الاغتيال – التفجيرات

الصفحة

 

الاغتيال ـ التفجيرات.. لعبة جهنمية تتجه نحو نهايات مرعبة

سلافة حجاوي 

 

نشرت في صحيفة الشرق الأوسط في 22/4/2004

تكاد إسرائيل تكون الدولة الوحيدة في العالم المعاصر التي تعتمد الاغتيال السياسي وسيلة لتحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية، حيث أن معظم دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة، اتجهت إلى حظر الاغتيال السياسي، وأصدرت قرارات أو تعليمات تحظر هذه الجريمة إلا في إطار العمليات الحربية.
ويبدو أن إسرائيل تستخدم ذريعة أنها إنما تقوم باغتيالاتها في إطار حالة حرب متواصلة مع الفلسطينيين، على الرغم من أن للاغتيال في سياق الحرب، شروطا لا تنطبق على الحالة الفلسطينية ـ الإسرائيلية. وبغض النظر عن الجوانب القانونية في هذا المجال، فإن هناك قناعة عامة على الصعيد الدولي، بأن الاغتيال السياسي قلما يؤدي إلى تحقيق الأهداف والغايات المرجوة منه. غير أن المفارقة هنا هي أن عمليات الاغتيال الإسرائيلية قد نجحت في تحقيق الأهداف المرجوة منها، سواء على الصعيد الإسرائيلي الداخلي أو الصعيد الفلسطيني.
فعلى الصعيد الإسرائيلي، نجحت إحدى أكبر عمليات الاغتيال السياسي التي شهدها العالم خلال العقدين الأخيرين، وهي عملية اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي، إسحق رابين في عام 1995على يد اليمين الإسرائيلي، في تحقيق أهدافها وغاياتها المتمثلة في إفشال المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، وصعود اليمين إلى صدارة الساحة السياسية وصولا إلى تسلم الحكم وتجميد، إن لم نقل إلغاء، اتفاق أوسلو الذي وقعه إسحق رابين مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993. وقد انطلقت هذه الأهداف والغايات اليمينية الإسرائيلية من الاعتراض الشديد على ما تحقق في عهد حزب العمل برئاسة رابين، من تغير إستراتيجي في طبيعة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، والمتمثل في نقله من صراع مصيري غير قابل للحل إلا بقضاء أحد الطرفين على الآخر، إلى صراع سياسي قابل للتسوية عبر المفاوضات والتنازلات المتبادلة والاتفاقات.
أما نجاح عمليات اغتيال القيادات الميدانية والسياسية الفلسطينية، فقد حقق صعود المنظمات الفلسطينية الإسلامية المناهضة لأية تسوية سياسية تحول دون مواصلة الكفاح حتى تحرير كل فلسطين، وذلك بالتزامن مع صعود اليمين الإسرائيلي، تماثلا في رؤى الأعداء إزاء مصيرية الصراع والاستعداد لاستخدام الوسائل العسكرية من اجل إفشال المفاوضات والعودة بالصراع إلى مربعه الأول.
وإذا كان من الصعب تحديد من بدأ تلك اللعبة الجهنمية المتمثلة في ثنائي الاغتيال ـ العمليات التفجيرية، فإن اليمين الإسرائيلي، وبخاصة بعد إفشاله المفاوضات وصعوده إلى سدة الحكم عقب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية المسلحة في أواخر عام 2000، وجد في الاغتيال وسيلة مثلى لابتعاث الأعمال التفجيرية الفلسطينية للرد على عمليات الاغتيال، حتى انه يقال إن هناك أدلة على أن بعض العمليات التفجيرية قد تمت بتدبير من أجهزة المخابرات الإسرائيلية نفسها، بهدف إدامة الزخم المطلوب لتحقيق الأهداف المرسومة، والمتمثلة في إلغاء الوقائع التي تحققت في الأراضي الفلسطينية نتيجة المفاوضات السابقة: إعادة احتلال الأراضي التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي وتدمير السلطة الفلسطينية. ومن المثير حقا أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، التي هي حكومة شارون، مخطط ثغرة عام 1973، ومجزرة صبرا وشاتيلا، لم يعدم الحيلة لتبرير عملية إعادة احتلال الأراضي الفلسطينية عبر عمليتي «السور الواقي» و«الطريق الحازم» منذ عام 2002، بالأدعاء بأن عملية إعادة الاحتلال تجري ضمن هدف اغتيال الذين يخططون للقيام بعمليات تفجيرية داخل إسرائيل، حيث صرنا نسمع كل يوم عن اغتيال «مشبوه» في دهاليز نابلس أو الخليل أو أية قرية فلسطينية صغيرة «يخطط لعمل تفجيري في إسرائيل». كما لم يعدم شارون الوسيلة لكسب تأييد الرأي العام الإسرائيلي لعمليات اTغتيال باعتبارها عمليات تنقذ الإسرائيليين من المزيد من العمليات التفجيرية الفلسطينية. ولا يمكن تصور شارون معنيا بحجم الخسائر البشرية المدنية الإسرائيلية الناجمة عن العمليات التفجيرية، طالما أنه قد نجح في إقناع الشارع الإسرائيلي بمصيرية الصراع التي تتطلب من الإسرائيليين تضحيات كبرى، وطالما أنه قد تمكن من الحصول على الاعتراف الدولي بوصم الفلسطينيين الذين يقومون بتلك العمليات ضد المدنيين الإسرائيليين بالإرهابيين الذين يجب القضاء عليهم بأية وسيلة ممكنة، وفي مقدمتها الاغتيال.
وتشير الخريطة الزمنية لعمليات الاغتيال الإسرائيلية إلى أن شارون استمرأ اللعبة نظرا لما تحققه له من مكاسب إستراتيجية، فأخذ يوقت عمليات الاغتيال بحيث تحدث في خضم أية مباحثات أو اجتماعات فلسطينية ـ فلسطينية، أو فلسطينية ـ عربية، تهدف الى ثني المنظمات المذكورة عن الانجرار وراء اللعبة الشارونية والكف عن الرد على عمليات الاغتيال بعمليات تفجيرية داخل إسرائيل. وقد نجح شارون في ذلك نجاحا كبيرا، حيث كانت الاجتماعات تنفض فورا، وتقوم المنظمات بالعملية التفجيرية. ولا يمكن أن يغيب عن البال حقيقة أن شارون قد تعمد، وما زال يتعمد، استهداف ما يوصف بالمعتدلين داخل هذه المنظمات. فقد كان اسماعيل أبو شنب، أحد قياديي حماس، الذي تم اغتياله، يوصف بأنه أحد أبرز المعتدلين داخل حماس، بل إن اغتيال الشيخ أحمد ياسين قد تم بعد اطلاقه عدة تصريحات تشير إلى القبول بوقف العمليات إذا ما أنهى الإسرائيليون احتلالهم للأراضي المحتلة عام 1967، وأقيمت الدولة الفلسطينية عليها. ومن المعروف عن الشيخ ياسين أنه كان قد قبل بهذا الحل خلال مباحثاته مع الملك حسين بعد خروجه من السجن في عام 1997، وذلك حين تحدث عن «هدنة» بعد قيام الدولة الفلسطينية. وقد يكون صحيحا القول إن اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، قد تم في الوقت الذي أخذ الحديث يدور فيه عن استعداده لإعادة النظر في سياسات حماس المتعلقة بهذا الموضوع، فشارون ويمينه الليكودي واليمين الإسرائيلي المتطرف بشكل عام، لا يريدون توقف العمليات الفلسطينية التفجيرية داخل إسرائيل أو توقف أية عمليات مقاومة داخل الأراضي الفلسطينية، طالما أن الأهداف الإستراتيجية اليمينية لم تكتمل بعد، وطالما أن الصراع المصيري المفتوح على اللانهايات لا بد أن يظل مفتوحا.
والسؤال الآن: هل يمكن للفلسطينيين إفشال سياسات شارون واليمين الإسرائيلي عامة وإسقاط مخططاتهم الإستراتيجية؟ نعم بالتأكيد! فشارون ويمينه أكثر هشاشة مما يتوقع الكثيرون، وهو قابل للكسر إلى حد كبير أمام عدالة القضية الفلسطينية وواقعية الغايات السياسية التي أقرتها منظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1988، وذلك إذا ما قررت القيادات الوطنية الفلسطينية الخروج من حالة الشلل السياسي السائدة وإعادة الاعتبار لأهداف عام 1988. ولعل أول ما يتطلبه الأمر هو ارتقاء المنظمات الإسلامية والمقاتلة بشكل عام، إلى مستوى المسؤولية الوطنية العليا، بالإعلان طوعا عن وقف كل العمليات العسكرية سواء داخل الأراضي الفلسطينية وداخل إسرائيل، والإعلان طوعا عن استعدادها لضم كل مقاتليها وأسلحتها إلى القوة الأمنية الفلسطينية الموحدة، والتحول إلى أحزاب سياسية في إطار السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية، والتوجه القوي نحو المجتمع الدولي لإحياء خريطة الطريق وإلغاء خطة شارون الأحادية.
حقا إن السلام القائم على تحقيق العدالة النسبية للفلسطينيين أقوى من كل الحروب، وهو مرشح لصنع المعجزات، حيث يمكن للأجيال الفلسطينية والإسرائيلية المقبلة رؤية فلسطين وإسرائيل وقد توحدتا في دولة واحدة ثنائية القومية أو ديمقراطية بصوت واحد لكل مواطن، فيقول اليهود إنهم حرروا أرض إسرائيل ويقول الفلسطينيون إنهم حرروا كل فلسطين!