الصين والصراع العربي – الاسرائيلي

الصفحة

 

نشرت هذه الدراسة في مجلة ” شؤون عربية” الصادرة عن جامعة الدول العربية، العدد 33-34،  نوفمبر-ديسمبر 1983.       

 

                                                  سـلافة حجـاوي

 

مقدمة

يتعذر النظر إلى موقف الصين من الصراع العربي – الإسرائيلي بمعزل عن سياسة الصين شرق الأوسطية وسياستها الخارجية عامة. وهي سياسة مرت بعدة تغيرات وتقلبات وفقا لاختلاف التحليل الصيني للوضع العالمي، وأثرت على نحو مباشر أو غير مباشر في هذا الصراع سواء من حيث طبيعة مواقفها المختلفة في مراحل مختلفة أو من خلال علاقاتها بمختلف أطراف الصراع.

وعلى الرغم مما يراه البعض من أن دور الصين كان وما يزال هامشيا من حيث تأثيره على مصير الصراع العربي – الإسرائيلي،   فإنه من العسير تجاهل ذلك الحضور الصيني الواضح والمؤثر في المنطقة العربية عامة منذ أواسط الخمسينات،  ذلك الحضور الذي انعكس سلبا أو إيجابا على الكثير من ملامح المنطقة وتوجهاتها السياسية،   كما أثر في الكثير من الإيديولوجيات السائدة فيه.

وإذا كانت الصين لا تؤثر على نحو مباشر في مجريات الصراع العربي – الإسرائيلي في هذا العصر الذي يقوم النظام السياسي الدولي فيه على أساس الاستقطاب الثنائي،  فقد أثبتت العقود السابقة الأخيرة مدى خطورة الدور الذي يمكن أن تلعبه الصين كدولة كبيرة،  وذلك من خلال تحالفاتها،  وهي تحالفات كافية لتغيير موازين القوى في العالم،  والتأثير من خلال ذلك على الصراعات في العالم، وفي مقدمتها الصراع العربي – الإسرائيلي. فماهو  الدور الذي تلعبه الصين والذي يمكن أن تلعبه في مستقبل الصراع العربي -الإسرائيلي، وبخاصة أنها تمر الآن، في أواخر السبعينيات في “مرحلة جديدة” بعد ذلك الانقلاب الداخلي الكبير الذي حدث في الصين والذي طال كل سياساتها،  و ما زال يتفاعل منذ وفاة ماوتسي تونغ في عام 1976.

 

أولا: الصين والشرق الأوسط

احتل الشرق الأوسط أهمية في سياسات الصين الخارجية منذ الأربعينات،  وذلك في خضم معارك الحرب العالمية الثانية،  حيث صدرت من معاقل الثوار في ينان عدة تحليلات في ضوء ما احتله الشرق الأوسط من أهمية ستراتيجية في تلك الحرب. فقد كان التخوف الأساسي للصين في ذلك الحين هو أن تؤدي هزيمة بريطانيا في الشرق الأوسط إلى سيطرة ألمانيا عليه وانتصار محور ألمانيا – اليابان الذي سيلتف لتطويق الصين.

وفي عام 1946،  وبعد ما تمخضت عنه الحرب من نتائج، أطلق ماوتسي تونغ نظرية “المنطقة الوسطية” الشهيرة،  والتي اعتبر فيها أن التناقض الرئيس في مرحلة ما بعد الحرب ليس بين الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، وإنما بين المعسكر الإمبريالي بزعامة الولايات المتحدة والبلدان الإفريقية والآسيوية والأميريكية اللاتينية وحتى بعض البلدان الرأسمالية. فرأي ماو في تلك الفترة المبكرة،  أن أي هجوم أميريكي على الإتحاد السوفيتي غير محتمل طالما أن الولايات المتحدة لم تسيطر سيطرة تامة على هذه المناطق الوسطية. وقد أطلق الصينيون كذلك تعبير “الهلال العسكري” الممتد من اليابان حتى الشرق الأوسط،  مروراً بكوريا الشمالية وتايوان والهند والصينية وباكستان وإيران وتركيا، الذي ستسعى الولايات المتحدة للسيطرة عليه من أجل إحكام عملية التطويق ليس للإتحاد السوفيتي فحسب وإنما للصين بشكل خاص.(1)

وقد أثبتت الخمسينات صحة ذلك، حيث ما لبثت الأحلاف العسكرية الأمريكية أن امتدت ضمن سلسلة متشابكة بدءا بحلف شمال الأطلسي (1949) ثم حلف بغداد (1955) السنتو لاحقا،  وحلف السيتو (1954) والمعاهدة الأمريكية- اليابانية (1955) والمعاهدة الأمريكية مع استراليا ونيوزيلندة (1951).

أصبحت نظرية “المنطقة الوسطية” ،التي تم تطويرها فيما بعد إلى “منطقة وسطية أولى” وتضم كل آسيا وإفريقيا وأميريكا اللاتينية، و”منطقة وسطية ثانية” تضم أوروبا واليابان، أساس السياسة الصينية،  بما في ذلك سياستها شرق الأوسطية، وأصبحت الستراتيجية الأساسية للصين هي الحيلولة دون سيطرة أية قوة كبرى على منطقة الشرق الأوسط، وهي ستراتيجية ثابتة لم تتغير على الرغم من تغير وتبدل السياسة الصينية، وذلك انطلاقا من أن سيطرة أية قوة كبرى على هذه المنطقة من شأنه أن يؤدي إلى تطويق الصين وتهديد أمنها تهديدا مباشرا عبر البر القاري والمحيطات.

هكذا يتضح مدى الأهمية التي يوليها الصينيون لمنطقة الشرق الأوسط عامة. فهم يعتقدون أنها حلقة رئيسية من حلقات تطويق الصين،  إضافة إلى أنها جزء أساسي من “المنطقة الوسطية” التي تحرص الصين على النشاط فيها إيديولوجيا ومصلحيا من أجل إبعاد شبح القوى العظمى عنها. كما ترى الصين بأن هذه المنطقة  جزء من العالم النامي الذي تعتبر نفسها تنتمي إليه، والذي يشكل الفلاحون الغالبية العظمى من جماهيره، على غرار الصين.

شكلت نظرية ماو عن الثورة، وهي مستمدة من تجربة الصين النضالية والممثلة بحصار “الريف للمدن” وبالثورة الشعبية المسلحة طويلة الأمد كطريق وحيد للتحرر وبناء الأمة، منطلقا  لسياسة الصين الخارجية خلال الخمسينات، حيث تضافرت الأيديولوجيا مع المصلحة الوطنية كعنصرين أساسيين فيها. غير أننا نجد بأن العنصر الأيديولوجي ما لبث أن تراجع أمام ضغط المصلحة الوطنية في السبعينات،  حين اتجه التحليل الصيني للقوى في العالم إلى اعتبار الاتحاد السوفيتي “إمبريالية إشتراكية” في ضوء القفزة الهائلة التي حققها وارتقائه إلى مصاف الدول العظمى،  وما حملت تلك القفزة من احتمال تفوقه العسكري على الولايات المتحدة الأميركية في عدد من المجالات،  بينما بقيت الصين رغم تفجير قنبلتها النووية في عام 1964،  عاجزة لأسباب ذاتية بالدرجة الأولى، عن الإرتقاء إلى مصاف الدول الكبرى رغم رصيدها البشري الهائل.

خضع التحليل الصيني للصراع العربي – الإسرائيلي لمنطلق الإستراتيجية الصينية الأساسية والثابتة،  والمتمثلة في العمل على منع أية قوة عظمى من السيطرة على منطقة الشرق الأوسط،  بينما اختلفت سياستها إزاء هذا الصراع مع اختلاف تحليلها للوضع العالمي،  وانعكس ذلك بالطبع على مواقفها وعلاقتها بمختلف أطراف هذا الصراع.

وقد اختلف المحللون في تقييمهم لهذه السياسات الصينية. فهناك من اعتبرها سياسات انتهازية لا تقوم على مبدأ ثابت. وهناك من رأي بأن هدف الصين الأساسي هو الحلول محل الدولتين العظميين في منطقة الشرق الأوسط كدولة عظمى،  إمبريالية الملامح،  وبأن الأيديولوجيا ليست إلا ستارا لتغليف مطامحها هذه. بينما رأي آخرون بأن ثبات الستراتيجيا الصينية يجب أن يكون هو المعيار الأساس للحكم على سياسات الصين المختلفة باختلاف تحليلها للمتغيرات الدولية،  وبالتالي نفي صفة الإنتهازية عن هذه السياسات. ويستند هذا الفريق في تبريره للسياسة الصينية إلى أن الصين قد تبنت في الأساس تحليل تقسيم العالم إلى معسكرين، وإنما بدرجات، وذلك بإقامة التحالفات مع الأعداء الأقل خطرا ضمن معسكر الأعداء،  بهدف استغلال التناقضات، وهو ما نفذته الصين فعلا لدى تحالفها مع شانغ كاي تشيك ضد اليابان إبان فترة التحرير الوطني.

وسواء كان التحليل الصيني للوضع العالمي صائبا أم لا، في أية مرحلة من المراحل، فإن ما يهمنا في هذا المجال، هو تتبع التحليل الصيني للصراع العربي – الإسرائيلي وتصورات الصين لحل هذا الصراع وعلاقاتها بمختلف الأطراف بهدف الوصول إلى تصور واضح للسياسة الصينية هذه حتى أواخر السبعينات،  الأمر الذي سوف يساعد  على وضع تصور مستقبلي لسياسة الصين إزاء الصراع العربي – الإسرائيلي في  مرحلة الثمانينات

 

ثانيا : التحليل الصيني للنزاع العربي – الإسرائيلي

مر التحليل الصيني للصراع العربي – الإسرائيلي بثلاث مراحل. وقد انعكس كل تحليل على تصوراتها لحل هذا الصراع وعلى علاقاتها بكل من إسرائيل والفلسطينيين والدول العربية.

 1- مرحلة الخمسينيات :

لعل أهم ما يميز هذه المرحلة هو اتخاذ الصين موقف الحياد من الصراع العربي الإسرائيلي. وهو حياد اتسم بالميل نحو إسرائيل. ولا عجب في ذلك. فقد كانت إسرائيل أول دولة في الشرق الأوسط تعترف بالصين الشعبية، في الوقت الذي وقفت فيه الدول العربية إلى جانب تايوان وأخذت بعض هذه الدول تنقل سفاراتها من بكين الى تايوان. ففي هذه الفترة،  اعتبرت الصين إسرائيل جزءا من العالم الثالث،  ورأت بأن الصراع إنما هو نتيجة تدخل القوى الكبرى الخارجية،  بريطانيا والولايات المتحدة،  حيث أخذت كل واحدة تساند طرفا من أطراف الصراع بهدف الحفاظ على نفوذهما وسيطرتهما على المنطقة. فالتناقض الأساسي في المنطقة ليس بين إسرائيل والعرب،  وإنما بينهما معا من جهة والغرب من جهة أخرى،  وأن طرد النفوذ الأجنبي من المنطقة من شأنه أن ينهي الصراع ويحل التفاهم بين الطرفين من خلال التفاوض المباشر. وقد اعتبرت الصين حرب عام 1948 بأنها مثال صارخ على التحريض البريطاني – الأمريكي،  وجاء في بيان رسمي: “لدى الإعلان عن تأسيس جمهورية إسرائيل، عمدت بريطانيا إلى تحريض الجامعة العربية على مهاجمة إسرائيل بينما عمدت الولايات المتحدة إلى دعم إسرائيل سراً “(2). وألقت باللوم على الأنظمة العربية الرجعية : ” في عام 1948، حرض الإمبرياليون البريطانيون والأمريكيون على الحرب بين العرب واليهود في فلسطين ورفعت الجامعة العربية شعار “الجهاد المقدس” ودعت العرب للاشتراك في الحرب ضد اليهود،  لقد حاولوا استغلال الحرب لتحويل كراهية شعوبهم العميقة للمستعمرين الأجانب والإقطاع في بلادهم، ومن ثم لزيادة الضرائب وبناء القوات المسلحة الحديثة”(3).

كما تمسكت الصين في هذه الفترة بالتأكيد على ضرورة حل النزاع بالطرق السلمية والتفاوض المباشر دون تدخل خارجي، ونادت بضرورة تنفيذ قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة واعتبرت العرب مسؤولين عن عدم إقامة الدولة الفلسطينية إلى جانب الدولة اليهودية.

وقد استمر هذا الموقف خلال فترة مؤتمر باندونغ الذي انعقد عام 1956. ويذكر بأن شوأين لاي تجاهل في خطابه الذي ألقاه في المؤتمر موضوع الصراع العربي – الإسرائيلي،  ولم يدن إسرائيل وأشار فيه فقط إلى “ضرورة حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين” ووافق بعد ذلك على الاقتراح الأفغاني الذي طالب بإدراج حقوق شعب فلسطين العربي وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة”. ولدى صياغة البيان الختامي،  اقترح شوأين لاي نصا يقول بأن “المسألة الفلسطينية،  شأن تايوان،  لا يمكن حلها إلا بعد اختفاء العناصر الخارجية المسؤولة عن المأساة الفلسطينية”،  إلا أن هذا النص قد رفض.وقد تمت في البيان الختامي إضافة فقرة ” وتحقيق التسوية السلمية للمشكلة الفلسطينية”. وقد علقت صحيفة الشعب الصينية على مؤتمر باندونغ بقولها “: “يجب احترام حقوق شعب فلسطين،  ويجب تسوية المشكلة الفلسطينية تسوية سلمية وفقا لمبدأ تسوية النزاعات من قبل الشعوب ذاتها “. وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده شوأين لاي بعد عودته من مؤتمر باندونغ،  تطرق للموضوع قائلاً : “في القرار الخاص بالمشاكل الأخرى ساند المؤتمر حق الشعب العربي الفلسطيني”(4). وقد صدر في بكين في عام 1956 كتاب بعنوان “المشكلة الفلسطينية” لمؤلف يدعى باي مين،  أكد فيه على وجهة النظر الصينية آنفة الذكر،  والتي تعزو الصراع العربي- الإسرائيلي الي التدخل الأجنبي وجاء فيه “من هذا المنطلق بالذات (أي منطلق التدخل الأجنبي)، أعلن المؤتمر الآسيوي – الإفريقي مساندته للشعب العربي الفلسطيني، والسعي لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة من أجل الوصول إلى تسوية سلمية للمشكلة الفلسطينية”. وأضاف قائلا :”إن محنة اللاجئين الفلسطينيين لم تنجم عن إسرائيل وحدها، وإنما عن الدول العربية الأخرى لأن الأراضي التي خصصها قرار التقسيم للدولة العربية الفلسطينية قد احتلت من قبل إسرائيل والأردن ودول أخرى”(5). ويلاحظ هنا أن الكاتب قد اغفل ذكر اسم مصر نظرأ لبداية تحسن العلاقات المصرية- الصينية بعد اللقاء الذي ثم في باندونغ بين شوأين لاي وجمال عبد الناصر.

غير أن التطورات التي حدثت في النصف الثاني من الخمسينات والتي تمثلت بالعدوان الثلاثي على مصر وصدور مبدأ أيزنها ور والإنزال الأمريكي في لبنان والبريطاني في الأردن، أدت بالصين إلى وضع تحليل جديد للوضع العالمي عامة والصراع العربي – الإسرائيلي كذلك.

شكل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956وما تمخض عنه من نتائج،  بداية دخول الولايات المتحدة إلى المنطقة من بابها العريض. وقد حلل ماوتسي تونغ “في أحد تعليقاته النادرة على أحداث معينة”،  كما يقول نيفيل ديزني، العدوان المذكور بقوله :

“لقد اندلع حدث في قناة السويس. هذا شي ملفت للنظر. أراد ناصر أن يسترد القناة فبعث إيدن بقواته. إن البرجوازيين الإنجليز يتسمون بالذكاء والخبرة ولا ينزلقون عادة لإثارة مثل هذه الأزمة. أما الآن، فقد أصيب إيدن  بالتشويش وارتكب ذلك الخطأ. وكانت النتيجة هي تسليم المنطقة للولايات المتحدة. إن التناقض الأساسي هو مع الولايات المتحدة وليس مع ناصر. فأمريكا إنما تتعامل مع انجلترا وتسعى إلى انتزاع الشرق الأوسط من انجلترا. إن التناقض العالمي الأساسي هو التناقض بين الاشتراكية والإمبريالية. فتحت ذريعة مناهضة السوفيتية والشيوعية تقوم الإمبريالية بالقتال من أجل الشرق الأدنى والشرق الأوسط. إن معسكري الإمبريالية يتنافسان على المستعمرات. القوة الإمبريالية الكبرى هي الولايات المتحدة بينما تأتي بريطانيا وفرنسا في المرتبة الثانية. غير أن حركة الاستقلال الوطني قد اندلعت في المستعمرات. سوف تستخدم الولايات المتحدة قوتها العسكرية للدفاع عن اليابان وتايوان. وهي تخطط لاستخدام التكتيكات المدنية والعسكرية في الشرق الأوسط. إن هذه الأزمات التي اخذوا يثيرونها مفيدة لنا”(6).

أدى هذا التحليل الجديد إلى تغير واضح في موقف الصين من الصراع العربي- الإسرائيلي، كما تخلت عن موقف المهادنة مع إسرائيل،  حيث وصفتها لأول مرة من خلال العدوان الثلاثي بأنها “أداة الإمبريالية الغربية”،  وبأن القوى الأجنبية إنما تحاول إعادة تثبيت أقدامها في الشرق الأوسط بالتعاون مع إسرائيل(7).

صدر في الصين في عام 1956 كتاب آخر لنفس الكاتب سابق الذكر،  باي مين،  بعنوان “إسرائيل والصهيونية والصراع العربي – الإسرائيلي”،   أدان فيه المؤلف علاقة الصهيونية بالدول الإمبريالية وبزعماء مثل ولهيلم الثاني والسلطان عبد الحميد وموسوليني وحتى هتلر، ولكنه استطرد قائلا :” قبل العصر المسيحي كانت فلسطين الأرض التي عاش اليهود فوقها وكانت هناك مملكة إسرائيلية ويهودية،  وذلك قبل أن يحتل العرب فلسطين بزمن طويل.. إن شعب إسرائيل محب للسلام نتيجة تجربته النضالية الطويلة،  وهم يدركون أنهم إذا ما أرادوا التفاوض حول تسوية علاقاتهم بالدول العربية المجاورة،  فلا بد للطرفين من إتباع طريق التفاوض المباشر دون تدخل البلدان الإمبريالية الأجنبية”(8). ومن الملاحظ هنا أن الموقف الصيني قد ظل متمسكا بعد حرب السويس بالدعوة للتفاوض المباشر دون تدخل القوى الإمبريالية والأجنبية،  بينما بدأ بالتمييز،  ولأول مرة بين “شعب إسرائيل” والسياسة الإسرائيلية الصهيونية.

شغلت الصين في أواخر الخمسينات بالنزاع الذي انبثق بينهما وبين مصر، وقلت التحليلات والتصورات الصينية للصراع العربي – الإسرائيلي،  لكي تتجدد ثانية في أوائل الستينات ضمن منظور جديد للصراع العربي – الإسرائيلي وللأطراف المشاركة فيه،  مدشنة بذلك مرحلة جديدة  للسياسة الصينية.

 

 

 

2- مرحلة الستينيات

تتزامن هذه المرحة مع أحداث مهمة داخلية وخارجية. فقد شهدت بداية سياسة الانفراج الدولي وبداية تأزم العلاقات الصينية- السوفيتية،  وبخاصة بعد توقيع الإتحاد السوفيتي مع الولايات المتحدة على معاهدة حظر إجراء التجارب النووية عام 1963،  وتكثف التحركات الأمريكية في منطقة جنوب شرق آسيا،  وبخاصة في لاوس وفيتنام. هذا إلى جانب انتشار ما عرف بالثورة الثقافية التي بدأت في الصين في عام 1965،  والتي تم معها تدشين مرحلة جديدة في سياسة الصين الداخلية والخارجية،  حيث مما لبثت الصين أن طرحت تحليلا جديدا للوضع العالمي. لم تتخل الصين في هذه الفترة عن اعتبار الولايات المتحدة عدوا أولا،   غير أنها أصبحت تنظر إلى الاتحاد السوفيتي “كمتآمر أول”،  لذلك كثفت نشاطاتها في المنطقتين الوسطيتين،  الأولى والثانية.

اشتد التخوف الصيني من أن يشكل الشرق الأوسط موقعا رئيسا في تطويق الصين من قبل الولايات المتحدة بسبب تزايد أهمية النفط وأهميته الإستراتيجية،  كما أصبحت الصين ترى أن الشرق الأوسط قد أصبح أحد الأهداف الرئيسة للستراتيجية السوفييتية. وإزاء اهتمام الصين المتزايد بالمنطقتين الوسطيتين،  الأولى والثانية،  فقد تكثف نشاطها الأيديولوجي والسياسي فيهما،  وأخذت تطرح تصورا جديدا للصراع العربي الإسرائيلي. فإسرائيل لم تعد جزءا من العالم الأفرو- أسيوي،  بل أخذت تنظر إليها بـأنها “المدينة” التي يتحتم علي الريف العربي أن يحاصرها. لم يعد التناقض القائم في المنطقة تناقضا بين العرب وإسرائيل من جهة والإمبريالية الأمريكية من جهة أخرى،  وإنما أصبح بين العرب من جهة وإسرائيل والإمبريالية الأمريكية من جهة أخرى. وقفزت نظرية ماوتسي تونغ الخاصة بالثورة إلى الأمام،   فأصبحت حرب الشعب طويلة الأمد هي الطريق الوحيد الذي يتحتم على العرب اتباعه من أجل “تحرير فلسطين”،  وبأن الصراع العربي – الإسرائيلي لا يمكن حله سلمياً، حيث أن الولايات قد استغلت الأمم المتحدة لخلق مشكلة فلسطين والحيلولة دون حلها،  وإنما عن طريق القوة فقط(9).

ولعل أهم ما ميز الموقف الصيني في هذه المرحلة هو ذلك الانقلاب الهائل الذي تم من حيث المناداة بالقضاء على إسرائيل، وتصاعد التأكيد خلال هذه الفترة على “الحقوق المقدسة للشعب الفلسطيني” والتي تعتبر في نظر الصينيين أشد قوة من “الحقوق المشروعة”. فقد جاء في تصريح لشو أين لاي في 1/1/1964أثناء زيارته الثانية لمصر قوله:” نحن على استعداد لدعم الشعوب العربية لاسترداد فلسطين.. حيث تكونون مستعدين،  قولوا ذلك،  وسوف تجدوننا على استعداد لتقديم كل شيء وأي شيء.. أسلحة.. متطوعين..”(10).

وفي السياق ذاته،  اعتبرت الصين حرب 1967 جزءا من المخطط الإمبريالي الأمريكي لإعادة فرض السيطرة عل منطقة الشرق الأوسط والقضاء على حركات التحرر.  وخرجت بنتائج تقول بأن الولايات المتحدة هي العدو الأول للعرب،  وبأن الإتحاد السوفيتي متآمر مع الولايات المتحدة،  وأن التخلف الاجتماعي -الإقتصادي هو المسؤول عن هزيمة العرب،  وخلصت إلى الإستنتاج بأن البلدان العربية لم تصل بعد إلى مرحلة الديمقراطية الوطنية،  وبأنهم ما زالوا في مرحلة الثورة الديمقراطية الوطنية. كما اعتبرت أن خطأ العرب الأساسي هو اعتبار إسرائيل عدوهم الأول وليس الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي(11).

ونشرت مجلة – Chichorفي عام 1968 خريطة عليها تعليقات حددت فيها المواقع التي تتوافر فيها أوضاع ثورية “ممتازة” في المنطقة الوسطية وهي:  فلسطين،  أنغولا،  اليمن،  الهند،  بورما،  فيتنام،  لاوس،  تايلاند،  الملايو،  الفلبين،  إندونيسيا،  أمريكا اللاتينية،  واعتبرت فلسطين خارج منطقة نفوذ الصين الجغرافية،  وهو ما تطلق عليه “النطاق الآسيوي الخارجي” الذي يضم إيران والهند وإندونيسيا والفيلبين واليابان(12)..

ولعل ما تميزت به هذه المرحلة هي مبادئ لين بياو الأربعة التي انتهت بالقضاء عليه بعد انتهاء الثورة الثقافية، والتي كان قد حددها بما يلي :

  • أولوية الصراع ضد الإمبريالية والتحريفية على الصراع الطبقي.
  • ضرورة تشكيل جبهة عريضة مناهضة للإمبرياليين.
  • ضرورة إقامة قواعد ثورية.
  • شن حرب الشعب وفقا لتعليم ماو وجياب وجيفارا.

بانتهاء الثورة الثقافية داخليا،  بدأت الصين انعطافتها الكبيرة الثانية التي أدت الي تحولات جذرية في سياستها الخارجية،  على الرغم من أن هذه الانعطافة لا تخرج عن نطاق الإستراتيجية الأساسية الرامية إلى إبعاد أية قوة كبرى عن الشرق الأوسط،  وذلك بغض النظر عن مدى صواب التحليل الصيني الذي أدى إلى تغيير موازين القوى في العالم وأفسح المجال،  ليس لإبعاد القويين العظميين عن المنطقة،  وإنما لفرض السيطرة الأميركية عليها.

3- مرحلة السبعينيات    

تشرح الوثيقة التالية التي تم تعميمها سرا على الجيش الصيني في عام 1973، التحليل الصيني للوضع العالمي الجديد الذي بدأ بالتبلور منذ أواخر الستينيات:

“إن التحريفية السوفييتية والإمبريالية الأميركية هما العدوان اللدودان لنا. العدو الأكثر أهمية بالنسبة لنا في الوقت الحاضر هو التحريفية السوفيتية. بعد الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة هي التي تسيطر على العالم،  ولهذا قلنا آنذاك بإن الولايات المتحدة هي العدو رقم واحد لنا. بعد ذلك،  ظهرت الإمبريالية السوفيتية الاشتراكية – التحريفية. وأصبح الوضع قائما على تصارع الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي من أجل السيطرة على العالم،  وقاما بتحديد مناطق النفوذ فيه. لقد قام هان الوغدان الكبيران بأعمال العدوان والتخريب والسيطرة والتدخل في كل بقعة لا يسود السلم فيها. منذ ذلك الحين، أصبحت الإمبريالية الأميريكية والإمبريالية السوفيتية القوتين العظيمين، العدو المشترك لشعوب العالم. الوضع القائم حاليا هو كالأتي: لقد أصيبت الإستراتيجية الكونية للإمبريالية الأميريكية بعدة نكسات متكررة،  وتم إضعاف قوتها العدوانية. لذلك، تحتم عليها أن تقوم ببعض التراجعات وتعديل استراتيجيتها. من جهة ثانية،  أخذت التحريفية السوفيتية بمد أذرعها نحو كل الإتجاهات، وهي تسعى للتوسع المحموم.. إنها أكثر جنونا ومغامرة وخداعا. هذا هو السبب الذي يجعل التحريفية السوفييتية الآن أخطر أعداء بلدنا وأهم هؤلاء الأعداء (13).

اعتبرت الصين أن الإتحاد السوفيتي آخذ في السيطرة على منطقة الشرق الأوسط. وقد أدى ذلك التصور إلى طرح تحليل جديد حيث أصبحت تعتبر جوهر مشكلة الشرق الأوسط هو “العدوان الإسرائيلي والتنافس بين الدولتين العظميين للسيطرة على المنطقة، وأصبح التناقض القائم وفق المنظور الصيني،  هو تناقض بين الدولتين العظميين من جهة “ونضال الشعب الفلسطيني والشعوب العربية ضد السيطرة والعدوان”. ويلاحظ بأن الصين قد أسقطت هنا عبارة “التحرر الوطني” من أدبياتها. فالنضال الفلسطيني ليس نضالا “تحريريا”،  وإنما مجرد نضال لصد العدوان الإسرائيلي والسيطرة الإمبريالية، كما أصبحت ترى أن أية حرب مقبلة في المنطقة لن تكون حربا تحريرية، وإنما “حصيلة تآمر الدولتين العظميين”(14).

فالنزاع العربي – الإسرائيلي، وفق المنظور الصيني الجديد، هو “صراع حول منابع النفط”. وقد جاء ذلك في حديث أدلى به ماوتسي تونغ في عام 1970 وتطرق فيه أيضا إلى حرب 1967 قائلاً: “أنها حرب أميريكية استهدفت الضغط على الدول الأوروبية، وبالتحديد بريطانيا، لتقليص نفوذها في الخليج عن طريق تفجير أزمة إقتصادية في أوروبا”. كما ذهب التحليل الصيني إلى أن حرب 1973 تدخل في السياق نفسه عن طريق خلق أزمة اقتصادية مفتعلة. ورأت الصحافة الصينية بأن الشركات النفطية الإحتكارية، ومعظمها أميريكية،   كانت وراء هذه الأزمة وبأن الأقطار العربية هي ضحايا هذه اللعبة الإمبريالية القذرة. وقدمت الدوائر الصينية دليلا على ذلك في أنه في الفترة يين عامي 1948 و1972 صدرت الأقطار العربية ما يزيد على 10.000 مليون طن من النفط بواسطة الإحتكارات ولم تحصل إلا على 40.000 مليون دولار بددت معظمها في شراء الأسلحة من الولايات المتحدة لمواجهة نزاعاتها مع إسرائيل.  وقالت بأن هذه الأموال النفطية كان من الممكن أن تكون أكثر فاعلية من الحظر النفطي لعام 1973 لو تم توجيهها لخدمة الإستثمارات في العالم الثالث،  بعيدا عن أيدي الإحتكارات الرأسمالية (15).

على الرغم من ذلك،  أيدت الصين حرب أكتوبر 1973 من حيث أنها “شكلت هزيمة للاتحاد السوفيتي..” حيث تم إجبار التحريفيين السوفييت بفعل الضغط الأميريكي،  على التخلي عن فكرة إرسال قوات إلى الشرق الأوسط “(16).

وكانت الصين قد توقفت منذ بداية تقاربها مع الولايات المتحدة ودخولها الأمم المتحدة في عام 1971،  عن دعم حركات التحرير أو المناداة بالكفاح المسلح،  وانتقلت إلى إقامة تحالفات دبلوماسية مع أية حكومة تناهض الإتحاد السوفيتي،  كما توقفت عن المناداة بالقضاء على إسرائيل وأصبحت تعتبرها “أمرا واقعا”. وقد جاء في الرسالة التي حملها مستشار السادات،  محمود رياض،  لدى عودته من زيارة للصين في عام 1972، والتي نشرت في صحيفة الأهرام في 28/2/1972،  أن الصين لا توافق على القضاء على إسرائيل، ولكنها لن تعترف بها قبل تسوية النزاع العربي – الإسرائيلي. وكان قد جاء في خطاب أحد المسؤولين الصينيين في 17/12/1971 بأن الصين “لا تقف ضد الشعب اليهودي أو شعب إسرائيل،  وإنما ضد السياسات الإسرائيلية الصهيونية القائمة على العدوان والتوسع”(17)،  وتذكر هذه التصريحات بالتصريحات المماثلة التي صدرت في النصف الثاني من الخمسينات.

ويمكن الاستنتاج مما سبق،  ومن التأييد الواضح الذي أبدته الصين لاتفاقات كامب ديفيد ومعاهدة الصلح المصرية – الإسرائيلية في عامي 1978 و 1979،  أن الصين قد اتجهت خلال السبعينيات إلى تأييد تسوية الصراع العربي – الإسرائيلي على نحو يضمن التواجد الأميريكي في المنطقة. وذلك بهدف إيجاد طوق أمريكي من شأنه أن يلجم التقدم السوفيتي في جنوب شرق آسيا.

 

 

ثالثا : الصين وإسرائيل

مرت العلاقات الصينية – الإسرائيلية،  شـأن مراحل السياسة الصينية شرق الأوسطية بثلاث مراحل:

1- مرحلة الخمسينيات :

كانت إسرائيل أول دولة في الشرق الأوسط تعترف بجمهورية الصين الشعبية، وذلك بعد ثلاثة أشهر من قيام الأخيرة، كما كانت ثامن دولة غير شيوعية تقدم على هذا الاعتراف. ففي 9/1/1950 بعث وزير الخارجية الإسرائيلي، موشي شاريت، إلى وزير خارجية الصين، شوأين لاي، بالرسالة التالية :

“يشرفني أن أعلم سيادتكم بأن حكومة إسرائيل قد قررت الاعتراف بحكومتكم كحكومة قانونية للصين. ويسرني انتهاز هذه الفرصة للتعبير لسيادتكم عن الأماني المخلصة لحكومتي في ازدهار الأمة الصينية، وعن أفضل تمنياتي الشخصية”(18).

ورد شوأين لاي بالرسالة التالية :

“سيدي.. بالنيابة عن حكومة الشعب المركزية لجمهورية الصين الشعبية،  فقد تسلمت برقية سيادتكم في التاسع من الشهر الحالي بشأن قرار حكومة إسرائيل حول حكومة الشعب المركزية لجمهورية الصين الشعبية، وتمنيات سيادتكم للشعب الصيني وتحياتكم الشخصية، أتقدم لسيادتكم بالنيابة عن حكومة الشعب المركزية لجمهورية الصين الشعبية بترحيبنا وشكرنا(19)“.

ويلاحظ أن الرسالتين لم تتضمنا أية إشارة لإقامة علاقات دبلوماسية. على الرغم من ذلك، يمكن القول بأن الصين قد قدرت إعتراف إسرائيل في وقت كانت الدول التي اعترفت بها قليلة جدا،  وفي الوقت الذي وقفت فيه كل الدول العربية موقفا عدائيا منها إلى حد أدى ببعض هذه الدول إلى نقل سفاراتها من بكين إلى تايوان. ولدى عرض موضوع انضمام الصين إلى الأمم المتحدة في 19 /9/ 1950،  صوتت إسرائيل إلى جانب قبولها والى جانب طرد حكومة الكومنتاغ من الأمم المتحدة. وبعد يوم واحد حضر السفير الإسرائيلي حفلة السفارة الصينية في موسكو بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني(20)

أما لماذا بادرت إسرائيل إلى الاعتراف بالصين، فهناك من يشير بأن ذلك قد تم نتيجة نصيحة بريطانية(21)، علما بأن بريطانيا كانت قد اعترفت بالصين هي الأخرى. ومع ذلك فمن المرجح أن رغبة إسرائيل في إقامة علاقات طيبة مع دولة آسيوية كبيرة وتثبيت نفسها كدولة أسيوية هو الذي لعب الدور الرئيس في دفع إسرائيل إلى اتخاذ هذه الخطوة،  مستغلة موقف العرب العدائي من الصين في ذلك الحين.

غير أن الحرب الكورية ما لبثت أن اندلعت لتضع الموقف الإسرائيلي على محك الاختبار، حيث اضطرت إسرائيل إلى الالتزام بالموقف الأمريكي والتصويت في الأمم المتحدة إلى جانب القرار الذي قدمته الولايات المتحدة في1/2/1951 والذي نص على إدانة الصين بالعدوان على “قوات الأمم المتحدة” في كوريا،  كما كانت إسرائيل هي التي تقدمت باقتراح “عقد هدنة” ضد رغبة الصين التي تمثلت في عقد مؤتمر دولي سباعي لحل المشكلة الكورية. وقد فسرت الصين الإقتراح الإسرائيلي بأن القصد منه هو إعطاء الولايات المتحدة مهلة لإعادة تنظيم قواتها. وهاجمت الصحف الصينية  إسرائيل. كما أن إسرائيل ما لبثت أن التزمت بالقرار الأميريكي الصادر في 18/5/1951 بفرض الحصار التجاري على الصين(22). ولابد من الإشارة هنا أن الموقف الصيني من إسرائيل خلال الخمسينيات كان متوافقا مع الموقف السوفيتي ومتأثرا به. ففي عام 1953 أخذت الصين تنشر مقالات هجومية ضد إسرائيل وتصفها بأنها قاعدة متقدمة لأميريكا وبأنها أخطر تلك القواعد بعد تركيا. وكان لك  منسجما مع الموقف السوفيتي حيث كانت العلاقات السوفيتية – الإسرائيلية قد تدهورت في ذلك العام بسبب ما عرف باسم “مؤامرة الأطباء” والتي أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما،  وذلك الى ما بعد وفاة ستالين. وعلى الرغم من أن إسرائيل كانت قد صوتت ثانية في عام 1952 إلى جانب قبول الصين في الأمم المتحدة،  فقد امتنعت ولأول مرة في عام 1953 عن التصويت على مثل ذلك القرار(23).

غير أن عام 1954 ما لبث أن شهد تطورا جديدا كانت الصين هي المبادرة إليه،  حيث جرت في ذلك العام لقاءات متعددة في رانغون،  عاصمة بورما،  بين السفير الإسرائيلي هأكوهين والسفير الصيني ياتشونغ مينغ. ويذكر بأن السفير الصيني قد أعرب عن سروره لإقامة بعثة دبلوماسية في بورما وأن بلاده على استعداد لإقامة علاقات تجارية مع إسرائيل،  غير أن السفير المذكور لم يشر الي إقامة علاقات دبلوماسية. وفي 29/6/1954 اجتمع شوأين لاي نفسه بالسفير الإسرائيلي هاكوهين في رانغون،  ووعد بالنظر في إقامة ممثليه تجارية إسرائيلية في بكين(24). وبالفعل،  فقد تسلمت إسرائيل في 14/9/1954 دعوة رسمية لإرسال بعثة تجارية إلى الصين. وفي المؤتمر الشعبي الأول للصين الذي عقد في 23/9/1954،  أعلن شوأين لاي في خطابة أمام المؤتمر أن الصين “تسعى لإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل”(25).

وصلت البعثة التجارية الإسرائيلية إلى بكين في 28/1/1954،  حيث يشار بأن الصين قد رحبت بإقامة علاقات دبلوماسية،  وأضافت بأنها على استعداد لمنح مجمع سكني كمقر للبعثة “كتعويض عن الممتلكات اليهودية التي كانت قد صودرت من قبل السوفييت في شنغهاي”(26).

ويلاحظ لدى تتبع المعلومات عن تلك الفترة، بأن الصين هي التي كانت تسعى لإقامة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل بينما كانت إسرائيل هي المترددة في ذلك، وذلك حتى منتصف عام 1955، حين عقد مؤتمر باندونغ،  حيث ما لبثت إسرائيل أن سارعت، ولأول مرة، بطلب رسمي لإقامة علاقات دبلوماسية مع الصين،  وذلك في مذكرة مؤرخة في 29/4/1955 جاء فيها : “إن إسرائيل ترغب في إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع حكومة جمهورية الصين الشعبية في أقرب وقت ممكن”. غير أن الفرصة الذهبية لإسرائيل كانت قد ولت،  حيث أجابت الصين في 21/5/1955 بان “الطلب قد رفع إلى الحكومة”.

في تموز /يوليو 1955، طار السفير الإسرائيلي من موسكو الى بكين في زيارة سرية، حيث أخبر بأن “الوقت لم ينضج بعد لإقامة علاقات دبلوماسية” وأن التعاون سوف يستمر في المجالات الأخرى(27). على الرغم من  ذلك،  فهناك ما يشير إلى أن الصين قد حرصت خلال الفترة الواقعة بين مؤتمر باندونغ والهجوم الثلاثي على مصر في عام 1956 على المحافظة على علاقات حسنة مع إسرائيل،  والمناورة بينها وبين الدول العربية التي لم تبادر الى الاعتراف بها. وكان العامل الأساسي في مواقف الصين هذه هو النظر الى إسرائيل من منطلق استراتيجيتها الكونية والتصدي لسلسلة الأحلاف العسكرية الأمريكية التي أقيمت في ذلك الوقت. وكان عدم انضمام إسرائيل إلى أي من تلك الأحلاف عاملا إيجابيا اهتمت به الصين في تلك الفترة. ففي 7/12/1955 تم نشر مقالة بعنوان “أي نوع من الدول هي إسرائيل؟” تم فيها تثمين “رفض إسرائيل الانضمام إلى أي من الأحلاف العسكرية الإقليمية التي يرعاها الغرب”(28)..غير أن الهجوم الثلاثي على مصر في عام 1956 ما لبث أن أوقف ذلك التوجه الصيني،  حيث أطلق الصينيون على إسرائيل صفة “أداة الإمبريالية الغربية”. وقد أخذت العلاقات الصين- الإسرائيلية منذ ذلك الحين بالتراجع تدريجيا إلى أن أصبحت شبه متوقفة في أوساط الستينات. ويذكر بأن آخر اتصال رسمي بينهما قد تم في آب/ أغسطس 1963،  حين أرسل شوأين لاي رسائل الى رؤساء كافة الدول، ومنها إسرائيل، حول معاهدة حظر التجارب النووية. وقد أيدت إسرائيل موقف الصين من المعاهدة المذكورة وتقدمت بطلب جديد لإقامة علاقات دبلوماسية معها،  وذلك في رسالة موجهة من قبل وزير الخارجية الإسرائيلي في 16/7/1963 دعا فيها الصين لإرسال بعثة لإسرائيل لدراسة عملية تطبيع العلاقات، غير أن الصين لم تجب على تلك الرسالة(29).

2- مرحلة الستينيات

بدأ التخوف الصيني من الدور الذي يمكن أن تلعبه إسرائيل في آسيا منذ حرب السويس 1956. فقد رأت الصين أن حرب السويس قد فتحت باب الشرق الأوسط على مصراعيه أمام النفوذ الأمريكي، وأخذت تتخوف من الدور الإسرائيلي في هذا المجال،  وبخاصة أن حرب السويس قد أدت إلى فتح مضائق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية وجعلت أمر انتعاش التحرك الإسرائيلي في جنوب شرق آسيا كبير الاحتمال.

وقد تعززت المخاوف الصينية خلال الستينات نتيجة التغلغل الفعلي الإسرائيلي في جنوب شرق آسيا ودعم الأنظمة الرجعية في بورما وإندونيسيا والفيلبين وفيتنام وتوافد الخبراء العسكريين والصناعيين إلى تلك البلدان، إضافة إلى ظاهرة انتشار نماذج الكيبوتسات الإسرائيلية فيها. كما اشتدت التخوفات الصينية لدى تسرب الأنباء عن محاولات إسرائيل تدعيم التعاون بين محور فرموزا( تايوان) – إسرائيل – جنوب أفريقيا(30). وفيما أخذت العلاقات الصينية- الفلسطينية بالتطور منذ عام  بينما1964أخذت العلاقات الصينية – الإسرائيلية بالتدهور. وفي لقائه مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية،  أحمد الشقيري،  لدى زيارة الوفد الفلسطيني للصين عام 1964، قال ماوتسي  تونغ :”الإمبريالية تخشى الصين والعرب. إسرائيل وفورموزا قاعدتان للإمبريالية في آسيا. أنتم البوابة الأمامية لهذه القارة الكبيرة ونحن بوابتها الخلفية. هدفنا واحد، آسيا أكبر قارة في العالم، والغرب يريد أن يستمر في استغلالها. الغرب لا يحبنا،  ويتحتم علينا أن ندرك هذه الحقيقة، إن معركة العرب ضد الغرب هي المعركة ضد إسرائيل. لذلك قاطعوا أوروبا وأمريكا أيها العرب(31).

ويمكن الإستنتاج بأن العلاقات بين إسرائيل والصين قد توترت تماما خلال الفترة الممتدة من عام 1964 حتى نهاية عام1967، حيث أخذت إسرائيل تصوت في الأمم المتحدة ضد قرارات قبول الصين في الأمم المتحدة. غير أنه لا بد من الإشارة إلى أن هناك تعتيما كبيرا من كلا الجانبين على حقيقة العلاقات التجارية بين الصين وإسرائيل خلال تلك الفترة. ففي أوائل عام 1968،  تحدث وزير التجارة والصناعة الإسرائيلي أمام الكنيست في معرض رده على سؤال حول الاستيراد من الصين، حيث قال بأن إسرائيل قد سمحت في حالة معينة باستيراد لعب الأطفال من الصين واستطرد قائلا:” إن إسرائيل لا تصدر بطريقة مباشرة إلى الصين،  ولكننا نعلم أن هناك بضائع إسرائيلية تصل إليها بطرق أخرى(32). كما نشر الإتحاد السوفيتي في عام 1968 خبرا بأن الصين قد وقعت مع إسرائيل على اتفاقية سرية تتعلق بالتعاون في مجال إمداد إسرائيل بالحديد والمأكولات(33).

3- مرحلة السبعينيات

يشير تطور العلاقات بين الصين وإسرائيل منذ أوائل السبعينات إلى بروز تبدل أساسي في تقييم الصين لوظيفة إسرائيل في المنطقة،  ومن ثم  نوع العلاقة التي يمكن أن تنشأ بينهما في ظل تلك الظروف المستجدة والتحليل الصيني الجديد للوضع العالمي.

فاذ أصبح الإتحاد السوفيتي هو العدو الأول للصين وفق تحليلها الجديد،  وما نشأ من تقارب  بين الولايات المتحدة والصين منذ أواخر الستينات،  حين عبرت الولايات المتحدة عن نيتها في اتخاذ قرار الانسحاب من فيتنام، ثم زيارة نيكسون للصين عام 1971 ودخول الصين إلى الأمم المتحدة عام 1971، أصبح التقييم الصيني لإسرائيل يعتمد أساسا على مدى الدور الذي تلعبه إسرائيل في إبعاد الاتحاد السوفيتي عن الشرق الأوسط.

شهدت السبعينيات تطورا حذرا في العلاقات الصينية – الإسرائيلية لم يرق إلى درجة إقامة العلاقات الدبلوماسية أو غيرها من العلاقات العلنية، بينما اتجهت التصريحات الصينية إلى التنويه برغبة الصين في تطبيع علاقاتها بإسرائيل. ففي مقابلة أجراها شوأين لاي في الأمم المتحدة في 28/10/1971 قال:  “من بين الدول الست والسبعين التي صوتت إلى جانب القرار الألباني  (مشروع قرار دخول الصين الى الأمم المتحدة)، هناك بعض الدول التي لا توجد بيننا وبينها علاقات حكومية،  رغم أن شعوبها شعوب صديقة للشعب الصيني.. مثال ذلك إسرائيل.. هذا لا يعني أننا لا نستطيع أن نكون أصدقاء للشعب اليهودي(34).

ويشار بأن الكتابة عن الأوضاع الداخلية الإسرائيلية في الصحف الصينية منذ أوائل السبعينات قد شكلت ظاهرة ملفتة للنظر. وقد انتشرت في عام 1971 شائعة إقامة خط تلفوني مباشر بين بكين وإسرائيل. غير أن وزارة المواصلات الصينية أصدرت في 28/6/1971 بيانا جاء فيه : “أن مسألة إقامة اتصالات تلفونية مع إسرائيل لا أساس لها من الصحة. إن حكومة الصين وشعبها لا يقيمان أية صلة مع صهاينة إسرائيل. هكذا كان موقف الصين سابقا وسيظل كذلك في المستقبل وهو موقف ثابت لا يتزعزع”(35).

قامت اسرائيل بعدة محاولات منذ أوائل السبعينات لإقناع الصين بإقامة علاقات دبلوماسية معها، حيث يذكر بان نيكسون قد تحدث في ذلك مع الصينيين لدى زيارته إلى بكين في عام 1971، كما طلبت إسرائيل من رومانيا في العام ذاته التوسط في هذا الموضوع. وكان الوفد المؤلف من عدد من الشخصيات العالمية  مثل منديس فرانس وجيمس شليسنجر والإمبراطور هيلا سيلاسي وآخرين، الذي زار الصين في عام 1971،  قد حاول التوسط في هذا المجال أيضا. وقد صرح منديس فرانس بعد ذلك قائلا بأن الصين تعتبر إسرائيل واقعاً”(36).

من جهة أخرى،  افتتحت إسرائيل  في عام 1971 قنصلية تجارية في هونغ كونغ بغية تطوير العلاقات التجارية مع الصين، غير أنها عادت فاقفلتها في عام 1974 (37) . كما يذكر بأن محاولات قد جرت لإقامة جمعية يهودية للصداقة مع الصين في ذلك الحين،  حيث لعب اليهود الأمريكيون دورا في هذا المجال(38)، غير أن المصادر لا تشير إلى تشكل مثل هذه الجمعية،   وما هي نشاطاتها إن وجدت”.

وقد أثار حضور السفير الصيني حفل عيد الاستقلال الإسرائيلي في السفارة الإسرائيلية في أثينا في عام 1973 ضجة في الأوساط الصحفية،  وبخاصة أن السفير الصيني قد ادعى بعد ذلك أنه كان يظن بأن هذه السفارة هي السفارة الكويتية، ولم تكن توجد سفارة كويتية في أثينا(39). وفي عام 1976 رفضت الصين استقبال البعثة التي أرسلها إسحق رابين لجمع تبرعات، كما يذكر بأن الحكومة الصينية رفضت تسلم رسالة بهذا الشأن(40).

ويبدو أن التطورات الداخلية التي أعقبت وفاة ماوتسي تونغ وشوأين لاي في عام 1976،  وما وقع بعد ذلك من “انقلاب داخلي” قد عزز الاتجاه نحو تطبيع العلاقات الصينية – الإسرائيلية. فقد أيدت الصين مبادرة السادات واتفاقات كامب ديفيد. وتشير التقارير المختلفة منذ ذلك الحين إلى عدة اتصالات صينية- إسرائيلية، كما تزايدت وتسارعت العلاقات التجارية منذ لك الحين. ففي نهاية عام 1978 زار وفد من الكنيست الإسرائيلي برئاسة إسحق شامير عددا من البلدان في جنوب شرق آسيا والتقى الوفد بعدد من الدبلوماسيين الصينيين، وصرح شامير بأن تلك الاتصالات قد تمت بمبادرة من الصين وأنه تم بحث مستقبل العلاقات وتصدير المنتجات الإسرائيلية إلى الصين(41). كما جاء في إذاعة موسكو في 25/1/1979 أن وزير الخارجية الصيني قد التقى سرا في زيوريخ بوزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، عيزر وايزمن (42). ونشرت القبس الكويتية في 14/12/1980 نقلاً عن أنباء من واشنطن أن الصين  قررت تزويد إسرائيل باحتياجاتها من الفحم، كما تعاقدت إسرائيل مع الصين على تزويدها بمعدات أمريكية ورادارات وأجهزة للإتصال والمراقبة والكمبيوتر.  وقد ذكرت إذاعة إسرائيل في 18/7/1980 أن مسؤولين إسرائيليين كبيرين هما مدير عام وزارة الدفاع ومدير عام وزارة المالية قد زارا الصين مؤخراً للتباحث حول شراء الصين أسلحة إسرائيلية(43)

 

رابعا : الصين والفلسطينيون والعرب عامة

لا يمكن عزل أشكال العلاقة التي قامت بين الصين والعرب عامة منذ أواسط الخمسينات عن مجمل سياسية الصين الكونية ومراحل تحليلها للصراع العربي – الإسرائيلي. وتجدر الملاحظة أن الدول العربية لم تعترف بالصين بعد مؤتمر باندونغ مباشرة، بل بقيت تراوح حتى عام 1956 وهو عام العدوان الثلاثي على مصر،  حيث بادرت مصر إلى سحب اعترافها بتايوان وإقامة علاقات دبلوماسية مع الصين،  وكذلك سورية واليمن. وفي عام 1957 اعترفت المغرب بالصين،  كما اعترف العراق والسودان بها في عام 1958.  وكانت الصين أول دولة تعترف بالحكومة الجزائرية المؤقتة في عام 1958.

غير أن العلاقات الصينية – العربية ما لبثت أن تدهورت،  حيث اتخذت الصين موقفاً مماثلاً للاتحاد السوفيتي إزاء  سياسات مصر الداخلية والعربية،   وبخاصة موقفها من الشيوعيين و من عبد الكريم قاسم في العراق، وأدى وقوف مصر إلى جانب الهند خلال النزاع الهندي – الصيني حول التبت الي زيادة ذلك التوتر.

ما لبثت مرحلة الستينات أن شهدت تقاربا مصريا – سوفييتيا،  وذلك في نفس الوقت الذي أخذت فيه الصين تتجه إلى اتخاذ مواقف معادية للإتحاد السوفييتي،  وفشلت محاولات الصين  للتقرب من مصر. وكان جمال عبد الناصر قد رفض في عام 1963 طلبا صينيا بعقد مؤتمر باندونغ ثان طلبت فيه الصين استبعاد الاتحاد السوفيتي منه(44). وفي ضوء أن الصين كانت تعتبر مصر بمثابة حجر الأساس في علاقاتها العربية،  لذلك يمكن القول أن العلاقات الصينية – العربية الرسمية قد بقيت في حالة تتسم بالجمود التام خلال الستينات. كما إن التوجه الصيني خلال الستينات لدعم حركات التحرير في العالم والمنطقة العربية خاصة،  لعب دورا كبيرا في توتر علاقات الدول العربية مع الصين.

رمت الصين بكل ثقلها خلال منتصف الستينات وراء حركة المقاومة الفلسطينية، حيث رأت أن من شأن المقاومة الفلسطينية أن تصبح مركز الثقل والمحور الأساسي في النضال العربي ضد الإمبريالية الأمريكية،  كما لا يمكن إغفال محاولات الصين الحيلولة دون توجه الحركة الفلسطينية نحو السوفييت في تلك الفترة التي أخذت الصين فيها تسعى لإبعاد الإتحاد السوفيتي عن المنطقة. ولعل الصينيين قد توقعوا أن يكون في مقدور المقاومة الفلسطينية القيام بمثل هذا الدور،   وبخاصة أن الاتحاد السوفييتي كان قد   وقف موقف الحذر،  بل واعترض على النشاط الفلسطيني المسلح،  وبخاصة أن جزءا من السلاح الفلسطيني كان يأتي من الصين،  رغم ضآلة كمية هذا السلاح.

شهدت تلك الفترة تطورا كبيرا في العلاقات الصينية – الفلسطينية على الصعيدين العسكري والسياسي، سواء من حيث تبادل الزيارات إو إرسال الأسلحة الصينية أو تدريب الكوادر الفلسطينية في الصين. ومن المعتقد ان تعامل الصين تعاملا مباشر مع الفلسطينيين وبمعزل عن الأنظمة العربية،  كان أحد العوامل الرئيسة التي لعبت دورا في توتير العلاقات الصينية – العربية الرسمية خلال هذه المرحلة.

غير أن العلاقات الصينية – الفلسطينية ما لبثت أن أخذت بالتدهور التدريجي مع انتهاء الثورة الثقافية الصينية وتبدل السياسة الخارجية الصينية من جهة،  وبداية الإتصالات الفلسطينية- السوفيتية من جهة أخرى. وكان عام 1971 عاما حاسما في هذا المجال حيث توقفت الصين عن الإحتفال بيوم فلسطين الذي دأبت على الإحتفال به منذ عام 1965،  كما يشار إلى أن الصين  توقفت عن تنفيذ الاتفاقات المعقودة بينها وبين منظمة التحرير الفلسطينية بشأن إمدادات الأسلحة. وقد حاولت منظمة التحرير الفلسطينية تطويق التحول السياسي الصيني حيث وصل إلى بكين في أيلول / سبتمبر 1971 وفد فلسطيني كبير،  وصرح رئيس الوفد،  خليل الوزير أبو جهاد، قائلا : “لقد وقفت الثورة الصينية في السابق إلى جانبنا بكل حماس ثوري وبصدق حميمي،  وها نحن نجئ الى الصين ونحن في أصعب أيامنا، ولكن دون جدوى، حيث كان التحول الضخم في السياسة الصينية قد تجذر”.

وقد عادت الصين منذ ذلك العام إلى تمتين علاقاتها بالدول العربية المتجهة إلى التحالف مع الولايات المتحدة،  وأخذت العلاقات الصينية- المصرية تتطور مجددا. ففي عام 1972 زار محمود رياض الصين،  كما زارها محمد حسنين هيكل عام 1973، ثم حسين الشافعي في العام نفسه، ولك مع بداية تدهور العلاقات المصرية – السوفييتية.وقد نمت العلاقات المصرية – الصينية منذ ذلك الحين نموا ملموسا وأيدت الصين كافة الخطوات التي اتخذها السادات بدءا بطرد الخبراء السوفييت وانتهاء باتفاقات كامب ديفيد ومعاهدة الصلح المصرية – الاسرائيلية. وكان حسني مبارك قد زار الصين في عام 1976 وقام بالتوقيع على بروتوكول عسكري تعهدت الصين بموجبه بتزويد مصر بثلاثين محرك لطائرات الميغ بعد إلغاء مصر لمعاهدة الصداقة مع الاتحاد السوفيتي وتوقفه عن تزويدها بقطع الغيار منذ العام المذكور(45).  وقد شهدت السبعينيات تحولا في مجمل علاقات الصين بالمنطقة حيث توقفت أيضا عن دعم جبهة تحرير عمان،  ودعمت النظام السوداني ضد محاولات الإطاحة به في عام 1971،  وأقامت علاقات حسنة مع الدول الخليجية والعربية وإيران،  كما أيدت تدخل المغرب في زائير وموقفة من الصحراء الغربية.

 

 

(1) Shichor, Y, The Middle East in China’s Foreign Policy. (1949–1977), (Cambidge University Press 1979.

 

(2) Ibid., P. 27

(3) Ibid., P.37.

(4) Merip reports, No. 63, P., 4.

(5) Ibid., P. 54.

(6) Ibid., p.5.

(7) Chichor, op.cit., P.51.

(8) Ibid., P. 58.

(9) Ibid.,P.  116.

(10) Kooley, China & the Palestinians, Journal of Palestine Studies, Vol. 1, No. 2, !1979, P. 24.

(11) Chichor, op.cit., P. 70.

(12) Kooley, op.cit., P.35.

(13) Chichor, op.cit., p.160.

(14) أنس مصطفى كامل،  الصين والصراع العربي –الإسرائيلي،  المستقبل الغربي،  العدد25،  آذار 1981.

(15)Chichor, op.cit., P. 120.

(16) Ibid., P. 180.

(17) Ibid., P. 178.

(18) Ibid., P.21.

(19) Ibid., P. 216.

(20) Ibid., P. 23.

(21) أنس مصطفى كامل،  مصدر سابق،  ص. 51.

(22) Chichor, op.cit., P. 24.

(23) Ibid., P. 24.

(24) Merip reports, op.cit., P.4.

(25) Chichor, op.cit., P. 26.

(26) Ibid., P. 26.

(27) Ibid., P. 27.

(28) Ibid., P. 27.

(29) Ibid., P. 115.

(30) أنس مصطفى كامل،  مصدر سابق،  ص. 58.

(31) Kooley, op.cit., P. 21.

(32) شحادة موسى،  علاقات إسرائيل مع دول العالم،  مركز الأبحاث،  م.ت.ف.،  1970،  ص. 341.

(33) أنس مصطفى كامل،  مصدر سابق،  ص. 52.

(34) Chichor, op.cit., P. 178.

(35) Ibid.

(36) Ibid.

(37) Ibid., P. 179.

(38) Ibid., P. 176.

(39) أنس مصطفى كامل،  مصدر سابق،  ص. 59.

(40) نفس المصدر،  ص. 59.

(41) سراب عبود،  العلاقات الإسرائيلية الأسيوية،  مجلة مركز الدراسات الفلسطينية،  العدد44-45،  1982،  ص. 94.

(42) نفس المصدر.

(43) نفس المصدر.

(44) Chichor, op.cit, P. 58.

(45) Merip Reports, op.cit. P. 8.