مقدمات الهُوية الوطنية الفلسطينية

الصفحة

 

سلافة حجاوي

 

  نشرت هذه الدراسة في مجلة ” رؤية” الصادرة عن الهيئة العامة للإستعلامات-فلسطين، العدد العاشر، تموز 2001    

 

في أصول مفهوم الهوية الوطنية

إن مفهوم الهُوية الوطنية مفهوم حديث لم يظهر ويتبلور إلا بعد قيام الثورة الفرنسية في عام 1789 وإقامة أول “دولة أمة” في التاريخ الحديث هي الدولة -الأمة الفرنسية، وذلك في عام 1793، حيث ما لبث هذا المفهوم أن انتشر بعد انتشار ظاهرة الدول الأمة في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، ثم في مختلف أنحاء العالم بعد تحول الدولة- الأمة إلى وحدة سياسية في نظام عالمي جديد بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.

وتكمن حداثة هذا المفهوم للهوية في أن تاريخ البشرية  لم يعرف له مثيلاً من قبل. فعلى الرغم من أن العصور القديمة قد عرفت الدولة الإقليمية في كل من وادي النيل ووادي الرافدين، وفي شكل المدينة – الدولة اليونانية، فقد اختلفت تلك الدول القديمة إختلافاً جذرياً عن المفهوم الحديث للدولة والأمة والوطن والهوية الوطنية، وذلك من حيث أن الدولة الإقليمية القديمة لم تكن دولة كل مواطنيها، وهو المبدأ الذي شكل أساس الدولة الحديثة. بل إن الأراضي اليونانية التي تعود إليها أصول فكرة الديمقراطية، لم تعرف مثل هذا المفهوم الحديث، حيث كانت المدينة – الدولة اليونانية تحصر الديمقراطية في طبقة معينة وتستثني كل العبيد وطبقات إجتماعية أخرى من المواطنية والحقوق.

ومع انهيار تلك الدول القديمة، شهدت العصور الوسيطة نظاماً دولياً مختلفاً تمام الاختلاف هو نظام الدولة الإمبراطورية العالمية العقائدية التي لم تقبل بمفهوم الحدود، فكانت تمد سلطتها حيثما تتمكن من مد سيطرتها، وتتخذ من السكان على اختلاف ولاءاتهم وانتماءاتهم التاريخية رعايا تابعين لها، فتنشر عقيدتها بينهم، ويكون الولاء والإنتماء فيها أولاً للعقيدة، وثانياً للعشيرة والقبيلة أو المدينة أو القرية. لذلك فهي لم تعرف مفهوم الوطن ولا مشاعر الوطنية ولا الهوية الوطنية إلا في أضيق الحدود.

يتميز مفهوم الهوية الوطنية عن غيره من مفاهيم الانتماء والولاء المختلفة والكثيرة، في أنة حالة سياسية وإرادية خالصة، تتسم بطبيعتها الجماعية حصراً، وتقوم على الإتفاق وعن وعي تام بين سكان إقليم معين، على العيش معاً في مجتمع سياسي يتمتع بالسيادة الكاملة. يشترط هذا الإتفاق الاجماع على عناصر أساسية في مقدمتها الأقليم المعرّف والمحدد، والحكومة الواحدة والقانون الواحد الذي يسري على جميع السكان.

فبالنسبة للأقليم، قد يتصور المرء سهولة تعريفة وتحديده من قبل الجماعة، وذلك إنطلاقاً من واقع أن البشر إنما يولدون ويعيشون ويعيش أولادهم من بعدهم في مكان ما من هذه الارض، حيث يكتسب هذا المكان بالنسبة لهم أهمية خاصة يصعب التخلص منها، كما تنشأ بين الفرد أو الجماعة والمكان علاقة تظل تشكل جزءاً لا يتجزأ من كينونته. غير أن الإتفاق على تعريف الإقليم في إطار النظام الدولي الحديث مسألة بالغة الصعوبة، وبخاصة بالنسبة للدول التي أقيمت على أنقاض الإمبراطوريات السابقة. فبالنسبة للدول الأوروبية الغربية الحديثة، شكلت الحدود التي وصل إليها تمدد الدول المركزية السلالية السابقة، والمتمثلة في مجموع المقاطعات الفيودالية التابعة لسلطة الملك، حدوداً مقبولة للدول الحديثة وتم تكريسها باتفاقية دولية عقدت في عام 1648. ولم يكن أمام قادة الثورة الفرنسية على سبيل المثال، إلا تحويل ذلك الإقليم إلى وطن وأرض آباء بالنسبة لجميع السكان. ففي عهد الدولة السلالية، كان مصطلح الوطن أو أرض الأباء لا يعني بالنسبة لسكان قرية أو مدينة معينة سوى تلك القرية أو المدينة، وليس كل أراضي الدولة السلالية الفيودالية.

أما خارج أوروبا الغربية ثم الوسطى، فقد كان الحال بعد انهيار الإمبراطوريات وقيام القوى الدولية برسم حدود دول اقليمية جديدة، شبيهاً بالوضع الذي كانت عليه أوروبا في عهد الدول السلالية إن لم يكن أسوأ منه، حيث أدت معظم الحدود المرسومة من قبل القوى الكبرى، إلى توزع كل أثنية واحدة في أكثر من دولة، أو وضع عدة إثنيات متصارعة في دولة واحدة، بحيث لم يكن ممكناً دمج السكان وإذابتهم في بوتقة مثل هذه الدول التي لم تملك المقومات الاقتصادية الكفيلة بأغراء السكان على الاندماج والذوبان.

فالمفهوم الحديث للهوية الوطنية ليس مفهوماً إثنياً، وإن يكن هذا المفهوم قد ساد في بعض الدول. كما إنه غير مرتبط بفكرة الجماعة القومية. بل هو مفهوم عريض يفترض قبول جميع الإثنيات والجماعات بغض النظر عن أصولهم وتمايزاتهم، بالإقليم الذي سيضمهم، والذي ستحكمه سلطة سياسية واحدة ونظام قانوني واحد، بحيث يصبح الولاء للدولة – الوطن، هو المقوم الأساسي لبناء الهوية الوطنية لسكان الاقليم.

لقد استند هذا المفهوم منذ نشوئه على مقوم أساسي واحد هو مبدأ الديمقراطية، ذلك المبدأ الذي يوفر لجميع السكان على اختلاف أصولهم واثنياتهم، فرصة المساواة أمام القانون والمشاركة في الحكم وحرية القول والاعتراض والتكافؤ في الفرص والترشيح للانتخابات والوصول الى السلطة، وغير ذلك من مفردات مبدأ الديمقراطية التي تفترض إزالة الأسباب التي تحول دون اندماج كل سكان الأقليم في “أمة” واحدة ذات هوية وطنية واحدة.

ولا يمكن اغفال حقيقة ان تشكل الهويات الوطنية ليس بالأمر السهل أو التلقائي. فالديمقراطية وحدها لا تستطيع لعب دور حاسم في هذا المجال ما لم تكن مقترنة بالمكاسب الإقتصادية والإجتماعية التي تحيل كل فرد في المجتمع السكاني إلى مدافع عنيد عن دولته – وطنه، بحيث تتضاءل أمام هذه المكاسب كل الدوافع الطاردة، كالخصوصية الإثنية أو المعتقدات الأيديولوجية، أو غير ذلك. فعلى الرغم من ادعاء بعض المنظرين الغربيين بأن الهويات الوطنية في أوروبا الغربية قد انبثقت بفعل وجود أمم راسخة قبل قيام الدولة الأمة، وأن تلك الأمم قد اكتسبت هوياتها الوطنية على نحو عفوي بعد إقامة الدول الأمم، وهو ما يسميه هؤلاء المنظرون بالأساس التاريخي المتمثل بالنظام الفيودالي، فإن الواقع يثبت عدم دقة هذا الأدعاء. فعلى الرغم مما ينطوي عليه هذا القول من قدر من الصحة، وبخاصة بالنسبة لطبيعة النظام الفيودالي الذي أفرز الدولة المركزية التي مهدت لانبثاق الدولة- الأمة الإقليمية، فهو يتجاهل الدور الذي لعبته الدولة ذاتها في أوروبا، في تشكيل الهويات الوطنية لسكانها. فالدولة الأقليمية الحديثة – ولنأخذ هنا مثال فرنسا – لم تتمكن من القضاء على الدولة المركزية الفيودالية، والتحول إلى دولة أمة يتمتع جميع سكانها بهوية وطنية واحدة، إلا بعد أن تم إصدار قانون إلغاء القنانة، وتعديل دستور الثورة بحيث أصبح يساوي بين كل المواطنين في الحقوق والواجبات، وإجراء تعديلات جذرية علي  “إعلان حقوق الانسان والمواطن” الصادر فور قيام الثورة في عام 1789. فالدولة- الأمة الفرنسية لم تقم فور قيام الثورة، وانما بعد صدور تلك القرارات والقوانين.

على الرغم من ذلك فقد اضطرت فرنسا من أجل دمج سكانها وبث مشاعر الانتماء للوطن الفرنسي، إلى أتخاذ العديد من الإجراءات الأخرى للقضاء على الأرث الإجتماعي الذي ورثته عن الدولة المركزية السلالية، وهو إرث وجود العديد من الجماعات الإثنية ذات الخصوصيات المختلفة، وفي مقدمتها تعدد اللغات واللجهات – فرانك، غول وكلت وغيرهم – حيث عمدت الدولة إلى توحيد اللغة وأجبرت جميع الإثنيات على تعلم اللغة الفرنسية والتحدث بها كلغة وحيدة. وبذلك أرست فرنسا مفهوماً للهوية الوطنية لا يقوم فقط على الإجماع السياسي من خلال المساواة في الحقوق والوجبات، وهو الذي يعرف بالمفهوم الليبرالي، وانما يتجاوز ذلك على نحو راديكالي باتجاه تحقيق الإندماج والذوبان الإجتماعي التام من خلال سيطرة الدولة على مختلف مجالات الحياة.

ولكن السبب الأساسي الذي دفع نحو كل هذه التطورات والتحولات هو الثورة العلمية الصناعية التي بدأت في انجلترا في أواخر القرن الثامن عشر، ثم أخذت في الانتشار في البر الأوروبي، تلك الثورة التي بدت أبرز معالمها في مجال الإتصال والمواصلات والطباعة. ففي هذا المجال، يقول شيفر، “لقد قامت الدولة الأمة، لأن هذا الشكل المؤسسي قد ناسب النظام الاقتصادي الجديد وحالة النقل والمواصلات .. فهي لم تقم قبل ذلك لأن أوروبا الفيودالية الزراعية لم تكن في حاجة لها .. فالصناعة المتخلفة وضآلة حجم التجارة والطرق الوعرة، كلها لم تتطلب قيام هذا الشكل من الدولة، كما إن بطء انتشار الأفكار والأمية المتفشية بين الناس قد حالت دون ظهور الوعي الوطني اللازم لهذا التطور”[1]. وبهذا يتضح أن قيام الدولة- الأمة الإقليمية هو تطور تاريخي تم نتيجة ظهور متطلبات موضوعية فرضت تحويل الأقنان إلى مواطنين وإلى تحول الأرض التي لم تكن غير أداة للاستغلال والاضطهاد للجماهير المسحوقة، إلى “وطن” يدافع الفرد عنه حتى الموت، وذلك نظراً للمكاسب الكثيرة التي صار يجنيها أو يتطلع إلى جنيها من هذا الوطن[2].

ويرى بعض الباحثين في هذا المجال أن مفارقة تاريخية كانت  السبب في ظهور الدولة- الأمة وتعاظم ظاهرة الانتماء الوطني وتبلور الهويات الوطنية. تتمثل تلك المفارقة في تأخر وصول الثورة العلمية والصناعية من إنجلترا إلى البر الأوروبي. لذلك عارضت إنجلترا المتطورة صناعياً قيام الدولة- الأمة الإقليمية في فرنسا بشدة، وكانت ترى في تلك الدولة خطراً يهدد مصالحها الإقتصادية المتمثلة في ضرورة انفتاح أسواق أوروبا أمام منتوجاتها الصناعية، اذ يقول هيز في  هذا المجال : ” لو حدثت الثورة الصناعية في مختلف أنحاء أوروبا في آن واحد وعلى مستوى واحد، لما جرى التأكيد على الأفكار الوطنية. فالأفكار الوطنية قد تبلورت في مجتمعات زراعية قبل ولوج الآلة الصناعية، غير أن قبول تلك الافكار وانتشارها قد ترافق مع دخول الآلة الصناعية”[3]. وقد يكون من الصعب التنبؤ بما كان يمكن أن يحدث في طبيعة النظام الدولي والانتماء البشري لو حدث ذلك فعلاً. وقد يكون ممكناً تصور استمرار نظام الدولة الإمبراطورية العالمية وتطورها إلى إمبراطوريات صناعية، وانبثاق خارطة عالمية مختلفة تماماً. وكان من شأن ذلك إلغاء مفاهيم الوطن والوطنية، ولكانت فكرة الإتحاد الأوروبي قد شقت طريقها منذ نحو قرنين سابقين، وكان يمكن أن لا تظهر الولايات المتحدة الأمريكية أو تظهر ولا تتحول اإى قوة عظمى، ولما كانت بريطانيا تصدر إعلان بلفور ولا تجلب اليهود إلى فلسطين، ولما كانت هناك حاجة للنضال ممن أجل هوية وطنية فلسطينية، حيث كان يمكن استمرار الهوية العثمانية أو ظهور وتبلور هوية عربية.

أما وقد حدث ما حدث، فلا بد من الإشارة إلى سبب آخر ما لبث أن مكّن الدول- الأمم الأوروبية، وعزز من عملية تبلور الهويات الوطنية فيها. ذلك هو نظام الإستعمار الإمبريالي الذي كان بمثابة النتيجة الحتمية لتصاعد الثورة الصناعية في إطار الدول الإقليمية الأوروبية الحديثة، والذي لعب دوراً حاسما في بلورة الهويات الوطنية فيها. فمن جهة، أدى التطور الصناعي إلى تصاعد الحاجة للمواد الأولية والأسواق، وبدلاً من العمل على كسر الحواجز المقامة حديثاً بين تلك الدول الأوروبية الحديثة، بدأ الصراع والتنافس بينها، وذلك إلى أن تم الإتفاق في مؤتمر برلين عام 1878 على تقاسم العالم غير الأوروبي. ولم يكن ممكناً لتلك الدول أن تحقق توسعها الإستعماري الا بتأييد سكانها الذين دعموا التوسع الإستعماري بفعل ما سيجلبة لهم من رخاء وازدهار. ولأجل تعزيز ذلك الإنتماء والولاء للدولة، عمدت الحكومات، إلى مدّ نفوذها القانوني والوظيفي، فاُتجهت إلى تبنى المفهوم اليعقوبي الفرنسي، بكل ما تضمنه من تأميم للتعليم وتوفير لفرص العمل وإصدار قوانين شملت الضمان الصحي وضمان الشيخوخة وضبط الأسعار وغير ذلك. وتحتم على المواطن أن يتطلع إلى الدولة من أجل تعليم أطفاله وتلقي الخدمات المختلفة. هكذا أصبح الفرد أكثر إحساساً بالانتماء وأكثر تمسكاً بالوطن، وأكثر وطنية. فمن خلال الدولة الآمنة إقتصادياً بفعل ما أتى به النهب الإستعماري من ثروات، وسياسياً بفعل الإتفاقات المعقودة بين الدول الأوروبية بشأن احترام الحدود المقامة بينها، أصبح الفرد آمناً، ومن خلال حقه في الانتخاب والترشيح، أصبح مواطناً، وإذ أصبح مواطنا، أصبح جزءاً من الشعب – الأمة. ولم يعد ممكناً خلال العهد الإستعماري التمييز في بريطانيا مثلاً بين الإنجليزي والسكوتلندي والويلزي والإيرلندي، أو بين الباريسي والبريتوني في فرنسا، أو بين البرليني والبفاري في ألمانيا.

واذ انتشر نظام الدولة الأقليمية في مختلف أنحاء العالم الفقير والمستغل إستعمارياً بعد الحرب العالمية الأولى، برزت مشاكل عديدة في شأن القبول بحدود الأقاليم، التي وضعت معظمها من قبل الدول الإستعمارية نفسها، وفي شأن توافق السكان الذين وجدوا أنفسهم فجأة في حدود أقاليم لا تتفق في كثير من الأحيان مع انقساماتهم الرأسية الى إثنيات وطوائف مختلفة في مجتمعات بدوية أو زراعية الإقتصاد. ويضع زيللر ثلاث مراحل لتشكل الهويات الوطنية في العالم الثالث، أولها مرحلة وضع حدود الأقاليم من قبل القوة الإستعمارية، وثانيها مرحلة تشكل الحركات الوطنية، ثم مرحلة الدولة التي تقوم بوظيفة تشكيل الهويات الوطنية لسكانها من خلال سياساتها التطويرية[4]. ورأى فرانز فانون أن الحركات الوطنية في العالم الثالث تتشكل في رحم النضال ضد الإستعمار، غير أن النضال ضد الاستعمار، لا يكفي بحد ذاته لتشكيل الهوية الوطنية ،”وذلك لأن البورجوازية التي تتسلم السلطة بعد التحرير، تعمد إلى إحتلال موقع القوة الإستعمارية، فتلجأ إلى تعزيز المشاعر الإثنية والقبلية بهدف الحفاظ على مصالحها، وبذلك تكون الأمة أشبه بقبيلة كبيرة “. لذلك يلجأ فانون إلى “البروليتاريا الرثة” التي يَفترض بأنها ستعمد من خلال الصراع الطبقي ” إلى أقامة الأمة الحرة ذات الهوية الوطنية[5].

كذلك تعالج بعض النظريات مسألة تشكل الهوية الوطنية لدى السكان الأصليين في الأقاليم التي تتعرض للإستعمار الإستيطاني، حيث تكون الصعوبات التي يواجهها السكان الأصليون أكبر من صعوبات وتحديات عمليات مواجهة الإستعمار التقليدي الذي لا يهدف إلى البقاء في المستعمرات. يورد فان دين بيرغ، في هذا المجال، جملة من الخصائص التي تميز الدول الإستعمارية الإستيطانية، في مقدمتها رفض تحديد حدود الاقليم، حيث يظل السعي قائماً لتوسيع رقعته، واستمرار الهجرة من وإلى الدولة الإستيطانية، وسيادة الأيديولوجيا، واعتماد الدولة على القوة العسكرية، إضافة إلى تزايد التحامها بدولة كبرى، وبخاصة إذا ظل الصراع قائماً بين المستوطنين والسكان الأصليين[6]. كذلك رأى تومبسون أن الصراع بين السكان الأصليين والمستوطنين يكون صراعاً بين قومية المستوطنين وقومية محلية كامنة، ويصف هذا الصراع بأنه ذو طبيعة مصيرية لا ينتهي إلا بعد تمكن أحد الطرفين من استيعاب الطرف الاخر أو القضاء عليه[7]. غير أن هناك من يرى أن قطع الصلة بين المستوطنين والدولة الأم الكبرى من شأنه أن يحول الصراع من صراع مصيري إلى صراع عادي قابل للإستيعاب من قبل النظام السياسي الذي يعمد إلى إفراغ الصراع بأساليب مختلفة. وقد يكون ما حدث في جنوب إفريقيا بعد القضاء على نظام الأبارتهايد، تطبيقاً لهذه النظرية، بينما قد نجد في نظرية فان دبن بيرغ نفس ملامح الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

-2-

في الهوية الوطنية الفلسطينية :

قبل وصول المؤثرات الإقتصادية والفكرية الأوروبية، لم تكن مجتمعات الدولة العثمانية والمناطق العربية منها بشكل خاص، في حاجة لفكرة الهوية الوطنية. ولعل الوصف الذي قدمه شيفر للبيئة الأوروبية قبل انبثاق وتبلور مفاهيم الهوية الوطنية فيها، ينطبق تمام الإنطباق على البيئة العربية. فالصناعة متخلفة، والتجارة ضئيلة، والطرق وعرة، والأمية متفشية، والأفكار إن وجدت، بطيئة الانتشار. في مثل تلك الحالة من التخلف، ترعرعت الولاءات العشائرية والقبلية والطائفية والمللية، ولم يكن لمفهوم الوطن أي معنى إلا في حدود القرية أو المدينة. وفي إطار ذلك الواقع، كان هناك شبه إجماع في الأقاليم العربية، على القبول بسيادة الدولة العثمانية على مدى نحو أربعة قرون زمنية، باعتبارها دولة إسلامية. وكان معظم السكان يعّرفون أنفسهم بأنهم مسلمون، وينظرون إلى الدولة التركية العثمانية وكأنها استمرار للدولة العربية الإسلامية.

غير أن المؤثرات المادية والفكرية ما لبثت أن وصلت. وهناك من يحدد بداية وصول تلك المؤثرات بالغزو النابوليوني في عام 1798، غير
أن هناك من يرى في عهد سيطرة محمد علي محمد علي وابنة ابراهيم في عام 1831، وما أعقبه من تطورات، بمثابة البداية الفعلية لذلك التدفق من المؤثرات المادية والفكرية ولتفاعل البيئة المحلية معها.

فمنذ ذلك التاريخ، أخذت المنطقة تشهد تحولات إقتصادية – إجتماعية شملت تحسن وسائل المواصلات وازدهار الزراعة والتجارة، وظهور قوى إجتماعية جديدة وانتشار النظام الرأسمالي والاتجاه نحو تملك الأراضي وبدء انتشار المدارس. ولم تكن تلك التحولات نابعة من قدرات أو متطلبات الدولة العثمانية ذاتها، وانما بفعل تغلغل القوى الأوروبية الاستعمارية وتدفق رؤوس أموالها وارتهان الدولة العثمانية للديون وظهور نظام الإمتيازات الذي حصلت القوى الأوروبية بموجبة على حرية التدخل في مختلف شؤون الدولة التركية، وعلى حق منح الإمتيازات الإقتصادية والاجتماعية لفئات دون أخرى، حيث ما لبثت الفئات الإجتماعية الجديدة أن تحولت في معظمها إلى بورجوازية كومبرادورية ذات مصالح تجارية مرتبطة بالقوى الأوروبية.

وقد فرضت كل تلك التطورات الإقتصادية والاجتماعية على السلطة العثمانية مواكبة الأحداث، فبدأت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر بإصدار القوانين والقرارات التي أدى بعضها إلى إحداث تحولات جذرية في بنية الدولة، في مقدمتها قانون تساوي المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن انتماءاتهم المللية، وقانون ملكية الأرض، وقانون الجنسية العثمانية، بالإضافة إلى العديد من القرارات التي أدت إلى إضعاف سلطة شيوخ ومخاتير القرى وإخضاع مناطقهم المغلقة للمؤسسات الحكومية وربطهم بعواصم الوحدات الأدارية، وإجبار الفلاحين على تسديد ضرائبهم بالنقود، مما اضطرهم إلى وضع منتوجاتهم في أسواق المدن والارتباط بزعاماتها[8].

في سياق كل تلك التطورات، كان تشكيل متصرفية القدس في عام 1871 حدثاً حاسماً من حيث توفير المقدمات الموضوعية لتبلور مفهوم هوية وطنية فلسطينية. فبغض النظر عن الأسباب التي دفعت السلطة العثمانية إلى تشكيل هذه المتصرفية، فقد تمتعت المتصرفية منذ تشكيلها بمستوى متقدم من الحكم الذاتي، وربطت مباشرة بالسلطان العثماني، وضمت لدى أول تشكيل لها كل ما عرف لاحقاً بفلسطين الإنتدابية، – القدس، غزة، يافا، نابلس وعكا ، وذلك بعد أن كانت قبل ذلك لا تعدو أن تكون سنجقاً تابعاً لولاية دمشق التي كانت قد اكتسبت أهميتها كمركز تجمع للحجيج. هكذا تبلورت في المتصرفية نواة سياسية أخذت تشارك في النشاط السياسي على مستوى الدولة العثمانية، وارتبط الزعماء المسلمون بالوظائف الحكومية والمحاكم الشرعية، وأدت التطورات الإقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المتصرفية أسوة ببقية مناطق الدولة العثمانية، إلى تعزيز الترابط بين المدن من جهة وبين المدن والقرى من جهة أخرى، ليس فقط في حدود المتصرفية، وإنما بين المتصرفية ولوائي نابلس وعكا، حيث أصبح ميناء يافا مركزاً للحركة التجارية المزدهرة إلى حد ذكر فيه أن صادرات ميناء يافا قد شكلت في عام 1890 نحو ضعف الوارادات[9].

من جهة ثانية، أدى موقع متصرفية القدس بين القاهرة وبيروت إلى تعرضها للمؤثرات المختلفة، في مقدمتها المؤثرات الثقافية التي أخذت تتفاعل في هاتين المدينتين بشكل خاص. فخلال أواخر النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ونتيجة لما أفرزه وصول الأفكار الأوروبية من إحتدام فكرى، ظهرت عدة تيارات فكرية سياسية، أهمها التيار الأسلامي والتيار القومي العربي والتيار الوطني.

رفض التيار الإسلامي الأفكار القومية والوطنية الأوروبية ودعا الى التمسك بالهوية الإسلامية والحفاظ على الدولة العثمانية، لأن الأوروبيين، وفقاً لزعيم هذا التيار الشيخ رشيد رضا ( 1865 – 1935) “قد استبدلوا دينهم بمبدأ القومية لأنهم لم يجدوا مبدأ الوحدة والولاء في دينهم”. أما بالنسبة للطوائف غير المسلمة، فقد رأى الشيخ رضا أن وضعها ضمن الدولة الإسلامية هو أفضل من وضع الاقليات القومية في الدول الأوروبية، وذلك “لأن الكراهية بين القوميات أشد من الكراهية بين الأديان، ولأن التضامن القومي يفرق والعدل يقيم الروابط”[10].

أمنا التيار القومي، فقدم تعريفاً قومياً إثنياً لأمة عربية، مستمداً أفكاره من الفكر العربي الإسلامي الوسيطي، ومن المفاهيم الألمانية الحديثة الخاصة بالأمة والدولة القائمة على الإثنية، مؤسساً بذلك لكل النظريات القومية العربية التي ظهرت في القرن العشرين. فالعرب، وفقاً للمنظر الأكبر لهذا التيار، الشيخ عبد الرحمن الكواكبي (1849 – 1903) “أمة، واللغة هي الرابطة الأولى بين العرب، كما تربطهم رابطة الجنسية، بل هم أحفظ الأقوام على جنسيتهم وعاداتهم، كما تربطهم رابطة الوطن “. وبما أن الاسلام هو أحد المكونات الأساسية للأمة العربية، “فعلى العرب تعريب الإسلام”. والوطن العربي بالنسبة للكواكبي يشمل الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام وشمال إفريقيا. كما دعا الكواكبي إلى أن تكون الدولة العربية نيابية إشتراكية، وذلك “لأن تعاليم القرآن مشتبهة لما تدعو إليه أوروبا من حكومة نيابية إشتراكية”[11].

أما التيار الوطني، فدعا الى إقامة دول علمانية على غرار الدول الأوروبية، مستمداً إطاره النظري من الافكار الفرنسية بدرجة رئيسة. وقد ظهرت في هذا التيار منذ أواخر القرن التاسع عشر حركتان رئيستان هما الحركة المصرية والحركة السورية. كان الشيخ رفاعة الطهطاوي أول من نظر لفكرة الهوية الوطنية المصرية متأثراً بالأفكار الفرنسية بدرجة رئيسة وبخاصة بنظرية مونتسيكيو للبيئة، حيث تحدث عن أثر البيئة التي منحت المصريين خصوصية ميزتهم عن كل ما حولهم، ووجد أنه “حتى أجساد المصريين الحاليين ومزاجهم هي نفس أجساد ومزاج المصريين القدامى”. غير أن هذا الانتماء التلقائي للإقليم والجماعة ليس كافياً بحد ذاته، اذ يتحتم على المصريين، وفقاً للطهطاوي ،” أن يحبوا هذا الأقليم حباً إيجابياً وأن يمنحوه ولاءهم التام، فزمن الانتماء السلبي قد ولىّ. “ولا يتم ذلك إلا من خلال” منظومة الحقوق والواجبات من جهة، والتثقيف من جهة أخرى”. تكاد تكون دولة الطهطاوي نسخة من الدولة الفرنسية باستثناء أن الدين الإسلامي هو هويتها الثقافية، وذلك لأن الطهطاوي لم يجد فرقاً “بين مبادئ الشريعة الإسلامية ومبادئ القانون الطبيعي” الذي قامت عليه القوانين الأوروبية[12].

ولم يهيا لأي من التيارين الديني والقومي التبلور والتطور في تلك الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى وأعقبتها ، إلا اذا اعتبرنا الحركة العربية التي قادها بعض الضباط العرب الذين اتصلوا بالشريف حسين لتزعم حركتهم خلال الحرب ، والتي تمخضت عن مراسلات حسين – مكماهون في عام 1916، إحدى تجليات التيار القومي على الرغم من اقتصار تلك الحركة إقليمياً على القسم الشرقي من المنطقة العربية .

عملت عدة مبررات موضوعية باتجاه ظهور وتبلور الحركة الوطنية المصرية، في مقدمتها تمتع مصر منذ العصور القديمة بهوية إقليمية معرّفة وواضحة، وبسيادة سياسية غطت العديد من القرون، هذا بالاضافة الى أن مصر قد تحولت منذ عام 1840  إلى ولاية ذات إستقلال ذاتي في إطار الدولة العثمانية، وصدر لها قانون التبعية المحلية المصرية في عام 1867. ولعل أهم ما ميز الحركة الوطنية المصرية ودفع باتجاه تطورها ورسوخها هو أنها قد تحولت منذ نشأتها إلى حركة وطنية تحررية ضد الإحتلال البريطاني لمصر منذ عام 1881.

غير أن العديد من التساؤلات والاشكاليات ما لبثت أن أحاطت بالدعوة الثانية المتمثلة في الدعوة إلى وطن سوري، وذلك في ضوء أن التاريخ لم يعرف إقليماً سورياً ولا سيادة سورية أو أية سمة من السمات التي تميز إقليماً أو جماعة بشرية عن بقية المنطقة العامة الممتدة بين وادي الرافدين ووادي النيل.باستثناء ما كان يحدث من تقسيمات ادارية. ويقرّ دعاة هذه الحركة بذلك كما يتضح في النص التالي المكتوب في عام 1912:

” إن الأمة السورية موجودة بحكم الطبيعة والتاريخ، غير أنها لم تتمتع في يوم ما بأيه وحدة إجتماعية أو سياسية، وذلك لسببين، أولهما الاختلاف في الأصول والعادات، وفوق كل شيء في المعتقدات، وثانيهما أنه لم يكن لها في يوم من الأيام حكومة قومية، بمعنى سلطة سياسية واحدة يقبلها الناس ويخدمون مصالحها. غير أنه يجب أن تقوم هذه الحكومة، وعلى مبادئ الديمقراطية واللامركزية، كما يجب أن يقوم دستورها على أساس فيدرالي يضم مناطق حكم ذاتي، وتكون الغالبية السكانية في كل مقاطعة مؤلفة من الجماعة الإثينة أو الدينية المستقرة فيها. ضمن هذه الإطار، يمكن خلق قومية سورية ذات لغة عربية”. على الرغم من ذلك، فإن كاتبي هذا المقال يجدان أن مثل هذه القومية أو الأمة، تتطلب وقتاً طويلاً قبل أن يتم القضاء على الولاءات الدينية المتعددة، لذلك فقد اقترحاً أن يتم أولاً تشكيل لبنان بعد أن يتم توسيع حدوده لكي يكون نموذجاً للوحدة الوطنية السورية المقبلة، “وحين يتم ذلك، يعود لبنان إلى ولاية من ولايات الدولة السورية”[13].

 

المواقف الفلسطينية من التيارات الفكرية :

على الرغم من وجود نخب سياسية وثقافية فلسطينية أيدت الاصلاح في إطار الدولة العثمانية منذ دستور عام 1877 العثماني الذي نص على تحول الدولة إلى دولة دستورية حديثه يتساوى فيها الترك والعرب والمسلمون والمسيحيون بحقوق متساوية، فإن التيار العام في متصرفية القدس كان تياراً متديناً محافظاً أقرب الى التيار الأسلامي الداعي الى اعتبار الإسلام متغيراً أساسياً للانتماء. وقد يكون ذلك نابعاً من عدة إعتبارات في مقدمتها طبيعة مدينة القدس الدينية وما حدث من تعزيز لموقعها الديني مع تشكيل متصرفية القدس. هذا بالإضافة إلى أن الغالبية العظمى من السكان كانوا فلاحين غير مالكين للأرض ومتدينين بحكم وظيفتهم الإقتصادية، حيث لم تكن الدولة العثمانية بالنسبة لهم قوة إستعمارية بقدر ما كانت تمثل تجسيداً لسلطة الاسلام.

كذلك لقي التيار القومي العربي تجاوباً في صفوف النخبة الثقافية، وازدهر الإهتمام باللغة العربية كمقوم أساسي من مقومات القومية العربية، على الرغم من عدم ظهور مفكرين مرموقين في صفوف تلك النخبة في إطار متصرفية . وفي ضوء أن البورجوازية الوطنية والكومبرادورية هي التربة الخصبة للأفكار الوطنية، فقد اتسمت البرجوازية الفلسطينية بالسمة الوطنية أكثر من السمة الكومبرادورية وذلك في ضوء أنها لم تتلق دعماً من قوة إستعمارية على النحو الذي حدث في جبل لبنان وولايتي بيروت ودمشق، وكانت في بداياتها أقرب إلى التيار القومي منها إلى التيار الوطني التجزيئي.

غير أن ظهور وتصاعد الحركة الداعية إلى وطن سوري، وبخاصة بعد انقلاب 1908 في الدولة العثمانية، ما لبث أن دفع باتجاه تعزيز مفاهيم الهوية الوطنية الفلسطينية، حيث اتضح أن مفهوم سورية على النحو الذي طرحته النخب الثقافية والسياسية في ولايتي بيروت ودمشق لا يشكل مرادفاً لبلاد الشام على أقل تقدير، بل هو صيغة سياسية أخذت تتجه نحو استثناء ما أصًبح يعرف بفلسطين.

يفسر ألبرت حوارتي ظهور الدعوة السورية على أنها حالة اضطرارية نبعت من ضرورة إيجاد صيغة موسعة للبنان. فمنذ أن عمدت السلطة العثمانية إلى انشاء متصرفية جبل لبنان في عام 1861 نتيجة ضغوط فرنسية، تخوف المسيحيون الأورثوذكس في ولايتي بيروت ودمشق من تحول تلك المتصرفية إلى دولة تخضع المسيحيين الأورثوذكس لهيمنة الموارنة الكاثوليك. لذلك دعا المسيحيون الأورثوذكس الى قيام كيان أوسع من متصرفية جبل لبنان. وكان أول تعبير عن هذه الدعوة إصدار بطرس البستاني لصحيفة “نفير سورية” في أوائل السينات، حيث ما لبثت أن انضمت إلى هذه الدعوة نخبة سياسية وثقافية مسلمة. كما أن الموارنة الكاثوليك ما لبثوا هم أيضاً أن أيدوا هذه الصيغة الجديدة المدعومة فرنسياً ،وذلك تخوفاً من التيارات القومية والإسلامية ومن احتمال قيام كيان عربي إسلامي واسع حول الكيان الماروني. فكان الهدف من الدعوة السورية هو الحيلولة دون قيام كيان عربي إسلامي على النحو الذي دعا إليه الكواكبي، أو أي كيان آخر يضم الجناح الشرقي من المنطقة العربية على أقل تقدير[14].

مقارنة بذلك، فإن أحد العوامل التي أدت الى تعزيز مفهوم الهوية الوطنية الفلسطينية، هو عدم وجود مثل ذلك التنافس والانقسام بين المسلمين والمسيحيين الكاثوليك والأرثذوكس على النحو الذي حدث في ولاية بيروت وجبل لبنان. ففي متصرفية القدس ولوائي نابلس وعكا، تشكلت التركيبة السكانية من غالبية مسلمة ، إضافة إلى أقلية مسيحية تألفت في غالبيتها العظمي من مسيحيين أرثوذوكس معظمهم فلاحون على غرار غالبية المسلمين. وكان المسيحيون يتوزعون سكانياً بين المسلمين في أكثر من سبعين قرية ومدينة ولم يشكلوا أغلبية في أية منطقة من المناطق، حيث أدى ذلك التناثر السكاني إلى تماثلهم مع بقية السكان في العادات والتقاليد واللهجة واللباس والهموم والتطلعات. وكان الأرثوذكس ينتمون إلى كنيسة خاصة بهم مقرها القدس، بينما كان الأرثوذوكس في بقية بلاد الشام ينتمون لكنيسة أنطاكية[15].

غير أن التوجه نحو بلورة مفهوم هوية وطنية فلسطينية ما لبث أن تلقى دفعة حاسمة أخرى، تمثلت في اتجاه حزب اللامركزية في ولايتي بيروت ودمشق،  ذلك الحزب الذي جسد الدعوة إلى وطن سوري، إلى التعاون مع الحركة الصهيونية، وهو الأمر الذي ما لبث أن ألقى الضوء على الأغراض الكامنة وراء استثناء “فلسطين” من سورية. ففي 23/1/1913، عقد أول اتفاق بين زعماء حزب اللامركزية الذين كانوا يقيمون في القاهرة والحركة الصهيونية، ونص على ما يلي :

أولاً : إن لجنة القاهرة (اللامركزية) إذ تؤيد من حيث المبدأ، الهجرة اليهودية إلي سورية وفلسطين، وقيام وفاق مع الصهيونيين، فإنها سوف تقوم بدور كبير من أجل العمل على ايجاد تقارب بين العالم العربي والعالم الصهيوني،  وايقاف الحملات الشفوية والصحفية القائمة حالياً في العالم العربي حول الهجرة اليهودية، التي تمنع التقارب العربي – الصهيوني.

ثانياً : وبالمقابل، فان تركيا الفتاة تقوم بواجب مساندة قضية الحركة العربية طالما تظل متمسكة بالوحدة والاندماج ضمن الإمبراطورية.  وستقوم تركيا الفتاة بكل إمكانياتها بحث الصحف الأوروبية – الألمانية خاصة – التي لها معها علاقة على القيام بالمثل[16].

هكذا بدا واضحاً “للفلسطينيين”، الذين كانوا يشنون نضالهم الكفاحي والسياسي ضد الهجرة والإستيطان الصهيوني في متصرفية القدس ولوائي عكا ونابلس، أن البورجوازية السورية بسياسييها ومثقفيها، قد أخذت تتطلع إلى المكاسب المادية التي يمكن  للحركة الصهيونية تقديمها لها إذا ما وافقت على استيطان اليهود في فلسطين. وكانت تلك التخوفات قد أخذت في التبلور منذ الأطاحة  بالسلطان عبد الحميد الذي حاول الوقوف أمام الهجمة الاستيطانية لليهود، ووصول حزب الإتحاد والترقي المؤيد للحركة الصهيونيةللحكم في عام 1908. وهاهي الآن تتعزز بمواقف حزب غير تركي[17].

وقد جاء انعقاد ما سمي بالمؤتمر العربي الأول في حزيران 1913، لكي يضع اللمسات الأخيرة على مسألة بلورة هوية وطنية فلسطينية وهوية وطنية سورية. اذ تشير وثائق هذا المؤتمر الذي عقدة حزب اللامركزية وجمعية بيروت الإصلاحية في باريس في حزيران 1913، إلى عدم اعتبار فلسطين جزءاً من “سورية”.  وقد انعكس ذلك في عضوية المؤتمر الذي حضره أربعة وعشرون عضواً عاملاً جميعهم من ولاية دمشق ومتصرفية جبل لبنان والقسم الشمالي من ولاية بيروت[18]، ولم يسمح للعضو الفلسطيني الوحيد الذي حضر المؤتمر، وهو عوني عبد الهادي،  بإلقاء كلمته بحجة أنه قد عين سكرتيراً للمؤتمر[19]. وقد تجاهل المؤتمرون فيض الرسائل التي وصلتهم من فلسطين والتي عبر فيها مرسلوها عن احتجاج الفلسطينيين على الاستيطان الصهيوني وعلى تعاون اللامركزية مع الحركة الصهيونية. ولدى مناقشة المؤتمر لموضوع الهجرة، قال الشيخ أحمد طبارة أحد زعامات حزب اللامركزية في كلمته، ” أما الهجرة إلى سورية، فإن الكل مختلف في أمرها، فجماعة تعارضها، وترى فيها خطراً على عادات أهل البلاد من الوافدين الجدد، وجماعة أخرى لا تعارضها وترى أنها ربما تفيد سورية لأن العرب عرفوا باستيعابهم للأمم الوافدة عليهم “، واستطرد قائلاً بإن رأية الخاص هو ” أن ترحب البلاد بالقريب والبعيد”[20]. في ختام المؤتمر، أبرق ممثل الحركة الصهيونية، الذي حضر المؤتمر كمراقب :” نتائج طيبة كان الأشخاص الأكثر نفوذاً في الحركة والذين يشكلون هيئة رئاسة المؤتمر، يؤيدون الاستيطان اليهودي”[21].

لقد أدت كل تلك العوامل، بدءاً بتشكيل متصرفية القدس، مروراً بالتطورات الاقتصادية وطبيعة التركيبة السكانية المسلمة والمسيحية، والنضال ضد الهجرة والاستيطان الصهيوني، وانتهاء بتحديات الحركة الوطنية السورية المتعاونة مع الحركة الصهيونية، أدواراً مختلفة في توفير مقدمات تبلور مفهوم الهوية الوطنية الفلسطينية بين عامي 1871 و1914.

فما إن جاء عام 1914 حتى كانت الساحة مهيأة لما أطلق عليه حينئذ إسم “مبدأ تاريخ نهضة فلسطين”، وصار الإنتساب والانتماء إلى “فلسطين” أمراً شائعاً. وكانت الصحف المطبوعة والخطية قد أخذت في الظهور منذ عام 1908، في مقدمتها الكرمل وفلسطين. كما تشكلت منذ ذلك الحين، العديد من الجمعيات والإتحادات التي تحمل إسم فلسطين، منها جمعية الإقتصاد الفلسطيني، وجمعية التجارة الوطنية، وإتحاد طلبة الأزهر الفلسطينيين، والشبيبة الفلسطينية في الآستانة وغيرها[22].

وعلى الرغم من صعوبة التنبؤ بما كان يمكن أن تسفر عنه تلك التطورات لو لم تقم الحرب العالمية الأولى، فقد يكون صحيحاً القول أن الحرب قد أتت في وقت لم تكن فيه تلك التطورات قد تبلورت على شكل حركة وطنية فلسطينية قادرة على الصمود أمام التحديات التي أفرزتها الحرب.

 [1]  Shafer, b., Nationalism, Myth and Reality, U.S.A. 1955, p.38.

[2] Ibid.

[3]  Hayes, c., The Historical Evolution of Modern Nationalism, U.S.A., 1931, p.238.

[4]  Tibi, B., Arab Nationalism, London, 1981, p.196.

[5] فرانز، فانون ، “المعذبون في الأرض” ترجمة سامي  الدروبي دار الطليعة، بيروت، 1966 .

[6] مجدي، جماد، النظام السياسي الاستيطاني، الدار المتحدة للنشر، بيروت، 1973، ص105 .

[7]  نفس المصدر السابق، ص 106.

[8] للمزيد من المعلومات حول الاوضاع في الدولة العثمانية، انظر :

  • هير شلاغ ، مدخل الى التاريخ الاقتصادي للشرق الاوسط ترجمة مصطفي الحسيني، بيروت، 1973.
  • عبد العزيز محمد عوض، الادارة العثمانية في ولاية سورية 1864 – 1914، دار المعارف، القاهرة، 1969.
  • . Tibawi, A.L., A modern History of Syria, London, 1969
  • ساطع الحصري ، البلاد العربية والدولة العثمانية ، بيروت ، 1969 .

[9] هيرشلاغ ، مصدر سابق ، ص152.

[10] Hourani, A., Arabic Thought in the Liberal Age, London, 1970, p.222.

[11] عبد العزيز الدوري ، التكوين التاريخي للأمة العربية، مركز دراسات الوحدة بيروت، 1980، ص169.

[12] رفاعة الطهطاوي ، مناهج الألباب المصرية في مباهج الأداب العصرية ، طبعة جديدة ، مؤسسة الدارسات العربية ، بيروت ، 1973، ص432.

[13] Hourani, op. cit., p.206.

[14] Ibid., p.207.

[15] Abu Manneh, B., The Rise of the Sanjak of Jerusalem, in Ben Dor, The Palestinians in the M.E. Conflict, London, 1979, p.25.

[16]   Mandel, Turks, Arabs and Jewish Immigration into Palestine, St. Antoney`s Papers, No.13, Middle Eastern Affairs, No.4, pp. 77-108

وكذلك في خيرية قاسمية، النشاط الصهيوني في المشرق العربي وصداه مركز الأبحاث، م.ت.ف، بيروت، 1973، ص 166. تقول قاسمية بأن الاتفاق قد تم شفوياً ونشر في الصحف، بينما يوردة مانديل كوثيقة مكتوبة.

[17]  حول كل المناقشات والمقالات التي كتبت حول الموضوع بين عامي 1911 – 1914، انظر خيرية قاسمية، المصدر السابق، ص ص 131 – 147 .

[18] تاج السر أحمد حران ، تطور الفكر القومي العربي من خلال العلاقات العربية  التركية ، معهد البحوث والدراسات العربية ، بغداد ، 1983، ص 88 – استناداً الى محب الدين الخطيب ، وثائق المؤتمر العربي العربي الأول ، القاهرة ، 1913.

[19]  Hourani, A., 208.

[20] خيرية قاسمية، مصدر سابق ، ص 171.

[21]مصدر سابق.

[22] نفس المصدر، ص172.