المــرأة وحق الانتخـــاب والترشح

الصفحة

ســــلافة حجــــاوي

20/6/2012

 

طرحت المشاركة الكثيفة للنساء في الانتخابات التشريعية التي شهدتها بعض دول “الربيع العربي” في العام الماضي، وهي  مصر وتونس واليمن ، الكثير من التساؤلات حول ما إذا كانت هذه المشاركة  تمثل تغيرا في وعي النساء وحراكهن ونضالهن من أجل حقوقهن، والدور الذي ستلعبه المرأة في مستقبل المنطقة العربية. فقد بلغت نسبة النساء المصريات اللواتي شاركن في عمليات  الانتخاب في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2011 ، نحو 60% من مجموع الناخبين المصريين، والذين أشارت قوائم الناخبين أن عددهم قد بلغ نحو عشرين مليون شخص. وهذا يعني ان عدد النساء الناخبات لم يكن  أقل من  اثني عشر مليون امرأة، آخذين في الاعتبار أن أقل من 50% من المصريين شاركوا في الانتخابات ، وأن تعداد الشعب المصري يقارب 85 مليون نسمة. وذلك عدد هائل إذا ما أخذنا في الاعتبار أن النساء والرجال في مصر لم يكونوا يشاركون بكثافة في الانتخابات  في عهد حسني مبارك. ويمكن إيجاز بعض الأسباب التي قد تكون وقفت وراء هذه المشاركة النسائية  الضخمة في مصر، وهي الحالة الثورية التي عمت مصر وجرفت كل النساء والرجال باستثناء المؤيدين والمستفيدين والمتعاطفين مع النظام السابق الذي أسسه حسني مبارك، ثم الرغبة الجارفة لدى النساء المصريات الفقيرات اللواتي يشكلن أكثر من نصف نساء مصر، في إحداث تغيير يحسن أوضاعهن وينقذهن من الفقر والعشوائيات والمقابر، وبخاصة بعد أن علمن بمقدار الأموال التي نهبها مبارك وولديه و نظامه، كما يقال بأن الأخوان المسلمين وغيرهم  صرفوا الكثير من الأموال لشراء أصوات النساء، وهن معذورات،  وأن مراكز المساعدات الخيرية كانت تغدق المساعدات على النساء. وقد يكون السبب الأكثر تأثيرا هو القرار الذي أصدره المجلس العسكري قبيل الانتخابات بفرض غرامة 500 جنيه مصري تعادل 100 $ على كل من له حق الانتخاب ولا ينتخب. أما في تونس ، فهي بلد صغير لا يزيد عدد سكانه عن نحو 11مليونا، ونساء الطبقة الوسطى كلهن مسيسات، بينما نساء الريف التونسي المعدمات مثل النساء المصريات كلهن أمهات بوالعزيزي الذي أحرق نفسه وأشعل الثورة. وقيل بأن نسبة مشاركة النساء قد بلغت نحو 45%. وقد شاركت نساء اليمن بكثافة هائلة  في التظاهرات والاحتجاجات. غير  أن ما تعرضت له الثورة من خيانة بمنح علي عبد الله صالح قانون الحصانة الذي أعفاه من كل جرائمه قد  شكل نوعا من الإجهاض للثورة، حيث لم تحدث في اليمن أية انتخابات تشريعية  ولا وضع دستور حتى الآن.  وسوف تظل المرأة اليمنية نهب المخاوف من مصير مجهول. وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للمرأة اليمنية، فإن مخاوف المصريات لا تقل عن ذلك بفعل ما يحدث في مصر وما تبرز من مشاكل معقدة تهدد الثورة  وأية مكاسب منها. كما تواجه المرأة التونسية مصاعب كبيرة لا تقل خطرا بفعل فوز الآسلاميين والمتشددين منهم بشكل خاص  وتهديدهم للمكاسب التي كانت المرأة التونسية قد حققتها   منذ استقلال تونس في خمسينيات القرن السابق. إن هدف هذه المقالة هو إلقاء نظرة  على حق النساء في الانتخاب والترشح للمؤسسات السياسية ، وفي مقدمتها البرلمان، باعتبار ذلك متغيرا حديثا في الثقافة العالمية،  وأحد الحقوق المكتسبة للمرأة العربية ،  وهي مكسب تحقق بصعوبة نتيجة للثقافة العربية االتقليدية الرافضة لها.

فالانتخابات العامة المباشرة في المنطقة العربية لا تشكل جزءا من الثقافة السياسية للمجتمعات العربية التقليدية التي تعتمد الشورى بين نخبة القوم في هذه المجتمعات ولا تؤمن بأن يكون  “للرعية”، الذين هم الشعب وفق المفهوم  الدولي الحديث، أي دور سياسي  فيها. وإذا كانت بعض هذه الدول العربية قد اضطرت بين حين وآخر إلى إجراء انتخابات مزورة ووضع دساتير تضمن سيطرتها على مقدرات دولها، فإن القبول بحق المرأة في ممارسة الاقتراع والترشح للانتخابات ظل مرفوضا ويجابه  بمعارضة شديدة من مختلف الأطياف بدءأ بالحكام، مرورا بالإسلاميين المتشددين وانتهاء بالكثير من الناس العاديين من الرجال والنساء على حد سواء، والذين يحملون ثقافة اعتبار المرأة  كيانا ناقصا لا حق لها في الحياة إلا كحريم وجواري.

والجدير بالذكر أن القيم الثقافية التي حملتها الدولة الحديثة ،  بكل ما  عبرت عنه من أموراشترطت المساواة بين جميع افراد الشعب الواحد  بغض النظر عن أية اختلافات عرقية ولغوية ودينية وثقافية ومستويات اقتصادية  …إلى آخره، ليست نتاجا ثقافيا غربيا إستعماريا يراد فرضه على شعوب العالم كما يصور البعض في المنطقة، وإنما هي نتاج تجارب حربين عالميتين مدمرتين شهدهما العالم خلال القرن الماضي وشملتا كل أرجاء العالم وقتل فيها عشرات الملايين من البشر وارتكب  فيها  ما لا يحصى من الجرائم الرهيبة بحق الانسان. فالأفعال الاستعمارية التي ما زالت ترتكب في المنطقة العربية حتى الآن، هي التآمر مع المتنفذين فيها على إدامة الثقافات التقليدية  التي شوهتها قرون من التخلف، والعمل على تكريس عبودية الإنسان العربي والإبقاء على الفقر والجوع والبطالة والأمية في وقت أصبحت فيه المنطقة  العربية أغنى منطقة في العالم.

وإذا ما ألقينا نظرة سريعة  على الدساتير العربية في مجال حق المرأة في الاقتراع والترشح للمؤسسات السياسية،  فسوف نجد أن موضوع حق الانتخاب والترشح قد خضع للعديد من التجاذبات والترددات إلى أن تم إدراج حق الانتخاب أولا بشكل أو آخر. ولم يكن تمرير حق الانتخاب إلى الدساتيرسهلا. فقد لقي الكثير من الاعتراضات، وظل الانتخاب في مصر مثلا من العام1956  ولغاية 1980  “اختياريا”.  وقد تم القبول به لاحقا من قبل الأنظمة العربية  لأسباب  انتهازية. فطالما أن المرأة العربية خاضعة لجميع الضوابط الأخرى، وفي مقد متها الطاعة، فهي لن تخرج إلى صناديق الاقتراع بدون موافقة ولي أمرها ولن تنتخب إلا من يريد زوجها انتخابه. ووجدت الأحزاب والشخصيات المرموقة أن حق المراة في الانتخاب سيضاعف لها الأصوات التي ستحصل عليها حين تخوض الانتخابات.  غير أن ممارسة المرأة لحقها في الترشح ظل محظورا   إلى حين حدوث تطورات عالمية هامة في هذا المجال في أواخر السبعينيات.

 

ففي العام1979، صدر” العهد الدولي لمكافحة كافة أشكال التمييز ضد المرأة” ، المعروف باختصار ” سيدوا”، واضطرت بعض الدول العربية للتوقيع عليه بعد أن أرفقت موافقاتها بقوائم تتضمن تحفظات على معظم بنود  السيداو، متذرعة بأن تلك البنود   تناقض التعاليم الإسلامية والثقافة السائدة عند العرب. هكذا احتل حق الترشح مكانة  إلى جانب حق الانتخاب في نحو 17 دستور عربي.

وقد تبين لاحقا   أن المشكلة لا تكمن في إدراج حق المرأة في الترشح في الدساتير،  كما لا تكمن في استعداد النساء  للترشح  بقدر ما تكمن في قدرة المرأة على خوض معركة التنافس على المقاعد البرلمانية وتمكنها من الفوز في ظل الثقافة السائدة  والمناهضة لمثل هذا الحق. ولم تكن هذه الظاهرة مقتصرة على المنطقة العربية ، بل شملت كل العالم المتخلف ، فبرزت الدعوة منذ مؤتمر بكين للمرأة في العام 1995 إلى إلزام هذه الدول بتخصيص حصة  من مقاعد البرلمان للمرأة اصبحت تعرف  بالكوتا، وتم اقتراح أن تشكل الكوتا نحو 30% من مقاعد أي برلمان، واعتمدت هذه النسبة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.  لقيت هذه الاقتراحات معارضة عربية شديدة ، ولم تطبقها إلا بعض الدول العربية التي وجدت خلال السنوات الأخيرة  بأنها قد تستفيد من ذلك بتخصيص الكوتا لنساء مؤيدات للنظام الحاكم أو الحزب الذي يمثله.

كان الأردن أحد  أبرز الدول العربية التي طبقت نظام الكوتا، حيث استخدمه بعد  فشل أية امرأة في الوصول للبرلمان ، فأخذ يخصص منذ العام 2003  كوتا من 6 مقاعد في كل دورة انتخابية، ثم ضاعف الكوتا في العام 2011  وتمكن بذلك من رفع نسبة المرأة الأردنية في البرلمان من صفر إلى  10%.

اما في مصر، فلم تستخدم الكوتا بعد إلغاء حسني مبارك الكوتا التي قررها السادات في العام 1980، إلا في العام 2010، حيث أمر مبارك بتخصيص  64 مقعد للنساء، وأدى ذلك إلى رفع نسبة النساء في مجلس الشعب من 2% إلى 5،14%. غير ان المحكمة الدستورية المصرية ألغت الكوتا قبيل الانتخابات التي جرت بعد الثورة في نوفمبر 2011، وذلك بحجة أنها غير دستورية. وربما تم ذلك لعدم استفادة الإخوان المسلمين منها ، حيث انخفضت مقاعد النساء في المجلس( الذي حل مؤخرا) إلى نسبة  7،9% . ولم يكن الانخفاض كبيرا بفعل فوز 42  امرأة على قوائم الأخوان.

تم استخدام الكوتا أيضا من قبل السودان والمغرب والجزائروالعراق وتونس. فقد خصص العراق بعد العام 2003 كوتا نسائية  بلغت 25% من مقاعد البرلمان ، وكذلك السودان. واتفق  التونسيون في انتخابات ما بعد الثورة على اعتماد المناصفة بين الرجال والنساء في الترشيح، وحصلت النساء على 59 مقعد وبلغت النسبة 27%. وكانت معظم المقاعد لحزب النهضة الإسلامي. وقد حدثت القفزة  الأكبر في مجال الكوتا في الجزائر حين خصص الرئيس بوتفليقة   146 مقعدا للمرأة الجزائرية التي حصلت عليها جميعها  وارتفعت نسبتها في البرلمان إلى 31%. وكانت تلك أكبر الكوتات في تاريخ الجزائر البرلماني وفي تاريخ العرب. ويتفكه الجزائريون بأنه لايوجد في البرلمان  أي عمل للنساء أو غيرهن من الرجال سوى الموافقة على القرارات التي يصدرها الرئيس بوتفليقة لأن جميع السلطات محصورة في يده . وقد أدلت السلطة الوطنية الفلسطينية بدلوها في مجال الكوتا في انتخابات 2006  التي شاركت حماس وفازت فيها، حيث تم تخصيص كوتا بنسبة  20%، فازت بواسطتها 17 امرأة شكلن نسبة 8،12 % : 6 لحماس و8 لفتح و3 لمنظمات أخرى. أما بقية الدول العربية التي لم تستخدم الكوتا ، فلم تتجاوز نسبة النساء في برلمانتها أكثر من 2% في أحسن الأحوال، باستثاء سورية التي بلغت النسبة فيها 12%.

وعلى الرغم من كل هذه الكوتات التي استخدمتها الدول العربية آنفة  الذكر، فإن النسبة العربية الكلية للنساء في البرلمانات العربية بعد ” الربيع العربي” ، كما يقول تقرير  صادر عن الأمم المتحدة، لم تتجاوز 7،10%، وبأن المنطقة العربية هي الوحيدة في العالم  التي لم تحقق النسبة المعتمدة عالميا. كما يقول تقرير للاتحاد البرلماني الدولي بأن المنطقة العربية هي الأسوأ في العالم في هذا المجال.

ويبدو واضحا مما سبق ان الكوتا النسائية قد شكلت عبئا على الأنظمة العربية رغم محاولاتها الإستفادة منها،  ولم تفد  قضية النساء في شيئ سوى أنها كسرت المحظور في الثقافة العربية التقليدية الرافضة لأي مشاركة سياسية نسائية،  وأسست لمستقبل  قد تتمكن فيه المرأة  من خوض المنافسة الحرة والحصول على مقعدها البرلماني ” بذراعها” كما يقول المثل. غير أن الدساتير يمكن أن تتغير، وحق المرأة في الانتخاب والترشح قد يلغى إذا ما هيمن الإسلام السياسي المتشدد على الحكم وتعمقت الثقافات التقليدية الظلامية في المنطقة.

 استنتاجات

أولا- حق المرأة في الانتخاب والترشح هو واحد من مجموعة واسعة من الحقوق التي تحرم المرأة منها في المجتمعات العربية، ولا يمكن للمرأة ان تتغلب على العقبات التي تعترض فوزها عبر المنافسة الحرة  في الانتخابات  إلا من خلال تذليل كل العقبات الأخرى التي تحول دون تمتعها بجميع حقوقها كأنسان .

 

ثانيا- الثقافات والقيم القبلية والعشائرية والأبوية والإسلامية المتشددة المناهضة لتمتع المرأة العربية بحقوقها الإنسانية والاجتماعية والسياسية ، تزداد تغولا في المنطقة وقد تحول دون اي تقدم على هذه الأصعدة.

 

ثالثا- – لم تثبت المرأة العربية بشكل عام وجودها البناء وحضورها القوي الذي يرغم المجتمع على الاعتراف بها. حتى النساء لا تعترفن بالنساء.

رابعا-  الكثير من القيادات الحزبية العربية تقليديو الثقافة ولايوافقون على النشاط السياسي للمرأة، وإذا تواجدت نساء في بعض الأحزاب، فهن يوضعن في أسفل القوائم الانتخابية.

خامسا- على الرغم من أن نظام الكوتا النسائية يخدم الأنظمة الحاكمة في معظم الحالات، فهو افضل من عدم وجوده، وذلك لمجرد ان وجود النساء في البرلمانات يشكل نوعا من الاختراق للثقافة السائدة المعادية للمرأة.

سادسا-  البرلمانا ت  العربية التي يهيمن عليها الرجال هي برلمانات شكلية وفاشلة بأي حال.ولن يزيد وجود المرأة فيها  الأمر سوءا، بل يشكل بصيصا من أمل.

سادسا-  هناك عمل شاق وطويل أمام المرأة إذا ما أرادت الحصول على حقوقها كاملة . والمستقبل  القريب لا يشير إلى أفاق مفتوحة للعرب.

 

انتهى

سلافة حجاوي

20/6/2012