حماس والهدنة مع إسرائيل

الصفحة

 

سلافة حجاوي

نشرت في صحيفة الأيام في 29/12/1997

 

في سياق الأحداث الدرامية التي اقترنت بالعملية الإسرائيلية في عمان بتاريخ 25/9/1997، والتي استهدفت مدير مكتب حماس في الأردن، خالد مشعل، كان خبر الرسالة التي بعث بها العاهل الأردني إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي قبل يومين من العملية المذكورة، بـشأن عقد هدنة بين حماس وإسرائيل ، هو الأكثر إثارة وخطورة  ، على الرغم من أن الأحداث  الأخرى ، وبخاصة إطلاق  سراح زعيم حماس الشيخ  ياسين،  قد غطت  على ذلك الخبر بحيث لم يحظ بما يستحق من التعليق والتحليل .

والغريب في الأمر هو أن قيادات حماس في الأردن قد أنكروا علمهم بأمر هذه الرسالة  رغم التأكيد الرسمي الإسرائيلي والأردني على وجودها، حيث يبدو أن تلك القيادات قد فضلت الإساءة إلى العاهل الأردني، الذي لا يمكن  أن يكون قد بعث بها بدون علمهم أو علم  بعضهم على أقل تقدير ، على مواجهة الانتقادات والتساؤلات سواء من جانب  قيادات حماس  الأخرى وأتباع  الحركة، او الجسد الوطني الفلسطيني .

وبغض النظر عن كل تلك الملابسات ، فمن المعروف أن  زعيم حماس الشيخ ياسين ، ما لبث بعد عودته  إلى غزة، أن أطلق العديد من التصريحات التي تطرقت إلى موضوع الهدنة  هذا. ولدى متابعة  تلك التصريحات، فإننا  سرعان ما نلاحظ أن تطوراً ايجابياً قد حصل في  مضامينها خلال فترة قصيرة  .

فبعد أن حفلت تصريحات الشيخ التي أدلى بها فور إطلاق  سراحه بالحديث عن  استعداد حماس ” لوقف إطلاق  نار ”  ، أو عقد ” صلحة ” إذا توقفت إسرائيل عن ضرب المدنيين الفلسطينيين ومصادرة أراضيهم ، وبعد أن وصل إلى حد القول، وبعد يوم واحد من وصوله  إلى غزة،  بأنه ” على استعداد للتوصل إلى هدنة مع إسرائيل إذا أنهت احتلالها لغزة والضفة والقدس وأزالت المستوطنات”[1]،

ما لبثت تلك التصريحات أن  اتجهت نحو الواقعية السياسية والإدراك العميق لخطورة التحدث عن عقد هدنة بين حماس  وإسرائيل، حيث رفض  الشيخ الجليل في 14/10/1997 تسلم  رسالة الحاخام  دورون التي  نقلها  إليه الحاخام فريدمان، قائلاً بأن ينبغي، (وبحق) “تسليم تلك الرسالة إلى الرئيس ياسر عرفات” ، وليس له ، ثم أكد على ذلك فيما بعد بقوله : ” نحن  لن نتفاوض ولم نتفاوض مع إسرائيل ، فمن يتفاوض هو السلطة، ولا توجد سلطتان .. نحن  نكتفي  بعرض رأينا على السلطة ، وهي سمعته، فإذا استحسنت ذلك ، فمن  واجبها أن تفاوض إسرائيل  علي” [2].

فمن المسلم به أن من حق حماس، باعتبارها جزءاً من  الجسد الوطني الفلسطيني ، أن  يكون لها موقفها الخاص ، ومن حقها أن تطرح هذا الموقف على السلطة الوطنية  وتناقشه معها ،  غير أن ما لا يحق لحماس هو أن تعرض عقد هدنة بينها وبين إسرائيل  ، وان تتفاوض معها ، سواء مباشرة أو غير مباشرة أو عبر وسيط أيا كان ذلك الوسيط ، ناهيك عن القول بأن السلطة الوطنية الفلسطينية لا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تلعب دور  الوسيط بين إسرائيل وأي من الأطراف الفرعية المنضوية في الجسد الوطني الفلسطيني . إنها تتفاوض فقط على برنامجها المقر من قبل منظمة التحرير الفلسطينية والمتمثل في الاتفاقات الموقعة مع الجانب الآخر.

ولكن السؤال الذي لا بد من طرحه هنا: ما هي هذه ” الهدنة ”  التي دأبت حماس على التحدث عنها منذ أواخر عام 1993 ، وما هو ” الحل المرحلي ” الذي تبنته حماس منذ انطلاقتها في عام 1987 آو 1988 ؟ وما  هي الإضافة التي قدمتها حماس  من خلال حلها المرحلي والهدنة إلى الفكر السياسي الفلسطيني ؟

إن مقارنة سريعة بين وثائق حماس  ووثائق منظمة التحرير الفلسطينية ،بدءاً بالمواثيق، والبرامج وانتهاءً بالتصريحات، تبين أن كل أطروحات حماس منذ عام 1987 ، هي نسخة مقتبسة وطبق  الأصل من أطروحات منظمة التحرير الفلسطينية.

فإذا ما نظرنا إلى هدف تحرير كامل التراب الفلسطيني أو من البحر إلى النهر، على النحو الوارد في ميثاق حماس، سوف نكتشف بأنه ليس أكثر واقعية مما يرد في ميثاق منظمة التحرير، إن لم يكن أقل واقعية . فحماس تربط هدف التحرير الكامل بتشكيل الدوائر الإسلامية الثلاث:  الفلسطينية والعربية والإسلامية الأخرى، وتقر في ميثاقها بأن تشكيل هذه الدوائر لا يعني بالضرورة تحرير فلسطين وإنما يؤدي فقط إلى ” تقريب ” ذلك. وقد يصل يوم التحرير إلى يوم  “قيام الساعة” [3] .

ولأجل ذلك، تبنت حماس الحل المرحلي الذي نصت عليه الكثير من المبادرات والتصريحات الحماسية منذ عام 1988 منها تصريح للشيخ ياسين يطالب فيه بإقامة دولة فلسطينية ” على أي شبر من فلسطين يتم تحريره “، وهو نص طبق الأصل من برنامج منظمة التحرير الفلسطينية الصادر في عام 1974.

ولا مجال هنا في هذه العجالة لإجراء مقارنة تفصيلية لهذا الموضوع، غير أننا سننتقل من هنا إلى ما تقوله حماس بأنه الفرق بينها وبين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية المنبثقة عنها. ألا وهو مسألة الإعتراف بإسرائيل،  والتي ستقودنا مباشرة إلى مسألة الهدنة .

فحماس تقول بأنها مصرة على تحقيق الحل المرحلي المتمثل في إقامة دولة فلسطينية ( إسلامية ) في الضفة وغزة والقدس بدون  أن تعترف بوجود إسرائيل . ولا بد لنا هنا أن نتساءل: ألا يشكل الحديث عن المرحلية والتفاوض والهدنة إعترافاً بإسرائيل ؟ آخذين في الاعتبار أن قرار الاعتراف قد ظل في جيب الرئيس ياسر عرفات منذ عام 1974 وإلى عام 1993. فلماذا خبأه طول هذه المدة إذا كانت حماس تعتبر المنظمة بأنها هرولت  للاعتراف بوجود إسرائيل ؟

لابد من الإقرار أولا هنا أن إسرائيل ” موجودة ” سواء أرادت حماس الإقرار بهذا الوجود أم لم ترد،  وهو وجود ناتج عن قانون ميزان القوة الدولي الذي طالما كان له الدور الحاسم في إقامة الدول وإنهائها ومد الإمبراطوريات وتقليصها والقضاء عليها. وهو القانون الذي انتشر بفعله الإسلام من الجزيرة، والذي حال كذلك دون تمدد الإسلام نحو أوروبا عبر إيران وإسبانيا، وهو القانون نفسه الذي اضطر النبي عليه السلام للتوقيع على صلح الحديبية بموجبه.

أما لماذا خبأ الرئيس عرفات قرار الاعتراف بوجود إسرائيل كل تلك المدة، فإن أي إنسان موضوعي يدرك أنه إنما خبأه بانتظار الوقت الذي ستعترف فيه إسرائيل بوجود الشعب الفلسطيني وبمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي لهذا الشعب بكل ما يترتب على هذا الاعتراف من تنفيذ حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع والقدس. وإذا ما أردنا إسناد هذا الموقف استادا تاريخياً ودينياً صحيحاً، فسنجد بأن ما أراده النبي عليه السلام من عقد صلح الحديبية هو الحصول على اعتراف قريش بوجوده، وليس منح اعترافه لقريش، لان قريش كانت موجودة ومعترف بوجودها على الصعيد العام،  ولا احد يستطيع إلغاء ذلك بجرة قلم أو كلمة. وقد حصل النبي عليه السلام على ذلك الإعتراف المصيري، على الرغم من أن قريش منعته من التوقيع بصفته النبوية. واستناداً إلى ما سبق ، أفلا يحق لنا الاستنتاج أن ما تسعى حماس إليه من  وراء أطروحات الهدنة  هو الحصول على اعتراف إسرائيل بها ؟

فالهدنة سواء في الخبرة الإسلامية أو في القانون الدولي الحديث هي اعتراف واقعي، شئنا الإعتراف بذلك أم أبينا. والاعتراف الواقعي أقوي من الإعتراف الرسمي لأن الإعتراف الرسمي ما هو إلا تحصيل حاصل يتم ترجمته بالعلاقات الدبلوماسية. ولا يمكن لنا في هذا المجال الضيق، الإفاضة في هذا الموضوع ، أو ضرب الأمثلة التفصيلية على ذلك ، والتي يزخر بها التاريخ والحاضر بما في ذلك إتفاقات الهدنة التي عقدت بين الدول  العربية وإسرائيل في عام  1949.

غير أن هذا الحديث عن الهدنة يقودنا إلى مسألة  خطيرة أخرى . وهي أنه على الرغم من أن الهدنة تشكل إعترافاً من قبل الطرفين المتعاقدين ببعضهما ، سواء عقدت مباشرة أو عبر وسيط أو من خلف  أبواب دوارة ، فإن الهدنة ، بما تنص عليه من أجل محدد، إنما تشكل من الناحية الفعلية وسيلة  للطرف الأقوى كي ينقضها في الوقت الذي يناسبه ويتفق مع مصالحه. ولا ندري إن كانت حماس تعتقد بأنها ستكون خلال عام أو عامين أو عشر أو عشرين  عاماً (  وهي الأرقام التي يوردها قادة حماس عادة لمدة الهدنة )  أقوى من إسرائيل ، لا لتنقض الهدنة، لأن الإسلام يحرّم  نقض التعهدات ، وإنما لكي تمنع إسرائيل من نقضها على أقل تقدير ! فالهدنة تلحق ضرراً مصيرياً بقضية الشعب الفلسطيني في سببين رئيسين هما: أولا : تعفي إسرائيل من الاعتراف رسمياً بالدولة الفلسطينية القادمة. ثانياً :          توفر لإسرائيل  إمكانية  نقض الهدنة  في أي وقت تشاء ، على غرار ما فعلت في عام 1967.

خلاصة القول: تشكل أطروحة الهدنة التي تطرحها حماس آخر المزالق الفكرية والسياسية والإيديولوجية الفلسطينية العديدة ، التي طالما لعبت أدوارا مختلفة في توفير الفرص الذهبية للحركة الصهيونية  والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، للإمعان في سلب الأرض الفلسطينية وتشريد الشعب واحتلاله وتدمير مقدراته . إن حماس مدعوة  للكف فوراً عن مثل هذه ” المجازفات ” الإيديولوجية ، والرحمة الرحمة بالشعب الفلسطيني .

[1]– أنظر تصريحاته في صحيفة الحياة الجديدة الفلسطينية في 8م10/1997.

[2] – الحياة الجديدة في15/10/1997 وصحيفة “الأيام” الفلسطينية في 16/10/1997.

[3]– النهار المقدسية في 30/4/1989، في ، خالد الحروب، حماس، ص. 89.