لا بد من الاعتراف

الصفحة

 

                                               سلافة حجاوي

نشرت في صحيفة الأيام في 2/6/1996

 

نحن الفلسطينيين، لا نرى أخطاءنا، وإذا رأيناها، فنحن لا نعترف بها. تحملنا قضيتنا على أجنحة عقدة الاضطهاد التي تلازمنا. فطالما أننا نحن الضحية-ونحن حقا ضحية- فنحن نتصور أن كل ما نفعله ونقوله هو الصواب. إن هذه الرؤية المختصرة للواقع هي التي تحرمنا من الحكم على التطورات والمواقف والأحداث حكما موضوعيا يعيننا على تلمس طريقنا تلمسا سليما وبناء، للانفلات من عقدة الاضطهاد، والعمل بشجاعة للخروج من دائرة الضحية.

والأمثلة على ذلك كثيرة، ولا حاجة لسرد الكثير منها . يكفي أن نتذكر مقولتنا المعتادة بأننا استطعنا بصمودنا ونضالنا كشعب، وبوجود قيادة سياسية لنا، أن نظل موجودين جسديا وسياسيا على مر العقود على الرغم من كل التحديات التي جابهتنا منذ بدء قضيتنا. غير أننا لا نتساءل ولا نصارح أنفسنا أبدا بمدى مسؤوليتنا، نحن الفلسطينيين، عن عدم تمكننا من تطوير هذه الحالة الوجودية إلى كينونة سياسية على الرغم من مرور كل هذه العقود وكل هذا النضال.

 

لقد تمكنا، ولأول مرة في تاريخنا، من تحريك أقدامنا خطوة واحدة إلى الأمام، نحو الكينونة، حين استجمعنا بعض الشجاعة وعقدنا إتفاق أوسلو. وعلى الرغم من كل ما قيل في صفوفنا عن اتفاق أوسلو، وكل السهام التي وجهت إليه من هنا أو هناك باعتباره تنازلا فادحا بحق الشعب الفلسطيني، فأنا لا أتصور وجود مزايد واحد قادر على الإدعاء بأنه قادر على تحقيق شروط أفضل، أو أنه قادر على إقامة الدولة الفلسطينية فورا وبقدرة قادر.

لقد فتح لنا إتفاق أوسلو الباب لكي نلج منه إلى رحاب آفاق جديدة قد تقودنا إلى تحقيق كينونتنا السياسية إذا ما أتقنا فن التعامل معه. إن المسألة هي أن اتفاق أوسلو لا يتضمن نصوصا مستقيمة واضحة المعالم. بل هو اتفاق سياسي دقيق يقوم على شعرة معاوية. إنه أتفاق لا تستطيع أن تجيره لمصلحتك غلا إذا أتقنت هذا الفن في التعامل معه، وفي توفير الظروف الملائمة لكي تجعله يصب في صالحك.

 

لقد تم اغتيال إسحق رابين، ومن ثم إسقاط بيريز، ليس لأن إتفاق أوسلو أعطانا أكثر مما يسمح به اليهود اليمينيون والمتدينون، وإنما لأن الاستمرار في طريق أوسلو، قد يعطينا أكثر مما يسمح به هؤلاء اليهود. وكانت المشكلة هي أننا لم نتقن فن التعامل مع هذا الاتفاق، ولم نر في ذلك الاتفاق إلا الجانب الذي ينتقص من الحق الفلسطيني المقدس الي لايراه غيرنا، والذي لو رآه غيرنا، فهو غير مستعد للتحرك قيد أنملة بسبب أنه لا يتعامل مع نظرة أحادية الجانب، وإنما مع نظرة موضوعية شمولية لمجمل ميزان القوى.

 

ولا بد لنا من الاعتراف بأننا نحن الذين أسقطنا حزب العمل، وبأننا نحن الذين جلبنا الليكود وحلفاءه إلى سدة الحكم، وذلك منذ اللحظة التي مرت فيها العمليات الانتحارية من تحت أنوفنا، لكي تقلب ميزان اوسلو ولكي يتم اتخاذها ذريعة لوصول اليمين إلى سدة الحكم.

ولعل ما هو أشد سخرية في ذلك، هو أننا لم نر في تلك العمليات بانها سلم لصعود اليمين، ولم نعر أي اهتمام لاحتمالات أن تكون تلك العمليات قد تمت بإيعاز أو وحي من اليمين الإسرائيلي أو غيره من الدول المتربصة لأهداف استراتيجية خاصة بها. إن كل ما رأيناه في هذه العمليات هو أنها دليل على “فحولة فلسطينية” واختراق لأوسلو بهدف تعديله “بقوة” غير متاحة.

لقد سقط العمل منذ اللحظة التي تم فيها تنفيذ أول عملية انتحارية بعد اتفاق أوسلو. ومنذ ذلك الحين، أصبح تفسير اتفاق أوسلو حكرا على الجانب الإسرائيلي وأصبحنا رهائن ذلك التفسير. وقد يدعي رئيس الحكومة الإسرائيلي الجديد بأنه ملتزم بهذا الاتفاق. ولكنه سيفسر كل نص فيه من وجهة نظره  وليس من وجهة نظر مشتركة. فالديناميكية التي شكلت أساس الاتفاق قد سقطت أو شلت أو نامت على اقل تقدير.

 

ولعل المثير في الأمر، هو أننا ما زلنا نمارس نفس نهجنا القديم في التعامل مع الأشياء.  هانحن نسمع أصواتا تقول: ما الذي أعطانا إياه حزب العمل؟ ولا فرق بين العمل والليكود. بل إن البعض يهمس بذكاء مفرط: لن تسمح أمريكا بسقوط الاتفاق.

 

والتساؤل الآن هو: ما العمل؟ هل سنصرخ مناشدين العالم أن يساعدنا على لجم الاستيطان الزاحف؟ هل سنركض وراء التضامن العربي الذي لم يحدث في يوم ما؟ هل سنقنع أنفسنا بأن الليكود الحاكم سوف لا يكون مثل الليكود المعارض؟ أم سنجلس نحصي عناصر القوة التي لدينا، نزنها ونقيمها لكي لا يرتد أي تصرف علينا؟