الفلسطينيون في لبنان

الصفحة

 

ســلافة حجـاوي

 

نشرت هذه الدراسة في مجلة مركز الدراسات

الفلسطينية-كلية العلوم السياسية/

جامعة بغداد/ العدد 22 / أيار – حزيران 1977

 

كانت حادثة عين الرمانة في 13/4/1975 بمثابة الشرارة التي أطلقت الحرب اللبنانية المستعرة في الخفاء من عقالها، بادئة بذلك مرحلة جديدة أشد هولا وعنفا مما سبقها من صدامات ومعارك، في طبيعتها وامتدادها ونتائجها بالنسبة لكافة الأطراف المشاركة فيها. ولئن شكل الطرف الفلسطيني في تلك الصدامات السابقة طرفا رئيسا من حيث صدامه مع السلطة اللبنانية وأجهزتها وتعرضه لهجماتها وهجمات القوى اليمينية المشاركة فيها، فقد اتسمت الحرب الأهلية الأخيرة باتساع مداها وشمولها ليس الطرف الفلسطيني فحسب، وإنما قطاعات واسعة وعريضة من الشعب اللبناني في مواجهة طرف لبناني آخر، ومن ثم تطورها إلى حرب عربية ودولية تصارعت في داخلها مصالح الأنظمة العربية والدولية.

لقد ارتفعت العديد من الأصابع من مواقع مختلفة مشيرة إلى الفلسطينيين تارة بالاتهام بتوريط ما درج على تسميته بالبلد الديمقراطي الآمن المحايد وطورا بالضيوف الذين نكثوا باليد التي امتدت لإيوائهم واستضافتهم، وطورا آخر بالإحجام عن النزول بكامل ثقلهم إلى ساحة المعركة، إضافة إلى العديد من الاتهامات حول ما وصف بالتجاوزات والانتهاكات والتوريط. لقد لخص البيان الذي أصدره رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بتاريخ 25/6/1975 السياسة التي كان مقررا أن تتبعها حركة المقاومة الفلسطينية في لبنان لدى اندلاع تلك الحرب حيث جاء في ذلك البيان: “إن فصال الثورة الفلسطينية لا تشكل طائفة جديدة على أرض لبنان تضاف إلى جهة فترجمها كما إنها ليست طرفا في الحلبة الداخلية، وأن الفلسطينيين لم يأتوا إلى لبنان طوعا واختيارا، ولم يجيئوا لكي يحملوا السلاح في وجه الشعب اللبناني”.

ولقد أثار هذا البيان في حينه ردود فعل مختلفة كما أن تطورات الحرب قد تجاوزته. وإذا كانت هذه الدراسة لا تهدف إلى دراسة الحرب اللبنانية والدور الفلسطيني فيها بسبب عدم مرور الوقت الكافي لدراستها دراسة موضوعية في ضوء الوثائق التي ستظل إلى حين طويل طي الكتمان، فإنها تشكل محاولة لتتبع الوجود الفلسطيني على الأرض اللبنانية، ومؤثراته وتفاعلاته المادية في ذلك المجتمع، هذه المؤثرات والتفاعلات التي نقلت نتائجها إلى صميم الحرب الأهلية اللبنانية.  كما إن هذه الدراسة لا تعدو أن تكون محاولة أولية في التعرف على طبيعة وأثر هذا الوجود من خلال بعض المصادر والوثائق المتوفرة على أمل تطويرها مستقبلا.

السنوات الأولى

أكثر الفلسطينيين الذين لجأوا إلى لبنان عام 1948 هم من اللواء الفلسطيني الشمالي. فهم سكان تلك المجموعة من القرى والمدن الشمالية التي عصف بها الاجتياح الصهيوني، فلجأوا إلى البحر حيث حملتهم القوارب المهلهلة إلى أقرب الشطآن،  شطآن لبنان التي تشكل امتداد طبيعياً للشواطئ الفلسطينية. وإذا كان أسلافهم الكنعانيون قد تمددوا قبل ما يزيد على أربعة آلاف سنة على نفس هذه الشواطئ بحثا عن الأرجوان والتجارة والثراء، فلقد جاء وصولهم قسرا وإرغاما، وهم الفلاحون الذين انتزعوا من أراضيهم إلى أرض بدت وكأن الحياة قد توقفت فيها رعبا وهلعا من الكيان الصهيوني الجديد الذي انتصب في محاذاتها. تلقفتهم مدينة صور حيث أقيمت لهم فيها مخيمات اعتبرت بمثابة محطة لكي يتم توزيعهم فيما بعد على مخيمات متعددة يزيد عددها عن ستة عشر مخيما كبيرا إضافة الي عدد من المخيمات أو التجمعات الصغيرة : برج الشمالي والبص والرشيدية في منطقة صور، عين الحلوة والميه وميه والنبطية في الجنوب، ويفل في بعلبك، نهر البارد والبداوي قرب طرابلس، مار الياس وصبرا قرب بيروت، شاتيلا وبرج البراجنة وجسر الباشا وضبية وتل الزعتر في سفح الجبل.

وجد الفلسطينيون أنفسهم بعد ضياع وطنهم بلا أرض ولا عمل، فتلقفتهم وكالة الغوث الدولية التي شكلت عام 1949 بقرار من الجمعية العامة، والتي أسهمت أسهاما كبيراً في تردي أوضاعهم الصحية والاجتماعية نتيجة ضآلة ما تصرفه لهم من معونات غذائية لا تتعدى ما قيمته ستة ليرات لبنانية للفرد الواحد في الشهر الواحد. وقد جاء في دراسة  لأمين مجج وأسامة الخالدي ما يلي : “بسبب النقص الطويل الأمد للغذاء اليومي فأن أطفال اللاجئين بدأوا يعانون من فقر الدم (الأنيميا) لم يسبق أن عرف في التغذية البشرية. فعند النظر في الوجبة الغذائية المستهلكة فعلا، فأن الأرقام المستحصلة تقل عن القيمة الغذائية التي كانت تقدم للمعتقلين في معسكرات الاعتقال النازية، حيث أن مجموع السعرات الحرارية التي كان يستهلكها المعتقل في تلك المعتقلات في الدانمرك خلال الحرب العالمية الثانية كانت 2120 سعرا حراريا بينما لم يتقاضى اللاجئ الفلسطيني غير 1900 سعراً حراريا[1] “.

لم يجد الفلسطينيون، والمقصود هنا جماهير الفلسطينيين اللاجئة، وليس تلك الفئة القليلة من البرجوازية الفلسطينية التي  تمكنت من نقل أموالها قبل الهجرة إلى لبنان وأن تحصل بحكم وموقعها الاقتصادي على الجنسية اللبنانية وأن تتمتع بامتيازاتها. ولم يجد هؤلاء مجالا للعمل سواء في القطاع الزراعي أو الصناعي أوالحرفي، فقد اصطدم هؤلاء الفلاحون المنتزعون من أراضيهم بعقبة رئيسة هي عدم توفر الأرض والعمل الزراعي وذلك بسبب اندفاع الفلاحين اللبنانيين أنفسهم الذين كانوا يعانون من البطالة أو العمل اليومي المتقطع في أحسن الظروف أو العمل في قطاع الزراعة الرأسمالية الآخذة بالتبلور وبظروف كبيرة الإجحاف بسبب عدم شمولهم بقانون العمل والحد الأدنى من الأجور، ومع ذلك فقد لجأ العديد منهم إلى مجال الزراعة حتى بلغ عددهم عام 1971 ما يقارب ثلاثين ألف عامل وصفوا بأنهم “قد غدوا في الواقع جزءا من الكادحين الريفيين اللبنانيين، يقومون بأصعب الأعمال الزراعية ويخضعون لأقسى أشكال الاستغلال[2] “.

لقد شكلت مسألة البحث عن عمل للفلسطيني مشكلة أساسية. والجدير بالذكر أن الفلسطيني قد بقي يعامل في لبنان “كأجنبي” لا يحق له ممارسة العمل إلا بعد الحصول على إجازة عمل يقتضي الحصول عليها المرور بمراحل طويلة معقدة ودفع رسوم عالية تزيد على 250 ليرة لبنانية وينتهي مفعولها في حالة تسريحة من المؤسسة التي يعمل بها. وعلى ضوء تركيبة الوضع الاقتصادي اللبناني، فان العامل اللبناني بشكل عام، معرض للتسريح الكيفي باستمرار، كما انه لا ينال زيادة في الأجر ولا يتلقى ضمانا اجتماعيا وصحياً. كما أن المؤسسات الصناعية الكبيرة التي يتمتع عمالها بنوع خاص من الاستقرار المهني مغلقة في وجهه، فهي مؤسسات تخضع للتمييز الطائفي وفق المادة “95” من الدستور اللبناني[3]. أن نظرة على الجدول الآتي سوف تبين نسب إجازات العمل الممنوحة عام 1969 مثلا لمختلف المجموعات المتواجدة في لبنان، كما ستبين أن نسبة الاجازات الممنوحة للأمريكيين تعادل إضعاف النسب الممنوحة للفلسطينيين:[4]

الجنسية عدد المقيمين عدد الحاصلين على اجازة عمل
أردني 16890 645
عراقي 7027 166
مصري 5148 1357
أمريكي 6095 636
فلسطيني 300.000 2362

فالنسبة للأمريكيين هي 10.3% بينما لا تتجاوز نسبة اجازات الفلسطينيين 0.8%.

كذلك تحتم على الفلسطيني غير العامل الذي يرغب في فتح مكتب أو أي محل تجاري أن يكون لديه رصيد في البنك لا يقل عن خمسين آلف ليرة لبنانية، علماً بأن هذا المبلغ لا يمكن أن يتوافر إلا للقلة من البرجوازية الفلسطينية. كما إن المهن التي يتعاطاها الفلسطينيون عامة هي مهن بسيطة مثل الكي والحلاقة وتجارة المفرد .هكذا برزت ظاهرة لجوء الفلسطيني للعمل بدون إجازة حيث أخذت المؤسسات الصناعية الصغيرة تتلقفه بغية كسب جهده بأجر رخيص، وتلافيا منها لدفع ضريبة الإنتاج. هكذا عاش هذا العامل في خطر دائم من حيث تعرضه للتسريح الكيفي.

.

يتضح مما سبق أن اللاجئ الفلسطيني في لبنان قد اعتمد مصادر رزق غير ثابتة للعمل .. فهو إما مزارع مياوم يعمل موسما ويقعد موسميا، أو عامل معرض للتسريح في أية لحظة، أو حرفي متجول غير مضمون الدخل. ولم يبق أمام الكثرة الغالبة إلا وكالة الغوث، إضافة  إلى مصدر آخر بالنسبة للبعض منهم، وهو ما يرسله لهم بعض أفراد عائلاتهم الذين هاجروا للعمل في دول الخليج النفطية.

وقد جرت عدة محاولات لتحسين ظروف العمل وفسحة أمام الفلسطينيين وإلغاء شرط إجازة العمل، ولكن دون جدوى. وقد جاء في إحدى المذكرات التي رفعهتا منظمة التحرير الفلسطينية إلى وزارة الشؤون الاجتماعية ما يلي : “إن وضع الفلسطينيين يختلف تماما عن وضع أي أجنبي مقيم في لبنان، فهو لا ينتمي لدولة ملزمة برعايته اقتصاديا والاهتمام بمصالحة، وعلاقاته الاقتصادية تظل أولا وآخرا مرتبطة بالأرض التي يقيم عليها، وليس له أي ملجأ آخر إذا لم يتسنى له العمل في البلد المقيم فيه. ومن زاوية الاقتصاد الوطني فان العامل الفلسطيني ينفق جميع دخله في لبنان على خلاف العامل الأجنبي الذي غالبا ما يرسل جزا كبيراً من راتبه إلى أهله في بلده[5]“. لقد ارتبطت هذه المشكلة بالذات بصميم النظام الاقتصادي الذي وقف عاجزاً عن استيعاب اليد العاملة اللبنانية ناهيك عن اليد العاملة الفلسطينية.

عدد الفلسطينيين في لبنان

لابد من التنويه قبل الإدلاء بأي رقم إحصائي لعدد الفلسطينيين في لبنان،  سواء داخل المخيمات أم خارجها،  بالصعوبة التي تعترض التوصل الي الأرقام الدقيقة، وذلك لتضارب الإحصائيات المختلفة التي قامت بها جهات مختلفة والتي تحكمها في كثير من الأحيان عوامل سياسية مختلفة. وإذا ما علمنا أن أي إحصاء للشعب اللبناني نفسه لم يتم إجراؤه منذ عام ،1932 فان اجراء أي إحصاء للفلسطينيين لابد وأن يخضع لنفس العوامل التي حالت دون إحصاء الشعب اللبناني. فهي على الصعيد اللبناني الداخلي ،عوامل طبقية مغلفة بغلاف الطائفية حيث أن معظم الفلسطينيين مسلمون وفقراء، وهي على صعيد وكالة الغوث عوامل اقتصادية سياسية تتعلق بصميم مسألة الاعتراف بوجود شعب فلسطيني وبالمصروفات التي تقدمها الوكالة في ضوء الأزمة المالية التي تعانيها، يضاف الي ذلك العامل الفلسطيني الذاتي المتمثل في شقين: تخوف وريبة من أية عملية إحصائية ومدى علاقة ذلك بمشاريع التوطين والتهجير، ورواسب اجتماعية كثيرا ما ترافق المجتمعات الزراعية المختلفة. يقول تقرير لمديرية شؤون الفلسطينيين التي تم إنشاؤها في لبنان عام 1949 أن عدد الفلسطينيين الذين أقاموا في لبنان عام 1952 قد بلغ حوالي 180 ألفا ارتفع عام 1968 إلى 223 ألفا. وقد قدر عدد سكان المخيمات عام 1968 بـ140 ألفا بينما أقام حوالي 40 ألفا خارجها[6]. وقد تضاربت الإحصائيات اللاحقة حيث جاء في الإحصاء الذي قدم إلى مجلس البطاركة بأن عدد سكان المخيمات بلغ نحو 275000 نسمة [7]، بينما يبين إحصاء صدر عن مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية أن عدد سكان المخيمات عام 1971 قد بلغ 106440 نسمة[8]. كما أن هناك تقديرات عامة غير دقيقة تشير إلى أن العدد الإجمالي يربو على 350 ألف نسمة بين سكان مخيمات وخارجها ومتجنسين. كذلك جاء بأن هناك 3000 فلسطيني قد حصلوا على الجنسية اللبنانية، ومعظمهم من العائلات الثرية[9].

المخيم الفلسطيني : يتراوح عدد سكان المخيم بين بضع مئات وعشرين ألفا. فعدد سكان مخيم مار الياس مثلا لم يتجاوز 435 نسمة بينما بلغ عدد سكان مخيم تل الزعتر عام 1971 حوالي 17160 نسمة[10] .

لقد سادت المخيم الفلسطيني بعد الهجرة طبيعة التكتل القروي نتيجة عملية التهجير الجماعية التي شملت مجموعات كبيرة من القرى، ونتج عن ذلك أن سكان القرية الواحدة، بل والقرى المتجاورة، ما لبثوا أن وجدوا أنفسهم معا في مخيم واحد انتقلت أليه معهم عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية.

غير أن تلك العلاقات ما لبثت أن خضعت للتغيير والتفتت أمام الضغوط الاقتصادية، شهدت السنوات اللاحقة عملية انتقال مستمرة داخل لبنان من والى المخيمات أو إلى الخارج. وقد اتجه الانتقال بصورة عامة من منطقة الجنوب إلى منطقة بيروت بحثا عن مجالات العمل في المنطقة الصناعية وغيرها، مسهمين بذلك في تكوين حزام الفقر حول بيروت، هذا الحزام الذي أقض مضاجع أثرياء بيروت، وكان مخيم تل الزعتر أحد البؤر الرئيسة في هذا الحزام.

الوجود الفلسطيني المسلح

ما لبث المخيم الفلسطيني، بفعل خصوصية القضية الفلسطينية والواقع الاقتصادي الاجتماعي الذي تعرض له الشعب كمجموع، أن تحول إلى بؤرة خصبة للعمل السياسي حيث التحمت وتصارعت في داخله مختلف الانتماءات الحزبية المتواجدة في الساحة العربية : حركة القوميين العرب، الحزب القومي السوري، حركة الناصريين، حزب البعث العربي الاشتراكي، الحزب الشيوعي، الأخوان المسلمون، مما أدى إلى تحول هذه المخيمات إلى مزار مألوف لرجال الآمن اللبناني الذين وجدوا في هذه التجمعات مصدرا  للقلق الجديد بعد أن كانت سياسة التوازن الطائفي السياسي التي أنتجتها أحداث عام 1958 قد استطاعت إضفاء صفة الاستقرار تحت ستار السياسة الليبرالية. هكذا تحولت المخيمات يوما بعد يوما إلى محطة للمداهمات الليلية والاعتقالات الكيفية والضرب والتنكيل. وقد صدرت عام 1966 عدة بيانات من منظمة التحرير الفلسطينية وجبهة الأحزاب الوطنية والتقدمية مشيرة إلى “الظروف غير القانونية واللاإنسانية التي يعيشها أبناء فلسطين في لبنان[11]. وفي خضم هذا الجو من الانتماءات السياسية المتعددة والاضطهاد والإرهاب ،برزت المقاومة الفلسطينية لكي تستقطب الجماهير الفلسطينية التي وجدت فيها تعبيرا مباشر عن واقع آلامها وتطلعاتها، كما أخذت مؤثرات الأحزاب السياسية الوطنية الأخرى بالتقلص. وقد اتضحت قوة وأثر حركة المقاومة الفلسطينية، والتي كانت قد انطلقت في أوائل 1965، على الجماهير الفلسطينية واللبنانية إثر اغتيال الفدائي جلال كعوش على يد السلطات اللبنانية في 9/1/1966، فانطلقت التظاهرات الضخمة في تشييعه واندلعت عدة اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن اللبنانية في مخيم عين الحلوة الذي ينتمي إليه جلال كعوش، وكذلك في مخيمي نهر البارد والبدواي في طرابلس.

في أعقاب هزيمة حزيران 1967 وبعد معركة الكرامة في 21/3/،168 أصبحت حركة المقاومة الفلسطينية  القائد الفعلي للجماهير الفلسطينية وبدأت بتعبئة وتدريب وتسليح قطاعات واسعة من سكان المخيمات بينما استمرت ملاحقات رجال الأمن اللبناني بصمت متحاشية المضاعفات السياسية. غير أن انتقال العمل الفدائي من إطار الصمت إلى العمل الجماهيري العلني ومباشرته ببناء القواعد الإرتكازية في جنوب لبنان، قد وضع المقاومة وجها لوجه أمام السلطة. ففي أواخر عام 1968 دخلت لبنان وحدات صغيرة تابعة لفتح وبنت قواعدها الارتكازية في الجنوب. وفي ربيع عام 1969 اندلعت أولى الصدمات المسلحة السافرة بين السلطة والمقاومة.

المقاومة والسلطة الحاكمة

اعتمدت السلطة اللبنانية منذ أول ظهور العمل الفدائي سياسة مناهضة اتخذت أشكالا مختلفة. ففي عام 1965، ومع أول انطلاق للمقاومة، وزعت   قيادة الجيش اللبناني على الصحف اللبنانية تعميما جاء فيه: “بناء علي طلب قيادة الجيش، المرجو اعتبار جميع الأخبار المتعلقة بمنظمة العاصفة أخباراً عسكرية وبالتالي الامتناع عن نشرها أيا كان مصدرها سواء كانت بلاغات من المنظمة نفسها أم أنباء واردة عن نشاطها في إسرائيل[12].

وفي عام 1965 أيضا، تم تشكيل محكمة برئاسة العقيد شوقي لمحاكمة ثمانين فلسطينياً بتهمة التسلل إلى إسرائيل. وفي 28/12/1965 قامت دورية باعتقال جلال كعوش وتعذيبه حتى الموت. وقد أذاعت وزارة الدفاع اللبنانية بلاغاً جاء فيه : “إن احد أبناء الفلسطينيين المقيمين في مخيم عين الحلوة ويدعى جلال  كعوش قد أوقف بتاريخ 28/12/1965 بأمر من السلطة العسكرية العليا للتحقيق معه بقضية تتعلق بسلامة القوى العسكرية، و أثناء التحقيق قفز من الطابق العلوي وأصيب برضوض سببت له الوفاة”[13] ، في حين أشار التقرير الطبي الشرعي إلى وفاة كعوش بفعل التعذيب.[14] كما صرح مسؤول لبناني في قيادة الجيش في 15/1/1966 بأن توقيف كعوش كان بدافع إحباط عمل إرهابي كلف المذكور القيام به في 29/12/1965 داخل حدود إسرائيل على رأس زمرة من الفدائيين وان التزام لبنان بمقررات جامعة الدول العربية وأوامر القيادة العربية الموحدة يحتم عليه مكافحة نشاط العناصر غير النظامية حتى لا تجد إسرائيل حجة بسبب أو بغير سبب[15] “.

غير أن هزيمة الخامس من حزيران 1967 وما تبعها من نمو العمل الفدائي، اضطر السلطة اللبنانية للتظاهر بتأييد العمل الفدائي أسوة ببقية الدول العربية، فتقاطرت تصريحات رجال السلطة معلنة عن هذا التأييد. ومن هذه التصريحات ما قاله بيار الجميل في 8/11/1968: “ليس من أحد بيننا على خلاف حول القضية الفدائية، فأنا شخصياً اعتبر العمل الفدائي من أسمى الأعمال. وان لبنان يعيش منذ فترة أجواء مؤيدة للعمل الفدائي، ولم يكن هناك تباين حول هذا الموضوع، فالجميع، وأنا في الطليعة أضع العمل الفدائي في أعلى المرتبات وأشرفها .. . “[16] كما جاء في البيان الصادر عن مؤتمر برمانا لأحزاب الكتائب والكتلة الوطنية والوطنيين الأحرار عام 1968:”فلسطين لأهلها وهم أصحاب الحق فيها ولهم أن يذودوا عن حقهم بكل الوسائل وعلينا أن ننجدهم بكل طاقاتنا “[17]. وبينما كانت التصريحات تتوالى، كان القتال يدور بين دورية من الجيش اللبناني ومجموعة من الفدائيين. وقد أصدرت السلطة اللبنانية بلاغا عسكريا في 29/10/1968 جاء فيه: ” بينما كانت دورية من رجال الجيش تقوم بجولتها المعتادة على الحدود الجنوبية تعرضت لنيران شديدة من نقاط بعيدة فتمركز رجال الدورية على الفور وبادروا إلى الرد على النار بالمثل حيث تبين بعد انبلاج الفجر أن رجال الجيش قد تعرضوا لنيران المسلحين الذين نصبوا كمينا لدورية الجيش اعتقادا منهم أنها دورية من رجال العدو.. ونجم عن هذا الخطأ أن قتل واحد منهم وجرح آخرون. وقد أعربوا عن أسفهم لهذا الخطأ كما أعرب الناطق العسكري عن أسفه الشديد[18]“. وقد ردت فتح على هذا البيان بآخر وجهته إلى الجماهير اللبنانية أدانت فيه السلطة بشكل غير مباشر وجاء فيه :” إن ثائر العاصفة لا يتصور أن توجه رصاصات عربية إلى صدره “[19] والجدير بالذكر أن الكمين الذي ادعاه بلاغ الجيش لم يسفر عن قتل أحد من الدورية اللبنانية وان الذين قتلوا أو جرحوا هم من القوة الفدائية.

في خضم هذا الجو المشحون بالتوتر كانت كل الأطراف تتحرك. هاهو ريمون أدة ،رئيس حزب الكتلة الوطنية، يتساءل في 27/6/1968 قائلا : لذا أسال الحكومة، ما هو  موقفها من هذا التسلل وهل إن سياستها تسمح بمثل هذا التسلل أم تمنعه .. كنت اقترحت أن نطالب الأمم المتحدة بوضع بوليس دولي على الحدود “.[20] غير أن السلطة أصرت على رفض الاعتراف بالوجود الفدائي رسميا.. هاهو عبد الله اليافي رئيس الوزراء يقول “أؤكد للمرة المئة أنه ليس هناك تسلل فدائي من لبنان الي الأرض المحتلة “.[21] ويبدو أن المقاومة كانت مقتنعة بهذا الموقف الرسمي حيث أن البيانات الصادرة عنها في تلك الفترة كانت تنفي باستمرار انطلاق العمل الفدائي من لبنان.

وينطلق الموقف اللبناني الرسمي هذا من اعتبارات متعددة أولها  أن لبنان مرتبط مع إسرائيل باتفاقية هدنة يتحتم عليه المحافظة عليها. أما الاعتبار الثاني فهو أن لبنان لا يستطيع ضمن إمكانياته الدفاعية وقوته العسكرية، تحمل ردود الفعل الإسرائيلية التي من شانها في حالة تأزم الأوضاع أن تؤدي إلى قيام إسرائيل باحتلال جنوب لبنان. في حين يرى بعض القانونيين أن اتفاقية الهدنة تلزم الطرفين المتحاربين اللبناني والإسرائيلي فقط، بينما يشكل الفلسطينيون فريقا ثالثا خارجا عن نطاق الاتفاقية، وهو فريق اعترفت به القوانين الدولية واتفاقية جنيف المعقودة عام 1949 التي اعتبرت المقاومة حقا مشروعا، كما إن نقض الاتفاقية لا يتم إلا بموافقة الجانبين النظاميين على إلغائها[22]. أما بالنسبة للاعتبار الثاني فتشير الإحصائيات الاقتصادية أن دخل لبنان القومي يفوق الدخل القومي السوري، وكمثال على ذلك فقد بلغ دخل لبنان القومي عام 1973 ما يساوي 2.9 مليار دولار في حين بلغ دخل سورية القومي لنفس العام 2.53 مليار دولار[23]. يتضح من ذلك أن ضعف إمكانيات الدفاع اللبنانية والجيش اللبناني لا يعود إلى ضعف لبنان الاقتصادي بقدر ما يعود إلى السياسة العامة التي ينتهجها النظام اللبناني وفق التركيبة العامة لبنيته الاقتصادية وذلك بالرفض التام لتحويل لبنان إلى دولة مواجهة عربية، والاعتماد على الضمانة الدولية الإمبريالية لحماية لبنان من احتلال إسرائيلي. ستشكل هذه السياسة التي أدت إلى ترك الجنوب أعزل من السلاح، وعدم انشاء أية تعزيزات عسكرية دفاعية، والتي احتفظت بالجيش اللبناني كقوة رمزية فقط مهمتها التصدي للشعب اللبناني الأعزل – كما حدث مع عمال معامل غندور – وللمقاومة الفلسطينية، أحد العوامل الرئيسة في تجذير وتصعيد الصراع السياسي في الساحة اللبنانية وتحول شعب الجنوب اللبناني إلى عنصر مضاد للسلطة وذلك بعد أن أصبح الوعي السياسي قادرا على الربط بين السياسة الدفاعية والسياسة الاقتصادية التي تنتهجها السلطة إزاء الجنوب والمتمثلة بأوضح صورها في رفض تنفيذ مشروع الليطاني لإحياء الجنوب وإنعاشه.

 

أما الاعتبار الآخر والذي لا يقل أهمية، فيتلخص في محاولة السلطة إخفاء كافة المعلومات عن التواجد الفدائي بهدف ضرب هذا الوجود بنفس السرية والكتمان. غير أن هذه المحاولات باءت بالفشل، وما إن جاء عام 1969 حتى حدث أول انفجار.

أحداث عام 1969

أمتد هذا الانفجار العاصف من 1/01/1969 بدأً بالهجوم الإسرائيلي على مطار بيروت، لكي يتجمد في 3/11/1969 بالتوقيع على اتفاقية القاهرة، وذلك بعد سلسة طويلة من ودامية من الأحداث. لقد أحدث الهجوم الإسرائيلي على مطار بيروت جوا من التوتر العارم في كافة الأوساط اللبنانية، وانطلق السؤال الكبير … أين السلطة ؟

وإذا كانت حادثة المطار قد شكلت الشرارة التي أوقدت الهشيم فان الأوضاع السياسية والاقتصادية قد كانت كلها مهيئة للانفجار وذلك نتيجة أزمة المصارف التي نجمت عن قيام المودعين بسحب نسب كبيرة من ودائعهم وانقسام البرجوازية اللبنانية بين مؤيد للاحتكارات الأمريكية ومؤيد للاحتكارات الفرنسية وما نجم عن ذلك من توتر سياسي كبير بين الفرقاء المتنازعين على السلطة من حلف ونهج، خصوصا وان معركة رئاسة الجمهورية كانت على الأبواب. وفي ذلك الوقت اندلعت ايضا الحركة المطلبية حيث بدأ إضراب طلابي شامل في الجامعات اللبنانية إضافة إلى سلسلة من الإضرابات شملت مزراعي الشمندر ومعلمي المدارس وموظف صندوق الضمان الاجتماعي وعمال مرفأ بيروت ومزارعي التبغ. وكان إضراب مزارعي التبغ ضد شركة الريجي من أكبرها حيث استخدمت فيه السلطة النار وقتلت عددا من العمال.

في خضم هذا الجو بادر الجيش إلى فرض طوق عسكري على منطقة الجنوب حيث تمركز الفدائيون وقطع المؤونة عنهم وقام بحملة اعتقالات واسعة شملت العديد من العناصر الفدائية واللبنانية. في 22/4/1969 أصدرت الأحزاب اللبنانية الوطنية والتقدمية بيانا دعت فيه إلى قيام مظاهرات عامة احتجاجاً على عملية تطويق الفدائيين وقطع المؤن عنهم واعتقالهم. وفي 23/4/1969 اندلعت المظاهرات في بيروت وصيدا وطرابلس وبر الياس مطالبة بحماية العمل الفدائي فقامت السلطة بإطلاق النار وقتلت ثلاثين شخصا وجرحت ما يزيد على المئة.

حفلت الأشهر الممتدة من نيسان إلى تشرين بالصراع الدموي والسياسي وخرجت مسألة الوجود الفدائي إلى العلانية الرسمية. هاهو رشيد كرامي يقول بعد أحداث نيسان:” العمل الفدائي، وهنا اذكر الرئيس اليافي ،عمل سري، وكان العدو يحاول أن يتخذ منه ذريعة أمام الرأي العام العالمي بحيث أن كل مسؤول كان يسارع إلى القول أن لا قواعد للفدائيين في لبنان، وأسارع أنا للقول أن النضال الفلسطيني المشروع لاستعادة الأرض هو عمل اعترفت به جميع القوانين والشرائع .. بصراحة، أن الموقف يتطلب منا جميعاً الصراحة وحمل المسؤولية .. هناك من يطالب بأن يكون العمل الفدائي في لبنان ومن لبنان مهما كانت النتائج، لهذا الرأي أسباب ووقائع، ورأي آخر يجد في العمل الفدائي خطراً على لبنان. وعلى هذا الأساس ما من حكومة يمكن أن تأخذ بأحد الرأيين دون أن تسبب انشقاقا وخلافا[24]“. بينما يقول بيار الجميل : “لقد بدأت المؤامرة على الديمقراطية اللبنانية تتكشف منذ أن وضع في أفواه المتظاهرين في الشوارع ذلك المطلب العجيب الغريب الذي هو الاعتراف الرسمي بشرعية العمل الفدائي .. قلة يتنبهون إلى خطر هذا الشعار[25]. ثم ما يلبث رئيس الجهورية شارل الحلو أن يفجر الوضع تماما برسالته التي وجهها الى الشعب اللبناني في 31/5/1969 والتي اعتبر فيها الوجود الفدائي ” أمرا واقعا مرفوضا”  [26]محددا بذلك موقف رأس السلطة اللبنانية شاطرا المواقف شطرا عموديا.

لم تكن السياسة التي اعتمدتها السلطة في ضرب العمل الفدائي بعيدة عن مجمل التطورات التي طرأت على القضية الفلسطينية عربياً وعالميا. ففي تلك الفترة بالذات بدأ يارنغ بجولاته كما بدأت في 3/4/1969 اجتماعات الدول الاربع الكبرى للنظر في أزمة الشرق الأوسط وتم آنذاك تقديم كل من المشروع الفرنسي والمشروع السوفيتي ومشروع نيكسون. وقد تتوجت هذه المشاريع بمشروع الملك حسين الذي كان لبنان أول دولة عربية تعلن موافقتها الرسمية عليه، بينما كانت حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية تقطع شوطها الأخير لكي تتوقف في نهاية العام المذكور.

تحرير المخيمات

في تشرين، وبعد انتهاء فصل الصيف، ومع بدء مصاعب الفدائيين، بدأت السلطة جولتها الثانية. وشكلت أزمة نهر البارد الشرارة التي اندلعت منها الأحداث بحجة وجود فدائيين فيها وقصفتها بالنيران كما أردفت ذلك بعدد من عمليات الحصار في مناطق أخرى نتج عنها انطلاق انتفاضة المخيمات هذه الانتفاضة التي هبت فيها الجماهير الفلسطينية في المخيمات معلنة التمرد فطردت السلطة المهاجمة وحررت المخيمات وأعلنت الإدارة الذاتية لها. في ذلك الوقت اندلعت ايضا انتفاضة طرابلس حيث سيطرت القوى الوطنية على المدينة لبضعة أيام ابتداء من 24/10/1969 جرت خلالها نماذج متقدمة من حرب الشوارع، بينما كانت قوات المقاومة تقوم بفك الحصار المفروض على طرق تموينها وللسيطرة عليها. ومع نهاية تشرين الأول ،وبينما كان جناح السلطة قد أخذ بالتقهقر أمام قوة المقاومة والجماهير الفلسطينية واللبنانية توجه فريقان يمثلان السلطة والمقاومة إلى القاهرة، بدعوة من الرئيس جمال عبد الناصر، حيث تم عقد اتفاقية القاهرة. وهي الاتفاقية التي ستقوم بتجميد الصراع السافر لمدة ثلاث سنوات.

اتفاقية القاهرة

تعتبر اتفاقية القاهرة أول اتفاقية حكومة عربية مع المقاومة الفلسطينية وقد وقعها عن الجانب الفلسطيني السيد ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، وقد تقرر أن يبقي هذا الاتفاق سراً عسكرياً حتى بالنسبة للحكومة ومجلس النواب اللبناني، في 20/4/1970 نشرت جريدة النهار اللبنانية نصوص اتفاقية قيل بأنها النص الأساس لهذه الاتفاقية وقد جاء فيها :28

  • حق العمل والإقامة والتنقل للفلسطينيين في لبنان.
  • انشاء لجان محلية من فلسطينيين في المخيمات لرعاية مصالح الفلسطينيين فيها وذلك بالتعاون مع السلطة المحلية وضمن نطاق السيادة اللبنانية.
  • وجود نقاط الكفاح المسلح الفلسطيني داخل المخيمات تتعاون مع اللجان المحلية لتأمين حسن العلاقات مع السلطة وتتولى هذه النقاط موضوع تنظيم وجود الأسلحة وتحديدها في المخيمات وذلك ضمن نطاق الأمن اللبناني ومصلحة الثورة الفلسطينية.
  • السماح للفلسطينيين المقيمين في لبنان بالمشاركة في الثورة الفلسطينية من خلال الكفاح المسلح ضمن مبادئ سيادة لبنان وسلامته.
  • تسجيل المرور للفدائيين وتحديد نقاط مرور واستطلاع في مناطق الحدود.
  • تأمين الطريق إلى منطقة العرقوب.

 

  • تقوم قيادة الكفاح المسلح بضبط تصرفات كافة أفراد منظماتها وعدم تدخلهم في الشؤون اللبنانية.
  • إيجاد انضباط مشترك بين الكفاح المسلح والجيش اللبناني.
  • إيقاف الحملات الإعلامية بين الجانبين.
  • القيام بإحصاء عدد عناصر الكفاح المسلح الموجودة في لبنان بواسطة قياداتها.
  • تعيين ممثلين عن الكفاح المسلح في الأركان اللبنانية يشتركون بحل جميع الأمور الطارئة7.
  • دراسة توزيع أماكن التمركز في مناطق الحدود والتي يتم الاتفاق عليها مع الأركان اللبنانية.
  • تنظيم الدخول والخروج والتجول لعناصر الكفاح المسلح.
  • إلغاء قاعدة جيرون.
  • يسهل الجيش اللبناني أعمال مراكز الطبابة والإخلال والتموين للعمل الفدائي.
  • الإفراج عن المعتقلين والأسلحة المصادرة.
  • ومن المسلم به أن السلطات اللبنانية من مدنية وعسكرية تستمر في ممارسة صلاحياتها ومسؤولياتها كاملة في جميع المناطق اللبنانية وفي جميع الظروف.

لم تثبت صحة هذا النص، ومن المرجح انه تم استنتاج هذه البنود من سياق مختلف التصريحات والاستنتاجات التي تلت الاتفاقية[27]. ومن هذه التصريحات ما قاله قائد جيش التحرير الفلسطيني :” إن اتفاقية القاهرة حظرت علينا العمل في القطاع الغربي الممتد من الناقورة غربا إلى مروحين شرقا على أساس انه متاخم لمنطقة صناعية ومستوطنات زراعية إسرائيلية، اي يبقي أمامنا جزء من القطاع الأوسط والقطاع الشرقي الذي هو منطقة العرقوب. في القطاع الشرقي يفصلنا جبل الشيخ ومرتفعات الجولان، وفي الجزء المسموح لنا بالعمل فيه من القطاع الأوسط تتشابك الحدود اللبنانية والفلسطينية بحيث لا تزيد المسافة بين قرية ياردن اللبنانية ومستعمرة صلحا الإسرائيلية عن أربعمائة متر[28]“. كما ذكر الكتاب السنوي الصادر عن فتح لعام 1969 ان الاتفاقية قد “ضمنت وجود القواعد الارتكازية في الجنوب وحرية الحركة والتنقل في المناطق الضرورية ورفعت كابوس المكتب الثاني عن المخيمات وحرية التنقل والعمل بالنسبة للفلسطينيين المقيمين في لبنان[29]. “وجاء في جريدة العمل الناطقة باسم حزب الكتائب “أن الاتفاقية تسهل مرور الفدائيين في مناطق الحدود وتؤمن للمقاومة طريقا إلى منطقة العرقوب وسفوح جبل الشيخ مقابل أن تقوم قيادة الكفاح المسلح بضبط تصرفات كافة أفراد تنظيماتها وعدم تدخلهم في الشؤون اللبنانية. كما أشارت إلى إلغاء بعض مراكز التدريب الفلسطيني في الشمال وبأن السلطات اللبنانية من مدنية وعسكرية تستمر في ممارسة صلاحياتها ومسؤولياتها كاملة في جميع المناطق اللبنانية وفي جميع الظروف[30].

تبرز أهمية اتفاقية القاهرة في أنها أكدت واعترفت رسميا وللمرة الأولى بالوجود الفلسطيني المسلح في لبنان. وعلى الرغم من ان كافة أطراف السلطة باستثناء حزب الكتلة الوطنية قد أيدت الاتفاقية في حينها إلا أن السلطة شعرت فيما بعد أنها قد تورطت بهذا الاتفاقية فلجأت إلى الالتفاف عليها ومحاولة خلق ظروف جديدة تتيح لها نقضها. حيث أن كافة الاجتماعات التي عقدت عام 1970 بين السلطة والمقاومة من اجل وضع تفصيلات الاتفاقية كانت تدور حول المسائل الأمنية والتنظيمات دون الجوانب العسكرية. وقد جاء في تعميم صادر عن مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت في 7/1/1970 : “اثر الاجتماعات بين لجان المتابعة لتنفيذ اتفاق القاهرة تم الاتفاق على السماح بالذهاب للجمهورية العربية السورية والعودة بدون إذن مسبق والاكتفاء ببطاقة الهوية والسماح للسفارات والقنصليات بتجديد وثيقة السفر[31].   صدر بيان للمنظمات الفدائية بتاريخ 10/1/1970 وافقت عليه كل من فتح والصاعقة والجبهة الشعبية وقوات التحرير الشعبية ومنظمة فلسطين العربية وجبهة التحرير العربية والهيئة العامة لتحرير فلسطين وجبهة النضال الشعبي والجبهة الشعبية الديمقراطية والجبهة الشعبية القيادة العامة جاء فيه :” جرت في الآونة الأخيرة محاولات  لخرق اتفاق القاهرة من قبل السلطات اللبنانية والتي تمثل الحد الأدنى في نظر حركة المقاومة من اجل حل الأزمة بين العمل الفدائي والحكومة اللبنانية حيث اتخذت الحكومة اللبنانية خلال هذا الأسبوع سلسلة إجراءات مانعة لحرية التنقل لمنظمات العمل الفدائي وحاولت تمزيق وحدة حركة المقاومة بهذا الإجراءات وذلك بالسماح لبعضها بالتنقل وبمنع البعض الآخر بالإضافة إلى إجراءات تحد من حرية العمل العسكري كما تقوم السلطة بمحاولة الحد من التدريب في المخيمات الفلسطينية وهذا ما يتناقض مع حق شعب فلسطين في تعبئة جميع قواه من اجل تحرير أراضية الذي ضمنه اتفاق القاهرة.[32] وفي 28/3/1970 أصدرت اللجنة السياسية العليا لشؤون الفلسطينيين في لبنان بياناً جاء فيه : على الرغم من انكشاف الخطة الجهنمية اللئيمة التي خطط لها الاستعمار وعميلته إسرائيل لتصفية العمل الفدائي في لبنان، وعلى الرغم من افتضاح جميع العناصر العملية والجهات المتواطئة التي كانت أداة هذا المخطط فان حركة المقاومة، أيمانا منها بحق جماهير شعبنا اللبنانية والفلسطينية بالإطلاع الكامل على حقائق الأمور وخفايا الأمور فإنها تضع أمام الجماهير شريط المؤامرة كما تمت بمراحلها المتعددة”[33].وقد أوضح البيان المراحل التالية :

  • تلكؤ السلطة في الالتزام بالشق العسكري من اتفاقية القاهرة.
  • لجوء السلطة إلى بعض العناصر العربية العميلة التي كان قد وزعها داخل حركة المقاومة وحولها ليستعملها في الوقت المناسب.
  • لجوء السلطة إلى سلاح الطائفية .

فبعد اتفاقية القاهرة لجأت السلطة إلى تكتيك جديد لضرب الوجود الفدائي عن طريق محاولة الفتنة داخل صفوف المقاومة وكذلك بذر الخلاف بين المقاومة والأهالي. تمثل التكتيك الأول ببث عصابة لمهربي الحشيش والهروين والسجائر المهربة المعروفة بعصابة “أبو احمد ستينية ” التي لبست الملابس الفدائية وادعت بأنها جزء من المقاومة وقد جرى صدام مسلح بين المقاومة وهذه العصابة حيث اقتحمت المقاومة بعد ذلك مقر العصابة وأعلنت بأنها قد عثرت فيه على “عشرات الرشاشات وصناديق الذخيرة وكميات كبيرة من الحشيش وآلة لطحن الهيروين وجهاز للإرسال والاستقبال وبعض الأوراق التي كشفت انه كان لهذه العصابة علاقة مشبوهة على مستوى اوسع ومع إسرائيل بالذات”[34]. وقد جاء في البيان المذكور أعلاه “بدلا من ان تقدم السلطات اللبنانية بتهنئة حركة المقاومة وقيادة الكفاح المسلح، فمن العجيب والغريب أن عناصر عديدة في السلطة اتصلت لحماية هذه العصابة ومساندتها” وبان هذه العناصر قد حاولت الترويج بان الخلاف إنما كان حول شحنة من الأسلحة.

تمثل التكتيك الثاني في دس عناصرها بين الأهالي والترويج بان الصدام  إنما يتم بين المقاومة والأهالي الذين يرفضون وجود المقاومة وقد برز ذلك في حادثة الكحالة يوم 25/3/1970 حين قام بعض الأشخاص بإطلاق النار على موكب تشييع شهيد قرية الكحالة وكذلك في حارة حريك حين تسللت مجموعات مسلحة وأخذت تطلق النار على الفلسطينيين واللبنانيين على السواء. وقد سبق ذلك حادثة في قرية مارون الراس حين تصدت قوة وقتلت المدرس اللبناني واصف شرارة الذي كان يرافق بعض الفدائيين. ويقول كمال جنبلاط الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية آنذاك ” إننا لا ندخل في صميم الأحداث .. وليست قضية توزيع الأسلحة على فريق مناوئ للمقاومة (الكتائب) منذ شهر إلا احدها”[35]. وعندما فشلت قضية الكحالة التي هي بلا شك مؤامرة مدبرة وفاضحة دبرت قضية الدكوانة ،وعندما فشلت قضية الدكوانة ،تسلل ليلا بضع عشرات لا بل مئات من اللبنانيين المسلحين إلى حارة حريك واخذوا يطلقون النار على الفلسطينيين كما انه وجد ايضا في احد البنايات أشخاص يطلقون النار على الفلسطينيين وأحيانا على اللبنانيين كما حصل في الدكوانة”[36].

وفي19/3/1970 أعلنت المقاومة وقف الاتصالات بالسلطات اللبنانية  بانتظار تفسير موقف السلطة إزاء الأحداث.  وقد تضمن البيان وصفا للطريقة التي يعامل فيها أفراد الجيش اللبناني الفدائيين جاء فيه :”يعمد بعض المشبوهين إلى القيام باستفزازات متواصلة وقد حصل أن سلم بعض الفدائيين سلاحهم الى قوات الجيش عندما طلب منهم ذلك وإمعانا من بعض الضباط اللبنانيين في إذلال الفدائيين كانوا يطلبون منهم بعد تسليم سلاحهم الركوع على الأرض ورفع أيديهم ،وانطلاقا من الأوامر الصادرة إلى القوات الفدائية كانوا ينفذون هذا “.

إذا كان مخطط السلطة لم يستطع في ذلك الحين نقل المعركة بينه وبين المقاومة إلى معركة بين المقاومة والجماهير اللبنانية فقد استطاعت إسرائيل تحقيق جزء من هذا المخطط في 12/5/1970 حين شنت هجومها الكاسح على منطقة الجنوب واحتلت منطقة كفر شوبا والهبارية وكفر حمام وراشيا الفخار والخريبة لثلاثة أيام، ثم انسحبت منها بعد ان حققت هدفها السياسي الذي تمثل في عملية نزوح جماهيري كبيرة قام بها سكان الجنوب متجهين إلى مناطق بيروت والوسط وخلق ردود فعل جماهيرية ليست في صالح المقاومة نتيجة تخلف الوعي الجماهيري آنذاك عن إدراك ماهية العدوان ومخطط السلطة الرامي إلى إفراغ الجنوب من سكانه، فقد جاء هذا العدوان منسجما مع أهداف السلطة. وفي 27/5/1970 اتخذ مجلس الوزراء قرارا بمنع إطلاق الصواريخ من الأراضي اللبنانية وقرارا آخر في 15/6/1970 بمنع حمل السلاح.

هكذا أخذت السلطة بتجميع قواها والانتقال إلى المركز الأقوى في حين أدت مجزرة أيلول في الأردن إلى تراجع المقاومة إلى مرحلة تضميد الجراح والدفاع وإعادة النظر في كثير من الأمور السابقة كان منها التجميد المؤقت للعمل الفدائي.

في 15/1/1971 تم استئناف مهمة يارنغ الذي قام بزيارة إلى لبنان ومع النصف الثاني من عام 1971 أي بعد معارك جرش في الأردن، بدأ الدخول الفدائي الثاني إلى لبنان لتبدأ معه مرحلة جديدة من الاستعدادات والمراجعات.

وقد تميز عام 1972 بالمؤامرات الجانبية في محاولة لإنهاك وإقلاق المقاومة داخليا من قبل جهاز مخابرات السلطة وعملائه من الأجانب الصهاينة الذين يغزون بيروت. ففي 25/02/1972 شنت إسرائيل هجوماً على الجنوب تبعه قيام المقاومة بتجميد نشاطها.  كما تتابعت الاعتداءات الإسرائيلية ابتداء من 25/6/1972 في أعقاب عملية مطار اللد. وفي 8/7/1972 اغتيل الأديب الفلسطيني ورئيس تحرير مجلة الهدف غسان كنفاني ،كما انفجرت عدة طرود ملغومة أصيب بها الدكتور يوسف صايغ وبسام ابو شريف إصابات بالغة.  وفي 6/9/1972، أي في أعقاب عملية ميونخ، شنت إسرائيل هجوماً شاملا اعتبره المراقبون اكبر هجوم منذ حرب الخامس من حزيران على منطقة الجنوب، أما على الصعيد اللبناني الداخلي فقد اجتاحت لبنان عام 1972 سلسلة من الاضرابات والتظاهرات كان أكبرها إضراب معامل غندور الذي تصدت له السلطة بالنار، كما عقد الحزب الشيعي اللبناني مؤتمره العلني الأول ، وذلك بعد إجازته في عام 1972. أما على الصعيد العربي فكان الملك حسين قد أعلن عن مشروعه المسمى مشروع المملكة العربية المتحدة وذلك في 15/3/1973.

أحداث 1973

في 10/4/1973 وقعت حادثة فردان التي اغتيل فيها ثلاثة من قادة المقاومة الفلسطينية، كمال عدوان وكمال ناصر ومحمد يوسف النجار. وفي 2/5/1973 قامت السلطة بشن هجومها الكبير على مخيمات اللاجئين في لبنان استخدم فيه الجيش الأسلحة الثقيلة والطيران متذرعا باحتجاز المقاومة لثلاثة من العسكريين اتهموا آنذاك بمنع رجال المقاومة من تتبع مرتكبي حادثة فردان. وكان حجم الهجوم الذي شنته السلطة قد أكد للمراقبين أن السلطة قد هدفت من ورائه إلى تطويق مرحلة النمو الجديد التي بدأتها المقاومة بعد تخطيها لآثار مجزرة أيلول، هذا النمو الذي اتخذ أشكالا أكثر نضجا وتغلب على الروابط العفوية التي تشده بالجماهير اللبنانية واستطاع إقامة روابط متينة مع الحركة الوطنية والتقدمية اللبنانية التي بدأت تتخذ أشكالا متقدمة. ومع المعارك التي استمرت أكثر من أسبوع ارتفعت أصوات أجنحة السلطة مطالبة بإلغاء اتفاقية القاهرة. فقد نشرت صحيفة النهار تصريحا لريمون اده رئيس حزب الكتلة الوطنية جاء فيه : “اكرر الآن انه قد حان الوقت لإلغاء اتفاق القاهرة كما نشرت مقالا صدرته بقولها ” بدأ الحوار الايجابي حول اتفاقية القاهرة “[37]، جاء فيه ” من حيث هو نص اعتبر الوسطاء العرب الذين درسوا اتفاق القاهرة أن الظروف قد تخطته لأنه كان جزءاً من خطة عربية شاملة في حرب الاستنزاف، أما اليوم فلم يعد على الحدود  شيء والخلاف ليس حول العمليات الفلسطينية على الحدود وإنما حول الامتيازات الممنوحة للفلسطينيين داخل المخيمات” أما رئيس الجمهورية سليمان فرنجية فقد بادر إلى وصف المقاومة في جلسة مجلس الوزراء بتاريخ 3/5/1973 بأنها ” جيش احتلال”.

تجمدت الصدامات بإضافة بعض النقاط على اتفاق القاهرة سميت بملحق ملكارت. وقد قامت السلطة بحملة تعبئة إعلامية لخصتها فلسطين الثورة بما يلي :

  1. التركيز على ما يسمي بامتيازات الفدائيين وتجاوزاتهم القانونية.
  2. تصوير التلاحم بين الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية والتقدمية اللبنانية على أنها تدخل في شؤون لبنان الداخلية.
  3. استخدام لفظ “غرباء” في سياق التعليقات للتلميح بان الوجود الفلسطيني في لبنان وجود دخيل.
  4. استعمال لفظ فدائي شريف وغير شريف، أو معتدل ومتطرف.

لم يكن بمقدور السلطة عام 1973 أن تنفذ ما نفذه الأردن عام 1970 وذلك لأسباب عديدة أهمها :

  1. بروز حركة وطنية تقدمية لبنانية متلاحمة مع العمل الفدائي في حين كان غياب مثل هذه الحركة في الأردن من أهم العوامل التي أدت إلى نتائج الأردن.
  2. طبيعة الخلافات التي تتحكم في السلطة اللبنانية وانقسامها إلى جناحين: جناح برجوازي انعزالي يعتمد الاحتكارات الأمريكية خاصة وينادي بضرورة عدم الانغماس في التحولات السياسية والاجتماعية للبلدان العربية والتي أخذت تتسم بطابع التحولات الاشتراكية، وجناح برجوازي ينادي بالاعتماد على الاحتكارات الفرنسية خاصة الأوروبية عامة ويعتمد الداخل العربي مجالا لانتعاشه التجاري. ففي حين يتجه الجناح الأول نحو تحويل لبنان الى حالة شبيهة بحال الأردن من حيث الاعتماد الكلي والمباشر على الدعم الأمريكي المشابه لوضع إسرائيل، يري الجناح الآخر خطورة مثل هذا الاتجاه في هذا الظرف العالمي الذي أخذت فيه قوى التحرر تشدد من ضرباتها للاحتكارات الإمبريالية الأمريكية.
  3. قوة المقاومة الذاتية وما تعلمت من دروس من تجربة الأردن المريرة اتخذت المعركة بين السلطة والمقاومة طابعا جديدا بعد عام 1973 حيث اخذ الجناح الانعزالي بأسلوب تحويل الصراع من صراع بين السلطة الحاكمة المتمثلة في الجيش وبين المقاومة الى صراع أهلي، وذلك بدعم وتسليح قطاعات شعبية كنقيض شعبي لقوى المقاومة المسلحة والحركة الوطنية التقدمية.

فبعد أحداث أيار 1973 اتجه حزب الكتائب بصفته التنظيم الأكبر والأقوى إلى التسلح العلني وإقامة الاستعراضات العسكرية ومراكز التدريب. وقد ظهرت إلى جانب حزب الكتائب فئات مارونية أخرى منها حزب الوطنيين الأحرار الذي لجأ إلى التسلح بمليشيا خاصة بهن وكذلك جبهة حراس الأرز(حجا) والتنظيمات العسكرية للرهبانيات التي تزعمها الأب شربل قسيس. ونشأت جبهة حراس الأرز بعد انشقاق حصل في حزب الكتائب بقيادة مجموعة من الحزبيين الذين احتجوا على عدم إشراك مليشيا الكتائب في أحداث أيار 1973.[38]

لا شك أن عام 1974 هو عام التهيئة والتعبئة لصدام بدأت ملامحة بالوضوح بعد حرب تشرين 1973 فقد شهد هذا العام صراعا اجتماعيا حادا في لبنان لم يسبق له مثيل وذلك نتيجة الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار واشتداد قبضة الاحتكارات من جهة وتبلور ونمو الحركة الوطنية والتقدمية من جهة أخرى. لقد شهدت هذه الفترة سلسلة من الاضرابات العمالية والطلابية والمظاهرات والصدمات المختلفة بلغت أوجها في شهر آذار 1975 حيث بلغ عدد الاضرابات العمالية في ذلك الشهر وحده 25 إضرابا شملت عمال المطاحن والمخابز والسجاد وشركة التابلاين وعمال القرى المختلفة. كما شكلت طرابلس على امتداد هذه الفترة بؤرة للصراع الذي ابتدأ في أواسط تشرين الثاني 1974 على شكل حرب شوارع واحتلال مناطق قامت بها جماعات مختلفة ولأسباب مختلفة. تقول الحركة الوطنية : “التخلف والقهر والحرمان والطغيان والإرهاب يفرخ الآن نقمة على شكل قبضايات وزعماء أحياء وفارين من وجه العدالة ومقاتلين” ويقول احد المطلوبين ” في بداية المواجهة نبدأ عشرة ثم نصبح مئة ثم بعدها 1500 مقاتل والظلم هو القاسم المشترك بيننا”[39].

لقد أفرز عام 1974 وضعا لبنانيا جديدا يختلف اختلافا جذرياً عما قبل أحداث 1973، وذلك بانتقال الصراع من صراع بين السلطة والمقاومة إلى صراع معسكرين اتضحت ملامحها مع نهاية عام 1974 .. معسكر السلطة – الجيش – المليشيات المارونية وفئات شعبية لبنانية مستفيدة من النظام الاقتصادي القائم يتمثل معظمها بالمسيحيين الموارنة الذين يمارسون الأعمال الحرة وترتبط مصالحهم بالطبقة البرجوازية التجارية، ومعسكر الحركة الوطنية التقدمية الممثلة بمليشيات مسلحة – المقاومة الفلسطينية – فئات شعبية فقيرة ومضطهدة يتمثل معظمها بالمسلحين. ان انتقال المعركة إلى هذا المستوي يكشف بصورة واضحة طبيعة الصراع الطبقي الذي يتحكم بالمجتمع اللبناني والذي ستحاول الفئات البرجوازية من مسيحية ومسلمة إلى تمييعه وتشويهه عن طريق تحويله إلى صراع طائفي. وإذا كان هناك ثمة فائدة رئيسة من هذا التطور للأحداث فهي تتركز بكشف حقيقة هذا الصراع الذي طالما حاولت السلطة تغطيته بافتعال المعركة بينها وبين المقاومة والوجود  الفلسطيني المسلح في لبنان، ضمن مخطط يهدف إلى ضرب المقاومة الفلسطينية  ضربة ساحقة بهدفين الأول : التهيئة لمشروع تسوية عامة للقضية الفلسطينية وعزل الحركة الوطنية اللبنانية عن نصيرها وحليفها القوي المتمثل بالمقاومة الفلسطينية.

المقاومة الفلسطينية والشعب اللبناني

برزت المقاومة الفلسطينية في الساحة اللبنانية كما في الساحات العربية الأخرى بطلا جماهيريا امتص مشاعر الخيبة العامة التي تلت هزيمة الخامس من حزيران. كما أدى العدوان الإسرائيلي على مطار بيروت في 28/12/1968 وما تلاه من حصار قواعد الفدائيين في الجنوب إلى انحياز قطاعات واسعة من الشعب اللبناني إلى جانب المقاومة. وشكلت أحداث نيسان أول محك واقعي لطبيعة العلاقة التي تربط المقاومة بالشعب اللبناني. وإذا كانت هذه الأحداث قد اتسمت بغلبة الطابع الفلسطيني الجماهيري بالنسبة للمظاهرات التي قامت إبانها، حيث يشير المراقبون إلى أن الفلسطينيين هم الذين شكلوا غالبية الجماهير المشتركة فيها في حين اقتصر الجانب اللبناني على الوسط الطلابي والمثقفين وقطاعات شعبية صغيرة انطلقت بشكل عفوي، فان الانطباع العام الذي تم تبلور أنذاك يتلخص في توافر التأييد الشعبي العام للمقاومة وخاصة أمام انكشاف هزال السلطة، ان لم يكن خيانتها، إبان حادثة المطار. وبذا يمكن تخليص الاتجاه العام للشعب اللبناني بالنسبة للمقاومة بما يلي :

  • 1- مرحلة لولى اتسمت بتأييد قومي عام استمرت إلى ما قبل احداث نيسان.
  • 2- مرحلة ثانية تميزت بتمخض وضع جديد من التأييد العام غير المسيس ناجم عن تنامي التيار الشعبي المعادي للسلطة سواء بسبب تأزم الأوضاع الاقتصادية وازدياد الحركات المطلبية او بسبب موقفها من حادثة المطار.
  • 3- مرحلة ثالثة تميزت بانحسار التأييد الشعبي نتيجة عاملين رئيسين هما :

أ. الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الجنوب وما نتج عنها من نزوح كبير إلى بيروت الوسط .

ب. خروج لبنان عامة من رتابة الاستقرار وتذمر الفئات العاملة في المهن الحرة والتي ترتبط مصالحها بمصالح البرجوازية التجارية.

  • 4- مرحلة رابعة جرت فيها عملية فرز سياسي لقطاعات الشعب انقسم فيها الشعب قسمين :-

أ. قطاع شعبي واسع يمثل الفئات الخاضعة للاضطهاد الطبيعي تبلورت بين صفوف الحركة الوطنية والتقدمية، يغلب عليها الطابع الإسلامي.

ب. قطاع شعبي أقل حجما يمثل الفئات المستفيدة من النظام الاقتصادي اللبناني من برجوازية تجارية وأصحاب المهن الحرة وفئة عمالية صناعية وزراعية ترتبط مصلحتها بالصناعة اللبنانية الكبيرة وبالزراعة الرأسمالية والتي تتمتع بنصيب من الاستقرار المادي، يغلب على هذا القطاع الطابع المسيحي الماروني.

بدأت مرحلة انحسار التأييد الشعبي للمقاومة الفلسطينية في أوائل عام 1970 بعد سلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية على قرى الجنوب كان أخطرها عدوان 12/5/1970 والذي أدى إلى نزوح جماعي واسع والى إفراغ شبه كامل لبعض القرى اللبنانية من سكانها ،فعيتا الشعب لم يبق من سكانها البالغ عددهم تحو ثلاثة آلاف نسمة سوى 400 فقط[40]. وقد تضافرت عدة عوامل في الوصول إلى هذه النتيجة أهمها على الصعيد اللبناني :-

  • رفض السلطة اللبنانية إقامة وسائل دفاعية في الجنوب لحماية السكان وكذلك تسليحهم.
  • غياب الجيش اللبناني وعدم تصديه لاي عدوان.

أما على الصعيد الفلسطيني فقد نتجت عملية انحسار التأييد عما يلي :

  • عجز المقاومة عن التصدي الفعال لهذه الاعتداءات بسبب :-

أ. ضعف إمكانياتها .

ب.تشتت قواها وعدم قيام تعاون بين التنظيمات المختلفة.

  1. عدم وجود خطة شاملة لدى المقاومة بالنسبة لانطلاق عملياتها من الجنوب أو تقدير آثار ردود الفعل لهذه العمليات في ظل غياب الاستعداد الجماهيري المادي لمجابهة الهجمة الإسرائيلية .
  2. عجزها عن إقامة العلاقات الاجتماعية مع سكان القرى.
  3. عجزها عن تسليح السكان.
  4. عجزها عن القيام بالتوعية السياسية وربط قضية العمل الفدائي بمطالب الشعب اللبناني.

يقول بيان لمنظمة الاشتراكيين اللبنانيين ومنظمة لبنان الاشتراكي من المستحيل ماديا وسياسيا فتح جبهة واسعة في الجليل الأعلى وشن عمليات مؤثرة في الظروف التي تحيط بالفدائيين في الجنوب. فما ان تقوم المقاومة بخطف حارس ليلي إسرائيلي حتى تقوم إسرائيل بخطف 23 لبنانيا مدنيا وعسكريا وتردع المنطقة بأسرها دون أن تظهر اية مقاومة سواء بين الفدائيين ام اللبنانيين. وسرعان ما أضطر الفدائيون لمواجهة هذه الحقيقة البائسة وإيقاف العمليات بعد أن اتضح لهم مقدار الخسارة السياسية التي سوف تنجم بالتأكيد نتيجة الاستمرار فيها في ظروف النزوح والاستياء الذي يعم قرى الجنوب، يستطرد البيان قائلاً ” ومما يؤكد هذه الغفلة وهذا التخبط ايضا الغياب التام الواضح لأية مطالب جنوبية في دعاية المقاومة وعملها مما يدل على سوء تقدير بالغ المعنى لما يحدث في الجنوب الآن من نزوح من جهة وانحسار التأييد للعمل الفدائي من جهة ثانية “[41].

فقد أدى موقف المقاومة أبان الهجوم الإسرائيلي الواسع على العرقوب في 12/5/1976( التأكد من التاريخ…خطأ  الأغلب عام 1970) المتمثل في انسحابها إلى المرتفعات واحتلال إسرائيل لعدة قرى، إلى انقسام السكان على مستوي القرية والبلدة انقساما سياسيا مؤيد للوجود الفدائي ورافض له. يقول ياسر عرفات ” بصدد ذلك ” ليس المطلوب منا ونحن نقاتل حرب عصابات ان نقاتل 24 ساعة متصلة. كان عدد الفدائيين 750 مقاتلا وكل أسلحتنا كلاشينكوف وقنابل يدوية ومقاومات أرضية وبعض قواعد صواريخ .. واجهنا لواء إسرائيلي مدرع يحتوي على مئة دبابة باتون  و200 مصفحة وآلية ومن 60 إلى 70 طائرة استمر وجودها 14 ساعة في اليوم الغول و10 ساعات في اليوم الثاني ويستطرد قائلاً : ستدفع تعويضات كاملة للذين سيقيمون إقامة كاملة في مناطقهم ونصف تعويضات للذين يرغبون في الإقامة خارج العرقوب”[42]. يبين هذا العرض مقدار الهوة التي فصلت بي المقاومة والسكان فمعالجة الوضع لا يمكن ان يكون بالطبع عن طريق دفع تعويضات كما وان مصير الثورة في الجنوب قد لصبح مهددا نتيجة انفصالها عن قاعدتها الأساسية التي هي الجماهير. لقد استطاعت إسرائيل بهجماتها هذه أن تحقق الهدف الذي بدأته السلطة في حوادث عصابة مهربي الحشيش والكحالة وحارة حريك وغيرها وهو الوضع الذي استغلته السلطة بواسطة وزراء ونواب الجنوب والرؤساء الروحيين الذين أصدروا بيانا جاء فيه :”إن أهالي الجنوب يرغبون إلى إخوانهم الفدائيين أن يوجهوا إلى أنفسهم النقد الذاتي الجرئ ون يراعوا في آن واحد مصلحة الفداء ومصلحة البلد الذي فتح لهم ذراعية[43].

هكذا وقفت المقاومة، ضمن حدود إمكانياتها الذاتية وموقفها السياسي من الجماهير اللبنانية، عاجزة عن التصدي لتلك المهمة التي فرضها عليها وجودها في الجنوب. لقد عجزت عن حماية أهالي الجنوب، أمام غياب الردع اللبناني الرسمي، كما عجزت عن القيام بالتنظيم الشعبي او تطوير السلطة الشعبية التي حققتها المخيمات إبان انتفاضها في أواخر عام 1969.

وقد برزت في خضم هذه الأوضاع نقاشات كثيرة مؤداها : من المسؤول عن إقامة التنظيم الشعبي والتوعية السياسية ؟ هل هي المقاومة ام الحركة الوطنية والتقدمية اللبنانية التي لم تستطع حتى الآن القيام بأي دور فعال ؟.

في أعقاب مجزرة أيلول التي نفذها النظام الأردني عام 1970 بدأت المقاومة عملية إعادة نظرفي العديد من مواقفها وتصرفاتها التي كان من شأنها فتح ثغرات بينها وبين الجماهير، كما لعبت الأوضاع اللبنانية دوراً مهما في فرز الوعي الجماهيري وإدراكه لمخطط السلطة السياسي في الجنوب.

اتخذت حادثة المكلس بعد سياسيا هاما في الأحداث نظراً لضخامة تأثيرها على مجموعة النازحين الجنوبيين. فقد اتجهت مجموعات من هؤلاء النازحين إلى منطقة المكلس (قرب تل الزعتر) وبدأت بإقامة خيام لها في تلك المنطقة ولكنها ما لبثت أن فؤجئت بإعداد كبيرة من قوى السلطة المدعومة بالمصفحات المزودة بالمدافع تطلق النار على تجمعاتهم مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى. يقول احد مواطني الجنوب:”كان بودنا أن نغادر القرية ولكن بعدما قتلونا في المكلس باسم القانون أصبحنا نفضل الموت في عترون ” [44].كما جاء في بيان لاهالي منطقة العرقوب “وهكذا يتسرب لدى الاهالي الشعور والقناعة بان هناك تخطيطا سياسياً لابقاء المنطقة على ما هي عليه”[45].

حمل دخول المقاومة الثاني الى لبنان بعد معارك جرش في الأردن في 1971 وضعا جديداً إلى جنوب لبنان. فقد أنتج هذه الوجود الكثيف تفاعلات جديدة داخل المجتمع اللبناني بعضها سياسي وبعضها اجتماعي. ولابد من الإشارة إلى حادثة اجتماعية كمثال لهذه التفاعلات الجديدة. فسقوط المقاومة ومعسكراتها على البيئة اللبنانية الجنوبية المحافظة قد شوش واربك العلاقات الاجتماعية.

وتشكل حادثة أبو حميدو نموذجاً لذلك. ملخص الحادثة إن فدائيا اتهم باغتصاب فتاتين في منطقة حاصبيا مما أدى إلى قيام شقيق الفتاتين بقتلهما وقيام محكمة الثورة بالحكم بالإعدام على أبو حميدو. وقد نتج عن ذلك أن القرية رفضت تنفيذ حكم الإعدام بابي حميد وطالبت بانسحاب رجال المقاومة من القرية، في حين أثبت الأطباء الشرعيون الذين فحصوا الفتاتين بعد قتلهما عدم اعتداء أبي حميدو عليهما، ولكن بعد فوات الأوان. لقد تحولت قضية أبو حميدو من قضية اجتماعية إلى قضية سياسية تدخلت فيها السلطة بالتركيز على إخراج الفدائيين من القرية، والعدو الإسرائيلي الذي قام بقصف القرية بعد ذلك مباشرة مما أدى إلى جرح أو قتل أبي حميدو في السجن [46].

وفي خضم هذه الملابسات السياسية والعسكرية والاجتماعية شهد عام 1972 بدء تبلور الإحساس بالحاجة إلى ضرورة إرساء قاعدة جديدة من العلاقات بين المقاومة والجماهير اللبنانية. لقد انتهت مرحلة اعتبار المقاومة وجود طارئا وزائدا في المجتمع اللبناني لتبدأ مرحلة جديدة تشكل فيها المقاومة جزءا لا يتجزأ من المجتمع اللبناني الجنوبي خاصة وذلك ضمن المصالح المشتركة والمصير المشترك، ومن خلال الحركة الوطنية والتقدمية اللبنانية التي ستأخذ على عاتقها مع المقاومة الفلسطينية حملة التوعية السياسية والتنظيم الشعبي.

أما بالنسبة للمناطق اللبنانية الأخرى فقد حاولت السلطة والقوى الانعزالية في لبنان استغلال وتضخيم بعض الأخطاء والممارسات التي يرتكبها الفدائيون وإلقاء تبعة كل عمل او جريمة على الفدائيين في عملية تشهير مقصودة ومحاولة لتأليب الرأي العام ضد الفدائيين. وقد اتخذت المقاومة بعد عام 1970 سلسلة من الإجراءات لضبط التصرفات الفردية للفدائيين ورصد أعمال التخريب من قبل الفئات المدسوسة على العمل الفدائي. فقد جاء في تصريح لرئيس اللجنة السياسية 3/1/1971 ” إن الثورة الفلسطينية لن تسمح بعد اليوم بان تري شخصا يرتدي اللباس المموه ولن تسمح لهم بالتسكع في الشوارع والمقاهي ودور اللهو”. وقد جاء في تصريح لكمال جنبلاط الذي كان وزيراً للداخلية عام 1970 قول : في منطقة الهرمل يسرح خمسمائة مطلوب للعدالة لا نستطيع أن ننفذ بحق احدهم عقوبة بينما لم نطلب مجرما واحد من المخيمات إلا واحضروه”[47]. كما نشرت مجلة الأسواق العربية تقريراً رفعة احد المسؤولين في الأجهزة اللبنانية إلى مسؤول كبير في الدولة جاء فيه: ” ان الذين قاموا بنسف معظم المؤسسات التجارية والاقتصادية لا ينتمون إلى اية منظمة فدائية او فلسطينية وأن أكثريتهم الساحقة من اللبنانيين الذين يتمتعون بالجنسية اللبنانية ويحملون بطاقات هوية ذات رقم تسلسلي تدل علة تعدد انتماءاتهم الطائفية. وقليل من الذين اشتركوا في علميات النسف غير لبنانيين، وكلهم من الفقراء وذوي الدخل المحدد كما وان عددا كبيرا منهم ينتمي إلى منظمات لبنانية تؤمن بالعنف الثوري وتستهويها الأساليب المطبقة في حروب التحرير الطبقي وتعتقد اعتقاداً جازماً بفساد النظام الاقتصادي الذي لا يوفر لها العيش الذي تريده والذي تري فيه أصلا لكل عللها ومصدرا لشكاويها “[48]. وكانت اللجنة السياسية قد أصدرت بيانا في 12/1/1972 أعلنت فيه أن قوات الثورة قد ألقت القبض على المدعو ممد عامر بدر الأردني الجنسية الموفد من المخابرات الأردنية المكلف بتفجير سيارة مشحونة بالعبوات الناسفة في بيروت وقد جاء في البيان : ” دأبت السلطة الأردنية من أكثر من عام على إيفاد عناصر للقيام بأعمال تخريبية في لبنان بحجة حماية سفارتها، وقد نبهنا المسؤولين في حينه إلى نشاط هذه العناصر التي تعرف جميع أفرادها. وقد استخدمت هذا العناصر الطيران الأردني في تنقلاتها في إدخال الأسلحة والمتفجرات وهذا يضعنا أمام واجب الطلب من السلطة اللبنانية أن تسترد الرقابة على هذا الشركة. سنقوم بتسليم المتهم مع كافة المضبوطات إلى السلطة اللبنانية، وما حادث انفجار حقيبة الملابس تحت جناح طائرة عالية في مطار بيروت والذي حاولت أجهزة الإعلام الأردنية إلصاقه بحركة المقاومة سوى لعبة أردنية ثبت من اتجاه التحقيق وراءها المخابرات الأردنية” [49] .

هناك بالتأكيد مخالفات وعدم انضباط وحوادث استفزازية غير ان تلك الأعمال قد تم تضخيمها على يد العناصر المعادية بشكل كبير كما يؤكد ذلك وزير الداخلية السابق كمال جنبلاط بقوله : ” من خلال عملي كوزير للداخلية فقد ثبت لي أن نسبة المخالفات التي يقترفها الفلسطينيون وحسب الإحصاء الموجود لدى قوى الأمن هي اقل نسبيا بكثير من المخالفات التي يرتكبها الجمهور اللبناني إضافة إلى ذلك تأثير الدعايات الأجنبية والمداخلات والتناقضات التي تحدثها الدول العربية”[50].

إزاء كل ذلك فقد بقي الجبل اللبناني معزولاً عن واقع المقاومة الفلسطينية حيث يبدو أن المقاومة لم تحاول كسب سكان الجبل إلى جانبها من خلال التمازج الاجتماعي والتوعية السياسية. يقول نجيب أبو حيدر “الفلسطينيون لا يعرفون ما يسمي بالجبل المسيحي واللبنانيون لا يعرفون ماذا كان يجري في المخيمات على يد المكتب الثاني قبل عام1967”[51].  ويقول شفيق الحوت :”طلبت من وزير إعلام سابق أن يعطي المنظمة دقيقة واحدة يومياً في الإذاعة اللبنانية لكي يشعر المواطن اللبناني الذي يعيش في كسروان أوجبيل أن الإنسان الفلسطيني ليس مجرد شبح مرقط “[52].

لماذا يشكل الفلسطينيون شبحاً مرعباً بالنسبة لقطاع من الشعب اللبناني؟.. تلخص الندوة التي عقدتها شؤون فلسطينية مع بعض الشخصيات اللبنانية ذلك بما يلي: يقول كمال جنبلاط : انه الخوف المسيحي من التيارات الفكرية. فالثورة الفلسطينية أخذت تجرف المسيحيين والمسلمين على اختلاف نزعاتهم في تيارها، ذلك ان من يعايش الثورة لابد وان يتأثر بها وخاصة ضمن النظام الديمقراطي البرلماني الموجود في البلد. ويقول أمين الحافظ: الموضوع ليس موضوعاً طائفياً فقد شاهدت بعيني قبل أيام لبنانيين يطلقون النار على فلسطينيين من نفس الطائفة، أنها مسألة اجتماعية فكثير من اللبنانيين من مسلمين ومسيحيين يحقدون على الثورة الفلسطينية لأنها تهدد التركيبة الاجتماعية الاقتصادية في لبنان.

حقاً لقد أثار الوجود الفلسطيني الجراح الكامنة في صميم المجتمع اللبناني، تلك الجراح التي طالما غفت تحت سياسة التوازنات والمهادنات التي لعبتها السلطة وجرفت في تيارها الحركة الوطنية التقدمية. ويمكن تخليص آثار هذا الوجود عبر تتبع مختلف المراحل بأن المقاومة الفلسطينية والوجود الفلسطيني بشكل عام قد خلق ظروفاً موضوعية في لبنان من خلال أثارته لكافة التناقضات الكامنة والتي كان لابد لها أن تنفجر في سياق الحركة التاريخية وتطور المجتمعات.

فقلد أضاف الفلسطينيون إلى لبنان قطاعاً شعبياً يحكمه التذمر والفقر والغليان السياسي، كما أثارت الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني مسألة الجنوب برمتها موحدة بذلك بين القضايا الاقتصادية والسياسية إضافة إلى أن الصراعات الفكرية عامة وداخل حركة القوميين العرب خاصة والانقسامات التي نجمت داخل صفوف المقاومة قد نقلت المعركة الفكرية إلى الساحة اللبنانية والى صميم الحركة الوطنية. وقد لعبت الصحافة التقدمية دوراً بارزاً في إيصال الثقافة الثورية إلي الشارع اللبناني والعربي عامة. لقد شاركت هذه العوامل مجتمعة وغيرها في بلورة ونضوج الحركة الوطنية والتقدمية اللبنانية، هذه الحركة التي خاضت مع المقاومة الفلسطينية أضخم معركة دفاعية في تاريخ لبنان الحديث.

 

 

[1] – هاني مندس، العمل والعمال في المخيم الفلسطيني.

– [2] التقرير الزراعي للحزب الشيوعي اللبناني الشيوعيون ومهمات المرحلة المقبلة، ص. 352، 693

[3] –  نفس المصدر.

[4] –  نفس المصدر.

-[5] معين احمد محمود، الفلسطينيون في لبنان، ص.122.

[6] – نفس المصدر.

[7] – وكالة الأنباء العربية، 2/8/1975.

[8] –  إلياس خوري،  إحصائيات فلسطينية، مركز الأبحاث، ص. 21.

[9] – هاني مندس، مصدر سابق.

[10] – إلياس خوري، مصدر سابق.

[11] – جريدة الأحرار في 18/1/1966.

[12] – نفس المصدر في 2/9/1965

[13] – الكتاب السنوي للقضية الفلسطينية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ن بيروت،1965.

[14] – نفس المصدر.

[15]– نفس المصدر.

[16]– الوثائق الفلسطينية، مركز الأبحاث، 1968، ص. 86

[17] – نفس المصدر، ص.103.

[18] نفس المصدر، ص. 18.

[19] – نفس المصدر، ص. 830.

[20] – نفس المصدر، ص. 469.

[21] –  نفس المصدر، 1969، ص. 69.

[22] -شؤون فلسطينية، العدد 8، ص. 190.

[23] – نفس المصدر، العدد 46.

[24]– الوثائق الفلسطينية، مصدر سابق، ص. 218.

[25] – نفس المصدر، ص. 411.

[26] – نفس المصدر، ص. 218.

[27] – الوثائق الفلسطينية، مصدر سابق، 1970، ص. 456.

[28] – الكتاب السنوي، مصدر سابق، 1969، ص.64، نقلا عن مجلة الحوادث 1/11/1970.

[29] – نفس المصدر، ص. 91.

[30] – جريدة العمل اللبنانية، 8/5/1970.

[31] – الوثائق الفلسطينية، مصدر سابق، ص. 14.

[32] –  نفس المصدر، 1970، ص. 23.

[33] – نفس المصدر، ص. 190.

[34] –  نفس المصدر.

[35] – نفس المصدر، ص. 156.

[36] – نفس المصدر، ص. 186.

[37] – مجلة فلسطين الثورة، 13/5/1973.

[38]-.مجلة الحرية، 21/7/1975.

[39] – مجلة الهدف، العدد 279، ص.11

[40] – مجلة الحرية ، 16/2/1970.

[41] – الوثائق الفلسطينية، 1970، ص. 127.

[42]– نفس المصدر، ص. 343.

[43] – نفس المصدر، ص. 401.

[44] – مجلة الحرية، 18/3/1971.

[45] – الوثائق الفلسطينية، 1970، ص. 522.

[46] – غسان كنفاني، قضية أبو حميدو، شؤون فلسطينية.

[47] – مجلة الحرية، 6/4/1970.

[48] – شؤون فلسطينية، العدد 46، ص. 12.

[49]– الوثائق الفلسطينية، 1972، ص. 19.

[50] –  شؤون فلسطينية، العدد 47.

[51] – نفس المصدر.

[52]– نفس المصدر.