عرفات والحسيني

الصفحة

 

سلافة حجاوي

2005

 

نسخة منقحة ومختصرة

2010

 

تمهيد

عرف الفلسطينيون عبر تاريخهم الوطني غير السيادي خمسة رؤساء تولوا أمور قيادتهم بمستوى أو آخر منذ أوائل عشرينيات القرن العشرين, بعد فرض الانتداب البريطاني على فلسطين. فكان موسى كاظم الحسيني أول رئيس لأول “لجنة تنفيذية فلسطينية ” انبثقت عن المؤتمر الفلسطيني الذي انعقد في حيفا في العام 1922, و توفي في العام 1934 متأثرا بجراح  أصيب بها خلال مظاهرة وطنية ضد الانتداب البريطاني و المشروع الصهيوني الذي تعهدت بريطانيا بتنفيذه في فلسطين.

وفي 24/4/1936,  وذلك بعد اندلاع الثورة في البلاد بنحو أربعة أيام، شكلت الأحزاب الفلسطينية الستة التي كانت قد ظهرت منذ أوائل الثلاثينيات, لجنة جديدة أطلق عليها اسم “اللجنة العربية العليا” , وتم اختيار الحاج أمين الحسيني رئيسا لها. وقد انتهت هذه اللجنة من الناحية الفعلية  في أواخر العام 1937 بعد قيام حكومة الانتداب بحلها ومطاردة أعضائها, وفي مقدمتهم الحاج أمين الحسيني, الذي فر من البلاد وظل يمارس دوره كرئيس من الخارج.

وفي العام 1946, شكلت جامعة الدول العربية  لجنة بديلة هي “الهيئة العربية العليا” وسمت الحاج أمين رئيسا لها. وقد انتهت تلك اللجنة فعليا أيضا في العام 1949. وبقي الحاج أمين متشبثا بها حيث بقيت قائمة شكليا إلى ما بعد وفاته في العام 1974.

وكانت جامعة الدول العربية, وبمبادرة من مصر,  قد شكلت  في العام 1964  “منظمة التحرير الفلسطينية” ، و عقدت هذه الهيئة في العام ذاته في القدس ما أصبح يعرف بالمجلس الوطني الفلسطيني الأول، الذي انتخب لجنة تنفيذية برئاسة أحمد الشقيري. وفي 24/12/1967, وتحت ضغط  التطورات والأحداث التي شهدتها الستينيات، في مقدمتها ظهور عدد كبير من المنظمات الكفاحية الفلسطينية المسلحة، ثم حرب حزيران 1967, قدم الشقيري استقالته وتمت تسمية  يحيى حمودة رئيسا بالوكالة. وفي تموز 1968 ، انعقد المجلس الوطني الفلسطيني الثاني بضغط من المنظمات والفصائل المسلحة، وفي مقدمتها أكبرها، حركة التحرير الفلسطيني، فتح، حيث تم فيه إجراء تعديلات هامة على الميثاق القومي الفلسطيني الصادر في العام 1964 . ثم عقد مجلس وطني آخر  هو الثالث في فبراير 1969،  تمت فيه استقالة يحيى حمودة, وانتخب المجلس ياسر عرفات، رئيس فتح، رئيسا للجنة تنفيذية جديدة، وهو المنصب الذي ظل يشغله إلى حين وفاته في 11/11/2004.

غير أن الفلسطينيين لا يذكرون من هؤلاء الرؤساء الخمسة  إلا اثنين هما الحاج أمين الحسيني وياسر عرفات، اللذين تميزا بقدرتهما على الاحتفاظ بموقع القيادة لسنوات طويلة على الرغم من الأجواء العاصفة التي هيمنت على الساحة الفلسطينية في عهد كل منهما، واللذين انتهيا إلى نتائج مختلفة وإن تكن متشابهة في أنهما فشلا في تحقيق الهدف الذي وضعه كل منهما للمصير الوطني الفلسطيني.

 

تقديـــــــــم

تمتع الزعيمان الفلسطينيان، ياسر عرفات والحاج أمين الحسيني، على امتداد نحو قرن من الزمان، وكل في حينه، بتأييد أغلبية شعب فلسطين،  واتخذا قرارات سياسية  أثرت  في صميم واقع ومستقبل الشعب الفلسطيني، حيث انتهت مرحلة الحاج أمين الحسيني السياسية كرئيس للهيئة العربية العليا, بكارثة مأساوية في العام 1948، عاش بعدها في بيروت إلى حين وفاته,  بينما انتهت حياة الرئيس ياسر عرفات في 11/11/2004 وهو ما زال  رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية وللسلطة الفلسطينية  الخاصة بالأراضي الفلسطينية المحتلة منذ حرب 1967لتي تشكلت في العام 1994 بموجب اتفاق أوسلو, قبل أن يحقق لشعبه ما حلم بتحقيقه، وأورثه وضعا حرجا تضاءلت فيه الآمال وازدادت المخاوف إزاء المستقبل.

لذلك، فإن هذه الدراسة التي تعتمد المنهج المقارن، تهدف للتعرف على أسباب ذلك الفشل لدى الزعيمين، ومدى تشابه واختلاف العوامل المؤثرة في  قراراتهما السياسية, ومدى تأثر الرئيس الراحل ياسر عرفات بتجربة سلفه، وأثر ذلك على النتائج الأخيرة لهذه التجربة.

وفي ضوء ما سبق، فقد تم استهلال الدراسة بإطلالة على العلاقات الشخصية التي ربطت بينهما. كما تم الإطلال على الخلفية الثقافية لكل منهما، والتي لابد من  أنها قد أثرت في عملية اتخاذهما للقرارات، وكذلك بالنسبة لمصادر قوتهما. وكان لابد من تخصيص قسم للرؤية السياسية التي بلورها كل منهما إزاء فلسطين ككيان سياسي، في ضوء التحديات التي مثلها المشروع الصهيوني، وذلك وصولا إلى القسم الخاص بالقرارات السياسية التي اتخذاها, ثم إلى الخاتمة.

إن هذه الدراسة جديدة في موضوعها ومنهجها، حيث لم أعثر على ما يتناول هذا الموضوع وما يتبنى هذه المنهجية المقارنة, من أجل التعرف على أسباب الفشل الفلسطيني في التصدي بفاعلية للخطر الذي دهمهم وسلب منهم وطنهم وشردهم. وهي بالنسبة لي، دراسة استكشافية تجريبية أولية  أتمنى أن يتخذها الباحثون والدارسون منطلقا لمشاريع دراسية كبيرة ومعمقة تتيح الوصول إلى قدر أكبر من المعلومات والتحليل المقارن والنتائج، وذلك من أجل توسيع عالم البحث والدراسات في مجال العلوم السياسية على المستوى الفلسطيني، واستخلاص الدروس التي قد تفيد الجيل الفلسطيني الشاب في التعرف على دور الزعامة السياسية في التأثير بمصير شعبها.

 

 

علاقــــات حميمـــــة

تأثر الرئيس الراحل ياسر عرفات (1929-2004) في سنوات طفولته وشبابه المبكر بالحاج أمين الحسيني (…-1974؟)، واتخذ منه مثلا أعلى كزعيم يناضل من أجل تحرير وطنه وشعبه، ويطارد من قبل المستعمرين بسبب ذلك النضال. فقد كان الحاج أمين، على الرغم من غيابه عن أرض الوطن منذ العام 1937، حاضرا في حياة ياسر الطفل- الشاب، من خلال صلة القرابة من جهة، وبفعل لقاءات ياسر الطفل- الشاب المتكررة  بعبد القادر الحسيني، الذي اقترن إسمه بإسم الحاج أمين منذ أن تم تشكيل قوات الجهاد المقدس في عام 1935 (1. ويبدو أن ولع ياسر  بالأسلحة والمتفجرات، وهو ولع اقتصر عليه دون إخوته الآخرين، كان بفعل ما كان يشاهده في القدس وحول عبد القادر الحسيني من أجواء عسكرية في خضم ثورة1936-1939 وما تبعها من أحداث وتطورات.  فكان يقوم حين يكون في غزة بتوزيع المنشورات التي كان عبد القادر الحسيني يصدرها في القدس، ويجيب إذا ما سأله زملاؤه عن الأوضاع السياسية بقوله: “لا تسألوا، نحن جنود لا ساسة، نحن مشاريع شهادة، الحج أمين وعبد القادر فقط هما الساسة(2) “.

التقى ياسر عرفات الحاج أمين مرارا منذ عودة الأخير إلى القاهرة في العام 1946، فعرفه عن قرب. ويذكر ياسر عرفات في هذا المجال بأنه توجه إليه في العام 1949، وكان الحاج أمين في ذلك الحين في لبنان، لكي يطلع على رأيه في الكفاح المسلح، وعلى مدى استعداده للمساعدة ماليا لشراء أسلحة، وبأن الحاج أمين نصحه بأن ينسى الكفاح المسلح ويغادر إلى أمريكا لمواصلة دراسته، حيث يقول عرفات بأنه فكر جديا بذلك لفترة قصيرة(3). ويبدو أن حالة اليأس التي هيمنت في ذلك الحين على كل الفلسطينيين، قد شملت عرفات والحاج أمين.

وقد تطورت علاقتهما خلال الخمسينيات لتكتسي سمة العلاقة بين شاب صاعد سياسيا ونضاليا وأب روحي سياسي مفعم بالتجارب وبالإصرار على مواصلة أداء دوره كقائد للحركة الوطنية الفلسطينية، على الرغم من كل ما أصاب دوره هذا من تآكل. فيذكر عرفات أن الحاج أمين هو الذي شجعه في عام 1951، على السعي للوصول إلى رئاسة إتحاد طلاب فلسطين في القاهرة، وهو ما وصل إليه فعلا(4). كما تعاون الإثنان، كل على حدة، مع الإخوان المسلمين، وساءت علاقات الإثنين بجمال عبد الناصر لأسباب تكاد تكون متشابهة، في مقدمتها العلاقة مع الإخوان المسلمين، وغادرا القاهرة في فترتين متقاربتين في العام 1959، كل في اتجاه.  وقد التقيا لاحقا بين حين وآخر في لبنان أوفي الأردن، حيث ما لبثت تلك العلاقة أن دخلت في طورها السياسي الذي انتهت فيه علاقة الأب الروحي بالشاب الصاعد، الذي أصبح رئيسا لأكبر تنظيم نضالي فلسطيني، ولتتحول إلى علاقة قائمة على الندية والتنافس.

ففي أوائل الستينات، وبخاصة بعد أن تم تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة أحمد الشقيري في العام 1964، وقف الإثنان بضراوة ضد المنظمة ورئيسها. فعلى الرغم من أن الحاج أمين رأى في تشكيل المنظمة انتصارا لما ظل يطالب به منذ العام 1949 من ضرورة إحياء الكيان الفلسطيني واستقلالية القرار الفلسطيني،  فقد كان يعتقد بأنه كان يجب أن يترأس هو نفسه تلك المنظمة، وأن المنظمة في تشكيلتها الحالية ليست إلا أداة في أيدي الأنظمة العربية.  كما رأى ياسر عرفات أن الهدف من إنشائها هو الحيلولة دون نشوء المنظمات الفلسطينية المستقلة(5). ولم يشارك الإثنان في افتتاح المجلس الوطني الذي عقد في القدس في العام 1964 لتدشين تأسيس المنظمة(6).

غير أن الحاج أمين ما لبث أن وجد في عرفات منافسا جديدا له، وبخاصة بعد أن أصبح عرفات في عام 1969 رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية التي طالما ناهضاها سويا. فعمد إلى مقارعته بتشكيل منظمة أطلق عليها إسم “الفتح الإسلامي”،  وإعادة تنظيم “الجهاد المقدس”، كمنظمتين عاملتين بشكل مستقل خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية. ولم يكن أمام عرفات، الذي لم يكن هو الآخر يقبل بوجود منافس له، سوى التوجه إلى السعودية لإقناع المسؤولين فيها بإيقاف الدعم المالي الذي كانوا يقدمونه للحاج أمين، ونجح في ذلك. هكذا اضطر الحاج أمين إلى حل تنظيماته والموافقة على انضمام أعضائها إلى حركة فتح(7). وبذلك اعترف الحاج أمين بزعامة ياسر عرفات.

على الرغم مما سبق، لم تنقطع صلة الإثنين، وبخاصة في سياق توتر العلاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية والنظام الأردني، في الوقت الذي كان فيه الحاج أمين يرمم علاقاته مع الأردن. يقول محيي الدين الحسيني، صهر الحاج أمين، بأن الإثنين كانا يلتقيان باستمرار في منزله في عمان، وبأن الحاج أمين “أخذ يشعر في ذلك الحين، وبخاصة بعد معركة الكرامة في  العام 1969، أن عرفات سيكون القائد المناسب للشعب الفلسطيني من بعده، وكان يعتقد بأن عرفات قادر على تحمل المسؤولية. ثم يقول:”غير أن المفتي كان قلقا من تهور المقاتلين وكان يقول:”إنهم يعطون السلاح للجميع، كل ما عليك أن تقوله هو أنك معهم، فتحصل على كلاشينكوف. ويستطرد قائلا:”حذر الحاج أمين عرفات من تكرار الأخطاء القديمة، وكان يقول له: “أنظر إلى أخطائنا وتعلم منها، وإلا فإنك سوف لا تقوم بواجبك، هذه ليست حربا، من المفترض بك أن تقود حركة سرية فلا تجند إلا الذين تثق بهم، يجب أن يكون العمل سريا”(8). ومع انفجار الأحداث الدامية في العام 1970، “صعق الحاج أمين وظل صامتا، ولم يعلن تأييده لا للمنظمة ولا لعرفات(9). ويبدو أن العلاقة قد انتهت منذ ذلك الحين.

منذ تسلمه رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، أخذ ياسر عرفات يشعر بثقل التحديات التي واجهها أو سيواجهها، وبضخامة المسؤولية التي سعى إلى حملها، مسؤولية أن لا يخرج من المعمعة بدون أي شيء كما خرج سلفه،  وأخذ يردد:” إذا كان هناك ما لا أريد أن أكونه، فهو الحاج أمين. لقد كان على حق في كل شيء، غير أنه انتهى بدون أي شيء، أي شيء، لا أريد أن أكون هكذا”(10).

 

الخلفية الثقافية

ولد الحاج أمين الحسيني في العام 1895(11), في عائلة ظلت تعتبر على مدى عدة قرون أشرف عائلات فلسطين، وذلك بفعل نسبها الذي أعادته إلى الحسين بن علي ابن أبي طالب وزوجته فاطمة الزهراء(12). وقد أهلها ذلك النسب لتسلم معظم المناصب الدينية العليا في القدس، هذا بالإضافة إلى أنها كانت إحدى العائلات الثرية المالكة للأرض.  وبفضل نسب العائلة الذي جمع بين الانتماء للعروبة وللإسلام، نشأ الحاج أمين حاملا ثقافة هذا الإنتماء المزدوج، والذي سوف يشكل لاحقا أهم عنصر في ثقافته.

إلى جانب ذلك، نشأ الحاج أمين على حب القدس حبا جارفا وعلى اعتبارها مدينة مميزة دينيا وتاريخيا وجمالا. فقد حفلت مذكراته التي دأب على كتابتها منذ سني شبابه، وبخاصة أثناء الفترة التي قضاها في اسطنبول، والتي امتدت من منتصف العام 1914 إلى أوائل 1917(13)، بقصائد الحب والحنين للقدس والتمجيد بها(14). ليس هذا فقط، بل إن القدس التي وعى عليها، لم تكن في ذلك الحين مجرد سنجق صغير على النحو الذي كانت عليه قبل أواخر القرن التاسع عشر، وإنما كانت قد تحولت إلى متصرفية ضمت في البدء كل ما أصبح يعرف لاحقا بفلسطين الإنتدابية، ثم قلصت بعد ذلك قليلا وبقيت تشمل نحو ثلاثة أرباعها(15). وبذلك كانت العاصمة الفعلية والمركز الرئيس في البلاد. وسوف يتبلور إحساسه بهذه المكانة للقدس إلى عنصر آخر من عناصر ثقافته السياسية: القدس عاصمة، والحسينية هم الزعماء الشرعيون الوحيدون للمدينة والبلاد.

درس الحاج أمين إبان سنوات طفولته في مدارس الكتاب التقليدية حيث حفظ القرآن وهو صغير، ثم في المدرسة العامة الرسمية. كما أدخل بعد ذلك إلى مدرسة الفرير الفرنسية لتعلم اللغة الفرنسية، ووضع له والده مدرسين خصوصيين لمادتي اللغة العربية والفرنسية(16). ثم أرسل إلى القاهرة في العام 1912 للالتحاق بجامعة الأزهر لدراسة علوم الدين والتأهل لكي يصبح مفتيا(17).

دخل الحاج أمين في القاهرة عالم الحياة الإجتماعية والسياسية والثقافية، فالتحق إلى جانب الأزهر بمعهد الدعوة والإرشاد الذي كان قد أنشأه العلامة الديني رشيد رضا. هناك تعرف على مفهوم القومية العربية والدعوات المتصاعدة في ذلك الحين إلى اللامركزية والإنفصال عن الدولة العثمانية، واستمع إلى آراء ونظريات رشيد رضا(18), وعلى يديه تشرب مبدأ رضا الذي يقول فيه:” إذا أردت أن تكون مسلما جيدا، لابد أن تكون عربيا”(19). غير أنه لم يكتف بذلك، بل التحق أيضا بكلية الآداب في جامعة مصر التي ستصبح جامعة القاهرة(20)، حيث كانت ميوله الأدبية قوية في ذلك الحين. كما بادر مع مجموعة من الشباب الفلسطينيين المسيحيين إلى تأسيس جمعية لمناهضة الصهيونية(21). غير أنه ذهب في صيف عام 1914 للحج بصحبة والدته ثم عاد معها إلى القدس. ويرجح أن أخاه عادل، الذي أصبح مفتيا بعد وفاة والده، قد منعه من العودة لمصر لعدم رضاه عن نشاطات وتوجهات أخيه السياسية(22).ولذلك فهو لم يتخرج ولم يحصل على أية شهادة جامعية في مصر. بعد ذلك، أرسله أخوه فور اندلاع الحرب العالمية الأولى إلى اسطنبول للإلتحاق بالجيش العثماني،  حيث انضم إلى دورة في الكلية العسكرية، وحصل على رتبة ضابط، ومارس عمله كضابط لوحدة تمركزت في أزمير، غير أنه لم يخض أية عمليات قتالية تذكر(23).

هناك في تركيا، تبلورت ثقافة الحاج أمين ورسخت شخصيته، حيث تعرف مباشرة على سياسة التتريك، والتقى نخبة من الضباط القوميين العرب في مقدمتهم ضباط عراقيون سوف يلتقي بهم ثانية لدى مشاركته في حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق في العام 1941. وإذ أصابه مرض ما، غادر إلى القدس وبقي فيها. ويبدو أن عدم عودته لتركيا قد تمت هذه المرة بمحض إرادته، حيث التحق في العام 1917 بثورة الشريف حسين(24). وكان ما أقدم عليه الحاج أمين قرارا جريئا في ضوء أن الرأي العام المسلم في فلسطين، وبخاصة على الصعيد الجماهيري، كان في أغلبيته مؤيدا للدولة العثمانية الإسلامية(25). فقد كان على الحاج أمين في ذلك الحين أن يختار بين الولاء للإسلام السياسي والولاء للعروبة، فاختار العروبة. لكن عروبة الحاج أمين لم تكن عروبة علمانية على النحو الذي كان يدعو إليه قسم كبير من دعاة القومية العربية، بل رأى، وعلى النحو الذي نشأ عليه، أن اٍلإسلام مكون أساسي لا ينفصل عن العروبة والسياسة(26).

وعلى الرغم من تدينه الشديد، فقد كان منفتحا ودمثا. لذلك أحبه المسيحيون الفلسطينيون وانضم الكثير منهم إلى حزبه الذي شكله جمال الحسيني في عام 1935 –الحزب العربي. وقد يكون ذلك التوجه أحد ثمار نشأته في القدس حيث تنتصب الكنائس إلى جانب الجوامع بأمن وسلام، أو نتيجة ثقافة إسلامية منفتحة على “أهل الذمة”، إضافة إلى الأثر الذي قد تكون دراسته في مدرسة الفرير الفرنسية قد خلفته فيه.   إلى جانب ذلك، فإنه منذ تبنيه مبدأ الوطنية الفلسطينية، التزم الحاج أمين بعدم التمييز بين مسلم ومسيحي في جبهة النضال ضد الصهيونية، وبخاصة أن المسيحيين الفلسطينيين، والأورثودكس منهم بشكل خاص، كانوا من أوائل من تنبه في فلسطين لمخاطر الصهيونية(27). هذا بالإضافة إلى أنهم يعتبرون أنفسهم عربا ويشكلون أقلية في المجتمع ولا توجد لهم أية تطلعات سياسية خاصة بهم.   ولا يمكن إغفال أن أول نشاط سياسي مارسه الحاج أمين، وهو تشكيل جمعية مناهضة الصهيونية حين كان في القاهرة، قد تم بفعل تعاونه مع الطلاب الفلسطينيين المسيحيين.

أما بالنسبة لليهود، فعلى الرغم من وجود يهود في القدس ولابد أنه التقاهم في طفولته،  فهو لم يعرفهم منذ بداية وعيه إلا كمستوطنين يتطلعون إلى هدم الحرم الشريف لإقامة هيكلهم على أنقاضه. بل إن والده كان احد أوائل الفلسطينيين الذين ناهضوا الهجرة اليهودية وترأس منذ العام 1897 لجنة لمقاومة بيع الأراضي لليهود ظلت فاعلة إلى حين اندلاع الحرب العالمية الأولى(28).  وقد تمسك بعد ذلك بفكرة أن الصهيونية حركة دينية هدفها استرجاع الهيكل، وأكد على ذلك بقوله “إنهم رفضوا إقامة وطن قومي لهم في أماكن أخرى من العالم”(29). فعلى الرغم من أن الحاج أمين كان منذ شبابه يكتب وينشر المقالات السياسية حول الصهيونية ومخاطرها، فإن استيعابه لأبعاد مخاطر الصهيونية وأهدافها التي تتجاوز البعد الديني “كان تدريجيا”(30). كما إنه ” لم يستوعب مدى الهوة السياسية والإقتصادية والتكنولوجية التي فصلت بين المستوطنين اليهود والفلسطينيين……. ولذلك، فهو لم يسخر موقعه ونفوذه للعمل على تجاوز تلك الهوة،  وجعل النضال الفلسطيني أكثر فاعلية”(31).

على العكس من الحاج أمين، لم تلعب العائلة بانتمائها الإثني والعقائدي دورا حاسما في حياة ياسر عرفات. فإلى جانب التطورات الاجتماعية والسياسية العامة التي حدثت في المنطقة مابين فترتي طفولة وشباب الزعيمين، حيث ولد ياسر عرفات عام 1929،  أدت ظروف النكبة بأبعادها الإجتماعية والثقافية إلى تراجع أهمية المكانة التي احتلتها عائلات النخبة في المجتمع الفلسطيني.  فخلال السنوات التي سبقت النكبة، والتي شملت سنوات طفولة وشباب ياسر عرفات، اعتز عرفات بقرابته لعائلة الحسيني، سواء من خلال أمة التي انتمت لفرع قريب من عائلة الحسيني، هو فرع أبو السعود، أو من خلال والده الذي انتمى لعائلة القدوة التي قيل بأنها تشكل فرعا بعيدا من فروع تلك العائلة، كما اعتز بأن يكون قريبا للحاج أمين ولعبد القادر الحسيني, واعتبر  نفسه حسينيا لفترة ما (32). غير أن ياسر عرفات ما لبث أن تمرد بعد وقوع النكبة على قيمه السابقة، وحين توجه للتسجيل في جامعة القاهرة في العام 1951، أحجم عن كتابة أي لقب عائلي، مكتفيا بإسم “ياسر محمد عرفات”، بدلا من إسمه الأصلي، محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة، الذي كثيرا ما كان يضاف إليه لقب الحسيني(33).

وعلى العكس من الحياة العائلية المستقرة التي عاشها الحاج أمين، وما تبلور لديه من قناعات ثقافية في إطارها، اتسمت ظروف عرفات العائلية بالإضطراب والقلق، سواء بسبب وفاة أمه وهو طفل صغير، ثم زواج والده لأكثر من مرة، أو بفعل التنقل المتواصل بين القاهرة وغزة والقدس بسبب طبيعة أعمال والده التجارية أو غير ذلك من الأسباب. وعلى الرغم من أن ياسر عرفات كان يرفض الحديث عن سنوات طفولته وشبابه المبكر، فقد وصف طفولته بأنها “طفولة غير سعيدة”(34). كما إن والده لم يكن موسرا ولكنه لم يكن فقيرا(35).

كذلك اتسمت طبيعة دراسته الإبتدائية والثانوية بعدم الانسياب أو الاستقرار، حيث اضطر إلى الإنتقال من مدرسته في القاهرة إلى مدرسة في غزة، ثم إلى أخرى في القاهرة. وعلى أي حال، لم يكن ياسر عرفات يحب المدارس.  ويذكر أنه كثيرا ما كان يهرب في القاهرة من المدرسة ليذهب للقاء شيخ يعلمه الدين، ويروي له قصص العرب والمسلمين وحروبهم ومعاركهم(36). كما كان يهرب في غزة للقاء رجل مثقف لكي يحكي له قصص الحضارة والعقائد والإيديولوجيات الغربية(37). وكثيرا ما كان يقوم بأعمال غريبة، منها أنه عمل مرة موزعا للشاي في مجلس الشعب المصري, وحين سئل لاحقا عن ذلك, قال بأنه كان يريد أن يسمع ماذا يتحدثون من أمور سياسية (38).

ولا يعني هذا أن ياسر الطفل والشاب، قد أهمل الدراسة. فالحقيقة هي أن أهله ومعلميه ومعارفه قد اكتشفوا في وقت مبكر ما امتلكه ياسر من قدرة عقلية حسابية وتسجيلية مكنته من حفظ كل ما يسمع أو يرى على الفور.  فحين حفظ القرآن بسرعة كبيرة في طفولته، قال الشيخ بأن ياسر طفل فذ و”مؤهل بفضل “لدم الحسيني الذي يجري في عروقه” لأن يصبح علامة دين ذا شأن كبير. وبعد أن تجلت تلك القدرة في أمور أخرى، كحفظ معادلات الجبر فور إلقاء نظره عليها، قيل بأنه سيكون له شأن كبير في أي مجال(39). غير أن تلك القدرة لم تشمل قواعد اللغة والكتابة(40).   وبعد أن أنهى دراسته الثانوية، رغب له  والده أن يدرس الطب،  ولكنه اختار الهندسة(41).

ولم يكن ياسر الشاب منتظما بالدوام أثناء دراسته الجامعية، فقد كان كثير الإنشغال بأشياء أخرى، في مقدمتها التدريب العسكري، والقتال في قناة السويس وغير ذلك من الأعمال ذات العلاقة، حيث ما لبث أن أصبح خبيرا بالمتفجرات. وإذ شهد اندلاع المواجهات في فلسطين في العام 1947 فور صدور قرار التقسيم، يقول ياسر عرفات: “أقسمت أن أكرس حياتي لتحرير فلسطين”(42).

تعرف ياسر عرفات مبكرا على جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة،  وذلك من خلال والده الذي كان على علاقة بهم. ونمت تلك العلاقة بين ياسر الشاب والجماعة واستمرت إلى أواخر الخمسينيات. وكان لذلك أثر في مجال ثقافتة العامة. غير أنه كان يقول بأنه لم يكن معنيا بتعاليمهم، باستثناء دعوتهم للجهاد وحمل السلاح(43)، فاستفاد منهم في مجال التدريب العسكري والتزود بالأسلحة. كما رفض الانضمام إليهم،  وهو ما أكده صلاح خلف أبو إياد لاحقا(44).

شكل ياسر عرفات ثقافته العامة والسياسية فيما بعد من الحياة العملية المباشرة، وبفضل ما تمتع به من قدرات عقلية أتاحت له تجميع مخزون واسع من الثقافات والإيديولوجيات التي تمكن بحسه السياسي أن يتعامل معها من غير أن يلتزم بأي منها. هكذا تطور عرفات إلى صديق للقوميين واليساريين والماركسيين والإسلاميين وأتباع كل العقائد والمذاهب والفلسفات الأخرى أيا كانت. وكانت إنتخابات إتحاد طلاب فلسطين في القاهرة في العام 1951 أول تمرين له في هذا المجال(45) وعلى الرغم من تدينه ، فقد تمكن، بعد الإنخراط في الحياة السياسية المباشرة وتزعمه لحركة فتح ثم منظمة التحرير الفلسطينية، من تطوير نفسه إلى سياسي محترف، واعتماد ما يمكن تسميته بالليبرالية السياسية والإجتماعية. فقد أقام عرفات علاقات عربية وإسلامية ودولية مختلفة شملت اليهود الذين قبلوا بالتعامل معه، ودعا يهودا لحضور جلسات المجلس الوطني الفلسطيني وأعلن عن اعتبارهم أعضاء في المجلس، حيث كان يسعى لبلورة مفهوم للهوية الوطنية الفلسطينية يقوم على أساس اعتبار أن هناك حقا لأي يهودي كان حمل الجنسية الفلسطينية قبل عام 1948، أو لأي يهودي آخر يقر بالحقوق الفلسطينية، في أن يكون مواطنا في الدولة الفلسطينية. وإذا جاز لنا وصف ياسر عرفات بالبراغماتي السياسي الذي أخضع الثقافة للسياسة، يبدو الفارق الكبير بينه وبين الحاج أمين الحسيني الذي أخضع السياسة للثقافة وغلب الأيديولوجية على البراغماتية.

 

مصادر القوة

صعد الزعيمان إلى سدة القيادة بفعل العديد من العوامل التي اختلفت في بعضها وتشابهت في بعضها الآخر، وتميزا بقدرتهما على الاحتفاظ  طويلا بزعامتهما على الرغم من الأجواء العاصفة التي هيمنت على الساحة الفلسطينية في عهد كل منهما.  لعبت العائلة دورا رئيسا في صعود الحاج أمين، وذلك بفعل السمة التقليدية للمجتمع الفلسطيني والقيم السائدة فيه، وبفعل الاحترام الذي حمله المجتمع لعائلة الحسيني تحديدا بسبب نسبها وإشغالها أعلى المناصب الدينية في البلاد لعدة قرون. غير أن شعبية الحاج أمين فاقت مكانة الذين سبقوه من عائلته في المناصب الدينية، وذلك بفعل نشاطه السياسي الذي مارسه مبكرا قبل تسلمه أية مواقع دينية أو سياسية، وذلك منذ عودته إلى فلسطين في أوائل العام 1917، حين بدأ يشجع الفلاحين على  الانضمام لجيش الأمير فيصل(46)، ثم قام بتأسيس النادي العربي مع عدد من أصدقائه في العام 1918، بهدف الدعوة لوحدة فلسطين وسورية(47) .

وقد تميز الحاج أمين أيضا عن بقية أفراد عائلته بقدراته الخطابية وباتجاهه للانخراط في حياة الفلاحين في قراهم، وهو أمر لم يعتد عليه الفلاحون من قبل. ومع وصول أنباء إعلان بلفور إلى فلسطين في أوائل العام 1919، ازدادت حركة الحاج أمين في المدن والقرى، كما أخذت شعبيته بالتصاعد في العام 1920، حين أصدر الإنجليز أمرا بالقبض عليه والحكم عليه غيابيا بالسجن لعشر سنوات، وذلك بعد الخطاب الذي ألقاه في الجماهير المحتشدة بمناسبة موسم النبي موسى حاملا صورة الأمير فيصل على صدره وصائحا فيهم:”هذا هو ملككم(48).

غير أن مكانة الحاج أمين ما لبثت أن شهدت صعودا دراماتيكيا، ليس فقط بفعل تعيينه مفتيا لفلسطين بعد أن صدر عفو عنه في العام 1921، وإنما بفعل تعيينه رئيسا للمجلس الأعلى لشؤون الأوقاف الذي أنشأته حكومة الانتداب البريطاني في عام 1923، والذي ربطت به مهام ومسؤوليات عديدة أخرى كالمحاكم الشرعية والمدارس الدينية ودور الأيتام وغيرها، إلى جانب المسؤولية عن جميع أموال الوقف الإسلامي(49) .  فقد تمكن الحاج أمين من خلال ذلك المجلس، الذي وفر له الصلة المباشرة مع الجماهير ، من تكوين قاعدة صلبة له في الريف، وقام بتعيين جيش من الخطباء والقضاة والموظفين، بحيث أصبح المجلس أشبه بحكومة محلية أو بدولة داخل دولة هو رئيسها. ومن خلال رئاسة المجلس الأعلى للأوقاف ومركز الإفتاء، أصبح الحاج أمين يدير نضاله السياسي تحت عباءة الدين، سواء بإلقاء الخطب والتجول في المدن والقرى وعقد الاجتماعات والمؤتمرات أو بإرسال المذكرات لزعماء المسلمين في العالم حول الخطر الذي يتهدد الأماكن المقدسة، أو السفر إلى الخارج لجمع التبرعات وغير ذلك من النشاطات والفعاليات على الصعيدين الداخلي والخارجي. وإذ تمكن مع اندلاع أزمة حائط البراق في العام 1928 من انتزاع قرار بريطاني ينص على “الحفاظ على الوضع القائم في ما يتعلق بحائط البراق”، أي إبقائه تابعا للعرب، تحول الحاج أمين إلى الزعيم الفلسطيني غير المنازع على صعيد جماهير الفلاحين الفلسطينيين شديدي التدين المتدين, الذين  كانوا يشكلون في ذلك الحين نحو 80% من سكان فلسطين المسلمين (50).

كان الدين هو الأداة الرئيسة التي تبناها الحاج أمين في مخاطبة جماهير الفلاحين، وتثقيفهم ضد المشروع الصهيوني، وذلك انطلاقا من قناعته بأن تلك الجماهير لا  تدرك معنى الوطنية بشكل واضح على النحو الذي تعتنق فيه الإسلام بإيمان كبير، وتستجيب للنداءات الدينية بدون تردد”(51) . فهي لا تحتاج إلى برامج سياسية معقدة، وإذا ما استجابت لمفهوم العروبة فهي إنما تستجيب له بسبب أن النبي عربي.  بل إن الحاج أمين كان يعتقد بأنه لايمكن فصل الإسلام عن السياسة، وبأن الرموز الإسلامية يجب أن تستخدم لتوحيد العرب (52). لذلك كانت لغته بسيطة يفهمها كل أمي:  فليسقط الكافر، الجهاد، الحرب المقدسة. وهي اللغة التي عاشت هذه الجماهير عليها جيلا بعد جيل في إطار الثقافة والحكم الإسلامي لقرون طويلة(53)، ولم تكد تسمع أو تفهم ما يقال عن الوطنية والقومية.

وقد أسهم هذا الرصيد الكبير من شعبية الحاج أمين على امتداد العشرينيات والنصف الأول من الثلاثينيات، في وصوله إلى  مركز الزعيم والقائد غير المنازع على الصعيد الجماهيري منذ العام 1937، وذلك بعد صدور توصيات لجنة بيل البريطانية  بتقسيم فلسطين، ومعارضته لها, و قيام حكومة الانتداب البريطاني بحل اللجنة العربية العليا التي كان قد أصبح رئيسا لها في العام 1936، ومطاردته بهدف اعتقاله متهمة إياه بإطلاق المرحلة الثانية من الثورة، في تشرين الأول/أكتوبر 1937.

وقبل فراره في 15/10/1937(54)، إلى لبنان ، معتمدا على كراهية الانتداب الفرنسي للإنجليز، أصدر،الحاج أمين، باعتباره مفتي فلسطين،  نداء للمقاتلين بالجهاد، وأخذ يشرف من لبنان على تهريب السلاح للثوار على مدى العامين اللذين قضاهما هناك، وبذلك أصبح قائدا للثورة التي كانت قد اندلعت في العام 1936، على الرغم من كونه خارج البلاد.

وعلى الرغم من رحيله في 14/10/ 1939 إلى العراق ، بفعل اندلاع الحرب العالمية الثانية وتغير السياسة الفرنسية إلى سياسة تحالف مع بريطانيا، فقد تمكن الحاج أمين من الحفاظ على شعبيته في فلسطين على الرغم من انهيار الثورة، وذلك بفعل انخراطه في “حركة رشيد عالي الكيلاني” التي اندلعت في أيار/ مايو 1941 ضد النفوذ البريطاني في العراق , والتحاق الكثير من فلول المقاتلين والمثقفين الفلسطينيين به هناك،  ثم فراره إلى ألمانيا بعد فشل الحركة المذكورة وعودة بريطانيا لاحتلال العراق, ومواظبته على التحدث إلى الشعب الفلسطيني عبر الإذاعة من برلين  وتعبئته وتطمينه بأن النصر قادم، حيث كانت  الجماهير الفلسطينية المهزومة التي تعرضت لأقسى عمليات التنكيل والقتل على يد البريطانيين، تتمنى انتصار ألمانيا والحاج أمين، وانتشر  شعار “حي حي، الحاج محمد هتلر جاي” يتردد في فلسطين، إلى جانب شعار “سيف الدين الحاج أمين”.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في العام 1945 بهزيمة ألمانيا،  فقد الحاج أمين كل مصادر قوته: المكانة العائلية، المكانة الدينية، المال، التأييد الجماهيري، والأرض. وحين توجه إلى غزة للإعلان عن قيام “حكومة عموم فلسطين” في 1/10/1948، لم يجد شعبا يدعم  تلك الحكومة، ولا ساسة أوتجارا لم يتجهوا نحو الشرق.

 

أما ياسر عرفات، فقد أدرك  منذ البداية، مدى أهمية التأييد الجماهيري لأي سياسي يتطلع إلى الزعامة. كما أدرك أن مادة مثل ذلك التأييد متوفرة في المخيمات الفلسطينية التي تضم مئات الآلاف من اللاجئين المقهورين الذين ينتظرون بفارغ الصبر من يستطيع انتشالهم من ذلك الواقع وإعادتهم إلى وطنهم.  وإذ لم يكن معنيا بأن تقتصر حركته على نخبة سياسية مهمتها العمل على إقناع الأنظمة العربية بشن حرب نظامية شاملة على إسرائيل، اتجه إلى المخيمات في الأردن وسورية ولبنان.

وكان السحر الذي حمله معه إلى تلك المخيمات هو مبدأ الكفاح المسلح والبندقية التي ستعيد للشعب المنكوب كرامته وأمله في تحرير وطنه والعودة إليه.  هكذا انغمر بنفسه في خضم تلك المخيمات، زارعا في كل نفس أملا جديد، قائلا لهم بأنهم هم أنفسهم الذين سوف يستعيدون وطنهم، مستخدما لغة لاتقل بساطة عن اللغة التي خاطب الحاج أمين فيها جماهيره، وإنما بمفردات جديدة: العودة، الفدائي، البندقية ثم الكلاشينكوف، مناشدا الأمهات قبل الآباء أن يعطوه أولادهم لكي يحولهم إلى فدائيين، منخرطا في نسيج حياتهم اليومية و في حل مشاكلهم إلى حد عقد الزيجات والتطليق وإصدار الأحكام(55). وما إن وقعت معركة الكرامة وانعقد له النصر فيها في العام 1968 ، أصبح اسم أبو عمار على كل لسان، وفي قلب كل لاجئ فلسطيني، وشكل الحب والإيمان درعا لزعامته الطويلة(56). وقد ظلت البندقية التي أحبها منذ طفولته وأعاد من خلالها إحياء الشعب الفلسطيني وهويته الوطنية الفلسطينية، هي السحر الذي ظل يستقطب الحب والتأييد الجماهيري له.

أما مصدر القوة الرئيس الآخر الذي أدرك ياسر عرفات أهميته، فهو المال. وإذ لم يكن عرفات ينتمي لعائلة ثرية ولا يتمتع بمنصب شبيه بمنصب رئيس المجلس الأعلى للأوقاف،  تحتم عليه أن يبحث عن مصادره الخاصة لتوفير المال.  وقد وجد ضالته حين توفرت له فرصة العمل كمهندس في الكويت في أواخر الخمسينيات. ومن خلال جده ونشاطه وذكائه وقدرته على اقتناص الفرص المدرة للربح، تمكن خلال فترة قصيرة من توفير مبلغ ما,  اعتبر في حينه ثروة كبيرة، رصده كله لتأسيس حركة فتح وشراء السلاح للبدء بالعمليات العسكرية(57). وبعد أن نضبت تلك الأموال، لم يعدم عرفات وسيلة لإقناع الأثرياء، وبخاصة الفلسطينيين منهم، بتقديم الدعم المالي، كما لم يعدم بعقله البراغماتي استغلال التناقضات والمنافسات  بين زعماء الدول العربية،  كالتنافس والعداء بين المملكة العربية السعودية ومصر جمال عبد الناصر، للحصول على الدعم المالي . وكان واضحا منذ ذلك الحين، أن ياسر عرفات لن يتنازل مطلقا عن حقه في أن يوقع على أي قرار بالصرف، وربط  كل المساعدات والهبات لجماهير الشعب بشخصه، وأصبح كل إنسان محتاج لا يلجأ طلبا للمساعدة إلا إلى أبو عمار، واتسعت دائرة طالبي المساعدة لتشمل أثرياء وانتهازيين ومتسلقين كثيرين(58).

ويشكل العقل البراغماتي مصدر القوة الثالث الذي تمتع  به ياسر عرفات، بعد البندقية الجماهيرية والمال, الذي أتاح له إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية.  وتشكل معركة تزعمه لإتحاد الطلاب الفلسطينيين في القاهرة عام 1951،  الذي شكل نواة الحركة الوطنية الفلسطينية، أول تمرين عملي له في هذا المجال. وهو تمرين سخر فيه ياسر عرفات كل ديناميكيته الفكرية،  وما تبلور لديه من عقلية براغماتية فوق إيديولوجية، للفوز برئاسته،  وذلك بإقناع كل فئة أو جماعة  سواء كانت إسلامية، قومية، شيوعية أم ليبرالية، بجدوى انتخابه ، لأنه الوحيد الذي يستطيع أن يقيم الوحدة بين كل هؤلاء، ويصونها داخل الإتحاد(59). ومنذ أن أصبح رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1969، تمسك بمبدأ ضم أي فصيل فلسطيني مهما كان ثقله أو حجمه الحقيقي في الساحة الفلسطينية إلى المنظمة(60)، وكان من شأن ذلك أن يفسح له مجالا أكبر للمناورة ويحول دون تشكل قوى منافسة له. وكان يتذرع دائما إذا ما جودل في ذلك، باستدعاء تجربة الحاج أمين، قائلا بأن الإنقسام بين الحسينية والنشاشيبية، والذي قسم الساحة بين مجلسيين ومعارضين، كان أحد الأسباب الرئيسة للهزيمة التي لحقت بالفلسطينيين(61).

 

 

الرؤية السياسية

كانت الوحدة بين سورية ولبنان وفلسطين، هي الرؤية السياسية التي سادت بين القوميين العرب, ومن بينهم الحاج أمين الحسيني, بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. ولا يتضح كيف ارتأى الحاج أمين مصير المشروع الصهيوني في فلسطين في إطار مثل تلك الوحدة. وقد يكون رأى أنه سيكون على غرار ما كان عليه الحال منذ قيام دولة الإسلام, أي كأهل ذمة. وقد يكون قد رغب جدا في قيام مثل هذه الوحدة من أجل درء مخاطر المشروع الصهيوني في فلسطين غير الموحدة مع سورية ولبنان, إضافة إلى درء مخاطر ما عبر عنه الأمير فيصل في خطابه أمام مؤتمر الصلح في باريس في 16/2/1919، والذي طالب فيها بمنح كل بلدان المشرق العربي إستقلالها، ماعدا فلسطين، “التي ينبغي أن يبت في مصيرها من قبل كافة الأطراف المعنية نظرا لطابعها الدولي”(62).

بعد تراجع مسألة الوحدة “السورية”، اعتنق الحاج أمين رؤية الدولة العربية الإسلامية في فلسطين بحدودها التي وضعتها بريطانيا. ووفقا لهذه الرؤية، فهي دولة عربية إسلامية الهوية، وقد تضم أقلية يهودية وأقلية مسيحية كأهل ذمة، أو على النحو القائم في الدول العربية الأخرى. وقد عبر عن هذه الرؤية في عدة مناسبات، منها تأكيده  للملك عبد العزيز ابن سعود لدى زيارته له في 6/2/1937 ، على أنه” يريد إقامة  دولة عربية إسلامية”(63) في فلسطين، ثم شهادته أمام لجنة بيل الملكية في12/1/1937، والتي قال فيها:” ليس من الممكن أن يحشر شعبان مختلفان في كل شيء في موطن واحد ومحاولة المستحيل لايمكن أن تنجح”(64). وفي رده على سؤال اللجنة:”بما أنك تطالب بحكومة وطنية، ماذا ستفعل بنحو400 ألف يهودي موجودين في فلسطين؟” قال:”لن تكون هذه أول مرة يعيش فيها يهود في ظل حماية دولة عربية”، وحين سئل نفس السؤال بصيغة أخرى: “إذن أنت تعتقد أنه يجب إخراج بعضهم بطريقة رحيمة أو مؤلمة وفقا للظروف؟”،  رد قائلا: “يجب ترك كل هذا للمستقبل”(65). وعلى مدى الفترة الممتدة منذ أوائل العشرينات ولغاية منتصف الثلاثينيات ، ظل الحاج أمين يعتقد أنه قادر على إقامة مثل هذه الدولة من خلال التعاون مع بريطانيا، والعمل على تغيير سياستها الخاصة بإعلان بلفور. وكان مقتنعا بأن بريطانيا صديقة للعرب بفعل الحلف الذي تم بينها وبين الشريف حسين وأولاده منذ عام 1916، وبأن إصدار إعلان بلفور قد تم نتيجة للنفوذ السياسي والمالي الصهيوني، وأنه يمكن للعرب تغيير تلك السياسة(66).

ولأجل تعزيز الأمل بقيام مثل هذه الدولة،  سعى بشدة خلال الفترة المذكورة من أجل إقامة مجلس تشريعي تمثيلي وفق النسب السكانية القائمة للعرب واليهود أو بين المسلمين والمسيحيين واليهود(67)، وهي نسب كانت في ذلك الحين لصالح العرب الفلسطينيين بفارق كبير وعلى نحو يضمن ع طبيعة هوية الدولة التي ستكون الأغلبية فيها للعرب المسلمين.  كما رفض الإستجابة للدعوات المطالبة باللجوء إلى السلاح لإرغام بريطانيا على تغيير سياستها، ومنها دعوة الشيخ عز الدين القسام لذلك، وذلك لاعتقاده بأن الوقت لم يحن بعد لذلك، وأن الفلسطينيين غير قادرين بمفردهم على مجابهة بريطانيا(68). وظل يدعو إلى اعتماد الطرق السلمية واللجوء إلى الوسائل المشروعة في الإحتجاج(69). كما ركز جهوده على تحشيد الرأي العام على المستويين العربي والإسلامي من أجل ممارسة الضغط علي بريطانيا لتغيير سياساتها(70).

ولم يتخل الحاج أمين عن هذه الرؤية  منذ فشل رهانه على الحل القومي ( السوري- اللبناني- الفلسطيني )، بعد طرد الأمير فيصل من سورية وتعيين الإنجليز له ملكا على العراق في العام 1921. بل إن التخوف من تقسيم فلسطين قد بدأ يراوده منذ قيام بريطانيا بإنشاء إمارة شرق الأردن في عام 1921(71). فعلى الرغم من رؤيته القومية التي بدأ حياته السياسية فيها ، فهو لم يجد في الأمير عبد الله امتدادا للمشروع القومي العربي، بل نبع تخوفه من أن إنشاء إمارة شرقي الأردن سيكون على حساب الدولة العربية الإسلامية الفلسطينية  وضياع نصف فلسطين على أقل تقدير لليهود. وكان هذا هو سر صراعه مع حزب الدفاع الفلسطيني، والأمير عبد الله ، ثم انقلابه في العام 1937 على سياسة التعاون مع بريطانيا التي ظل يتبناها منذ أوائل العشرينات. وكانت شكوك الحاج أمين قد تعززت مع وصول لجنة بيل البريطانية إلى فلسطين في أوائل العام 1937 وقيام اللجنة في3/1/1937 بزيارة شرق الأردن” على الرغم من أن شرق الأردن لم يكن مدرجا في  التفويض الخاص بعمل اللجنة(72) ، ثم سفر الأمير عبدالله إلى لندن في 5/5/ 1937 ومكوثه فيها لنحو شهر فيما كانت اللجنة تعد تقريرها، إضافة إلى استقالة راغب النشاشيبي والعضو الآخر لحزب الدفاع، ألفريد روك،  من اللجنة العربية العليا في 3/7/1937، إلى جانب “النشاط الظاهر لمؤيدي هذا التوجه قبيل صدور التقرير، في الترويج للأمير عبد الله ولمشروع التقسيم”(73).

وإذ اندلعت الحرب العالمية الثانية, وقف الحاج أمين بين قطبين استعماريين يتنازعان على كيفية الاستيلاء على الشعوب الضعيفة, وبدلا من الوقوف على الحياد , على النحو الذي فعله المهاتما غاندي, انضم إلى المعسكر الاستعماري الألماني الذي ما لبث أن هزم وهزمت معه أحلام الحاج أمين بانتصار ألماني يلغي وعد بلفور ويعيد فلسطين لشعبها.

غير أنه ومع كل الهزائم التي لحقت به وما حدث من تطورات على صعيد الواقع في فلسطين, بقي متمسكا بهدف الدولة العربية في عموم فلسطين. فمع صدور قرار التقسيم في 29/11/ 1947، رفض الحاج أمين مشروع الأغلبية الذي أوصى بالتقسيم، كما رفض مشروع الأقلية الذي طالب بدولة فيدرالية مؤلفة من كانتونات، المقدم من الدول العربية(74). وأصدرت الهيئة العربية العليا التي يرأسها، بيانا طالبت فيه بدولة “عربية، ديمقراطية تضمن لجميع مواطنيها حقوقا متساوية وتصون الحقوق الشرعية والمصالح لجميع الأقليات”(75) ، ولم ترد صفة “إسلامية” في النص، كما ورد فيه تأكيد أكثر من أي وقت مضى على الديمقراطية. وقد يكون هذا هو التنازل الوحيد الذي قدمه الحاج أمين في سياق كل ما سبق من تطورات.   وفي  1/ 10/ 1948، وصل الحاج أمين إلى غزة معلنا قيام ” حكومة عموم فلسطين”، مصرا على كلمة “عموم”, غير أن مجرد تقديم إعلان على هذا النحو لا يلغي احتمال أن يكون الحاج أمين قد شعر بالمأزق الذي تورط فيه , وفكر في محاولة تخليص الضفة الغربية من الملك عبد الله إذا تمكن من إقامة حكومة في غزة. وبعد عدم تمكنه من ذلك, ثم فقدانه لكل مناصبه, عاد ليقول قبيل وفاته في 4/7/ 1974:” ليس هناك إلا عدم الإعتراف والقتال…إن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة(76).

 

حين سئل ياسر عرفات عن رأيه في ما حدث خلال عامي 1947و1948، هاجم الأنظمة العربية بشدة، وقال: “إذا كانوا غير مستعدين للحرب، فلماذا لم يقبلوا بقرار التقسيم…إنها خيانة” (77), ولكنه لم يهاجم الحاج أمين الحسيني. وقد يكون سبب ذلك هو إدراكه بأن الحاج أمين كان قد فقد زعامته الفلسطينية ومكانته العربية، ولم يعد في ذلك الحين عنصرا مؤثرا بحيث يستطيع الحصول على الضفة الغربية وقطاع غزة  وتنفيذ الشق الثاني من قرار التقسيم بإقامة الدولة الفلسطينية.

حين بدأ عرفات يفكر في رؤية سياسية خاصة به، لم يجد ذلك سهلا، ولم يعثر في الساحة العربية على ما يمكن الاستفادة منه. فقد كانت حرب السويس ونتائجها الفعلية  في العام 1956 قد أنهت أسطورة جمال عبد الناصر بالنسبة له. أما القوميون العرب الذين ظهروا بعد النكبة الفلسطينية, فقد كانوا يرفعون شعار”الوحدة العربية طريق تحرير فلسطين”، وهو ما لم يأخذ عرفات الواقعي به كشعار جدي، كما لم يكن القوميون العرب يفكرون بالدولة العربية الفلسطينية التي تبناها الحاج أمين منذ العام 1921  ويعتبرونها ضربا من الخيال و”خيانة قومية”(78) .لذلك لم يكن أمام ياسر عرفات في ظل تلك الأجواء السياسية،  سوى أن يقلب الطاولة في وجوه كل هؤلاء، وأن يرفع شعار ” تحرير فلسطين هو الطريق إلى الوحدة”(79) ، وأن يلوذ بمبادئ الحاج أمين المتمركزة في الكيانية الفلسطينية، والكفاح المسلح وتوريط الدول العربية في حرب لا يريدون خوضها(80).

ولكي يحول فكرة الكيانية الفلسطينية إلى هدف إستراتيجي، كان لابد له من اعتماد سياسيات واستراتيجيات غير مستحيلة، وذلك في ضوء أن الكفاح المسلح يتطلب شعبا يحمل البندقية، والشعب المسلح يحتاج إلى قاعدة آمنة، والقاعدة الآمنة موجودة في مشروع  “حكومة عموم فلسطين” المجهض، أو بشكل أدق، في الضفة الغربية وقطاع غزة على الرغم من انفصالهما الجغرافي.

هكذا أخذ ياسر عرفات يدعو منذ أواخر الخمسينات في نشرة “فلسطيننا”، التي أنشأها كأداة إعلامية لحركة فتح الناشئة، إلى استرداد الضفة الغربية من الأردن وقطاع غزة من مصر لإقامة حكومة فلسطينية تقوم بمهمتين، هما مهمة “استعادة الهوية الفلسطينية للفلسطينيين، وذلك بمنحهم جواز سفر بدلا من وثيقة السفر، ورعاية مصالح الفلسطينيين داخل البلاد العربية على الأقل، ثم مهمة الكيان الثوري الذي يحقق انطلاق الثورة….فتحمي الدول العربية حدوده وتقدم المساعدة للحكم الوطني المتمثل في هذا الكيان”(81).

لم يتمكن عرفات من المضي قدما في وضع استراتيجيات مثل هذا المشروع  (82، حيث عاجلته إسرائيل بشن حرب العام 1967 واحتلال ما حلم بتحويله إلى وطن للفلسطينيين وقاعدة آمنة للمقاتلين.

حاول ياسر عرفات بعد حرب حزيران أن يظهر بأن تلك الحرب ونتائجها لم تؤثر سلبا عليه, وقال لاحقا بأنه اعتبرها “نعمة” وبأنه شعر بأنها تشكل “البداية وليس النهاية”، وذلك لأن الدول العربية المجاورة التي أصبحت محتلة الأراضي مثل فلسطين، “سوف تضطر للقتال لاستعادة أراضيها، وإلا فإن شعوبها ستثور عليها، وسوف يبلغ النضال الفلسطيني ذروته في هذا المجال”، وواصل عمله وباندفاع أكبر”(83). وتوجه فور انتهاء الحرب سرا إلى الضفة الغربية في محاولة لتحويلها إلى “البحر الذي سيسبح فيه سمك المقاومة”، وفق لغة ماوتسي تونغ(84. ولكنه لم ينجح في مهمته(85.

مقابل ذلك, يمكن اعتبار الفترة الممتدة بين حرب 1967 وحرب 1973 بأنها المرحلة الحرجة  التي افتقد فيها عرفات القدرة على بلورة رؤية سياسية واضحة. فبعد أن كان يتمنى استرداد  الضفة الغربية وغزة  من الأردن ومصر لكي يحول كلا منهما إلى قاعدة آمنة، فقد تحتم عليه بعد حرب 1967 أن يخوض حرب تحرير ليس لفلسطين التي ضاعت في العام 1948، وإنما لفلسطين القاعدة الآمنة المتمثلة في الضفة وقطاع غزة. كما أضاف صدور القرار الدولي 242، الذي اعترف بالضفة والقطاع كأراض محتلة، تعقيدا جديدا باشتراط التفاوض مع إسرائيل ذاتها على مصيرهما, كما تطلب من الجانب الفلسطيني إثبات حقه كممثل شرعي للتفاوض على تلك المناطق, والاعتراف بإسرائيل لكي يتفاوض معها.

لم تحقق حرب أكتوبر 1973  أي اختراق على الصعيد الفلسطيني، ولذلك لم يكن أمام عرفات سوى العمل على انتزاع الاعتراف العربي والدولي  بالشعب الفلسطيني على أنه الطرف الوحيد الذي يحق له التفاوض لاسترداد الضفة الغربية وقطاع غزة.    ومنذ ذلك الحين، تبلورت لدى ياسر عرفات رؤية سياسية واضحة وبسيطة وغير مستحيلة: منظمة التحرير الفلسطينية هي التي تتفاوض على الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967 لكي تكون دولة الشعب الفلسطيني. وعلى الرغم من تشدد الفصائل الفلسطينية وتمسكها بهدف التحرير الكامل، تمكن ياسر عرفات في دورة المجلس الوطني لعام 1974، من انتزاع برنامج النقاط العشر، الذي نص على إقامة “سلطة وطنية” على أي شبر يتم تحريره(86). ولم يكن ذلك البرنامج سوى مقدمة لما تم إقراره في الأعوام اللاحقة، 1977، 1979 ، ثم 1988، في المجالس الوطنية، وعلى نحو تدرجي، في شأن الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي المحتلة  في العام 1967. ولم تتغير رؤيته هذه على مدى السنوات اللاحقة إلى حين وفاته, وذلك على الرغم من ادعاء البعض بأن ياسر عرفات قد فقد الأمل قبيل انطلاق انتفاضة الأقصى عام 2000 بإمكانية قيام دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة في العام 1967, وبأنه قد عاد إلى اعتناق أفكار التحرير الشامل, على النحو الذي حدث مع الحاج أمين الحسيني. غير أنه لا يتوفر من الأدلة ما يثبت حدوث مثل هذا التحول الإستراتيجي في فكر ياسر عرفات قبيل وفاته.

 

القرارات السياسية وكيفية اتخاذها

على الرغم من تأثير الحاج أمين الحسيني في القرارات السياسية الفلسطينية التي اتخذت على مدى العشرينات والنصف الأول من ثلاثينات القرن الماضي بفعل تنامي نفوذه الديني- السياسي، فهو لم يصبح في موقع اتخاذ القرار السياسي إلا بعد أن اختير  رئيسا للجنة العربية العليا، التي تشكلت في 25/4/1936 بعد اندلاع الثورة في البلاد مباشرة.  وفي مايلي بعض القرارات التي اتخذها منذ ذلك الحين، والتي كانت في معظمها قرارات  سلبية أدت بياسر عرفات في ما بعد إلى القول, وكما ورد سابقا: ” إذا كان هناك ما لا أريد أن أكونه، فهو الحاج أمين…..”

 

  • التعامل مع حكومة الانتداب البريطانية: على مدى الفترة الممتدة من أوائل العشرينيات, ولغاية النصف الأول من العام 1936، انهمك الحاج أمين في تأسيس وترسيخ المجلس الإسلامي الأعلى ، وممارسة نشاطه على المستويين العربي والإسلامي(87) ، والتباحث أو التفاوض مع البريطانيين من أجل تأسيس مجلس تشريعي فلسطيني وفقا للنسب السكانية القائمة في البلاد(88). وكان  يعتقد بحسن نوايا بريطانيا وبأن العرب قادرون على إقناعها بتغيير سياساتها المؤيدة للصهيونيين بالطرق السلمية. وكان ما زال على هذا الرأي  حين ترأس اللجنة العربية العليا التي تداعت الفعاليات السياسية لتشكيلها من أجل التعامل مع الثورة التي اندلعت في البلاد في 20/4/1936. كما كان وراء صدور  النداء الذي وجهه زعماء السعودية والعراق وشرق الأردن واليمن في 12/10/1936 لأهل فلسطين “للإخلاد للسكينة حقنا للدماء…معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية.. وثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم”, حيث توقف الإضراب ( أنظر, عوني عبد الهادي,. أوراق خاصة)  غير أنه ما لبث أن انقلب  على هذا الموقف في أوائل العام 1937مع مجيء  لجنة بيل البريطانية للتوصية في شأن الوضع في فلسطين, وصدور توصيتها في 7/7/1937بتقسيم فلسطين, حيث تخلى عن سياسة التعاون مع بريطانيا وتزعم الثورة  وأخذ يوجهها علنا وأصبحت نداءاته “تذاع في الجوامع”(89). وقد تم ذلك في الوقت الذي كان فيه لا يزال  يترأس اللجنة العربية العليا التي كانت بمثابة الحكومة للفلسطينيين , الأمر الذي وفر لحكومة الانتداب ذريعة لحل اللجنة, وملاحقه الحاج أمين  بهدف اعتقاله (90. ومن المرجح أن مثل هذا القرار الخطير قد تم اتخاذه من قبل الحاج أمين على نحو فردي، ولم يتم بحثه أو دراسة عواقبه, حيث حرم ذلك الشعب الفلسطيني من أن تكون له قيادة سياسية تقوم بالتحرك السياسي أمام حكومة الانتداب وضد توصيات لجنة بيل, , كما أتاح لبريطانيا فرصة الانقضاض على الثوار دون رادع. و كان الأجدر به أن يسلم رئاسة اللجنة العربية العليا  لشخصية أخرى ويتفرغ لقيادة الثورة إذا ما أراد ذلك.

 

2-قرار الفرار من البلاد : مع اندلاع الثورة مجددا في أواخر أيلول/سبتمبر 1937 بعد صدور توصيات لجنة بيل التي نصت على تقسيم فلسطين ، حلت حكومة الانتداب  اللجنة العربية العليا  وجردت الحاج أمين من كل سلطاته وسعت إلى اعتقاله، ففر إلى لبنان في 14/10/1937. وقد أثار ذلك  في حينه ردودا متباينة.  يقول أكرم زعيتر في هذا المجال: “وقد اختلف الإخوان هنا في الرأي حول هرب المفتي، فمنهم من قال بأنه ” يترض في المفتي ألا يغادر فلسطين، ولو كان مرابطا في الحرم الشريف وليكن ما يكون! وأن أذى يصاب به هو ما يفترض أن تتعرض له الزعامة الوطنية، وأن ذلك من شأنه أن يذكي الثورة”. ومنا من قال: “ليست التضحية غاية في ذاتها، إنها وسيلة وإن الأجدى للقضية أن يفلت المفتي من أيدي الإنجليز، وأن يكون حرا بحيث يتزعم الحركة الوطنية من بعيد..”(91). كما حاول الحاج أمين الدفاع عن قراره بالفرار بقوله إنه قد عرض على قادة الثورة أن ينضم إليهم ويقود الثورة من الجبال، وأنهم رفضوا ذلك وقالوا بأنهم لا يستطيعون حمايـته و من الأفضل له ولهم أن يساعدهم من الخارج(92) . وبغض النظر عن كل تلك التبريرات، فإن فرار الحاج أمين، بصفته القائد الوطني في الساحة في ذلك الحين،  قد أساء إلى الحركة الوطنية الفلسطينية الوليدة ، وأفسح المجال للتداعيات السلبية اللاحقة. وقد يكون هذا الدرس هو الذي دفع ياسر عرفات إلى الصمود داخل المقاطعة  خلال انتفاضة الأقصى.

 

3- قرار رفض الكتاب الأبيض: ليس في السياسة ثابت ، بل هي في طبيعتها متغيرات متلاحقة بشكل عام. وهذا ما حدث لبريطانيا في العام 1939 حين اقترب شبح الحرب العالمية منها وأدركت مدى حاجتها لكسب العرب إلى جانبها، حيث ما لبثت أن تخلت عن توصيات لجنة بيل، وأصدرت في 9/11/1938 بيانا رسميا جاء فيه أن “الصعوبات السياسية والإدارية الناجمة عن اقتراح إنشاء دولتين مستقلتين عربية ويهودية في فلسطين كبيرة إلى درجة يبدو معها أن الحل للمشكلة بواسطة التقسيم غير عملي…”. ودعت إلى عقد مؤتمر سنت جيمس الذي أصدرت بريطانيا بعده ما عرف بإسم  “الكتاب الأبيض” في 17/5/1939(93).

نص الكتاب الأبيض لعام  1939 على ما لم تقله بريطانيا في السابق أبدا:  إقامة دولة فلسطينية واحدة للعرب واليهود معا في إطار حدود فلسطين الإنتدابية، والتعهد بأن لا يتجاوز عدد اليهود فيها نسبة 30% في أي وقت قادم بدون موافقة الجانب العربي الفلسطيني(94), وهي تعهدات لو حصل عليها الحاج أمين قبل انقلابه السياسي لكان اعتبرها أكبر انتصار سياسي له. أما قرار رفض الكتاب الأبيض، الذي أعلنه الحاج أمين رسميا في 29/5/1939 وهو في لبنان، فقد جاء فيه أن “الشعب العربي مصر على وقف الهجرة وقفا تاما، ولا يرضى بدون ذلك…ويصر على منع انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود منعا باتا ونهائيا…ويطالب باستقلال فلسطين ضمن الوحدة العربية”(95). وقد تم هذا  القرار في سياق تطورات دولية راهن الحاج أمين بفعلها على انتصار ألمانيا على الرغم من أن الحرب لم تكن قد اندلعت بعد.  والجدير بالذكر أن الحاج أمين قد رفض الكتاب المذكور على الرغم من موافقة أغلبية أعضاء اللجنة العربية العليا إن لم يكن جميعهم عليه(96). وقد حاول الحاج أمين بعد ذلك تبرير موقفه بعدة أسباب مختلفة أهمها تذرعه بأن قيادات الثورة في الداخل رفضت الكتاب وقالت بأنها على وشك تحرير فلسطين(97). غير أن معظم أعضاء اللجنة العربية العليا أكدوا في حينه أن الحاج أمين قد اتخذ قراره هذا بشكل فردي مطلق، ولم يعر اهتماما لآراء أعضاء اللجنة أو لآراء الزعماء العرب. ويصف أحد المقربين منه ذلك التفرد بقوله إن السبب هو”عقلية الجماهير المتعلقة بالحاج أمين”(98). لكن الحاج أمين كان بإمكانه إقناع الجماهير لو أراد ذلك، ولم يكن هناك في الساحة الفلسطينية من يمكن أن يعارضه، وبخاصة أن حزب الدفاع برئاسة راغب النشاشيبي كان قد أعلن استعداده للتعامل مع الكتاب(99), وربما كان بإمكانه تجنيد الساحة الفلسطينية وراء الكتاب. وقد يكون السبب الحقيقي لذلك الرفض، كما قال  عزت طنوس لاحقا، هو أنه  :”… أصبح واضحا لدينا أنه كان لديه مخطط آخر لمستقبل فلسطين، ولم يعرف أحد في ذلك الوقت أنه كان يبني مخططه على نصر الألمان النهائي أو على أي شيء آخر”(100).

 

4-الاشتراك في حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق: كان لاشتراك الحاج أمين في حركة رشيد عالي ضد الإنجليز والنظام الملكي العراقي، التي اندلعت في 2/5/1940، بل وتزعمه لتلك الحركة، كما يدعى البعض، أثر سيئ في تحديد موقف النظام العراقي من المخططات الخاصة بمستقبل فلسطين، خلال الأربعينات, وبخاصة خلال 1947-1948.

 

5- قرار السفر إلى ألمانيا وإعلان تأييده لها في الحرب:  قد يكون صحيحا القول أن الخطأ يجر دائما إلى الخطأ. فخطأ الحاج أمين، المتمثل في الفرار من فلسطين في العام 1937، قد أدى إلى ارتكاب عدة أخطاء لاحقة من أهمها خطأ ذهابه إلى ألمانيا في العام 1941.  ويبدو واضحا أن الحاج أمين , بصفته زعيما لشعب يرزح تحت قوة استعمارية تعمل على التصرف بوطنه دون رادع, لم يكن ملزما بالانحياز إلى قوة استعمارية أخرى, كما إن فشله في الاستفادة من المتغيرات السياسية التي جلبت الكتاب الأبيض, وعدم التعلم من دروس مراسلات حسين مكماهون ثم اتفاقية سايكس -بيكو,إنما يدل على افتقاره للثقافة السياسية التي تمتع بها المهاتما غاندي, الذي  قرر الوقوف على الحياد لدى اندلاع الحرب وقال: “نحن نعرف ما الذي يعنيه البسطار البريطاني لنا وللشعوب غير البريطانية في العالم. ولكننا لن نرغب في إنهاء الحكم البريطاني بمساعدة ألمانية” ( أبحث على النيت: رسائل المهاتما غاندي إلى هتلر).

 

5- رفض قرار التقسيم في العام 1947: أفسح الرفض الذي أعلنه الحاج أمين فور  صدور القرار مباشرة, المجال واسعا لبريطانيا وملك الأردن والعراق من أجل الحيلولة دون تنفيذ الشق الثاني من قرار التقسيم المتمثل في قيام الدولة العربية الفلسطينية , والعمل على ضم الضفة الغربية للأردن, وقطاع غزة لمصر.

 

6– إعلان حكومة ” عموم” فلسطين: كان الإعلان عن قيام ” حكومة عموم فلسطين” في غزة، من قبل الحاج أمين الحسيني بتاريخ 1/10/1948، إعلانا فاشلا بكل المعايير السياسية والاستراتيجية، وبخاصة أن القرار كان يعني من الناحية الفعلية قطاع غزة بمفرده , وكان القطاع قد أصبح معزولا جغرافيا على نحو جرده من أية قيمة إستراتيجية بحد ذاتها. كما إن صفة  ‘عموم’  قد حكمت عليه بالعزل والعداء من كافة جيرانه، وفي مقدمتهم مصر التي سارعت إلى إخراج الحاج أمين من غزة. وقد انتهت تلك المبادرة قبل أن تبدأ، مخلفة  قطاع غزة لمصيره الإشكالي.

 

يبدو أن ياسر عرفات قد توقف طويلا أمام سياسات الحاج أمين وما اتخذ من قرارات أساءت كثيرا للشعب الفلسطيني وقضيته.  وقد تجلى ما استخلصه من تلك التجربة في الكثير من سياساته التي شكلت نقيضا لسياسات الحاج أمين في الكثير من المجالات, منها عدم الانحياز إلى أي من القوى العظمى على الصعيد الدولي, والتعامل مع  المشاريع والمبادرات التي كانت تطرح للتوصل إلى تسوية لحل القضية الفلسطينية. غير أن ما أقلق  ياسر عرفات بدرجة رئيسة في تجربة الحاج أمين, هو تجاهله لمبدأ الوحدة الوطنية والمشاركة الوطنية في عملية اتخاذ القرار. ولذلك فقد اتسم سلوكه السياسي بما يلي:

أولا:  أن يحافظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية إلى أقصى حد ممكن، حيث رأى أن الانقسام الحاد بين المجلسيين والمعارضين، الذي حكم مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية في عهد الحاج أمين، هو الذي أدى في النهاية إلى انهيار الحركة الوطنية الفلسطينية.

ثانيا:  أن لا يرفض المشاريع والمبادرات الدولية التي يتم تقديمها ، وأن يتعامل معها ويعمل على تطويرها بقدر ما يمكن، في محاولة منه للتوصل إلى حل وسط على أقل تقدير,  لكي لا يخرج خالي الوفاض على النحو الذي خرج به الحاج أمين الحسيني.

 

كان الأردن أول ساحة واجه فيها عرفات مشكلة اتخاذ قرار في شأن مسار ومصير الثورة الفلسطينية وعلاقاتها العربية في ضوء المبادئ التي أرستها فتح لدى تشكيلها.  ففي العام1970، كان عرفات يقول بأنه ضد حدوث أية مواجهة مع النظام الأردني، وضد العمل على إسقاط النظام على النحو الذي كانت تنادي به بعض المنظمات الفلسطينية. وكان يقول بأن الإطاحة بالنظام سوف تؤدي إلى تحول الأردن إلى دولة فلسطينية وهو “ما يسقط حقنا في فلسطين”(101), وكان يلجأ في كل مرة يتأزم فيها الوضع, إلى الملك حسين لعقد اتفاق تهدئة معه(102). غير أنه في الآن ذاته، لم يعمد إلى ضبط المنظمات الراغبة في تحويل الأردن إلى قاعدة آمنة للثورة من خلال إسقاط النظام، حتى لو أدى خرق تلك المنظمات للاتفاقات إلى تفجير الوضع. وكمثال على ذلك ، رفض عرفات عزل الجبهة الشعبية أو اتخاذ أية إجراآت ضدها، بعد قيامها بخطف وتفجير الطائرات في مطار عمان في 6/9/1970. وكان يقول بأنه لن يسمح بحرب بين الفلسطينيين على غرار ما حدث في فلسطين خلال ثورة 1936-1939(103). وحين تأزم الوضع بدخول الجيش إلى عمان في 17/9/1970، وأصبحت المواجهة محتمة، تخلى عرفات عن محاولات التهدئة وقاد المعركة بنفسه  في مواجهة النظام الأردني(104) .

من جهة ثانية، فضل ياسر عرفات في  أواخر عام 1969، التعامل مع مشروع روجرز الذي قبله جمال عبد الناصر, لعدة أسباب , في مقدمتها خوفه من تمكن الملك حسين من استرداد الضفة وبقائها جزءا من الأردن، ثم حصوله على تعهد من جمال عبد الناصر, بعد تعديل مشروع روجرز في أوائل عام 1970، بأنه سيعمل من أجل موافقة الملك حسين على تسليم الضفة للمنظمة بشرط التعهد بالنضال سياسيا فقط(105). غير أن الفصائل اليسارية ويسار فتح وبعض قياداتها رفضوا المشروع، واضطر أبو عمار إلى الإعلان بنفسه عن رفض المنظمة للمشروع، وبأن المنظمة ستواصل الكفاح المسلح. وعلى الرغم من رجاء جمال عبد الناصر الوحيد له  بأن لا تتم مهاجمته في حالة رفض المشروع، لم يتمكن عرفات من منع المظاهرة الحاشدة التي قامت بها القوى اليسارية ضد جمال عبد الناصر, والتي وصفته فيها بالخائن (106).

 

بعد انتقال منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان، اضطر عرفات إلى المرور بتجربة شبيهة بما مر فيه في الأردن، سواء بالنسبة لمسألتي الوحدة الوطنية أو التعامل مع المشاريع والمبادرات السياسية, وذلك بفعل اشتداد الاستقطاب في الساحتين اللبنانية –السورية والفلسطينية على خلفية حرب تشرين 1973، والتسوية السياسية، والخلاف السوري –المصري في هذا الشأن، ثم طبيعة الحرب الباردة.

فبعد حرب العام 1973, بذل عرفات  جهودا مضنية, وإنما دون جدوى, من أجل مشاركة منظمة  التحرير في مؤتمر جنيف الخاص بالتسوية السياسية لما بعد حرب تشرين 1973(107). فعندما اقتنع عرفات بعد الحرب المذكورة  باستحالة تحقيق أي هدف فلسطيني بواسطة الكفاح المسلح وحده على المدى المنظور , وتخوفه من أن تمضي الدول العربية المعنية بعقد تسويات سياسية مع إسرائيل  بدون منظمة التحرير الفلسطينية، كما عبر عن ذلك بنفسه(108) ، تبنى في العام 1974 هدف المطالبة بقيام  دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة في العام 1967 عبر المفاوضات. كان واضحا بالنسبة له مدى صعوبة إقناع الساحة الفلسطينية  التي أصبحت متواجدة في غالبيتها العظمى في سورية ولبنان, بمثل ذلك التحول الإستراتيجي. ولم يكن أمامه سوى التوصل إلى صيغة توفيقية على شكل “سلطة وطنية مرحلية مقاتلة تقام على أي شبر يتم تحريره”(109) ، وقال:” الصيغة حقا غامضة، غير أنه كان علينا إقناع الساحة الفلسطينية تدريجيا بقبول ما هو واقعي، وتمكنا من ذلك”(110). هكذا لم يتمكن عرفات من إقناع الساحة الفلسطينية بتبني صيغة واضحة لهذه الدولة قبل أن يعقد السادات تسويته المنفردة،  وتطلب الأمر أن ينتظر لنحو أربعة عشر عاما أخرى،  قبل أن يتمكن من الحصول على موافقة المجلس الوطني في 15/11/ 1988، على صيغة واضحة  لقرار القبول بدولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 عبر التفاوض، والاعتراف بالقرارين 242 و338(111) .

 

في سياق تلك الرؤية السياسية الجديدة, ، رفض عرفات في العام 1975, الانجرار إلى الحرب الأهلية التي اندلعت في لبنان، وبذل أقصى ما يستطيع من جهد لكي لا يتم الزج بمنظمة التحرير الفلسطينية في تلك الحرب التي رأى أنها تهدف إلى القضاء عليها، وبخاصة أن شرارة تلك الحرب قد بدأت باعتداء على باص يقل فلسطينيين ولبنانيين على طريق عين الرمانة في 13/4/1975 . وقد تمكن خلال الأشهر الأولى، من منع فصائل المنظمة من المشاركة فيها، وأعلن بأن المنظمة ليست طرفا في تلك الحرب، ولا تشكل طائفة في لبنان(112). غير أن جهوده  ما لبثت أن ذهبت أدراج الرياح بفعل انخراط كافة الفصائل اليسارية، بما في ذلك يسار فتح، في القتال،  وبخاصة بعد التدخل السوري في أوائل العام 1976. غير أنه قبل مغادرته لبنان للسعي لدى الزعماء العرب للعمل على وقف الحرب الأهلية، وضع خطا أحمر طلب فيه من المقاتلين الفلسطينيين عدم تجاوزه، وهو عدم دخول المناطق المسيحية مطلقا. وقد التزم المقاتلون بذلك، ” وكان هذا هو الذي “نقذ المقاومة الفلسطينية من الدمار”(113). وبعد أن عاد إلى لبنان، وفي خضم الحرب الأهلية، لم يقد المعركة كما فعل في الأردن، ووصف أحد رفاقه حالته بقوله:”كان وحيدا وبدون أي نفوذ، حتى مرافقيه تركوه والتحقوا بالقتال”(114).

وعلى مدى الأعوام التي امتدت منذ العام 1976 ولغاية الخروج من بيروت في العام  1982، لم يلعب عرفات أي دور سياسي حاسم في الأحداث، وبخاصة بالنسبة للعمليات العسكرية الفلسطينية ضد إسرائيل،  والتي كانت تؤدي إلى اجتياحات إسرائيلية للعمق اللبناني،  حيث كان يخضع في كل مرة لإرادات الفصائل الأخرى مثل الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية والفصائل التابعة لسورية والعراق، وما تبلور داخل حركة فتح ذاتها من تياري يساري، على الرغم من قناعاته المختلفة، ثم يترأس قيادة المعارك والمواجهات. هذا ما حدث في الاجتياح الإسرائيلي الأول في العام 1978، ثم الثاني في العام 1981، ثم الثالث في العام 1982. فقد أصبح عرفات يرى في ذلك الحين، كما قال المقربون منه, أن الكفاح المسلح بالنسبة لتلك الفصائل، “لم يكن يهدف إلى مؤازرة جهوده الدبلوماسية والسياسية بقدر ما كان الهدف منه هو تعطيل تلك الجهود”(115). وظل مشلول الإرادة وهو يشهد ما يجري من إعدادات واتفاقات جزئية لتسوية مصرية- إسرائيلية منذ مؤتمر جنيف  في العام 1973, مع الاستبعاد التام له وللقضية الفلسطينية, وهو الذي أراد أن يكون جزءا من أية تسوية قادمة.

وحين لم يتطرق السادات في خطابه الذي ألقاه أمام الكنيست الإسرائيلي في20/11/1977 لمنظمة التحرير الفلسطينية، واكتفى بقول أن الفلسطينيين يتعطشون لوطن خاص بهم(116) ، غضب عرفات غضبا عارما, وامتثل لغضب الفصائل وتصعيدها للعمليات العسكرية ضد إسرائيل من الجنوب اللبناني، وصمم على الحيلولة دون انشقاق منظمة التحرير الفلسطينية, فذهب إلى دمشق وأصدر مع الأسد بيانا مشتركا ضد “الطعنة الخيانية”(117).  وفي 11/3/1978، نفذت حركة فتح نفسها عملية الشهيد كمال عدوان على شواطئ تل أبيب(118) في محاولة لإثبات وجودها.

وقد وجد عرفات في قرار مجلس الأمن الصادر في 19/3/1978الذي أمر بوقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل، فرصة للخروج من ذلك المأزق، وعقد مع قائد قوات حفظ السلام التي أمر مجلس الأمن بتشكيلها، إتفاقا في هذا السياق، اعتبره ياسر عرفات أول اتفاق يتم بين منظمة التحرير الفلسطينية والأمم المتحدة، وسعى إلى الالتزام به، وقام باعتقال وإبعاد عدد من كوادر فتح الذين أرادوا خرق الاتفاق(119).غير أن الحزام الأمني الذي أقامته إسرائيل في الأراضي اللبنانية قبل انسحابها، قد جرد الفصائل الفلسطينية من سهولة شن عمليات إلى داخل الأراضي الإسرائيلية وجعلها في موقف دفاعي(120) . وكان هذا الواقع هو السبب الرئيس في الهدوء النسبي الذي ساد لبعض الوقت، باستثناء العمليات الموجهة من قبل الفصائل الفلسطينية والمقاومة اللبنانية ضد الحزام الأمني الإسرائيلي(121)  التي لم يكن عرفات معنيا بها.

غير أن الوضع ما لبث أن انفجر مجددا، وذلك بفعل العديد من الأسباب، في مقدمتها إقدام الإتحاد السوفييتي, في سياق بدء تصاعد الموجة الأخيرة من الحرب الباردة, على  تزويد الفصائل  الفلسطينية اليسارية بأسلحة متطورة  بهدف تسخين الساحة لإرباك السادات وتعطيل المباحثات الجارية في شأن الحكم الذاتي الفلسطيني. وقد ترافق ذلك بقيام سورية وليبيا بضخ كم كبير من الأموال والأسلحة الثقيلة للفصائل ذاتها ، حيث اندلع في 10/7/1981 ما عرف باسم حرب الكاتيوشا، أو حرب المدفعية. وكان ذلك مؤشرا على تحول قوات منظمة التحرير الفلسطينية إلى قوة عسكرية فعالة(122).

ولم يكن أبياسر عرفات راضيا عن كل ما كان يحصل. فإلى جانب تشككه في النوايا السوفييتية والسورية واللبنانية في تزويد الفصائل الفلسطينية بهذا الكم الهائل من الأسلحة المتطورة والثقيلة، فقد كان أيضا ضد الكشف عن هذه القدرات في ذلك الحين, “كما عارض قصف أهداف إسرائيلية مدنية، وطلب التركيز في القصف على الأهداف العسكرية والاقتصادية وخطوط المواصلات”(123)، وكان يقول: “جنرالاتنا ماهرون في العمل العسكري، ولكنهم بحاجة إلى دروس في استراتيجيه ربط العسكري بالسياسي”(124) . غير أنه مع بدء الرد الإسرائيلي في 17/7/1981، قام بالإشراف بنفسه على العمليات(125). وكان في الآن ذاته ينتظر الوساطة الدولية، حيث ما لبث الوسيط الأمريكي، فيليب حبيب أن وصل وعقد في 22/7/1981، “إتفاقا ضمنيا غير مكتوب” مع ياسر عرفات في شأن وقف  إطلاق النار(126) ، والذي اعتبره أبو عمار أول اتفاق بينه وبين الولايات المتحدة.

وإذا كان عرفات يتأمل صمود ذلك الإتفاق، فهو قد صمد بشكل أو بآخر لنحو خمسة أشهر فقط، حيث أغار الطيران الإسرائيلي في أوائل يناير 1982 على مواقع للجبهة الديمقراطية ردا على عملية قامت بها على الحدود الأردنية -الإسرائيلية. وطلب أبو عمار عدم الرد على تلك الغارة، حيث كان يدرك أن الغارة الإسرائيلية ليست إلا استدراجا لحرب واسعة تعد لها, ولكن الفصائل اليسارية رفضت ذلك، حيث كان هناك إصرار فصائلي مدعوم من قبل سورية وليبيا “على كسر إرادة ياسر عرفات وإفشال اتفاق فيليب حبيب، الذي لم تكن إسرائيل راضية عنه وتعد لخرقه أيضا”(127) . وحين جرت محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي، شلومو أرغوف في لندن في 3/6/1982، تصاعد القصف الفصائلي ردا على قصف إسرائيلي. وفي 6/6/1982، بدأ الاجتياح الإسرائيلي  الكاسح لمقرات وقوات منظمة التحرير في لبنان، واضطر ياسر عرفات, بعد 88 ما من القتال المضاد,  إلى مغادرة بيروت في 30/8/1982، “بطلب من حلفائه قبل طلب أعدائه”(128) ، وإنما بعد معركته البطولية التي أراد منها، كما قال في خطاب له في 17/6/1982، أن يجعل من بيروت “ستالينغراد العرب” !(129), على الرغم من إدراكه لنتائجها المريرة.

 

 مرحلة الثمانينيات واتفاق أوسلو

بعد كل هذه التجارب وغيرها,  كان على ياسر عرفات أن يخوض تجربة شديدة القسوة في مجال الحفاظ على مبدأ الوحدة الوطنية. ففور خروجه  من بيروت , كان المحور السوري-  السوفييتي, في مرحلة هي الأخيرة والأشد في مراحل الحرب الباردة – يعد له ضربة ما لبثت أن تجسدت في الانشقاق داخل حركة  فتح, الذي هز الساحة الوطنية في العام 1983, في وقت كانت فيه الساحة تلملم جراحها من الاجتياح الإسرائيلي والخروج من لبنان. فتوجه ياسر عرفات  فورا من تونس إلى دمشق, معقل المنشقين, لإقناع أقطاب حركة الانشقاق  بالعودة  للصف الوطني، غير أن القيادة السورية عاجلته في 24/6/1983 بطرده من أراضيها, واستخدمت المنشقين في ملاحقة وحصار بقية القوات الفلسطينية التي لم تكن قد خرجت من لبنان واضطرت للتمركز في طرابلس. وأدى تصاعد الوضع إلى اندلاع القتال في طرابلس التي وصلها ياسر عرفات في20/9/1983، في عملية وصفت بأنها أجرأ عملية اختراق عبر البحر,  وتمكن بعد قتال شديد من الخروج مع قواته ثانية من لبنان في 19/12/1983.

انعكس شبح هذا الانشقاق سلبا على محاولات ياسر عرفات التعامل مع المشاريع أو الأفكار التي وعد بها إذا ما خرج من بيروت (130),, ومنها مبادرة ريغان , التي رفضها المجلس الوطني الفلسطيني خوفا من حدوث الانشقاق”(131), ثم اتفاق العمل الذي توصل إليه مع  الملك حسين على أساس خطة ريغان, والذي رفضته قيادة فتح بحجة تفادي حدوث  الانشقاق, الذي ما لبث أن وقع(132).

 

هكذا اقتنع ياسر عرفات بصعوبة, إن لم يكن استحالة التوفيق بين مبدأ الوحدة الوطنية والقرار السياسي, الذي من شأنه أن لا يخرجه خالي الوفاض على النحو الذي خرج فيه الحاج أمين الحسيني, فعقد اتفاق أوسلو في العام 1993, وذلك بعد سلسلة من الخيبات التي تتالت عليه منذ خروجه من بيروت. فالانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت في الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1987, ما لبثت أن شهدت تحديات بروز حركة فلسطينية  جديدة مناهضة لها ولتوجهاتها غير العسكرية,  ولمنظمة التحرير الفلسطينية المؤيدة والداعمة لها, هي حركة حماس, الأمر الذي انعكس سلبا على الانتفاضة ومسيرتها.  وفي الوقت الذي أخذت فيه الساحة الدولية تشهد خلال النصف الثاني من عقد الثمانينيات انتهاء الحرب الباردة ثم بداية تداعي الاتحاد السوفييتي, تمكن ياسر عرفات من تعزيز موقفه السياسي بعقد  المجلس الوطني في العام 1988, الذي اقر القبول بالدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة في العام 1967, واعترف بالقرارين 242و338, إضافة إلى ما قدمه عرفات شخصيا من تنازلات طالت حق إسرائيل في الوجود, بهدف تسهيل فتح باب المفاوضات للتوصل إلى تسوية شاملة  تؤدي إلى قيام الدولة الفلسطينية. وقد تم ذلك نتيجة انتهاء الحرب الباردة والتبدل الواضح في سياسة الاتحاد السوفييتي, الذي لم يعد يتلاعب بالمنظمات الفلسطينية اليسارية لأغراضه الخاصة.

غيرا أن اندلاع حرب الخليج في العام 1990 قد قلب الأوضاع , وأدى تورط ياسر عرفات في تأييد صدام حسين، إلى توفير الفرصة لإسرائيل  والولايات المتحدة وأوروبا  للتعامل معه كما لو أنه الحاج أمين الحسيني الذي ذهب إلى ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية. فحرم من المشاركة  في مؤتمر مدريد الذي انعقد في أواخر العام 1991, وتم إلحاق الوفد الفلسطيني للمؤتمر بالوفد الأردني. وبذلك ذهبت كل جهوده السلمية الأخيرة هباء.

وأمام كل تلك التطورات  القاتمة, لم يجد ياسر عرفات سوى التشبث بأول فرصة تلوح في الأفق, لكي لا يتحول إلى حاج أمين آخر, مطرودا حتى من غزة, فتفاوض على اتفاق أوسلو ,  على الرغم من إدراكه بأن الجانب الإسرائيلي كان يقتنص ويستغل فرصة ضعفه لكي يجرد الاتفاق من أسس الاتفاق العادل, وفي مقدمتها الإشارة إلى هدف المفاوضات المتمثل في وضع نهاية للاحتلال,  وتمكين  الفلسطينيين من إقامة دولتهم المستقلة ذات السيادة على كامل الأراضي المحتلة في العام 1967.

كان اتفاق أوسلو الذي عقده ياسر عرفات أسوأ من الكتاب الأبيض الذي رفضه الحاج أمين في العام 1939, وذلك بفعل اعتراف الكتاب الأبيض بالسيادة العربية الفلسطينية على فلسطين كلها، والحفاظ الدائم على الأغلبية السكانية العربية فيها. غير أن الفارق بين الإثنين يكمن في رفض الحاج أمين للكتاب الأبيض,  وقبول ياسر عرفات باتفاق أوسلو.

وقد يكون صحيحا أنه كان يمكن لمنظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات, أن تطور اتفاق أوسلو وتضع نهاية للاحتلال من خلال المفاوضات , وتقيم الدولة الفلسطينية على الأراضي الفلسطينية التي احتلت في العام 1967, لولا ما جابه عرفات بعد عودته إلى غزة والضفة, من تحديات إسرائيلية وفلسطينية شلت قدرته على تحقيق أي اختراق. فعلى الصعيد الإسرائيلي, جند اليمين الإسرائيلي نفسه لمعارضة اتفاق أوسلو , وذلك إلى حد إقدامه في نوفمبر 1995 على اغتيال رئيس الوزراء, إسحق رابين, الذي عقد اتفاق أوسلو  مع عرفات. وعلى الجانب الفلسطيني, أدت معارضة حماس للاتفاق إلى قيامها بسلسلة من العمليات العسكرية التي عززت اليمين الإسرائيلي من جهة, وقسمت الساحة الفلسطينية  بين مؤيد ومعارض لاتفاق أوسلو. وفي الوقت الذي كان الهدف الإسرائيلي البديل واضحا وممكنا له، وهو الاستيلاء التام على الضفة الغربية وتسريع الاستيطان فيها تمهيدا لضمها إلى إسرائيل, كان الهدف الفلسطيني مفقودا ومشوشا إلى حد أدى إلى اندلاع انتفاضة الأقصى في20/9/2000 ذات النتائج السلبية العميقة على كافة مستوياتها بالنسبة للفلسطينيين.

وسواء كان عرفات مؤيدا لفكرة الانتفاضة أم لا, فهو قد تصرف على نحو شبيه , إن لم يكن مماثلا لتصرفه  في الأردن في العام 1970, مغلبا الوحدة الوطنية الفلسطينية على القرار السياسي.  ولم يكن يعلم أنه بعد وفاته المفاجئة في العام 2004, ستشهد الوحدة الوطنية الفلسطينية  في العام 2006, انقساما تاريخيا على يد حركة حماس, وهو انقسام سوف يشل القدرات الفلسطينية على اتخاذ أي قرار سياسي, ويقسم الأرض الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967, إلى أرضين غريبتين عن بعضهما البعض, على النحو الذي كان عليه الحال بين العامين 1948 و 1967.

 

خاتمـــــــــــة  

تأثر ياسر عرفات بإرث الحاج أمين الحسيني، فتنكب مهمة ترميم الواقع الذي خلفه الحسيني وراءه ، وذلك بإنبات الأفكار التي زرعها، وفي مقدمتها فكرة الوطنية الفلسطينية و بناء شعب فلسطيني يستطيع المطالبة بوطنه. و رفض في الآن ذاته سياسات الحاج أمين إزاء مسألتي الوحدة الوطنية والتسوية السياسية. فأصر على تحقيق وصيانة الوحدة الوطنية الفلسطينية وعدم السماح بتعرضها للتشرذم والانقسام على  النحو الذي حدث في عهد الحاج أمين, وذلك بهدف الحفاظ على كينونة الشعب الفلسطيني.   كما رفض التصلب الأيديولوجي الذي كان عليه الحاج أمين, وأراد التعامل مع جميع الأفكار والمشاريع السياسية التي تطرح على الصعيد الدولي لتسوية القضية الفلسطينية, وذلك في سياق إصراره على الانتقال  بالقضية الفلسطينية من قضية مصيرية غير قابلة للحل إلا بقضاء طرف على الآخر,إلى قضية قابلة للحل عبر التسوية السياسية, وذلك بشرط أن لا يكون ذلك على حساب الوحدة الوطنية.

لذلك, وعلى مدى حياته السياسة كزعيم وقائد ورئيس، سعى إلى التوفيق بين الحفاظ على الوحدة الوطنية والتعامل مع المبادرات السياسية واتخاذ القرارات التي كان يرى بأنها تصب في المصلحة الفلسطينية. غير أنه  اصطدم باستمرار بصعوبة  التوفيق بينهما، حيث كان يضطر دائما إلى التضحية باتخاذ القرارات السياسية في سبيل الحفاظ على الوحدة الوطنية، وذلك باستثناء اتفاق أوسلو، الذي لعبت لصالحه عدة عوامل في مقدمتها انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي, وهو عامل أساسي لم يتمكن ياسر عرفات من تجييره لصالح تسوية شاملة  أكثر عدلا للفلسطينيين من اتفاق أوسلو, وذلك  بسبب ضعف موقفه بعد تورطه في حرب الخليج 1990-1991إلى جانب صدام حسين, والتذرع الغربي بذلك التورط بحرمانه من المشاركة في مؤتمر مدريد الذي انعقد في  أواخرالعام1991.

وكانت تجربته الأخيرة منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في العام 2000، ولغاية وفاته في العام 2004، أشد تجاربه قسوة ومرارة، اضطر فيها إلى عدم التعامل مع المبادرات السياسية في سبيل الحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني الذي هدد بالانفلاش والاقتتال الداخلي  بعد فشل المباحثات الخاصة بالتسوية النهائية.

لقد خشي عرفات باستمرار أن يخرج خالي الوفاض كما خرج الحاج أمين الحسيني، وكان بمقدوره أن يقيم الدولة الفلسطينية التي كرس لها معظم حياته السياسية، لو وجد إلى جانبه حركة وطنية فلسطينية  متماسكة وموحدة حول أهداف سياسية واحدة.

في 11/11/2004، رثته إحدى كبريات الصحف العالمية غير المتعاطفة معه، هي النيويورك تايمز بقولها:” :”يخلف ياسر عرفات وراءه إرثا ملتبسا… فهو قد أنشأ ، ليس فقط حركة وطنية متجانسة بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وإنما أيضا ذلك الوعي الذي جعل العالم يقر بوجود فلسطين ككيان  قائم بحد ذاته، كما أسهم في جعل الفلسطينيين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم شعب له حق التمتع بالسيادة “.

وهذه الحقائق التي أنجزها ياسر عرفات حقا، كفيلة بأن تجزم بأنه لم يخرج خالي الوفاض كما خرج الحاج أمين. وسوف تتجذر هذه الإنجازات التي حققها إذا ما تمكن الشعب, الذي أوجده ياسر عرفات, من إكمال مشروع ياسر عرفات، بإقامة الدولة الفلسطينية العتيدة على كامل الأراضي الفلسطينية التي احتلت في العام 1967.

انتهى

 

 

 

الهوامش

 

1)  جريس، صبري، تاريخ الصهيونية(الجزء الثاني)، مركز الأبحاث،م.ت.ف.، قبرص، 1986،ص. 329.

(2) Kiernan, Thomas, Yasser Arafat: The Man & the Myth, Abacus Edition, Great Britain, 1976, p. 110.

 (3) Hart, Alan, Arafat: A political Biography, Sidgwick& Jackson limited, London, 1994, p. 59

(4) Wallach, John & Janet, Arafat in the Eyes of the Beholder, Heinemann, London, 1991, p. 94

(5) Elpeleg, Zvi, The Grand Mufti: Haj Amin al-Hussaini, Founder of the Palestinian National Movement, Frank Cass & Co. Ltd., Great Britain, 1993, pp. 147-148.

(6) Ibid., p. 143

(7) Ibid., p. 157.

(8) Wallach, op.cit., p. 311.

(9) Elpeleg, op.cit., p. 158.

(10) Gowers, Andrew & Walker, Tony, Behind the Myth: Yasser Arafat & the Palestinian Revolution, Buttler & Tanner Ltd., London, 1991, p. 30.

(11) تتباين المصادر في شأن تاريخ مولد الحاج أمين فتتراوح بين 1890و 1897، وهو يقول في مذكراته أنه ولد عام 1897، غير أن معظم الدارسين لحياة الحاج أمين يوردون عام 1895.

(12) Elpeleg, op.cit., p.11.

 يذكر المؤلف في هذا المجال أن كثيرين كانوا قد شككوا في صحة نسب عائلة الحسيني، وأن باحثا يهوديا إسمه شلومو بن إيلكانا عثر في القدس في السنوات الأخيرة على وثائق قديمة تثبت صحة هذا النسب.

(13) Jbara, Taysir, Palestinian Leader Hajj Amin Al-Husayni, Mufti Of Jerusalem, Kingston Press Inc., Princeton, New Jersey, U.S.A., 1985. p.15.

 

(14) Ibid., p. 16.

(15) Mandel, N., Turks, Arabs & Jewish Immigration into Palestine, St. Antony, s Papers, No. 13, Middle Eastern Affairs, no. 4, Oxford, 1965, pp.77-108.  See also: Abu Manneh, B., The rise of the Sanjak of Jerusalem in the late 19th Century, in: Ben-Dor, The Palestinians & the Middle East Conflict, Turtledove publishing House, London, 1979, pp.25-55.

(16) Elpeleg, op.cit., p. 2.

(17) Mattar, Philip, The Mufti of Jerusalem: Haj Amin Al-Husayni & the Palestinian National Movement, Colombia University Press, New York, 1988, P. 9.

(18) Hourani, Albert, Arabic Thought in the Liberal Age, London, 1970, pp.239-244. See also:

قاسمية، خيرية، النشاط الصهيوني في الشرق العربي وصداه(1908-1918)،

مركز الأبحاث، م.ت.ف.، 1973 ص157.

(19) Hourani, Albert, The Emergence of The Middle east, Oxford, 1981 ,p.187.

(20) الحوت، بيان، القيادات والمؤسسات في فلسطين(1917-1948)-الطبعة الثانية، عكا، 1984 ص. 201.

(21) Mattar,  op.cit.,  p. 10.

(22) Ibid., p. 10.

(23) Ibid., p. 11.

(24) Ibid., p. 12.

(25) النمر، إحسان، تاريخ جبل نابلس والبلقاء، الجزء الثالث، مطبعة جمعية عمال المطابع التعاونية، نابلس، 1975، ص. 131-149.

(26) Mattar, op.cit.,  p. 7.

(27) قاسمية، مصدر سابق، ص. 62. : تنقل المؤلفة نص تقرير مؤسسة أيسكو الصادر عام 1949، والذي جاء فيه بأن المثقفين من أبناء فلسطين من سكان المدن الذين اطلعوا على الثقافة الغربية وتابعوا نمو الحركة الصهيونية، قد باتوا يخشون على الوجود العربي نفسه في فلسطين، وعبروا عن ذلك في الصحافة المحلية التي لعب المسيحيون فيها دورا هاما بسبب الفرص التعليمية المتوفرة لهم، بل إن الشعور بالخطر الصهيوني كان من جملة العوامل التي قربت بين الفئتين.

(28) Mattar, op.cit., p. 8.                                                  

(29) Jbara, op.cit., p. 146.

(30) Jbara, op.cit., p.168.

(31) Mattar, 0p.cit., p. 9.

(32) 32- Kiernan, op.cit., p. 110.

(33) Ibid., p. 143.

(34) Hart, op.cit., p. 47.

(35) Ibid., p.46.

(36) Kiernan, op.cit., p. 43.

(37) Kiernan, op.cit., p. 147.

يذكر المؤلف أن هذا الشخص هو شاب لبناني الأصل إسمه ماجد الحلبي،  درس في باريس واكتشف حين عاد بأن والده قد باع أراضيه لليهود، فنقم عليه وبقي في فلسطين لكي يناضل فيها واستقر في غزة إلى أن  قتل.            

(38) Ibid., p. 49.

(39) – Ibid., pp.35, 60.

(40) Ibid., p. 142.

(41) Ibid.

(42) Ibid., p. 123.

(43) Ibid., p. 180.

(44) Wallach, op.cit., p. 95.

(45) Ibid., p. 96.

(46) 46- Jbara, op.cit., p. 26.

(47) Ibid., p. 29.

(48) Mattar, op.cit., p.17.

(49) جريس، صبري، مصدر سبق ذكره،  ص.57.

(50) Mattar, op.cit., p.43.

(51) Jbara, op.cit., p.168.

(52) Mattar, op.cit., p.9.

(53) جرار، حسني، الحاج أمين الحسيني، دار الضياء، عمان، الأردن1987، ص.413، نقلا عن:

Christopher, Sykes, Cross roads to Israel, London, 1965, p. 175.

(54) العبيدي، عوني جدوع، صفحات من حياة الحاج أمين الحسيني،مكتبة النار، الزرقاء، الأردن،1985، ص102

(55) Wallach, op.cit., p.310.

(56) عبد الرحمن، أسعد، (تحرير)،  منظمة التحرير الفلسطينية،جذورها، تأسيسها، مساراتها، مركز الأبحاث، م.ت.ف.، قبرص، 1987، ص. 144.

ينقل ا لمحرر إحصائية عن حركة فتح، جاء فيها: “في الوقت الذي لم تكن فيه عضوية فتح تزيد عن بضع مئات قبل حزيران 1967، زادت بعد معركة الكرامة1968إلى حوالي ألفين، ثم قفزت إلى ما يقرب من خمسة عشر ألفا في الشهور الثلاثة التي تلت المعركة.

(57) Kiernan, op.cit., pp. 182-183, 186.

(58) لم يتمكن أحد من معرفة حقيقة الأموال التي حصل عليها ياسر عرفات لفتح بشكل خاص، وأذكر أنني حين كنت أعمل في مكتبه في تونس،  عرضت عليه تقريا صادرا عن المملكة العربية السعودية عام 1991 يتضمن جردا بالأموال  التي منحتها له حتى ذلك الحين، فاستهزأ به وقال بأنه غير صحيح. 

(59) Kiernan, op.cit., p. 96.

(60) Hart, op.cit., p.294.

(61) Ibid., p. 296

(62) 62- جريس، مصدر سبق ذكره، ص. 25-26.

(63) Jbara.op.cit., p. 157.

(64) أنظر أجزاء من شهادة الحاج أمين أمام لجنة بيل في: الحوت، بيان، مصدر سابق، ص 362، ثم أجزاء أخرى في: زعيتر، أكرم، الحركة الوطنية الفلسطينية (1935-1939):يوميات أكرم زعيتر، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1980، ص 260.  أنظر أجزاء أخرى  مأخوذة من وثائق لجنة بيل، في:

Elpeleg,op.cit., pp.46-475

 -في شهادته أمام لجنة بيل، وردا على نفس السؤال الذي وجه للحاج أمين حول مصير اليهود، قال عوني عبد الهادي، رئيس حزب الإستقلال وعضو اللجنة العربية العليا:” لا تصدقوا أننا نعطي جزءا من فلسطين باختيارنا، ولكن إذا طلب منا تعهدات تحفظ مصالح جميع السكان فتكون لهم جميع الحقوق بالتساوي مع العرب، فنحن على استعداد لذلك. انظر: زعيتر، مصدر سبق ذكره، ص267.

(65) Jbara, op.cit.p.157.   

-يذكر جبارة أن الدكتور حسين فخري الخالدي، رئيس بلدية القدس في ذلك الحين، انتقد ما قاله الحاج أمين وعلق بقوله:”لو لم يقل الحاج أمين هذا الكلام، لتغير تاريخ فلسطين”.

(66) Mattar,op.cit.,pp.26,51.

(67) Ibid.,p.69.

(68) أنظر جواب الحاج أمين على رسالة الشيخ عز الدين القسام عام   1935التي يدعوه فيها للإنضمام للكفاح المسلح ضد بريطانيا، والذي يقول فيه بأن الوقت لم يحن لمثل هذا العمل وأن الجهود الدبلوماسية التي تبذل تكفي لحصول عرب فلسطين على حقوقهم، في: العبيدي، مصدر سبق ذكره، ص. 71.

(69) Mattar, op.cit.,p.5

– كذلك أنظر بيان اللجنة العربية العليا الموجه للشعب في ابريل 1936 والذي يحثهم على اتباع ” الطرق السلمية”، ثم بيان الحاج أمين الخاص به والموقع بإسمه، والذي يطلب فيه كذلك اللجوء إلى “الوسائل المشروعة”، في : زعيتر، مصدر سبق ذكره، ص. 99، 132.

(70) أنظر  القسم الخاص بالعلاقات العربية والأسلامية لاحقا.

(71) رفض الحاج أمين في عام 1923مشروع الوكالة العربية، وذلك من منطلق رفض تقسيم البلاد. انظر: العبيدي، مصدر سبق ذكره،  ص. 40.

(72) جريس، مصدر سبق ذكره، ص.121.

 نفس المصدر، ص.122،124.

 

(73) أنظر مشروع الأقليةفي:

John & Haddawi, The Palestine Diary, vol. II, 1945-1948, Palestine Research Center,Beirut,1970., pp. 264-265.

(74) Flapan, Simha, The Birth of Israel, Pantheon Books, New York, 1987, p.58.

(75) مقابلة مع الحاج أمين أجراها عماد شقور وخيرية قاسمية ، ونشرت بعد وفاته، مجلة شؤون فلسطينية، مركز الأبحاث، م.ت.ف.، بيروت، العدد36، آب 1974.

(76) Wallach, op.cit.,p.83.

(77) إبحث في الإنترنيت على أدبيات حركة القوميين العرب.

(78) نفس المصدر.

(79) Elpeleg,op.cit., p. 181.

(80) الشعيبي، عيسى، الكيانية الفلسطينية: الوعي الذاتي والتطور المؤسساتي(1947-1977)، مركز الأبحاث، م.ت.ف.، قبرص،1985، ص. 119.

(81) كان خالد الحسن ضد البدء الفوري بالكفاح المسلح،  ولم يكن  يؤيد عرفات في اللجنة المركزية سوى خليل الوزير، أنظر حديث خالد الحسن في:

Hart, op.cit., p.118.  

(82) Wallach, op.cit., p. 152.

83

(84) Hart, op.cit., p.203.

(85) أنظر الأسباب في: Wallach, op.cit., P.155

 

(86) نفس المصدر.

(87) جرار، مصدر سبق ذكره، أنظر تفاصيل نشاطات الحاج أمين الإسلامية، ص. 81-119.

 

(88) Mattar, op.cit., p. 69.

.

(89) Ibid., p.81.

(90) طنوس، مصدر سبق ذكره، ص.193 وزعيتر،مصدر سبق ذكره، ص.336.

 

(91) زعيتر،مصدر سبق ذكره، ص.336.

(92) Elpeleg, op.cit., p.49.

(93) أنظر نص البيان في: جريس، مصدر سبق ذكره، ص. 364و400.

 

 

(94) أنظر نص الكتاب الأبيض لعام 1939 في جريس، نفس المصدر.

 

(95) نفس المصدر، ص. 122،124

(96) طنوس، مصدر سبق ذكره، ص251.

(97) Elpeleg, op.cit,. p.52.

 (98) طنوس، مصدر سبق ذكره، ص 295.

(99) جريس، مصدر سبق ذكره، ص. 400

(100) طنوس، مصدر سبق ذكره، ص254.

(101) Wallach, op.cit., p. 312.

 (102) عقد عرفات مع الملك حسين عدة اتفاقات هدنة خلال عام 1970، منها اتفاق في 9/6، وآخر في 10/7، ثم في 14/9، وكانت تنهار بعد فترات وجيزة من عقدها،أنظر:

Wallach, op.cit., pp.323-330

 

(103) Ibid., p. 315-317.

 

(104) Hart, op.cit., p.387.

 (105) Ibid., p. 346

(106) Gowers, op.cit.,78.

(107) Ibid.وكذلك الدراسة المنشورة  بعنوان “المؤتمر الدولي للسلام”ضمن القسم الخاص بدراسات الكاتبة على هذا الموقع , الإليكتروني

: www.sulafahijjawi.ps

 

(108), Ibid, p.80

 

(109) أنظر نص برنامج النقاط العشر في : الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1974،مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1975..

(110) Hart, op.cit., p.243

 

(111) أنظر البرنامج السياسي الصادر مع إعلان الاستقلال في نفس المصدر

 

(112) Wallach, op.cit., p.315.

(113) Hart, op.cit., p. 387

(114) – Ibid., p.390.

(115) Ibid., p.387

(116) أبحث عن نص خطاب السادات على الإنترنيت

 

(117) Gowers, op.cit., p.175.

(118) نوفل ، مصدر سبق ذكره ،  ص. 126.

(119) Gowers, op.cit., p.181

 

(120) Ibid.

(121) نوفل،ممدوح، البحث عن الدولة ،المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية(مواطن)، رام الله، فلسطين، 2000،  ص27

(122) نفس المصدر، ص.34.

(123) نفس الصدر، ص. 29.

(124) نفس المصدر، ص. 39.

 

(125) نفس المصدر، ص. 40.

(126) Gowers, op.cit., p. 190.

(127) نوفل، مصدر سبق ذكره، ص. 44.

 

(128) Gowers, op.cit., p. 213.

(129) Ibid., p.211.

 

(130) نوفل ,مصدر سبق ذكره, ص. 66

 

(131) Hart, op.cit., p.422

(132) Ibid., p. 424.