اللذان أسستهما في بغداد للاتحاد المرأة واتحاد الكتاب قد تحولا إلى فرعين ممثلين لجبهة التحرير العربية التابعة لحزب البعث.

 

وكنت أخذت أسمع أخبار أبونضال من شباب فتح الذين تركوا المكتب الذي استولى عليه واخذوا يزورونني أحيانا ، وعن التغيرات التي حدثت في شخصية صبري البنا وتطورات قدراته الإجرامية، وأنه صار يقضي معظم وقته في مكاتب المخابرات العراقية وتحول منذ ذلك الحين  إلى ” بندقية مستأجرة ” وفق وصف الكاتب المتخصص به  باتريك سيل. وصرت استمع إلى الإذاعة الفلسطينية التي استولى عليها وتبين لي أنه استهل برنامج  العمل فيها  بمهمة الدفاع عن سلوك النظام العراقي في أيلول الأسود وتبرير ما فعله بسبب ما كان يسميه بتهافت حركة فتح وخيانتها للقضية. غير أنه سرعان ما صارت توكل إليه مهمات إجرامية لخدمة النظام ، ثم تطورت لخدمة مهام النظام في الساحة الفلسطينية وذلك على شكل اغتيالات للعديد من الشخصيات الدبلوماسية الفلسطينية عالية الكفاءة والمسؤولة عن إدارة مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في أوروبا، هذا إلى جانب المهام الدولية.

 

وإلى جانب انشقاق صبري البنا وتفرغه لخدمة المخابرات العراقية منذ العام 1974 ، رعى العراق في العام ذاته ، الفصائل الفلسطينية التي رفضت الموافقة على برنامج النقاط العشر، وتم في بغداد إعلان قيام “جبهة الرفض” التي انضم إليها أيضا تنظيم أبو نضال ” فتح- المجلس الثوري” وجبهة التحرير العربية . وأصبح العراق خلال السبعينيات يعج بالتنظيمات  الفلسطينية الرافضة لما أسموه بتنازلات وخيانات  فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية ومصر أنور السادات، وتحولت بغداد إلى قلعة لشعارات “الصمود والتحدي”. غير أنه لدى اندلاع الحرب العراقية-الأيرانية في العام 1980، رفضت التنظيمات الفلسطينية تلك الحرب وخشيت التورط فيها وكانت تظن أن البعث سيشن الحرب على إسرائيل وليس على إيران،  فرجعت إلى لبنان، باستثناء جبهة التحرير العربية ومجلس أبو نضال الثوري  بالطبع.

 

هكذا استفاد النظام العراقي إستفادة كبيرة من حرب اكتوبر في التمكن من إضعاف فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية واستقطاب عدد من الفصائل الفلسطينية الرافضة لبرنامج النقاط العشر. كما استفاد العراق ككل من تلك الحرب بفعل ارتفاع أسعار النفط ومبادرة النظام إلى استغلال الفرصة بتنفيذ قانون تأميم النفط العراقي الذي كان الرئيس عبد الكريم قاسم قد سنه في أوائل الستينات ولم يتسن له تنفيذه بسبب قتله في العام 1963 على يد قيادة الانقلاب الأول لحزب البعث في العام 1963، فصار العراق من أغنى الدول النفطية وازدهر وأصبح الدينار العراقي يساوي ثلاثة دولارات. وشكل ذلك انتصارا لحزب البعث وتفاءل الجميع بأن العراق سيصبح من أكبر الدول ثراء وتقدما. وكان هذا أحد العوامل الرئيسه التي جعلت العرب والفلسطينيين يتدفقون على بغداد وسطع نجم السيد النائب.

 

وفي هذا السياق، وبعد قيام جبهة الصمود والتصدي ضد السادات ، التي شكلها معمر القذافي في العام 1977، بدا التنافس واضحا بين جبهة الرفض المدعومة من العراق وجبهة الصمود والتصدي المدعومة من ليبيا والتي لم ينضم العراق لها، ولتدارك الأمر ومحاصرة تحركات القذافي، دعا النظام العراقي في أوائل العام 1978  لعقد قمة عربية إستثنائية في بغداد، لاتخاذ قرارات صارمة ضد السادات.

 

القمة العربية الاستثنائية

 هكذا تقرر بعد إبرام السادات لاتفاقية كمب ديفيد مع إسرائيل برعاية اميريكية في العام 1978، عقد قمة عربية استثنائية في بغداد بتاريخ 2/11/1978.

في ذلك الحين ، كان الرئيس عرفات قد بات وحيدا في الساحة العربية على نحو غير مسبوق. فعلاقاته سيئة مع كل من سورية والعراق والأردن،  وكذلك بالنسبة للقذافي وغيره.  واصبح مستهدفا .  وكان الوضع قد انفجر في لبنان مع أحداث عين الرمانة في العام 1976 وما تلى ذلك من اندلاع الحرب الأهلية. هذا بالإضافة إلى الهجوم الإسرائيلي على لبنان، الذي وقع في14/3/1978 واستمر لسبعة أيام وانتهى بانسحاب القوات الفلسطينية إلى الشمال من نهر الليطاني. وإلى جانب كل ذلك، تأكد انخراط مصر في تسوية منفردة بدأ بزيارة  السادات لإسرائيل .

 

في 2/11/1978،  وبعد انقطاع طويل ربما امتد منذ العام 1969 ،  وصل  أبو عمار إلى بغداد وانضم للقمة العربية. شكل حضور أبو عمار لاجتماع القمة في بغداد  مفاجأة كبيرة في الساحة الفلسطينية بشكل خاص. ففي العام 1978 ذاته،  كان صبري البنا ، المقيم في دوائر المخابرات العراقية  التي يتحكم صدام حسين بقراراتها، قد تمكن من اغتيال ثلاثة من ألمع الدبلوماسيين الفلسطينيين: سعيد حمامي – مدير مكتب لندن- اغتاله ابو نضال في 4/ا/1978 ، علي ياسين – مدير مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في الكويت- اغتاله أبو نضال في 15/1/1978 ، عز الدين القلق- مدير مكتب باريس- اغتاله ابو نضال في 2/8/1978. وحين جلس أبو عمار في قمة بغداد، لم تكن دماء رجالاته قد جفت. وكان القاتل  يتنزه في بغداد. وكان ياسرعرفات يبحث عن حليف.

 

غير ان الخلاف بين عرفات وصدام حسين لم يكن خلافا قابلا للحل بقبلة أو بكيس نقود. فهناك بين الرجلين  خلاف عميق، ليس فقط على الدم الفلسطيني الذي أهدر بقتل من سماهم صبري البنا ” زمرة عرفات” وإنما كذلك على وجود حركة المقاومة الفلسطينية والهوية الفلسطينية واستقلالية القرار الفلسطيني.  ولا أظن أن ياسر عرفات عاد لزيارة بغداد بعد انفضاض القمة المذكورة إلا  بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، وكوسيط  من اجل محاولة وقف تلك الحرب. فبعد انفضاض القمة الإستثنائية  التي أمل صدام حسين أن يخرج منها قائدا للأمة العربية، وبعد أقل من ثلاثة أشهر على انفضاضها، قامت الثورة الإسلامية الإيرانية في شباط 1979، وهي الثورة التي ستقض مضجع صدام حسين وتفرح قلب ياسر عرفات.

 

 

 

الثورة الإيرانية

انفجرت الثورة الإيرانية التي اطاحت بالشاه في شباط /فبراير 1979 واقامت نظاما إسلاميا وضع نهاية للهيمنة الأميريكية على إيران وعلى النفوذ الإسرائيلي الواسع فيها، وكان ياسر عرفات يتوقع ذلك ويعمل من أجلة. فقد سمح سابقا بتدريب وتجنيد  أكثر من عشرة آلاف إيراني في المعسكرات الفلسطينية في البقاع اللبناني أصبحوا يشكلون جزءا من الحرس الثوري الإيراني.  وكان ياسر عرفات أول من وصل من الرؤساء والسياسيين الأجانب إلى طهران بعد قيام الثورة، وكان الاستقبال به حافلا  وتم تحويل بناء السفارة الإسرائيلية في طهران إلى  سفارة فلسطينية، وأعلن ياسر عرفات من هناك أن “جبهته” قد اصبحت تمتد إلى خراسان”. وزار مدينة الأهواز العربية وافتتح مكتبا لفتح فيها.

 

كان الوضع الداخلي في القيادة العراقية شديد التأزم في ذلك الحين، ليس فقط  بسبب توجس صدام حسين من الثورة في إيران، وإنما بسبب توتر العلاقات بينه وبين الرئيس أحمد حسن البكر لسببين رئيسين:   السبب الأول هو توقيع البكر وحافظ الأسد في 26/10/1978 على “ميثاق العمل القومي السوري- العراقي المشترك” تمهيدا لإعلان الإتحاد بين سورية والعراق، والذي راجت في شأنه الشائعات في بغداد بأن ” السيد النائب”  منزعج منه،  وبخاصة أنه ينص في إحدى مواده على أن يكون البكر رئيسا للاتحاد وأن يخلفه حافظ الأسد في الرئاسة بعد وفاته، وهو الأمر الذي يقطع الطريق على تطلعات  صدام حسين في أن يصير رئيسا للعراق بعد أحمد حسن البكر. اما السبب الثاني ، وهو مرتبط بالأول، فهو مقتل أحد ابناء الرئيس البكر، محمد، على الطريق بين تكريت وبغداد، هو وزوجته واختها ،  في حادث سيارة مفجع  وقع في أواخر العام 1978، في ذات الوقت الذي كانت المباحثات جارية مع سورية حول الاتفاق الذي تم توقيعه،  حيث ثارت شكوك البكر في أن ما حدث حادث مدبر من قبل صدام حسين. وقد يكون صدام حسين قد  خشي أيضا من تحالف إيراني- سوري ضده. هكذا بدأ صدام حسين بالتحرك لمواجهة الإحتمالات : العمل على تعطيل الميثاق القومي مع سورية الأسد، والتصدي للثورة الإيرانية وهي في مهدها.

 

ففي مجال تعطيل الميثاق القومي مع سورية، فوجئ الشارع العراقي في 16/7/  1979 بالرئيس احمد حسن البكر يعلن عبر المذياع، ليس التلفزيون، استقالته من منصبه كرئيس للجمهورية لأسباب صحية،  وتهنئته ” للأخ والرفيق صدام حسين على تحمل شرف المسؤولية في قيادة الحزب والثورة”. ومنذ ذلك اليوم، لم يظهر أحمد حسن البكر إلا حين تم الإعلان عن وفاته في 4/10/1982، بينما تسلم صدام حسين رئاسة الجمهورية في ظروف يكتنفها الغموض والروايات المتعددة والمتضاربة عما حصل بعد ذلك داخل حزب البعث وما تم من عمليات إعدام للعديد من اعضاء القيادة القطرية بعد توجيه الاتهام لهم بالتآمر مع الرئيس السوري حافظ الأسد على قلب نظام الحكم في العراق.  وكلها معلومات تبدو مشوشة وبخاصة في شأن تاريخ تسلم صدام حسين للرئاسة، حيث يقول صدام حسين في التحقيق الذي أجراه الإف بي آي معه ونشرته الشرق الأوسط في 6/7/1997، أنه نصب رئيسا في اجتماع لمجلس قيادة الثورة في 17/7/1979، بينما يرد عليه المحقق قائلا” هذا هو التاريخ الرسمي ولكنك صرت رئيسا فعليا قبل ذلك بإسبوع “، فيوافق صدام حسين. ويبدو ان القلة القليلة من الذين قتلوا في ذلك الحين كانوا يعرفون بما جرى في ذلك الإسبوع. هكذا أصبح الميثاق القومي العراقي -السوري أثرا بعد عين. واتجه صدام حسين، الذي أصبح رئيسا للجمهورية العراقية، لكي يتعامل مع إيران قبل أن يتم التحالف بينها وبين نظام حافظ الأسد.

 

الحرب العراقية -الإيرانية

بعد أن استتب له الأمر كرئيس للجمهورية العراقية ،  مزق الرئيس صدام حسين في 17/9/1980 اتفاقية الجزائر التي توسط الرئيس الجزائري هواري بو مدين لعقدها في العام 1975 في شأن ترسيم الحدود المائية في شط العرب بين العراق وإيران معلنا الحرب على إيران بعد قوله بان هناك قصفا إيرانيا على القرى العراقية الحدودية. وفي 22/9/1980، توغلت القوات العراقية داخل الأراضي الإيرانية، وهكذا  وبدأت الحرب.

 

ومنذ ذلك الحين اخذ الرئيس ياسر عرفات يروح ويجئ بين بغداد وطهران في محاولات وساطة لوقف الحرب. ويقول الرئيس الإيراني في ذلك الحين، أبو الحسن بني صدر، في مذكراته،  بأنه طلب من أبو عمار الذهاب إلى بغداد ومحاولة إقناع صدام حسين بوقف الحرب وقال له بأن يقول له: ليس هناك من عاقل يشن حربا على ثورة. ويستطرد بني صدر قائلا: بعد مكوثه في بغداد لبضعة أيام، عاد عرفات إلى طهران ليقول لنا بأن صدام” طاووس مصمم على مواصلة الحرب ويقول بأنه قادر على حسمها في ثلاثة أو أربعة أيام”.  غير ان الجبهة الممتدة حتى خراسان ، التي تحدث عنها الرئيس عرفات حين قامت الثورة الإيرانية ، ما لبثت ان تداعت مع فشل وساطته لوقف الحرب. كان صدام حسين يخذلة كلما راى بصيص أمل. فمع احتدام الحرب، توقفت زياراته إلى طهران، وأوشك الإيرانيون على إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية التي  تدربت كوادرها بحمايتها في لبنان، لولا ان بعض الوساطات حالت دون ذلك. ولكن زيارات ابو عمار لبغداد تقلصت أيضا، بل وانقطعت على مدى اكثر من أربع أو خمس سنوات تالية. فخلال عامي 1981 و1982.

 

ففي العام 1982، إذ كان ما زال ميزان الحرب العراقية –الإيرانية يميل لصالح العراق. كان صدام حسين يحلم بتوجيه ضربة لياسر عرفات، لكي يذكره بجبهته الممتدة حتى خراسان. في الآن ذاته ، كان أرييل شارون يعد لضربة حاسمة ضد ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان ويحتاج إلى مبرر، وكان صدام حسين على استعداد لتوفير ذلك المبرر له. في 3/6/1982، نفذ صبري البنا، وكان ما زال في بغداد،  عملية تهدف إلى اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن، شلومو أرغوف، حيث أصيب السفير إصابة بالغة. كانت العملية كافية لأن توفر الذريعة لشارون  لكي يدفع بقواته عبر لبنان إلى بيروت بعد يومين فقط من محاولة الاغتيال. كان الاجتياح مدمرا على الرغم من بطولة المقاتلين الفلسطينيين ومؤيديهم من اللبنانيين. وفي أواخر العام 1982، خرج ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية من بيروت إلى تونس، ثم عاد في العام التالي إلى لبنان ليتعامل مع حربين  ثانيتين شنهما عليه حافظ الأسد، هما عملية شق فتح للإجهاز عليها،  ثم معركة طرابلس بهدف طرد القوات الفلسطينية التي كانت معسكرة فيها. هكذا انشغل ابو عمار منذ الهجوم الأسرائيلي في العام 1982 عن صدام حسين  والإيرانيين نحو أربع او خمس سنوات .  وأمام ضراوة الحرب بين العراقيين والإيرانيين، فلا أعتقد أن أحدا في ايران أو العراق قد افتقد ياسر عرفات أو أن ياسر عرفات قد افتقد أحدا منهم.

 

كنت خلال الثمانينيات ما زلت في بغداد وعشت الحرب العراقية – الإيرانية معها بكل تفاصيلها. فبعد الازدهار الذي شهده العراق خلال عقد السبعينيات بدأت الأمور بالتدهور شيئا فشيئا، وذلك على الرغم من أن بغداد ذاتها، لم تشهد في الحرب العراقية -الإيرانية ذلك الدمار الهائل الذي كان عليها أن تشهده خلال وبعد حرب الكويت لأن العمليات الحربية العراقية- الإيرانية كانت تدور في معظمها على الحدود وفي المناطق الحدودية. غير أن المأساة الحقيقية قد تمثلت في عدد القتلى العراقيين الذي تجاوز المليون شهيد والذين كانوا في معظمهم من الشباب.  وكنت كلما خرجت صباحا من المنزل  للتوجه للعمل أقف على رصيف الشارع فأرى سيل الجنازات القادمة من الجبهات، ووراءها حشود الأمهات  وهن يندبن ابناءهن ويبكين، فأظل أبكي معهن إلى ان ينقطع السيل واذهب إلى عملي. وكان يمكن لي أن أكون واحدة منهن لولا أن ولدي الوحيد قد أعفي من الخدمة العسكرية إلا لشهر واحد بسبب انه كان حاصلا على شهادة الماجستير في الهندسة، وكان هناك قرار رئاسي بان لا يخدم حملة الشهادات العالية لأكثر من شهر. وكنت خلال ذلك الشهر الذي قضاه في الجبهة لا أنام الليل ولا النهار، أفكر في كل يوم من الشهر المذكور كيف سينقضي هذا اليوم دون أن أسمع خبرا كارثيا ما. ولم اكن معنية بذهاب أو إياب أبوعمار من وإلى بغداد. غير ان ما عرفته هو أنه استأنف زياراته لبغداد خلال النصف الثاني من الثمانينيات.

 

استانف ياسر عرفات زياراته لبغداد خلال النصف الثاني من الثمانينيات، وربما بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية أو قبلها، حين  كان الإثنان، صدام حسين وياسر عرفات، يمران بفترة استراحة المحارب، ويحصيان خسائرهما.  كان صدام حسين قد طلب من صبري البنا في العام 1983 مغادرة العراق من أجل تجميل صورته الدولية وهو يخوض حربه مع إيران. فتوجه صبري البنا إلى سورية حيث مكث فيها حتى العام 1986، نفذ خلالها ما أريد منه من عمليات. ولا أدري ان كان صبري البنا قد اغتال مستشار الرئيس عرفات، الدكتور عصام السرطاوي في لشبونة حين كان يحضر مؤتمرا في  10/ 4/1983 ، قبل أن يغادر بغداد أم بعد وصوله إلى سورية، غير أنني أرجح أنه كان في بغداد. وربما كان صدام حسين ينقم على عصام السرطاوي الذي درس الطب في بغداد وتخصص في الخارج  كجراح كبير قبل أن يهجر الطب ويتفرغ للنضال إلى جانب  أبوعمار.

 

ولربما شعر أبوعمار في أواخر الثمانينيات  أنه لم تعد لصدام حسين أية نوايا شريرة بعد أن سكب كل حقده على إيران وعلى ولي نعمته الرئيس السابق أحمد حسن البكر الذي راجت الشائعات في بغداد بانه مات مسموما. غير أن أمل ياسر عرفات لا بد أنه  قد خاب بعد ان احتل صدام حسين دولة  الكويت.

 

 

غزو الكويت

فخلال أقل من عامين بعد التوقيع على وقف إطلاق النار مع إيران،  اصبح أبوعمار، وقبل ان تحتل القوات العراقية الكويت  في 2/8/1990، يقضي معظم وقته متنقلا بين بغداد والدول الخليجية وبخاصة الكويت، في عملية وساطة بينهم وبين  صدام حسين حول مبالغ مالية يريدها صدام حسين منهم لقاء غزوه إيران. وكنت بعد استقالتي من جامعة بغداد قد انتقلت إلى تونس وصرت أعمل في مكتب الرئيس، ولم نعد نرى الرئيس إلا نادرا.  كان غزو صدام حسين للكويت في العام 1990 وإعلانها إحدى محافظات العراق، أمرا مذهلا وصادما ليس فقط  للعراقيين والعراقيات الثكالى الذين أخذ صدام حسين أولادهم أولا لإيران وأعادهم لهم جثثا واشلاء هامدة،  وهاهو يأخذهم ثانية إلى الكويت، بل ولمؤسسات القانون الدولي التي لاتسمح باحتلال دولة لدولة أخرى.

 

كان صدام حسين  في تلك المرحلة ما زال شديد الوثوق بنفسه او هكذا كان يبدو. فإذا كان لم يهزم إيران ، فإن إيران لم تهزمه أيضا ، وذلك بفضل المعلومات  الإستخباراتية الخارجية  التي تلقاها العراق بعد احتلال إيران لجزيرة الفاو العراقية، وذلك هو الذي جعل صدام حسين يعتقد بأن الولايات المتحدة لن تقسو عليه إذا ما احتل الكويت. وقد وجد صدام حسين  في ابوعمار شخصا قادرا على الاستماع لتبجحاته الكثيرة عن عظمته وقدراته سواء صدقها أبو عمار أم لم يصدقها في داخله. ويبدو أن أبو عمار  قد آمن بالمقولة القائلة بأن تكون قريبا من خصمك أفضل من أن تكون بعيدا عنه.

 

كان أبو عمار أحيانا يصطحب صلاح خلف أبو إياد معه للقاء صدام حسين وذلك في محاولة منه لتمكين أبو إياد الذي كان ضدغزو صدام حسين للكويت، من التعرف جيدا على شخصية صدام حسين،  وإطلاعه على المعلومات التي كان يحصل عليها من المخابرات الفرنسية وغيرها، ومحاوله نصحه وإقناعه  بعدم الاقتراب من الكويت، ثم صار بعد ان غزا صدام حسين الكويت،  ينصحه بضرورة الإسراع في الانسحاب قبل أن تبدأ الحرب. لكن صدام حسين لم يكن يتقبل النصح وبدأ يضمر الكراهية لأبو إياد، ويزداد تبجحا.  ففي 8/8 /1990 على سبيل المثال، وبعد عودة ابو عمار من السعودية ومعه أبوإياد، وكانت السعودية قد اتفقت مع الإدارة الأميريكية على شن عاصفة الصحراء ضد صدام حسين، وقبل مؤتمر القمة العربي بيوم واحد، قال صدام لهما بكل سذاجة،  بأنه ربما سيدخل الحرب مع الولايات المتحدة، ” فحين تتم مهاجمتي، سوف أهاجم إسرائيل، وحين أهاجم إسرائيل، ستدخل إسرائيل الحرب، وسيغير هذا موقف كل عربي في المنطقة، وسوف يعتبر العدوان على العراق مؤامرة أميريكية صهيونية  وسوف تغير الدول العربية مواقفها”. وأتخيل تعبيرا ساخرا قد ارتسم على وجه أبو إياد مما أغاظ صدام حسين.

 

أغضبت وساطة أبو عمار الخليجيين، وقال البعض منهم بأن صدام حسين هو الذي ورطه في هذه المهمة  ووعده بأن يعطيه مبلغا محترما من المال  إذا نجح في مهمته، وان صدام قد خدعه بأنه سيعمد إلى تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967مقابل خروجه من الكويت، وأن الولايات المتحدة لن تتمكن من ضربه. والواقع هو أن صدام حسين كان يريد الزج بالقضية الفلسطينية في مغامرته الكويتية ، كما كان يريد ان يظل ياسر عرفات إلى جانبه في وقت لم يجد أحدا من العرب الآخرين إلى جانبه ، حتى أولئك الذين صوتوا ضد التدخل الأجنبي في اجتماع الجامعة العربية في العاشر من آب 1990، فقد انزوو في دولهم بعيدا عن صدام حسين.  كانت هناك مسألتان سعى صدام حسين من خلالهما أن يثير الفلسطينيين ويهم ياسر عرفات أنه منشغل بقضية فلسطين، هما فكرة الربط وقصف إسرائيل:

 

فكرة الربط

لم يكن لفكرة الربط التي أخذ صدام حسين يلوح بها منذ بداية غزوه للكويت أية علاقة مباشرة بقضية فلسطين، ولم يذكر إسم فلسطين مطلقا في أي طرح قدمه في شأن الربط. فقد  كان يتحدث  عن “الأراضي العربية المحتلة” والبعض منها سماها باسمها كالجزر الخليجية. ووصل الأمر به أن يربط إنسحابه من الكويت بانسحاب الأسد من لبنان، أو الحديث عن “الاتفاق على مؤتمر سلام ” لمعالجة كل هذه الأمور”. علما بأن أحدا من الأطراف المعنية لم يفوض صدام حسين بالربط بين انسحابه من الكويت وتحرير أراضيه من الاحتلال الإسرائيلي أو غيرة، وأستبعد جدا أن يكون الرئيس ياسر عرفات قد طلب منه مثل هذا الشيء. أما بقية المواضيع التي طرحها فهي تخص العراق، مثل المطالبة بمدخل أرضي للعراق من الخليج مقابل إطلاق سراح الأجانب المحتجزين في العراق والتفاوض على أسعار النفط. وكان كلما اقترب الوقت من موعد بدء الحرب يتنازل درجة عن موضوع الأراضي المحتلة حتى وصل الأمر به أن تنازل كليا عن موضوع الربط الربط كله قبيل بداية الحرب البرية. ففي 22/2/1991،  اتصل غورباتشيف هاتفيا  ببوش ليخبره بأن العراق وافق على الإنسحاب الفوري وغير المشروط لقواته، وأن صدام حسين قد تخلى عن شرط ربط انسحابه من الكويت بالصراع العربي-الإسرائيلي، ولكنه يطلب إلغاء قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالعراق.

 

وقد تم رفض جميع مطالب صدام حسين مع توجيه  الأمر له  بأن يبدأ بالانسحاب من الكويت عند ظهيرة اليوم التالي وان يستكمل الانسحاب خلال أسبوع واحد، مقابل أن لايتم إطلاق النار على قواته المنسحبة. وكان ذلك الشرط الأميريكي تعجيزيا، حيث كانت جميع وسائل اتصالات صدام حسين قد دمرت ولم يعد ممكنا له  الاتصال بقواته لإعلامها بالتعليمات الجديدة. وفي 24/2/ 1991 بدأت الحرب البرية، ثم انتهت في 28/2/1991 بعد أن قامت قوات التحالف الأميريكي الدولي بقصف الجنود الهاربين، والذي قدر شوارتزكوف عدد القتلى منهم  في هذه المعركة فقط ، بنحو نصف مليون قتيل.

وهكذا انتهت مهزلة الربط الصدامي التي انتهت قبل ان تبدأ  مخلفة  كل الآراضي المحتلة، محتلة.

 

قصف إسرائيل بالصواريخ

في 18/1/1991، وذلك بعد يوم واحد من بدء الهجوم الجوي الدولي على  الكويت، قصف العراق إسرائيل بدفعة أولى شملت ثمانية صواريخ سكود سقطت على حيفا وتل أبيب، ولم تذكر إسرائيل وقوع أية إصابات. وتلا ذلك سلسلة من الدفعات الصاروخية التي يذكر انها بلغت نحو 39 او 43  صاروخا، تم إطلاقها على دفعات متفاوتة العدد على مدى نحو أربعين يوما ثم توقفت مع الإعلان الأميريكي عن نهاية الحرب في 28/2/1991. ويبدو أن الحملة الأميريكية التي شنت على القواعد التي تنطلق منها الصواريخ العراقية قد قضت على تلك القواعد . وقد أسفرت  الصواريخ التي أطلقت على إسرائيل عن عن مقتل إسرائيليين بفعل صاروخ أو صاروخين، ووفاة 72 إسرائيليا بفعل الرعب والجلطات القلبية، وفقا لما أفادت به المصادر الإسرائيلية .

 

والجدير بالذكر أن القصف الصاروخي العراقي على إسرائيل  لم تكن له أية علاقة بقضية فلسطين والصراع الفلسطيني الصهيوني، كما لم تكن له أية أغراض عسكرية، بل كان بمثابة رد على ما قامت به إسرائيل في العام 1981 من تدمير للمفاعل العراقي أوزيراك الذي اشتراه  العراق من فرنسا. وكان من حق العراق أن يرد على الغارة الإسرائيلية منذ زمن بعيد. غير أنه لم يفعل. بل إن تمكن القوات الدولية من تدمير قواعد الصواريخ العراقية ، يؤكد أن العراق لم يكن مستعدا ولا قادرا على خوض معركة حقيقية.  غير ان الصواريخ أدت فعلها بين الجماهير الإسرائيلية التي أصابها الهلع،  و الفلسطينية والعربية الأخرى التي أصابها السرور والفرح، وبخاصة انها كانت أول صواريخ يطلقها عرب على إسرائيل. وقد بلغ الحماس الجماهيري العربي أوجه وبدأ تكريس صدام حسين كبطل جماهيري، وهذا هو الذي أراده هو نفسه منذ بداية تجربته السياسية.

 

وكان آخر ما جناه صدام حسين من عمليته العشوائية،  هو عدم اعتراف الأمم المتحدة بحقه في الرد على تدمير مفاعله النووي، إضافة إلى إلزام العراق بدفع تعويضات مالية لإسرائيل بلغت 74 مليون دولارا، قبضت إسرائيل الدفعة الأولى منها، والبالغة خمسة ملايين دولارا، من الأمم المتحدة في العام2001.

 

اغتيال صلاح خلف أبو إياد

غادر ياسر عرفات بغداد في 15/1/1991 بعد أن وصله نبأ اغتيال القائد صلاح خلف أبو إياد  في تونس بتاريخ 14/1/1991، ولم يحضر حفلة الصواريخ التنكية التي أطلقها صدام حسين على إسرائيل.  ولا الحرب الجوية ثم البرية التي شنتها قوات التحالف الدولي على جيش صدام حسين، الذي تعرض لشبه إبادة شاملة وهو يهرب من الكويت. كان نبأ اغتيال أبو إياد أشبه بصاعقة نزلت ليس فقط على ياسر عرفات وإنما على جميع الفلسطينيين الوطنيين الذين أحبوا ابو إياد وكان بالنسبة لهم احد القادة الكبار الذين لا يمكن الاستغناء عنهم.

 

كان أبو أياد هو الأعلى صوتا من بين القلة القليلة من القيادة الفلسطينية التي رفضت ما قام به صدام حسين من غزو للكويت. وكان لا يتردد في الإعلان عن موقفه وانتقاد صدام حسين أمامه مباشرة وأمام الاخرين.  ولا شك في أن صدام حسين قد اطلع على ما كان يقوله أبو إياد في الأماكن العامة  مثل قوله بانه دائماً “يقف مع الأحداث التي تؤدي في النهاية لتحرير فلسطين المحتلة وتخدم كل مصالح الشعب الفلسطيني الذي يعيش في أرضه المحتلة أو يعيش متفرقاً بين الشعوب العربية المجاورة .. ولكنه لا يؤيد الأحداث الخاصة التي تؤثر على الأسرة العربية الموحدة وتحطم تضامنهم وتزعزع الثقة في أنفسهم . وبأننا كفلسطينيين،”  “لن نكون يوماً رهن إشارة من الرئيس العراقي صدام حسين”.

 

ويبدو أن أبو عمار كان يدرك وقع ما كان  يقوله أبو إياد، باعتباره رجل الأمن الأول فلسطينيا،  على صدام حسين، وبخاصة ان أحدا من زوار صدام حسين لم يكن ليجرؤ أن يقول ما يقوله أبوإياد له. فصار يصحبه أحيانا  معه للقاء صدام حسين لعله يستطيع إقناعه بالانسحاب من الكويت. وكان ابو إياد يقول له بأنه أخطأ في غزو الكويت وأن عليه أن ينسحب . وفي آخر لقاء له مع الرئيس العراقي، وذلك قبل بدء الحرب الجوية بفترة وجيزة، كرر إبوياد ذلك ولكنه أضاف ” سنقف إلى جانبك إذا شنت الولايات المتحدة عليك الحرب.” ومن المفترض أن يكون مثل هذا القول قد خفف من كراهية صدام حسين لأبو إياد. ولكن ذك لم يكن كافيا كما أعتقد.

 

اعترف صبري البنا علنا بأنه هو الذي أمر باغتيال أبو إياد، كما اعترف القاتل الذي إسمه حمزة ،  بأن صبري البنا هو الذي أمره بذلك. غير أن صبري البنا لم يقل من الذي أمره بذلك. وظل هذا الأمر لغزا، لأن صبري البنا لم يكن يستطيع تنفيذ عملية ما بدون أمر أو إذن من مضيفه. وقد استضافه عدة حكام طيلة فترة عمله كمجرم إرهابي، في مقدمتهم صدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي.   وهناك من ينفي أن صبري البنا كان في ضيافة صدام حسين حين دبر أمر اغتيال أبو إياد في 14/1/1991، وأنه كان في ضيافة القذافي في ذلك الحين.  غير أن هناك من يؤكد، وهو المرجح، أنه كان في بغداد حين اندلعت الحرب، إضافة إلى إن الإعلان عن العثور على صبري البنا مقتولا أو منتحرا في بغداد في العام 2002،  يؤكد على أنه كان زبونا دائما في بغداد.  وبذلك يمكن الاستنتاج أنه أيا كان الذي أعطى الأمر باغتيال ابوإياد، فإن أبو إياد قد اغتيل لسبب يتعلق بحرب الكويت، وليس لأي سبب آخر.

 

خاتمة

 كنت أتمنى لو أن الرئيس ياسر عرفات بقي مكتفيا بموقفه السليم الذي اتخذه في اجتماع مجلس الجامعة العربية في 8/8/1990، والذي رفض فيه التدخل الأجنبي وطالب بحل المشكلة عربيا، بدلا من العمل كوسيط بين صدام حسين والقيادات الخليجية وقضاء معظم وقته مابين بغداد وتلك الدول إلى حين اغتيال أبو إياد.  إلا انه كان يظن أنه قادر على إقناع الدول الخليجية بالحل العربي الذي صوت عليه في الجامعة مع بعض الدول العربية الأخرى. وهذه كانت مشكلته، حيث أنه لم يأخذ في الاعتبار أن الحكام العرب، لا يمكنهم الأخذ برأية بدون أن يحصلوا من الأدارة الأميريكية ومن خلفها إسرائيل، على الموافقة على هكذا حل يقوده ياسر عرفات. وهذا أمر مستحيل، بكل ما يعنيه من بطلان كل المخططات الأميريكية التي غاص فيها صدام حسين منذ ما قبل الحرب الإيرانية العراقية، والتي منها عدم السماح بترفيع ياسر عرفات إلى مرتبة التمكن من حل مشاكل المنطقة. ومع تورطه بالإلتزام بصدام حسين، تم عزل عرفات عربيا ودوليا.

وعلى الرغم من فشله في إقناع الدزل الخليجية بالموافقة على الحل العربي، فقد بقي ملتزما بصدام حسين، لأنه كان معزولا عربيا ودوليا وليس له أي حليف. ولا أدري مدى قناعة ياسر عرفات بصدام حسين، وإن كان يتصور إمكانية خروج صدام حسين ، منتصرا او غير منهزم على اقل تقدير من هذه المعمعة. فصدام حسين كان يقول له كذبا بأنه ملتزم بقضية فلسطين ، وكان حقا متشبثا بها لكي يناور بها ضد حافظ الأسد ، كما لم يكن يريد كل طاقم القيادات الفلسطينية  بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية. وكان هدفه جعل ياسر عرفات تابعا مجردا من أية قيمة له وللقضية والعالم.

وقد ظهرت نوايا تكسير عظام ياسر عرفات  بعد انتهاء الحرب الكويتية بنتائجها الخرائبية، حيث حرم الفلسطينيون من تشكيل وفد فلسطيني مستقل لمؤتمر مدريد الذي انعقد في  في تشرين الثاني /نوفمبر 1991 وأجبروا على الانضمام كملحق بالوفد الأردني، على الرغم من ان منظمة التحرير الفلسطينية كانت قد اعترفت في العام 1988 بالقرار الدولي 242 وبقيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة في العام 1967 ، إلى جنب إسرائيل.

ولم يحقق مؤتمر مدريد شيئا بالنسبة للفلسطينيين. وكان رئيس الوفد المفاوض مع إسرائيل الذي انبثق بعد المؤتمر للتغطية على ما حدث، الدكتور حيدر عبد الشافي، نائما طيلة الوقت.

 

وقد اقتنص الإسرائيليون هذا الوضع المثالي، فقرروا التفاوض مع ياسر عرفات وهو في أضعف حالاته، وانتهي الأمر بموافقته على ما لم يكن ممكنا أن يوافق عليه لو كان في وضع أقوى، حيث ما لبث أن وقع على اتفاق أوسلو في العام 1993،  الذي سمح لياسر عرفات بالعودة والإقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى أن انتهى الأمر بقتله مسموما خلال انتفاضة الأقصى في العام 2004.

أما على الصعيد الفلسطيني الداخلي، فقد انطوت إنتفاضة الحجارة وانتهت إلى لاشيئ بفعل اندلاع مشكلة الكويت التي استقطبت الإعلام والسياسة وعمليات السلم والحرب،  ولم يكن هناك أبو جهاد لكي يحييها فيما كان ياسرعرفات في بغداد. كما اقتلع نحو نصف مليون فلسطيني من الكويت ودمرت احوال الكثيرين منهم ولجأ آخرون إلى لجوء بديل.

 

أما صدام حسين  فلم يكن يملك أية استراتيجيات خاصة سواء بالنسبة للحرب بمجملها او بمفرداتها، ولم يحدد مطالبه مسبقا أو يضعها في سياق سلم أولويات. وهكذا بدا كل ما قام به ، بدءا من احتلال الكويت ، مرورا بافكار الربط وقصف إسرائيل، ليست  أكثر من أفعال  إرتجالية عشوائية غض عنها العقلاء الطرف، وصفق لها الأغبياء.

فقد أحبته الجماهير العربية التواقة لمخلص لها من الظلم والضياع والفقر الذي يفترسها من خلال مشروع قومي يستفيد من الثروات النفطية التي نعمت بها المنطقة من حيث لا تدري، وقد أحبته الجماهير الفلسطينية بشكل خاص، حيث اعتقدت أن صدام حسين سيحرر كل فلسطين لهم. وكان صدام حسين ماهرا في مخاطبتها والتقرب منها وبخاصة بالمال. فبعد حرب الكويت أقامت الأمم المتحدة “برنامج النفط مقابل الغذاء” لأجل توفير الغذاء للعراقيين  للفقراء المعدمين الذين شكلوا أكثر من ثلاثة أرباع شعب العراق. وقد تحولت عائدات البرنامج إلى جيوب صدام حسين والمقربين منه وأعوانه من جميع الجنسيات  المختلفة واستفاد منه الكثير من العرب والفلسطينيين، بدلا من الفقراء العراقيين. فخلال انتفاضة الأقصى الفلسطينية التي اندلعت في العام 2000، خصص صدام حسين منحة لكل شهيد فلسطيني تراوحت ما بين 15 إلى 25 ألف دولار ومبالغ أخرى للجرحى . وفي زياراتي التي كنت أقوم بها للعراق بين حين وآخر خلال التسعينيات ، شهدت دمار العراق وخرابه، كما  تعرفت على ” بطاقة التموين” التي توزع على الفقراء العراقيين بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء وتضمن حصصا من البقوليات السيئة والطحين العفن وأسوأ انواع الأرز والزيت . لقد عاش الفلسطينيون اللاجئون في العراق بمستوى أفضل من مستوى الفقراء من العراقيين في عهد حزب البعث وصدام حسين بسبب رعاية الحزب لهم لأسباب سياسية ، آخذين في الاعتبار أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في العراق كان قليلا جدا نسبة إلى اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في البلدان العربية الأخرى ، ولهذه الأسباب وغيرها ،  لم أستغرب يوما  كراهية بعض العراقيين للاجئين الفلسطينيين في العراق. والمشكلة في ذلك هي أن اللاجئين الفلسطينيين في العراق قد حرمهم النظام العراقي من الحصول على حقهم في أن يكونوا لاجئين معترف بهم مثل بقية اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية الأخرى ولاجئين تابعين لوكالة غوث اللاجئين. وكانوا يشعرون أنهم ما كانوا اضطروا أو أجبروا على الإنتماء لحزب البعث العراقي ولا العمل  بإملااءات صدام حسين، ولما كرههم العراقيون لو كانوا تابعين للوكالة ويتلقون إعاشاتهم منها…..!!!!!!

 

حين انتهت حرب الكويت، لم يصدق صدام حسين أنه انتهى …. وكما فعل الإمبراطور نيرون، أحرق بغداد وجلس على عرشه يتفرج على النيران  تأكلها …إلى أن……….!!

الرحمة على روح الشهيد  ياسر عرفات!!!!!

سلافة حجاوي

حزيران 2014

 

_____________________انتهى