المؤتمر الدولي للسلام

الصفحة

سلافة حجاوي

 أيلول1987

 

مقدمة

منذ انعقاد مؤتمر جنيف للسلام في كانون الأول من العام 1973 ، ذلك المؤتمر الذي تمخض عن عقد إتفاقيات فصل القوات على الجبهتين المصرية والسورية ، لم تخفت الدعوة لاستئناف ذلك المؤتمر ، إلا لكي تنبثق من جديد . وكانت حصيلة تلك الدعوات التي تواصلت بشكل أو بآخر حتى الوقت الراهن ، هي انعقاد “مؤتمر تمهيدي” وحيد   في مصر في العام 1977 ، تخلفت عن حضوره بعض الأطراف المدعوة وأسفر بعد فترة عن اتفاقيات كمب ديفيد والمعاهدة المصرية – الإسرائيلية .

في أواخر عام 1984 ، تصاعدت الدعوات مجددا لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط ووصلت ذروتها خلال النصف الثاني من العام 1986 والنصف الأول من العام 1987 . وتشير الدلائل في النصف الثاني من العام 1987، وهو السياق الذي تتوقف عنده هذه الدراسة، إلى بداية انحسار زخم تلك الدعوات .

ومما لا شك فيه ، أن تواصل الدعوات لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الاوسط ، وعدم انعقاد مثل هذه المؤتمر منذ عام 1973، قد شكل ظاهرة سياسية جديرة بالدراسة .

إن هدف هذه الدراسة هو تتبع هذا الموضوع بهدف تقييم هذه الظاهرة، وذلك في ضوء أهمية المؤتمر الدولي  باعتباره أحد الأدوات التي يفترض بأن تمكن الشعب الفلسطيني من الحصول على حقوقه الوطنية.

 

أولا- فكرة المؤتمر وعوامل انبثاقها

أ. فكرة المؤتمر :

انبثقت الفكرة الأولية لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط في خضم حرب تشرين 1973، وما حملته تلك الحرب من تهديد بحدوث مجابهة عسكرية بين القوتين العظميين[1]. وكانت البادرة الأولي في ذلك الإتجاه ، هي قيام الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بتقديم مشروع قرار مشترك إلى مجلس الامن لوقف القتال ، حيث صدر القرار المذكور حاملاً رقم 338 في 22/11/1973، ونص ، إلى جانب وقف إطلاق النار وتنفيذ القرار242 ، على إجراء “مفاوضات بين الاطراف المعنية تحت “إشراف ملائم” بهدف “إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الاوسط “[2].

وبذلك فقد تميز القرار المذكور، 338،  عن القرار 242 ، الصادر في خضم تطورات حرب حزيران 1967 ، بالتاكيد على “المفاوضات” و”الإشراف الملائم”، بينما كان القرار 242 قد نص على تعيين ممثل خاص للأمين العام للأمم المتحدة لكي “يقيم ويجري اتصالات مع الدول المعنية بغية إيجاد اتفاق ، ومساعدة الجهود لتحقيق تسوية سلمية ومقبولة وفقاً لنصوص ومبادئ هذا القرار”[3].

وقبل مضي شهر على صدور القرار 338 ، تبين أن صيغة “المفاوضات” تحت “إشراف ملائم” قد تمخضت عن فكرة “مؤتمر دولي ” برعاية الأمم المتحدة في شخص أمينها العام وإشراف القوتين العظميين ، على مفاوضات بين أطراف نزاع حرب 1973.

ب. سياسة الانفراج وفكرة المؤتمر :

تبلورت فكرة ” المؤتمر الدولي ” للسلام في الشرق الاوسط في إطار ظروف دولية جديدة هي سياسة الانفراج Détente التي تبنتها القوتان العظميان، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي منذ أول السبعينات ، التي هدد اندلاع حرب تشرين 1973 بعرقلتها أو نسفها .

فمنذ وصول الرئيس نيكسون إلى البيت الأبيض في أواخر عام 1969 ، اتجهت الإدارة الأميركية إلى تبني سياسة جديدة تحكم العلاقات بين القوتين العظميين ، وهي سياسة قامت على مبدأ إحلال التفاوض محل المجابهة ، فأعلن نيكسون حال تسلمه الرئاسة ، بأنه سوف يضع حدا للحرب الباردة ، ويبدأ عهدا أساسه التفاوض . وفي أيار 1972 ، صدر عن القوتين العظميين ” إعلان مبادئ” وقعه الطرفان ، وجاء فيه أنه ليس هنالك خيار في العصر الذري إلا ضبط العلاقات المتبادلة وفقا لمبادئ التعايش السلمي ، وأن الطرفين يعلقان  أهمية على منع تدهورالأوضاع ، وسيتجنبان المجابهة العسكرية ، ويعملان لمنع نشوب حرب ذرية ، كما سيمارسان ضبط النفس في علاقاتهما ، وإن حصول أحدهما على فوائد عل حساب الآخر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، لا يتفق والأهداف ، وأن الطرفين مسؤولان عن الحيلولة دون نشوب نزاعات أو خلافات تزيد من التوتر الدولي ، وأنهما سيعملان على خلق الشروط لكل الدول كي تعيش في سلام وأمن[4].

ضمن هذا الاطار ، ارتبط مفهوم ” الإنفراج” بفكرة التخفيف من حدة التوترات بين القوتين العظميين ، والتقليل من حدة التوترات الدولية التي قد تؤدي إلى خلق التوتر بينهما. غير أن هذا المفهوم لم يتضمن فكرة السلام الشامل أو التحالف كما لم يعن التقليل من المنافسة السياسية والاقتصادية بينهما ، وإنما كان الهدف الأساسي من ورائه هو إيقاف أو الحد من سباق التسلح المحموم الذي تصاعد في أواخر الستينيات، والوصول إلى اتفاقيات عسكرية تلجم ذلك السباق لمصلحة الطرفين . وبالفعل ، فقد توصل الطرفان خلال النصف الأول من السبعينيات إلى عقد نحو خمسين إتفاقية تتعلق بمختلف الجوانب بينهما . وقد اندرجت مسألة التقليل من حدة التوترات الدولية التي قد تؤدي إلى مجابهة بينهما ، في إطار هذا الهدف الأساسي .

كان الشرق الاوسط هو أحد بؤر التوتر الرئيسية المهددة بحدوث مثل هذه المجابهة . هذا  ما أثبتته حرب تشرين 1973. فمنذ صفقة الأسلحة التشيكية لمصر في عام 1955 ، تعزز الوجود السوفيتي في المنطقة العربية تدريجياً وتهاوت الأحلاف الأميريكية المعادية للإتحاد السوفيتي في المنطقة . وفي إطار تصاعد الحرب الباردة بين الطرفين خلال النصف الثاني من الستينيات، انقسمت المنطقة إلى محورين أحدهما سوفيتي والآخر أميريكي.

وإلى جانب تصاعد عملية سباق التسلح التي قادت إلى تبني سياسة الإنفراج في أواخر الستينيات ، اتجهت الولايات المتحدة الأميريكية الي توظيف هذه السياسة الجديدة لخدمة مصالحها ازاء جملة من التطورات ، في مقدمتها قرار الانسحاب من فيتنام من جهة، واندلاع حرب تشرين بفعل تدفق الأسلحة والمساعدات السوفيتية للدول العربية من جهة أخرى . فمن وجهة النظر الأميريكية ، كان من شأن اتفاق القوتين العظميين على إحلال السلام في المنطقة العربية أن يضع نهاية لمبرر التواجد السوفيتي فيها ، ويوقف تدفق الأسلحة السوفييتية لها . أما من وجهة نظر الإتحاد السوفيتي ، فقد كان من شأن إحلال سلام يعيد الأراضي المحتلة في عام 1967 إلى العرب أن يعزز تواجده في المنطقة ويحيل الحرب الباردة فيها إلى تنافس في اطار سياسة التعايش السلمي .

في إطار تلك الرؤى القائمة أساسا على رغبة كل من الطرفين في إضعاف تواجد أو طرد الطرف الآخر من المنطقة العربية من خلال عملية السلام ، صرح الرئيس نيكسون في 26/10/1973  بأن فرص6ن السلام في الشرق قد أصبحت متوفرة أكثر من أي وقت مضى، لأن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ” قد اتفقا على” أننا سنشارك في محاولة تنشيط المحادثات بين الاطراف المعنية ” . واضاف قائلاً:”هذا لا يعني ان الدولتين العظميين ستفرضان تسوية ، بل يعني أننا سوف نستخدم نفوذنا لدى دول المنطقة للتعجيل في التسوية . وقد اتفقنا أيضاً على أنه إذا ما أردنا تجنب المواجهة النووية ، فمن الضروري استخدام نفوذنا أكثر مما فعلنا في الماضي ، من أجل تسيير خط التفاوض ، ولكن هذه المرة نحو سلام دائم وليس مجرد هدنة مؤقتة”[5].

 

ثانيا- انعقاد المؤتمر الدولي في العام 1973

إزاء ذلك الإتفاق بين القوتين العظميين ، وانطلاقاً من مضمون المادة الثالثة من القرار 338 ، التي نصت على “بدء الأطراف فورا في مفاوضات..” ، أصدر مجلس الأمن في 15/12/1973 قراره المرقم 344 الذي استعاد ما جاء في القرار 338 بشأن إجراء مفاوضات ” تحت إشراف مناسب” ونص على أن مجلس الأمن ” إذ يلاحظ بأن مؤتمر السلام في الشرق الاوسط سيبدأ في جنيف قريباً تحت رعاية الأمم المتحدة ، فإن المجلس يعرب عن أمله بأن يتقدم مؤتمر السلام بسرعة نحو توطيد سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط ، ويعرب عن ثقته بأن يقوم الأمين العام بدور تام وفعال في المؤتمر ، وأن يرأس جلسته اذا ما رغبت الاطراف في ذلك”[6]. وبعد أقل من أسبوع، عقد المؤتمر في جنيف في 21/12/1973 وذلك بعد الاتفاق بين الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة على جملة من المسائل ، في مقدمتها وظيفة المؤتمر ورئاسته والأطراف المشاركة فيه ، وعلى النحو التالي :-

أ. وظيفة المؤتمر :

اتضح مما جاء في الكلمات الملقاة في جلسة افتتاح المؤتمر في 21/12/1973 أن اتفاقا قد تم على تحديد وظيفتين للمؤتمر يتم تنفيذهماعلى مرحلتين ، الأولى هي الوصول إلى اتفاقات بشأن فصل القوات على الجبهتين المصرية والسورية . والثانية هي المضي قدما نحو تنفيذ القرار 338 . ففي الخطاب الإفتتاحي الذي ألقاه الأمين العام للأمم المتحدة، قال فالدهايم بأنه يأمل أن يحقق المؤتمر تقدماً في قضية فصل القوات، ثم الخوض في الخطوة التالية، وهي المفاوضات الرامية إلى إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط، وقال بأن القرار 338 هو الأساس الذي يقوم عليه المؤتمر. كذلك قسم وزير الخارجية السوفييتي أنديه غروميكو المؤتمر إلى مرحلتين: مرحلة ملحة هي سحب القوات، ثم مرحلة وضع برنامج ملموس وواقعي لتنفيذ قرار مجلس الأمن 242 ومساعدة الأطراف على التوصل إلى اتفاقيات تتخذ قوة القانون[7]. وقال وزير الخارجية الأميريكي ، هنري كيسينجر، بأن فصل القوات في جبهة السويس وتحقيق إتفاق بذلك هو المهمة الأولى للمؤتمر وبأن الهدف الأخير للمؤتمر هو تنفيذ كل أجزاء القرار 242 ومفاوضات واقعية تضمن السلام لكل الأطراف[8] . ولم يشر كيسنجر إلى الجبهة السورية. وكانت سورية قد تغيبت عن حضور المؤتمر.

  • رئاسة المؤتمر

تم الإتفاق بين القوتين العظميين على أن يعقد المؤتمر برعايتهما مع إشراك الأمم المتحدة إشراكا شكليا، حيث عهد إلى الأمين العام للأمم المتحدة بتوجيه الدعوات إلى المشاركين بناء على طلب رسمي تقدمت به القوتان العظميان، كما عهد إليه بإلقاء الخطاب الافتتاحي، بينما تقرر أن تكون رئاسة المؤتمر مناوبة بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي. وكانت الغاية من تلك الترتيبات هي إشراف الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي على المفاوضات التي ستجري بين الأطراف واستبعاد إشراف الأمم المتحدة عليها. وكان كيسينجرقد أوضح بأن مفهوم “إشراف مناسب” الوارد في القرار 338 يعني “عدم وجود وسيط في المفاوضات”، وقال بأنه قد اقترح أن يكون هذا الإشراف من قبل الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، غير أن اتفاقا قد تم التوصل إليه في موسكو على أن يكون الإشراف تحت وصاية القوتين العظميين[9] .

ج.الأطراف المشاركة:

كان واضحا منذ بداية التفكير في المؤتمر أنه سوف يعقد برعاية القوتين العظميين فقط، ودون مشاركة أطراف دولية أخرى أو الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. وكانت الغاية من ذلك هي إبعاد الأمم المتحدة وأوروبا والدول الإفريقية والأسيوية عن المؤتمر. لذلك تم توجيه الدعوات من قبل الأمين العام للأمم المتحدة بتكليف رسمي أمريكي-سوفييتي لكل من مصر وسورية والأردن وإسرائيل. غير أن مبدأ اشتراك أطراف أخرى في المؤتمر ظل قائما. وكان الموضوع الرئيس الذي دارت حوله المباحثات بهذا الشأن هو اشتراك منظمة التحرير الفلسطينية، حيث طالب الإتحاد السوفييتي ومصر بذلك، مع الاتفاق على إقرار هذا الموضوع في جلسة الافتتاح. ضمن هذا الإطار، نصت رسالة الدعوة التي وجهها الأمين العام للأمم المتحدة إلى إسرائيل، على ان الأطراف ” قد وافقت على بحث مسألة اشتراك أطراف أخرى في الشرق الأوسط في المرحلة الأولى من المؤتمر”[10].

كانت المشكلة الرئيسة بالنسبة لإسرائيل هي اشتراك منظمة التحرير الفلسطينية في المؤتمر. واتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارا نص على” ضرورة أن دعوة جميع الأطراف إلى المؤتمر، بالإضافة إلى دول المواجهة، تتم بمعرفة جميع الدول المشتركة في المؤتمر”[11]، وبمعنى آخر، فإن إسرائيل اعتبرت نفسها بأنها تملك حق النقض بالنسبة إلى دعوة منظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما تجاهلته الدعوة الموجهة من الأمم المتحدة بتكليف من القوتين العظميين. ويبدو أن الولايات المتحدة لم تبد تصلبا إزاء عدم اشتراك المنظمة في ذلك الحين، حيث بعث الرئيس نيكسون برسالة إلى غولدا مائير جاء فيها “إن جهود الدكتور كييسنجر لعقد مؤتمر جنيف هي جهود ضرورية وأرجو عدم نسفها”[12]. غير أنه لدى زيارة كيسينجر إلى إسرائيل في 16/12/1973، وبعد مباحثات مستفيضة، أبرق كيسينجر إلى زميله السوفييتي، أندريه غروميكو، الذي اتصل بدوره بمصر، فوصلت رسالة من الرئيس المصري إلى كيسنجر تتضمن التنازل عن شرط اشتراك منظمة التحرير الفلسطينية، غير أن الرسالة رفضت إعطاء إسرائيل حق رفض دعوة المنظمة قي وقت لاحق[13]، رغم أنه وقبل مغادرة كيسينجر إسرائيل، تم التوقيع على بروتوكول تفاهم أمريكي- إسرائيلي سري جاء فيه:””إن الأطراف توافق على أن تبحث قضية اشتراك أطراف أخرى من الشرق الأوسط في المرحلة الأولى من  المؤتمر، وأن الولايات المتحدة تتعهد مع ذلك، بمعارضة- بما في ذلك استخدام حق النقض – دعوة منظمة التحرير الفلسطينية بدون موافقة إسرائيل[14].

خلال جلسة الافتتاح في21/12/1973 تحدث وزير الخارجية السوفيتي عن” ضمان العدالة تجاه شعب فلسطين العربي وحماية حقوقه المشروعة”، وأشار إلى أنه ” من الطبيعي أنه لا يمكن مناقشة قضية فلسطين وحلها دون اشتراك ممثلي الشعب العربي الفلسطيني”[15]. وفي الوقت الذي تحدث فيه وزير الخارجية الأميريكي عن” المصالح المشروعة للفلسطينيين” وعن التقدم نحو السلام “بالنسبة لكافة الأطراف المعنية”، فهو لم يشر إلى موضوع اشتراك منظمة التحرير الفلسطينية في المؤتمر.  وقد تغيبت سورية عن المؤتمر لأسباب خاصة بها.

د.وقائع المؤتمر

في ضوء الإتفاق المسبق على تقسيم المؤتمر إلى مرحلتين: مرحلة فصل القوات وتوقيع إتفاقيات في شأنها، ومرحلة تحقيق التسوية الشاملة، عقد المؤتمر جلستين علنيتين عامتين، ألقيت خلالهما الخطابات، وجلسة واحدة مغلقة تمخضت عن تشكيل لجنة عسكرية مصرية-إسرائيلية للتفاوض في شأن فصل القوات على الجبهة المصرية. ولم يتم تشكيل لجنة سورية- إسرائيلية نظرا لتغيب سورية عن حضور المؤتمر.

ورغم أن الإجتماع الأخير قد أقر إجتماع اللجنة العسكرية المصرية- الإسرائيلية في 26/12/1973، واستمرار انعقاد المؤتمر في اجتماعات على مستوى السفراء أو على مستوى وزراء الخارجية إذا اقتضى الأمر، فإن الإجتماع المذكور لم يحدد موعدا لاستئناف الإجتماعات، حيث شهد المؤتمر إجتماعين عسكريين لاحقين فقط، هما إجتماع اللجنة العسكرية المصرية – الإسرائيلية في 26/12/1973، ثم الإجتماع الخاص بالتصديق على إتفاقية فصل القوات على الجبهة السورية في 31/5/1974. فعلى الرغم من تغيب سورية عن المؤتمر، فإن لجنة عسكرية سورية- إسرائيلية ما لبثت أن شكلت خارج إطار المؤتمر بإشراف وزير الخارجية الأميريكي هنري كيسينجر، وتم التصديق عليها في إطار المؤتمر لإضفاء الشرعية الدولية عليها.أما إتفاقية الفصل المصرية- الإسرائيلية، فقد اعتبرت شرعية دون مراسيم تصديق، نظرا لتشكيل اللجنة العسكرية في إطار المؤتمر، وجاء فيها: ” إلحاقا بمؤتمر السلام الشرق أوسطي في جنيف….” [16] . وبذلك انتهى مؤتمر جنيف بالاقتصار على المرحلة الأولى، أي مرحلة التوصل إلى اتفاقيات فصل القوات على الجبهتين اللمصرية والسورية. وكان ذلك بمثابة إنجاز كبير لإسرائيل حققه لها وزير الخارجية الأميريكية، هنري كيسينجر.

في ضوء الإتفاق المسبق على تقسيم المؤتمر إلى مرحلتين، مرحلةفصل القوات وتحقيق إتفاقات في شأنها، ومرحلة الإتفاق على تسوية شاملة، فقد عقد المؤتمر جلستين علنيتين عامتين، ألقيت خلالهما الخطابات، وجلسة مغلقة واحدة تمخضت عن تشكيل لجنة عسكرية مصرية –إسرائيلية للتفاوض بشأن فصل القوات على الجبهة المصرية. ولم يتم تشكيل لجنة سورية –إسرائيلية نظرا لتغيب سورية عن المؤتمر. ورغم أن الإجتماع الأخير قد أقر اجتماع اللجنة الإسرائيلية-المصري في 26/12/1973، كما أقر استمرار انعقاد المؤتمر على مستوى السفراء أو وزراء الخارجية إذا اقتضى الأمر،فإن الاجتماع المذكور لم يحدد موعدا لاستئناف الإجتماعات، حيث شهد المؤتمر اجتماعين عسكريين لاحقين فقط، هما اجتماع اللجنة العسكرية المصرية -الإسرائيلية في 26/12/1973، ثم الاجتماع الخاص بالتصديق على إتفاقية فصل القوات على الجبهة السورية في 31/12/1973.فعلى الرغم من تغيبب سورية عن المؤتمر، فإن لجنة عسكرية سورية-إسرائيلية ما لبثت أن شكلت خارج إطار المؤتمر بإشراف وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، وتم التصديق عليها في إطار المؤتمر لإضفاء الشرعية الدولية عليها. أما اتفاقية الفصل المصرية- الإسرائيلية فقد اعتبرت شرعية بدون مراسم التصديق، وذلك نظرا لتشكيل اللجنة العسكرية المذكورة في إطار المؤتمر، وجاء في مقدمتها:” إلحاقا بمؤتمر السلام الشرق أوسطي في جنيف…”[17] بذلك انتهى مؤتمر جنيف بالاقتصار على المرحلة الأولى، أي مرحلة التوصل إلى اتفاقات فصل القوات على الجبهتين المصرية والإسرائيلية.

 

ثالثا- استمرار فكرة المؤتمر في إطار سياسة الانفراج

أ. المؤتمر وسياسة الخطوة خطوة الأميريكية

منذ انفضاض الجلسة الأخيرة لمؤتمر جنيف في 22/12/1973، بدأت تثور الشكوك حول إمكانية استئناف المؤتمر والخوض في مرحلته الثانية. فعلى الرغم من حالة الإنفراج التي حكمت علاقات القوتين العظميين وتواصلت بين مد وجزر حتى أواخر السبعينيات، فقد بدا منذ عام 1974 أن الولايات المتحدة ليست على استعداد للسماح للإتحاد السوفييتي بتعزيز مواقعه في المنطقة العربية من خلال المشاركة الفعالة في تحقيق تسوية شاملة . فعملية السلام قد بدأت بموافقة الإتحاد السوفييتي، وتم التوصل لاتفاقات فصل القوات، وكان من شأن هذا الإنجاز أن يعزز الموقف الأميريكي الرامي إلى المضي قدما بدون المشاركة الفعالة للإتحاد السوفييتي. فإذا كان بالإمكان إبعاد الإتحاد السوفييتي بهدوء ، فليس هناك ما يدعو إلى الإستعجال. وكان ذلك التوجه الأميريكي قد ظهر على نحو غير مباشر في الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الأمريكي، هنري كيسينجر في جلسة مؤتمر جنيف في 21/12/1973، حين قال بأن الهدف النهائي الذي تم تحديده في القرار242 هو” طريق طويل ويجب السير فيه خطوة خطوة[18]“. وقد تبين بعد ذلك، ومن الطريقة التي تم فيها تحقيق فصل القوات على الجبهتين المصرية والسورية، أن كيسينجر قد بنى سياسة الخطوة خطوة انطلاقا من هدف استراتيجي هو الحيلولة دون مشارركة الإتحاد السوفييتي في هذه الخطوات، وبالتالي عدم افتراض حتمية التوصل إلى تسوية شاملة عبر مؤتمر جنيف، وذلك في ضوء استحالة استبعاد الإتحاد السوفييتي عن عملية التسوية الشاملة باعتباره أحد القوتين الرئيستين في العالم. ففي سياق هذه الستراتيجية، فشل الإتحاد السوفييتي في فرض نفسه كشريك في عملية التوصل لاتفاقيتي فصل القوات على الجبهتين المصرية والسورية، رغم طلبه المتواصل في شأن ذلك، واضطر بعد ذلك إلى التراجع وسحب طلبه تخوفا من جانبه ومن جانب مصر وسورية، من عرقلة التوصل لهاتين الاتفاقيتين[19].

ففي إطار المفهوم الأمريكي لسياسة الانفراج، لم يكن مؤتمر جنيف بالنسبة لوزير الخارجية الأمريكي، هنري كيسينجر، وكما يصف ماتي غولان ذلك، غير إطار “يمكن أن يملأ بمضمون مختلف حسب الحاجة.. فالوظيفة التي أنيطت به من البداية، هي وظيفة لها علاقة بالمراسم، أي افتتاح الخطوات السياسية والتوقيع على الوثائق…فقد اعتزم كيسنيجر إجراء الإتصالات بنفسه، سواء في الشرق الأوسط أم في واشنطن، ولم يكن ينوي القيام بتوزيع السيطرة على الاتصالات أو نتائجها على الدولة الوصية الثانية، الاتحاد السوفييتي”[20].

وسياسة الخطوة الخطوة التي ابتكرها كيسينجر، هي سياسة قائمة عل هذا الهدف الستراتيجي،، أي إبعاد الإتحاد السوفييتي عن المشاركة في أية تسوية شاملة، وطالما أنه لايمكن استبعاده عن عملية تحقيق هذه التسوية، فليس هناك ما يدعو إلى تحقيقها طالما أنه يمكن استبعاده عن كل خطوة من الخطوات السياسية. ولعل أوضح وصف لسياسة الخطوة خطوة هذه، هو الذي قدمه مساعد وزير الخارجية، ألفرد أثرتون في عام 1974، بقوله:

” إذا شئنا أن نحرز تقدما ، فلا بد من ندوة عامة للمفاوضات، ولا بد من وسيلة يستخدمها الطرفان لتبادل الآراء، ولا بد من أسلوب خطوة خطوة كأسلوب عملي..

ويتضمن هذا المبدأ الإعتراف بأنه من المستحيل علينا الآن أن نعرف بالتفصيل إلى أين نحن ذاهبون.. فنحن لا نملك خطة تفصيلية”[21].

وذلك بمعنى أن الخطوات قد لا تؤدي إلى الوصول إلى تسوية شاملة لأنها لا تسير باتجاه واحد على النحو الذي سارت عليه استراتيجية ” رحلة المئة ميل تبدأ بخطوة واحدة” الصينية.                                                                              ضمن هذا الإطار، استمر هنري كيسينجر في عام 1974 في الاتصال بالسوفييت وإطلاعهم على الخطوات التي كان يقوم بها بين إسرائيل ومصر وسورية. وخلا البيان الصادر بعد زيارة كيسنجر إلى موسكو في 25/3/1974 من الإشارة إلى استئناف مؤتمر جنيف، وإنما أشار إلى أن الجانبين قد اتفقا ، مع أخذ دورهما في مؤتمر جنيف بعين الإعتبار، على بذل الجهود “لإيجاد حل للمسائل الأساسية المتعلقة بالتسوية في الشرق الأوسط[22].

أما بيان نيسان، الصادر بعد لقاء غروميكو وكيسينجر في جنيف، فقد أشار إلى اتفاقهما على تنسيق الجهود من أجل تسوية في المنطقة، وإلى تأييدهما لاستئناف مؤتمر جنيف في وقت قريب[23].وكان ذلك خلال قيام كيسينجر بإنجاز إتفاقية فصل القوات السورية- الإسرائيلية على نحو منفرد. أما البيان الصادر عن لقاء بريجنيف ونيكسون في 3/7/1974، فقد جاء فيه أن الطرفين “يعتبران أنه من المهم استئناف مؤتمر جنيف، غير أن التركيز قد تم على الإستمرار في الاتصالات من أجل تنسيق الجهود بهدف التسوية الشاملة، بما في ذلك الاتفاق المسبق على مسألة المشاركين في المؤتمر…”[24]. وكان كيسنجر خلال إعداده لتلك القمة، قد أدلى بتصريح في 31/5/1974، جاء فيه أن الولايات المتحدة” لا قصد ولا طاقة لها على إقصاء الإتحاد السوفييتي عن الشرق الأوسط”[25].

أما بالنسبة للاتحاد السوفييتي، فقد اتسم موقفه خلال عام 1974 بأنه ليس ضد سياسة الخطوة خطوة، وإنما ضد عدم المشاركة فيها. فالاتحاد السوفييتي وفقا لبلياييف، ” يجب أن يشترك في كل الجهود وفي كل عمل ملموس لتحقيق السلام العادل في الشرق الأوسط، ونحن نصر على ذلك”[26]. ومنذ أن حرم من المشاركة في عقد اتفاقيتي فصل القوات على الجبهتين السورية والمصرية، اتجه الإتحاد السوفييتي إلى محاولة كسر الاحتكار الأميريكي لعملية التسوية بالتقرب إلى فرنسا، مستفيدا في ذلك من السياسة الفرنسية ذات النزعة الإستقلالية عن الولايات المتحدة. ففي لقاء القمة الفرنسية- السوفييتية في آذار 1974، عبر بريجنيف عن رغبته في أن تشترك فرنسا في ضمان تسوية في الشرق الأوسط، وقال بأن الاتحاد السوفييتي لا يريد أن يكون طرفا في أية محاولة لتكريس مبدأ سيطرة الدولتين العظميين[27].وكانت فرنسا قد اتهمت الإتحاد السوفييتي بتكريس هذا المبدأ منذ أن وافق على عقد مؤتمر جنيف برئاسته ورئاسة الولايات المتحدة فقط[28]. وقد نص البيان الصادر عن تلك القمة على ضرورة استئناف مؤتمر جنيف[29]، كما كان وزير الخارجية الفرنسي، ميشيل جوبير، قد عبر في كانون ثاني 1974 عن رغبة بلاده في الاشتراك في مؤتمر جنيف وعن اعتقاده بأن أي حل لن يدوم إذا لم يحظ بتأييد الأكثرية الكبرى من الدول[30].

من جهة ثانية، شهد عام 1974 حدثان رئيسان لهما مساس بإمكانية انعقاد مؤتمر جنيف، أولهما فضيحة ووترغيت في الولايات المتحدة وسقوط نيكسون، والثاني هو عقد قمة فلاديفوستك بين الرئيس الأميريكي الجديد فورد، والرئيس السوفييتي بريجنيف، تلك القمة التي تمخضت عن عقد اتفاقية “سالت” المؤقتة. وإذا كانت اتفاقية سالت هي إحدى إنجازات سياسة الانفراج، فهي قد شكلت في الآن ذاته بداية تقهقر حالة الانفراج، وذلك  بفعل الهجوم الذي شنه أنصار الحرب الباردة وسياسة التفوق العسكري الأميريكي على تلك الاتفاقية، وفي مقدمة هؤلاء السناتور جاكسون وأنصار إسرائيل الآخرون . وكانت بداية ذلك التوتر في حالة الانفراج هي الشروط التي وضعها الكونغرس الأميريكي على الإتفاق التجاري السوفييتي –الأمريكي، الموقع في عام 1972، والذي بادر الإتحاد السوفييتي إلى إلغائه في 14/2/1975. أما التوتر الآخر، فكان في أنغولا. هذا بالإضافة إلى مؤشر ثالث هو عقد اتفاقية التعاون والأمن الأوروبي في 1/8/1975، والتي لم توقعها الولايات المتحدة.

اما بالنسبة لمؤتمر جنيف، فقد كان البيان الصادر عن قمة بريجنيف-فورد في 24/11/1974 مؤشرا على تراجع الحماس له ولإمكانية عقده. حيث أشار البيان فقط إلى أن عقد المؤتمر ” له دور مفيد” في إيجاد التسوية السلمية.  وعلى العكس من قمة بريجنيف-نيكسون التي سبقتها، فإن البيان الأخير لم يشر إلى ” المشاركين من الشرق الأوسط، وكان ذلك بمثابة إشارة إلى تضاؤل احتمال استئناف المؤتمر.

والجدير بالملاحظة، هو أن القمة المذكورة قد عقدت بعد يوم واحد من صدور القرارات الخاصة بفلسطين في الدورة التاسعة والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة: القرار3210 الذي دعا منظمة التحرير الفلسطينية للاشتراك في مداولات الدورة، والقرار3236  الذي أقر حقوق شعب فلسطين واعتبره ” طرف رئيس في إقامة سلم عادل ودائم في الشرق الوسط”، ثم القرار3237 الذي منح منظمة التحرير الفلسطينية صفة مراقب دائم في الجمعية العامة وأقر حقها في الاشتراك في كافة المؤتمرات التي تعقد تحت رعاية الأمم المتحدة[31]. وكانت  هذه القرارات قد صدرت بفضل  دعم الإتحاد السوفييتي وحلفائه، وهو ما لم يرتح له الأميريكيون، وإسرائيل بالطبع.

ب.اتفاقية سيناء الثانية والمؤتمر الدولي

 في تلك الأجواء المتلبدة تحت مظلة سياسة الإنفراج، مضت الولايات المتحدة قدما في سياسة الخطوة خطوة غير عابئة بالاتحاد السوفييتي الذي واصل هجومه على التفرد الأمريكي، مؤكدا مرارا على أن “المكان الملائم للبحث في نواحي التسوية هو المؤتمر الدولي، ويجب عقده فورا، وأن من الضروري إشراكه في جميع مراحل التسوية، كما جاء في البيان الصادر بعد زيارة غروميكو لمصر في 3/2/1975.

ففي 4/9/1975، تم التوقيع على اتفاقية سيناء الثانية بين مصر  وإسرائيل بإشراف الولايات المتحدة ومشاركتها. ولم يغب موضوع مؤتمر جنيف عن تلك الاتفاقية، ، حيث ظل إطارا شكليا مرتبطا بسياسة الإنفراج السائدة رغم تلبد الأجواء. وفي الملاحق السرية للإتفاقة المذكورة، تم التوصل بين الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى مذكرة إتفاق تلزم الإدارة الأميريكية، لقاء مكاسب لها في سيناء، بعدم تجاوز الشروط الإسرائيلية في حالة انعقاد مؤتمر جنيف. وقد نصت المذكرة على ما يلي:

 

الملحق السري لاتفاقية سيناء الثانية

مذكرة إتفاق بين حكومتي إسرائيل والولايات المتحدة

حول مؤتمر السلام في جنبف

30/10/1975

مؤتمر السلام في جنيف

1- يدعى مؤتمر جنيف للاجتماعفي وقت يتم التنسيق في شأنه بين الولايات المتحدة الأميريكية وإسرائيل.

2- سوف تستمر الولايات المتحدة في التزامها بالسياسة المتبعة حاليا تجاه منظمة التحرير الفلسطينية، وبمقتضى ذلك، فإنها لن تعترف او تتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية طالما أن منظمة التحرير الفلسطينيةلا تعترف بحق إسرائيل في البقاء ولا تقبل قراري مجلس الأمن 242 و338.إن حكومة الولايات المتحدة الأميريكية سوف تجري مشاورات وافية وسوف تنسق مواقفهاواستراتيجيتها في مؤتمر السلام في جنيف فيما يتعلق بهذه المسألة مع حكومة إسرائيل. وبنفس الطريقة، فإن الولايات المتحدة الأميريكية سوف تجري مشاوراتوافي وسوف تسعى إلى تنسيق مواقفها واستراتيجيتها في مؤتمر السلام في جنيف مع إسرائيل في ما يتعلق باشتراك أي دول أخرى في المؤتمر.ومن المتفق علية أن اشتراك أي دولة أخرى أو جماعة أو منظمة في مرحلة لاحقة من مؤتمر السلام في جنيف يتطلب إتفاقا بين جميع الأطراف الأصليين في المؤتمر.

3- سوف تبذل الولايات المتحدة الأميريكيةكل جهدها في المؤتمر للتأكد من أن جميع المفاوضاتفي المسائل الحيوية سوف تكون على أساس ثنائي.

4- سوف تعارض الولايات المتحدة الأميريكية- وإذا دعت الضرورة سوف تصوت ضد- أي مبادرة في مجلس الأمنتستهدف إدخال تغييرات على الشروط التي قام عليها مؤتمر جنيف. وسوف تعارضأيضا وبنفس الطريقة،أي محاولات لتعديل قراري مجلس الأمن 242و338، بطريقة تجعلهما غير ملائمينلأهدافهما الأصلية.

5- إن الولايات المتحدة الأميريكية سوف تسعى للتأكد من أن دور الدولتين الداعيتين للمؤتمر سوف يكون متسقا مع ما تم الإتفاق عليه في مذكرة التفاهم بين حكومة الولايات المتحدة الأميريكية وحكومة إسرائيل في 20 ديسمبر 1973.

 

 

مرتبطا بسياسة الإنفراج السائدة رغم تلبد الأجواء. ومن ضمن الملاحق السرية للإتفاقية، تم التوصل في 30/10/1975 إلى مذكرة إتفاق بين الولايات المتحدة وإسرائيل تلزم الإدارة الأمريكية لقاء مكاسب لها في سيناء، بعدم تجاوز الشروط الإسرائيلية في حالة انعقاد مؤتمر جنيف[32].

الملحق السري لاتفاقية سيناء الثانية

مذكرة إتفاق بين حكومتي إسرائيل والولايات المتحدة

حول مؤتمر السلام في جنيف

30/10/1975

مؤتمر جنيف للسلام

1- يدعى مؤتمر جنيف للاجتماع في وقت يتم التنسيق في شأنه بين الولايات المتحدة الأميريكية وإسرائيل.

2-ستواصل الولايات المتحدة إلتزامها بالسياسة المتبعة حاليا تجاه منظمة التحرير الفلسطينية، وبمقتضى ذلك، فإنها لن تعترف او تتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية طالما انها لا تعترف بحق إسرائيل في البقاء ولا تقبل قرري مجلس الأمن رقمي 242 و338.

سوف تجري حكومة الولايات المتحدة مشاورات وافية  وسوف تنسق مواقفها واستراتيجيتها في مؤتمر السلام في جينيف في ما يتعلق بهذه المسألة مع حكومة إسرائيل.

وبنفس الطريقة، فإن الولايات المتحدة الأميريكية سوف تجري مشاورات وافية وسوف تسعى إلى تنسيق مواقفها واستراتيجيتها في مؤتمر السلام في جنيف مع إسرائيل في ما يتعلق باشتراك أي دول اخرى في المؤتمر.

ومن المتفق عليه أن اشتراك أي دولة أخرى أو جماعة أو منظمة في مرحلة لاحقة من مؤتمر السلام في جنيف، يتطلب إتفاقا بين جميع الأطراف الأصليين في المؤتمر.

3- إن الولايات المتحدة سوف تبذل كل جهدها في المؤتمر للتأكد من أن جميع المفاوضات في المسائل الحيوية ستكون على أساس ثنائي.

4- إن الولايات المتحدة الأميريكية سوف تعارض- وإذا دعت الضرورة سوف تصوت ضد- أي مبادرة في مجلس الأمن تستهدف إدخال تغييرات على الشروط التي قام عليها مؤتمر جنيف. وسوف تعارض أيضا بنفس الطريقة، أي محاولات لتعديل قراري مجلس الأمن 242 و 338 بطريقة تجعلهماغير ملائمين لأهدافهماالأصلية

6-  إن الولايات المتحدة الأميريكية وإسرائيل سوف تنسقان جهودهما للتأكد من أن المؤتمر سوف يمارس عمله بطريقة متناسقة مع أهداف تلك الوثيقة ومع الهدف المعلن لمؤتمر جنيف، وبالذات فتح السبيل لاتفاق يجري التفاوض عليه بين إسرائيل وكل واحدة من جيرانها على حدة.

إمضاء                                                  إمضاء

عن حكومة الولايات المتحدة الأميريكية          عن حكومة إسرائيل

هنري كيسنجر                                       إيغال أللون

وزير الخارجية                                    نائب رئيس الوزراء    

                                                     وزير الخارجية

ويستدل من هذه المذكرة السرية أن استئناف انعقاد مؤتمر جنيف كان ما زال إحتمالا قائما، حيث استبقت إسرائيل ذلك بإلزام الولايات المتحدة بعدم لسماح لمنظمة التحرير الفلسسطينية بالإشتراك في المؤتمر إلا بعد موافقة إسرائيل ووفقا لشروطها.

ج- العامل الفلسطيني والمؤتمر الدولي

منذ أواخر عام 1974، أصبح الموضوع الفلسطيني أحد العوامل الرئيسة المقررة لاستئناف إنعقاد مؤتمر جنيف أم عدم انعقاده، وذلك من واقع أن هذا الموضوع قد أصبح أحد عناصر التنافس الرئيسة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، حيث باتت الولايات المتحدة ترى أن الإتحاد السوفييتي يسعى إلى تعزيز موقعه في المنطقة من خلال الورقة الفلسطينية، بينما رأى الإتحاد السوفييتي أن الورقة الفلسطينية من شأنها أن تعرقل استمرار الولايات المتحدة في نهج سياسة الخطوة خطوة الإنفرادية.

فبعد التوقيع على اتفاقية سيناء الثانية، وفي سياق تعرض سياسة الإنفراج لأزمة حادة بسبب أنغولا، اقترح الإتحاد السوفييتي رسميا عقد مؤتمر جنيف من جديد،  وطالب بأن تكون م.ت.ف. بصفتها ممثلة الشعب الفلسطيني، طرفا مشاركا فيه على قدم المساواة مع الأطراف الأخرى، وأن تبدأ هذه المشاركة مع بداية المؤتمر[33]. وكان الرد الأمريكي هو معارضة اشتراك المنظمة، وذلك بحجة انها لم تشترك في المرحلة الأولى من المؤتمر في عام1973[34].

من جهة ثانية، عمدت الولايات المتحدة إلى محاصرة الإتحاد السوفييتي والحيلولة دون إمكانية استفادته من الورقة الفلسطينية لتعزيز نفوذه في المنطقة، فأصدرت وزارة الخارجية الأمريكية وثيقة سوندرز في 14/11/1975، ، أي بعد خمسة أيام فقط  من التبني السوفييتي الرسمي للموضوع الفلسطيني في شأن مؤتمر جنيف. وقد جاءت وثيقة سوندرز حصيلة سلسلة من الجلسات التي عقدتها اللجنة الفرعية للعلاقات الدولية التابعة لمجلس النواب الأميريكي. وجاء في الوثيقة بأن الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى المسألة الفلسطينية على أنها قضية لاجئين، فهي الآن ترى أن  الفلسطينيين ” يشكلون بمجموعهم عاملا سياسيا يجب التعامل معه إذا كان للسلام أن يحل بين إسرائيل وجاراتها”. كما اشارت الوثيقة إلى أن البعد الفلسطيني هو ” لب الصراع العربي- الإسرائيلي”، وأن الولايات المتحدة ترى أن عليها مسؤولية بذل كافة الجهود لتحقيق تسوية سلمية للصراع العربي- الإسرائيلي، وأن أية مفاوضات بهذا الشأن، ينبغي ان تضع “المصالح المشروعة للفلسطينيين” في اعتبارها. وبما أن القرارين 242 و 338 لم يعالجا الجوانب السياسية للمشكلة الفلسطينية، فلا بد من جهد دبلوماسي يهدف إلى التوصل إلى تعريف معتدل للمصالح الفلسطينية، بحيث يمكن الانطلاق منه نحو المفاوضات[35].

 

رابعا- المؤتمر الدولي في إطار تدهور سياسة الانفراج

تراجع الحديث عن مؤتمر دولي خلال العام 1976 لعدة أسباب، في مقدمتها توتر العلاقات بين القوتين العظميين نتيجة أحداث أنغولا. في آذار 1976، صرح الرئيس الأميريكي هنري فورد بأن مفهوم الإنفراج لم يعد ينطبق على وصف العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، غير أنه قال بأن بلاده ستستمر في التفاوض معه وفقا لسياسة ” السلام من خلال القوة”[36] .  في الآن ذاته، وافق المؤتمر الخامس والعشرون للحزب الشيوعي السوفييتي على برنامج الحزب الذي أكد على” إصرار الإتحاد السوفييتي على الإستمرار في سياسة الإنفراج مع الغرب ومواصلة تقديم المساعدة للحركات الثورية”[37]. كما شهد العام 1976 حدثين لهما مساس بموضوع المؤتمر الدولي، هما اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية وانتخابات الرئاسة الأميريكية.

ضمن تلك الأجواء، واصل الإتحاد السوفييتي هجومه على السياسة الإنفرادية الأميريكية، وجرى الحديث في الدوائر السوفييتية قي العام 1976 عن خطة سوفييتية لاستئناف مؤتمر جنيف، وهي خطة شاع بأنها تتضمن تشكيل ثلاث لجان مستقلة، أولها مصرية –إسرائيلية والثانية سورية –إسرائيلية والثالثة فلسطينية- إسرائيلية[38] . وفي أيار 1976، تحدث جيمي كارتر إبان حملته الإنتخابية عن عدم اعتراضه على سياسة الخطوة خطوة الكيسينجرية، غير أنه قال بأنه يفضل مبادرة أميريكية – سوفييتية تبدأ بمفاوضات غير علنية بين القوتين العظميين، يليها عقد مؤتمر جنيف كنوع من المنتدى الدولي، ” حيث يمكن للأطراف الأخرى أن تتعرف على ما يكون قد وصلت إليه الدولتان العظميان”[39] . وبعد فوز كارتر وتسلمه منصب الرئاسة في عام 1977، شهد النصف الأخير من العام المذكور آخر انتعاشة لاحتمالات انعقاد المؤتمر الدولي، ثم ما لبثت أن تلاشت مع انعقاد المؤتمر التمهيدي في مصر:

 

 أ. البيان السوفييتي- الأميريكي

صدر البيان الأميريكي – السوفييتي المشترك في 1/10/1977، وذلك بعد تسلم جيمي كارتر، الذي ينتمي للحزب الديمقراطي ويعبر عما يمكن وصفه بيسار الحزب الديمقراطي، إلى منصب الرئاسة في الولايات المتحدة.   نص البيان  على أنه، أي  البيان، إنما يصدر عن الإتحاد السوفييتي والولايات المتحدة   “الدولتين اللتين تتوليان رئاسة مؤتمر جنيف”، وأنهما  تعتبران انعقاد المؤتمر ثانية سوف يشكل استمرارا لمؤتمر جنيف 1973، وبرعاية الدولتين بمفردهما. ودعا البيان إلى التفاوض في إطار مؤتمر جنيف، كما نص على مشاركة جميع الأطراف بما في ذلك ” ممثلي الشعب الفلسطيني”، كما أشار ولأول مرة، إلى ” الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني”، وذلك بدلا من كلمة “المصالح” التي كانت الإدارة الأميريكية قد دأبت على استخدامها. مقابل ذلك، أشار البيان إلى انسحاب إسرائيلي من ” أراض” وليس من ” الأراضي” [40]. وجاء صدور هذا البيان المشترك كبادرة لإنقاذ سياسة الإنفراج.

ب. ورقة العمل الأميريكية- الإسرائيلية

غير أن البيان السابق لم يعمر طويلا. ففي 6/10/1977، أي بعد أقل من أسبوع على صدور البيان السابق، صدرت ورقة عمل أميريكية-إسرائيلية شكل صدورها مفاجأة لما تضمنته من نسف للبيان السوفييتي-الأميريكي. فهي  تضمنت صيغة تفصيلية لمذكرة الإتفاق الإسرايلي – الأميريكي في سياق إتفاقية سيناء الثانية، كما تضمنت موقفا إسرائيليا رافضا للسماح لمنظمة التحرير الفلسطينية بالاشتراك في مؤتر جنيف على قدم المساواة مع الأطراف الأخرى، واعترفت فقط ب ” فلسطنيين من الأراضي المحتلة في عام 1967 في سياق وفد عربي عام واحد ولجنة أردنية- إسرائيلية[41] . كما أكدت الورقة على التمسك بكافة القواعد التي وضعت لمؤتمر جينيف 1973 باستثناء ” ما يتم الإتفاق عليه بين الفريقين” [42].

وبقدر ما مثلت هذه الورقة من تراجع في الموقف الأميريكي بالنسبة لمنظمة التحرير  الفلسطينية، فقد كانت مؤشرا على حدود سياسةالإنفراج، وعلى محدودية  تمسك الولايات المتحدة بها وكذلك محدودية سلطة الرئيس أمام قوة التأثير الإسرائيلي على صياغة السياسات الأميريكية في الكونغرس ومجلس الشيوخ. كماكان الفهم السائد في الولايات المتحدة إزاء تطبيقات سياسة الإنفراج في الشرق الأوسط أنها تؤدي إلى تعزيز موقع الإتحاد السوفييتي على حساب الولايات المتحدة من خلال الإعتراف بحقوق فلسطينية وبقيادة فلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية التي يصر الإتحاد السوفييتي على اشتراكها في مؤتمر جنيف على قدم المساواة مع الأطراف الأخرى.

ج- المؤتمر التمهيدي للمؤتمر الدولي في القاهرة

بعد سنوات من المراوغة والتأجيل، عقد في القاهرة في 14/12/1977 مؤتمر وصف بأنه مؤتمر تمهيدي لاستئناف مؤتمر السلام في جنيف. وقد جاء انعقاد هذا المؤتمر نتيجة مباشرة للزيارة المفاجئة التي قام بها الرئيس المصري، أنور السادات لإسرائيل في 29/11/1977. وقد بدا واضحا بعد ذلك أن سياسة الخطوة خطوة الإنفرادية الأميريكية كانت قد قطعت شوطا منذ التوقيع على اتفاقية سينااء الثانية. ففي 25/11/ 1977، أعلن الرئيس المصري عن عقد مؤتمر تمهيدي لمؤتمر جنيف في القاهرة، وقامت القاهرة هذه المرة بتوجيه الدعوات لحضور المؤتمر. وكان الجديد في هذه المبادرة هو توجيه دعوة رسمية لمنظمة لتحرير الفلسطينية للاشتراك في المؤتمر كوفد مستقل وعلى قدم المساواة مع الأطراف الأخرى التي وجهت إليها الدعوة، وهي أطراف جنيف السابقة: الولايات المتحدة، الاتحاد السوفييتي، سورية، الأردن، إسرائيل، ومصر بالطبع، ثم الأمين العام للأمم المتحدة. وفي 26/11/ 1977، أعلنت الولايات المتحدة عن موافقتها على حضور المؤتمر التمهيدي ” على مستوى الخبراء”، وليس على مستوى وزراء الخارجية على النحو الذي كانت القاهرة قد أعلنته. وفي اليوم ذاته، أعلن الإتحاد السوفييتي عن رفضه حضور المؤتمر. بعد ذلك صدر تصريح أميريكي جاء فيه بأن  حضور الولايات  المتحدة  المؤتمر بدون الإتحاد السوفييتي “لا يعتبر خرقا  لروح مؤتمر جنيف”[43] . وإذ سئل المتحدث: ” هل تحضر الولايات المتحدة الإجتماع  في حال حضور منظمة التحرير الفلسطينية؟”، أجاب:” إذا قررت إسرائيل الذهاب بوجود منظمة التحرير الفلسطينية، فعلينا أن نراجع سياستنا السابقة” [44]. في الآن ذاته، وافقت إسرائيل على حضور المؤتمر، وتغيب كل من الإتحاد السوفييتي وسورية والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية.

كان مفهوما أن رفض الإتحاد السوفييتي  المشاركة قد جاء بالدرجة الأولى نتيجة توتر علاقاته مع مصر منذ أن عقدت إتفاقية سيناء الثانية بدون مشاركته، ثم إلغاء المعاهدة المصرية- السوفييتية  من جانب مصر في العام 1976 وتصاعد النشاط المصري المعادي للاتحاد السوفييتي في إفريقيا (تدخل مصري مباشر في زائير ضد النفوذ السوفييتي وكذلك في الصومال. وقد جرى كل ذلك في سياق تدهور سياسة الإنفراج إلى أخفض مستوى، كما تمت دعوة المنظمة للمؤتمر في إطار ذلك التدهور وعن قصد.

من جهة ثانية، كان ثمة سؤال: هل كانت الولايات المتحدة راغبة حقا في حضور السوفييت، أم أنها كانت تدفع باتجاه عدم حضوره، وبالتالي عدم استئناف مؤتمر جنيف للسلام؟ فمن ناحية وفي سياق تدهور حالة الإنفراج في علاقات القوتين العظميين نتيجة تصاعد الصراع بينهما على إفريقيا بشكل خاص، كان يمكن للولايات اللمتحدة أن لا توافق على الدعوة لمؤتمر تمهيدي أساسا، والاستمرار في حالة المماطلة التي شكلت سمة السنوات التالية لعام 1973. غير أنه يبدو أن إدارة الرئيس كارتر لم تغفل تصاعد قوة الإتحاد السوفييتي خلال السبعينيات وخروجه لأول مرة نحو التدخل المباشر خارج إطار منطقة نفوذه التقليدية- وبخاصة منذ قيامه بإرسال قوات إلى أنغولا في العام 1975 . وكان تصاعد التنافس الأميريكي- السوفييتي في إفريقيا العامل الرئيس في توجه الولايات المتحدة نحوة ربط مصر بها باعتبارها حجر الزاوية في إفريقيا من جهة والشرق الأوسط من جهة ثانية. لذلك يرجح أن الولايات المتحدة كانت راغبة فعلا بحضور الإتحاد السوفييتي للمؤتمر التمهيدي، وبالتالي عقد مؤتمر جنيف، وذلك للحيلولة دون تحول الشرق الأوسط إلى إفريقيا ثانية، أي ميدان تنافس حاد يرقى إلى مرتبة الصراع المباشر، مع التمسك بمبدأ سياسي أساسي، هوإبعاد الإتحاد السوفييتي عن مصر باعتبارها حجر الزاوية في السياسة الإفريقية للولايات المتحدة، والاتفاق على عدم تصعيد الموقف في الشرق الأوسط.

ففي سياق الإعداد للمؤتمر التمهيدي في القاهرة، صدرت عدة تصريحات أميريكية جاء فيها بأن إدارة الرئيس كارتر ” تعارض أية صفقات منفردة بين إسرائيل ومصر لا تشمل الجهات العربية الأخرى”[45] . كما تحدث وزير الخارجية الأميريكي، سايروس فانس عن دور الإتحاد السوفييتي كرئيس مشترك مع الولايات المتحدة لمؤتمر جنيف، وقال بأن الولايات المتحدة  “لا تستخف بالإلتزامات السوفييتية التي تضمنها البيان الأميريكي –السوفييتي المشترك”، وصدرت تأكيدات على ضرورة إيجاد تسوية شاملة عن طريق مؤتمر جنيف[46] . كما تحدث كارتر عن التفاوض في إطار جنيف، وعن اشتراك “ممثلي الشعب الفلسطيني” في أعمال المؤتمر وعن ” الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني” [47].

غير أن مؤتمر القاهرة التمهيدي قد شكل نقطة فاصلة بين مرحلتين، هما مرحلة تدهور سياسة الإنفراج واحتمالات انعقاد مؤتمر السلام، ومرحلة تدهور سياسة الإنفراج وتوقف الحديث عن مؤتمر جنيف.

 

خامسا-المؤتمر الدولي والحرب الباردة الجديدة (1979-1984)

كان أبرز حدث بعد مؤتمر القاهرة التمهيدي، الذي تحول إلى مؤتمر مصري-إسرائيلي- أميريكي، هو التوقيع على اتفاقيات كمب ديفيد في 17/9/1978 بين مصر وإسرائيل بمشاركة وإشراف الولايات المتحدة. ولعل أهم ما ميز تلك الإتفاقيات، هو أنها جرت خارج إطار “المجتمع الدولي”، وبعيدا عن فكرة المؤتمر الدولي الذي ارتبط في الأذهان بفكرة الحل الشامل. وكان من الطبيعي في تلك الأجواء التي سيطرت الولايات المتحدة عليها سيطرة تامة من خلال إقصاء الإتحاد السوفييتي عن الساحة، أن تعود الساحة الأوسطية لحالة الإستقطاب الثنائي. وقد جرت كل تلك التطورات في سياق التدهور الفادح في علاقات القوتين العظميين على صعيد سباق التسلح بدرجة رئيسة، وعلى صعيد التنافس على مناطق النفوذ في مناطق مختلفة من العالم.

فبالنسبة لسباق التسلح، شهد العام 1977 انتهاء مفعول إتفاقية سالت-1 وفشل القوتين في التوقيع على إتفاقية سالت-2. ومنذ ذلك الحين، ألغي لقاء القمة المرتقب بين كارتر وبريجنيف، كما مني مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي الذي عقد في بلغراد (1977-1978) بفشل ذريع ودخلت القوتان العظميان في مرحلة جديدة من سباق التسلح، فتم تجميد إتفاقية سالت-2 في عام 1980، ورفضت الولايات المتحدة التوقيع على معاهدة الأمن والتعاون الأوروبي في العام ذاته.

أما على صعيد مناطق النفوذ، فقد شهدت تلك المرحلة الجديدة  من الحرب الباردة الممتدة من أواخر السبعينيات حتى أواسط العام 1984، جملة من الأحداث الضخمة ذات المساس المباشر  بعلاقات القوتين العظميين وميزان القوة بينهما. فإذا كانت إفريقيا قد شكلت مجال التوتر بين القوتين خلال النصف الثاني من السبعينيات، فإن احتلال الإتحاد السوفييتي لأفغانستان، وسقوط إيران في أيدي التيار الإسلامي الخميني، واندلاع الحرب بين إيران والعراق، قد شكلت الجزء الأشد حدة في سلسلة من المجابهات الأميريكية- السوفييتية غير المباشرة في مناطق مختلفة من العالم، ليس أقلها بولندة ونيكاراغوا.

ومع مجيء رونالد ريغان إلى البيت الأبيض في العام 1980، تعززت في الولايات المتحدة  قوة الجناح الرافض لسياسة  الإنفراج. وتمثل الموقف الأميريكي الذي عبر عنه ريغان، في أن الخصائص الرئيسة  للنظام الدولي لم تتغير منذ الحرب العالمية الثانية، وأن الخاصية الرئيسة لهذا النظام هي الصراع بين الشرق والغرب، وبناء على ذلك، فإن كل الصراعات والحلفاء والأعداء والقضايا والمصالح، إنما يحكم عليها وفقا لعلاقتها بالصراع الأميريكي –السوفييتي[48] .

أما بالنسبة للمنطقة العربية، فقد شهدت تلك المرحلة تطورات لا تقل حدة. فإلى جانب الحرب العراقية- الإيرانية والتوقيع على إتفاقيات كمب ديفيد والمعاهدة المصرية- الإسرائيلية في العام 1979، تبنت الإدارة الأميريكية سياسة “الإجماع الستراتيجي” كأساس لما أسمته بالدفاع عن المنطقة في مواجهة السوفييت، وعمدت إلى تعزيز وجودها العسكري في المنطقة وحصلت على التسهيلات العسكرية في المغرب ومصر وعمان والبحرين والصومال. كما عمدت إلى إنعاش علاقاتها الإقتصادية مع عدد من الدول العربية. وقد انعكس ذلك على مستوى علاقاتها بإسرائيل، فتم التوقيع في العام 1981 على مذكرة التعاون الستراتيجي بين الدولتين، وتلى ذلك الإتفاق على قيام الولايات المتحدة بمساعدة إسرائيل في بناء صناعاتها العسكرية وتحويل القروض العسكرية إلى منح، وزيادة المساعدات، إضافة إلى تشكيل لجنة عسكرية مشتركة لتنسيق التعاون المشترك بينهما في مجالات التخطيط المشترك والمناورات المشتركة وتخزين المعدات العسكرية الأميريكية في إسرائيل[49] .

ضمن تلك الأجواء التي وضعت المنطقة في إطار مظلة أميريكية شبه مطلقة، حدث الغزو الإسرائيلي للبنان ضد منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1982، وتم إخراج المنظمة من لبنان. ولم يقم الإتحاد السوفييتي في تلك الأثناء بأية محاولة لمساعدة منظمة التحرير الفلسطينية  ومحاولة استعادة نفوذه في المنطقة من خلال تحريك أساطيله أو التهديد بمهاجمة مناطق حيوية بالنسبة للولايات المتحدة على سبيل المثال. وبدا وكأن السوفييت قد تخلوا عن المنطقة العربية في سبيل استراجيتهم الجديدة ، والمتمثلة في الالتفاف على المنطقة.

غير أنه وعلى الرغم من تلك الأجواء التي طبعت مرحلة 1979-1984 بطابع المواجهة والتحدي بين القوتين، فإن موضوع المؤتمرالدولي ظل يطل برأسه بين حين وآخر. ففي عام 1981، طرح السوفييت ما عرف بإسم ” مبادرة بريجنيف”، طالب فيها بانعقاد مؤتمر جنيف للسلام واشتراك أوروبا الغربية في المؤتمر[50] ، وهو اتجاه تبناه الإتحاد السوفييتي منذ بداية سياسة الخطوة خطوة الأميريكية بهدف كسر الإحتكار الأميريكي لعملية التسوية في المنطقة.

وفي عام 1982، وبعد الحرب الإسرائيلية- الفلسطينية في لبنان، طرح الرئيس الأميريكي رونالد ريغان في 22/9/1982 ما عرف بمشروع ريغان الذي تبنى فيه مبدأ المفاوضات المباشرة بين الأطراف المعنية[51] ، فرفض الإتحاد السوفييتي المشروع المذكور، وقدم في 15/9/1982 مبادرة جديدة تضمنت فكرة جديدة  هي إقرار ضمانات دولية للتسوية من قبل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي أو من قبل كافة أعضاء مجلس الأمن [52]، فرفضتها الولايات المتحدة.

في أب 1983، أقرت الجمعية العامة في الأمم المتحدة مشروع قرار يدعو إلى عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط. كما صدر عن مؤتمر دولي غير رسمي عقد في جنيف إعلانا سمي ” إعلان جنيف”، طالب بعقد مؤتمر دولي للسلام. وقد تمثل الموقف الأميريكي خلال تلك المرحلة بالرفض القاطع لفكرة المؤتمر الدولي، والتركيز على المطالبة بالمفاوضات المباشرة بين أطراف النزاع، وذلك ضمن السقف المحدد في مشروع ريغان.

 

 سادسا- الانفراج النسبي والعودة لموضوع المؤتمر الدولي (1984-1987)

أ- الانفراج النسبي في علاقات القوتين

خلال النصف الثاني من العام 1984، بدا وكأن القوتين العظميين قد أصبحتا أقرب إلى التفاهم حول الأمور العسكرية والتسليحية، وما يفترضه ذلك من تخفيف لحدة التوتر في علاقاتهما إزاء المشاكل السياسية الإقليمية.

وقد نبع ذلك التفاؤل من التأزم الحاد الذي شهده النصف الأخير من العام 1983 والنصف الأول من العام 1984، وهو تأزم بلغ ذروته في سباق التسلح نتيجة قيام الرئيس الأميريكي بطرح ما سمي بمبادرة الدفاع الستراتيجي أو حرب النجوم في شباط/فبراير1983، ثم قيام الولايات المتحدة بنشر صواريخ كروز وبيرشينغ في أوروبا الغربية، وقيام الإتحاد السوفييتي بنشر صواريخ إس إس 20 في أوروبا الشرقية خلال النصف الأول من العام 1984.

وما إن جاء النصف الثاني من العام 1984، حتى بدأ الطرفان بالتفكير في العودة إلى المباحثات الثنائية، فعقد في أيلول 1984 لقاء بين وزيري خارجية الدولتين، تبعه لقاء الرئيس الأميريكي بوزير الخارجية السوفييتي. كما تميز الخطاب الذي ألقاه ريغان في دورة الأمم المتحدة في الشهر ذاته بلهجة جديدة مغايرة لتلك اللهجة الهجومية  التي اعتاد التحدث بها عن الإتحاد السوفييتي. فقد دعا في خطابه هذا إلى ” مناخ جديد” من التفاهم بين الدولتين[53] . وفي 22/11/1984، صدر إعلان رسمي في كل من واشنطن وموسكو حول اجتماع رسمي مرتقب لوزيري خارجية الدولتين ” لإنهاء الجمود في مباحثات الحد من الأسلحة ووضع جدول أعمال لتلك المباحثات”[54] . وفي كانون الأول 1984، تم الإعلان عن استئناف التعاون بين الطرفين في المجالات العلمية والفنية والزراعية، وهو تعاون كان قد توقف منذ العام 1980[55] .

وفي 7/1/1985، تم اللقاء بين وزيري خارجية البلدين في جنيف، ، واتفق الطرفان على استئناف مباحثات الحد من التسلح ووضعا جداول بذلك. وفي 12/3/1985، بدأت في جنيف محادثات خاصة بالحد من التسلح. وتتابعت اللقاءات والمباحثات بين الطرفين على أكثر من صعيد، وتم الإتفاق بين الطرفين على تبادل وجهات النظر في ما يتعلق بالنزاعات الإقليمية. وشهدت الأشهر اللاحقة سلسلة من الإجتماعات في هذا الشأن، فعقد الإجتماع الأول، وكان خاصا بالشرق الأوسط في آذار 1985، كما عقد اجتماع ثاني في أيار في شأن الوضع في جنوب إفريقيا، واجتماع ثالث في حزيران في شأن أفغانستان، ورابع في أيلول  في شأن جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي. وقد تمت تلك الإجتماعات على مستوى وزيري الخارجية والمختصين بهذه الأقاليم[56] .

وفي أكتوبر 1985، ألقى الرئيس الأميريكي رونالد ريغان خطابا في الأمم المتحدة تحدث فيه عن اجتماع القمة المرتقب بينه وبين الرئيس السوفييتي الجديد ، غورباتشيف، وركز على التعاون مع الإتحاد السوفييتي في معالجة الأزمات الإقليمية التي تحدث عنها: أفغانستان، نيكاراغوا، كمبوديا، أنغولا، إثيوبيا [57]. وقد بدا واضحا من ذلك الموقف أن الإدارة الأميريكية، ورغم حالة الإنفراج النسبي في علاقاتها مع الإتحاد السوفييتي، لم تكن على استعداد لمنح السوفييت أي دور في الشرق الأوسط، أو أن إعطاء مثل هذا الدور منوط بحل المشاكل الإقليمية المشار إليها سابقا.

وفي 19/11/1985، عقدت القمة الأميريكية –السوفييتية في جنيف، ولم يتضمن البيان الختامي أية إشارة إلى أي من المشاكل الإقليمية[58] . ثم أعقبت ذلك قمة أخرى هي قمة ريكيافيك في 11/10/1986 التي لم تحقق شيئا ملموسا، ولم يتم التطرق فيها إلى أي من القضايا الإقليمية [59].

ب- تصاعد الحملة لعقد مؤتمر دولي للسلام

في إطار سياسة الإنفراج النسبي الجديدة التي حكمت علاقات القوتين العظميين منذ بداية النصف الثاني من العام 1984،  بدأت حملة جديدة لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط. وكان السوفييت هم الذين بادروا في هذا الاتجاه، فطرحوا مبادرة جديدة في 27/7/1984 اعتبرت تطويرا لمبادرة بريجنيف االمقدمة في العام 1981. دعت المبادرة الجديدة إلى عقد مؤتمر دولي تحضره الدول العربية التي لها حدود مع إسرائيل: سورية، الأردن، مصر، ومنظمة التحرير الفلسطينية كعضو كامل العضوية في المؤتمر، بالإضافة إلى إسرائيل بالطبع، ثم الدولتان الكبريان الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، “بصفتهما تلعبان دورا مهما في الشرق الأوسط”، إضافة إلى إمكانية انضمام دول أخرى في حالة الإتفاق العام [60].

وفي 12/11/1984، عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته السابعة عشرة في عمان، ودعا البيان الختامي إلى عقد مؤتمر دولي ” تشارك فيه الدولتان الكبريان تحت رعاية الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وبحضور كافة الأطراف المعنية، بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية وعلى قدم المساواة” [61]. وفي 23/12/1984، عقدت قمة مصرية-أردنية دعا البيان الختامي الصادر عنها إلى عقد مؤتمر دولي ” تشترك فيه كافة الأطراف المعنية بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية”[62] .وفي 12/12/1984، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا دعا إلى عقد مؤتمر دولي ” تشترك فيه الأطراف المعنية بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية” “[63] . وفي 9/1/1985، صرح مسؤول في وزارة الخارجية الأميريكية  الأميريكية  بأن الإدارة تقوم بجهود منذ أيلول 1984 بهدف الإعلان عن حكومة فلسطينية مؤقتة في المنفى، ” ليكون ذلك بداية التحرك الأميريكي المقبل للبحث عن حل شامل لأزمة الشرق الأوسط. غير أن منظمة التحرير الفلسطينية نفت ذلك[64]

ج- الاتفاق الأردني- الفلسطيني والمؤتمر الدولي

عقد الإتفاق الأردني – الفلسطيني في 11/2/1985 ،وجاء فيه بأن مفاوضات السلام تجري في ظل مؤتمر دولي تحضره الدول الخمس الأعضاء دائمى العضوية في مجلس الأمن، وسائر أطراف النزاع بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية، ” الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني”[65] .  فقد عقد إتفاق عمان بهدف رئيس هو تذليل عقبة اشتراك منظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر دولي في حال انعقاده، وهي عقبة دأبت الولايات المتحدة ومن خلفها إسرائيل على اعتبارها إحدى العقبات الرئيسة التي تعترض انعقاد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط. ضمن هذا الإطار، نص الإتفاق المذكور على تشكيل وفد أردني –فلسطيني مشترك، ثم عدلت الفقرة المذكورة إلى صيغة تقول بتشكيل وفدين مستقلين أردني وفلسطيني يحضران المؤتمر في إطار وفد عربي موحد[66] . وفي سياق هذا الإتفاق، بوشر باتخاذ خطوات عملية  لتذليل هذه العقبة، فظهرت في أيار 1985 مبادرة عرفت بإسم ” مبادرة حسين-شولتز”، دعت إلى إجراء حوار أميريكي مع وفد أردني-فلسطيني مشترك لا يشارك فيه أعضاء من منظمة التحرير الفلسطينية، وإنما يتم اختيار الأعضاء من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك كتمهيد لحوار أميريكي-أردني-فلسطيني رسمي يشارك فيه أعضاء من منظمة التحرير الفلسطينية، يلي ذلك عقد مؤتمر دولي لرعاية المفاوضات المباشرة بين الجانبين العربي والإسرائيلي[67] .

وفي 2/6/1985، عقد وزير الخارجية الأميريكية شولتز، مؤتمرا صحفيا جاء فيه: “بحثنا مع الملك حسين في المواصفات (بالنسبة لأعضاء الوفد)، وأنا على ثقة بوجود أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني لاينتمون لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبالتالي يمكن اعتبارهم ملائمين للقاء”، واستطرد قائلا:” في اللحظة التي نعثر فيها على مثل هؤلاء، فإنهم سيلتقون مع مساعدي ريتشارد مورفي”. وبالنسبة للمؤتمر الدولي، أكد شولتز على الموقف الأميريكي الذي لا يرى في المؤتمر الدولي إطارا فعالا ومثمرا لحل النزاع. لكنه أضاف بأن الإدارة الأميريكية تتفهم حاجة الملك حسين للحصول على مساندة دولية لخطواته ومبادراته السلمية، وأضاف:” “غير أن الهدف ليس المؤتمر الدولي، بل مفاوضات مباشرة بين الأطراف” [68]. وقد تم إرسال نسخ من هذا التصريح إلى دول حلف شمال الأطلسي ” تماشيا مع رغبة الملك حسين في الحصول على دعم دولي”، كما جاء في التصريح[69] .

ويبدو واضحا مما سبق أن صيغة المؤتمر الدولي التي ارتأتها الولايات المتحدة  في هذه المرحلة،  هي صيغة مخالفة للمفهومين الرئيسين السابقين، اللذين تم طرحهما في عدة مناسبات ومن قبل أطراف مختلفة، وهما : صيغة المؤتمر الدولي الذي يعقد برعاية الأمم المتحدة والإشراف المباشر للقوتين العظميين، وصيغة المؤتمر الدولي الذي يعقد بإشراف مباشر من مجلس الأمن الدولي بأعضائه الخمسة الدائمين أو عموم أعضائه في دورة معينة.

فالصيغة الجديدة، كما أخذت تطرحها الإدارة الأميريكية هي مؤتمر دولي بإشرافها المباشر وحدها، وباشتراك دول حلف شمال الأطلسي فقط. وبذلك يبدو واضحا أن الهدف الرئيس للولايات المتحدة ، كما تمثل في هذه المرحلة بإرسال التصريح السابق إلى دول الحلف، هو إقصاء للإتحاد السوفييتي عن أية عملية سلام في الشرق الأوسط، كما يتضح مما سبق أن العقبة الرئيسة التي اعترضت عقد المؤتمر الدولي هي مشاركة الإتحاد السوفييتي، وليس مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية، وفقا للمنظور الأميريكي. فقد لوحت الإدارة من خلال مبادرة حسين-شولتز باستعدادها للاعتراف بالمنظمة وفق شروط تحددها المفاوضات إذا قبلت بمؤتمر دولي يقوم على مبدأ إقصاء الإتحاد السوفييتي. وأمام إصرار الجانب الأردني الفلسطيني على ضرورة مشاركة الإتحاد السوفييتي، فقد أشارت التقارير إلى أن الإدارة الأميريكية قد أخذت تدرس صيغا مقترحة للتوفيق بين المطلب الأردني-الفلسطيني والمطلب الأميريكي.

ولا بد هنا من التأكيد على اختلاف الموقف الأميريكي بهذا الصدد عن الموقف الإسرائيلي الذي يعارض أي اعتراف أميريكي بمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو أمر يشير إلى أن الولايات المتحدة لا تعير الموقف الإسرائيلي قدرا عظيما من الإهتمام، وبخاصة إذا تبين أنه بالإمكان عقد مؤتمر بدون الإتحاد السوفييتي، وهو كما سيتبين لاحقا، مؤشر على استحالة عقد مثل هذا المؤتمر في ضوء طبيعة النظام الدولي القائم وطبيعة الصراع بين القوتين العظميين.

أما الصيغ الأخرى التي اخذت الإدارة الأميريكية في دراستها، فهي إسناد مهمة الدعوة للمؤتمر الدولي إلى الأمين العام للأمم المتحدة، الذي سيطلب منه أن يطلب من الممثلين الدائميين في مجلس الأمن تحديد استعدادهم لحضور إجتماع قصير، يرفع بعده المؤتمر من أجل بدء مفاوضات عربية – إسرائيلية مباشرة. ويتضح أن هذه الصيغة لا تختلف كثيرا عن صيغة مؤتمر جنيف في العام 1973، غير أنها جاءت في ظرف مختلف عن ظرف عام 1973.  ففي العام 1985، لم تكن هناك مشاكل أساسية ملحة تضطر الإتحاد السوفييتي القبول بها- رغم أنه لم يتوقع في العام  1973 أن يقذف به إلى خارج العملية- كمشكلة فصل القوات على الجبهتين المصرية والسورية التي كان حريصا على أن يتم إنجازها حتى لو كلفه ذلك عدم المشاركة في عقد الإتفاقات. لذلك فقد اختلفت هذه الصيغة عن سابقتها في أنها أعطت الأولوية الثانية لمجلس الأمن، وليس للقوتين العظميين، وهي صيغة لا يعارضها الإتحاد السوفييتي من حيث المبدأ رغم أنه يفضل صيغة إشراف القوتين العظميين، والتي أكدها في مبادرته المطروحة في العام 1984. من جهة ثالثة، يمكن القول بأن قيام الإدارة الأميريكية بطرح موضوع المؤتمر الدولي، والتصريح باحتمال قبولها بالصيغة الأخيرة، قد شكل موقفا أميريكيا جديدا مختلفا عن الموقف الأميريكي الثابت منذ العام 1978، والقائم على رفض فكرة المؤتمر الدولي.

صدرت خلال عام 1985 جملة من التصريحات الأميريكية. ففي 20/9/1985، صرح مسؤول في وزارة الخارجية أنه:” إذا كانت مظلة أميريكية ضرورية، فإننا نرغب في بناء واحدة تحول دون تسرب المطر”. وجاء في تصريح آخر في 18/10/1985:” نحن لسنا ضد المؤتمر الدولي، ولكننا ضد الفخ الدولي”[70] . ولعل الشاغل الرئيس الذي كان يشغل الإدارة الأميريكية في العام 1985 هو في ما إذا كان ممكنا عقد مؤتمر دولي يتم فيه تحجيم دور الإتحاد السوفييتي على النحو الذي حدث في العام 1973، وهل يمكن تكرار ما حدث في ذلك الحين؟ أما الشاغل الرئيس الثاني، فكان حول النتائج المحتملة للحوار الأميريكي-الأردني- الفلسطيني المقترح، وفيما إذا كان هذا الحوار من شأنه توريط الإدارة الأميريكية بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية دون أن يؤدي ذلك إلى مفاوضات إسرائيلية-أردنية –فلسطينية على غرار كمب ديفيد، يعقبها مؤتمر دولي “مظلة” لا يتسرب منها المطر. ومن هنا فقد انصبت التصريحات الأميريكية خلال النصف الثاني من العام 1985 على القول بافتقار “سيناريو الملك حسين إلى آلية الإنتقال من المرحلة الأولى إلى مرحلة المفاوضات المباشرة” . لذلك اتسم الموقف الأميريكي بالمماطلة إزاء مسألة تشكيل الوفد الأردني-الفلسطيني المشترك للحوار، وانتهت الجهود المبذولة لتشكيل الوفد إلى طريق مسدود في أيلول 1985، وكان ذلك مقدمة لانهيار الإتفاق الأردني-الفلسطيني الذي أوقف الملك حسين العمل به في 19/2/1986[71] .

د- إستمرار الدعوة لعقد المؤتمر الدولي

في الوقت الذي تصاعد فيه الحديث في الساحة الأميريكية خلال العام 1985 عن احتمال عقد مؤتمر دولي “تحت إشراف مناسب”، على النحو الذي جاء في تصريح الرئيس الأميريكي رونالد ريغان إثر لقائه بالملك حسين في أيلول من العام ذاته[72]، فقد تأكد بأن “الإشراف المناسب” كان يعني عدم المشاركة السوفييتية. ومع اقتراب عقد القمة الأميريكية- السوفييتية في جنيف، تصاعدت الدعوات المطالبة بانعقاد مؤتمر دولي له صيغة متعارضة مع الصيغة الأميريكية. ففي 9/8/1985، كان مؤتمر القمة العربي الطارئ قد طالب بعقد مؤتمر دولي في إطار الأمم المتحدة بحضور ومشاركة الإتحاد السوفييتي والولايات المحدة وبقية الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وبحضور ومشاركة منظمة التحرير الفلسطينية، ” الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني”، مع الأطراف المعنية الأخرى[73] .

وخلال الدورة الأربعين للأمم المتحدة في أيلول 1985، ألقى وزير الخارجية السوفييتي، إدوارد شيفارندزه، خطابا قال فيه:” إن الأداة الوحيدة لأي حل ممكن في الشرق الأوسط هي مؤتمر دولي ينظم برعاية الأمم المتحدة وبمشاركة جميع الأطراف المعنية، بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية، ودول أخرى بينها الإتحاد السوفييتي والولايات المتحدة”. ولم يوضح في ما إذا كان يفضل صيغة إشراف القوتين العظميين أو صيغة رعاية مجلس الأمن بأعضائه الدائميين.

غير أن موضوع المؤتمر الدولي لم يظهر في البيان الختامي الصادر عن قمة الرئيسين السوفييتي والفرنسي في تشرين الثاني 1985، بل إن الرئيس ميتران قد صرح بعد انفضاض القمة بأن الأحداث الأخيرة، أي الغارة الإسرائيلية على مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس بتاريخ 1/10/1985، واختطاف السفينة الإيطالية أكيلي لاورو في 7/10/1985 “من شأنها أن تؤخر المفاوضات السلمية”، وأضاف بأنه ” ينبغي على دول لها ثقلها أن تشارك في المفاوضات”[74] . وكان ذلك مؤشرا على اعتراض فرنسا على المحاولات الأميريكية للسيطرة بمفردها على عملية السلام. وكانت حصيلة العام 1985 هي القرار الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 12/12/1985 وطالبت فيه بعقد “مؤتمر دولي دون المزيد من التأخير[75] .وقد جاء ذلك القراربعد انتهاء قمة جنيف التي لم يتطرق بيانها الأخير إلى أي من القضايا الإقليمية.

إن انفضاض قمة جنيف دون نتائج ملموسة على صعيد الحد من سباق التسلح بين القوتين العظميين، ناهيك عن القضايا الإقليمية، قد أضفى على النصف الأول من العام 1986 طابع استمرار الحرب الباردة. ففي 2/6/1986، أنهت الولايات المتحدة العمل باتفاقية سالت -2، وفي 5/6/1986، حذر الإتحاد السوفييتي من أنه سوف ينشر المزيد من الرؤوس النووية في صواريخه المنتشرة، وذلك كإجراء ثأري ضد الإنتهاك الأميريكي لاتفاقية سالت-2. وفي 10/7/1986، أعلنت الولايات المتحدة عن عزمها إقامة منشآت جديدة لتخزين الأسلحة النووية في 26 قاعدة جوية في أوروبا والشرق الأقصى، كما أعلنت في 8/7/1986 عن تفجير قنبلة “تعادل قوتها 11 ضعفا لقوة قنبلة هيروشيما”[76] .

غير أن الاتحاد السوفييتي ما لبث أن قابل ذلك التصعيد الأميريكي بالسعي لاستعادة حالة الإنفراج، فأعلن في 28/7/1986 عن قراره بسحب ست كتائب من أفغانستان في نهاية العام المذكور، كما أعلن في 19/8/1986 عن استعداده لقبول التفتيش العسكري لبناء الثقة مع الغرب، وأعلن قرارا بتحديد حظر إجراء التجارب النووية السوفييتية للمرة الثالثة حتى نهاية العام المذكور. وفي 2/9/1986، قررت الإدارة الأميريكية السماح ببيع القمح إلى الإتحاد السوفييتي [77]. وبدأت فترة جديدة من الإنفراج النسبي ما لبثت أن قادت إلى عقد القمة الأميريكية- السوفييتية في ريكيافيك في  11/10/1986،التي وإن تكن لم تسفر عن إنجازات ملموسة، فقد تم وصفها بأنها قد أسست لعلاقات إيجابية بين الرئيسين.

شملت المحاولات السوفييتية لتخفيف حدة التوتر الدولي القضايا الإقليمية. فإلى جانب قرار سحب بعض الكتائب من أفغانستان، عقدت قمة فرنسية –سوفييتية في 10/7/1986. وقد تميزت تللك القمة عن سابقتها التي انعقدت في أواخر العام 1985، بالدعوة في بيانها الختامي إلى ” عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط برعاية الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن” [78]. غير أن متحدثا سوفييتيا قال بأنه ” من الضروري التعرف على موقف الولايات المتحدة وبريطانيا والصين” [79]. كما صرح الرئيس الفرنسي، فرانسوا ميتران ، أن موافقة الولايات المتحدة على ذلك” أمر حيوي وشرط أساسي لانعقاده” [80]. غير أن الولايات المتحدة، وكذلك بريطانيا، بادرت إلى رفض هذه الفكرة. وكان مساعد وزير الخارجية الأميريكي، ريتشارد مورفي، قد صرح قبيل انعقاد القمة السوفيتية – الفرنسية بأن الولايات المتحدة متمسكة برفضها لمؤتمر دولي، وأن الخلاف بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ما زال قائما في هذا الشأن[81]. كما كان قد حدد خلال جولة له في المنطقة العربية في أواخر حزيران من العام ذاته، الموقف الأميريكي  من مسألة السلام في ما أطلق عليه ” وثيقة مورفي”، والذي تضمن اعتبار مبادرة ريغان لعام 1982 بأنها ما زالت تشكل أساسا صحيحا للعملية[82] ،  وأن مؤتمرا دوليا لن يكون بديلا للمفاوضات بين الأطراف، كما ليس بإمكانه فرض حل أو عرقلة تسوية [83].

شهدت تللك الفترة تحولا نسبيا في موقف مصر من المؤتمر الدولي. وكان ذلك قد بدأ تدريجيا منذ الغزو الإسرائيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان في صيف 1982، حيث انضمت مصر إلى فرنسا وقدمتا مشروعا مشتركا في العام 1986 إلى مجلس الأمن، تضمن دعوة لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الوسط، تحضره الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن[84] .

مقابل ذلك،بدأ تحرك أميريكي معاكس، استهله نائب الرئيس الأميريكي، جورج بوش في 27/7/1986 بجولة في المنطقة العربية دعا خلالها إلى إجراء مفاوضات مباشرة بين العرب وإسرائيل للوصول إلى اتفاقيات سلام بين الأطراف ” تسمح بإمكانية انعقاد مؤتمر دولي”[85] . وبهذا أكد جورج بوش على الموقف الأميريكي المتمثل في ذلك الحين ، في أن التوصل إلى اتفاقيات سلام بين الأطراف المعنية عن طريق المفاوضات المباشرة لا بد أن يسبق انعقاد مؤتمر دولي تكون مهمته التصديق على الإتفاقيات التي يكون قد تم التوصل إليها.

 

سابعا- تطورات في موضوع المؤتمر الدولي

شهدت الأشهر الأخيرة من العام 1986 تطورات مثيرة في موضوعة المؤتمر الدولي، في مقدمتها انضمام إسرائيل، ولأول مرة، إلى الداعين لعقد مؤتمر دولي، إضافة إلى حدوث تطور في الموقف الأميريكي تمثل في توقف الإدارة الأميريكية عن المعارضة القاطعة لفكرة انعقاد مؤتمر دولي أو لفكرة مؤتمر دولي سابق على إنجاز إتفاقيات من خلال المفاوضات الثنائية المباشرة.

وقد حدثت تلك التطورات في سياق جملة من الأحداث، في مقدمتها استمرار سياسة الإنفراج بفعل تسارع التطورات الإصلاحية داخل الإتحاد السوفييتي والتصالحية على الصعيد الدولي. أما الحدث الآخر والأكثر مساسا بموضوع المؤتمر الدولي، فهو فضيحة الأسلحة الأميريكية- الإسرائيلية إلى إيران، والتي ظهرت إلى العلانية في تشرين الأول/ أكتوبر من العام المذكور.

أ- قمة الإسكندرية والموقف الأميريكي الجديد

كان أبرز تلك التطورات  هو قمة الإسكندرية التي عقدت بين الرئيس المصري حسني مبارك وشمعون بيريز في 12/9/1986، وذلك بعد انتهاء المفاوضات الخاصة بمشكلة طابا، والتي انتهت بالإتفاق على مشارطة التحكيم، وهو مطلب أصرت عليه مصر. فقد أشار البيان الختامي للقمة المذكورة إلى اعتبار عام 1987 عام الحوار من أجل السلام. وعلى الرغم من أن البيان المذكور لم يتطرق إلى المؤتمر الدولي، فإن التصريحات اللاحقة قد أشارت إلى أن الطرفين قد بحثا هذا الموضوع واتفقا على إمكانية تشكيل لجنة تحضيرية لمؤتمر دولي. فقد تحدث شمعون بيريز بعد عودته من الإسكندرية عن احتمالات عقد “مؤتمر دولي” أو “مظلة دولية” أو ” منتدى دولي” [86].  غير أنه قال بأن المؤتمر الدولي “ليس بديلا للمفاوضات المباشرة، بل للسير قدما فيه… فبعد افتتاح المؤتمر في حال الإتفاق على عقده، ستجري المفاوضات في لجان جغرافية ثنائية دون تدخل دولي” [87].

أما وزير الخارجية المصري، عصمت عبد المجيد، فوصف مفهوم مصر للجنة التحضيرية بأنه على غرار ما طرح في القمة السوفييتية –الفرنسية، أي لجنة تضم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن. وقال بأن وظيفة هذه اللجنة ستكون منحصرة في معالجة ثلاثة أمور هي: “دور المؤتمر، دور الدول الكبرى فيه، وكيفية التغلب على عقبة اعتراف إسرائيل بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني”[88] . غير أن الرئيس المصري حسني مبارك صرح بعد يومين من ذلك، أي في 21/9/1986، أن مصر لم تضع بعد تصورها لدور اللجنة التحضيرية ، وقال بأن المؤتمر الدولي ” سيكون مظلة، ولا بد من مفاوضات مباشرة”[89] . كما أعلن شمعون بيريز في البيان الختامي الذي ألقاه في الكنيست في ختام ولاية حكومته في 7/10/1986، أن إسرائيل قد وافقت على ” منتدى دولي يكون قادرا على إفساح المجال لبدء المفاوضات”[90] ،  أما بالنسبة للموقف الأميريكي الجديد، فقد برز خلال الزيارة التي قام بها شمعون بيريز إلى واشنطن في 14/9/1986، وذلك بعد قمة الإسكندريةمباشرة، حيث جاء في البيان المشترك الصادر في 15/9/1986 بأن الطرفين، أي الولايات المتحدة وإسرائيل، يوافقان على عقد مؤتمر دولي ” شرط أن يؤدي إلى مفاوضات مباشرة بين العرب وإسرائيل”[91] . كما صدرت عن المصادر الأميريكية بعد انتهاء زيارة شمعون بيريز تصريحات أشارت إلى أن الإدرة الأميريكية تفحص صيغا عدة لتشكيل ” اللجنة التحضيرية”[92] . وكان شمعون بيريز قد اجتمع خلال وجوده في الولايات المتحدة بوزير الخارجية السوفييتي، إدوارد شيفارندزه، في 22/9/1986، وكان ذلك أول لقاء سوفييتي- إسرائيلي على هذا المستوى منذ ثلاثين عاما[93] . كما ورد بعد ذلك أن بيريز قد سلم الإدارة الأميريكية مشروعا  لأربع مراحل:

المرحلة الأولى: تقوم حكومتا الولايات المتحدة وإسرائيل بصياغة وثيقة تتعلق باستمرار المفاوضات في المنطقة.

المرحلة الثانية: يتم توجيه دعوة إلى  ممثلي كل من مصر والأردن لإجراء “مفاوضات جوار” مع إسرائيل عبر وساطة أميريكية، على أن تكون المشاركة الفلسطينية في تلك المفاوضات  مرهونة بموافقة إسرائيلية. وفي هذه المرحلة، من المفترض بلورة صيغة  معتمدة فيما يتعلق بتشكيل اللجنة التحضيرية تمهيدا لعقد المؤتمر الدولي.

المرحلة الثالثة: تجتمع اللجنة التحضيرية وتقرر شروط عقد المؤتمر الدولي ومضمونه. ويشارك في هذه اللجنة ممثلو إسرائيل ومصر والأردن وربما أيضا فلسطينيون من جانبهم.

المرحلة الرابعة: في حال التوصل إلى اتفاق داخل اللجنة، يعقد المؤتمر الدولي جلسة إحتفالية واحدة، ثم يتوزع إلى لجان عمل جغرافية، أي مفاوضات مباشرة إسرائيلية- مصرية، وإسرائيلية – أردنية منفردة [94].

وفي سياق شرح المشروع، قالت مصادر إسرائيلية بأن هدف المرحلة الأولى هو التوصل إلى صيغة معتمدة إزاء استمرار المفاوضات السياسية بحيث تشكل إطارا ومضمونا يشبه ما يعرف بإعلان النوايا. وفي حال التوصل إلى تلك الصيغة، تقوم الولايات المتحدة وإسرائيل بدعوة كل من مصر والأردن للانضمام إليهما. وعند ذلك  تنتقل الأطراف إلى المرحلة الثانية، إلى محادثات جوار. وفي هذه المرحلة،يجتمع ممثلو إسرائيل ومصر والأردن مع الفلسطينيين أو بدونهم، ويتوقف ذلك على مدى استجابتهم للشروط الإسرائيلية. ويبدأ الحوار عبر الوسيط الأميريكي الذي يتحرك من غرفة إلى غرفة بين الوفود بهدف التوصل إلى صيغة معتمدة. وفي المرحلة الثالثة، ، وعلى خلفيةالتوصل إلى تلك الصيغة، تتحول “محادثات الجوار” إلى “محادثات إعداد”. وهذا يعني لقاء الأطراف كافة ( ثلاثة أو أربعة في حال العثور على فلسطينيين ليسوا من رجال منظمة التحرير الفلسطينية المعروفين) في غرفة واحدة بشكل علني، حيث يتم طرح الشروط والإطار والتوقيت والمضمون حول المؤتمر الدوليي. وفي حال التوصل إلى اتفاق حول ذلك، يعقد المؤتمر لدولي في مراسيم إحتفالية لجلسة واحدة، ثم يتوزع الأطراف إلى لجان عمل جغرافية ثنائية، أي تبدأ المفاوضات المباشرة[95] .

ويلاحظ مما سبق أن المشروع قسم عملية المؤتمر الدولي إلى ثلاث مراحل فعلية هي مرحلة المفاوضات غير العلنية السابقة على المؤتمر، ثم مرحلة المؤتمر الدولي الإحتفالية، تليهما مرحلة المفاوضات المباشرة العلنية في إطار المؤتمر. وهي صيغة لا تختلف في جوهرها عن الصيغ والمواقف الأميريكية السابقة والقائلة بضرورة إجراء المفاوضات المباشرة قبل المؤتمر الدولي، كما يلاحظ أن مفهوم اللجنة التحضيرية يختلف تماما عن المفهوم الذي طرحه البيان السوفييتي- الفرنسي، وما وصفه المصريون بعد قمة الإسكندرية ، أو ما جاء في قرارالجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في نهاية العام 1986، الذي طالب بلجنة تحضيرية من الدول الخمس الدائمي العضوية في مجلس الأمن.

ب.نقاط بيريز العشر

على العكس من السنوات السابقة حيث كانت الدعوات للمؤتمر الدولي تتراجع خلال النصف الأول من كل عام، تواصلت الدعوات لعقد المؤتمر الدولي خلال النصف الأول من عام 1987، وذلك في إطار جو دولي سيطرت عليه فضيحة الأسلحة الأميريكية –الإسرائيلية لإيران، إضافة إلى تحركات سوفييتية جديدة دشنت مرحلة جديدة من السياسة السوفييتية، وهي المرحلة التي دشنها الرئيس السوفييتي غورباتشيف برفع شعارات الإنفتاح والدمقرطة، على الصعيد الداخلي، وبالعودة إلى إثبات الوجود الفاعل للإتحاد السوفييتي على الصعيد العالمي، وبخاصة في الشرق الأوسط. استهل بيريز، بصفته وزير خارجية في ذلك الحين، هذه النشاطات بجولة أوروبية واسعة ولدى وصوله إلى لندن في 21/1/1987، صرح بأن إسرائيل قد وافقت على مواكبة دولية لمباحثات سلام في الشرق الأوسط تلبية لإصرار الأردن على هذا المطلب، وأكد تمسك إسرائيل بأن المؤتمر ليس بديلا للمفاوضات المباشرة، وأضاف:” توصلت إسرائيل والأردن من حيث المبدأ، إلى عشر نقاط، تمهيدا لعقد المؤتمر الدولي، وبقيت ثلاث نقاط مدار خلاف هي: تمثيل الفلسطينيين، مشاركة الإتحاد السوفييتي، واستمرار المؤتمر[96] .  أما النقاط العشر فهي، على النحو الذي نشر بعد ذلك:

1- يتم الإتفاق مسبقا على تشكيلة وفود المشتركين في المؤتمر.

2- تصر إسرائيل على أن لا تشترك في المظلة إلا الدول التي تقيم علاقات مع الأطراف كافة، والتي هي معنية بالنزاع. ويبدي الأردن تفهما لهذه النقطة لكنه لا يعتبرها شرطا.

3- تتم بلورة كافة الإجراءات والقواعد والمسارات بين الدول التي في المنطقة بشكل مسبق.

4- ينقسم المؤتمر فور انعقاده إلى لجان ثنائية على أساس جغرافي تجري فيها المفاوضات المباشرة، على أن تكون إحداها اللجنة االأردنية –الفلسطينية – الإسرائيلية.

5- المؤتمر غير مفوض بفرض حل على الأطراف، ولا رفض حل يتم الإتفاق عليه في اللجنة الثنائية.

6- تستند المفاوضات إلى القرارين 242 و338.

7- تجري المفاوضات في كل لجنة من اللجان الثنائية بشكل مستقل ومنفصل عن مدى التقدم في اللجان الثنائية الأخرى.

8- يتم تمثيل الشعب الفلسطيني في الوفد الأردني الفلسطيني عن طريق ممثلين موثوقين ليسوا أعضاء في منظمات إرهابية.

9- يقوم السكرتير العام للأمم المتحدة بإرسال الدعوات لحضور المؤتمر بعد التنسيق مع الأطراف وبموافقتها.

10-يمكن عقد المؤتمر في حال حدوث جمود في اللجان الثنائية. وتشترط إسرائيل لذلك موافقة الطرفين، ويرى الأردن أن طلب طرف واحد يكفي[97] .

مقابل ذلك، رد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، إسحق شامير، الذي عارض فكرة المؤتمر الدولي، بإصدار عشر نقاط مضادة بعنوان “لماذا لا للمؤتمر الدولي”، وذلك في 5/2/1987 وهي:

1- إن كل حكومات إسرائيل نادت دوما بإجراء مفاوضات مباشرة بين إسرائيل والدول العربية.

2- إن الحكومة لم تقبل على الإطلاق أي قراريؤيد عقد مؤتمر دولي، ولا ينبغي على وزير الخارجية القول بوجود قرار كهذا.

3- إن حكومة إسرائيل تنادي بإجراءمحادثات مباشرة مع الأردن دون شروط مسبقة، وإن مطلب الأردن بعقد مؤتمر دولي يمثل شرطا مسبقا.

4- إن فكرة المؤتمر الدولي هي فكرة سوفييتية.

5- إن الدول العربية تطالب باشتراك الإتحاد السوفييتي لأنها تعلم أنه سيطالب بانسحاب إسرائيلي وإقامة دولة فلسطينية.

6- إن المؤتمر الدولي سوف يتيح للإتحاد السوفييتي العودة للشرق الأوسط دون أن يفتح أبوابه للهجرة ودون أن يعيد العلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل.

7- إن المؤتمر كله سوف يتخذ موقفا مناهضا لإسرائيل وسوف يطالب المشتركون فيه بانسحاب إسرائيلي.

8- إن العرب يطالبون بمؤتمر لكي يستطيعون التملص من الإعتراف بإسرائيل.

9- إن إتفاق السلام مع مصر قد تحقق من خلال مفاوضات مباشرة (وبمساعدة أميريكية) ومن الواجب مواصلة الطريق ذاته.

10- إن إسرائيل نادت منذ قيامها بمحادثات مباشرة مع جاراتها، وبالفعل، وبعد 30 عام، تم إحراز سلام مع مصر. ومن الواجب أن نستمر ونطالب بإجراء محادثات مباشرة  حتى تعترف دولة عربية أخرى بطريق السلام[98] .

غير أن شمعون بيريز واصل جولته التي ما لبثت أن انتهت إلى القاهرة في 25/2/1987، وصدر بيان مصري – إسرائيلي أشار إلى ضرورة الإسراع بعملية السلام والتوصل إلى اتفاق من خلال عقد مؤتمر دولي في العام 1987 يؤدي إلى مفاوضات مباشرة بين الأطراف [99].

ج. بيان بروكسلبيان بروكسل

أصدرت المجموعة الأوروبية في 23/2/1987 بيانا أيدت فيه ولأول مرة عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط ” تحت رعاية الأمم المتحدة وباشتراك الأطراف المعنية وأي طرف قادر على تقديم مساهمة إيجابية في عملية استعادة وحفظ السلام….”، وأشار البيان إلى تمسك المجموعة ببيان البندقية الصادر في العام 1980، كأساس للموقف الأوروبي، كما أشار إلى استعداد دول المجموعة للمشاركة في المؤتمر.[100]

د. المؤتمر الوطني الفلسطيني والاتحاد السوفييتي

في الآن ذاته، دشن الإتحاد السوفييتي مرحلة جديدة في سياسته إزاء منظمة التحرير الفلسطينية، منهيا بذلك مرحلة الجمود التي حكمت تلك العلاقة  منذ الغزو الإسرائيلي لمقرات منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1982، حيث عمد إلى دعم الوحدة الوطنية الفلسطينية والتقريب بين وجهات نظر الفصائل المختلفة تمهيدا لعقد دورة جديدة للمجلس الوطني الفلسطيني، بحيث تشارك فيه الفصائل التي قاطعت الدورة السابعة عشر التي عقدت في الأردن في أواخر عام 1984. وبالفعل، فقد عقدت الدورة الثامنة عشر في الجزائر بمشاركة جميع الفصائل الرئيسة في 20/4/1987، وتبنى المجلس قرارا نص على أن الجلس الوطني، ” آخذا في الاعتبار قرارات الأمم المتحدة، الرقم 58/38ج والرقم 43/41 في شأن عقد المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط، وكذلك قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بقضية فلسطين، يؤيد انعقاد المؤتمر الدولي في إطار الأمم المتحدة وتحت إشرافها، وتشارك فيه الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وكذلك الأطراف المعنية بالنزاع في المنطقة، بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية، على قدم المساواة مع الأطراف الأخرى. ويؤكد المجلس على ضرورة أن يكون للمؤتمر الدولي صلاحيات كاملة، كما يعبر عن تأييده للمقترح الخاص بتشكيل اللجنة التحضيرية (لجنة المبادرة)، ويطالب بسرعة تشكيلها وانعقادها[101] .

ه. التحرك الأميريكي

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فقد ذكرت الأنباء بأن الرئيس ريغان قد بعث برسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، شامير، خلال شهر نيسان 1987، تحدث فيها عن “مؤتمر دولي”. وقد أقر شامير في 28/4/1987 بتسلم تلك الرسالة ولكنه قال بأنها لم تتضمن تأييدا بشأن مؤتمر دولي، وإنما تحدث عن ” مظلة دولية” [102]. وقد تمثل النشاط  الأميريكي (غير الرسمي) في شهر نيسان بنشاط ملحوظ كان أبرزه الجولة التي قام بها الرئيس الأميريكي السابق، جيمي كارتر، في المنطقة العربية وما نشره بعد ذلك في مجلة “تايم”  حول ضرورة انعقاد المؤتمر الدولي واضعا أيضا تصورا يتلخص بما يلي:

1- الموقف السوري: قال كارتر بأن الرئيس السوري حافظ الأسد قد خوله أن يقول بأن سورية على استعداد لحضور المؤتمر الدولي، وأنه من المسلم به أن العديد من المسائل الرئيسة لا بد وأن يتم التفاوض عليها عبر محادثات مباشرة بين إسرائيل والدول العربية المعنية بأية مسألة من هذه المسائل.

2-مبارك والأسد على استعداد للسماح للملك حسين بأن يكون الناطق الرئيس في ترتيب أمور مؤتمر السلام.

3- طبيعة المؤتمر:

أ- انعقاد المؤتمر مسألة على قدر كبير من الأهمية ومفيد جدا

ب- خلال الجلسات الأولى، يسمح للأطراف المعنية: إسرائيل،سورية، الأردن، مصر، الفلسطينيين وربما لبنان، بأن يعرضوا تصوراتهم عرضا وافيا.

ج- ضرورة المفاوضات المباشرة لحل مشاكل معينة

د- وجود وسطاء مقبولين من كافة الأطراف سوف يساعد عملية التفاوض الثنائية

ه- يمكن إحالة القضايا المتعثرة إلى الجلسة العامة ضمن ترتيبات شروط مسبقة لإدارة النقاش

و- لا يسمح لأية مجموعة من الدول أن تفرض إرادتها الجماعية على طرف من الأطراف.

4-رئاسة المؤتمر: منذ عام 1973 ولغاية العام 1977، كان الإعتقاد السائد هو إمكانية أن تكون الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي رئيسين مشتركين لأي مؤتمر دولي. أماالآن، فإن الإتحاد السوفييتي يمكنه أن يلعب هذا الدوربصفته أحد الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، وسيكون دوره أقل درجة من الدور السابق.

5- الضمانات: لا بد من ضمانات بشأن الإلتزام بالاتفاقات المتفاوض عليها. وهي ضمانات يمكن توفيرها من قبل الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وليس بالضرورة من قبل الأمم المتحدة ذاتها.

6- هناك جهات أخرى لها أدوار رئيسة، وذلك في ضوء استعدادها لتمويل عملية تنفيذ الاتفاقيات التي سيتمخض عنها المؤتمر، وعلى المجتمع الدولي أن يعد بذلك[103] .

من جهة ثانية، نشرت الصحف الإسرائيلية في 30/4/1987 خبر قيام السفير الأميريكي في تل أبيب بتقديم وثيقة إلى رئيس الحكومة الإسرائيلي، جاء فيها بأن السكرتير العام للأمم المتحدة سوف يدعو الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، لكي تقوم بدعوة الأطراف المعنية لتشكيل لجان فرعية تجري فيها المفاوضات المباشرة، وأن هذه الوثيقة تحظى بموافقة مصر والأردن وإسرائيل والولايات المتحدة[104] .

 

ثامنا- المفاهيم المختلفة للمؤتمر الدولي ومعضلاته

يستنتج مما سبق أن هناك عدة صيغ للمؤتمر الدولي المقترح، يمكن إجمالها بما يلي:

أولا: مؤتمر تشرف عليه القوتان العظميان.

ثانيا: مؤتمر يشرف عليه مجلس الأمن بأعضائه الخمسة الدائميين.

ثالثا: مؤتمر يشرف عليه مجلس الأمن بكامل أعضائه في أية دورة من الدورات.

رابعا: مؤتمر تشرف عليه القوى الدولية الخمس الرئيسة.

خامسا: مؤتمر تشرف عليه الولايات المتحدة أو الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي.

غير أنه وبغض النظر عن هذه الصيغ المختلفة، هناك مفهومان رئيسان عامان ومتناقضان للمؤتمر الدولي، هما:

أولا: المؤتمر الذي تشارك جميع القوى المشاركة فيه، في إقرار التسوية إستنادا إلى كافة قرارات الأمم المتحدة، بما فيها القرارين 242و 338. وتتمتع القوى المشاركة فيه بصلاحية فرض الحلول وإلزام أطراف النزاع بقبولها وتقديم الضمانات لها. وهو مؤتمر يقوم على أساس مفاوضات عامة، إلا أنه يفترض المفاوضات المباشرة ، التي تعني الإعتراف المتبادل بين أطراف النزاع.

ثانيا: المؤتمر المظلة، الذي يقوم أساسا على المفوضات المباشرة على نحو ثنائي بين الأطراف، ولا تتدخل القوى المشاركة في المفاوضات إلا عند الحاجة، ولا تملك صلاحيات فرض أو نقض اي اتفاق يتوصل إليه أي طرفين من أطراف النزاع. كما إن هذا الشكل من المؤتمر لايحتاج إلى ضمانات.

ترتبط مسألة رجحان أي من المفهومين السابقين بمفهومين متناقضين آخرين يتعلقان بوظيفة المؤتمر ذاته: هل هو مجرد إطار إجرائي لعملية التسوية التي يفترض بأن هناك إتفاقا دوليا مسبقا على شروطها السياسية بين الأطراف المعنية، أم أنه يتعدى هذه الوظيفة الإجرائية، فيكون المؤتمر هو الشرط الأساسي للتسوية والسلام، وبمعزل عن شروط التسوية السياسية التي تحتل وفقا لهذا المفهوم، موقع المرتبة الثانية، بينما تكون مسألة المشاركين فيه هي التي تحتل المرتبة الأولى ؟

فإذا كان المؤتمر مجرد إطار أمثل لعملية التسوية، يصبح المؤتمر المظلة هو المرجح. وقد ينعقد بأية صيغة من صيغه الخمس السابقة. أما إذا كان المؤتمر هو عملية التسوية ذاتها، فإن عملية التسوية تصبح رهنا بالأطراف المشاركة في المؤتمر، وبمعنى أدق، تصبح مشاركة الإتحاد السوفييتي في المؤتمر هي الشرط الأساسي لانعقاد المؤتمر، وبغض النظر عن صيغة التسوية التي قد يتم التوصل إليها.

إن مفهوم المؤتمر المظلة، يفترض وجود إتفاق مسبق بين أطراف النزاع على صيغة التسوية. وفي هذه الحالة، يكون الحضور الدولي شكليا أو ” إحتفاليا” وفقا لتعبير شمعون بيريز. ضمن هذا الإطار، يمكن لمثل هذا المؤتمر أن يحقق تسوية على جبهة واحدة هي الجبهة الأردنية- الفلسطينية، أو على جبهتين، هما الجبهة الأردنية- الفلسطينية والجبهة السورية كلا على حدة. وقد يظل المؤتمر مفتوحا، على النحو الذي تم عليه مؤتمر عام 1973، كدليل على النية الدولية في تحقيق إتفاق سلام آخر، وبالتالي سلاما شاملا.

أما المفهوم الثاني الذي يقوم على أساس أن المؤتمر هو التسوية ذاتها، ويرتبط انعقاده بتحديد المشاركين قبل تحديد شروط التسوية. فهو ينطلق من مسلمة أن أية تسوية شاملة لا يمكن أن تتحقق إلا بمشاركة الإتحاد السوفييتي والفلسطينيين أو منظمة التحرير الفلسطينية فيها، وذلك إنطلاقا من أن الإتحاد السوفييتي، بصفته أحد القوتين العظميين في العالم، قادر على إفشال أية تسوية قادمة حتى لو كانت تسوية جزئية، إذا لم يشارك فيها، وبالتالي، فإن الأردن لن يدخل تسوية لا تشارك فيها سورية والاتحاد السوفييتي.

إستنادا إلى هذا المفهوم، هناك مشكلة رئيسة تعترض انعقاد مثل هذا المؤتمر، هي مشكلة مشاركة الإتحاد السوفييتي. أما المشكلة الثانية وذات العلاقة بالأول، فهي مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية.

أ- مشاركة الإتحاد السوفييتي

تعني مشاركة الإتحاد السوفييتي في مؤتمر دولي وفقا للمفهوم الأخير، إعطاء دور له في تقرير مصير المنطقة، وهو ما تعارضه الولايات المتحدة بشدة وتقف ضد انعقاد مثل هذا المؤتمر بسببه. ولا تتعلق المشكلة بمدى ما يحصل عليه العرب من مكاسب بدعم من الجانب السوفييتي، بقدر ما يتعلق بالمكاسب التي يحصل عليها السوفييت من عملية حصول العرب على مكاسب. لذلك تعارض الولايات المتحدة أي مؤتمر يكون للإتحاد السوفييتي دور فعال فيه، دور يقوم على الإشراف على المفاوضات وتقديم الضمانات وغير ذلك، بينما لا تعارض مثل هذه المشاركة في مؤتمر مظلة قائم على المفاوضات المباشرة بين أطراف النزاع على نحو ثنائي، وذلك في ظل سياسة الإنفراج. على العكس من ذلك، تسعى إسرائيل إلى مشاركة الإتحاد السوفييتي مشاركة فعالة ، وإنما ضمن شروط تؤدي إلى تحويل هذه الفاعلية لصالحها[105]

1- عودة العلاقات الديبلوماسية الكاملة بين البلدين.

2- رفع القيود على هجرة اليهود السوفييت.

3- التعامل  “الموضوعي” مع الحل السياسي وشروطة، ويشمل:

أ- التنازل عن شرط اشتراك منظمة التحرير الفلسطينية كطرف مستقل على قدم المساواة مع الأطراف الأخرى.

ب- عدم المطالبة بدولة فلسطينية.

ج- جلب سورية إلى طاولة المفاوضات.

د- دعم المفاوضات المباشرة بين أطراف النزاع كدول.

غير أن الولايات المتحدة لا تتحمس لمثل هذه الشروط، رغم تأييدها اللفظي لها.  فمن غير المنطقي أن تعمد الولايات المتحدة، التي يتركز جل اهتمامها على عدم دعم مركز الإتحاد السوفييتي في المنطقة، إلى تأييد تحسن علاقاته بإسرائيل وتحوله إلى وسيط بين إسرائيل والأطراف العربية، حتى لو أدى ذلك إلى تنازله عن معظم شروطه. لذلك فإن الولايات المتحدة لا تربط بين منطقة الشرق الأوسط وبقية القضايا الإقليمية العالقة بينها وبين الإتحاد السوفييتي.

أما بالنسبة للإتحاد السوفييتي، فهو حريص على انعقاد مؤتمر دولي يكون له فيه دور فعال. وقد تعزز هذا التوجه منذ مجيء غورباتشيف للحكم. وقد يكون على استعداد لتقديم التنازلات التي تطالب بها إسرائيل من أجل محاصرة الولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة. وقد أخذ الإتحاد السوفييتي بالإعداد لذلك منذ أواخر العام 1986، فعمد من جهة إلى دعم وحدة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، بينما تجاهل وزير خارجيته ذكر منظمة التحرير الفلسطينية في خطابه الذي ألقاه في الأمم المتحدة في أيلول 1986. كما أوردت الأنباء الإسرائيلية أن وزير الخارجية السوفييتي لم يصر أثناء اجتماعه بوزير الخارجية الإسرائيلي، شمعون بيريز في 23/9/1987،  على حضور منظمة التحرير الفلسطينية كوفد مستقل[106] .

ب- مسألة التمثيل الفلسطيني

على الرغم من اعتراف كافة الالأطراف الإقليمية والدولية ب ” البعد الفلسطيني” الذي هو أساس مشكلة الشرق الأوسط، فإن المطالبة بتمثيل منظمة التحرير الفلسطينية في المؤتمر الدولي كوفد مستقل وعلى قدم المساواة مع الأطراف الأخرى، لم تشتد وتتصاعد إلا خلال فترة الحرب الباردة الجديدة، التي ابتعدت فيها إحتمالات إنعقاد المؤتمر. ومع مجيء حالة الإنفراج النسبي وتصاعد الحديث عن احتمالات انعقاده، بدأ الحديث عن حلول أخرى لمسألة التمثيل الفلسطيني في المؤتمر، منها: وفد مشترك أردني-فلسطيني من منظمة التحرير الفلسطينية، وفد أردني-فلسطيني يتألف الفسطيني منه من شخصيات من الضفة والقطاع، وفد أردني مستقل يمثل الفلسطينيين بالنيابة، وفد عربي مشترك تتمثل فيه منظمة التحرير الفلسطينية.

ترتبط عملية إقرار أي من هذه الصيغ بالمفهوم الذي ينعقد الموتمر في إطاره: هل هو  مفهوم المؤتم ر المظلة والمفاوضات المباشره، أم مفهوم المؤتمر الذي يقوم على المفاوضات من وراء الباب بمشاركة الدول القوى ؟  فبالنسبة للمؤتمر المظلة، تقف منظمة التحرير الفسطينية أمام ثلاث خيارات:

1- تفاهم أردني –فلسطيني على وفد مشترك على النحو الذي تم الإتفاق عليه في الاتفاق الأردني- الفلسططيني في العام 1985. وكانت منظمة التحرير قد قدمت في حينها ثلاثة إقتراحات في هذا الشأن[107] .

2- تفاهم فلسطيني- إسرائيلي مسبق يستبعد الأردن، أو يعطي منظمة التحرير الفلسطينية مركز الثقل. ويتطلب ذلك إعترافا متبادلا.

3- تنازل منظمة التحرير عن الإشتراك في المؤتمر والإيعاز لعناصر فلسطينية من الضفة وقطاع غزة بالمشاركة في وفد أردني-فلسطيني واحد.

أما بالنسبة للمؤتمر الفاعل، فقد طرحت منظمة التحرير مؤخرا صيغة مشاركتها في وفد عربي مشترك . ولا يوجد تصور واضح لكيفية أداء المنظمة في هذه الصيغة رغم أن المنظمة قد أعلنت عن استعدادها لتقديم ورقة بذلك.

توقفت الدراسة عند تاريخ 29/9/1987

تاسعا-ملاحظات لاحقة

بقي موضوع المؤتمر الدولي للسلام قائما بدرجة أو بأخرى منذ العام 1973. غير أنه وعلى مدى السنوات الأربعة عشر التي غطتها هذه الدراسة ،  تم عقد مؤتمر واحد  فقط، هو مؤتمر العام 1973 الذي أدى إلى توقيع إتفاقيات الفصل بين القوات على الجبهتين المصرية والسورية، ومؤتمر تمهيدي واحد في العام 1977، شق الطريق لعقد إتفاقات كمب ديفيد بين مصر وإسرائيل، ثم معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلة. وعلى الرغم من المؤشرات الإيجابية الكثيرة التي بدرت من الإتحاد السوفييتي خلال الأعوام 1985 ،1986 و 1987،  منذ وصول غورباتشيف إلى موقع رئاسة الحزب الشيوعي الحاكم في الاتحاد السوفييتي، وفي مقدمتها الإصلاحات الداخلية ، ثم طرح مبادرات تخفيض التسلح والتهيئة لتوقيع معاهدة خفض الأسلحة النووية متوسطة المدى مع الولايات المتحدة،  وبدء الإنسحاب من أفغانستان، فإن المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط لم ينعقد.

وقد شهد العالم خلال السنوات اللاحقة تطورات دراماتيكية هائلة ما لبثت أن بلغت ذروتهافي نهاية العام 1991، بحل الإتحاد السوفييتي ذاته وقيام كومونويلث الدول المستقلة برئاسة الجمهورية الفيدرالية الروسية، بعد استقلال معظم جمهوريات شرق أوروبا ووسط آسيا.

وكان ما هو أكثر إثارة على الصعيد الدرامي ، هو الإنعقاد السريع والمفاجئ، لمؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط في 30/10/1991، هو مؤتمر مدريد ، وذلك بمبادرة حثيثة من الولايات المتحدة ، حيث تزعمت المؤتمر بمفردها من الناحية الفعلية ، وبمشاركة الإتحاد السوفييتي في الرئاسة الشكلية للمؤتمر. وكان ذلك لأغراض تتعلق بمصالح الولايات المتحدة بشكل خاص في أعقاب انتهاء حرب الكويت، أو ما يسمى بحرب الخليج الثانية.

ولم تتغير الشروط التي حكمت التمثيل الفلسطيني منذ الحرب الباردة ، حيث حضر وفد فلسطيني ضمن الوفد الأردني. وكان الكاسب الوحيد من ذلك المؤتمر هو الولايات المتحدة وإسرائيل التي حظيت وفجأة باعتراف العديد من دول العالم بها، وفي مقدمتهم الصين التي كانت تحلف أغلظ الأيمان بأنها لن تعترف بإسرئيل قبل نيل الشعب الفلسطيني لحقوقة.

10- الهوامش

[1] – حول حرب تشرين وسياسة الانفراج، أنظر: Cox, A, The Dynamics of Detente, New York, 1976, PP. 80-81.

[2] – إبحث عن نص القرار 338 .

[3] –  إبحث عن نص القرار 242 .

[4] – أنظر نص إعلان المبادئ في: الكتاب السنوي للقضية الفلسطينية لعام 1972، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ص. 343.

[5] – الكتاب السنوي،نفس المصدر ، 1973، ص. 460.

[6] – أنظر قرارات الأمم المتحدة باللغة العربية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

[7] –  أنظر  “مؤتمر جنيف واتفاقية فصل القوات المصرية الإسرائيلية”- ملف صادر عن مركز الدراسات الفلسطينية، جامعة بغداد، بغداد، 1974.

[8]–  نفس المصدر

[9] –  أنظر الكتاب السنوي…لعام 1973.

[10]–  أنظر: ماتي غولان، ” المحاضر السرية لهنري كيسنجر في الشرق الأوسط، تعريب حورية محمد، الكويت، 1977، ص.137.

[11]– نفس المصدر، ص. 128.

[12]– نفس المصدر

[13]– نفس المصدر

[14] – نفس المصدر، ص. 129.

[15]–  ملف مؤتتمر جنيف، مصدر سابق.

[16] – الكتاب السنوي…لعام 1973، صص.149،306.

[17] – المحاضر السرية…” مصدر سابق،ص. 139.

[18] – الكتاب السنوي…”لعام 1973.

[19] –  الكتاب السنوي…، لعام 1973، صص.308و 319

[20]–  المحاضر السرية…،ص. 124.

[21] – الكتاب السنوي..لعام 1974، ص. 347.

[22]–  نفس المصدر، ص.369.

[23] –  نفس المصدر.

[24]– نفس المصدر.

[25] –  نفس المصدر، ص. 411.

[26] – نفس المصدر، ص.414.

[27] – نفس المصدر،ً ص. 415.

[28] – نفس المصدر.

[29]–  نفس المصدر، ص.414.

[30]–  نفس المصدر.

[31] – في: ” محمد حسنين هيكل، حديث المبادرة، بيروت، 1985، صص.262،263.

[32] – أنظر النص النص الإنجليزي في صحيفة النيويورك تايمز الأميريكية، عدد18/11/1975.

[33]– في هيكل مصدر سابق، ص.247.

[34]– نفس المصدر.

[35] – أنظر النص في : ” مشاريع التسوية للقضية الفلسطينية 1947-1985، إعداد منير الهور وطارق الموسى، دار الجليل للنشر، عمان ، 1986،ص. 159.

[36] –  مجلة ” السياسة الدولية”، دار الأهرام، القاهرة،العدد 45، ص.165.

نفس المصدر، 187.

[37] – نفس المصدر، 187.

[38]– نفس المصدر

[39]–  مجلة ” نيوزويك الأميريكية، أيار 1976

[40]– مشاريع التسوية..ز، مصدر سابق، صص. 179، 180.

[41] – مجلة مركز الدراسات الفلسطينية،جامعة بغداد، العدد 26، ص. 140.

[42]– نفس المصدر

[43]– مجلة شؤؤون فلسطينية، مركز الأبحاث، العدد 74-75، ص.245. .

[44] – انفس المصدر ،ص.244

[45] – نفس المصدر.

[46] – نفس المصدر.

[47] – نفس المصدر

[48]– السياسة الدولية، العدد 88، ص.34

[49] – نفس المصدر، ص. 18-34. .

[50] – أنظر مبادرة بريجنيف،في ” مشاريع التسوية، مصدر سابق، ص.204.

[51] -أنظر مشروع ريغان في المصدر السابق،ص. 215.

[52] –  أنظر المشروع السوفييتي، نفس المصدر، ص. 222.

[53] – في ” السياسة الدولية، مصدر سابق، العدد 83، ص. 31.

[54]– نفس المصدر، ص. 225.

[55] – نفس المصدر، ص.32.

[56] – نفس المصدر، ص. 33.

[57] – أنظر ” النشرة الستراتيجية”، المجلد 6، العدد20.

[58]– مجلة نيوزويك ،2 كانون أول، 1985ص.

[59] – نفس المصدر

[60] – أنظر المبادرة السوفييتية، في شؤون فلسطينية، مصدر سابق، العدد 138-139، ص.57.

[61] – شؤؤون فلسطينية، العدد 140-141، ص.173.

[62] – شؤون فلسطينية، العدد 142-143،  ص. 167.

[63] – قرارات الأمم المتحدة لعام 1984.

[64]  – شؤون فلسطينية، العدد 142-143، ص. 180.

[65] – أنظر الإتفاق في شؤون فلسطينية ، العدد 144-145.

[66] – نفس المصدر.

[67] – شؤون فلسطينية، العدد 148-149، ص.146.

[68] – نفس المصدر، ص.146..

[69] – نفس المصدر.

[70] – شؤون فلسطينية، ، العدد 152-153، ص. 134.

[71] – نفس المصدر،ص.130..

[72] – شؤون فلسطينية، العدد 150-151، ص.156.

[73] – نفس المصدر.

[74] – أنظر قرارات الأمم المتحدة للعام 1985

[75] – السياسة الدولية، العدد 86، شهريات.

[76] – نفس المصدر

[77] – السياسة الدولية، العدد 89، ص. 298.

[78] – نفس المصدر.

[79] – نفس المصدر.

[80] – نفس المصدر.

[81] – شؤون فلسطينية، العدد 162-163، شهريات.

[82] – شؤون فلسطينية، العدد 160-161، ص. 195.

[83] – شؤون فلسطينية، العدد 164-165،ص.163.

[84] – السياسة الدولية، العدد 88، ص.27.

[85] – السياسة الدولية، العدد 86، صص.168-174.

[86] – النشرة الستراتيجية، المجلد 7، العدد17.

[87] –  شؤون فلسطينية، العدد 164-165، ص.182.

[88] – نفس المصدر، ص.184.

[89] – نفس المصدر، ص. ص.186.

[90] – نفس المصدر، ص.194.

[91] – نفس ا لمصدر، ص. 163.

[92] – نفس المصدر.

[93]  – السياسة الدولية،  مصدر سابق.

[94] – شؤون فلسطينية، العدد 164-165، ص. 165.

[95] – نفس المصدر.

[96] – شؤون فلسطينية، العدد 170- 171، ص.82.

[97] – نفس المصدر

[98] – نفس المصدر، ص. 85.

[99]  – حول زيارة بيريز للقاهرة، أنظر شؤون فلسطينية، المصدر السابق، صص. 85-88.

[100]  – نفس المصدر، ص. 203

[101]–  نفس المصدر،ص. 167.

[102] – نفس المصدر.

[103] – أنظر مقالة كارتر في مجلة تايم الأميريكية، عدد 20 نيسان1987.

[104] –  شؤون فلسطينية، المصدر السابق.

[105] – أنظر التصريحات الإسرائيلية في شؤون فلسطينية،  العدد السابق، في شهريات.

[106] – النص في شؤون فلسطينية، العدد 158-159، صص.72-76.

[107] – أنظر تصريح رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في 19/3/1987، شؤون فلسطينية، العدد 170-171.