دولة فلسطين المجهضة … المرتقبة !

الصفحة

 

قراءة في العقل السياسي الفلسطيني

1959-1993

سـلافة حجــاوي

 

أنجزت هذه الدراسة في العام2    200 ونشرت في مجلة ” الدراسات    الفلسطينية” الصادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد53، 2003

منذ نحو ثمانية عقود، برزت فكرة قيام دولة فلسطينية في ما أصبح يعرف بفلسطين كإقليم قائم بذاته. وإذ نحن الآن في عام 2002 ، لم تزل مثل هذه الدولة غير قادرة على الإقلاع من عالم الفكرة إلى عالم الواقع، سواء على شكل دولة فلسطينية عربية على كل فلسطين ، أو على شكل دولة إتحادية أو ديمقراطية تضم العرب واليهود، أو على شكل دولة فلسطينية عربية على جزء صغير من فلسطين ، وذلك في الوقت الذي تمكن فيه المستوطنون اليهود من إقامة دولتهم على 78% من الأرض ، والتحول إلى دولة قوية في إطار النظام الدولي الحديث والشرعية الدولية، والتمدد عبر الإحتلال في بقية الأراضي الفلسطينية.

فلسطينياً ، يلقى عادة بالمسؤولية عن هذه الحقيقة المرة على الإنتداب البريطاني والإستعمار الاستيطاني الصهيوني وعلى العرب الآخرين. وفي المراحل اللاحقة لعام 1948، ألقى الفلسطينيون ببعض اللائمة  على القيادات الفلسطينية السابقة. غير أن الكتابات النقدية لما حدث خلال الخمسين سنة الأخيرة ، تكاد تكون قليلة جداً. ولا يزال المزاج الفلسطيني حتى الآن غير قادر على الحسم باتجاه هدف معين واحد لنضاله. فهناك من لا يزالون يريدون تحرير كل فلسطين بهدف إقامة دولة فلسطينية عربية عليها، ويرفضون فكرة قيام دولة فلسطينية عربية على الجزء المتبقي من فلسطين، لأنهم يعتقدون بأن قيام مثل هذه الدولة سوف يحول دون المضي قدماً  بهدف التحرير الكامل. وهناك من يرفضون  قيام أية دولة فلسطينية أصلاً ، على انتظار التحرير الكامل وقيام الدولة العربية أو الدولة الإسلامية في دار الإسلام. وهناك من يرفضون فكرة قيام دولة فلسطينية عربية على ما بقي من فلسطين بعد عام 1948 لأنهم يفترضون بأنها ستكون دولة تابعة للدولة اليهودية. وهناك من يقبلون بمثل هذه الدولة لأنهم  يرون أنها ستشكل نهاية الصهيونية وبداية نهاية الدولة اليهودية. غير أن قلة قليلة تريد قيام هذه الدولة انطلاقاً من القناعة بالدولة ذاتها .(1)

فإذا كانت الدولة الوطنية الحديثة قد أصبحت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مطلباً حياتياً أساسياً للجماعات والشعوب في مختلف أنحاء العالم، على الرغم من أنها انبثقت أساساً لخدمة أغراض ومصالح القوى الدولية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، فقد كانت الدولة ولم تزل، سواء على كل فلسطين على النحو الذي كان مطروحاً قبل عام 1948، أو على جزء من فلسطين، على النحو الذي انحصرت فيه الخيارات بعد عام 1948، ذات أهمية مضاعفة بالنسبة للفلسطينيين، لأنها بالإضافة إلى المسائل الحياتية، كانت ولم تزل الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الأرض وعلى بقاء الفلسطينيين كشعب وذلك في سياق الهجمة الصهيونية المتواصلة منذ أكثر من قرن .

وإذا كان المزاج الفلسطيني العام في حيرة من أمره، فما هي أهداف القيادات السياسية الفلسطينية؟ وكيف ترجم العقل السياسي نفسه إلى مواقف ومشاريع وقرارات في شأن قضية فلسطين ومسألة الدولة بشكل خاص على مدى السنوات قيد الدراسة، وكيف تعامل مع القوى الدولية إنطلاقاً من أهدافه الخاصة؟

هذا ما سنتابعه في الصفحات التالية في عملية جرد موجزة لما أنجزه العقل السياسي الفلسطيني ، أولا على صعيد المواقف والأهداف، وثانيا على صعيد التعامل مع القوى الدولية، مع الأخذ في الإعتبار أن ما يقصد بالعقل السياسي ، هوأنه  العقل السياسي الجمعي المعبر عن إرادات مجموعة القوى المهيمنة سياسياً في أية مرحلة من المراحل ، حيث سيتم التركيز هنا على الفترة الممتدة من أواخر الخمسينات وإلى حين التوصل إلى اتفاق إعلان المبادئ ( اتفاق أوسلو ) في عام 1993، وذلك في ضوء أن ما تلا التوقيع على الاتفاق المذكور هو في الواقع تكرار لحالة العقل السياسي الفلسطيني السابقة ونتيجة من نتائج تلك الحالة، وذلك بالاضافة إلى  أن المزاج العام في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ، قد اختلف عما كان عليه حتى عام 1993 ، الأمر الذي يتطلب دراسة أخرى.

أولاً : المواقف والأهداف

كيان فتح الثوري

مع اختفاء فلسطين كوحدة اقليمية سياسية فى عام 1948 ، اختفت فكرة الدولة نتيجة انهيار المجتمع السياسي الفلسطيني ونتيجة عدم وجود مثل هذه الفكرة في الأجندة السياسية المصرية أو الأردنية. وعلى امتداد الخمسينات، لا نجد أدبا سياسيا فلسطينيا يثير الإهتمام في هذا المجال، وذلك إلى حين ظهور حركة فتح في عام 1959 ، ثم ظهور حركة الأرض داخل إسرائيل في أوائل الستينات، التي دعت إلى قيام دولة فلسطينية عربية وفقا لقرار التقسيم، والتي ما لبثت أن طوردت وانتهى أمرها.(2)

أما فتح، فقد أخذت تدعو على صفحات نشرة “فلسطيننا” إلى استرداد الضفة الغربية وقطاع غزة، ليس لإقامة دولة فلسطينية فيهما، وإنما لإقامة حكومة فلسطينية تقوم بمهمتين في آن واحد، هما مهمة إستعادة الهوية الفلسطينية للفلسطينيين ” بمنحهم جواز سفر بدلاً من وثيقة سفر .. ورعاية مصالح الفلسطينيين داخل البلاد العربية على الأقل” ، ثم مهمة ” الكيان الثوري ” الذي يحقق انطلاق الثورة، ” فتحمي الدول العربية حدوده وتقدم المساعدة للحكم الوطني المتمثل بهذا الكيان “.(3) وقد يتبادر إلى الذهن من خلال ذلك الطرح، أن فكرة الدولة لم تكن بعيدة عن أذهان قادة فتح في ذلك الحين،  غير أن هذا ما يلبث أن  ينتفي لدى قراءة ما تقوله النشرة في مكان آخر، وهو أن الحركة ” لن تقبل بتقرير مصير فلسطين قبل أن تتحرر “.(4) ويبدو واضحاً في هذا الطرح الذي تبنته فتح في أوائل الستينات أنه قد شكل استمراراً لمواقف الهيئة العربية العليا وما تمخض عنها في عام 1948 في شكل “حكومة عموم فلسطين” ، وان اختلفت التسميات. غير أنه اذا كان بمقدور الهيئة أن تقيم حكومة عموم فلسطين ولو لبضعة أيام، فان فتح لم تتمكن من اقامة الكيان الثوري.

من الكيان الثوري الى الدولة الديمقراطية

وضعت حرب 1967 نهاية لوضع شاذ في الأراضي الفلسطينية التي احتلت في تلك الحرب، وفرضت وضعا شاذا آخر، وإنما أقل إشكالية وأكثر وضوحا بقدر تعلق الأمر بمسألة الدولة. فعلى الرغم من عدم اعتراف المجتمع الدولي بضم الأردن للضفة الغربية بعد عام 1948 ،فقد كان من شأن ذلك الضم أن يستمر ويتحول إلى أمر واقع لو لم تقم إسرائيل باحتلال الضفة الغربية عام 1967، وذلك في ضوء أن أية حركة وطنية فلسطينية هدفها القضاء على إسرائيل من أراض تابعة للأردن أو مصر، كان من شأنها أن تسحق. أما بعد عام 1967 ، فإن تغير وضع الأراضي الفلسطينية من أراض مضمومة أو منضمة للأردن وتحت نظام الإنتداب المصري إلى أراض محتلة، قد فجر السؤال وطرح إمكانية عودة الأمم المتحدة لتحمل مسؤلياتها المنصوص عليها في ميثاق الامم المتحدة في شأن استكمال أهداف نظام الانتداب وقيادة المناطق الفلسطينية التي لم تقم فيها دولة في عام 1948، نحو الاستقلال.

فبغض النظر عن الادعاءات الإسرائيلية بعد عام 1967، بأن هذه الأراضي لا يوجد مالك لها، وبأنها أحق من الأردن في الاستيلاء عليها، وهي ادعاءات لم يأخذها أحد بالاعتبار الجدي، فإن الوضع الشرعي للضفة الغربية قد عاد بعد عام 1967 ، إلى ما كان عليه حتى عام 1948 ، وذلك من حيث استمرار شموله بنظام الإنتداب وفقاً للمادة 80 (أ) من ميثاق الأمم المتحدة ، وتفسيرات   محكمه العدل الدولية لها، والتي تنص على استمرار سريان نظام الإنتداب أو الوصاية على المناطق التي لم يتقرر مصيرها، واستمرار مسؤولية الجمعية العامة عنها بفعل كونها وريثة عصبة الأمم في شأن نظام الانتداب.(5)

وبالفعل ، فبعد الإحتلال الإسرائيلي، بدأ التفكير جدياً في الأراضي المحتلة في اتجاه استدعاء الجمعية العامة لتحمل مسؤولياتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، . وقد برزت في الضفة الغربية بعد احتلال 1967 ، عدة دعوات ومشاريع، بعضها متهافت، وبعضها ناضج ومتكامل. ويمكن تمييز مشروعي موسى العلمي ومحمد أبو شلباية اللذين دعيا كلاً على حدة ، إلى ضرورة استدعاء الأمم المتحدة لتحمل مسؤولياتها في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وذلك لمدة خمس سنوات ،  يصار بعدها إلى إجراء استفتاء عام بين السكان حول إقامة دولة فلسطينية مستقلة ” أو إقامة اتحاد فيدرالي مع الأردن “، وفقاً لموسى العلمي.(6)ومن الطبيعي أن مثل ذلك الحل في اطار الأمم المتحدة، كان يفترض بداهة الاعتراف باسرائيل والتأقلم معها.

أما في الخارج، فيشير صلاح خلف أبو إياد في كتابه ” فلسطيني بلا هوية ” ، إلى أن فاروق القدومي أبو اللطف كان أول من فكر في اتجاه إقامة دولة فلسطينية  بعد عام 1967 ،حيث تقدم بعد شهرين فقط من انتهاء الحرب بمذكرة سياسية إلى اللجنة المركزية لفتح ، حلل فيها الأوضاع الناجمة عن تلك الحرب، وطرح ضرورة العمل باتجاه إقامة  ” دويلة ” فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ” في حالة  إعادة إسرائيل لهذه الأراضي . ويستطرد أبو اياد قائلاً بأن أبو اللطف أكد بأن هذا الهدف ، “ليس فقط مطابقا على المدى القصير والمتوسط لحق الشعب الفلسطيني في امتلاك أية قطعة من وطنه، وإنما يستجيب كذلك لتحليل موضوعي للظروف “. ويعلق أبو اياد على ذلك قائلاً :” وبالفعل ، فقد كان من البديهي أنه كائناً من كان إنطلاقه وبأس حرب العصابات ضد الدولة الصهيونية ، فإنها ستظل في المستقبل المنظور دولة لا تقهر “،ولهذا، “فإن عدم توقع المرور بمراحل مؤدية إلى الهدف الإستراتيجي، الذي هو إقامة دولة ديمقراطية على كامل فلسطين، يكون أمراً من قبيل الوهم والخيال” . ويختتم أبو اياد حديثه قائلاً ،” على الرغم من واقعية تقرير القدومي وصفائه، وبخاصة ذلك الجزء المتعلق بالدويلة، فإنه اصطدم بمعارضة حادة داخل الأجهزة القيادية في فتح. وعلى هذا ، فقد قررنا إحالة تقرير القدومي إلى المحفوظات ، بانتظار مجيء أيام أفضل “.(7)

إذا كان تقرير القدومي قد أحيل إلى المحفوظات، فإن دعوات الفلسطينيين الرازحين تحت الإحتلال في السياق ذاته ، قد جوبهت أيضاً بالرفض الشديد حين قدمت إلى قيادات فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية ، بل وصل الأمر إلى حد تهديد كل من يجرؤ على المطالبة بدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة “بالحجر الوطني…  وبقطع كل رأس يرتفع في الضفة الغربية مطالباً بالدولة المسخ”(8)،  وصدرت منذ ذلك الحين العديد من المقالات  في مجلة شؤون فلسطينية وغيرها، التي أخذت تندد بفكرة إقامة دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة.(9)غير أنه على الرغم من تلك التهديدات، وما رافقها من وصف بعض الداعين لها بالعمالة، تواصل دفع الداخل في ذلك الاتجاه، وسافرت العديد من الوفود إلى الخارج لإقناع القيادة بذلك، وإنما دون جدوى.

في عام 1968 ، طرحت فتح ما وصفته بالهدف الاستراتيجي، والمتمثل في دولة فلسطينية ديمقراطية على عموم فلسطين. ففي أكتوبر 1968 ، تبنى المؤتمر الثالث للحركة ، فكرة الدولة الديمقراطية، وفور اختتام المؤتمر في 10/10/1968 ، عقد صلاح خلف أبو اياد مؤتمراً صحفياً تحدث فيه عن الدولة الديمقراطية كهدف استراتيجي. ولم يوضح طبيعة ذلك الهدف ولا  كيفية تحقيقه ، وماإذا كان هناك هدف مرحلي على طريق تحقيق الهدف الإستراتيجي. الفكرة بالطبع لم تكن جديدة حيث أنها قد طرحت قبل وخلال عام 1948 وبصيغ مختلفة . غير أن ظهورها مجددا في عام1968 قد جاء بدون مقدمات. ويمكن التكهن في أن مداولات الكواليس التي اعقبت حرب 1967 هي التي أفرزتها كتكتيك يملأ الفراغ السياسي. وقد يكون هناك من اقتنع بامكانية تحقيق ذلك بفعل التأثير الصيني على الساحة الفلسطينية في ذلك الحين كما سيرد لاحقا. ويقال بأن الجبهة الديمقراطية بزعامة نايف حواتمة هي التي كانت أول من طرح الفكرة قبل أن تتبناها فتح.

بدأت الأدبيات الخاصة بالدولة الديمقراطية في الظهور بعد مؤتمر فتح المشار إليه أعلاه، وتحول مركز الأبحاث إلى حاضنة لهذه الفكرة، فأصدر بعض الكراسات التوضيحية باللغة الإنجليزية، إضافة إلى بعض المقالات التي نشرت في مجلة شؤون فلسطينية خلال عامي 1971 و1972 . ويمكن إيجاز ما ورد في تلك الأدبيات بما يلي: 1- تقوم الدولة الديمقراطية على كل فلسطين من خلال الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية التي سينضم إليها اليهود التقدميون. 2-      هي دولة تضم إلى جانب كل الفلسطينيين العرب، كل اليهود الذين يقبلون بالعيش فيها، حتى لو لم يكونوا من اليهود العرب – يبدو واضحاً أن الفكرة لم تلتزم بالميثاق الوطني الفلسطيني في شأن تعريف من هو اليهودي الذي يحق له البقاء في فلسطين.
3- هي دولة عربية وتشكل جزءاً من الأمة العربية، وبخاصة أن الكيان الصهيوني يضم عدداً كبيراً من اليهود العرب – يذكر بأن الرئيس ياسر عرفات قد شرح هذا الموضوع في تصريح أدلى به في آب 1969 وذلك بقوله إن الغالبية السكانية في الدولة القادمة ستكون عربية  ” إذا ما علمنا أن هناك 2.5 مليون فلسطيني عربي من مسلمين ومسيحيين، إضافة إلى 1.259.000 عربي من أتباع الدين اليهودي الذين يعيشون فيما يعرف الآن بإسرائيل “.(10) 4- هي دولة لا طائفية ، ولن يسمح بأن تكون شبيهة بلبنان الطائفي، ولن تكون دولة إقطاعية أو أرستقراطية أو ديكتاتورية أو شوفينية عنصرية، كما لن تكون دولة علمانية ” لأن العلمانية بعيدة عن ثقافتنا ،ولن تكون دولة ثنائية القومية “.5- يتم توفير الفرص المتساوية للجميع في العمل والعبادة والتعليم والثقافة وفي اتخاذ القرارات، ويمكن لرئيس الدولة أن يكون يهودياً إذا توفرت فيه الكفاءة. 6- اللغتان العربية والعبرية لغتان رسميتان للدولة.

ولا يرد أي ذكر في تلك الأدبيات لأي من آليات الديمقراطية المعروفة كالإنتخابات وتشكيل الأحزاب وتداول السلطة وغير ذلك.كما تستطرد بعض المقالات في شرح مستقبل الدولة الديمقراطية واحتمالات الخطر الديمغرافي، فتنفي إمكانية حدوث ذلك ” ، لأن العرب ينجبون كثيراً، كما إن معظم اليهود الغربيين سوف يهاجرون” .(11)

 

لم تعمر تلك اليوتوبيا الفلسطينية طويلاً ، وبخاصة أنها لم تلق التأييد في صفوف بعض الفصائل الفلسطينية الأخرى، بل إن المجلس الوطني الفلسطيني قد صادق عليها في عام 1969 على مضض، وبعد أن حذف كل ذكر لليهود في النص المقدم اليه.(12) وكانت آخر دفعة نشطة في الحديث عن الدولة الديمقراطية هي تلك التي وردت في خطاب الرئيس ياسر عرفات في الأمم المتحدة عام 1974، والذي تحدث فيه بعاطفية أبكت الكثير من الفلسطينيين حين قال : ” فلماذا لا أحلم .. وآمل، والثورة هي صناعة تحقيق الأحلام  والآمال. فلنعمل معاً على تحقيق الحلم، في أن أعود مع شعبي من منفاي، لأعيش مع هذا المناضل اليهودي ورفاقه، ومع هذا المناضل المسيحي وإخوانه، في ظل دولة واحدة ديمقراطية، يعيش فيها المسيحي والمسلم في كنف المساواة والعدل والإخاء ” .(13) ومنذ ذلك الحين، أخذت الدولة الديمقراطية تظهر في البيانات الصادرة عن المجالس الوطنية الفلسطينية ” كهدف استراتيجي ” بدون أي شرح أوتنظير مرافق.

ويبدو أن الداخل لم يتحمس لفكرة الدولة الديمقراطية، وإنما استمر في حث القيادة في الخارج على تبني هدف دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، وأخذ يتحرك في هذا الاتجاه. وتشكل المذكرة التالية التي بعثت بها  مئة شخصية من الضفة والقطاع إلى رئيس مجلس الأمن في تموز/يوليو 1973 وثيقة هامة في هذا المجال :

 

” يعلن سكان الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة رفضهم للاحتلال الإسرائيلي لبلادهم ، ويؤكدون رفضهم لجميع الإجراءات التي اتخذتها السلطات المحتلة لتغيير معالم بلادهم وكيانها السكاني والجغرافي ، ويطالبون بإنهاء الإحتلال بجميع صوره، ويطالبون بحقهم في تقرير مصيرهم وسيادتهم على أراضيهم، هذه الحقوق التي أكدتها قوانين وشرعة قرارات الأمم المتحدة وأجهزتها المختلفة ..”(14)

وفور انتهاء حرب تشرين  1973، وصلت الكثير من البرقيات لقيادة  منظمة التحرير في الخارج تحثها فيها على السعي من أجل الاشتراك في مؤتمر جنيف ” لضمان إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ” ، وأكدت مذكرة  اعتبرت أشمل مذكرة تفصيلية في هذا الجال حتى ذلك الحين، على ضرورة بذل أقصى الجهود من أجل ذلك، لأن قيام دولة فلسطينية “سيجبر إسرائيل على رسم حدودها، التي أدى عدم وضعها إلى إنتشار الاستيطان “.(15) ويشير استطلاع للرأي جرى في الضفة الغربية في ديسمبر 1973 ونشرته صحيفة اللوموند الفرنسية في ذلك الحين  أن 61% من السكان وصفوا أنفسهم بأنهم فلسطينيون و28% وصفوا أنفسهم أنهم من سكان الضفة الغربية،بينما  وصف 6% فقط أنفسهم أنهم أردنيون، وأعرب 44% عن رغبتهم في قيام دولة فلسطينية في الضفة والقطاع بينما عبر 19% فقط عن رغبتهم في العودة للانضمام للأردن (16)، الأمر الذي يوضح مدى  تجذر فكرة الدولة بين سكان  الضفة الغربية، وذلك على العكس من الخارج .

من الد ولة الديمقراطية إلى السلطة الوطنية المقاتلة:

إذا كانت حرب حزيران 1967، قد تمخضت في العقل السياسي الفلسطيني عن فكرة الدولة الديمقراطية التي يتم الوصول إليها عبر الكفاح المسلح وحرب الشعب، فإن حرب تشرين 1973 ما لبثت أن تمخضت عن فكرة السلطة الوطنية المقاتلة، باعتبارها سلطة مرحلية في الطريق إلى الهدف الاستراتيجي المتمثل بالدولة الديمقراطية.

كان برنامج النقاط العشر الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني في عام 1974، حدثاً دراماتيكياً هائلاً ، ليس بسبب ما ادعي بأنه شكل انقلابا في الرؤى والمفاهيم والاستراتيجيات الفلسطينية، وانما بفعل ما احتواه من غموض وتباين في مفرداته التي نصت على اقامة “سلطة الشعب الوطنية المقاتلة”.(17) فهذه السلطة ليست دولة، لأنها “مقاتلة ” بمعنى أنها لن تلتزم سواء بالقرار 242 أو بالقرار 338 الذي نص على شرط التفاوض مع إسرائيل.  ولكنها قريبة جداً من الدولة من حيث  أنها ” وطنية ” ، بمعنى أنها تقوم على مكان يتحول بقيامها إلى ” وطن ” سياسي . ثم إنها ” مستقلة ” والاستقلال  سمة خاصة بالدول.

أثار هذا البرنامج الذي سمي بالمرحلي، ردود فعل ومواقف متباينة إلى حد التناقض والتضارب. فقد اعتبره الواقعيون خطوة على طريق الواقعية السياسية ، وقالوا بأن السلطة تعني دولة، بينما رأى آخرون انه لا يقدم أي تنازل عن هدف التحرير الشامل، بدليل أن السلطة مقاتلة ومرحلية. وعارضه آخرون على أساس أنه يشكل ابتعاداً عن هدف التحرير الشامل بدون مرحلية، واعتبروا صياغة البرنامج بمثابة خديعة. وبالفعل، فقد كانت صياغة البرنامج صياغة حمَالة أوجه. وبعد بضعة أشهر، توجه الرئيس ياسر عرفات إلى الأمم المتحدة حيث ألقى كلمته التاريخية التي روى فيها تاريخ مأساة الشعب الفلسطيني وقال بأنه إنما جاء إلى الأمم المتحدة بغصن الزيتون مع بندقية الثائر ” مناشداً الأمم المتحدة أن لا تسقط غصن الزيتون من يده. وكما أشار في كلمته عن الدولة الديمقراطية ، كما ورد سابقا ، فقد دعا الامم المتحدة الى ” تمكين شعبنا من إقامة سلطته الوطنية المستقلة ، وتأسيس كيانه الوطني على أرضه “، ولم يذكر كلمة ” مقاتلة ” .(18) وبدا واضحاً أن الرئيس لم يطالب باقامة  ” دولة “، ولم يتضح كيف يمكن للأمم المتحدة أن تساعد في إقامة مجرد سلطة، وبخاصة أن الرئيس لم يطالب الجمعية العامة للأمم المتحدة بتحمل مسؤلياتها الإنتدابية.

من السلطة الوطنية المقاتلة إلى الدولة الغامضة :

بعد ذلك، اختفى مصطلح  سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة، وحل محله مصطلح دولة. غير أن مصطلح الدولة قد اكتسى بالغموض، وبعدم وضوح أين ستقوم الدولة.

ففي برنامج المجلس الوطني لعام 1977 والمعروف ببرنامج النقاط الخمسة عشر، لم يرد ذكر لسلطة الشعب الوطنية المقاتلة، وحلت محلها ” دولة وطنية مستقلة فوق التراب الوطني “.وقد بقي مكان هذه الدولة غير واضح المعالم : هل التراب الوطني هو في الأراضي المحتلة عام 1967 أم في مكان آخر؟ غير أن هناك مادة أخرى في نفس البرنامج، تدعو إلى تصعيد الكفاح المسلح في ” الأراضي المحتلة “، وتقديم الدعم لجماهير شعبنا في ” الأرض المحتلة ” . فهل هناك فرق بين الأراضي المحتلة والأرض المحتلة؟ وهل الجماهير المخاطبة هي جماهير الأراضي المحتلة عام 1967 أم جماهير الأرض المحتلة عام 1948؟ (19)

وقد كرر برنامج المجلس الوطني لعام 1979 المادة الخاصة بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني دون أن يشير إلى أي تراب وطني، وتوزعت الأهداف والغايات في أكثر من مادة أخرى،  فنصت إحدى المواد على تصعيد الكفاح المسلح ” ولاسيما داخل الأراضي المحتلة ” ، وذلك باعتبارها “ميدان الصراع  الرئيس مع العدو الصهيوني”، الأمر الذي يوحي بأن المقصود هنا هو الأراضي المحتلة عام 1948 وذلك لأن الأراضي المحتلة عام 1967 لم تعتبر حتى ذلك الحين بصفتها ميدان الصراع الرئيس . وهناك مادة أخرى تنص على “التمسك بفلسطين وطناً تاريخياً  لا بديل عنه للشعب الفلسطيني”، إذ يتبادر للذهن فوراً أن ما يقصد بالوطن التاريخي هو الأراضي المحتلة عام 1948. غير أن المرء ما يلبث أن يفاجأ  بوجود جملة أخرى وفي السطر ذاته وكأنها تكملة للجملة الأولى، تنص على ” مقاومة كافة مشاريع التوطين “الأمر الذي يمكن أن يؤكد على الفرضية الأولى ، أو أن المسألة تقتصر على عودة اللاجئين إلى أراضي 1948 بدون تحرير. وفي الوقت الذي يترجح فيه تفسير هذه المادة على أساس أن المقصود هو أراضي 1948، يفاجأ القارئ بمادة أخرى تشير إلى الأراضي المحتلة عام 1967 بأنها ” الوطن المحتل ” ، وترفض وتقاوم مشاريع الحكم الذاتي فيه.

ولم تحد مقررات المجالس الوطنية اللاحقة عن ذلك الأسلوب الغامض في طرح الأهداف . ففي عام 1981 ، كرر المجلس الوطني إعتماد البيان السياسي الصادر عام 1979 دون ذكر أي تفصيل. وفي عام 1983 ، عبر المجلس الوطني الفلسطيني عن تقديره البالغ لوحدة الموقف الوطني لشعبنا الفلسطيني على امتداد الأرض المحتلة ” في الجليل والمثلث والنقب وفي الضفة وغزة والقدس والجولان” . وقد يتساءل المرء لماذا تم وضع الجولان هنا، وبخاصة في عام 1983. ثم يعود ليؤكد في مادة أخرى على صمود شعبنا داخل الوطن المحتل” ، ويحيي في مادة أخرى صمود شعبنا داخل المناطق المحتلة عام 1948″، وذلك تعبير قد يصعب تفسيره، إلا إذا كان المقصود حقاً هو اعتبارها مجرد مناطق من كل .

أما مقررات المجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد في عمان عام 1984، فلم تحد هي الأخرى عن ذلك النهج الغامض الذي يوحي بكل الإحتمالات في شأن مكان إقامة الدولة. فهو يؤكد على الالتزام بالميثاق الوطني الفلسطيني ، تم ينتقل إلى القول بأن ” حق تقرير المصير والعودة وإقامة الدولة الفلسطينية هو المدخل والأساس لأي تحرك سياسي عادل لقضيتنا ” . وإذا جاز لنا تفسير هذا الاصطفاف للأهداف، يمكن القول بمنطقية أسبقية حق تقرير المصير على إقامة الدولة ، لكن العودة هنا تسبق قيام الدولة. وإذا كان هذا الاصطفاف مقصودا حقاً ، فهو يعني أن الدولة لن تقوم إلا بعد العودة. وبما أن حق تقرير المصير يسبق العودة، فإن الأمور تختلط على نحو لا يتيح التعرف الفعلي على الأهداف الفلسطينية.

غير أن بيان المجلس الوطني لعام 1987 يعيد اصطفاف الأهداف على النحو التالي: 1- العودة. 2- حق تقرير المصير . 3- إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة فوق التراب الوطني. فالعودة هنا تسبق حق تقرير المصير وقيام الدولة، الأمر الذي يرجح أن مكان الدولة هو كل فلسطين، أو أن عودة اللاجئين شرط للقبول بقيام دولة في الأراضي المحتلة عام 1967.

هكذا يلاحظ بأن العقل السياسي الفلسطيني قد بدأ بالتحدث عن هدف إقامة دولة فلسطينية ، ” وليست دولة فلسطينية عربية “، منذ عام 1977. وإذا كانت سلطة الشعب الوطنية الفلسطينية المستقلة  الصادرة في عام 1974 قد شكلت في أحد تفسيراتها استمرارا  للحكومة الفلسطينية والكيان الثوري، اللذين طرحتهما فتح منذ عام 1960، فإن الحديث عن الدولة ، الذي بدأ في عام 1977 واستمر حتى عام 1987، ظل حديثاً غامضاً يحتمل أكثر من تفسير واحد . وقد يمكن الإستنتاج أن مبدأ قيام دولة فلسطينية عربية في الأراضي المحتلة عام 1967 لم يعتمد مطلقاً خلال تلك المرحلة ، بل إن الحديث ظل يدور  حول هدف الدولة الديمقراطية في كل فلسطين، وإنما بتسميات مختلفة واشارات متباينة توحي لكل طرف بأن يستنتج منها ما يريد.

من الدولة الغامضة إلى الدولة الواضحة :

إذا كان عام 1974 قد شهد تحولاً دراماتيكياً في العقل السياسي الفلسطيني، تمخض عن ابتكار مصطلح ” سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة “، فقد شهد عام 1988 تحولا دراماتيكيا آخر تمثل في صدور” إعلان الاستقلال ” الذي نص على أن المجلس الوطني” يعلن ، باسم الله وباسم الشعب العربي الفلسطيني قيام دولة فلسطين فوق أرضنا الفلسطينية ، وعاصمتها القدس الشريف “.(20) و أيضا، يقف المرء حائراً أمام المكان الذي ستقوم عليه الدولة المعلنة، هل في كل أرضنا الفلسطينية؟ وهل أرضنا  الفلسطينية ” هي كل فلسطين التاريخية أم جزء منها؟

غير أن البيان السياسي المرافق لإعلان الاستقلال ما يلبث أن يخرج القارئ من حيرته ، حيث نص على أن الدولة ستقوم على الأراضي الفلسطينية  المحتلة عام 1967 وطالب “إسرائيل ” بالانسحاب من جميع الأراضي التي احتلتها عام 1967، بما فيها القدس العربية. هكذا ، ولأول مرة في تاريخ فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية ، يخرج نص يشير إلى دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967، وإن يكن هذا النص قد جاء في البيان السياسي وليس في إعلان الاستقلال نفسه.

في ذلك الحين ، ظهرت العديد من التساؤلات  حول الأسباب التي دعت منظمة التحرير الفلسطينية إلى الأقدام على هذه الخطوة التي طالما تم رفضها بإصرار منذ عام 1967. هناك من عزا ذلك إلى القرار الأردني بفك الإرتباط مع الضفة الغربية، الذي صدر في 31/7/1988. وقال آخرون بأن التبدل  في سياسات الإتحاد السوفيتي منذ مجيء غورباتشيف  إلى الحكم، قد أجبر المنظمة على مراجعة سياساتها والاقتراب من سياسة الوفاق الدولي الجديد. وهناك من قال بأن   اندلاع الانتفاضة في الأراضي الفلسطينية المحتلة في أواخر عام 1987، كان السبب الرئيس. ويبدو أن كل تلك الأسباب قد لعبت أدوارا في بلورة ذلك القرار، غير أن اندلاع الانتفاضة كان بالتأكيد  هو السبب الرئيس لذلك.

فمنذ اندلاع الانتفاضة وتواصلها بزخم متزايد، بدا وكأن قيادة الانتفاضة في الداخل قد أخذت زمام المبادرة فيما يتعلق بصنع القرار السياسي، وذلك لأول مرة منذ عام 1967، حيث ما لبثت أن دفعت بقوة باتجاه الدعوة إلى تبني برنامج سياسي واضح المعالم وقابل للتنفيذ ويتمثل في دولة فلسطينية عربية على الأراضي المحتلة عام 1967 ، وهو البرنامج الذي طالما دعت اليه شخصيات الداخل سابقا. وقد تجلى ذلك الدفع الجديد في البيانات الصادرة عن القيادة الموحدة للانتفاضة منذ أوائل عام 1988، وفي اللقاءات والتظاهرات التي شاركت فيها شخصيات فلسطينية مع قوى اليسار الاسرائيلي، والتي تمت الدعوة فيها الى تبني خيار دولتين لشعبين في أرض فلسطين الانتدابية،(21) هذا بالاضافة الى الرسائل والمذكرات التي وردت من الداخل إلى قيادة المنظمة في الخارج، والتي تناشدها فيها أن تعمل على توفير الحماية السياسية للانتفاضة بتبني هدف واقعي يقوم على الإعتراف بإسرائيل ضمن حدود عام 1967، “مع ربط هذا الاعتراف بتسليم إسرائيل ودول العالم بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة “.(22)

كذلك لا يمكن اغفال سبب هام آخردفع قيادة المنظمة على اتخاذ هذا القرار، وهو أن الانتفاضة كانت قد أعادت الوزن لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد أن كانت قد فقدته منذ خروجها من بيروت في عام 1982 . ولم يكن أمام قيادة المنظمة إلا أن تقتنص تلك الفرصة التي تعيد اليها ألقها ومركزيتها في صناعة القرار الفلسطيني.

هكذا صدر إعلان الاستقلال والبيان السياسي المرافق وسط حالة من الاحتفالية التي أذهلت الكثيرين ورحب بها الكثيرون وأغضبت الكثيرين اآخرين الذين لم يتحملوا فكرة التنازل عن هدف التحرير الكامل.

أما وقد أقدمت قيادة المنظمة على تلك الخطوة الجبارة، فقد كان عليها أن تتحمل أعباء إخراج ذلك الجنين إلى حيز الوجود، وذلك بتبني خيار الدولة على الأراضي المحتلة عام 1967 كخيار إستراتيجي، وليس كمجرد خيار تكتيكي ومرحلي، وأن تكرس كل طاقاتها وجهودها السياسية والدبلوماسية من أجل ضمان نجاح مبادرتها التي لم يكن تحقيقها مستحيلا على النحو الذي كان عليه هدف التحرير الكامل. غير أن المؤشرات لم تكن تشير إلى مثل ذلك التوجه المطلوب. ولعل صدور الإشارة إلى قيام الدولة في الأراضي المحتلة عام 1967 في البيان السياسي وليس في إعلان الإستقلال نفسه كان أول مؤشر من تلك المؤشرات.

وقد تأكد ذلك بعد أقل من نحو عام. فبغض النظر عن تفاصيل التطورات التي أعقبت إعلان الاستقلال، بما في ذلك البيان الصحفي الذي القاه الرئيس ياسر عرفات في 14/12/1988 والذي ربط فيه الإعتراف بحق اسرائيل في الوجود في سلام وأمن بقيام الدولة الفلسطينية (23)، وبدء الحوار الأميريكي- الفلسطيني  فورا، على الرغم من أن الادارة الأميريكية كانت قد أكدت أن موافقتها على بدء الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية “لن يؤخذ على أنه يعني قبول الولايات المتحدة أو اعترافها بدولة فلسطينية مستقلة” (24). فقد كان من المسلم به أن الإدارة الأميريكية لن تحيد عن أسس التسوية التي اتفقت عليها بشكل او بآخر مع الحكومات الاسرائيلية حتى ذلك الحين، والمتمثلة في المرحلية كأساس، وإجراء انتخابات في الأراضى المحتلة عام 1967 لفرز قيادة تشكل طرفا في المفاوضات مع إسرائيل، وفقا للقرارين 242و 338.

كانت الإنتخابات إجراء لايمكن للفلسطينيين رفضه، بل وضرورية لأي توجه جدي نحو الدولة، وذلك إنطلاقا من واقع أن الشرط الأساسي للاعتراف الدولي بالدول وفقا  للنظام الدولي المعاصر، هو توفر السيطرة الفعلية للشعب على أرضه من خلال قيادة سياسية فعالة. وكنت الإنتفاضة قد بدأت من خلال مختلف نشاطاتها وفعالياتها بزعزعة سيطرة الإحتلال الإسرائيلي والتأسيس لسيطرة فلسطينية عربية . ولأجل تطوير ذلك الوضع ، فقد كانت بحاجة ماسة لذلك الغطاء السياسي الذي يمكن لمنظمة التحرير الفلسطينية توفيره لها، بما في ذلك دعم إجراء الانتخابات. وكان من شأن موافقة منظمة التحرير الفلسطينية على إجراء الانتخابات في الداخل أن يقطع الطريق على ترددات حكومة الليكود الإسرائيلية ويزعزع مكانتها داخليا ودوليا لصالح الموقف الفلسطيني. غير أن المأساة ما لبثت أن حد ثت خلال الجلسة الرابعة من جلسات  الحوار الأميريكي- الفلسطيني في 16/8/1989 وذلك حين رفضت قيادة المنظمة وباصرار، الموافقة على أن يكون الوفد المفاوض من الداخل.(25)  وبذلك انهار الحوار الفلسطيني- الأميريكي فعليا على صخرة السياسات الفلسطينية الداخلية، والمتمثلة في  إصرار قيادة المنظمة على أن الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني هو قيادة المنظمة وليس منظمة التحرير نفسها.

 

 

 

 

من الدولة الواضحة إلى الحكم الذاتي :

قبل التوقيع على اتفاق أوسلو في عام 1993، كان التبرير السائد لرفض قيادة المنظمة أن يكون الوفد المفاوض من الداخل، هو أن قيادة المنظمة أقدر على قيادة المفاوضات وعدم الإنصياع للضغوط التي سيمارسها الوفد الإسرائيلي المدعوم أميريكيا، و بخاصة في شأن القضايا الصعبة مثل قضايا القدس واللاجئين و قيام الدولة وغيرها.

وقد تكرر ذلك التبرير في سياق الإعداد لمؤتمر مدريد وخلاله في عام1991، حين  أجبرت قيادة المنظمة على الموافقة على وفد فلسطيني من الداخل لحضور المؤتمر واجراء المفاوضات بعد انفضاضه. فخلال المؤتمر والمفاوضات، شكلت  قيادة المنظمة ما لا يحصى من اللجان والوفود المرافقة للوفد المفاوض لإظهار أن الوفد إنما يأتمر بأمر القيادة، على الرغم من أن الوفد لم يدخر فرصة قبل وخلال المؤتمر وبعده إلا وأعلن فيها بأنه إنما يمثل منظمة التحرير الفلسطينية وينفذ تعليمات قيادتها.(26)

غير أن المفاجأة ما لبثت أن حدثت في عام 1993 ، حين وقعت قيادة المنظمة  على اتفاق أوسلو الذي خلا تماما من أية اشارة إلى الدولة الفلسطينية كهدف نهائي للمفاوضات، أو كإمكانية على أقل تقدير، بل و ألحق برسالة فلسطينية تنص على الاعتراف باسرائيل .

 

 

ثانياً: التعامل الفلسطيني مع القوى الدولية

 

القوى الدولية هي الأهم في مجال نشوء وحل قضية فلسطين ، وذلك للعديد من الأسباب ، في مقدمتها أن فلسطين كانت مستهدفة باستمرار من قبل القوى الدولية بفعل أهمية موقعها الإستراتيجي. ويعود سبب نشوء قضية فلسطين إلى ذلك السبب بدرجة رئيسة، وبخاصة أن المشروع الصهيوني كمشروع إستيطاني، قد نشأ في أحضان القوى الدولية. ومن هنا فإن نضال الفلسطينيين بصفتهم السكان الأصليين قد اصطدم باستمرار بإرادات القوى الدولية. وكانت كارثة عام 1948 المتمثلة في عدم إقامة دولة فلسطينية عربية في أكبر جزء متاح وممكن من فلسطين في ذلك الحين، قد أدت إلى إضافة بعد دولي جديد لقضية فلسطين، تمثل في أن الدولة التي يريد الفلسطينيون إقامتها ، بعد ضياع تلك الفرصة ، إنما تتطلب قراراً دولياً جديداً يظل خاضعاً بدوره لموازين القوى الدولية ومصالح القوى العظمى ومدى أهمية الدولة اليهودية بالنسبة لها.

مع بدء عودة الحياة للحركة السياسية الفلسطينية في أواخر الخمسينات ، كان لابد لهذه الحركة من البحث عن غطاء أو دعم دولي ما، وبخاصة أنها قد طرحت رؤى تهدف إلى القضاء على دولة قائمة ومدعومة من قبل أكبر القوى الدولية.

منذ أواخر الخمسينات، وجدت الحركة الفلسطينية حليفاً مثيراً إلى حد كبير،هو الصين. لذلك يمكن إن نطلق على المرحلة الممتدة من أواخر الخمسينات وحتى أوائل السبعينات اسم المرحلة الصينية.

كانت الصين في الخمسينات والستينات دولة شبه منبوذة من قبل القوى الدولية، وتعمل دون كلل من أجل التحول إلى قوة دولية يحسب حسابها. وقد حظيت المنطقة العربية منذ الأربعينات باهتمام كبير في الاستراتيجيات الصينية، وتبلور ذلك الإهتمام على شكل نظرية أطلقها ماوتسي تونغ وعرفت باسم نظرية المنطقة الوسطى من العالم. كما شكلت نظرية ماوتسي تونغ حول الثورة الريفية والحرب الشعبية طويلة الأمد، منطلقاً للسياسة الخارجية في العالم الثالث ، وبخاصة منذ انهيار علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي وبدء تصنيفه كعدو رئيس إلى جانب الولايات المتحدة.(27)

خلال النصف الثاني من الخمسينات، وبخاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر، اندفعت  الصين نحو المنطقة العربية، ووجدت في التنظيمات الفلسطينية ، وفي مقدمتها فتح، أداة ثمينة تتيح لها التمترس في المنطقة. هكذا أخذت الصين تتحدث عن ” الحقوق المقدسة للشعب الفلسطيني ” وتصف إسرائيل بأنها أداة الإمبريالية الغربية، وتنادي بضرورة القضاء عليها، وذلك بعد أن كانت خلال الأربعينات تدعو إلى حل الصراع من خلال التفاهم بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني بعيدا عن التدخلات الدولية. وفي عام 1964 ، زار وزير خارجية الصين، شو إن لاي، مصر، وتحدث علنا قائلاً : ” نحن على استعداد لدعم الشعوب العربية لاسترداد فلسطين.. حين تكونون مستعدين ، قولوا ذلك، وستجدوننا على استعداد تام لتقديم كل شيء وأي شيء.. أسلحة ، متطوعين .. “(28)

وجدت التنظيمات الفلسطينية ، وفي مقدمتها فتح، في الصين حليفاً دولياً ثقيلاً يمكن أن يقلب موازين القوى في المنطقة رأساً على عقب، وبخاصة أن الصين قامت في عام 1964 بإجراء أول تجربة ناجحة لقنبلتها النووية. وتعززت العلاقات بين الطرفين،وانتشرت أفكار ماوتسي تونغ في صفوف الفلسطينيين، وتكاثر سفر الوفود السياسية والعسكرية للصين، وحين وقعت حرب حزيران 1967، ظل التفاؤل كبيراً والنشوة عارمة، طالما أن الصين حليف الفلسطينيين.وكان ذلك وراء تلك الثقة والشعبية الكبيرة التي حظيت بها منظمات المقاومة الفلسطينية بعد الهزيمة العربية في تلك الحرب.

في عام 1971، قلبت الصين ظهر المجنّ للفلسطينيين، وذلك مع أول إشارة أميريكية تمثلت في زيارة الرئيس نيكسون لبكين، واعترافه بها كقوة دولية ، وإدخالها إلى مجلس الأمن كواحدة من الأعضاء الخمسة الدائمين.

ويمكن القول أن الصين، خلال دعمها للمقاومة الفلسطينية في الستينات، لم تكن معنية بقيام دولة فلسطينية سواء نتيجة القضاء على إسرائيل أو في الأراضي المحتلة عام 1967، بفعل إدراكها لحدود قوتها، وإنما بمصالحها المتمثلة في الدخول إلى المنطقة ومحاولة إثبات وجودها كقوة دولية. ومن الصعب الإستنتاج ما اذا كانت القيادات الفلسطينية في ذلك الحين مقتنعة بجدية الوعود الصينية وبامكانية القضاء على إسرائيل بالدعم الصيني، أم أنها كانت تستغل ذلك الدعم لتقوية وضعها. غير أنه يمكن القول بأن الكثير من الكوادر كانت مقتنعة بإمكانية ذلك.

مع انتهاء المرحلة الصينية، بدأ ما يمكن تسميته بالمرحلة السوفيتية وهي مرحلة مترابطة مع مرحلة الدولة الغامضة في السياسة الفلسطينية. كان الرئيس ياسر عرفات قد زار الاتحاد السوفييتي أول مرة بصحبة الرئيس جمال عبد الناصر في عام 1968، ثم قام بعدة زيارات لاحقة حتى عام 1972. وكان يستقبل من قبل لجنة الصداقة السوفيتية – العربية . في عام 1974 ، وفي طريق عودته من الأمم المتحدة بعد إلقاء خطابه الشهير ، توجه أبو عمار إلى موسكو بدعوة رسمية واستقبله الرئيس السوفيتي بريجينيف نفسه بحفاوة بالغة. كان  الإتحاد السوفييتي لا يؤيد الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية من حيث المبدأ ، وإن يكن قام في عام 1972 بإرسال أول شحنة أسلحة لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وذلك بعد أن قامت مصر بطرد الخبراء السوفييت من مصر في ذلك العام.(29) وكان يصر على ضرورة قيام منظمة التحرير الفلسطينية باعتماد برنامج سياسي ينص على هدف إقامة دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967. لذلك أكد الطرف السوفييتي بمفرده في البيان المشترك الصادر لدى انتهاء زيارة أبو عمار، على ضرورة إنهاء الاحتلال الاسرائيلي وقيام دولة فلسطينية في تلك الأراضي. (30)

لم تكن هي المرة الأولى التي يدعو فيها الاتحاد السوفييتي  لقيام دولة فلسطينية. ففي عام 1948، ساند قيام إسرائيل واعترف بها اعترافاً قانونياً فور قيامها، ولكنه في الآن ذاته، أو بعد ذلك، وبخاصة مع تزايد مؤشرات الحرب الباردة، أخذ يدعو وبقوة من أجل تنفيذ الشق الثاني من قرار التقسيم، وعارض بشدة ضم الأردن للضفة الغربية. وقد فسر الغرب في حينه  ذلك على أنه مؤشر على نوايا الإتحاد السوفييتي لإيجاد قاعدة موالية له في الدولة الفلسطينية، فاندفعت  بريطانيا بقوة  من أجل ضم الضفة الغربية للأردن لإحباط ذلك الاحتمال.

في عام 1974، لم يكن قد طرأ أي تغير يذكر على الخريطة الإستراتيجية الدولية القائمة على أساس الحرب الباردة. وهكذا أصبح موضوع الإنسحاب الإسرائيلي  وقيام دولة فلسطينية في تلك الأراضي ، أحد أدوات الحرب الباردة. وقد تجلى ذلك في تزايد اقتراب منظمة التحرير الفلسطينية من الإتحاد السوفييتي ، وتزايد تلاحم إسرائيل مع الولايات المتحدة على نحو أصبح أشبه بتحالف رسمي. وعلى الرغم من محاولات الرئيس ياسر عرفات طيلة فترة السبعينات، جر السياسة الفلسطينية  نحو الوسطية ومد بعض الخطوط إلى الولايات المتحدة، فإن سياسة الوسطية في الحرب الباردة ، لم تكن مقبولة من قبل القوتين العظميين.

ولذلك، فإن تصاعد الحرب الباردة على نحو غير مسبوق في عام 1979، واتجاه الإتحاد السوفييتي نحو إقامة القواعد العسكرية في مناطق تمتد من أواسط إفريقيا حتى افغانستان، ما لبث أن أدى إلى وقوف الإتحاد السوفييتي موقف المتفرج على الاجتياح الإسرائيلي لمقرات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عام 1982.

ويمكن القول أن المراهنة الفلسطينية على الإتحاد السوفييتي قد انتهت منذ ذلك الحين، وأن كل ما تلا ذلك من علاقات، كان مجرد تنويعات على نغمة نشاز، وذلك حتى عام 1986، حين بدأ التغير الحاسم في سياسات الإتحاد السوفييتي بعد وصول غورباتشيف وجماعته إلى سدة الحكم.

ولدى تقييم العلاقات الفلسطينية – السوفيتية على امتداد الفترة الممتدة منذ أوائل السبعينات وحتى عام 1982، يتضح بأن الدعم السوفييتي لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وإن يكن قد أسهم في تمكين المنظمة من الحصول على الاعتراف الدولي بها كممثل للشعب الفلسطيني، وعلى سلة من القرارات الداعمة للشعب الفلسطيني في الجمعية العامة للامم المتحدة، فإن الإتحاد السوفييتي وقف عاجزاً، أو غير راغب، في تقديم أي دعم سياسي ملموس للدفع بالقضية الفلسطينية قدماً، كأن يعمد في سياق الحرب الباردة إلى استخدام بند ” الاتحاد من أجل السلام “لاستصدار قرار من مجلس الأمن ، ينص على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي واقامة الدولة الفلسطينية.

صحيح إن مثل هذا القرار لم يكن كافياً بحد ذاته لإرغام إسرائيل على الانسحاب واقامة الدولة الفلسطينية، حيث كان متوقعاً  أن تدعم الولايات المتحدة إسرائيل في رفضها الإنسحاب، وذلك على النحو الذي فعلته في قضية شبيهة بقضية فلسطين، هي قضية ناميبيا. غير أن جنوب إفريقيا ما لبثت أن انسحبت من ناميبيا بعد انتهاء الحرب الباردة، وقامت دولة ناميبيا بعد تعطيل لقرار صادر عن مجلس الأمن في شأن استقلالها، لمدة عشر سنوات كاملة.(31)

وقد يكون عدم لجوء الاتحاد السوفييتي لاستخدام بند الإتحاد من اجل السلام، نابعاً من عدم استعداده لإضافة عنصر جديد من عناصر التوتر مع الولايات المتحدة في سياق الحرب الباردة ، من أجل قضية لم تحتل الأولوية في اهتماماته في تلك الفترة. كما يمكن افتراض أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لم تطلب من الاتحاد السوفييتي استخدام ذلك البند، وذلك في ضوء أن المنظمة نفسها لم تكن على مدى سنوات السبعينات ولغاية عام 1988، قد حسمت موقفها إزاء تبني هدف قيام دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967، إن كانت قد حسمته فعلا بعد ذلك.

مع انتهاء المرحلة السوفييتية في حياة منظمة التحرير الفلسطينية، بدأت مرحلة جديدة هي المرحلة الأميريكية. ومنذ أواخر الثمانينات، تحتم على منظمة التحرير الفلسطينية التعامل مع قوة عظمى وحيدة تقف من قضية فلسطين والدولة اليهودية موقفاً يكاد يكون شبيهاً بالموقف البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى، حين كانت بريطانيا هي القوة العظمى الوحيدة من الناحية الفعلية.

فمع انتهاء الحرب الباردة في أواخر الثمانينات، تعاملت الولايات المتحدة مع منظمة التحرير الفلسطينية، ضمن شروط المهزوم في الحرب الباردة، وانعكس ذلك في الموقف الأميريكي المتمثل في ضرورة الاعتراف الفلسطيني باسرائيل وبالقرارين 242و 338 وبنبذ الارهاب ، مع رفض التعهد بقيام دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967.وتحتم على المنظمة أن تقدم كل ما كانت قد رفضت تقديمه سابقاً: الاعتراف بوجود إسرائيل، الاعتراف بالقرارين 242 و 338 ، ونبذ الارهاب، وذلك لقاء موافقة الولايات المتحدة على فتح حوار مع المنظمة، على الرغم من تأكيد الولايات المتحدة على أن موافقتها على فتح حوار مع المنظمة ” لن يؤخذ على أنه قبول أو اعتراف بدولة فلسطينية مستقلة “.(32) وهو ما تأكد وتكرر خلال مؤتمر مدريد في عام 1991، ثم في اتفاق اوسلو عام 1993، ذلك الاتفاق الذي غابت عنه الدولة كهدف نهائي للمفاوضات.

ولدى تلخيص حصيلة تعامل العقل السياسي الفلسطيني مع القوى الدولية خلال الفترة الممتدة بين 1959 و1993 ، يمكن الاستنتاج بأنها لم تختلف عن حصيلة السنوات الثلاثين التي اكتملت في عام 1948 : مرحلتان صينية وسوفييتية لم تتمخضا عن أية مكاسب فيما يتعلق بمسألة الدولة، ومرحلة أميريكية ثالثة ما زالت مفتوحة النهايات.

خلاصة

إذا جاز لنا إيجاز أداء العقل السياسي الفلسطيني إزاء مسألة الدولة تحديداً، خلال السنوات الممتدة من عام 1959 ولغاية التوقيع على اتفاق أوسلو في عام 1993، يمكن القول أن قضية تحرير الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948 قد هيمنت على العقل السياسي الفلسطيني  على نحو لم يتح مجالاً للتفكير في مسألة السيادة السياسية والدولة ومصير الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 . ففي نظر القيادة السياسية، لم تكن الضفة الغربية وقطاع غزة أكثر من فناء خارجي لفلسطين التي لا تعني في مخيلتها إلا الأرض المحتلة عام 1948. ولا يمكن تجاهل حقيقة أن القيادة السياسية بعد عام 1967 هي نفسها القيادة السياسية التي تشكلت قبل 1967 بهدف تحرير الأراضي المحتلة عام 1948، ولم تكن بفعل طبيعة ومستوى بنيتها الثقافية قادرة على التعامل مع آثار 1948 أو مع المستجدات التي أفرزتها حرب 1967. لذلك حاربت بشدة أية توجهات واقعية ظهرت في الداخل، ورفضت بقوة فكرة استدعاء الجمعية العامة للأمم المتحدة لتحمل مسؤلياتها في الأراضي المحتلة عام 1967 وظلت تشكك في ولاء قيادات الداخل لمنظمة التحرير الفلسطينية وترفض التعامل معها على قدم المساواة مع قيادات الخارج التي كانت تشكل تجسيدا  لهدف التحرير الكامل، وهو الأمر الذي أدى الى تفاقم الصراع الخفي داخل الساحة الفلسطينية بين الداخل والخارج.

 

ويمكن افتراض أن ذلك التوجه قد انبنى على جملة من الأسباب والعوامل أو على بعض منها على أقل تقدير، والتي يمكن إيجازها بما يلي:

1-       حقيقة أن أغلب الفلسطينيين في الخارج كانوا من اللاجئين الذين طردوا من أرضهم في عام 1948 والذين دفعوا باستمرار ، سواء كقوة ضغط جماهيرية أو كعناصر قيادية، في اتجاه إدامة هدف التحرير الكامل بغض النظر عن مدى واقعية ذلك الهدف، وعن ما سيجلبه ذلك من مخاطر وكوارث على بقية الأرض الفلسطينية المحتلة.

 

2-       قد يكون صحيحا ما يراه البعض في أن عدم تمتع  الفلسطينيين بتجربة السيادة في الماضي قد حرمهم من القدرة على إدراك أهميتها والنضال من أجل اقتناصها. غير أن العديد من الجماعات والشعوب التي ناضلت من أجل السيادة على أراضيها في العصر الحديث، لم تكن هي الأخرى قد مرت بمثل تلك التجارب. وينطبق هذا على اليهود أنفسهم. .ويمكن القول أن الفلسطينيين هم الوحيدون الذين كرسوا نضالهم منذ بدايات القرن العشرين وحتى الوقت الراهن، من أجل تحرير الأرض بعيدا عن هدف  السيادة السياسية. وقد يكون هذا هو السبب في أنهم لم يحققوا أيا من الهدفين حتى الآن، وذلك على العكس من اليهود الذين صبوا كل اهتمامهم على هدف الدولة.

3-       وقد يكون صحيحا القول أن الثقافة الأساسية للقيادة الفلسطينية هي الثقافة لإاسلامية وليست الثقافة الوطنية (القومية) الحديثة التي تشكل على أساسها النظام الدولي الحديث، حيث أن تحرير كل فلسطين قد شكل بالنسبة لها، كما هو الآن بالنسبة لحماس، هدفا إسلاميا أكثر من أن يكون هدفا وطنيا، ولذلك فان مثل ذلك الهدف قد افتقد القدرة، بل والرغبة في صياغة استراتيجيات عملية تقود إلى الدولة الفلسطينية العربية في الأراضي المحتلة عام 1967 ، ناهيك عن هدف الدولة اليمقراطية.

4-       كذلك لم يعرف الفلسطينيون الديمقراطية بمفهومها العلمي الحديث، ولم يكن بمستطاعهم تطبيقها في عملية صنع القرارات. وهكذا جاءت صياغات القرارات، وبخاصة تلك الصادرة عن دورات المجالس الوطنية ،أشبه بكشكول يضم كل ما يمكن أن يريده الحاضرون.

 

5-       وقد يكون صحيحا أيضا أن القيادة قد انشغلت باللعبة الدولية واستمرأتها بحيث لم تكن تحس بالزمن ولا تبعاته. فعلى مدى الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات، أصبح العالم مسرحا للقيادات الفلسطينية، تجوبه أينما ومتى شاءت. وهكذا بعد تنقل من أحضان الصينيين إلى السوفييت إلى عدم الانحياز الى المؤتمر الاسلامي والمنظمة الافريقية والجامعة العربية، وبعد صراعات فلسطينية-عربية دامية، ما لبثت قيادة المنظمة  أن وجدت نفسها في عرين الولايات المتحدة، لتعود من حيث ابتدأ المجتمع الدولي في وضع أسس التسوية السياسية: الاعتراف باسرائيل، التفاوض معها، نبذ الإرهاب وليس فقط إدانته، وكل ذلك مقابل عدم التعهد بقيام دولة فلسطينية فى الأراضي المحتلة عام1967.

6-       وكانت حصيلة كل ما سبق هي غياب القدرة على بلورة فكر سياسي فلسطيني، بكل ما يعنيه الفكر السياسي من قدرة على الإستقراء الموضوعي للواقع الذاتي والعالمي وابتكار وسائل الإختراق ،والنفاذ من الثغرات، وذلك انطلاقا من أهداف واستراتيجيات تقوم على مراكمة الإنجازات وليس على هدر ما يتحقق منها عن طريق الصدفة. لذلك آثرت هنا استخدام مصطلح العقل السياسي، وليس الفكر السياسي ، وذلك انطلاقا من أن العقل السياسي هو في طبيعته أقرب الى الفطرة  والإرتجالية .

انتهى

 

 

 

الهوامش

(1)      أنظر استطلاعات الرأي الفلسطينية وبخاصة خلال الانتفاضة الأخيرة، وكذلك الكثير من المقابلات والبيانات السياسية الصادرة مؤخراً.

(2) أنظر برنامج حركة الأرض في، حبيب قهوجي، ألقصة الكاملة لحركة الأرض، مجلة شؤون فلسطينية، مركز الأبحاث،العدد الأول،آذار 1971،ص 112 –125 .

 (3)    أنظر ما ورد في نشرة فلسطيننا في: عيسى الشعيبي ، الكيانية الفلسطينية ” مركز الأبحاث ، 1985، ص 119 . وكذلك عصام سخنيني، الكيان الفلسطيني 1964– 1974 ، شؤون فلسطينية العدد 41-42، ص ص 50.

(4)      سخنيني، المصدر السابق.

(5)      انظر: Boyle , Francis , Creating the State of Palestine, The Palestine year book of International law, V.IV, 1987 – 1988 , pp.15-43

(6)      أنظر تفاصيل المشروعين في :

Gresh ,A., “ PLO, The Struggle Within 2nd edition , London , 1988, pp. 78 – 79 , 80, 92.

(7)      صلاح خلف أبو اياد، فلسطيني بلا هوية، طبعة ثانية ، المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية ، 1991، ص ص 219 – 220.

(8)      الشعيبي، عيسى، مصدر سابق، ص 148، كذلك سخنيني ، مصدر سابق، ص 68.

(9)      انظر على سبيل المثال ، شؤون فلسطينية، العدد 7 ، منير شفيق، لماذ يرفض الفلسطينيون مشروع الدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة، والعدد 24 ، شفيق الحوت، كيف نقول لا للدولة الفلسطينية .

(10) انظر، مصدر سابق: Gresh, A.,p.44

(11) انظر :

Towards a Democratic State in Palestine , Palestine Essays No. 24 Research Center, PLO , Beirut, 1970. وكذلك ، نبيل شعث ، فلسطين الغد، شؤون فلسطينية، العدد 2 ، بيروت، 1971 ، ص ص 5 – 23.

(12)     انظر نصوص البيانات السياسية للمجالس الوطنية الفلسطينية، مكتبة مركز التخطيط الفلسطيني ، غزة.

(13) أنظر نص الخطاب : شؤون فلسطينية، مركز الأبحاث، العدد 40، 1974 ص18.

(14)     الشعيبي، مصدر سابق، ص 268.

(15) انظر، مصدر سابق Gresh , A., P.135

(16) انظر، مصدر سابق Gresh , A., P.134

(17) نصوص البيانات السياسية.. مصدر سابق.

(18)     شؤون فلسطينية، العدد 40، مصدر سابق.

(19) نصوص البيانات السياسية.. مصدر سابق.

(20)     نفس المصدر.

(21) انظر : McDowall, D., Palestine & Israel, University of California Press, U.S.A., 1989, P.15

(22) انظر : نوفل ، ممدوح، البحث عن الدولة، مؤسسة مواطن، رام الله، 2000، ص152.

(23) انظر نص المؤتمر الصحفي للرئيس عرفات في شؤون فلسطينية ، مركز الأبحاث ، العدد 190 ، عام 1989 ،ص 141.

(24) نوفل، مصدر سابق ، ص360.

(25) المصدر السابق، ص 333.

(26) انظر Ashrawi,H., This Side of Peace, Simon & Schuster, New York, 1995, through the pages.

(27) حول تفاصيل السياسة الصينية، انظر: سلافة حجاوي، ” الصين والصراع العربي الاسرائيلي، مجلة شؤون عربية، جامعة الدول العربية، العدد 33 – 34، ص ص 363 – 380.

(28) المصدر السابق.

(29) انظر ، مصدر سابق : Gresh , A., P. 155.

(30) انظر : سلافة حجاوي، في التاريخ السياسي الفلسطيني، دراسة في المكان، فلسطين، 2000 ،ص 172.

(31) حول تفاصيل نموذج نامبيا، انظر : سلافة حجاوي ، حول التحرك الفلسطيني في الأمم المتحدة تحت بند الاتحاد من أجل السلام، اصدارات مركز التخطيط الفلسطيني، غزة، سلسلة مذكرات ، العدد 17، عام 1997.

(32) وثائق مركز التخطيط الفلسطيني، الموقف الاميريكي من إعلان الاستقلال والبيان السياسي.