ظاهرة باولو كويللو واستراتيجياته

الصفحة

 

 

سلافة حجاوي

 

نشرت في مجلة الطريق/ فلسطين- عدد نيسان 2008

 

يشكل الروائي البرازيلي، باولو كويللو، ظاهرة في المشهد العالمي المعاصر. وقد يكون من الصعب وصف هذة الظاهرة، هل هي ظاهرة أدبية أم إجتماعية أم سياسية أم تسويقية أم ماذا ؟ وهل هو “نبي”، كما يصفه البعض، أم شيطان كالشياطين الذين تعج بهم كتبه، أم هو خرافة؟  فهو أحد أكثر الكتاب غزارة في الإنتاج، إذ بغض النظر عن محاولاته التأليفية المبكرة، والتي تتمثل في كتابين هما” أرشيف جهنم” و” مصاصوا الدماء”، واللذين لم يعد يعترف بهما، أصدر كويللو منذ عام 1986 ولغاية عام 2007 نحو عشرين كتابا مابين رواية وسيرة ذاتية ومراجعة وتجميع لما نشره من مقالات في الصحف ولما أدلى به مما يسميه  بالحكم والأقوال، وذلك بمعدل كتاب  واحد كل عام تقريبا. أما من حيث التسويق، فقد وضع آخر تقدير لمبيعاته عدد سبعين مليون نسخة من المبيعات بمختلف اللغات السبعين التي ترجمت كتبه إليها. ولا يتفوق عليه في هذا المجال سوى واحد أو اثنين من الكتاب في العالم، حيث يقف جون غريشام، مؤلف روايات الإثارة والجريمة في المقدمة. هذا إلى جانب الكم الكبير من القراء الذين يتابعون كتاباته على مواقع الإنترنيت الكثيرة، وفي مختلف الصحف العالمية . وعلى العكس مما عهد في عالم الأدب من أن قراء الأعمال الأدبية هم في العادة المثقفون وطلاب التخصصات الأدبية وقلة من الشرائح الأخرى ، فإن قراء كويللو يتمددون على شرائح اجتماعية متعددة. ففي البرازيل مثلا، بلده الأصلي، وعلى الرغم من وقوف النخب المثقفة البرتغالية ضده بشكل عام، واتهامها لأعماله بأنها لا تمت للأدب بصلة، سواء من حيث المواضيع والبناء الروائي أو لغته البرتغالية التي يصفونها بالركيكة، حيث تم انتخابه إلى عضوية أكاديمية الكتاب البرازيليين بصعوبة فائقة، فإن كتبه تتصدر قائمة المبيعات فيها. وعلى الرغم مما يقال بأن الإنترنيت قد ضربت سوق الكتاب في العالم، فإن كويللو صامد، ولا يزال يلتهم الأسواق.

لقد قرأت له رواية “الخيميائي” قبل ثلاث أو أربع سنوات، وإذ راقت لي ثيمتها ذات الطابع الأسطوري، والتي تبين لي لاحقا بأنها ليست من ابتكار خياله، فقد مللت قراءتها نظرا لأسلوبها السردي الممل، وما تخللها من استطراد وأجواء سحرية وخرافات، وقررت أن لا اقرأ له ثانية. غير أنني ما لبثت أن ذهلت بما قرأته عن اشتهاره على هذا النحو العجيب، فقررت أن أقرأ له ثانية، أملا في أن أغير رأيي السابق فيه. وإذ لم أعثر على ضالتي، وهي المتمثلة في عنصر الإمتاع النفسي والفكري، الذي هو وظيفة الأدب الرئيسة، فقد صممت على المتابعة  بروح الباحثة الكامنة في، حتى بلغت الروايات التي قرأتها له عشرا أو أكثر، إضافة إلى الكثير مما كتب ونشر عنه أو قاله أوعن سيرته الخاصة، وذلك سعيا نحو اكتشاف الأسباب والعوامل التي جعلت من كويللو ظاهرة في عالم التأليف والنشر، شغلت ولا تزال تشغل المجال الأدبي والإعلامي للسنوات الأخيرة، مدحا أوذما.  وسوف أحاول في هذا المجال الضيق تقديم موجز شديد لما خلصت إليه من هذه المطالعات.

    ولد باولو كويللو عام 1947 في موطنه البرازيل، وكان في طفولته يحب القراءة وتجذبه الأشياء الغريبة والعالم غير المرئي، وبدأ مبكرا في تعلم وتعاطى السحر. وكبر كشاب متمرد على التقاليد والعادات البرازيلية المحافظة. فأصبح “هيبيا” خلال الستينات وازداد تعاطيه مع السحر، ورفض ما أراده له والداه بأن يصبح مهندسا، وصمم على أن يصبح كاتبا، فنظر إليه والده كمجنون وأدخله إلى مستشفى الأمراض العقلية ثلاث مرات متتالية.  كما عمل خلال السبعينيات في مجال صناعة الموسيقى وكتابة الأغاني والنصوص الثورية، وانضم إلى جمعية ثورية تهاجم النظام السياسي  والنظام الرأسمالي وتنادي بحرية الفرد، منجذبا إلى فلسفات مابعد الحداثة والعصر الجديد، متأثرا بكتابات كارلوس كاستنيدا بشكل خاص. فاعتقل وعذب على يد سلطات النظام العسكري الحاكم في ذلك الحين.  وهو يقول بأنه قرر بعد ذلك تغيير نمط حياته والتفرغ للكتابة، فتزوج وسافر منذ أواخر السبعينيات عدة مرات إلى أوروبا.  وهناك اعتنق  الكاثوليكية رسميا ، وإن يكن لم يتوقف عن كونه نصيرا وداعية لأفكار ما بعد الحداثة والعصر الجديد.  هذا ما تفصح عنه رواياته التي باشر بتأليفها وإصدارها بعد أن بلغ الأربعين من العمر. فثيماته الرئيسة هي ثيمات كاثوليكية، إضافة إلى أنها تعج بالملائكة والشياطين والأصوات والإشارات وغير ذلك من التجليات الروحانية. وجميع شخصياته الرئيسة إما أنها كاثوليكية أو أنها تعتنق الكاثوليكية في سياق الرواية أو نهايتها. غير أنها كاثوليكية مطعمة بأفكار ما بعد الحداثة والعصر الجديد، التي تظهر في حلتها الكاثوليكية على شكل دعوات لتأنيث الكاثوليكية باعتماد ثالوث جديد هو” الأم والإبن والروح القدس”  ولبرلة الكنيسة الكاثوليكية بتقليص سلطة الفاتيكان وإلغاء الحظر على زواج الكهنة وغير ذلك من الدعوات.

ففي كتابه الأول، “مذكرات مجوسي” الصادر عام 1986، والذي أخذ يصدر لاحقا بعنوان” الحجيج إلى كومستيللو”، يروي كويللو تجربته الذاتية، حين قام قبل عام أو عامين من إصدار كتابه، بالحجيج على طريق مقدسة لدى الكاثوليك تقع على الحدود بين فرنسا وإسبانيا ويعود تاريخها إلى القرون الوسطى، وذلك من أجل الحصول على سيف يمنحه الحكمة والقداسة، فيقابل الشياطين ويتصارع معهم، ويمر بتجارب كثيره ، ثم يهتدى أخيرا بواسطة حَمَل إلى السيف المنشود، ويدرك أن هذا الحجيج ليس حصرا بالقديسين كما قيل له، وإنما لكل الناس، وأن الله هاجع في قلب كل إنسان.   ويذكر أن هذا الكتاب لم يستقطب أي اهتمام في البرازيل في حينه، غير أنه اشتهر في أوائل التسعينات، وازداد الحجيج على طريق كومستيللو، حتى إن الممثلة الشهيرة، شيرلي ماكلين، حجت عليه وألفت كتابا عنه.

وكذلك  الحال مع كتابه الثاني، “الخيميائي”، الذي صدر بعد الأول بعامين. وكان كويللو قد أخذ فكرة “الخيميائي” من حكاية للكاتب الأرجنتيني، يورغ لويس بورخيس، بعنوان “حكاية حلمين”، التي كان بورخيس اقتبسها بدوره من حكايات ” ألف ليلة وليلة”. وهي تروي قصة شاب إسباني كاثوليكي يسافر إلى مصر بحثا عن كنز حلم بوجوده عند الأهرامات، فيلاقي الحب بدلا من الكنز.

في عام 1991، يعود  كويللو إلى كتابة جزء آخر من سيرته الذاتية، فيصدر ” فتيات الفوكيريز”. وفتيات الفوكيريز ساحرات معروفات في الأساطير السكندنافية على أنهن يقتلن الأبطال ثم يقدنهم إلى الجنة. وهن يظهرن في الرواية كفتيات كاثوليكيات عصريات يلبسن الملابس الجلدية ويركبن الدراجات النارية ويمارسن الجنس في الطرقات. يروي كويللو في هذه الرواية على نحو معقد ومشوش، تجربته الروحانية مع عالم الملائكة والسحرة والشياطين خلال سعية للقاء ملاكه الحارس في صحراء موجافي في كاليفورنيا، حيث ترشده إليه الساحرات بعد سلسلة طويلة من الطقوس والملابسات، فيظهر له ملاكه الحارس، كما يقول، على شكل نور إلهي ساطع. وتتضمن هذه الرواية، أو السيرة الذاتية، معلومات شيقة يرويها كويللو عن تجربته الخاصة مع رجل غامض يرمز إليه بالحرف “ج”، يظهر في الرواية  على أنه المرشد الأكبر لكويللو. وقصة هذا المرشد، كما يرويها كويللو في هذه السيرة الذاتية وفي مقابلات صحفية لاحقة، أنه  رآه لأول مرة في أوائل الثمانينيات في أحد معسكرات الإبادة النازية لليهود في ألمانيا، على شكل “شبح”، ثم عاد والتقى به فعليا في أحد المقاهي، حيث أقنعه “ج” باعتناق الكاثوليكية وبالحجيج على طريق كومبستيلو. كما يصفه باولو كويللو، بأنه الخيميائي الذي يعرف أسرار العمل العظيم، ويذكر أنه  ألف رواية “الخيميائي” وفقا لتعاليم “ج”. ولكن كويللو يرفض الإدلاء باسم وهوية “ج”. غير أن مصادر أخرى تقول بأنه رجل أعمال يهودي.

ويتأكد الاعتقاد بصحة يهودية “ج”، حين يفاجأ قارئ “فتيات الفوكيريز” بالفتيات الساحرات يختمن صلواتهن وطقوسهن بتلاوة مقاطع من نشيد الإنشاد من التوراة: “على أنهار بابل جلسنا وبكينا/ لقرون بكينا…”. ويقمن بتعليم  باولوكويللو كيف يلتقي ملاكه، فيتوجه إلى سيارته، ويكتب، كما لو أن يد ملاكه هي التي تكتب: “من أجل صهيون لن أرتاح/من أجل أورشليم لن أرتاح/ حتى تمضي قامتها كنور ساطع/ وخلاصها كصباح منبلج……”. ولا يقتصر هذا المشهد والاقتباس من مزمور بابل التوراتي على هذا الكتاب، بل يتكرر في روايات أخرى.

وفي رواية ” على نهر بييدرا جلست وبكيت” الصادرة عام 1994، التي تروي قصة حب بين شابة غير متدينة وشاب وصل إلى مرحلة متقدمة في دراسة الكهنوت، وحظي من السيدة العذراء بنعمة القدرة على إشفاء المرضى، يقف الشاب أمام خيار الزواج بحبيبته و حرمانه من أن يصبح كاهنا ومن نعمة إشفاء المرضى. في السياق تعود الفتاة إلى إيمانها وتعارض أن يتزوجا، وإذ تعلم بأن الشاب قد قرر اختيار الحب على الكهنوتية على أمل أن تغير الآلهة موقفها، تجلس الفتاة على نهر بييدرا وتبكي، وتقرر أن تبقى إلى جانبه للنضال معه من أجل كاثوليكية سمحة.

وفي رواية ” فيرونيكا تقرر الموت” الصادرة عام 1998، التي تشكل جزءا آخر من سيرة حياة باولو كويللو، والتي يروي فيها عبر شخصية “إدوارد” ما مر به هو نفسه في مستشفى الأمراض العقلية من علاجات خطيرة وصدمات كهربائية، يتم إنقاذ فيرونيكا، غير المؤمنة، من محاولتها الإنتحار، ثم تحب إدوارد، الذي يمثل شخصية باولو كويللو في الرواية. فهو يقرأ في شبابه كتابا عن أشخاص عاديين امتلكواالقدرة على أن يكونوا أصحاب رؤى ويرون الجنة، فيفكر في أن يصبح قديسا وينتهي به الأمر في مستشفى الأمراض العقلية. يشفى إدوارد لاحقا وينتهي الأمر بقيرونيكا إلى الإيمان.  وفي رواية ” ساحرة بورتوبيللو” الصادرة عام 2006، تحس أثينا بأن الله هاجع في أعماقها وبأنها قديسة، فتقوم بتعليم آخرين ممارسة طقوس في هذا المجال، غير أنها ماتلبث أن تتهم في حي بورتوبيللو، الذي هو حي لندني بروتستانتي تقيم فيه مركزنشاطاتها، بأنها ساحرة وتطارد حيث ما تلبث أن تختفي.

وتحكي رواية ” الشيطان والمس بريم” الصادرة عام 2000،  قصة قرية كاثوليكية فقيرة  يزورها رجل أعمال يلازمه شيطانه كظله، في محاولة لأغواء سكانها بعصيان ” الوصايا العشر” بقتل أحد السكان مقابل عشر سبائك ذهب، حيث ينتهي الأمر بحيلة من المس بريم، تعفي فيها القرية من معصية القتل، وتحصل على الذهب كله. كما إن ماريا، في رواية “أحدى عشرة دقيقة” الصادرة عام 2002، التي تأتي لأوروبا فتمارس الدعارة من أجل الإثراء، ما تلبث أن تؤمن بعد أن تجمع ما يكفي من المال لشراء مزرعة في وطنها البرازيل. وتشكل رواية  “الزهير” أو “الظاهر” أوضح نموذج على ثيمة الكاثوليكية مابعد الحداثية التي يدعو لها كويللو. يحاول كويللو هنا تطبيق أسطورة يوليسيز وبينيلوبي على نحو ما بعد حداثي. فهو يكتشف بعد اختفاء زوجته أنها ذهبت للاعتزال في كازاخستان، وبأنها اصبحت تعتبر قديسة من قبل أتباعها الذين يلقبونها “السيدة”. وإذ يسافر إليها،  يكتشف أنها أخذت تقضي وقتها تحوك السجاد، على انتظار أن يدرك أسباب اختفائها ويعود إليها. وبما أنه إنسان متسامح وضد العنف على العكس من يوليسيز ، الذي أمعن في تدمير الرجال الذين توددوا  لزوجته أثناء غيابه، فهو يتقبل العلاقات التي أقامتها مع غيره، كما يتقبل حملها بطفل من أحدهم ، ويعود الأثنان معا.

 

وتكاد تكون رواية” الجبل الخامس”، الصادرة عام 2004، هي الإستثناء الوحيد الذي لا يتعامل فيها كويللو مع الكاثوليكية، وذلك لأنها مخصصة لإسرائيل وإلهها. ففي هذه الرواية، يخرج كويللو عن المألوف ويجازف بكتابة رواية ” تاريخية”.  وتتلخص الرواية في أن نبيا إسرائيليا يدعى إيليا يتلقى أمرا من الرب بالقضاء على ملكة صور التي تزوجت ملك إسرائيل وفرضت فيها عبادة الإله الفينيقي، بعل بدلا من إله إسرائيل، وإذ تلاحقه الملكة، يهرب إلى مدينة فينيقية تدعى أكبر ويحقق فيها معجزات ويصبح حاكما لها ويحولها إلى مدينة حضارية ويعتنق سكانها دين إسرائيل بعد أن يهزم جيوش الأشوريين بإيقاف الشمس وسط السماء ، ثم يعود إلى إسرائيل لكي يخلصها من الملكة الفينيقية وإلهها، ويعيد أعمارها عملا بإرادة رب إسرائيل.

 

إستراتيجيات كويللو الروائية

كويللو ليس بالكاتب البسيط أو الساذج الذي تحدوه الرغبة في التعبير عما يجول في خاطره أويؤمن به من خلال قدراته الروائية.  إن قراءة كتبه بإمعان تتيح للناقد أن يستخلص الكثير من الإستراتيجيات التي يعتمدها في سبيل تحقيق أهدافه المتمثلة  بنشر كتبه في جميع أنحاء العالم وتتويجه كأعظم كاتب في هذه الحقبة التاريخية المعاصرة، والتأثير في الأحداث والتطورات التي يمر بها العالم المعاصر.

فقد دخل كويللو عالم الكتابة الجدية في مرحلة تاريخية هائلة التحولات ، هي أواخر ثمانينيات القرن العشرين، تلك الحقبة التي شهدت انهيار الفلسفة المادية التي مثلها الإتحاد السوفييتي، وعودة الأديان لاحتلال مكان الصدارة في اهتمامات الجماهير في روسيا وأوروبا الشرقية والعالم أجمع ، حيث أصبح ينظر إلى الروحانيات بأنها البديل لمادية الشرق والغرب الأوروبيين، التي لم تقدم الحلول الكافية لمشاكل الجماهير. وهو مقتنع، كما يقول، بأن العصر الراهن وعلى المدى المنظور، سيظل عصر الروحانيات. لذلك فإن كتبه تعمل على إعادة الإعتبار للكاثوليكية، وتوفير رافعة معنوية لأتباعها، ليس فقط أمام مادية الحضارة الغربية، وإنما كذلك أمام المذهب البروتستانتي والأديان الأخرى في العالم. فهو من خلال دعوته لتحديث الكاثوليكية، إنما يفتح الباب أمام انضمام  أو عودة الكثيرين إلى حضن الكاثوليكية الجديدة. وإذا ما نظرنا إلى خارطة مبيعاته في العالم، نجد بأن معظم هذه المبيعات قد تحققت في بلدان كاثوليكية مثل بلدان أميريكا اللاتينية وإسبانيا والبرتغال وفرنسا وإيطاليا ودول كاثوليكية أخرى. وعلى الرغم مما يقوله في مقابلاته ومقالاته بأنه يعتبر كل الأديان صحيحة، فإن رواياته لا تتضمن هذا الادعاء، بل قد تنفيها في بعض الأحيان.

هناك في استراجياته الكثير من الأمور الأخرى، منها توزيع المكان في رواياته. فأمكنة رواياته تتوزع في عدة أماكن في أوروبا وليست في أميريكا اللاتينية أو البرازيل ، وشخصياته الرئيسة  تنتمي إلى جنسيات أوروبية مختلفة. كما إن أسلوبه شديد البساطة على نحو يكاد يخلو من الصفة الأدبية المجازية، وهو أقرب إلى لغة وأسلوب الحكايات الأسطورية التي تروق للناس العاديين متوسطي الثقافة،وتشكل أحد عوامل انتشاره بين الجماهير. وإذا كانت لغته البرتغالية ركيكة حقا، فمن الواضح أن قراء كتبه باللغات الأخرى لايشعرون بذلك، حيث أن المترجمين  لا يترجمون الأخطاء، بل قد يجملون الأسلوب غير الجميل . كما إن إسرافه في استخدام  الملائكة والجن والشياطين والأصوات والإشارات ناجم عن قناعته بأن الجماهير المعاصرة تتعطش  لها، وبخاصة أن كل الأديان تؤمن بها.

كذلك يشهد الكثيرون بكفاءة ومهارة كويللو في إدارة حملاته التسويقية، وذلك استنادا إلى الخبرة التي اكتسبها في شبابه حين عمل في شركات صناعة الموسيقى في البرازيل. فإلى جانب الجيش الضخم من العاملين تحت إمرته في مجال الترجمة والدعاية والتسويق، فهو يستغل الإنترنيت أفضل استغلال عبر عدد كبير من المواقع الرسمية وغير الرسمية للترويج لكتبه ومقالاته وأقواله، كما يصدر الأقراص المدمجة والاسطوانات والألعاب الكومبيترية وغيرها من وسائل التكنولوجيا الحديثة للدعاية لنفسه ولكتبه. كما لا يمكن إغفال عامل موضوعي هام يتمثل في واقع العولمة الذي يهيمن على كل المجالات الحياتية في عالمنا المعاصر، حيث أصبحت دور النشر جزءا لا يتجزأ من هذا النظام، وأصبح لها فروع في مختلف أنحاء العالم. ولا عجب إذن أن مؤلفات كويللو قد ترجمت إلى هذا العدد الكبير من اللغات.

 

ويندرج في هذا السياق ماتحدث عنه كويللو بصراحة في أحد كتبه، وهو ما يعرف باسم “بنك الخدمات المتبادلة”، الذي يعمل على قاعدة “إخدمني أخدمك” أو الذي يسمى في باريس ” أعد المصعد”، وهو بنك وهمي لتبادل الخدمات التسويقية والدعائية بين  الكتاب والناشرين والصحفيين وغيرهم من ذوي المصالح المختلفة. وهو يعترف بأن بنك الخدمات قد أسهم كثيرا في تسويق رواية ” الخيميائي”. ولا بد هنا من إدراج  ذلك الشخص اليهودي الغامض “ج”، ضمن عالم بنك المعلومات هذا. فقد كان “ج” وراء اعتناق كويللو للكاثوليكية في الوقت المناسب، ليس فقط في ضوء التحولات التاريخية التي شهدها العالم في أواخر الثمانينيات، وإنما كذلك بالنسبة لإسرائيل، حيث كانت العلاقة بين إسرائيل والفاتيكان خلال الثمانينيات، تمر بمرحلة مخاض جديد مالبث أن انتهى باعتراف الفاتيكان بإسرائيل في عام 1993. وأصبح كويللو حتى قبل عام 1993، داعية لهذا الاعتراف. وبذلك يمكن القول بأن ما يكتبه  كويللو في كتبه عن إسرائيل، هو خدمة مقابل خدمات قدمت أو تقدم  له. فما هو حجم الخدمات التي قدمت له يا ترى مقابل هذا الموقف الذي اتخذه في تلك الفترة الحرجة، وأية خدمات قدمت له مقابل كتاب كامل هو ” الجبل الخامس”؟

غير أن المؤسف حقا في كل هذا، هو أن ما يقدمه كويللو في هذا الشأن في كتبه بشكل عام، والطريقة الفجة التي يقدمه فيها، إنما تدل على ضحالة كويللو ككاتب، وهي ضحالة لاتقتصر على البعد الإسرائيلي، بل تشمل كل مواضيعه الأخرى، الأمر الذي دفع الكثير من النقاد، ومنهم هذه الكاتبة، إلى اعتباره كاتبا إثاريا شعبويا يستغل سذاجة الجماهير من أجل غايات وأغراض ليست ساذجة.

 

انتهى