في ثقافة الفَلسَطينيين

الصفحة

 

سلافة حجاوي

 

نشرت هذه المراجعة في مجلة “رؤية” الصادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات /فلسطين، العدد24، تشرين أول 2003

    

صدر في الآونة الأخيرة  كتابان حول ثقافة الفلسطينيين عن مؤسسة “مواطن”، أولهما كتاب لزكريا محمد بعنوان “في قضايا الثقافة الفلسطينية”، والثاني لباسم الزبيدي بعنوان “الثقافة السياسية الفلسطينية”. وقد إرتأيت التوقف أمام هذين الكتابين نظراً إلى أنهما يتصديان لموضوع واحد هو موضوع الثقافة، الذي تقل الدراسات أو القراءات التحليلية الخاصة به بشكل عام.

يتألف كتاب زكريا محمد ، الصادر في عام 2003، من سبع عشرة لوحة تأملية، بالإضافة إلى تمهيد وخلاصة. ويقر الكاتب بأنه إنما يقدم صورة أولية عامة بالضرورة ، لأن موضوع الثقافة الفلسطينية “لم يؤخذ بعد كحقل واحد إلا بشكل عرضي”، وهو يبرر تصديه لهذا الموضوع بشكل أولي، بطرح فرضيته التي يقول فيها بأن الوقت قد حان للتعامل مع الثقافة الفلسطينية ككيان واحد، وذلك لأن هذه الثقافة “قد اقتربت من سن النضج”، ولذلك فإن الوقت قد حان لكشف تناقضاتها ومسارها وبنيتها والأشكال التي تأخذها هذه التناقضات، والأسباب الأعمق لها”، وباختصار، فهو يرى ضرورة وضعها “على المشرحة”.

وسواء وافق القارئ الكاتب على فرضيته هذه أم لا، فإن الكتاب على صغره وطبيعته غير الأكاديمية، هو كتاب ممتع لكل من يحب التأمل والتفكير في الوضع الثقافي للفلسطينيين، وفي التعامل الكلي مع هذا الموضوع،  وعلى نحو يتجاوز المفردات والجزئيات، وذلك على الرغم من أن الكاتب لا يبين أو يتطرق إلى الأسباب التي جعلته  يطلق فرضية إقتراب الثقافة الفلسطينية من النضج وضرورة التعامل معها ككل واحد. فهو ينطلق من هذه القضية معتمداً على منهاجية قوامها أن المشكلات والمعضلات دائماً تواكب النجاحات، مفترضاً أن القارئ سوف يكتشف النجاحات من خلال التعامل مع المشكلات، فهل هذا صحيح ؟ أشك في ذلك!

أول المشكلات التي يتعرض لها الكاتب هي ما يسميه “بالورطة المثلثة”التي تواجهها الثقافة الفلسطينية. أول هذه الورطات هي العمل على إثبات أن هناك ثقافة فلسطينية معينة تختلف عن غيرها من الثقافات. وتكمن الورطة هنا في مقولة منتشرة بين المثقفين مفادها أن الثقافة هي “جوهر الهوية الوطنية لشعب ما”، وحين لا يملك أي شعب ثقافة خاصة به، فهو لا يملك هوية خاصة به، وحين لا يملك مثل هذه الهوية، فهو غير موجود”، وهذا يعني أنه لا يملك حقاً في أرض خاصة به، أي الحق في أن يتمتع بالاستقلال والسيادة في دولة. وأمام هذا التشكيك الجارح الذي يمارسه الصهاينة بشكل خاص، يجهد المثقف الفلسطيني، كما يقول الكاتب، في إثبات أن

هناك ثقافة فلسطينية خاصة بالفلسطينيين”.

وتتمثل الورطة الثانية في التخوف من تفسير التأكيد على هوية ثقافية فلسطينية وكأنه انسلاخ عن هوية ثقافية عربية حيث تتمزق الثقافة الفلسطينية بين تأكيد ذاتها ورفض هذا التأكيد. أما الورطة الثالثة، فهى الخوف من نقد هذه الثقافة وبيان عيوبها، حيث يمكن ان يحسب هذا النقد لصالح الخصم الذي يشكك في وجود ثقافة فلسطينية لكي يشكك في وجود الشعب.

ولدى النظر إى هذه “الورطات الثلاث”، فقد يكون صحيحاً الاستنتاج بأنها نابعة في الإس من مقولة يكررها الكاتب في معظم صفحات الكتاب، وهي مقولة ضعف وهشاشة الثقافة الفلسطينية، والتي قد يتفق عليها معظم المثقفين الفلسطينيين كما اعتقد. بل إن البعض قد يذهب الى حد نفي وجود ثقافة فلسطينية، في حين أن القلة القليلة قد تدعي بوجود مثل هذه الثقافة وإلى حد الإكتمال .

فعملية تشكل ثقافة فلسطينية، كما أعتقد أنا، قد بدأت مع تشكيل م.ت.ف وقيام المؤسسات الرسمية والشعبية، التي على الرغم من هشاشتها وضعفها، قد عززت مساراً ظل متذبذباً منذ عشرينات القرن العشرين، بين تيار يعمل على تأسيس مثل هذه الثقافة وتيار يرفض ذلك ويدعو الى الاندماج في محيط الثقافة العربية. وكان هذا التيار يدّعي بأنه لا يمكن وجود ثقافة فلسطينية خاصة لان ثقافة الفلسطينيين هي جزء لا يتجزء من الثقافة العربية العامة، متجاهلاً حقيقة تبلور ثقافات عربية فرعية متعددة بتعدد الدول القائمة في المنطقة.

ولعل أبرز مثال على ضعف وهشاشة الثقافة الفلسطينية هو ما يرد في ما يسميه الكاتب بالورطة الأولى. فلو كانت هناك ثقافة فلسطينية راسخة لما تمكن الصهيونيون من إطلاق مقولة من ليس له ثقافة خاصة ليس شعباً ولا حق له في السيادة على الارض ،ولما اعتنق مثل هذه المقولة مثقفون فلسطينيون يدعون بأنهم راسخون. وأعتقد بأن مثل هذه المقولة باطلة أساساً، لأن الثقافة الوطنية لا تتشكل، بشكل عام، إلا بعد قيام الدولة الوطنية، حيث تقوم القيادة السياسية ببث هذه الثقافة ومأسستها. ولو بحثنا في تاريخ مختلف دول العالم القائمة في اطار وسياق النظام الدولي الحديث الذي اتخذ من الدولة الوطنية كأساس له، لما وجدنا أية دولة كان لها تقافتها الوطنية قبل قيام الدولة، بما في ذلك فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة.

غير أن المعضلة الفلسطينية لا تكمن فقط في عدم قيام الدولة الفلسطينية، وانما في ضعف وهشاشة الشريحتين الثقافية والسياسة الفلسطينيتين، هاتين الشريحتين اللتين افتقدتا الأفق الذي يسيّر توجهاتهما. وسوف نجد أساس هذه الضعف والهشاشة في ما يطرحه زكريا محمد من معضلات أخرى ،والتي يعزوها في السياق ذاته، الى بعض الاسباب الموضوعية التي قد يكون بعضها صحيحاً وبعضها الأخر غير صحيح.

ففي وصفه للمعضلات الأخرى للثقافة الفلسطينية الراهنة، يمكن استخلاص جملة من هذه المعضلات متناثرة في الكتاب هنا وهناك وهي:

  • عدم القدرة على كتابة القصة الفلسطينية، أو ما يسميه بالحكاية الكبرى.
  • غياب النظرية والجدل النظري في النتاج الثقافي الفلسطيني.
  • التلوث بالنص الصهيونى.
  • اعتبار العهد العثماني المتأخر بداية التاريخ الفلسطيني.
  • الافتقار الى تقليد ثقافي فلسطيني.
  • الحيرة وانعدام ما يمكن تسميته بالإستراتيجية الثقافية التي أدى فقدانها الى تضارب الطروحات السياسية والطروحات الثقافية.

ففي ما يتعلق بالنقطة الاولى، يورد الكاتب آراء مختلفة في شأن عدم قدرة المثقفين الفلسطينيين على كتابة حكايتهم الكبرى، منها ما يقول بأن الوقت لم يحن بعد لذلك، ومنها ما يقول بأن الفلسطينيين غير قادرين على قول الحقيقة. غير أن الكاتب يميل الى الاعتقاد بأن الفلسطينيين يفتقدون التمتع بتقاليد الكتابة. وهذا صحيح بدرجة كبيرة كما أعتقد. ولعل المستوى المتدني للأعمال الأدبية، والروائية منها بشكل خاص، والتي صدرت حتى الآن، يشهد على ذلك، وبخاصة لدى مقارنتها ليس فقط بالأعمال الروائية العالمية وانما ببعض الأعمال الروائية العربية. وقد يكون صحيحاً القول أن الفن الروائي له متطلبات كثيرة في مقدمتها درجة معينة من الاستقرار والازدهار والثقافة المفتوحة الني تتيح للمواهب فرصة التفتح، وجميعها غير متوفرة للفلسطينيين.

إن الأفتقار لهذه المتطلبات يفسر أيضاً غياب النظرية والجدل النظري، ويرتبط بشكل مباشر مع واقع أن المجتمع الفلسطيني، سواء في الماضي أو الحاضر، هو مجتمع محافظ لم ولا يتمتع بأي قدر من الحرية التي تشكل المطلب الأساسي للإبداع. وهذه الطبيعة المحافظة التي يشير اليها زكريا محمد بتوسع ما، هي التي حالت منذ أوائل القرن العشرين، بل ومنذ آخر القرن التاسع عشر، كما يقول وبحق، دون أن يسهم الفلسطينيون في حركة النهضة العربية، وأن يقدموا أي انتاج أدبي أو فكري يرقى الى مصاف ما كان ينتج في الاقطار العربية المحيطة، وبخاصة في مصر ولبنان. وكان الفلسطيني الذي يشعر بإلحاح طلب المعرفة والإبداع، يرحل الى الخارج لكي يبدع هناك. ولم يكن لإنتاج هؤلاء المبدعين المغتربين أي صدى في فلسطين ذاتها.

وبالفعل، تظهر قضية التلوث بالنص الصهيوني، كما يقول الكاتب، ليس فقط في جداريات محمود درويش، في محاولاته لكتابة “سفر تكوين” فلسطيني مضاد لسفر التكوين اليهودي، وفي مجالا متعددة أخرى، وإنما في تعامل المثقفين الفلسطينيين مع التاريخ القديم بشكل خاص. ويورد مثالاً صارخاً على ذلك، وهو المتمثل في الأسطورة الكنعانية التي لجأ إليها الفلسطينيون لإثبات أنه إذا كان اليهود يدعون بانهم هنا منذ الأزمنة القديمة، فنحن أيضاً هنا منذ الأزمنة القديمة. وتكمن المفارقة هنا في أن المقولة الفلسطينية تمثل إعترافاً ثقافياً” بالمقولة الصهيونية، وهو اعتراف يتضارب تماما مع الأطروحة السياسية الفلسطينية التي تقول بأن المشروع الصهيوني هو مشروع أوروبي استعماري كما يقول الكاتب وبحق. أية ورطة هذه هي التي زج المثقفون الفلسطينيون أنفسهم فيها؟ ويحق للمرء أن يتساءل هنا، هل نحن بصفتنا سكان البلاد قبل مجيء الصهاينة إليها، بحاجة لأن نثبت بأننا قديمون جداً فيها على النحو الذي اضطر المشروع الصهيوني الى اللجوء إلية لتبرير عملية الإستيلاء على أرض لم يكونوا فيها حين بدأ عصر الدولة القومية ؟ كلا بالتأكيد.

من جهة ثانية، يحاول زكريا محمد عرض أسباب ضعف وهشاشة الثقافة الفلسطينية من خلال جملة من المعطيات الموضوعية كمسائل العزلة وغياب المركز وغياب الأجيال الثقافية.

ففي حديثه عن العزلة أو ما يسميه في موقع آخر بجغرافيا الإهمال، يصل الكاتب الى تساؤل: إذا كانت العزلة الناجمة عن الموقع الطرفي لفلسطين هي السبب في عدم إسهام الفلسطينيين بشكل واضح في الحركات الثقافية الفكرية التي شهدتها المنطقة منذ اواخر القرن التاسع عشر، فمن المفترض أن تتكون لدى الفلسطينيين ثقافة خاصة ذات طابع خاص، وهو ما لم يحدث. فهو يؤيد مقولة العزلة ويرى بأنها السبب في التخلف الثقافي.

ولكن السؤال الذي لابد من طرحه في هذا المجال ،هو : هل صحيح أن الموقع الطرفي لفلسطين قد فرض عليها العزلة؟ وهل صحيح أن الفلسطينيين قد عانوا من مثل تلك العزلة؟ اعتقد بأن مثل هذه الفرضيات غير صحيحة أبداً. وذلك لأن فلسطين لم تكن في يوم من الأيام موقعاً طرفيا، ولم يكن ضعف الثقافة وعدم الإسهام فيها من قبل الفلسطينيين ناجماً عن مثل هذه السبب.

فموقع فلسطين كان ولم يزل على قدر كبير من الأهمية والصدارة على مر التاريخ، وما يمكن أن يقال مثلاً عن سورية باعتبارها جغرافياً مكاناً ساقطا من الناحية الاستراتيجية، حيث ظلت ولا تزال تتطلع الى لبنان لحل معضلتها الاستراتيجية، لا يمكن أن يقال عن فلسطين التي تطل على البحر المتوسط وتمسك بمفاتيح مصير مصر وجميع الاجزاء الاخرى المحيطة بها. صحيح أن أهمية فلسطين كانت تتضاءل في فترات حكم الدول الأمبراطورية، حيث يقل الخطر الخارجي، وتتساوى أو تتقدم أهمية بعض المناطق لعوامل وأسباب تكتيكية، مثل أهمية دمشق لأن محمل الحج كان يمر بها، فإن الأهمية الإستراتيجية لفلسطين كانت تتصاعد باستمرار كلما ظهر خطر يهدد الدول الامبراطورية. ولقد تصاعدت أهمية فلسطين الاستراتيجية على نحو منقطع النظير منذ القرن الثامن عشر، وكان ذلك هو السبب الرئيس والوحيد ، كما أعتقد، الذي جعلها محط أعين الغرب والمشروع الصهيوني بالذات. ولكن المشكلة تكمن في ان سكان فلسطين لم يتعرفوا على هذه الأهمية وكانوا أكثر تخلفاً من أن يدركوها، وهو الأمر الذي يفترض أن لا نعزو التخلف الثقافي للفلسطينيين الى الموقع الجغرافي وأن نبحث عن سبب آخر.

يورد زكريا محمد سبباً آخر يتمثل في “غياب المركز” بمعني عدم وجود عاصمة ثقافية للفلسطينيين على مدى التاريخ وهذا صحيح تماماً، ولكنه يندرج في إطار الوصف وليس السبب. قد يكون هناك سبب موضوعي لذلك على امتداد التاريخ القديم والتاريخ الوسيط، هو الرأي الذي أورده الشيخ رفاعة الطهطاوي في كتابة “مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية” الصادر في عام 1869، والذي قسم فيه المجتمعات الى مجتمعات تعتمد في حياتها على نهر مركزي، فتقوم فيها حكومات مركزية، واخرى تعتمد على المطر، “حيث ليس للحكومة على البلاد ولا على قلوب أهلها كبير تسلط”. وهو ما ينطبق تماماً على الوضع في فلسطين، وكذلك سورية، حيث انتعشت ظاهرة المدن – الدول، الأمر الذي يفسر لماذا ولم يتمكن الكنعانيون والأراميون من إقامة دول مركزيه، وينفي في الان ذاته المقولة الصهيونية حول قيام دولة مركزية يهودية قديمه في فلسطين.

ولكن ذلك ما لبث أن أخذ في التغير منذ القرن الثامن عشر، والتاسع عشر تحديداً، ولم يكن الفلسطينيون على استعداد لتنسّم رياح التغيير. لماذا ؟ قد يكون أن سطوة الدين المترسخه على مر الأزمان، والمتلازمة مع البيئة الفلاحية كانت على قدر كبير من السطوة على الفلسطينيين، وعلى نحو لم يتح لهم تنسم تلك الرياح.

ولعل المسألة الأخرى التي تتطلب التوقف قليلاً أمامها في هذا الكتاب هي مسألة الهوية الفلسطينية، حيث يبدو لي أن هناك تشوشاً في معالجة هذه المسألة. فالكاتب يرفض، وبحق، المقولة الصهيونية التي اعتمدها بعض المثقفين الفلسطينيين والقائلة بأن الصهيونية هي التي أدت الى تأسيس الهوية الفلسطينية، وأنه لولا الصهيونية لما وجدت هذه الهوية. ويتبنى بدلاً من ذلك مقولة أن الصهيونية كانت السبب في تأخر تشكيل الهوية الفلسطينية حيث دفعت الفلسطينيين الى السعي للاندماج بالهوية العربية السورية بحثاً عن فضاء أرحب للدفاع فيه عن أنفسهم. وأنا أعتقد بأن الكاتب مصيب في رفضه لمقولة أن الصهيونية لعبت  الدور الحاسم في تأسيس الهوية الفلسطينية”، حيث يمكننا هنا تتبع مرحلتين في هذا المجال: الاولى، وهي قصيرة، تقّبل فيها الفلسطينيون أوائل اليهود القادمين للاستيطان في فلسطين، والثانية وهي الرفض لهذا الاستيطان ومقاومته منذ أواخر القرن التاسع عشر. ومن الواضح أن المرحلة الأولى قد حدثت في سياق استمرار ثقافة الدولة الامبراطورية الاسلامية التي تتسع لأهل الذمة وغيرهم. أما المرحلة الثانية فهي قد انبثقت في سياق بدء التعرف على بدايات النظام الدولي الجديد الذ كان قد تشكل في أوروبا، وأخذت رياحه تهب على المنطقة العربية، هذا النظام هو نظام الدولة القومية – الوطنية حيث بدأ الفلسطينيون يحسون بأن تدفق اليهود على فلسطين ليس بسبب الإقامة في الأراضي المقدسة أو بحثاً عن مجالات عمل، وانما لأهداف آخرى. ولكن المشكلة هنا، هي أن الفلسطينيين، لم يعتنقوا فكرة الدولة القومية الوطنية مبكراً، أي خلال المرحلة الثانية سابقة الذكر، على النحو الذي فعله اللبنانيون والمصريون، وذلك بفعل أن الثقافة السائدة كانت هي الثقافة الأسلامية المتمسكة باطار الدولة العثمانية الاسلامية، أو الدولة العربية الاسلامية الواحدة في سياق ثورة        الشريف حسين. وكانت الأصوات الداعية الى ثقافة فلسطينية والى فلسطينية الفكر السياسي قليلة وضئيلة التأثير. ولذلك فإن المقاومة المبكرة للاستيطان الصهيوني كانت بشكل عام ضعيفة.

ونتيجة لذلك، فإن مقولة الكاتب بأن الفلسطينيين كانوا يعرفون أنفسهم قبل أن يضطر محمد علي الى القول: “من الأن فصاعداً، يجب أن لا يقول أحد منا أنا مصري وأنا فلسطيني” هي فرضية خاطئة، وذلك لأن محمد على، الضليع في السياسة، انما قال ذلك متأثراً بمشاريع نابوليون التي بدأت في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات الحديث عن “فلسطين” كوطن لليهود، وليس لأن الفلسطينيين كانوا يتمتعون بشخصية مستقلة أو يحسون بأنهم يختلفون عمن حولهم. وفي الواقع فإن نوّيات الإحساس بشخصية مستقلة قد تمت بعد قيام الدولة العثمانية بتشكيل سنجق القدس كسنجق مستقل مرتبط مباشرة بالسلطان بعد انتهاء حركة محمد على،وهو احساس ضعيف أيضاً.

كذلك يشير الكاتب الى أن هناك “هوية فلسطينية طوعية عميقة الجذور .. عصية على الكسر”. وقد يكون هذا الكلام صحيحاً فيما يتعلق بهوية الفلسطينيين كسكان أصليين في منطقة معينة، وهو المعروف في العلوم السياسية بصفة “الأهلانية”. فهوية الانتماء الى مكان ما بفعل الاستمرارية التاريخية، موجودة بالنسبة لمختلف الجماعات البشرية قبل تحولها الى شعوب. ولم يجز العصر القومي اقتلاع أي سكان أصليين. ومثل هذا الهوية لا علاقة لها بمسألة السيادة والاستقلال السياسي، ولا بالتمايز الثقافي.

اما النقطة الأخيرة التي أود الاشارة إليها، فهي أن الكاتب لم يتطرق الى التطورات الأخيرة في مجال ثقافة الفلسطينيين وهي المتعلقة بتأثير ظهور وصعود تيار الإسلام السياسي، الذي أدى الى إحداث خلل واضح في مسار تطور هوية ثقافية فلسطينية بدأت مند العشرينات ومالت الى التعزيز مع ظهور منظمة التحرير الفلسطينية. وهو خلل يعمل على تمزيق تلك التوجهات، وينفي مقولة أن ثقافة فلسطينية قد اقتربت من النضج، التي يعتنقها الكاتب.

وبشكل عام، لابد من التأكيد، في رأيي، على ما أشرت إليه سابقاً وهو أنه في عصر الدولة القومية ،فإن الدولة هي وحدها التي تشكل الوعاء السياسي الذي يمكن أن تتطور فيه ثقافة وطنية خاصة بسكان إقليم معين، وكانت منظمة التحرير الفلسطينية منذ الستينات قد تحولت الى دولة فوق اقليمية، وعملت على تأسيس هوية سياسية فلسطينية غير أن مثل هذه الهوية التي تعرضت للإنهاك بفعل الشد والجذب من بعض الحركات القومية العربية، ثم بفعل تيار الاسلام السياسي، وبفعل عدم تمكن الفلسطينيين من حسم مسألة تحديد الأقليم من جهة أخرى، قد أضعفت هذه الهوية السياسية، الأمر الذي حال دون تشكيل وعاء لهوية ثقافية فلسطينية واحدة ناضجة.

إن كتاب زكريا محمد هو محاولة جادة وجديرة بالتقدير لسبر مسألة ثقافة الفلسطينيين على مستوى كلي بعيد عن المفردات التفصيلية، وهو يفتح المجال أمام دراسات معمقة في هذا المجال، ونقاشات من شأنها إثراء الموضوع.

 

أما الكتاب بالاخر، فهو كتاب “الثقافة السياسية الفلسطينية” لمؤلفه باسم الزبيدي  الذي سعى الى طرح تصور لواقع هذه الثقافة واستشراف مستقبلها. فبعد أن يخصص فصلاً للأطار النظري والمنهجي، يفرد الكاتب ثلاثة فصول يستعرض في الأول منها العوامل المنتجة لهذه الثقافة، ثم يتناول في الفصل التالي ميولها وتوجهاتها، بينما يخصص الفصل الأخير لتجليات ومظاهر هذه الثقافة. وهو في الفصول الثلاثة الاخيرة، يحاول تلمس هذه الثقافة من حيث اقترابها أو ابتعادها عن مبدأ الديمقراطية.

ففي الفصل الأخير، وهو المخصص لتجليات ومظاهر الثقافة السياسية الفلسطينية، يتابع الكاتب هذا الاقتراب أو الابتعاد عن الديمقراطية من خلال أربعة مفردات هي الإقتدار السياسي والمشاركة السياسية والثقة السياسية والتسامح، وجميعها تشكل مفردات رئيسة في مبدأ الديمقراطية. وهو يصل الى نتيجة “سلبية جداً ” كما يقول، ويعزو ذلك الى الشعور العام بالعجز والهوان الناجم عن الاحتلال الإسرائيلي، وواقع أوتوقراطية السلطة الفلسطينية وضعف الأحزاب والمؤسسات والنخب المثقفة، إضافة الى أن الفلسطينيين كغيرهم من الشعوب العربية، حبيسو “موروث طويل من القيم والمفاهيم الإقصائية والإلغائية التي تقوم على الحقائق المطلقة وعلى الإحجام عن نقد الذات والإمعان في تسفيه الآخرين” كما يقول الكاتب وبحق. “كما إن السلطة ذاتها بفعل طبيعتها الأوتوقراطية لا تتحمل الانتقاد والاعتراض”. ويشير الى سبب آخر لعدم المشاركة السياسية هو غياب الرؤية السياسية الواضحة في اتفاقات اوسلو. وكان الأجدر به أن يقول بأن هذا الغياب لا يقتصر على اتفاقات أوسلو، بل يسبقها ويليها.

ويمكن إجمال السمات التي يطلقها الكاتب على ثقافة الفلسطينيين السياسية بأنها ثقافة تتسم بالإحساس بالضعف والمهانة والإحباط، مع بروز ثقافة الرفض والعصيان السلبي وعدم الثقة بالقوانين والسعي لخرقها، وتطوير مفاهيم عدائية تشككيه، الى غير ذلك من الصفات السلبية. ويخلص الى القول بأن الثقافة يعتريها الغموض والتشوش “اللذان يجعلان مناقشة هذا الموضوع أمراً صعبا” .

واذا ما عدنا الى الفصل الخاص بالعوامل المنتجة لهذه الثقافة فهو يتعامل مع ثلاثة متغيرات، أولها الإحتلال والشتات والأثر المدمر لهما على الثقافة السياسية، ثم أثر منظمة التحرير الفلسطينية، ويليهما أثر خطاب الاسلام السياسي. ففي حديثه عن م.ت.ف لا يوفر الكاتب جهداً في تحميل المنظمة مسؤولية جزء كبير من هذه الثقافة السياسية، على الرغم من أنه في النهاية ينقل رأيين مختلفين في تقييم المنظمة وهما الرأي القائل بأنها، وعلى مدى ثلاثة عقود، شكلت واحة الديمقراطية الوحيدة في العالم العربي، والرأي الاخر الذي يقول بأن قيادة المنظمة وفصائلها قد عززت تقاليد إحتكار السلطة وصنع القرار وفردانية النفوذ وضعف التقليد المؤسساتي والشخصنة كبديل عن المؤسسة.

أما خطاب الإسلام السياسي، فالكاتب أكثر لينا في تعامله مع هذا الخطاب وأقل هجوماً على سماته. وقد يكون ذلك بسبب أن الأسلاميين لم يتسلموا السلطة ولم يمارسوا السلطة القهرية التي مارستها م.ت.ف. ومع ذلك فهو كذلك ينقل رأيين أيضاً في طبيعة هذا الخطاب، حيث يقول الرأي الأول أن العلاقة بين الخطاب السياسي الإسلامي والديمقراطي “هي علاقة تعارضية بالمجمل، وذلك لأنه خطاب أصولي النزعة سلفي التوجه، لا يترك الا حيزاً ضيقاً لما هو غير ذلك، لانه ينبثق من المغلق”. أما الرأي الأخر، فيتمثل في أن هذا الخطاب لا يتعارض مع الديمقراطية، و”ذلك لأن الديمقراطية، لا تتعارض مع نواميس وقواعد الدين لكونها صيغة إبداع انساني تقتضيها الضرورة لتحقيق الخير وتحسين مختلف “تجلياته”!

أما بالنسبة لاستنتاجات الكاتب الأخيرة، فهو يقول بأن حالة الثقافة السياسية السائدة والميل القوي نحو السلطوية، انما يمهد لنظام أبوي يقوم على عظمة الحاكم ويفرز احتكار السلطة والشخصنة بدلاً من المأسسة والقانون. غير أنه يقول في مكان آخر، وفي مجال تناوله للخطاب الأسلامي تحديداً، أن التطورات المستقبلية في الوضع الفلسطيني هي التي ستحدد الوضع الذي ستؤول اليه الثقافة السياسة الفلسطينية، “فاذا  ما أتت التطورات مكرسة لبؤس الحال ومعمقة للخلافات والتباينات السياسية والايديولوجية، فسيكون  من الصعب عندئذ بروز النزعات والمضامين الديمقراطية لدى الاسلاميين. أما اذا أتت التطورات مقللة من مستوى بؤس الحال، فمن شأن ذلك أن يفسح المجال للمضامين والنزعات الديمقراطية لدى الأسلاميين.

هذه خلاصة لا أدعي بأنها دقيقة كل الدقة لأفكار المؤلف. وتكمن صعوبة الوصول الى خلاصة دقيقة لهذا الكتاب، في أنه يعاني من ضعف في المنهاجية الى حد كبير. فهو لا يحدد زماناً ولا مكاناً لمساحة دراسته، كما إنه لا يستند الى المعلومات العلمية الكافية لاضفاء المصداقية على استنتاجاته، وذلك على الرغم من أنه يتناول موضوعاً دقيقاً وحساساً لا يمكن التعامل معه الا مع توفر المعلومات الكافية سواء كانت على شكل ممارسات أو على شكل استطلاعات رأي ومشاهدات أو غيرها.

أما المشكلة الأخرى، وهي أيضاً مشكلة منهاجية، فتتعلق بفوضى التعامل مع موضوع الدراسة، حيث يتعامل في بعض المفردات مع السلطة فقط، بينما يتعامل في مفردات أخرى مع الجماهير، ناهيك عن انه يتحدث أحياناً عن فلسطينيي الضفة والقطاع وأحياناً أخرى عن الشتات الفلسطيني وفلسطيني اسرائيل.

وعلى الرغم من أن الكتاب صدر في عام 2003، فإن الكاتب لم يستغلّ الفرصة لمتابعة الثقافة السياسية التي افرزتها الانتفاضة الأولى ثم الانتفاضة الثانية ولم يتطرق الى الكفاح المسلح كنوع من تجليات الثقافة السياسية الفلسطينية. ويتحاشى دراسة مفردات الخطاب السياسي الاسلامى وما تركه من أثر على الثقافة السياسية الجماهيرية. بل إن الكاتب انما يمرّ سريعاً على التناقض الأساسي القائم في الثقافة السياسية الفلسطينية، والمتمثل في تناقض الطبيعة المحافظة للمجتمع الفلسطيني، التي لا تتقبل الديمقراطية من حيث هي إحدى تجليات الانعتاق والحرية، مع طبيعة الحركة السياسية الفلسطينية المبنية على هدف التحرر والانعتاق.

على الرغم من كل ما سبق، فان الكتاب يشكل إضافة نوعية لدراسات الفكر السياسي الفلسطيني، وذلك لأن هذه الكتاب، وعلى الرغم من تطرق العديد من الكتب والدراسات الصادرة حتى الان لبعض جوانب الثقافة السياسية الفلسطينية، فإنه يكاد يكون الكتاب الاول المكرس لهذا الموضوع تكريساً تاماً. ومن شأن ذلك أن يؤدي الى تحفيز الكتاّب الآخرين على متابعة هذا الموضوع ومناقشة مختلف جوانبه بعمق وتحليل  مدعومين  بالمعلومة التي تشكل الشرط الرئيس لأية دراسة قيمة.

انتهى