ساحة فلسطينية تعمها الفوضى

الصفحة

 

سلافة حجاوي

نشرت في صحيفة الشرق الأوسط في1/3/2004

 

يبدو أن القرار السياسي الفلسطيني الوحيد الموجود حاليا هو عدم اتخاذ أي قرار. فمنذ قرار استمرار المواجهة العسكرية الذي اتخذ بعد اندلاع المواجهات في 29/9/2000، لم يتم اتخاذ أي قرار. هكذا، وبعد مواجهات دامية وخسائر فلسطينية هائلة، انحدر الوضع إلى حالة من اللاأدرية العدمية التي تركت الفلسطينيين بدون أية مكاسب ملموسة أو أية آفاق واعدة، وفي حالة جهل لحقيقة ما يجري: هل هناك إنتفاضة؟ هل انتهت الإنتفاضة؟ هل هي بين بين؟ إلى أين نحن ذاهبون؟ هل هناك سلطة؟ أين هي السلطة؟ أم هناك عدة سلطات؟

ويبدو واضحا أن الساحة الفلسطينية قد دخلت في مأزق عدم القدرة على اتخاذ أي قرار، وذلك بفعل تعدد مراكز صنع القرار التي تلغي بعضها البعض، وتتلاشى، أمام الديناميكية التي تتمتع بها عملية صنع القرارات الإسرائيلية، حيث تنهال القرارات الإسرائيلية واحدا تلو الآخر دون منح الفلسطينيين أية فرصة لالتقاط الأنفاس.   فها هو اليمين الإسرائيلي، وأمام ضغط الوقائع المستجدة لا يجد غضاضة في قطف ما يفيد الساحة الإسرائيلية من طروحات غريمه حزب العمل الإسرائيلي، فيقرر إجراء إنفصال، ويقرر تنفيذ إعادة انتشار، ويقرر إقامة جدار، بحيث ينتهي الأمر إلى تنفيذ معظم طروحات برنامج اليمين القديم، بأقل قدر من الخسائر وأكبر قدر من الأرباح. وهاهو على وشك تنفيذ خطته الأحادية الخاصة بقطاع غزة، دون تأجيل أو تردد أو انتظار.

فالبرامج الإسرائيلية بشكل عام، غير معنية بقطاع غزة إلا بالقدر المتعلق بالأمن، ولطالما تمنى اليمين واليسار لهذا القطاع أن يغرق في البحر. وها هو الآن يوشك أن يغرق في البحر. فخطة تفكيك المستوطنات وإعادة الإنتشار الأخيرة الخاصة بقطاع غزة لا تعني إحتمال قيام دويلة فلسطينية فيه على المدى القريب أو البعيد، طالما أن ما سيتم إنما يتم بشكل أحادي، بل إنه سيتحول إلى كانتون جهنمي تتحكم إسرائيل بحدوده ومعابره وأجوائه ومياهه واقتصاده وحياته الإجتماعية والسياسية على النحو الذي هو الآن، باستثناء، تخليص إسرائيل من الخسائر والأعباء.

وقد لا تكون إسرائيل معنية حقا بسيطرة حماس أو غيرها على القطاع، بل قد تتمنى أن تسيطر حماس أو غيرها من منظمات مقاتلة عليه أو عدة أطراف في آن واحد، طالما أن ذلك سيتيح لها مواصلة عملياتها القمعية، ويوفر لها ذريعة رفض التفاوض مع أي طرف فلسطيني قد يرغب في ذلك. وسوف يكون الحديث عن “ممر آمن” يربط الضفة الغربية بالقطاع في خبر كان، وسيؤدي الضغط الإقتصادي والتكاثر السكاني الطبيعي إلى هجرة غير محدودة بحثا عن لقمة عيش ونسمة هواء، وذلك على النحو الذي حدث بعد عام 1948 وعام 1967 حين ابتلعت الهجرة كل الزيادة الطبيعية للسكان.

الوقت يقترب، وإعادة الإنتشار الإسرائيلية على قاب قوسين أو أدنى. وليس هناك في الأفق ما يدل على أن جهة ما ستتسلم القطاع، وكل الأطراف الفلسطينية على انتظار الانقضاض على الغنيمة، والبحر على شاطئ غزة، ينتظر الوليمة!

 

انتهى