كتاب عام الجراد

الصفحة

 

سلافة حجاوي

 

 نشرت في كل من مجلة الطريق ومجلة الدراسات المقدسية في العام 2009

 “عام الجراد” كتاب جديد صدر في هذا العام، 2008، عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية ومؤسسة الدراسات المقدسية، وهو يتضمن مذكرات شاب مقدسي يدعى إحسان الترجمان، كتبها خلال العامين 1915 و1916، إضافة إلى مقدمة قيمة مطولة لمحرر الكتاب الأستاذ سليم تماري، تتضمن معلومات عن كاتب المذكرات وعائلته، وخلفية تاريخية عن وضع فلسطين التي كانت في ذلك الحين تشكل مسرحاً من مسارح الحرب العالمية الأولى ومقراً لقيادة الجيش العثماني.
أما عنوان الكتاب، “عام الجراد”، فيبدو أن المحرر قد اختاره بهدف الوصف الفعلي والتعبيرالرمزي عن حالة فلسطين في تلك الفترة المصيرية من تاريخها. ففي عام 1915، غزا الجراد فلسطين فقضى على ما بقي في البلاد من مزروعات كانت قد تدهورت أصلاً بفعل النفير العسكري العام الذي أجبر الفلاحين الفلسطينيين على ترك أعمالهم وأراضيهم والالتحاق كجنود في الجيش العثماني بعد دخول الدولة العثمانية الحرب في عام 1914. كما كانت البلاد في الآن ذاته نهباً لأنواع أخرى من الجراد، كمختلف أنواع الأوبئة مثل الكوليرا والجدري والتيفوس، بالإضافة إلى ويلات الحرب، وما جرى من تدفق الضباط الأتراك الذين أخذوا يعيثون فساداً في البلاد، بحيث انتشر فيها الفقر والمجاعة والتسول واليأس والانحلال الخلقي. وقد يكون صحيحاً اعتبار تلك الفترة العصيبة من تاريخ فلسطين والعالم، بأنها بداية هجوم الجراد الذي مالبث أن التهم فلسطين العربية وشرد شعبها.
ويبلغ حجم الكتاب 368 صفحة منها نحو 254 صفحة تضم المذكرات التي تغطي 108 أيام من مجموع أيام فترة ممتدة بين 28/3/1915 و18/8/1916، حيث لم يكن كاتب المذكرات منتظماً في الكتابة، كما أنه توقف فجأة عن كتابة مذكراته لأسباب سنعرفها لاحقاً.
ينتمى إحسان الشاب لعائلة مقدسية عرفت رسمياً باسم آل الصالح، غير أنها اشتهرت بلقب الترجمان بفعل تخصص العديد من أبنائها في الترجمة من اللغة التركية إلى اللغة العربية أوالعكس. وقد درس إحسان في المدرسة الدستورية التي كان المفكر الفلسطيني، خليل السكاكيني قد أسسها في عام 1909، وتثقف بالثقافة الليبرالية المستنيرة التي حرص السكاكيني على نشرها، كما ربطته بالسكاكيني علاقة مميزة حيث كان إحسان يحرص على زيارة أستاذه وحضور مجلسه الذي كان يؤمه العديد من المثقفين والساسة الفلسطينيين، فيستمع إلى معلمه وهو يقرأ مقاطع من مذكراته الخاصة، ويتعرف على مختلف الآراء والمواقف السياسية. ويبدو أنه، وتأثراً بأستاذه، قد قرر تقليده في كتابة مذكراته، وذلك على الرغم من صغر سنه ورهافة تجربته، حيث كان في الثانية والعشرين من العمر حين بدأ الكتابة. وكان في حينها قد أصبح بفعل النفير العسكري العام جندياً “نفر”.
على الرغم من صغر سن إحسان وتجربته، وصغر حجم هذه المذكرات التي كتبها، فإن مذكرات الترجمان غنية بالكثير من المعلومات الهامة والشيقة في شأن فلسطين، والقدس منها بشكل خاص، في ذلك الحين، سواء في ما يتعلق ببداية دخول معالم الحداثة المادية، أو الحداثة الفكرية والأوضاع الاجتماعية. وفيها يطلعنا الكاتب على آرائه ومواقفه من الكثير من القضايا الإجتماعية والسياسية في تلك المرحلة المصيرية من تاريخ البلاد، وبخاصة مسألة العلاقة بين العرب والدولة العثمانية، والمستقبل الغامض الذي ينتظر فلسطين. فهو، كما نعرفه مما كتب، شاب مسلم وعربي، يكره الدولة العثمانية ويحتقرها، ليس فقط بسبب سلوك ضباطها وما يشيعونه من ظلم وفساد في البلاد، وإنما لأنها لا تعامل العرب “كشركاء” في الدولة. وهو يعبر عن ذلك بوضوح حين يعلم باحتمال إرساله إلى الجبهة، فيقول: “أنا لا أريد أن أذهب، ولماذا أذهب، هل لأنهم يعدونني ويعدون أخواني العرب شركاءهم في الحكم، أم لأنهم سعوا في الماضي أو أنهم يسعون في الحاضر لترقية الأمة العربية.. لو كانت الدولة دولة راقية وعاملتنا معاملة حسنة، فأنا ومالي وحياتي وكل شيء فداء للوطن.. أنا لست عثمانياً إلا بالإسم”.
ويريد إحسان أن يتم نهوض وارتقاء العرب، فهو يفكر دائما بالفقراء والبسطاء من الناس المحرومين، ويريد تطور العرب ونهوضهم ويأسف بشكل خاص على أحوال المرأة المسلمة، ويتساءل كيف يمكن لأمة أن تنهض ونصفها جاهل على النحو الذي عليه المرأة، ويتمنى أن يتم فتح مدرسة للإناث، ويعتبر الحجاب سبب تخلفها، ويقول:
“ترضى نساؤنا بالقليل من مأكل ومشرب وترضى بالذل والإهانة وتصبر عليها حتى إنها اعتادت عليها وصارت تعتقد بأن معاملة الرجال لهن واجبة لأنهن يعتقدن بأنهن ناقصات عقل ودين..”. وهو يحب فتاة من جيرانه على الرغم من أنه لم ير وجهها منذ كانا في مرحلة الطفولة، إلا مرة واحدة لثانية أو ثانيتين، حين رآها رافعة الحجاب عن وجهها أمام باب دارها. ويبدو واضحاً أن هذه التوجهات الثقافية والسياسية التي يعبر عنها إحسان في مذكراته، إنما هي بتأثير المدرسة الدستورية ذات التوجهات العربية والليبرالية التي أخذت بالانتشار بين بعض الشباب المثقفين في ذلك الحين، بينما نعرف أن الغالبية من الفلسطينيين، وبخاصة على المستوى الجماهيري، لم يكونوا ليقبلوا بمثل هذه الأفكار التي كانت تخالف التقاليد المتوارثة.
ولكن إحسان، كما تشير مذكراته، ليس بالناشط السياسي. فهو يفضل العزلة وكل أمنياته تتلخص في أن تنتهي الحرب ويسافر إلى أوروبا لمواصلة دراسته والتخصص في الزراعة لكي يعود ويشتري قطعة أرض ويزرعها، ثم يتزوج من حبيبته، فينجبان الأطفال ويعيشون في وئام. وهو قلما يتحدث عن فلسطين بذاتها، ولكنه يتحدث أحيانا عما يدور من أحاديث في مجلس السكاكيني، فيقول في إحدى اليوميات: ” اتفق الجميع على التالي: حياة الدولة العثمانية قصيرة، وتقسيمها أصبح إما عاجلاً أم آجلاً.. مصير فلسطين، إما الإستقلال، وهو بعيد لأن إنجلترا هي الوحيدة التي يمكن أن تأخذ فلسطين وهي لن تجعل منها دولة مستقلة، والاحتمال الأقوى هو أن تضمها إلى مصر وجعلها حكومة واحدة”. وهو لا يتوقف كثيراً عند هذه النقطة ولا يعلق عليها، وذلك على الرغم مما نعرفه بأن تيارين رئيسين قد ظهرا في ذلك الحين في فلسطين، أحدهما التمسك بالدولة العثمانية ومعاداة بريطانيا وفرنسا وروسيا، ويتمنى انتصار المعسكر الذي فيه الدولة العثمانية واستمرار حكمها، والثاني هو الرغبة في هزيمة الدولة العثمانية وانضمام فلسطين لسورية. كما أنه لا يذكر الصهيونية إلا في مناسبة واحدة، فينقل حديثا دار بين أصدقاء له بينما كانوا يتمشون في منطقة باب الخليل ثم طريق يافا، فيقول، “أخذوا يتكلمون، ولم أنطق أنا ببنت شفه.. تكلموا عن الصهيونية، لم يكن لكلامهم طلاوة ولا معنى وبدون تفكير.. وإذا تكلم علي، لا يكون كلامه إلا رياء، لأن جميع أمثاله كلهم بجانب الصهيونية. قال علي إن الصهيونيين، إذا كانت لهم أشغال في الحكومة، فيذهبون مع نسائهم إذا كن جميلات، أو يأخذون واحدة جميلة وبهذه الصورة يقضي اليهودي شغله. وقد قال (أي علي) بأنه هو أيضا إذا أتته سيدة مع زوجها أو أبيها أو أخيها فإنه يسهل شغلها قبل غيرها. هذا كلام يطعن الصهيونيين!! أنا في هذ النهار يائس.. ولكن أرجو الله بأن لا يطول يأسي”. هكذا يعبر إحسان عن بغضه للصهيونية ويوحي للقارئ بأنه يدرك أهداف الصهيونية، ولكنه لا يقول أكثر من ذلك. ويبدو أن التفكير في الصهيونية ومخاطرها قد تراجع بشكل عام لدى المثقفين الفلسطينيين بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، وبخاصة أننا نعرف أن الكثيرين من اليهود قد أخذوا يغادرون فلسطين في ذلك الحين بسبب الظروف المعيشية القاسية والأمراض المنتشرة فيها.
في اواخر عام 1916، انقطع إحسان عن كتابة مذكراته. وكان قد تحدث في يوميات الأيام الأخيرة، عن قلق شديد ينتابه فيقول بانه لم يعد قادراً على الثبات في أي عمل يقوم به، فهو إذا بدأ بقراءة كتاب، سرعان ما يتوقف، وهكذا بالنسبة لأي عمل كان. بل إنه يقول إنه متضايق، وغير قادر على التركيز. كما يقول في اليومية ما قبل الأخيرة من مذكراته، بأن هناك ضابطا ألبانيا يغازله ويتحرش به جنسياً، ويهدده بالقتل إذا لم يستجب له، ويقول بأنه يفكر بالانتحار هرباً من تلك الورطة. ولا نعرف ما الذي حصل لهذا الشاب المسكين الذي توقف عن كتابة مذكراته منذ يوم 19/8/1916. وقد يتبادر للذهن أنه انتحر. غير أننا نعلم من محرر الكتاب أن إحسان الترجمان “قد قتله ضابط عثماني لحظة انسحاب الجيش العثماني من القدس بعد هزيمته في عام 1917”.
وهكذا تنتهي حياة شاب فلسطيني مقدسي مجهول، وجد الشجاعة في نفسه في يوم ما، أن يكتب مذكراته، وأن يعبر فيها عن ثقافة مستنيرة أراد من خلالها أن يتم ارتقاء العرب والمسلمين على نحو يستطيعون فيه بالرقي والتقدم، أن يجابهوا التحديات التي تنتظرهم، وفي مقدمتها الصهيونية. لقد ترك لنا ذلك الشاب المجهول، إحسان الترجمان، ومضة من الومضات المعبرة التي كان يمكن لها أن تلقي ضوءا أكثر على ماضينا المأساوي، لو لم تعاجله عبثية الحياة بضربتها القاضية، وكأن موته كان رمزا لموت واندثار تلك الثقافة البناءة التي حلم بها.