في الاغتراب و تجلياته

الصفحة

 


إلى روح محمود درويش في اغترابته الأخيرة

 

سلافة حجاوي

 

نشرت في العدد 52- ديسمبر2008 من مجلة ” الطريق”التي تصدر عن تحالف السلام في رام الله،

 

 

الاغتراب حالة ثقافية خاصة بالإنسان كفرد، حيث يشعرالإنسان فيها بأنه غريب عن الناس الآخرين أياً كانت نسبة قرابته أو نوع علاقته بهم، وبأنه خارج سياق الثقافة السائدة في المجتمع الذي يعيش فيه أو ينتمي إليه. وهو في جانب منه إرادي يتمثل في انسحاب الفرد بإرادته من الحياة العامة، لقناعته بأنه يحمل منظومة فكرية وثقافية أرقى من السائدة في مجتمعه، أوأنه يتعرض للقمع من التيار السائد في المجتمع على نحوٍ لا يتيح له ممارسة حياته والتعبير عن آرائة بشكل طبيعي. ويشمل هذا الجانب المثقفين والمفكرين والفنانين، فيترجمون غربتهم إلى أعمال إبداعية. وهناك جانب لاإرادي إلى حد ما، يشمل الناس العاديين بسبب ما يعانونه ذاتياً من مشاكل كالمرض والفقدان، أو بفعل اضطهاد المجتمع لهم بسبب الإعاقة أو الأنوثة أو التقدم في العمر، بل والتمييز ضدهم بفعل عوامل ثقافية وسياسية أخرى تتعلق بقضايا أيديولوجية أو طائفية ودينية أو عنصرية وقومية، وغيرها. ويرجح معظم الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع مسؤولية المجتمع عن اغتراب الفرد بشكل عام، فيرى البعض أن المجتمع قد يكون مفككاً ومنقسماً على ذاته، ولا يملك شخصية خاصة به، أوتقليدياً وسطحي الثقافة على نحو يتحول فيه إلى ساحة تنافس و صراع بين مختلف الأفراد والفئات، بينما يغرق الضعفاء في حالات الاغتراب.
وقد شغل الاغتراب معظم المفكرين والفلاسفة والإصلاحيين منذ فجر التاريخ البشري وتشكل المجتمعات. وكان ينظر للاغتراب في تلك العصور على أنه حالة تطال البشرية بأسرها وليس الأفراد بصفاتهم الذاتية. فقد سيطرت على المجتمعات الدينية القديمة فكرة الخطيئة الأولى كسبب لاغتراب البشرية بأسرها عن الرب بسبب المعصية التي ارتكبها آدم وحواء وفقاً لما جاء في التوراة والإنجيل. وقال القديس أوغسطين في القرن الرابع الميلادي بأن البشرية مغتربة عن الله بسبب طبيعتها القائمة على الخطيئة، وظلت الكنيسة المسيحية لقرون طويلة تعاقب البشر على ما يتم إلصاقه بهم من خطيئة، وبخاصة المرأة التي تم اعتبارها مسؤولة عن إغواء آدم. وخلال عصر النهضة، أصبحت قصة الخطيئة الأولى مصدراً للإلهام الفني، ورسم مايكل آنجيلو لوحته الشهيرة (السقوط). ولم يرد في القرآن ذكر لقصة الخطيئة، ولكن الاغتراب تجلى في التاريخ الإسلامي لدى المتصوفين والشعراء الصعاليك وفي الكثير من النتاجات الأدبية لكبار الشعراء العرب والإسلاميين. كما يذكر التاريخ ما لا يحصى من النساك والرهبان والمتأملين في الكون، الذين مارسوا الاغتراب بإرادتهم لقناعتهم بأنه يوصل إلى المعرفة وإلى إدراك سر الكون.
وقد أشار الكثيرون من المفكرين إلى الجانب الإيجابي من الاغتراب. فقد كان المفكر والأديب الألماني شيللر (1759-1805)  أول من استخدم المصطلح اللاتيني- Alienation- بمعنى الاغتراب، كما كان أول من لفت الأنظار في رسائله الشهيرة إلى الجانب اللاإنساني في الاغتراب ، وذلك من حيث إنه يحرم الإنسان من بعض إنسانيته. غير أنه تحدث في الآن ذاته عن الجانب الإيجابي للاغتراب، باعتبار أنه يدفع الإنسان إلى التأمل وفهم الذات، فيصبح الإنسان من خلاله فرداً  -Individual- . كما إن المفكر الأميريكي توماس بين (1737-1809)، واضع أول كتاب عن حقوق الإنسان، قد تحدث عن عدم جواز التصرف بحقوق الإنسان واستخدم مصطلح –Alienation- وحوله إلى – Inalienable Rights- وهو المصطلح الذي أصبح الأكثر شهرة في مجال حقوق الإنسان والشعوب ، حيث اعتمدته الأمم المتحدة لاحقا. وكنا وما زلنا نحن الفلسطينيين نتمسك به وبترجمته العربية- الحقوق غير القابلة للتصرف-. كما رأت بعض الفلسفات الكلية المعنية بالبشرية ككل، وليس بالأفراد، بأن البشرية تتجه نحو التخلص من الاغتراب. فتحدث هيغل (1770-1831) عن خلاص البشرية من الاغتراب عبر الارتقاء بالوعي من المستوى الذاتي إلى الكلي، كما رأى كارل ماركس (1818-1883) أن خلاص البشرية من الاغتراب يكمن في تملك الطبقة العاملة وسائل الإنتاج.
غير أن الاغتراب أخذ يزداد مع تزايد معالم وتجليات الحداثة في المجتمعات. وكان جان جاك روسو (1712-1778) أول من أسهب في الحديث عن حالة الاغتراب البشري، فاعتبره مرض العصر ونتاج الحداثة، وهي الحداثة المتأتية من الفلسفات والعلوم الطبيعية الجديدة التي مالبثت أن ترجمت على شكل ثورة صناعية هائلة. فقد استشرف روسو معاناة الإنسان كفرد في خضم ما شهده العصر من بدايات حداثة لم تعرفها المجتمعات من قبل، وتوقع انهيار البنى التقليدية التي طالما ربطت البشر في المجتمعات. فالاغتراب، في رأي روسو، هو حالة خاصة بالمجتمعات المتطورة، وأن المجتمعات العضوية القائمة على إجبار الرجال والنساء بواسطة التقاليد أو الخرافات على الدخول في قوالب معينة للسلوك والتفكير والعلاقات، وفقاً لروسو، قد انتهت أو هي على وشك الانتهاء، وسوف يكون المرء من الآن فصاعداً، قادراً على رفض تلك القوالب، والانخراط في عالم المدينة بدلاً من عالم القرية والقبيلة والعشيرة، والاعتماد على نفسه في إدارة شؤونه الحياتية، وتحمل كل التبعات. وفي ضوء أن الإنسان غير قادر بسهولة على تقبل صدمة الحداثة هذه بسهولة، اقترح روسو بناء العلاقات الجديدة بين الفرد والمجتمع على أساس عقد إجتماعي ، وهذا ما سوف يشكل أساس النظرية السياسية الغربية الحديثة.
وكان لابد من وقوع أحداث اجتماعية وسياسية ضخمة في الساحة الأوروبية بشكل خاص، بدءاً من الثورة الفرنسية ثم الحروب النابوليونية، وصولاً إلى حربين عالميتين طاحنتين في القرن العشرين، قبل أن يزداد تبلور مفاهيم الفردانية البشرية، من جهة، والتشاؤم إزاء القضاء على الاغتراب الذي استفحل مع تعاظم الحداثة وانتشار الرأسمالية وتعقد الحياة وتقهقر القرية أمام المد الجارف للحياة المدينية، إضافة إلى تطبيق نظام دولي فاقم المظالم إزاء الشعوب والأقليات الضعيفة. وقد شكلت الوجودية، التي بلغت ذروة شهرتها خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، أفضل تعبير عن حالة التشاؤم إزاء الاغتراب على صعيد الإنسان. فالإنسان برأي الوجوديين لا يعرف سر وجوده، وهو يعيش في كونٍ لا يبالي بالبشر ولا بهمومهم، بينما يقتل البشر بعضهم البعض فيه. وقد رأى الوجوديون أن قدراً من الشعور بالاغتراب هو جزء حتمي من الحالة البشرية، وذلك بفعل عدم معرفه سبب الوجود. ونتيجة لذلك، فإن الإنسان مسؤول عن نفسه، وعليه أن يمارس حريته، وأن هذه المسؤولية هي سر عذاب الإنسان واغترابه.
كما ظهرت في العقود الأخيرة تفرعات كثيرة من الوجودية وغيرها من النظم الفكرية المعنية بموضوع الاغتراب، وأصبحت تعرف بتيارات ما بعد الحداثة التي اتجه بعضها نحو التصدي للعولمة، أو لقضايا البيئة، أو التعامل المباشر مع الإغتراب الذي استقطب الاهتمام مع تفاقم مشاكل الشباب والأقليات العرقية والقومية والطائفية والشعوب المقهورة. فالاغتراب، وفقا لنظرية خاصة بإحدى جماعات ما بعد الحداثة، يحدث حين يصطدم تعريف الفرد لنفسه بالهوية التي يفرضها عليه المجتمع الممثل للتيار السائد. وبذلك يصبح الاغتراب تعبيراً ذاتياً عن عدة أشكال من الاضطهاد العنصري أو الجنسي أو العمري أو الطائفي أو غير ذلك من مختلف أشكال التمايزات البشرية.
وفي سياق كل تلك التطورات، كان لا بد للأدب من أن يؤكد حضوره، فانطلقت منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حركة الأدب الحديث الذي تمرد على ماسبقه من مدارس وأساليب أدبية، سواء في الثيمة أوالشكل أو المزاج، وخرج إلى الوجود ما أصبح يعرف بأدب الاغتراب، ولمعت أسماء جيمس جويس وكونراد وتي.إس.إليوت وكافكا وفوكنر فيرجينيا وولف وغيرهم، ثم بلغ ذروته في أدب الاغتراب الوجودي لسارتر وكامو وآخرين. وكان هذا الأدب رفيعاً في مجمله، تشاؤمياً في نظرته، أبطاله ليسوا أبطالاً، بل مغتربون ومأزومون.

تجليات الاغتراب الفلسطينية

بين آخر ما كتب، إن لم يكن آخر ماكتب شاعرنا الراحل محمود درويش قبل اغترابه الأبدي الأخير، مقالة نشرها في نيسان 2008 في المجلة الثقافية التي تصدرها الجامعة الأردنية في عمان. تحدث محمود في هذه المقالة عن المنفى والمنفي الذي لا ينتمي إلى أي مكان خارج ذاكرته الأولى. وإذا كان محمود قد أسهب في الحديث عن الغربة المادية لنفسه وللفلسطينيين عموماً، بفعل نفيهم من الوطن إما بالاقتلاع والتهجير أو الاحتلال أو الحواجز والجدران والحدود الطيارة وغير الطيارة والمستوطنين والمستوطنات، وهو ما يسميه بالمنفى الخارجي، فقد تحدث أيضاً عن (المنفى الداخلي)، أو ما يمكن تسميته بالغربة الذاتية، ويصفه بأنه “غربة المرء عن مجتمعه وثقافته، وتأمل عميق في الذات (وهوما يذكرنا بحديث شيللر) بسبب اختلاف منظوره عن العالم وعن معنى وجوده عن منظور الآخرين”، ويقول “إنها الذات المحرومة من حريتها الشخصية في التفكير والتعبير، بسبب إكراه السلطة أو سلطة التقاليد”. ويبدو واضحاً أن محمود درويش قد ركز في هذه المقالة على العذاب المزدوج والغربة المزدوجة التي يعاني منها الفلسطيني. فإذا كانت غربة الفلسطيني الرئيسة هي الغربة المادية التي يسميها محمود بالغربة الخارجية، والمتأتية من الكارثة التي حلت به بفقدانه وطنه وتشرده في المنافي أو إقامته تحت الاحتلال الغاشم، فإن الاغتراب الذاتي للفلسطيني، والناجم عن سلطة التقاليد واستمرار طبيعة المجتمع الأبوي، يجعل المجتمع الفلسطيني منفى آخر من المنافي العديدة التي يعددها محمود درويش في مقالته، ويجعل اغتراب الفلسطيني اغتراباً مزدوجاً، وبخاصة أنه، كما يقول محمود درويش، “ليس هناك ما يبشرنا بأن الأمل ليس داء لن نشفى منه أبداً”، وبأن المسافة بين المنفى الداخلي والمنفى الخارجي “تضيق إلى حد تكاد تكون فيه غير مرئية”.
فمحمود ينتمي إلى الغربة المادية أو (المنفى الإجباري) على نحو يتساوى فيه مع كل الفلسطينيين بشكل أو آخر، لأن فقدان الوطن والاحتلال قد حرما كل الفلسطينيين من حميمية الحياة الوطنية، أو ما سماه شيللر بالحق غير القابل للتصرف- حق الوطن. غير أنه في الآن ذاته مغترب عن مجتمعة الفلسطيني غربة ذاتية داخلية، شأن الكثير من المثقفين والأدباء الفلسطينيين، الذين يكون الاغتراب لديهم إرادياً. وهو ما يسميه محمود، أيضاً، بالمنفى الاختياري من أجل البحث عن شروط أخرى للحياة. وهو يجد ذلك ممكناً “باعتبار أن الوجود الإنساني كله شكل من أشكال المنفى… منذ عوقبنا نحن أحفاد حواء وآدم بالتاريخ”. هكذا يرى محمود نفسه كما رأى معظم الأدباء أنفسهم أحياء في خضم أسطورة، أو كذبه كبيرة، فيتقمصونها ويخلدونها في أعمالهم. غير أن محمود يحس بالمأزق الناجم عن الغربة المزدوجة، الغربة عن الوطن وفي الوطن، والغربة عن المجتمع وفي المجتمع. فيجد في الكلمة خلاصه النسبي، فيقول: “حاولت منذ طفولتي أن أحرر نفسي بالكلمات… وفي المنفى الخارجي حاولت أن أحقق عودتي بالكلمات”. فالكلمات.. اللغة، كما يصفها هي “وطنه المجاز”. وهذا هو الفارق بين الإنسان المثقف- الأديب والإنسان العادي الذي يظل فريسة سهلة للمجتمع الذي يطرده إلى عالم الاغتراب، كما يفعل المجتمع- اللامجتمع الفلسطيني المأزوم، الذي إلى جانب غربته المادية بفقدان الوطن لا يتورع عن ممارسة الإقصاء للكثيرين من أبنائه وبناته، موهماً نفسه بأنه مجتمع حقيقي. ويبدو واضحاً من ذلك أنه إذا كان جان جاك روسو قد عزا الاغتراب في القرن الثامن عشر إلى تفكك المجتمعات الأبوية التقليدية وصدمة الحداثة، فإن ما يحدث في المجتمع الفلسطيني، إلى جانب الاغتراب الناجم عن فقدان الوطن والاحتلال، هو اغتراب ناجم عن صدمة التخلف. لقد أدرك محمود درويش ذلك بعمق، فلجأ إلى رحاب الكلمة لكي يتحرر من الاغتراب ويخلق له وطناً مجازاً. ولكن، هل تراه تحرر حقا!