مراجعة لكتاب عاموس عوز

الصفحة

 

ثقافة

في كتابه “حكاية حب وظلام” الذي حقق أعلى نسبة مبيعات في إسرائيل الكاتب الإسرائيلي عاموس عوز.. منظر استراتيجي جيد.. ومؤرخ سيئ.

 

سلافة حجاوي

 

صدرت الترجمة الإنجليزية لكتاب “حكاية حب وظلام”، التي أعتمدها في هذه القراءة، في عام 2005. وقد اختلفت الآراء حول نوع هذا الكتاب، هل هو رواية أم سيرة ذاتية للمؤلف، أم سرد تاريخي لسنوات ما قبل قيام الدولة اليهودية. غير أنه، كما أراه، أقرب ما يكون إلى السيرة الذاتية بفعل تداخل الخاص والعام، الثقافي والسياسي فيه على نحو لا فكاك منه، حيث إن الكاتب يركز فيه بشكل رئيس على سيرة عائلته وأقاربه والحي المقدسي الذي ولد وعاش سنوات طفولته فيه، حي “كيريم أفراهام”، والأثر الذي خلفه المكان والناس فيه، بينما يمر سريعاً على الأحداث التاريخية التي يوظفها في السياق ذاته.
لا يعتمد الكتاب تسلسلاً تاريخياً للأحداث والوقائع فيه، بل يظل يقفز من الماضي إلى الحاضر ومن الحاضر إلى الماضي ومن موضوع لآخر. كما تتقافز المواضيع في معظم فصوله البالغة اثنين وستين فصلا، على نحو غريب. وتكبر هذه المشكلة بالنسبة للقارئ بفعل ضخامة الكتاب الذي يزيد عدد صفحاته على خمسمائة صفحة. وقد عزا بعض المعلقين هذه الفوضى إلى الوقت القصير الذي أتاحته له مكتبة الكونغرس الأميركية من أجل حصوله على جائزة يهودية خاصة بالسيرة الذاتية، باعتباره أحد أهم الكتاب الروائيين في إسرائيل. وفي ضوء هذه الطبيعة للكتاب، يسمو الكاتب أحيانا إلى مستوى الكتابة الأدبية الشفافة، بينما ينحدر أحياناً أخرى إلى مستوى المؤرخ السياسي غير الموضوعي، حين يأخذ بسرد وقائع وأحداث على نحو يرضي اليهود ويغضب العرب، وبخاصة أن كل مواضيع الكتاب ذات صلة مباشرة أو غير مباشرة بالقضية الأساس، والمتمثلة في قضية فلسطين والحق التاريخي وما الذي حدث، والتي هي جزء لا يتجزأ من حياة أي يهودي وفلسطيني. ولا عجب أن الكتاب قد حقق، كما يقال، أعلى نسبة مبيعات في تاريخ الكتب في إسرائيل، على الرغم من صعوبة قراءته.
ولد الكاتب، كما يقول، في عام 1939، وعاش في شقة أرضية معتمة صغيرة في حي “كيريم أفراهام” على شارع عاموس في القدس الغربية. وهو حي يقطنه يهود قدموا إلى فلسطين من روسيا وأوروبا الشرقية، معظمهم أناس فقراء ينتمون إلى الطبقة الوسطى الدنيا، ولا يكفون عن التحسر على ماضيهم ويشعرون أنهم ينتمون للثقافة الأوروبية، ويتناقشون باستمرار حول عوالم وشخصيات بوشكين وتولستوي، ويتحدثون عن الأخوة العالمية. ولكنهم في الآن ذاته يمينيون متشددون، جابوتنسكيون في تطلعاتهم السياسية، على الرغم من أنهم كانوا يتحدثون عن السلام مع العرب الفلسطينيين.
ومن الطبيعي أن يتأثر الطفل عاموس بهذه الأجواء المحيطة به، وبوالده الجابوتنسكي الذي كان يشعر بالخزي من تاريخ اليهود في أوروبا، ويريد أن يكون اليهود أوروبيين عبريين وليس أوروبيين شرقيين. كما كان يكره الييديش وبياليك ومارتن بوبر، ويرى في تشيرنيكوفسكي شاعر الفجر الجديد الذي يمثل فجر “الفاتحين كنعان بالعاصفة”. هكذا نشأ الكاتب، كما يصف نفسه، “شوفينياً في لباس محب للسلام”. غير أنه يبدو واضحاً من سياق الكتاب، أن الطفل عاموس قد تأثر أكثر فأكثر، وبشكل غير مباشر، بأمه وبعائلتها ذات التوجهات اليسارية، والتي ما لبثت بعد زواجها بأبيه، أن غرقت في أزمات نفسية وصحية مديدة قادتها في عام 1952، إلى الانتحار، وهو لم يزل في الثانية عشرة من عمره.
هكذا بدأت تحولات الطفل- الشاب عاطفيا وفكريا، تلك التحولات التي قادته أولا إلى هجر البيت بعد موت أمه، والالتحاق بأحد الكيبوتسات، والإقدام على “قتل” أبيه، وفق تعبيره، وذلك بالتخلي عن لقبه العائلي- كلاوزنر، واتخاذ لقب آخر هو “عوز”، الذي يعني “القوي” بالعبرية، حيث ما لبث أن تحول تدريجيا إلى مثقف ليبرالي وروائي مرموق.
ونظرا لتشعب مواضيع الكتاب وتداخلها، فسوف أركز في هذه الفسحة القصيرة على بعض معالم العلاقة بين هؤلاء اليهود والعرب الفلسطينيين على النحو الذي يصوره الكاتب، ونظرته هو نفسه خلال تلك الفترة التي يركز عليها الكتاب، وهي ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين.
يبدو واضحا من السياق العام للكتاب، أنه لم يكن هناك أي اختلاط بين العرب واليهود في القدس خلال الأربعينيات بشكل خاص، باستثناء ما كان يحدث من لقاءات بين المثقفين الإنجليز واليهود والعرب، في الأحياء الراقية ذات الحدائق الغناء والحفلات الموسيقية والولائم. ويبدو ذلك واضحاً في بعض ما يرويه عن تلك العلاقة المتوترة والعدائية قبل بدء المواجهات في أواخر عام 1947، منها مثلاً مسألة العمل العبري الذي فرضته الحركة الصهيونية، فيقول: “كان هناك قانون حديدي يحكم عدم شراء أية بضائع مستوردة، إذا كان من الممكن العثور على سلعة مماثلة من صنع اليهود”. ويقول إنهم حين كانوا يذهبون إلى الدكان للتسوق، يندلع نقاش بين الزبائن حول ما إذا كانت الجبنة العربية القادمة من قرية لفتة هي صناعة محلية أم مستوردة؟”. ويستطرد قائلا: “كانت الجبنة العربية أرخص قليلا من غيرها، فضلا عن أنها ألذ من جبنة تنوفا. لكن السؤال كان: إذا اشتريت جبنة عربية، ألا يشكل هذا خيانة للصهيونية؟ من جهة أخرى، ألم يكن من شأن مقاطعتنا لمنتجات جيراننا العرب تعميق الكراهية بين الشعبين، ونكون بذلك مسؤولين عن سفك الدماء بيننا لا سمح الله؟ فقد كان الفلاح العربي أميناً وبسيطاً أشبه بالموجيك في قصص تولستوي.. ثم تصوروا الازدراء الذي كان سيبديه تولستوي لكل من يشتري نوعاً من الجبنة وليس غيره لمجرد اختلاف في الدين أو القومية أو العنصر. ثم ماذا عن النظافة، فقد كانت جدته تقول إن الشرق مليء بالجراثيم، وتنظر برعب وهلع إلى الأسواق الشعبية العربية المليئة بالخضراوات والفواكه والحمير والأغنام والدم الذي يقطر من رقاب الدجاج المذبوح وتقول إن كل الحشرات والجراثيم تأتي من العرب، وحين تغادر الحمام بعد تعقيمه، تتمتم قائلة عن العرب: “حيوانات وأسوأ”، حيث ما لبثت هذه الجدة أن ماتت بفعل اختناقها بروائح المعقمات.
كما يروي تجارب مر بها وتركت أثرا كبيرا فيه كما يقول، منها حادثة إنقاذه من قبل شاب عربي من جحر سقط فيه في أحد مخازن الألبسة، وضمه إليه بحنان لكي يطرد الخوف منه على نحو لم يعهده من والده، بحيث أصبح يشعر وكأن هذا الشاب العربي هو والده. ويقول بأنه ظل يتساءل عن المصير الذي لقيه ذلك الشاب بعد كل ما مر من أحداث. بل وصل الأمر به إبان حصار القدس الغربية إلى التساؤل حول ما إذا كان هذا الشاب ذاته سيدخل عليهم بسكين ويذبحهم.
وفي سياق تحوله التدريجي من الشوفينية الجابوتنسكية إلى الليبرالية، يتحدث الكاتب مطولا في الفصول الكثيرة التي أفردها لأمه مع خالاته وصديقات أمه حول أسباب انتحار أمه والصراع الدائر في البلاد، فتشرح خالته سونيا كيف أنهم لم يكونوا يتوقعون مشاكل جدية مع العرب الذين قيل لهم إنهم أقلية وإن البلاد تتسع لملايين أخرى، وتعبر عن خيبة أملها وعدم جدوى القدوم إلى هنا، غير أنها لا تريد أن تغادر لكي لا تعود تحلم تعود بإسرائيل.
وهذا موضوع يتكرر عند عاموس عوز داخل الكتاب وخارجه، حيث إنه يعتقد، كما يبدو، أن الأغلبية العظمى من اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين، لم يأتوا إليها إلا اضطراراً حين أغلقت الدول الغربية أبوابها في وجه الهاربين من الاضطهاد العنصري في شرق أوروبا. وهو ما يرد أيضا في الحوار التالي الذي يدور بين عوز وزميله في الكيبوتس، بينما كانا يقومان بواجب حراسة في أحد الليالي بعد عام 1948: يسأل عوز صديقه إن كان خلال حرب الاستقلال أو خلال الثلاثينيات قد قتل “أحداً من هؤلاء المجرمين”، فيرد عليه صديقه بلهجة تهكمية: “مجرمين؟ ما الذي تتوقعه منهم؟ من وجهة نظرهم، نحن الغرباء الذين هبطنا من الفضاء وتعدينا على أرضهم، واستولينا تدريجيا على أجزاء منها، وبينما نظل نعدهم بأننا جئنا لكي نغدق النعم عليهم.. انتزعنا بكل دهاء أكثر وأكثر من أرضهم. ما رأيك؟ هل تريد منهم أن يشكرونا.. لمجرد أن أجدادنا عاشوا هنا في يوم ما؟ والآن بعد أن ألحقنا بهم هزيمة ساحقة وحولنا مئات الآلاف منهم إلى لاجئين، هل تستغرب إذا حملوا السلاح ضدنا، هل تريد منهم أن يهنئونا على ما فعلناه؟”. يقول عاموس: “لم أسمع مثل هذا الكلام من قبل. صحيح أنني كنت قد قطعت شوطا كبيرا بعيداعن بلاغة حيروت وعائلة كلاوزنر، غير أنني كنت ما زلت ملتزماًَ بالصهيونية التي تربيت عليها، وقلت له: “لماذا لا تهاجر إذن، أو تذهب للقتال معهم؟ فرد قائلا: لأنهم لا يريدونني، ولأن أحداً في العالم كله لا يريد أن أهاجر إليه، ولهذا السبب أحمل هذه البندقية لكي لا يطردوني على النحو الذي طردت فيه سابقاً من كل مكان، غير أنني لن أستعمل صفة مجرمين على العرب الذين فقدوا قراهم، يمكن إطلاق هذه الصفة على النازيين، نعم، على ستالين، أيضا، على كل من يسرق أرض الآخرين”. فيرد عوز قائلا: “ألا يعني ما تقول أننا سرقنا أرضهم؟ ألم يعش أجدادنا هنا قبل ألفي عام؟ ألم نطرد من أرضنا بالقوة في ذلك الحين؟”. وبعد جدال طويل يطال الحق التاريخي وغيره من الأمور المعهودة، يتفق الاثنان على أنه بعد أن تم أخذ ما تم أخذه، يجب عدم أخذ شبر واحد من أرض العرب الفلسطينيين بعد الآن!
يمر عوز مروراً عابرا على أحداث 1947-1944، مركزاً بدرجة رئيسة على حصار القدس الغربية. ولكنه يعزو باستمرار ما حدث في عام 1948 إلى دخول القوات العربية إلى فلسطين وبدئها بالعمليات العسكرية. ويقول إن اليهود بشكل عام لم يتعاطفوا مع العرب الفلسطينيين الذين أصبحوا لاجئين لأن العرب هم الذين بدأوا الحرب، وهو يتجاهل في ذلك ما يقوله في مكان آخر، من أن الهاغانا “قد استولت في أبريل على مدن عربية ومختلطة منها حيفا ويافا وطبريا وصفد، إضافة إلى مئات القرى في الشمال والجنوب، وفقد بذلك مئات الآلاف من العرب بيوتهم خلال تلك الأسابيع وأصبحوا لاجئين”، وذلك قبل دخول القوات العربية. ثم يقول في مكان آخر:” تحفظت على الطريقة القاسية التي عامل بها بن غوريون العرب، لكنني بعد أن أخذت أقرأ عما جرى بشكل واسع، أخذت أتساءل إن كنت على صواب في ذلك الحين”. وفي حديثه عما جرى في القدس خلال عام 1948، يتحدث عن حصار القدس اليهودية، مركزاً على مصاعب التموين وانقطاع الكهرباء. ولكنه يورد بإسهاب تفاصيل هجوم تم شنه في 13/4/1948 على قافلة يهودية تضم أطباء وأساتذة وممرضين، ويورد على نحو عابر في السياق ذاته، في جملة قصيرة تضيع بين الأسطر، يقول فيها إن ذلك الهجوم قد حدث “بعد أيام من مذبحة دير ياسين”. ألم يكن أجدر به وهو الذي أصبح ليبراليا، أن يتحدث عن مذبحة دير ياسين، ثم يقول إن الهجوم العربي على القافلة جاء رداً على ذلك؟
بعد حرب عام 1967 بنحو شهرين، دعا عاموس عوز، في مقالة نشرت في صحيفة دافار، إلى التفاوض فورا مع الفلسطينيين حول الضفة الغربية وقطاع غزة، وقال فيها إن الاحتلال مفسد حتى لو كان اضطرارياً، وبأن استمراره يشكل كارثة بالنسبة لإسرائيل. ثم أسس في أواخر السبعينيات حركة السلام الآن. وحين سئل عن الجدار الفاصل قال: “ضروري، ولكنه أقيم في المكان الخطأ”، وبأنه كان يجب أن يقام على الحدود التي انتهت إليها إسرائيل عام 1948. إن عاموس عوز، في رأيي، منظر استراتيجي جيد، غير أنه مؤرخ سيئ ولا شك.