استراتيجية الخوف الواعي -2004

الصفحة

سلافة حجاوي

 

نشرت في صحيفة الشرق الأوسط في 3/6/2004

أمام موجة العداء الكاسحة للولايات المتحدة الأميركية التي تعم المنطقة شعبيا وثقافيا، ثمة أصوات تدعو إلى مقاطعة أميريكا والتوجه نحو أوروبا، وذلك من منطلق أن أوروبا أكثر إنسانية وأقل تسلطية وذات روابط «تاريخية» بالمنطقة العربية وأقرب جوارا لها وأعدل موقفا من قضاياها ( أليس غريبا أن يفكر أحد بمثل هذا الكلام؟). ويبدو لي أن هناك تبسيطا سياسيا مفرطا في مثل هذه الدعوات التي تتجاهل حقيقة حجم القوة الأوروبية ومدى قدرتها على التأثير في الأحداث العالمية وكيف ستكون مواقفها فيما لو تحولت إلى قوة عظمى قياسا بالماضي.
عند النظر إلى مثل هذه الدعوات بمنظار شامل، قد يكون صحيحا القول بأننا، نحن العرب، الذين تعودنا الإتكال على هذه القوة أو تلك، بفعل تخلفنا وعجزنا عن تحقيق أي نهوض سياسي واقتصادي واجتماعي يمنحنا القدرة على المناورة بين القوى الدولية بفاعلية وجدارة، على النحو الذي تفعله دول صاعدة كالصين والهند وغيرهما، قد أصبنا منذ اختفاء الاتحاد السوفياتي بحالة من فقدان الوزن، بحيث أصبحنا مكشوفين أمام العالم الذي لا يقيم لنا وزنا ولا يحترمنا.
ولمثل هذه الدعوات صلة بما شاع بعد انهيار الاتحاد السوفياتي من دعوات لقيام نظام دولي تعددي القوى، يحول دون استفراد الولايات المتحدة بالعالم، وذلك ضمن تجاهل تام لحقيقة أن انبثاق النظم الدولية وتشكل القوى، إنما يعتمد على عوامل ذاتية وشروط موضوعية لا تخضع لرغبات هذا الطرف أو ذاك. ولعلنا نذكر كيف لعب الرئيس العراقي السابق صدام حسين على هذا الموضوع، عبر محاولة توزيع عقود استثمار حقول النفط على أطراف منافسة وغير ذلك من المحاولات، وكيف كانت تلك المحاولات أحد الأسباب الرئيسية التي أوصلته إلى أجله المحتوم على يد الولايات المتحدة.
وبغض النظر عن هذه الدعوات وغيرها، فلقد أثبتت كل تفاصيل العمليات السياسية منذ انهيار الإتحاد السوفياتي، أن أوروبا سواء كدول منفردة أو كإتحاد أوروبي، أعجز من أن تؤثر في الأحداث والتطورات الدولية، بما في ذلك قضايا الشرق الأوسط، وأن أي تحرك سياسي لها لا يتم إلا بعد الحصول على الضوء الأخضر الأميريكي، والأمثلة على ذلك كثيرة. وفيما يخص القضية الفلسطينية، يكفي أن نذكر أن الأفكار الخاصة بخريطة الطريق، لم تخرج إلى النور إلا بعد الموافقة عليها أميركيا. بل إن أوروبا، وهذا مثال بسيط، فشلت حتى الآن وبعد أكثر من عشر سنوات من الأخذ والرد مع إسرائيل، في إخراج بضائع المستوطنات من الإعفاء الجمركي الذي تتمتع به البضائع الإسرائيلية، حرصا منها على عدم المس بحجم تبادلاتها التجارية الضخمة مع إسرائيل. مع ذلك، نظل نحن الفلسطينيين ممتنين لأوروبا باعتبارها أحد الأطراف الرئيسية المعيلة لنا، وإن تكن مساعداتها خاضعة أيضا للموافقة الأميركية، وللزيادة أو النقصان وفقا للظروف. وبما أن كل تحرك أوروبي لا بد أن يوافق عليه أميركيا، فلماذا لا نتعامل مباشرة مع أميركا! ثم إننا نحن العرب إذا ما توجهنا إلى أوروبا، سوف نشكل عبئا ثقيلا عليها بدلا من تحويلها إلى قوة عظمى!
وهذا الذي أقوله لا يتضمن أي دفاع عن أميركا أو أية تزكية لها، بل ينطلق من الخوف الواعي منها. فالولايات المتحدة في عصرنا الراهن، مثل أية قوة عظمى ظهرت على مدى التاريخ ومدى العالم، تمتلك من القوة القهرية ما لا يتوفر لدى غيرها، وهي قادرة على فعل الخير كما هي قادرة على ارتكاب الشرور أكثر من غيرها دفاعا عن مصالحها وحفاظا على مكانتها كقوة عظمى.
لذلك يبدو أن الاستمرار في تأليب الجماهير العربية المسكينة ضد الولايات المتحدة عبر ما يبث لها، من أن سبب جوعها وبؤسها وحرمانها من حقوقها السياسية والاجتماعية هو الولايات المتحدة، لن يفيد في إضعافها أو تقوية أوروبا، بل إنه لا يصب إلا في مصلحة الموجة الإسلاموية المتطرفة المتجهة نحو إغراق المنطقة بحرب مغولية أهلية وإقليمية لا تبقي ولا تذر.
ويجدر بنا عدم نسيان حقيقة أننا «نحن» الذين اعتدينا على عرين الأسد، حين قمنا بنسف رمز قوة وكبرياء أميركا في نيويورك وواشنطن، ذلك الحدث الذي لم يحدث له مثيل في تاريخ أميريكا، والذي تتضاءل أمامه عملية تدمير الأسطول الأميركي في بيرل هاربر، في بداية الحرب العالمية الثانية بكل ما أدت إليه من نتائج على اليابان. ولا يفيد القول بأن حفنة مارقة أو ضئيلة غير شرعية هي المسؤولة عن ذلك الفعل، وبخاصة أن الإيديولوجيا التي كانت وراء تلك الفئة لا تعبر عن أفكار تلك الفئة الصغيرة أو الكبيرة فقط، بل هي آخذة في الانتشار بين الجماهير، وبين شرائح واسعة من المثقفين والسياسيين، حيث تشكل موجة العداء الكاسحة ضد أميركا تعبيرا عنها وتبنيا لها.
ولا يمكن إغفال حقيقة أن الولايات المتحدة قد تغيرت منذ أحداث سبتمبر 2000. وإذا كان رد فعلها على ما فعلته اليابان قد وصل إلى حد استخدام السلاح النووي ضدها، فإن ردود فعلها حتى الآن، سواء باحتلال العراق، بما في ذلك تعذيب السجناء في أبو غريب أو غير ذلك من الأعمال، وتجميد دورها في عملية التسوية الفلسطينية ـ الإسرائيلية، ودعمها لسياسة القبضة الحديدية الشارونية، قد لا تكون إلا مقدمة بسيطة لما ستقوم به لاحقا إذا ما تمادى العرب في هذه اللعبة الجهنمية.
وإلى حين ذلك، فإن الولايات المتحدة، لن تحتاج إذا ما ازدادت الأمور الحالية تأزما بالنسبة لها، لأكثر من الانسحاب من العراق لكي تتفرج على المشهد، وتنتظر الساعة التي قد تحتاج فيها إلى قطف الثمار التي ستكون قد اينعت.