في الثقافة السياية الفلسطينية

الصفحة

 

                                               سلافة حجاوي

 

              نشرت في مجلة الطريق/ فلسطين في حلقتينفي العددين حزيران وتموز 2008

 

مع تدهور الأوضاع الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة،  وصولا إلى  انفصال قطاع غزة خارج نطاق السلطة الوطنية الفلسطينية في أواسط عام 2007،  كثر الحديث  حول الهوية الثقافية الفلسطينية ومدى قدرتها على تعزيز الصمود الفلسطيني، بعد أن أصيبت الهوية الوطنية بضربة طالت كل مفاصلها المتمثلة في وحدة الأرض والسكان والحكومة والقانون.  ويبدو أن المفاهيم المتداولة للثقافة في هذا المجال هي مفاهيم تتطال الحضارة والحضارة المادية بشكل خاص، والتي تتجلى في الملابس والأطعمة والزخارف والأغاني والحكايات ، أو ما يعرف بالتراث الشعبي، أوالفوكلور للبشر بشكل عام،  الذي يمنح خصوصية ما للمجتمع  ويميزه عن تراث غيره من المجتمعات. ومع تقديري لمثل هذا التراث الحضاري للشعوب، فأنا أعتقد أن مفهوم الثقافة أوسع وأكثر تعقيدا من المفهوم الحضاري المادي بكثير، وهو مفهوم يتسع ليشمل الثقافة السياسية لأي جماعة أو شعب. و هو ما سأتناوله هنا، من منطلق التوصل إلى أثر هذه الثقافة على حياة الفلسطينيين ومصيرهم السياسي.

 

في الثقافة والثقافة السياسية

فالثقافة بشكل عام، هي مجمل المعتقدات والقناعات الخاصة بالوجود والكون، التي يكتسبها الإنسان منذ طفولته عبر عائلته ومجتمعه من خلال أداة رئيسة هي اللغة، والتي يتصرف وفقا لها مع نفسه ومجتمعه ومحيطه، ويصدر أحكامه وفق إملاءاتها إزاء الآخرين. فهي ليست صفة موروثة بيولوجيا، بل مكتسبة وقابلة للتطور والتغيير. ويمتاز الذين يعرفون بالمثقفين بقدرتهم على رفض ما لا يقتنعون به من الثقافة التقليدية المتوارثة، وعلى اكتساب  قناعات جديدة من خلال المطالعة والدراسة والاطلاع على ثقافات الشعوب المختلفة والمناهج الفكرية في العالم، وغير ذلك من وسائل تنمية الروح النقدية ورفض التلقين.

وعلى الرغم من أن الثقافة لا تورث بيولوجيا، على النحو الذي تورث فيه بعض صفات الإنسان، فإن المجتمعات التقليدية، مثل المجتمعات الإسلامية، العربية منها وغير العربية، تتصف بثقافة سكونية جامدة قدرية الطابع، قائمة على التلقين، وذات سمات قمعية ، يتم توارثها عبر الأجيال دون نقد أو تغيير، بفعل هيمنة المؤسسات الإجتماعية والسياسية التي لا تؤمن بتاريخية الأفكارالتي اكتسبتها في مرحلة معينة من الزمان ، ولا تقبل بالتطور والتغيير ، وتصف كل تأثير خارجي على أنه غزو ثقافي.  ويعجز المثقفون في هذه المجتمعات عن التأثير فيها نظرا لسطوة المؤسسات التقليدية، ويتماهى الكثيرون منهم معها لمصالح شخصية.

ولا تختلف ثقافة الفلسطينيين العامة عن الثقافة التقليدية السائدة في المجتمعات الإسلامية العربية بفعل الاشتراك في عاملي اللغة والدين. ولا تتمايز عنها إلا في بعض المجالات الفرعية التي تمليها  خصوصية المكان، وبخاصة مكان ووظيفة القرية الفلسطينية في شبكة الإنتماءات والولاءات.

وتشكل الثقافة السياسية جزءا لا يتجزأ من الثقافة العامة لأية جماعة أو مجتمع أوشعب، بل هي نتاج من نتاجات الثقافة الإجتماعية العامة. فالسياسة موجودة في جميع العلاقات التي يديرها الإنسان في حياته الخاصة والاجتماعية، وهي تتجلى  في مستوويها الجماهيري والحكومي في عمليات إدارة العلاقات واتخاذ القرارات، مع تميز الحكومي بامتلاك أدوات مادية لممارسة السلطة القهرية عبر الحكومة والأجهزة الأمنية والقانونية والمحاكم والسجون وغيرها، كما لا يعدم المستوى الجماهيري امتلاك منابره ووسائله وأدواته من أجل بث ثقافاته السياسية والسلوكية التي ترتأيها مستوياته القيادية عبر البنى الإجتماعية التقليدية كالعائلة الممتدة والعشيرة والقبيلة، وعبر مختلف المؤسسات الشعبية كالمدرسة والجامع وغير ذلك من الأدوات. كما تلعب الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية ووسائل الإعلام وغيرها أدوارا مختلفة في توجيه الثقافة على النحو الذي ترتأيه قياداتها أو زعاماتها.

وإذا كانت الثقافة الفلسطينية العامة تشكل جزءا من الثقافة العربية العامة،  فهي، مثلها، ثقافة مليئة بالظلم والعدوان الداخلي والهيمنة ورفض الرأي الآخر، وذلك  على الرغم من تميز معظم الفلسطينيين منذ ستينيات القرن الماضي، بالولاء لحركة تحرر وطني من المفترض أنها تشكل رمزا للنضال ضد الظلم والاضطهاد والعدوان ونكران الآخر، وهي مبادئ كان من المفترض أن تؤثر في ثقافة الفلسطينيين، وتحررهم من السلبيات في ثقافتهم التقليدية.

أما على مستوى الحكم والنظم السياسية، فتشكل الثقافة السياسية الفلسطينية أيضا جزءا من الثقافة السياسية العربية الإسلامية، المتمثلة في عدم المشاركة في صناعة القرارات، وذلك بفعل خضوع مجتمعاتها وولائها لسلطة مركزية واحدة على مدى نحو ألف عام،  هي النظام الإمبراطوري الإسلامي الذي تمثل أولا بالدولة الإمبراطورية العربية الإسلامية ثم الدولة الإمبراطورية العثمانية، والذي انتهى في عام 1918، مع انتهاء الحرب العالمية الأولى بانهيار النظام الدولي الإمبراطوري بأسرة، وقيام نظام دولي جديد يتخذ من الدولة الوطنية ذات الإقليم المحدد وحدة سياسية فيه.

وعلى الرغم مما شهدته المنطقة العربية منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية من تحولات أدت إلى ظهور الدول الوطنية في المنطقة، فإن محاولات الخروج من  طوق الثقافات التقليدية لم تلق نجاحا يذكر، حيث بقيت هذه الدول دولا إدارية لا تمت بصلة لمفاهيم الدولة الوطنية الحديثة، التي يشكل التحديث والديمقراطية عنصرين من عناصرها الأساسية التي تضم أيضا عناصر الإقليم الترابي الواحد والحكومة الواحدة والشعب – الأمة الواحدة والقانون الواحد. وقد بقيت هذه الدول متخلفة وفق معايير العصر الحديث، فبقيت الزراعة والصناعة فيها متخلفة، إضافة إلى ارتفاع نسب الأمية والجهل والفقر بين صفوف جماهيرها، الأمر الذي عزز من استمرار ثقافاتها التقليدية.

وإذا كانت حال الفلسطينيين هي الأسوأ بفعل  حرمانهم بعد الحرب العالمية الأولى من الإستقلال، ثم خسارتهم لكل أراضيهم، وتعرضهم للتشريد، فقد  توفرت للفلسطينيين خلال الفترة الممتدة بين عامي 1918 و1947  فرصة تطوير ثقافاتهم وأدواتهم النضالية ضد المشروع الصهيوني والسياسات البريطانية والإقليمية، حيث كان جميع الفلسطينيين في أراضيهم، ويشكلون أغلبية السكان في البلاد. فقد كان من شأن التحديات التي واجهتهم أن تستفز فيهم رغبة النهوض والارتقاء إلى مستوى تلك التحديات.  غير أن التخلف الثقافي الذي ورثوه عن المرحلة المديدة  السابقة، كان على درجة عالية من السطوة التي حالت دون حدوث إي اختراق حقيقي حتى على مستوى القيادات السياسية. ووفقا للثقافة الإسلامية السائدة  بين الجماهير الفلاحية الفلسطينية، فقد كانت الثقافة السائدة هي أن المشروع الصهيوني يهدد الإسلام، ولم تتبلور ثقافة الوطن والوطنية، التي لم يكن لها وجود في إطار النظم الإمبراطورية العقائدية، حيث كانت الأرض تعتبر ملكا لله والخليفة. ويذكر أن الحاج أمين الحسيني، الذي كان يعتبر زعيما غير منازع للجماهير الفلاحية، ومعروفا لديهم بأنه “سيف الدين الحاج امين”، يخاطبهم بلغة دينية ويحثهم على النضال ضد الصهيونية اليهودية لأنها تهدد الإسلام. وكان حين يسأل عن سبب عدم مخاطبته لهم بلغة وطنية تحثهم على فهم أبعاد المشروع الصهيوني الذي يسعى للاستيلاء على أراضيهم،  يجيب بأنهم لايستطيعون فهم لغة الوطن والوطنية. وظلت الثقافة السياسية للجماهير الفلاحية بشكل عام، هي الولاء للعائلة والعشيرة والقرية، وليس لفلسطين الوطن.

وإذ أدى تشكل حركة تحرر وطني للفلسطينيين منذ أوائل ستينيات القرن الماضي، وقيام منظمة التحرير الفلسطينية والعديد من المؤسسات الوطنية في الأراضي التي احتلت عام 1967 وفي الشتات، ثم قيام سلطة سياسية وطنية بعد اتفاق أوسلو في عام 1993، إلى تطور في الوعي السياسي الفلسطيني باتجاه مفاهيم الوطن والوطنية،  فإن الثقافة الفلسطينية ظلت نهبا للتنازع بين الثقافة التقليدية التي تغذيها المؤسسات والقيادات السياسية والإجتماعية التقليدية، وثقافة سياسية وطنية أنهكها عجز القيادات الفلسطينية عن تغذيتها وتدعيمها ووضع تصورات واضحة لها أمام مواطنيها. وكانت نتيجة هذا العجز القيادي، أن ظلت مفاهيم الوطن والدولة غير واضحة ومشوشة على المستوى الجماهيري والقيادي على حد سواء.

سوف أتحدث هنا عن سمتين رئيستين من سمات الثقافة السياسية الفلسطينية على المستوى القيادي،  لعب كل منهما دورا هداما  على الصعيد السياسي، وكان لهما أثر كبير في إيصال الوضع الفلسطيني إلى ما وصل إليه. الأول هو التطلع باستمرار إلى الخارج  بفعل عدم الثقة بالنفس وعدم القدرة الذاتية على رسم الإستراتيجيات ووضع السياسات على المستوى الوطني. أما الثاني ، فهو ثقافة الثبات ضد التغير، وعدم القدرة على التعامل مع المتغيرات.

 

في ثقافة الاعتماد على الخارج

بالنسبة إلى الإعتماد على الخارج، لابد من الاعتراف بأن ذلك يشكل سمة فلسطينية أساسية بفعل عوامل ذاتية نابعة من الثقافة المتوارثة، وعوامل موضوعية تولدت بفعل الوجود الفلسطيني الكبير في الخارج. ولكننا نجد أن هذه الظاهرة كانت قوية أيضا في فلسطين قبل عام 1948، وذلك بسبب الثقافة المتوارثة وما شعر به الفلسطينيون من ضعف أمام الإنتداب البريطاني والمشروع الصهيوني. وإذا جاز لنا اختصار ذلك التوجه حتى عام 1948، فهو أن الأنظمة العربية هي التي أدارت الأمور في فلسطين،وبخاصة منذ أواسط الثلاثينيات، وذلك بفعل عجز الزعامات التقليدية الفلسطينية عن تشكيل قيادة سياسية ذات رؤية سياسة وطنية موحدة لمصير البلاد، واستمرار احترابها على أسس عائلية من جهة وأسس سياسية تمثلت في الصراع بين توجهين خاصين بالتعامل مع المشروع الصهيوني وإمارة شرقي الأردن. وقد أدى ذلك الصراع إلى انهيار الزعامات التقليدية وعدم التمكن من إيجاد قيادة متوحدة على أسس من  الإستراتيجيات الواحدة. فكان أن تسلمت جامعة الدول العربية المسؤوليةعسكريا بذريعة إبطال قرار التقسيم، وانتهى الأمر بها إلى الإشراف على هجرة الفلسطينيين.

ونتيجة للانهيار الفلسطيني الكامل، قد اتسمت مرحلة مابعد الهجرة بتعلق الفلسطينيين بحل عربي، وأخذوا ينضمون للأحزاب القومية العربية التي أخذت تظهر في المنطقة بعد “نكبة فلسطين”، رافعة شعار” الوحدة العربية طريق تحرير فلسطين”. غير أن تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية من قبل جامعة الدول العربية في عام 1964، كان دليلا على عدم وجود أي مشروع قومي عربي للتعامل مع قضية فلسطين. كما إن نتائج حرب 1967 ما لبثت أن قضت نهائيا على مثل هذه التوقعات.

وعلى الرغم مما بدا أن تشكيل حركة التحرير الوطني الفلسطيني، ثم سيطرة المنظمات الفلسطينية الثورية على منظمة التحرير في عام 1969،  سوف يؤسس فلسطينيا، لثقافة وطنية تقوم على الإعتماد على الذات، وبخاصة أن المنظمة قد تبنت شعار ” استقلالية القرار الفلسطنيي”، فسيتضح لاحقا مدى صعوبة، إن لم يكن تعذر الحفاظ على الإستقلالية، وذلك بفعل عدة عوامل وأسباب، ليس أقلها ولاء بعض التنظيمات لأنظمة عربية تحت ذريعة الثقافة القومية، مما أضعف المنظمة وتآكلها الشقاق والانقسام. وأصبحت مهمة المنظمة هي معالجة قضايا “الوحدة الوطنية الفلسطينية”، ورأب صدوعها بدلا من رسم الإستراتيجيات ووضع السياسات.

في السياق ذاته، كان الحدث الأبرز في مجال الإعتماد الفلسطيني على الخارج والزج بالمنظمة في الصراعات العربية، هو الإحتلال العراقي للكويت في عام 1990. فعلى الرغم من أن المنظمة كانت في ذلك الحين في وضع وطني وسياسي يكاد يكون أفضل أوقاتها، وذلك بفعل اندلاع الإنتفاضة الوطنية الخالصة في الضفة والقطاع عام 1987، ثم تمكن المنظمة من إصدار القرارات الوطنية في عام 1988، فإن عدم إدانة المنظمة للاحتلال العراقي، وظهورها بمظهر المؤيد لذلك الغزو عبر ما طرح من مطلب الربط بين الإنسحاب العراقي من الكويت والانسحاب الإسرائيلي من الضفة والقطاع، قد شكل ضربة  مدوية للمنظمة أفقدها التأييد العربي والدولي. وبدا واضحا على المستوى الثقافي والثقافي- السياسي، أن هناك أزمة ثقافية فلسطينية، قيادية وجماهيرية، وصلت إلى درجة الورطة الأخلاقية، تمثلت في تأييد احتلال لا يختلف عن الإحتلال الإسرائيلي الذي تناضل القيادة والجماهير الفلسطينية ضده.

وإذا كان اتفاق أوسلو قد عقد عام 1993 في سياق ما سبق من ضعف المنظمة، فهناك من عزا عقد ذلك الإتفاق إلى رغبة القيادة الفلسطينية في الابتعاد عن الساحة العربية  وتفعيل القرار الوطني المستقل من جهة، واختراق الساحة الدولية عبر الاتفاق من جهة أخرى، وبخاصة أن السياسة الفلسطينية كانت قد فقدت العديد من حلفائها مع انهيار المنظومة الاشتراكية.

غير أنه سرعان ما سيتضح أن الساحة الداخلية الفلسطينية، ومنذ ظهور تيار الإسلام السياسي، لم تعد أقل انهماكا من الخارج الفلسطيني في التطلع إلى الخارج، بل وأكثر،  حيث ما لبثت الساحة أن انقسمت بين تيار وطني،  وتيار إسلامي عالمي الرؤية، يرفض الحلول الوطنية، ويتخذ قراراته من مراكز صنع القرارات الإسلامية في الخارج. ويؤكد فوز هذا التيار في انتخابات عام 2006 على أن الساحة الفلسطينية  مبلبلة الثقافة، بل ومنقسمة على نفسها إلى حد الإحتراب.  ويمكن القول بأن الناس قد  صوتوا لحماس لإيمانهم الإسلامي الذي يشكل أهم عنصر من عناصر ثقافتهم التقليدية، وأن التيار الإسلامي، ممثلا بحماس، قد أيقظ فيهم  ثقافة الولاء للإسلام العالمي، الذي سيتحمل مسؤو لية تحرير فلسطين، فيحررهم من عبء مسؤولية فشل فيها ذوو الثقافة الوطنية. وقد يقال بأنهم صوتوا لحماس بسبب كراهيتهم للتيار الوطني بفعل ما ارتكب من أخطاء، وليس بسبب ثقافة غير مستوعبة للمفاهيم الوطنية أو رافضة لها . وقد يكون لهم  حق في ذلك. ولكن ، لماذا لم يصوتوا للمستقلين الوطنيين الذين لم يتهموا بالفساد أو بارتكاب أي أخطاء، إذا كان ذلك هو  السبب حقا؟

 

في ثقافة الثابت والمتغير 

أما الجانب الآخر، وهو المتمثل في ثقافة الثبات وعدم القدرة على التعامل مع المتغيرات، فهو يتجلى في  معظم ثقافات التيارات الفلسطينية من وطنية وإسلامية بشكل أو آخر، في رفض مبدأ العمل على تحرير الأراضي المحتلة عام 1967 إذا كان هذا سيعرقل أو يحول دون، تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948. فالثابت هو تحريرفلسطين المحتلة عام 1948 والمتغير هو تحرير الضفة والقطاع، وهو غير مطلوب بحد ذاته، طالما أن هذا التحرير غير مرتبط بتحرير 1948، وكأن الضفة والقطاع مجرد معابر للهدف المنشود ولا يشكلان وطنا بذاتهما. وقد لا يكون ممكنا إغفال حقيقة أن اللاجئين الفلسطينيين ينتمون في غالبيتهم للأراضي المحتلة عام 1948، وغير قادرين بحكم الثقافات التقليدية، أن يتخيلوا وطنا غير أراضيهم التي طردوا منها.  وانطلاقا من هذه الثقافة القائمة على الثبات، فإن واقع إمكانية تحرير الضفة والقطاع، وهي الإمكانية المتمثلة في اعتبارهما أراض محتلة قابلة للإسترجاع حتى بدون حرب، وبدون أن يكلف ذلك الفلسطينيين شهيدا واحدا، مسألة غير هامة في الاعتبارات الثقافية الفلسطينية . فالمهم هو تحرير الأراضي المحتلة عام 1948 التي تتطلب نشوب حرب عالمية قد تؤدي إلى تحريرها، أو قد تؤدي إلى تحرير الصهيونية من الفلسطينيين. هل نحتاج إلى نماذج وأمثلة؟

 

ففي عم 1939، رفض الفلسطينيون الكتاب الأبيض الذي أصدرته بريطانيا في سياق تغيير سياساتها مع اقتراب اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتعهدت فية بتقييد الهجرة اليهودية وضمان أن يبقى العرب الفلسطينيون أغلبية لا تقل عن 60% من السكان، لأن الثابت  هو دولة عربية إسلامية في حدود فلسطين ” الإنتدابية”.

وفي عام 1947، رفض الفلسطينيون  قرار التقسيم على الرغم من أنه لم يكن لديهم أي بديل وطني. وفي عام 1949، أقام الحاج أمين الحسنيي في غزة “حكومةعموم فلسطين” التي لم تدم لأكثر من يوم، وتمنى كثيرون لو أنه لم يضع كلمة “عموم”.

وفي عام 1959، دعا تيار وطني صاعد سيصبح حركة فتح، إلى استرداد الضفة الغربية وقطاع غزة من الأردن ومصر، لإقامة حكومة فلسطينية تشكل وطنا للفلسطينيين. غير أن ذلك التيار أخطأ كما أخطأ الحاج أمين الحسيني من قبله، بحكم ثقافة لم تعرف التعامل مع المتغيرات، فأضاف إلى مشروعه مطلب أن يتحول الكيان الفلسطيني إلى قاعدة ثورية لتحرير ما ضاع في عام 1948. هل كان ذلك أحد أسباب حرب 1967؟ في ذات يوم، رد جنرال فرنسي على سؤال حول الألزاس واللورين الفرنسيتين المحتلتين من قبل ألمانيا، قائلا: ” نفكر بهما دائما ولا نتحدث عنهما أبدا”.

ومنذ عام 1967 ولغاية عام 1986، رفض الفلسطينيون اعتبار تحرير الضفة والقطاع مطلبا وطنيا، ونصت كل بيانات منظمة التحرير على “دولة، في الهواء.

في عام 1987، جسد قادة الانتفاضة الفلسطينية في الضفة والقطاع، أول اعتراف فلسطيني بالمتغيرات، فاعتبروا تحرير الضفة والقطاع مطلبا وطنيا لإقامة  دولة عربية فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وفي عام 1988، أصدرت منظمة التحرير، ومن وحي الإنتفاضة، قرارات مماثلة، وإن بشكل عكس انقسام الآراء فيها بين متمسك بالثابت ومدرك للمتغيرات، فخلا إعلان الاستقلال من الإشارة للمكان، وتكفل البيان السياسي بذكر التفاصيل، دولة على أراضي الضقة والقطاع. وقد تذرع البعض في تفسير سبب ذلك بأنه مهارة سياسية لاتمنح ورقة إلا مقابل ورقة!

في عام 1993، تم التوقيع على إتفاق أوسلو، الذي خلا من أي ذكر للدولة، وقيل بأن الجانب الفلسطيني آثر التمسك بصيغة النقاط العشر لعام 1974، لكي لا يغضب الكثيرين. مع ذلك، وعلى الرغم من سلبياته وسلبيات تنفيذه الكثيرة ، تم التمكن من وضع بذور ونويات مجتمع وطني كان يمكن له، لو تجذرت ثقافة الأخذ بالمتغيرات، أن يتم التوصل إلى  تحرير الضفة والقطاع.

في عام 2000، اندلعت إنتفاضة الأقصى، فتراجع نتيجة لها جميع ماتحقق قبل ذلك من إنجازات: عودة الإحتلال لكل المناطق المصنفة “أ”. يقال في علوم السياسة والقانون الدولي، أن من واجب أية حركة تحريرتتمكن من تحرير أي شبر من أراضيها، أن تبرهن على قدرتها في الاحتفاظ بذلك الشبر، لكي يتم الاعتراف به لها، ويسقط حق العدو في العودة إليه.

في عام 2006، فاز التيار الإسلامي ممثلا بحماس في الانتخابات الفلسطينية، فتراجعت الثقافة السياسية الوطنية، وفاز مع فوز حماس  برنامجها القائم على تحرير فلسطين في أي وقت من الزمان القادم، والذي قد يمتد إلى “يوم قيام الساعة”، وفقا لميثاق حركة حماس.

في عام 2007، نفذت حماس إنقلابها، فشقت الأراضي المحتلة إلى قسمين، والحكومة إلى حكومتين، والناس إلى جماعتين. وأخذ  أمل تحرير الضفة يتراجع مع تراجع المفاوضات. وقد يكون التساؤل مشروعا: لماذا كل هذا؟ أليست الضفة الغربية هي الغاية العليا للعدو الإسرائيلي؟ وهل شهدت حركات التحرير الأخرى في العالم مثل هذه الظواهر؟ وما هو دور الثقافة التقليدية القدرية والإتكالية المتحجرة في ذلك؟ هل هو تراكم  ثقافة الخنوع والضعف الموروث على مدى ألف عام من الولاء للخارج؟ هل هو الخوف من المتغير إزاء الثابت؟  هل هو الخوف من الدولة ؟  إنها الثقافة حقا مهما تكن الأسباب!

ما القادم؟ هل ستضيع الضفة؟…. فلنترك ذلك للأقدار!!

 

انتهــــــــى