ولكن السلطة لم تعد قادرة

الصفحة

 

سلافة حجاوي

نشرت في صحيفة الشرق الأوسط في9/2/2004

 

تسود الساحة الفلسطينية، بمستوييها الثقافي ـ السياسي والجماهيري، بلبلة عارمة إزاء الوضع وما آل إليه بشكل عام. فهناك من يعتبره وضعا مأسويا إلى حد ينذر بكارثة مؤكدة مقبلة إذا ما استمر الحال على ما هو عليه من شلل سياسي راهن. ويندرج في هذا التيار ـ الصغير نسبيا ـ عدد من المثقفين والسياسيين الذين يعبرون عن آرائهم إما في حلقات مغلقة أو مناقشات حادة لا تسفر عن شيء، أو في مقالات، تنشر، ولا يقرأها سوى نفر قليل، وتنتهي في الأرشيف. وقد تجد بينهم من يرغب في ممارسة الترف الفكري، فيتحدث عن احتمالات مستقبلية بعيدة بلغة تهديدية أو تبشيرية، كالحديث الذي يجري عن دولة ثنائية القومية. وقد تجد من لا يزال يناقش اتفاق جنيف، فيتحمس كما لو أن الاتفاق سينفذ غدا، ويرد آخر بالتحفظ إلى حد الامتعاض على التنازل عن حق مقدس هو حق العودة. وهناك من يرى أن الوضع الراهن يشكل ذروة ما قبل الانتصار الأخير: ولم لا؟ فالمقاومة متواصلة ومتصاعدة وتلحق أذى بإسرائيل يفوق ما ألحقته بها كل الحروب الإقليمية السابقة، ورسالة الشعب الفلسطيني هي الرباط بالبندقية إلى يوم الدين. إلى جانب هؤلاء، هناك الشارع الفلسطيني الحائر بينهما. فثمة من يؤيد العمليات التفجيرية داخل إسرائيل، ويشعر بالسعادة كلما وقعت إحداها، لأنه يجد فيها نوعا من الانتقام له عما ذاقه من ويلات على يد إسرائيل. وهناك من لا يرغب في هذه العمليات، ولكنه يريد استمرار المقاومة المسلحة في الضفة الغربية وقطاع غزة حتى طرد الاحتلال. وهناك من يقول: لا بأس من العودة للمفاوضات، وإنما مع استمرار المقاومة المسلحة جنبا إلى جنب، أليس هذا هو الذي فعلته فيتنام؟ وفي سياق هذه الآراء، التي لا تعدو في معظمها أن تكون آراء مشحونة بالعاطفة والآلام التاريخية، يدور الحديث، العابر أيضا، عن احتمالات التهجير والكانتونات. وكل ذلك في خضم الإحساس بالعجز واللا حول، وفي خضم رغبات العاطلين عن العمل في الحصول على تصاريح للعمل في إسرائيل، والخوف من البوح بحقيقة ما يشعرون به أو يعتقدون .وليس الشارع الفلسطيني فقط هو الذي يخاف أن يبوح. فالكثير من المثقفين والأكاديميين والنساء والعاملين في القطاع الخاص، وغير هؤلاء، يخشون البوح بما في مكنوناتهم أمام طغيان الخطاب العسكري وشعارات «شرعية البندقية» التي تقف لهم بالمرصاد،

من المثقفين الذين يرون بأن الكارثة مقبلة إذا ما استمر الحال الفلسطيني الراهن على حاله، من يطالب السلطة الفلسطينية، والرئيس ياسر عرفات بالذات، بالتحرك فورا و«قلب الطاولة»، كما جاء في مقالة عماد شقور، التي نشرت على موقع «الشرق الأوسط» على الانترنت في التاسع والعشرين من يناير الماضي. ولكن الحقيقة المرة التي تغفلها هذه المطالبات، هي أن السلطة الفلسطينية لم تعد قادرة على «قلب الطاولة» حتى لو أرادت ذلك. فموازين القوى الداخلية، ممثلة بالسلطة وما يوصف بعمودها الفقري «فتح»، والتنظيمات والمنظمات والحركات القديمة والجديدة، اختلت على نحو لم يعد فيه للسلطة أي رجحان كفة أمام القوى الأخرى، منفردة أم مجتمعة. ناهيك عن أن حركة «فتح» لم تعد جسما موحدا نسبيا على النحو الذي كانت عليه فيما مضى. وأجهزة السلطة منحلة أو مبعثرة أو متناحرة، والمؤسسات تحولت إلى هياكل عظمية متهاوية، ولذلك، فإن الحديث عن احتمالات حرب أهلية إذا ما أقدمت السلطة على أية خطوة باتجاه السيطرة على المنظمات المسلحة، لن يكون حديثا وهميا.

ما العمل، كما يتساءل الكثيرون؟ أقول: لماذا لا نعود إلى الشعب، إلى الشعب المرابط بأجساده، وليس ببنادقه، فوق الأرض؟ إن الشعب الفلسطيني بكل فئاته وشرائحه وطبقاته، مغيّب عن عملية صنع القرار التي تستأثر بها منظمات لا تشكل إلا جزءا من الشعب. ولا يمكن لمثل هذه العودة أن تتم إلا عبر إجراء استفتاء عام يقوم على سؤال واحد بسيط: ليس أمامك سوى الاستمرار في المقاومة المسلحة أو العودة للمفاوضات من دون مقاومة مسلحة، ماذا تريد ؟ فإذا قال 51 في المائة إنهم يريدون الاستمرار في القتال، فليكن، وليتحمل الشعب تبعات قراره. وعلى السلطة في ضوء مثل هذه النتيجة، أن تحل نفسها وتسلم الزمام للمنظمات المقاتلة. أما إذا قال 51 في المائة بأنهم يريدون العودة للمفاوضات، فيتحتم على الجميع الانصياع لإرادة الشعب، واتخاذ الإجراءات اللازمة وفقا للمبدأ الديمقراطي بكل مفرداته من انتخابات وأحزاب وحق في تداول السلطة وحرية القول والكلام وحرية الإنسان. قد يقول قائل: لقد فقدت الجماهير الثقة بالمفاوضات وبنيّات إسرائيل. ويمكن الرد على ذلك بالقول: حقا إن الجماهير محقة في عدم الثقة، ليس فقط بإسرائيل، بل وبالمفاوضين الفلسطينيين. وهذا يعني أنها ستقترع لصالح استمرار المقاومة المسلحة وتحمل تبعات اقتراعها. ولكن، من قال إنها لم تفقد الثقة بالمقاومة المسلحة أيضا؟ كما إن ممارسة الاستفتاء ستمنح الجماهير قوة وثقة تجعلها قادرة على أن تمارس رقابتها على المفاوضين وعلى فرز مفاوضين أكثر كفاءة وقدرة ومهارة من السابقين. وقد يقول قائل: وماذا إذا رفضت المنظمات المقاتلة مبدأ الاستفتاء، أو الانصياع للمبدأ الديمقراطي بعد الاستفتاء؟ في مثل هذه الحالة، سيكون على الشعب أخذ زمام المبادرة: الخروج بمظاهرات حاشدة متواصلة تطالب بإعادة الشرعية للشعب. إن الاتحادات والنقابات والمنظمات الأهلية والنسائية وغيرها من تكوينات اجتماعية، على الرغم من أنها هي الأخرى قد تحولت إلى تنظيمات ضعيفة ومهلهلة، مطالبة بلملمة أشلائها والانطلاق لتهيئة وحث الجماهير للخروج لانتزاع شرعيتها والتصويت لحقها في تقرير مصيرها، وحقها في الاختيار وفي فرض الاختيار: البندقية أم المفاوضات. فمن سيقرع الجرس؟