ادوارد سعيد ومحرقة اليهود-1998

الصفحة

 

سلافة حجاوي

نشرت في صحيفة الأيام في 25/1/1998

 

منذ أن قرأت مقالة  الدكتور إدوارد سعيد التي نشرت في صحيفة الحياة اللندنية في 5/11/1997 ثم في القدس المقدسية في 6/11/1997، رحت أقلب هذه المقالة فأعيد قراءتها حيناً وأضعها جانباً حيناً آخر،  إلى أن استقر رأيي على كتابة ملاحظاتي حولها . كان ذلك بدافع أن الموضوع الذي عالجه المفكر الفلسطيني في هذه المقالة، غريب كل الغرابة  وجديد كل الجدة بالنسبة إلى كتاباته السابقة . هذا بالاضافة إلى حقيقة أنه موضوع  مثير للنقاش الحاد . فالموضوع  هو : علاقة محرقة اليهود التي ارتكبها النظام النازي في الحرب العالمية الثانية ، بكارثة الفلسطينيين التي ارتكبها اليهود الصهيونيون في العام 1948 ، والسبيل الى الخروج من تلكما التجربتين الرهيبتين ، وصولاً إلى تعايش فلسطيني
– عربي – يهودي على أسس إنسانية تتجاوز النعرات العرقية والعنصرية ، في شكل دولة عربية يهودية ، أو غير ذلك مما تطرحه الإحتمالات الفكرية .

فأولاً، يهاجم الكاتب في هذه المقالة الفلسطينيين والعرب الذين ينكرون حدوث محرقة اليهود أو يشككون في عدد اليهود الذين أبيدوا في تلك المحرقة . وأنا أؤيده في ذلك كل التأييد ، بل إني أشك في وجود أحد من المثقفين الحقيقيين، فلسطينيين أم عرباً  بشكل عام، من ينكرون حدوث تلك المحرقة . فهي  حقيقة  واقعة . وأذكر أنا شخصياً  أن زوجي  الراحل ، الشاعر العراقي كاظم جواد، قد كتب  قصيدة  في الستينات بعد زيارة له إلى معتقل بوخينفالد الذي أبيد فيه العديد من اليهود ، جاء فيها:

لكن شيئا لم تزل تندى له الجباه

يذكر أن طفلة كالفجر في صباه

قد صنعوا من شعرها

يا اأف آه آه

سجادة يمشي عليها حرس الطغاة.

 

هذه هي  تربيتنا ثقافياً . وليس هناك أي شك بالتأكيد ، في  أن إنكار ما تعرض له اليهود من محاولات إبادة عرقية في ذلك الحين ، إنما هو خطيئة أخلاقية شنيعة لا تغتفر. كما إنني لا أعتقد بأن هناك  من المثقفين الحقيقيين الفلسطينيين والعرب من يسمح لنفسه  بالانجرار وراء لعبة “العدد”  ، وما إذا كانت  النازية  قد أبادت مليوناً  أم ستة ملايين من اليهود، وذلك لأن العدد لا يغير من حقيقة الجريمة  وبشاعتها ولا إنسانيتها. وإذا  كان هناك من أدعياء الثقافة  من  يسمح لنفسه أن ينجر وراء لعبة العدد هذه ، فهذا مؤسف حقاً . لان مثل هؤلاء  لا يسيئون فقط إلى كل  ما هو  إنساني وأخلاقي في عذابات البشر ، بل إنهم يسيئون إلى كل  البشر الآخرين الذين يتعرضون  للقهر  والتهجير والإبادة  على أسس عرقية  ، وفي مقدمتهم الشعب  الفلسطيني . ذلك أنهم  بإنكارهم لمآسي الآخرين أياً كانوا، إنما  يتيحون  الفرصة ويوفرون المبرر  لمرتكبي أية جريمة ضد الإنسانية مهما كان شكلها ومستواها، لإنكار ما اقترفوه أو للتقليل من هول ما اقترفوه.. فالإنكار  للوقائع  المؤكدة ، ومحرقة  اليهود على يد النازية  واقعة مؤكدة ، هو مبدأ شرير سمته الأساسية هي الجبن .

غير ان المشكلة في مقالة الدكتور إدوارد سعيد ، انما  تكمن في ذلك الربط بين المحرقة  النازية لليهود والكارثة الفلسطينية  ، وذلك من خلال تأكيده على أن هناك” ترابطاً عضوياً ” بين التجربتين ، وأن العلاقة  “واضحة “بينهما ، بمعنى أن الكارثة الفلسطينية لم تحدث إلا نتيجة لما حصل  لليهود خلال الحرب العالمية،  والذي أدى بدوره إلى تشويههم  على نحو أدى بهم إلى ارتكاب ما ارتكبوه ضد الفلسطينيين . هكذا يلغي المفكر الفلسطيني كل تاريخ الحركة الصهيونية وكل ممارساتها وأيديولوجياتها والسياسات والاستراتيجيات التي تفضحها آلاف الوثائق والممارسات،  لكي يحيل ما ارتكب بحق الفلسطينيين من جرائم إلى حدث عشوائي  قاد ” بالضرورة ”  إلى كارثة الفلسطينيين  ” وليس بالإرادة المتعمدة ” كما يقول . إن هذا التبسيط المزري ، الذي يحيل كل ما  أصاب الفلسطينيين إلى ضربة قدر،  إنماتنزع المسؤولية عن الجهة التي  ألحقت بهم كل تلك الكوارث ، ليثير  الاشمئزاز حقاً .

ولا يقف الأمر عند هذا الحد ،  بل إن الكاتب ما يلبث أن يصف التجربتين ” المترابطتين عضوياً ” ، بأنهما ” غير متساويتين  ولا متكافئتين” ، بمعنى أن ما حدث  لليهود في العهد النازي غير قابل للمقارنة مع ما حصل للفلسطينيين ، لأن التجربة اليهودية أشد هولاً بكثير من التجربة الفلسطينية ، ويستطرد متسائلاً : ” من منا يريد أن يساوي  بين الإبادة والسلب ؟ إن من السخف حتى محاولة ذلك ! ” . ومن الواضح أن مثل هذا الحكم القيمي الذي يصدره المفكر الفلسطيني ، هو حكم مرفوض أخلاقياً وانسانياً ، فضلاً عن أنه ولا شك مرفوض من قبل ملايين  الفلسطينيين الذين ما زالوا يجترّون محرقتهم اليومية  منذ نصف قرن من الزمان . ولو كان هناك ميزان يزن عذاب الفلسطينيين وموتهم اليومي في محارق الصهيونية المعاشية والمعنوية والاجتماعية والسياسية ، وعلى مدى  زمان يكاد يربو على القرن ، لرجحت كفة عذابات الفلسطينيين على كفة عذابات اليهود ، تلك العذابات التي خفف منها وقلصها، إن لم يكن قد أنهاها ، ذلك التعويض الهائل الذي حصلوا عليه ، بما في ذلك ثلاثة أرباع أو تسعة أعشار وطن وأملاك الشعب الفلسطيني .

نأتي  بعد ذلك إلى مسألة الإعتراف المتبادل بمآسي الطرفين كأساس للتعايش المقبل، حيث يطالب المفكر الفلسطيني الفلسطينيين بالاعتراف بالمحرقة  اليهودية، بالعذابات اليهودية، وبحقيقة أن يهود إسرائيل ” هم نتاج المحرقة ” ، مقابل اعتراف اليهود بالكارثة  الفلسطينية بحيث يتم التعايش بين الطرفين . إنني لا أستهين  بهذه الصورة  المثالية  الزاهية التي يطرحها الكاتب الفلسطيني ، فعلى مستوى الأخلاق والمبادئ ، لا يمكن لأي  مثقف حقيقي إلا أن يتمنى لو ان البشر ينصاعون لحقيقة أن البشر سواء ، وأن أي كسب  لمجموعة  بشرية على حساب مجموعة بشرية أخرى ، هو في المطاف  الأخير خسارة  للمجموعة  المنتصرة  ، وأن التعايش  على الرغم من الخصوصيات التاريخية  لازمة  ثقافية حضارية  تميز البشرية عن مجتمع الغاب الحيواني . غير أن الأماني  شيء والواقع شيء آخر . ففي  عالم السياسة  ، الذي هو الواقع ،  فنحن  لا نتعامل مع هذه المثاليات ، وإنما نتعامل مع ما يعنيه الإعتراف.

فالاعتراف في عالم  السياسة يتضمن الاستعداد لرد الحقوق او التعويض . هذا ما حصل مؤخراً في كندا  حين اعترفت  الحكومة الكندية بما ارتكبه المستوطنون الأوروبيون  من جرائم بحق السكان الأصليين ، وما زالت الحكومة الأسترالية مترددة في الاعتذار والاعتراف بما ارتكبه المستوطنون الأوروبيون في أستراليا ، حيث يبدو أنها ما زالت  ترفض الإستجابة لمطالبهم باسترداد أراضيهم أو تعويضهم عنها .

ويبدو  واضحاً أن السبب الرئيس الذي  يحول دون اعتراف يهود إسرائيل  بالكارثة الفلسطينية  هو إحجامهم عن الإستعداد لرد الأراضي والممتلكات الفلسطينية المستلبة وتعويض الفلسطينيين  عن العذاب الإنساني الذي تعرضوا له نتيجة  ذلك السلب والطرد والمجازر التي ارتكبوها.

ولقد ظهرت  منذ أواسط الثمانينيات موجة من الكتابات اليهودية  النقدية الشجاعة التي تعترف بالكارثة الفلسطينية  وتطالب  الحكومة والمجتمع الإسرائيلي بالاعتراف  بها وبحقيقة أن إسرائيل  قد قامت كمشروع إستعماري إستيطاني . وهناك من يعتقد أن تلك الكتابات كانت حافزاً لبعض المراجعات الفكرية  في صفوف حزب العمل ، وبخاصة  أن رئيس الوزراء الاسرائيلي المغدور ، إسحق رابين ، كان أول من اعترف في أحد كتبه بما اقترفه من عمليات طرد متعمد للفلسطينيين في عام 1948.

وقد شكلت  إتفاقات أوسلو خطوة  يهودية أولية  على طريق الإعتراف بالكارثة الفلسطينية ، وبخاصة أن مسألة  اللاجئين  الفلسطينيين  قد وضعت  بشكل رسمي ولأول مرة على جدول مباحثات الحل النهائي – على الرغم من أن الدكتور إدوارد سعيد  يرفض الإقرار بهذه الحقيقة – وذلك مقابل الإعتراف الفلسطيني بالدولة  اليهودية دون أن يمس ذلك الإعتراف  بحقوق اللاجئين  الفلسطينيين .

وقد يكون صحيحاً القول  أن ذلك الإعتراف  اليهودي الأولي  بالكارثة  الفلسطينية الذي حققته إتفاقات أوسلو كان وراء المناهضة  اليهودية اليمينية الشرسة لهذه الاتفاقات ، والتي  وصلت إلى حد قتل رئيس الوزراء والاستيلاء على الحكم ، حيث يمعن  اليمين الحاكم  حالياً في تغييب مسألة الإعتراف بالمسؤولية اليهودية عن الكارثة  الفلسطينية من خلال الإمعان في الادعاء بأن لهم حقوقاً ” تاريخية ودينية ” ، ليس فقط في الأراضي الفلسطينية المستلبة عام  1948 ، وانما  كذلك في الأراضي الفلسطينية المحتلة  عام 1967 .

هكذا تبدو مطالبة  الدكتور ادوارد سعيد، للشعب الفلسطيني بالاعتراف بالكارثة  اليهودية غريبة حقاً . وفي حين  لا يفصح الكاتب عن ماهية ” التعويض ” الذي يطالب الفلسطينيين بتقديمه لليهود ، فإن توصيفه السابق للتجربتين ، حيث  يضع الكارثة  الفلسطينية في مرتبة أقل من مرتبة الكارثة اليهودية ، قد تعني  أنه يطالب شعبه بتقديم ” تعويضات جديدة “،  وبخاصة أنه يرفض  إقامة دولة فلسطينية في  الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ، ولم يقل بأنه لا يعترف بالدولة اليهودية، بل يطرح في حله النهائي تعايش اليهود والفلسطينيين معاً في دولة واحدة.

وقد نقول : عظيم ! ألم يطالب الفلسطينيون منذ السبعينيات بدولة ديمقراطية  على كل فلسطين الانتدابية،  بل  ومنذ العشرينات ؟ وأن استحالة تحقيق هذا الحل نتيجة رفض اليهود له هو الذي أدى الى البحث عن حلول وسط تضمن  للشعب الفلسطيني السيادة على جزء  من وطنه قبل ضياع هذا الجزء  ، والتفاوض من  منطلق  الإعتراف المتبادل بكارثة  كل طرف،  على حل لحقوق اللاجئين ؟

والمثير  حقاً هو أن الدكتور سعيد يقر بـأن الوصول إلى  حالة التعايش  الفلسطيني  اليهودي في دولة واحدة ، ” أمر بعيد المنال ” لأنه يحتاج الى جهود جبارة للوصول اليه .

وطالما أن المسألة  طويلة ،  والتعايش بعيد ،  فلماذا يصر المفكر الفلسطيني على رفض إقامة دولة فلسطينية  على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ؟ أليس من شأن هذه الدولة أن تضع بعض الأسس الجديدة التي قد تؤدي  ” بعد زمن قصير أو طويل ” الى التعايش ؟

إن اعتراف الشعب الفلسطيني بالكارثة اليهودية لم يعد ممكناً إلا على شكل  اعتراف معنوي لا يقدم ولا يؤخر كثيراً في الوضع السياسي. وزيارة الرئيس عرفات لمتحف المحرقة في الولايات المتحدة والتي أؤيدها، تندرج ضمن ذلك وتشكل دحضاً لتلك الادعاءات بأن الشعب الفلسطيني لا يعترف معنوياً وأخلاقياً بالمحرقة اليهودية . وإن الاساس السليم  الوحيد للتعايش هو الإعتراف  اليهودي الإسرائيلي الكامل والحقيقي بمسؤوليتهم عن الكارثة الفلسطينية  ، بكل ما يترتب على ذلك من رد للحقوق ومن تعويض ، من وضع نهاية لتلك المحارق  النفسية والمعاشية والسياسية التي يعيشها الشعب الفلسطيني.