الخريطة النووية وتداعياتها الاقليمية

الصفحة

 

أسيا النووية خلال الحرب الباردة

دراسة أولية

1998

 

سلافة حجاوي

 

على الرغم من التوجه العام الذي تبنته القوى المنتصرة في الحرب الباردة بشأن تقليص، إن لم يكن تدمير، أسلحة الدمار الشامل ووسائل إيصالها، ووضع حد لسباق التسلح وتوفير الأموال التي تصرف عليه لخدمة التنمية الإنسانية ، أتت التجارب النووية التي أجرتها الهند وباكستان في أيار 1998 لتؤكد على أن ذلك التوجه لا يشمل الجميع دون تمييز ، وأنه يجوز للبعض مالا يجوز لغيرهم ، وأنه إلى جانب الدول الخمس المعترف بها من قبل الدول النووية ذاتها بأنها دول نووية، هناك ثلاث دول ثانوية تحظى باعتراف ضمني بها كدول نووية في إطار النظام العالمي الجديد ، وهي إسرائيل والهند وباكستان .

فمع انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي، بدا واضحا أن مراجعة لابد وأن تحدث لمفردات الخريطة النووية العالمية التي تشكلت سابقاً في سياق الصراع الدولي ثنائي القطبية ، وأن متطلبات جديدة لابد وأن تفرض نفسها على النحو الذي يتلاءم والنظام الدولي الجديد القائم على القطبية الواحدة ، والذي تتمثل أولى مهماته في ، الحيلولة دون عودة نظام القطبية الثنائية أو قيام نظام قائم على تعددية القوى .

وبالفعل ، كان أول إجراء تم اتخاذه فور انتهاء الحرب الباردة وتفكك الأتحاد السوفيتي ، هو إعادة رسم الخريطة النووية الأوروبية ، حيث باشرت الولايات المتحدة عملية تجريد جميع الدول التي استقلت عن روسيا من أسلحتها ومنشآتها النووية ، فتم الاتفاق مع روسيا على نقل ما يمكن نقله من الأسلحة النووية الى الأراضي الروسية ، وتدمير ما يمكن تدميره . وما إن جاء العام 1996 ، حتى كانت أراضي تلك الجمهوريات ، وفي مقدمتها أوكرانيا وبيلوروسيا وكزاخستان ، خالية من السلاح النووي.

أما الخطوة الثانية ، فتمثلت في دراسة إمكانية تمدد حلف الناتو نحو الشرق  . وقد تمخضت المناقشات المطولة عن إقرار صيغتين ، الأولى هي توسيع الحلف لكي يشمل بعض دول شرق أوروبا كخطوة أولى ، والثانية هي عقد ما أصبح يعرف باتفاقات “الشراكة من أجل السلام” مع جميع الدول التي سوف لا تنضم للحلف الأطلنطي في هذه المرحلة . هكذا تم في العام 1997 إقرارا إنضمام كل من بولنده وتشيكيا وهنغاريا للحلف في عام 1999 ، كما تم حتى أواخر العام 1997 عقد اتفاقات شراكة مع جميع الدول الأخرى ، بدءاً من الدول الأوروبية الشرقية ، مروراً بدول البلطيق ، ثم دول بحر قزوين ، وصولاً الى طاجكستان وقيرغيزستان .

وتكمن أهمية هذه الانجازات في ان جميع هذه الدول قد اصبحت دولاً خالية من السلاح النووي ، الآن وفي المستقبل المنظور وفقاً للاتفاقات ، بينما تكون المظلة النووية الأطلنطية ملتزمة بالدفاع عنها وحمايتها من أي خطر خارجي . وبذلك تكون الأسلحة النووية السوفيتية ، القصيرة ومتوسط المدى قد جردت من وظيفتها الردعية  الإقليميـة .

ولدى النظر الى بقية مناطق العالم ، يتضح بأن جميع دول الأمريكيتين، بعد إعلان البرازيل والأرجنتين في أواخر الثمانينات عن تخليهما عن برامجهما  النووية، وبعد الاتفاق الذي تم بين جميع دول أميريكا اللاتينية على جعل القارة منطقة خالية من الأسلحة النووية ، قد أصبحت مرتبطة بحماية المظلة النووية للولايات المتحدة . وفي ضوء أن المظلة النووية الأميريكية  هي العنصر النووي الرئيس الذي يرتكز عليه حلف الناتو ، فإن المظلة النووية الأميريكية غدت تهيمن على مجال يمتد من حدود الباسفيك الى وسط أسيا ، الى جانب المناطق الأخرى التي تنتشر فيها لأغراض محددة كحماية اليابان .

أما القارة الأفريقية ، فقد تقرر مصيرها كمنطقة خالية من السلاح النووي منذ أن أعلنت جنوب افريقيا في العام 1993 عن تخليها عن برامجها وأسلحتها النووية، وقيامها بتدمير جميع القنابل التي في حوزتها . وقد تدعم هذا الاتجاه بتبني منظمة الوحدة الافريقية قرار جعل إفريقيا منطقة خالية من السلاح النووي .

ولكن المشكلة ما زالت قائمة بالنسبة لأسيا بمختلف مناطقها : شرق أسيا والشرق الأوسط ، حيث يبدو أن الأتجاه الراهن في النظام الدولي الجديد هو الابقاء على آسيا منطقة انتشار نووي ، وانما بعد إعادة تشكيل خريطتها واعادة تحديد وظائف الدول النووية فيها .

ارتسمت الخريطة النووية لشرق آسيا في سنوات الحرب الباردة بفعل القطيعة التى حلت بين الاتحاد السوفيتي والصين في أواخر الخمسينات . وكان السلاح النووي أحد الأسباب الرئيسية في تلك القطيعة الناجمة عن إمتناع الاتحاد السوفيتي عن المضي قدماً في مساعدة الصين على تطوير برنامجها النووي ، حيث ما لبثت الصين أن مضت قدماً في برنامجها وأجرت أول تجربة لها في العام 1964 . ومنذ ذلك الحين برز على ساحة شرق أسيا ثلاثة لاعبين نووين ثانويين كانوا نتاج التنافس السوفيتي – الصيني .

أول هؤلاء اللاعبين هو كوريا الشمالية التي أقامت علاقتها مع الصين أو مع الاتحاد السوفيتي  وفقاً لما كان يقدمه هذا الطرف أو ذاك لها لتطوير برنامجها النووي . هكذا حصلت كوريا الشمالية من الطرفين على التكنولوجيا النووية والمساعدات  إلى أن اكتفت ، فاتخذت موقفاً استقلالياً من الطرفين . حتى أوائل التسعينيات، كانت كوريا الشمالية تملك برنامجاً نووياً ضخماً غير معلن ، إضافة الى صناعة صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى  تكفي للوصول الى كوريا الجنوبية واليابان والصين وشرق الاتحاد السوفيتي ، وتعالج مشاكلها المالية ببيع تكنولوجيا الصواريخ والأسلحة النووية لكل من يدفع .

أما اللاعب الثانوي الثاني فهو الهند . إن التنافس التاريخي بين الهند والصين قد جعلها محط أنظار المعسكر الاميريكي والمعسكر السوفيتي على حد سواء . ففي أواسط الخمسينيات ، حين بدا وكأن تحالفاً إستراتيجيا آخذ بالتشكل بين الدولتين الاشتراكيتين ، الصين والاتحاد السوفيتي ، إتجه الغرب الى تشكيل معادل موضوعي لمثل هذا التحالف ، وذلك بالسعي لترفيع مكانة الهند وتصعيد وظيفتها الأقليمية . هكذا أوعزت الولايات المتحدة لكندا في عام 1956 ، بتزويد الهند بمفاعل نووي ، بينما وفرت الولايات المتحدة  الماء الثقيل للمفاعل . كان ذلك نواة البرنامج النووي الهندي ، الذي لم يقدر له الأزدهار السريع بفعل ما حدث من تطورات سياسية ، بالاضافة الى الضعف الداخلي للهند . فالاقتراب الغربي من الصين الذي بدأ في أواخر الستينات والذي وصل أوجه في أوائل السبعينيات حين قام الرئيس نيكسون بزيارة الصين واعترف بها رسمياً لأول مرة ، وتم ضمها فوراً الى مجلس الأمن كعضو دائم ، قد أصاب الهند بخيبة كبيرة ما لبثت أن أدت بها الى فك ارتباطها بالغرب والتوجه نحو الاتحاد السوفيتي . غير أنه اذا كانت الهند قد حصلت على بعض الدعم من الاتحاد السوفيتي لبرنامجها النووي الخاص ، فهو دعم لم يكن كافياً لانطلاقة كبيرة ، حيث يبدو أن الاتحاد السوفيتي قد فضل تزويد الهند بحماية المظلة النووية السوفيتية خوفاً من انقلابها عليه مرة اخرى ، هذا بالأضافة الى أن الهند لم تكن ذات نظام اشتراكي .  ومع ذلك ، أجرت الهند أول تجربة لها في العام 1974 وهي تجربة وصفتها بأنها سلمية ، ينما واصلت عملها على تطوير برنامجها النووي على نحو غير معلن.

أما باكستان ، فقد عُرفت على مدى سنوات الحرب الباردة بأنها جزء من المنظومة العسكرية للغرب في وجه الاتحاد السوفيتي وذلك منذ تشكيل حلف بغداد في العام 1955 . وقد تعزز ذلك التوجه لدى باكستان بعد الاقتراب الهندي من الاتحاد السوفيتي ، وذلك لأسباب لا تتعلق بخدمة الأهداف الغربية بقدر ما تتعلق بالعداوة التاريخية بين باكستان والهند . هكذا انطبقت في شرق آسيا تلك المقولة الساذجة : عدو عدوي صديقي، التي أدت وبموافقة المعسكر الغربي ، على قيام الصين بدعم البرنامج النووي الباكستاني . وبذلك أصبحت باكستان لاعباً نووياً ثانوياً آخر في شرق أسيا . فالبرنامج النووي الباكستاني موجه للهند ، والبرنامج الهندي موجه للصين ،والبرنامج الصيني موجه للاحاد السوفيتي ،والبرنامج السوفيتي موجه في جزء منه نحو الصين وباكستان .

أما في الشرق الأوسط ، فقد اختلفت القصة في بعض حيثياتها ، حيث أن قيام فرنسا بتزويد إسرائيل في العام 1956 بمفاعلين نوويين، قد تم في سياق التنافس داخل المعسكر الغربي ذاته . ففي حين كانت السياسة الأميريكية في الخمسينيات تميل إلى تهدئة الأوضاع في المنطقة العربية ، والحيلولة دون تأجيجها على نحو يتيح المجال للتدخل السوفيتي ، أربكت فرنسا الأوضاع ، وذلك في محاولة منها لكسب قاعدة لها في المنطقة على حساب الولايات المتحدة .  إن ما يذكر عن أن الولايات المتحدة لم تعلم بتزويد فرنسا إسرائيل بالمفاعليتن النوويين إلا  في العام 1960 قد يكون صحيحاً ، حيث ما لبثت الولايات المتحدة أن ربطت البرنامج النووي وإسرائيل نفسها بها منذ ذلك الحين .

الخريطة النووية الأسيوية الراهنة ووظائفها :                                                 

بينما كانت الولايات المتحدة منهمكة في ترتيب الوضع الناجم عن تفكك الاتحاد السوفيتي ، عمدت في الآن ذاته إلى ترتيب الوضع النووى في آسيا . فالصين قوة نووية لا يمكن المساس بها نظراً لاعتراف المجتمع الدولي بها كقوة نووية بفعل أنها قد انتجت قنبلتها النووية قبل البدء بوضع النظام الدولي النووي المتمثل بمعاهدة حظر الانتشار النووي NPT)) ، الى جانب أن البرنامج النووي الصيني قد مضى قدماً دون إرباك من جانب الولايات المتحدة  في ضوء الحاجة اليها كقوة مقابلة للأتحاد السوفيتي في شرق آسيا . لذلك اتجهت الولايات المتحدة مباشرة فور ظهور بوادر انتهاء الحرب الباردة في أواخر الثمانيات الى محاصرة كوريا الشمالية . فكوريا الشمالية من وجهة النظر الأميريكية ، تشكل دولة لا لزوم لها في هذه المرحلة من النظام الدولي الجديد ، وبرنامجها النووي موجه بدرجة رئيسة نحو كوريا الجنوبية ، بينما لم تزل  كوريا الشمالية متمسكة بالنظام الاشتراكي . بل إن الصين نفسها لم تعد بحاجة لها وتعتبرها عبئا ثقيلاً عليها. هكذا وبعد مفاوضات طويلة ، تم في العام 1993 التوصل بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية الى اتفاق على اغلاق المنشآت النووية الحربية الكورية مقابل تزويدها بمفاعلين نوويين للماء الخفيف للأستعمالات السلمية . ويشكك الكثيرون ، ومن بينهم وزير الخارجية الأميريكية الأسبق، جيمس بيكر ، في جدية هذا الاتفاق اللينّ الذي لا يضمن نهاية حاسمة للبرنامج النووي الكوري .

أما بالنسبة للهند وباكستان ، فلم يتم أتخاذ أي إجراء من قبل الولايات المتحدة للقضاء على البرامج النووية للبلدين المذكورين . بل إن كل ما فعلته الولايات المتحدة خلال التسعينات ، هو الضغط على الهند في عام 1995 من أجل عدم قيامها بتجربة نووية كانت تزمع القيام بها . وكان مسلماً به انه اذا ما قامت الهند بتجربة ، فان باكستان ستحذو حذوها . فالمعروف أن الهند وباكستان هما الدولتان الوحيدتان في العالم، اللتان لم توقعا على معاهدة  حظر الانتشار النووي (NPT) ، كما إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي وقعت ولم تصادق على معاهدة حظر إجراء التجارب النووية (CTBT) ،كما إنها من بين الدول الكثيرة التى لم توقع على نظام السيطرة على تكنولوجيا الصواريخ القادرة على حمل رؤوس غير تقليدية (MTCR) .

ولدى مراجعة حقيقة أن الولايات المتحدة لم تتخذ أي إجراء بالنسبة للهند وباكستان واسرائيل على النحو الذي اتخذته بشأن كوريا الشمالية والعراق وما تقوم به من تحذيرات لإيران من تطوير برنامجها النووي ، بالإضافة الى ما فعلته بشأن الجمهوريات المستقلة عن روسيا ، فقد بدا واضحا أن الملف النووي الأسيوي لن يغلق، وأن هناك وظائف جديدة للهند وباكستان وإسرائيل في الخريطة النووية الجديدةبالإضافة إلى مسألتي كوريا الشمالية وإيران.

 

تطورات الخريطة النووية في أسيا

 

 

تغير في وظيفة كوريا الشمالية :

هدف الاتفاق بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية الذي تم التوصل إليه في العام 1993 أولاً إلى ردع الأخيرة ومنعها من تصدير التكنولوجيا النووية والصواريخ القادرة على إيصال أسلحة غير تقليدية إلى دول أخرى في مقدمتها دول الشرق الأوسط . وذلك بعد تضاؤل التهديد النووي لكوريا الجنوبية من قبل كوريا الشمالية بفضل الاتفاق المذكور . وبدرجة ثانية ، فإن الولايات المتحدة قد لا تمانع في بقاء كوريا الشمالية كقوة نووية سرية على خاصرة الصين من جهة ،أو خاصرة روسيا من جهة أخرى . كما إن البرنامج النووي الكوري قد يشكل ذخراً استراتيجيا مستقبلياً لكوريا الموحدة – اذا جرت مفاوضات التوحيد بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية على النحو الذي تريده الولايات المتحدة .

 

2- ثبات وتعزيز لوظيفة الهند :

تظل وظيفة الهند الرئيسة بالنسبة للولايات المتحدة ، هي تشكيل معادل للقوة الصينية في شرق آسيا . فوظيفة الهند ازاء الصين هامة سواء كان ولاء الهند لروسيا أم للولايات المتحدة . غير أن الولايات المتحدة لن تسمح للهند بالاقتراب من روسيا مجدداً ، كما إن الهند سوف لا تجد ما يدعوها لمثل هذا الاقتراب  في ظروف الالم الراهنة.

 

3- تغير في وظيفة باكستان :

أخاف باكستان التطلع الهندي في فترة ما بعد الحرب الباردة لأن تكون قوة إقليمية موازية للصين ، بل وقوة عالمية بين نظام جديد تعددي القوى، كما تخشي أن تتم ترجمة التخوف الغربي من النهضة الكبيرة التى تحدث في الصين الى دعم قوي للهند على حساب باكستان الصغيرة نسبيا  والمتخلفة . غير أن سكوت الولايات المتحدة على البرنامج النووي الباكستاني وعدم محاصرته على النحو الذي حوصر فيه البرنامج الكوري الشمالي قد يكون ثمنه شرط ابتعاد باكستان عن الصين ، وقد يكون أن هناك وظيفة أخرى لباكستان تتجاوز علاقتها بالهند والصين وتتجه نحو الشرق الأوسط . فباكستان قد صنفت منذ قيامها في أعقاب الحرب العالمية الثانية كدولة شرق أوسطية ، بل والجناح الشرقي للشرق الاوسط ، وشكلت في ذلك الحين أحد اركان حلف بغداد الشرق أوسطي  .إن من شأن استعادة باكستان لمكانتها الشرق أوسطية أن يحل مشكلة توازن القوى على نحو يتلاءم والسياسة الأميريكية الجديدة . فترفيع مكانة باكستان الى قوة نووية شرق أوسطية يعني تحقيق التوازن النووى بين باكستان واسرائيل على نحو يحول دون تحقق سعى ايران لتحقيق التوازن مع اسرائيل . وبخاصة أن توازناً بين ايران واسرائيل سيظل مصدراً للقلق والاضطراب في منطقة الشرق الأوسط ، ليس فقط بسبب التخوف العام لدى دول الخليج العربية من دور إيراني مهيمن في الخليج وانما كذلك بسبب أن توازناً ايرانياً – إسرائيلياً يعني بشكل عام تقاسماً وظيفياً ايرانياً – إسرائيليا للمنطقة العربية ، قد لا ترتضيه إسرائيل التي تريد أن تظل هي المسيطر الوحيد في الشرق الأوسط.

 

ايران والعراق :

كانت القرارات المتخذة في مجلس الأمن بشأن القدرات التسليحية غير التقليدية للعراق في عام 1991 ، باكورة الأستراتيجيات الأميريكية بشأن الخريطة النووية العالمية . كما دلت عمليات  المتابعة الحيثيثة على مدى السنوات التالية لتنفيذ تلك القرارات بأن الخريطة النووية الجديدة لا تتضمن عراقاً نووياً ولا إيران نوويا. وكان العراق قد وقع على اتفاقية عدم نشر الأسلحة النووية في العام 1969، غير أنه كان قد سعى للحصول على مفاعل نووي  وحصل من الاتحاد السوفييتي على مفاعل صغير للأغراض السلمية ، ثم ما لبث خلال السبعينيات أن اتفق مع فرنسا على تزويده بمفاعل نووي وحصل عليه  في العام 1976 بعد زيارة الرئيس الفرنسي شيراك للعراق، واطلق عليه إسم تموز. غير أن المفاعل المذكور قد تعرض للقصف في العام 1981، وتضاربت الأنباء عن الجهة التي قامت بذلك . فقد ادعت إسرائيل بأنها هي التي قصفته، بينما قالت مصادر أخرى أن فرنسا هي التي قامت بذلك، وادعت مصادر أخرى بأن الولايات المتحدة هي التي قصفته وذلك ضمن اتفاق مع الرئيس العراقي صدام حسين على تدميره مقابل مساعدة الولايات المتحدة له في الحرب التي شنها  على إيران ، والتي كانت قد اندلعت في العام 1980. ومن المعروف أن إسرائيل ما كانت لتوافق على حصول العراق أو أية دولة في الشرق الأوسط على السلاح النوي، وذلك ضمن قرار أن تكون هي الوحيدة التي تملك مثل هذا السلاح في المنطقة. ومن المرجح أن يكون الاحتمال الأخير، و في ضوء أن الولايات المتحدة متفقة إستراتيجيا على رفض الانتشار النووي في الشرق الأوسط لمصلحة حليفتها إسرائيل ، الضامن الوحيد للمصالح الأميريكية في المنطقة ، هي التي قصفت المفاعل العراقي، حيث ما لبثت أن قدمت الدعم لصدام حسين في حربه ضد إيران.

اما إيران، فكانت قد بدأت بتأسيس برنامج نووي منذ خمسينيات القرن الماضي بمساعدة من الولايات المتحدة،  وقالت في ذلك الحين بأن الغرض منه هو توليد الكهرباء وتوفير الطاقة للمفاعلات الطبية. كماقامت في العام 1968بالتوقيع على  اتفاقية منع نشر الأسلحة النووية  وصادقت عليها في العام 1970.  وقد استمر الدعم الأميريكي للبرنامج الإيراني إلى حين قيام الثورة وسقوط نظام الشاه في إيران. بعد قيام الثورة الأيرانية، ورطت الولايات المتحدة العراق في شن الحرب على إيران بهدف إضعاف الطرفين وتحطيم البرامج النووية  لكل

 

كما تدل الملاحقة المتواصلة لمحاولات ايران الحصول على المفاعلات النووية ، على أن تلك الخريطة لا تشمل إيران نووية ، بل قد تتعرض ايران الى ماتعرض له العراق بشأن أسلحة غير تقليدية إن ثبت لديها مثل هذا البرامج على الرغم من توقيعها على معاهدة حظر الأنتشار النووي . وهذا يرجح قوة الأحتمال سابق الذكر المتمثل بالدور الباكستاني الذي من شأنه أن يمنع أية هيمنة إيرانية أو عراقية على نفط الخليج ، ويعمل على بقاء الدول العربية دولاً غير نووية .

 

5- ثبات في وظيفة اسرائيل :

لقد سعت اسرائيل باستمرار من أجل أن تكون القوة النووية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط وكان تحالفها مع إيران قبل قيام الثورة الأيرانية في العام 1978 مستنداً الى نظام اقليمي يقوم على احتواء الدول العربية من قبل الطرفين . وفي الوقت الذي تسعي فيه اسرائيل اليوم الى استعادة ذلك الوضع ، وتشجع ايران ضمنياً على التحول الى قوة نووية أقليمية تساعدها في احتواء المنطقة العربية وتقيم معها توازناً يفرض الأستقرار وفقاً لمصالح الطرفين ، يبدو أن الولايات المتحدة لا توافق على ذلك ، وترى أن توازناً نووياً بين اسرائيل وايران سيكون مرشحاً لتصعيد حالة عدم الاستقرار في المنطقة العربية .

 

خلاصـــة :

يستند  هذا التحليل الى معطيات موضوعية تتمثل في عدم قيام الولايات المتحدة بمحاصرة البرنامجين النوويين الهندي والباكستاني – ناهيك عن البرنامج الأسرائيلي – على النحو الذي فعلته في الجمهوريات الأسيوية الوسطى وكوريا الشمالية .

ويّدل ذلك على أن الملف النووى الأسيوي لن يغلق على المدى المنظور ، وذلك في ضوء أن آسيا لم تزل تشكل منطقة صراع دولي بين القوى الكبرى والقوى المتطلعة الى التحول الى قوى كبرى .

فوجود الصين النووية في آسيا ، بما تملكه من تطلعات لاتقتصر على شرق آسيا ، بل تشمل مد نفوذها في الجمهوريات الأسيوية الوسطى من جهة وفي الخليج العربي من جهة أخرى ، قد يكون السبب الرئيس في ترفيع مكانة الهند لكي تشكل قدرة نووية مقابله للصين في المستقبل القريب.

كذلك فإن ترفيع مكانة باكستان الى قوة نووية على خاصرة الهند الغربية من شأنه ردع الهند مستقبلاً عن التحول الى منطقة نفوذ روسي أو فرنسي . غير أن مثل هذا الترفيع لمكانة باكستان قد يتطلب فك ارتباطها بالصين لأجل تخفيف حدة العداوة بينها وبين الهند ، ولأجل أن لا تتحول الى منصة انطلاق صينية نحو نفط الخليج .

في الأن ذاته ، فإن تحويل وجهة باكستان نحو الشرق الأوسط من شأنه أن يؤدي الى تحجيم ايران والحد من تطلعاتها الرامية للهيمنة الكاملة على الخليج من جهة ، والتمدد في الجمهوريات الأسيوية الوسطى من جهة اخرى .

كما إن من شأن تحجيم ايران أن يحد من التطلعات الأيرانية لتحقيق توازن قوى مع اسرائيل على نحو يؤدي الى تقاسم المنطقة العربية وظيفياً بينهما ، وهو ما تتطلع اليه ايران ، وما يخشاه العراق بدرجة رئيسه .

من جهة ثانية ، فإن تحقيق التوازن النووي بين باكستان واسرائيل ، وفق المنطق الأميريكي المتصور ، من شأنه أن يحيل الشرق الأوسط الى منطقة مكّملة ومنسجمة مع المظلة النووية الأطلنطية الممتدة الى وسط آسيا بما في ذلك تركيا الشرق أوسطية .

إن تحجيم التطلعات الأيرانية سيؤدي الى تخفيف حدة التوترات وعدم الأستقرار في المنطقة العربية ، غير أن ذلك لن يكون مجدياً مالم يتم تحجيم التطلعات الأسرائيلية في الأن ذاته . ذلك أن عدم أنسحاب اسرائيل من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة ، وعدم تحقيق تسوية سياسية شاملة ، سيجرد كل تلك الترتيبات من فاعليتها ، ويلهب المنطقة ، ويعود بها الى ساحة لتنافس النفوذ الروسي والفرنسي والأميريكي …….انتهى