مبدعة تتحدث عن نفسها- كراس

الصفحة

 

مبدعة تتحدث عن نفسها

سلافة حجاوي الشاعرة والناقدة الأدبية والسياسية

النسخة المطبوعة في الكراس

الصادر عن صالون نون

بإدارة الناشطتين المثقفتين فتحية صرصور ومي نايف في غزة

غزة 2005

 غزة – فتحية إبراهيم صرصور

عند الخامسة من بعد عصر يوم الثلاثاء الثالث من مايو التأم جمع رواد صالون نون من الصفوة المثقفة ليستمعوا لمبدعة تتحدث عن نفسها، بدأت الأستاذة فتحية الجلسة بقولها خروجا عن المألوف في صالون نون الأدبي – حيث اعتاد رواد الصالون منا الحديث عن، المرأة ما كتبته وما كتب عنها، أو قراءة في أعمال امرأة مبدعة – فإننا اليوم نفسح المجال للمبدعة لتتحدث عن نفسها، أما أنا فاسمحوا لي أن أقول شيء في إنسانيتها والإنسان موقف – عندما كان الصالون فكرة توجهت وصديقتي – مي نايف شريكتي في الصالون – لأستاذتنا الكبيرة، عرضنا عليها فكرة لم تخرج للنور بعد فوجدنا منها آذانا مصغية ونظرة ثاقبة رأت فيها نجاح فكرتنا، وكانت والسيد الوزير ناهض الريس ضيوف الحلقة الأولى باكورة جلساتنا في الصالون لتأخذنا في” إطلالة على الكتابة النسائية في فلسطين”، منذ ذلك اليوم وهي تدعم جهدنا وتبارك خطواتنا ولا تألو جهدا في توجيهنا، ونحن لا نجد حرجا في التوجه إليها، كلما شعرنا بحاجتنا لخبرتها وحنكتها، إنها الكاتبة، الشاعرة المترجمة المبدعة الأستاذة سلافة حجاوي، التي كتبت في الأدب والشعر – كتبت في السياسة – وترجمت في السياسة والأدب.

وقالت فتحية: كثيرة هي الأسئلة، إلا أنني سأفعل خيرا إن لم أقيد حديثها في إجابات، لتنطلق على سجيتها مختارة الزمان والمكان اللذين ترغب في الإقلاع منهما في رحلة الذكريات والبدايات.

استهلت الأستاذة سلافة حديثها بالشكر لصالون نون والقائمات عليه، وشكرت المجتمعين الذين أتوا ليشاركوها هذه اللحظات العصرية، وقالت قد يكون أصعب شيء أن يتحدث الإنسان عن نفسه، فإما أن يفخر بنفسه ويضخم إنجازاته، أو أن يتواضع ويقلل من إمكانياته، أما أنا فسأقف بين بين، لن أفاخر لأني أعرف كيف يكون المرء محايدا في شأن نفسه، ولن أقلل من شأني لأني أعتز بكل ما أنجزت.

ثم ولجت في عرض صفحات من حياتها قائلة:

شهدت حياتي حتى الآن، حيث العام هو 2005، عدّة مراحل لعبت أدوارا مختلفة في صياغة شخصيتي وتكوين ثقافتي، وتحديد طبيعة أعمالي الأدبية والثقافية والتأثير في توجهاتها. وقد تخللت تلك المراحل – وأهمها مرحلتان؛ هما مرحلة الطفولة في مدينة نابلس، ومرحلة النضج في مدينة بغداد (العراق) – أحداثا جساما خلّفت بصماتها العميقة عليّ كإنسانة، وعلى أعمالي بشكل عام، فالمكان والزمان هما اللذان يخلقان البيئة الاجتماعية التي تؤثر في الإنسان، وتحددان إلى جانب عوامل الوراثة، طبيعته وشخصيته وتجليات ثقافته. ولا يمكن للإنسان الفكاك منهما أو التمرد عليهما مهما حاول ذلك، فنابلس هي الحاضنة الأولى التي احتضنت إرهاصات نمو شخصيتي ونويات توجهاتي الأدبية والثقافية، أما بغداد؛ فهي البوتقة التي نضجت فيها تلك الإرهاصات.

عن مرحلة الطفولة في نابلس تقول: ولدت في نابلس عام 1934، وكنت الطفل الأول والوحيد لوالدي لمدّة نحو اثني عشر عاما، حيث لم تنجب أمي أخوتي وأخواتي إلا بعد ذلك، هكذا عشت المراحل الأولى من طفولتي، وحيدة مع والد صارم يتمتع بشخصية قوية وذكاء واضح، وأم ضعيفة مسكونة بهاجس عدم إنجاب أطفال آخرين، أو ولد ذكر على أقل تقدير، ترضي به حاجة رجل شرقي مثل أبي، يتطلع إلى أن يكون له ولد يحمل اسمه ويواصل سلسلة عائلته.

كان لنشأتي كطفلة وحيدة، وفي عائلة من أعمام وعمات ليس لهم أطفال، أثر كبير على توجهاتي، فأنا حتى الآن أُؤثر الوحدة، ولا أرغب في الإكثار من الكلام، وأُفضّل التأمل والتفكير على الجلسات الاجتماعية الصاخبة، وقد يكون هذا التأثير الاجتماعي منذ طفولتي هو الذي لعب دورا كبيرا في توجهاتي نحو الاهتمام بالفنون والآداب التي هي في طبيعتها فنون ذاتية، تتطلب قدرا كبيرا من الإحساس بالتوحد والفردانية، والقدرة على التأمل.

فبعد أن دخلت المدرسة انصب اهتمامي على الدراسة أكثر من اللعب، وأصبحت المطالعة تشغل معظم أوقات فراغي، وكان في المدرسة التي واصلت بها دراستي حتى مرحلة الثانوية مكتبة زاخرة بالكتب، وما إن وصلت المرحلة النهائية حتى كنت قد التهمت كل الكتب الموجودة، كما أنني توجهت إلى الرسم، حيث كنت أقضي العطل المدرسية منهمكة في الرسم، حتى ظن الكثيرون أنني قد أتطور إلى رسامة مرموقة، وبعد أن تخليت عن الرسم واتجهت لاحقا نحو الشعر، قال الكثيرون بأنني في قصائدي إنما أرسم بالكلمات بدلا من الريشة.

ولم تكن نشأتي كطفلة وحيدة هي العامل الوحيد في توجهي نحو الفنون والآداب، فقد نشأت في عائلة يمكن وصفها بأنها عائلة مثقفة، صحيح أن أبي لم يكن يبدي اهتماما واضحا بالقراءة وملاحقة الأفكار، ولا أذكر أنني رأيته يطالع سوى الصحف التي كانت تصدر أو تصل إلى نابلس، غير أنني كنت أحس بأنه يحمل في رأسه أفكارا كثيرة، ويتحدث عن أرسطو وأفلاطون اللذين لم أكن قد سمعت بهما في ذلك الحين، فقد كان أبي خياطا لبدلات الرجال، ولا أعرف كيف أصبح أبي خياطا، كل ما استطعت معرفته هو أنه قد أجبر من قبل والده لترك المدرسة في سن مبكرة للعمل من أجل المساعدة في تربية نحو ثمانية أخوة وأخوات أخذوا يصلون إلى الحياة تترى، ولكنني كنت أعرف أيضا أنه لم يكن خياطا عاديا، وأن شخصيته الفذة والقوية ما لبثت أن جعلت منه خياطا فنانا لم يتردد في السفر إلى بيروت لدراسة فن الخياطة، ولكي ينتهي إلى صديق حميم لمعظم الشخصيات السياسية الفلسطينية والذين أصبحوا يأتون إليه من كل المدن الفلسطينية الأخرى لكي يخيط لهم بدلاتهم، وفي مقدمة هؤلاء الحاج أمين الحسيني الذي ما لبثت الصداقة أن أحكمت بينهما وأصبح أبي أحد أتباعه المقربين، ومن ثم اكتوى بنار صراعات الحركة الوطنية الفلسطينية وهرب معه إلى بيروت في 1937حين اشتدت ملاحقة الإنجليز للحاج أمين وأتباعه.

أما بقية أعمامي وعماتي فكان مجالهم هو مجال التعليم والثقافة، ففي الثلاثينيات كان اثنان منهم؛ مديرين لأكبر مدرستين في نابلس، وكان عمي الثالث مدرسا أيضا، وكانت أجواء العائلة في بيت جدي أجواء ثقافة، تعج بالمجلات والكتب المجلوبة من مصر وغيرها، وتذكر شاعرتنا الكبيرة فدوى طوقان في كتابها ” رحلة جبلية ” فضل عمتي فخرية عليها في تشجيعها على كتابة الشعر، وعلى تزويدها سرا – حين أخرجها أهلها من المدرسة وحجزوها في البيت – بالكتب والمجلات المختلفة.

هكذا كان طبيعيا لي أن أهتم بالثقافة والأدب وعالم الأفكار منذ وقت مبكر في نابلس. وتذكرني معلمة اللغة العربية في مدرسة العائشية ، الأستاذة الفاضلة لواحظ عبد العادي، كيف كنت متميزة في درس الإنشاء وأن النصوص التي كنت أكتبها خلال أواخر المرحلة الابتدائية وما بعدها كانت نصوصا متميزة، وما زلت أذكر محاولاتي الأولى في كتابة الشعر في أواخر مرحلة نابلس، حيث كنت اختبئ أحيانا خلف باب الدار لكي أسلم الشاعرة فدوى طوقان لدى خروجها مع أهلها من زيارة عماتي، نصا لكي تبدي رأيها فيه وكانت تضحك وتشجعني.

كانت كارثة عام 1948 سببا مباشرا في نهاية مرحلة نابلس التي لم تنضج ولم تتبلور إلى شيء مميز بالنسبة لي، باستثناء أنني ازددت وعيا بأمور الحياة، وأصبحت أشد رهافة في أحاسيسي إزاء الحياة وكوارثها، لم تكن كارثة 1948 مفاجأة بالنسبة لي فقد امتزجت طفولتي بالأحداث السياسية منذ النصف الثاني من الثلاثينيات عبر الصراعات السياسية بين المجلسيين والمعارضة في نابلس، والتي انغمر فيها والدي على نحو زج بالعائلة كلّها في خضم ذلك الصراع.

وما إن ختمت كارثة 1948 آخر فصولها حتى كانت مدينة نابلس قد تحولت إلى مدينة مخنوقة وقد انقطعت شرايين حياتها الاقتصادية والاجتماعية مع مدن فلسطين الزاهرة سابقا، وتوقفت الأعمال ولم يكن والدي على استعداد للهجرة شرقا إلى عمان بسبب مواقفه السياسية، فآثر الاستجابة لإغراءات الضباط العراقيين بالسفر للعمل في بغداد، هكذا قرر في عام 1951 أن نرحل إلى بغداد، وكان عمري آنذاك سبعة عشر عاما، حيث ما لبثت أن دخلت جامعة بغداد لكي تبدأ مرحلة جديدة في حياتي.

بدأت في بغداد المرحلة الأهم والأشد ثراء وتحديا في حياتي، دخلت كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية في جامعة بغداد عام 1952، وكانت هذه الكلية في ذلك الحين وخلال السنوات اللاحقة حتى عام 1956 حين تخرجت- وحصلت على المرتبة الأولى بامتياز وعلى جائزة العميد- تعج بالنشاط الثقافي والسياسي على نحو لم أعهده في مدينة نابلس الهادئة والمحافظة، وكان الطلاب والطالبات على مختلف اتجاهاتهم السياسية من قوميين وشيوعيين وبعثيين وغير ذلك، يشكلون حالة فريدة من الفاعلية والانفعالية، وهؤلاء هم الذين ما لبثوا أن شكلوا مختلف القيادات في الحركات الثقافية والسياسية التي ما لبثت أن صعدت إلى المسرح الاجتماعي العراقي في أواخر الخمسينيات وعقد الستينيات، وقد تحولت كلية الآداب خلال تلك الفترة إلى بؤرة استقطاب يؤمها جميع المثقفين بين الطلاب في الكليات الأخرى، وكان كل ما فيها من نشاط كالندوات والجلسات والنقاشات والمناظرات مثيرا إلى حدّ الانبهار، ولم يكن غريبا بالنسبة لي، وهو غريب حقا، وأنا القادمة من سكون مدينة نابلس، أن أنخرط بقوة في كل هذه الأجواء، وأن ألقى ترحيبا منقطع النظير من الجميع، وبخاصة أنني كنت الطالبة الفلسطينية الوحيدة في الكلية، أضف إلى ذلك أنني ما لبثت أن انخرطت في المجادلات السياسية العاصفة حول قضية فلسطين وكارثة 1948، بل إن دراستي في قسم الأدب الإنجليزي، وتميزي في هذا القسم تحديدا، ما لبث أن أفسح المجال لي للانخراط في المناقشات الأدبية والثقافية العامة، إلى جانب الهم السياسي والمعارك العاصفة فيه، وقد تنازعني خلال تلك السنوات اتجاهان، هل أنغمر في الرسم وبخاصة أن الحركة التشكيلية في الكلية كانت تشهد صعودا ويرأسها أستاذ رسام عراقي مرموق أخذ يشجعني، أم أواصل محاولاتي الشعرية التي استهوتني وبخاصة أنني من خلال دراستي للأدب الإنجليزي تعززت في كراهيتي للقصيدة العربية العمودية التقليدية، وأخذت أبلور مفهوما جديدا للشعر يقوم على وحدة الموضوع والصور، وغير ذلك من مقومات الشعر الحديث.

لم يكن ممكنا لي أن أختار اتجاها، وذلك لسبب هو أن هناك ظروفا وشروطا تدفع الإنسان باتجاه ما دون أن تكون له حرية الاختيار؛ وكانت هذه الظروف هي تعرفي إلى الشاعر كاظم جواد، الطالب في ذلك الحين بكلية الحقوق، والذي كان يؤم كلية الآداب شأن العديد من الطلاب المثقفين الآخرين، والذي ما لبثت أن ربطتني به صداقة حميمة حيث أخذت أعرض عليه قصائدي التي أخذت أكتبها بين حين وآخر، فكان يقول لي: أنت شاعرة حديثة بكل معنى الكلمة، تكتبين بأسلوب ومنهجية نحاول نحن الشعراء المعروفون ولوجها، وكنت أقول: أجل أنا أدرس الأدب الإنجليزي، وأقرأ الشعر الأوربي، ولا أحب القصيدة العمودية التقليدية، ولا أتخيل نفسي منهمكة فيها، وإن كنت قادرة على صف كلماتها وفقا لبحور الخليلي والقافية، وإنما بلا لون ولا طعم ولا رائحة، ولم أكن أدرك في ذلك الحين أن تلك الصداقة التي ربطتني بكاظم سوف تتطور إلى حب إلا بعد أن صرت أستلم منه فيضا من القصائد المكرّسة لي، والتي وجدت بعضها قصائد حديثة في غاية الروعة والجمال، وهي قصائد ما لبثت أن نشرت واشتهر كاظم جواد من خلالها كشاعر مرموق.

شاءت الظروف أن نتزوج أنا وكاظم في عام 1956 وهو عام تخرجي من كلية الآداب، وعلى الرغم من أنني واصلت كتابة الشعر بين حين وآخر، فلم أنشر تلك القصائد إلا في بعض الصحف المحلية، وكانت المشكلة الرئيسة بالنسبة لي في تلك الفترة التي تلت عام 1956، هي أنني كنت مسكونة على نحو لا فكاك منه بالقضية الفلسطينية، وكنت أشعر بأنني يجب أن لا أكتب أو أنشر من الشعر إلا ما يتعلق بالقضية، ولم تكن مشاعري بفعل ابتعادي عن الوطن تتيح لي كتابة ما أرضى عنه أو أعتبره مميزا يستحق النشر إلى أن كانت حرب حزيران 1967، حقا لقد صعقتني حرب حزيران، غير أن الذي فجر في الطاقة الشعرية على نحو غير متوقع هو انطلاق المقاومة الفلسطينية بعد حزيران وكأن نبعا قد تفجر في أعماقي مطلقا كل مخزوني من الخبرة الشعرية التي ثقفتها منذ طفولتي وعبر قراءاتي ومطالعاتي، وعبر دراستي الجامعية بما فيه من تجديد يعيد للشعر خواصا لم نعرفها في الأدب العربي، لقد كان هذا المخزون بحاجة إلى انتصار، بحاجة إلى أمل لكي يتفجر، وعلى مدى الفترة الممتدة من عام 1968 ولغاية 1973، كتبت قصائد كثيرة ألقيت بعضها في مهرجان الشعر التاسع المنعقد في مؤتمر الأدباء العرب السابع في بغداد في عام 1969، تلك القصائد التي أثارت ضجة وكتبت الكثير من الأقلام عنها، وقال البعض على صفحات الصحف ” ظهور شاعرة تنبئ بأن تكون أكبر شاعرة عربية “.

وأضافت حجاوي:لقد كانت تلك الفترة غنية بالنسبة لي، ثم ظهرت بعض هذه القصائد في مجموعتي الشعرية ” أغنيات فلسطينية ” وبقيت العديد من القصائد الأخرى متناثرة في الصحف والمجلات، ومن ضمنها العديد من القصائد الخاصة بالأطفال.

غير أنني ما لبثت أن خيبت أمل جميع من توقعوا أن أصبح أكبر شاعرة عربية على الرغم من وجود كل المقومات عندي، ذلك أن ما أسفرت عنه حرب تشرين 1973 قد قضى نهائيا على كل تلك الفورة العاطفية الجياشة والرؤية الثورية التي ألهمتني تلك القصائد التي كتبتها بين عامي 1968 – 1973، ومنذ ذلك الحين بت أدرك أنني كإنسانة ذات توجهات وقدرات وتاريخ معين يربطني بالقضية الفلسطينية على نحو لا فكاك منه، إنما انقسم فعليا إلى قسمين: القسم الشاعري المفعم بالأحاسيس والعواطف، ونصف آخر واقعي يمتح من عقل يبحث عن الحقيقة مهما كان ثمنها، هكذا انتقلت في جامعة بغداد من العمل الإداري إلى مركز الدراسات الفلسطينية الذي كان قد أسس حديثا كمركز تابع لكلية العلوم السياسية في جامعة بغداد، وظهرت قدراتي البحتية والكتابية واضحة، بحيث كلفت بعد فترة قصيرة للعمل كسكرتيرة تحرير لمجلة المركز، ولم أعد أفكر بالشعر، وانشغلت بالإشراف على جميع الدراسات والتقارير التي ترد المجلة، إلى جانب كتابة دراساتي, وعلى مدى بقية السبعينيات، كان لدي ذخيرة بحتية كبيرة، لعل أهمها كتاب اليهود السوفيت: دراسة في الواقع الاجتماعي، الذي طبع عام 1981 على نفقة جامعة بغداد، وأصبح مرجعا للدارسين من طلاب الماجستير والدكتوراة، وسجلت في الآن ذاته في الجامعة للحصول على شهادة الماجستير في العلوم السياسية، تلك الشهادة التي ساعدتني للحصول على مرتبة مدرسة في كلية العلوم السياسية، ولكنني في الآن ذاته لم أترك الأدب نهائيا، حيث دفعتني نزعتي البحتية للانخراط في مجال الترجمة، وكانت الحصيلة عددا كبيرا من المقالات والدراسات التي نشرت في المجلات الأدبية إلى جانب ثلاثة كتب كاملة لعل أهمها كتاب التجربة الخلاقة للمؤلف البروفيسور س.م.بورا، وهو دراسة لسبعة شعراء عالميين شقوا الطريق وأسسوا لحركة الشعر الأوربي الحديث حيث أصبح هذا الكتاب المترجم يدرس في الفروع الأدبية في الجامعات العراقية. ولم يكن انغماري في الترجمة إلى جانب الدراسات والبحوث السياسية مجرد رغبة تلهيني عن كتابة الشعر الذي كنت أحس أنه كامن في أعماقي، بل إنني كنت وما زلت أجد متعة كبيرة في الترجمة،فهي أولا تتيح لي الحفاظ على قدراتي الجيدة جدا في اللغة الإنجليزية، إضافة إلى أنها تثري المخزون الأدبي في النفس، وتعّرف المترجم على طرق تفكير ووسائل وأساليب لا يتعرف المرء عليها من خلال القراءة. هذا إلى جانب أنها تثري الثقافة العربية التي هي بأمس الحاجة للتعرف على آداب وثقافات الشعوب الأخرى، والمتقدمة منها بشكل خاص، وكان أول عمل ترجمة قمت به قد تم في الخمسينيات حيث قمت أنا وزوجي بترجمة كتاب ” لوركا قيثارة غرناطة ” الذي قام مدير عام وزارة الثقافة الأخ أحمد دحبور مشكورا بإعادة طباعته مؤخرا في ذكرى مقتل الشاعر لوركا، وكان هذا العمل هو أول تعريف بالشاعر الأسباني فيديركو غارسيا لوركا في المنطقة العربية، وقد ادعى كثيرون بعد ذلك بأنهم كانوا أول من عرّف بلوركا متجاهلين هذه الحقيقة، أو لا علم لهم بها، حيث صدر الكتاب عام 1956، أما العمل الثاني لي في الترجمة فقد أنجزته عام 1969 وهو ترجمة لمجموعة من قصائد الشعراء الفلسطينيين محمود درويش وسميح القاسم وسالم جبران وتوفيق زياد وفدوى طوقان، وكان هذا العمل الأول من نوعه، بمعنى أنني كنت أول من ترجم الشعر الفلسطيني إلى اللغة الإنجليزية، وقد طبعت من ذلك الكتاب ثلاث طبعات بأعداد كبيرة ووزع توزيعا واسعا في حينها، وتسلمت في تلك الفترة عددا كبيرا من الرسائل من قراء أجانب من مختلف البلدان يقولون لي فيها بأنهم قد تعرفوا على القضية الفلسطينية لأول مرة من خلال كتابي هذا. ومما يؤسف له حقا الآن وبعد نصف قرن من بدء النهضة الثقافية العربية أن حركة الترجمة في المنطقة العربية قد انحدرت إلى أدنى المستويات، وأجد نفسي الآن عاطلة عن العمل في هذا المجال الثر والحيوي وأشعر بالأسى على ذلك.

وعن العودة للشعر تقول:

فجأة انبثقت شعرا في عام 1984، كنت أظن أنني قد هجرته نهائيا وأنني غير قادرة على التقاط وهجه، ففي 7/6/1984 توفي كاظم جواد (أبو مصعب) كان هول الحدث كبيرا وصاعقا لولدي مصعب وشعلة ولي، ولم يكن كاظم قد تجاوز السادسة والخمسين من عمره. بعد فترة وجيزة من الحدث، كانت قصيدتي “سفن الرحيل” منشورة على صفحات الصحف والمجلات العراقية، لقد انبثقت القصيدة مني دون علمي، ودون أي تخطيط أو قصد .. ولدت كما ولدت قصائدي الأولى عام 1968، وأنا حتى الآن لا أعرف كيف حدث ذلك. وهذا هو دأبي، فأنا لا أعرف كيف تنبثق القصائد مني، فأنا لا أخطط لها ولا أسعى إلى كتابتها، لذلك فإنني اعتبر نفسي إنسانة هاوية للشعر، وكثيرا ما أتساءل بيني وبين نفسي: هل أنا شاعرة حقا؟ ومن هو الشاعر؟ هل هو الذي يكرس حياته لكتابة الشعر، أم هوالإنسان الذي ينبثق الشعر منه على غفلة من نفسه؟ وقد تكون حقيقة أنني لم أخطط في يوم ما أن أكون شاعرة أو أي شيء آخر، وأن الحياة وعواملها وظروفها هي التي تجنح بالإنسان إلى هنا أو هناك، هي السبب في قلة إنتاجي الشعري. فبعد قصيدة سفن الرحيل التي ولدت بعد عشر سنوات من انقطاعي التام عن كتابة الشعر، كتبت قصائد ظهرت في عام 1998 في مجموعتي الشعرية المعنونة بـ”سفن الرحيل ” ولا يعني هذا أنني لم أنغمر في الحالة الشعرية إلا في هذه القصائد التي ظهرت في هذه المجموعة، فالمشكلة بالنسبة لي تكمن كما أعتقد، في حقيقة أن القصيدة تنبثق لدي فجأة، ككيان كامل، كومضة عابرة، ثم تختفي إذا لم أدونها على الورق فورا، هكذا تضيع مني الكثير من الومضات التي عبثا أحاول اقتناصها ثانية.

لقد تجاوزت الآن السبعين من عمري، غير أنني ما زلت أشعر بأنني لا أقل قدرة علىالعطاء، في أي مجال من مجالات الإبداع، عن أية مرحلة سابقة من مراحل عمري. وكل ما أتمناه هو أن أموت وأنا في حالة عطاء غامرة.

بعد أن انتهت من عرض صفحاتها شكرتها مقدمة الجلسة ومن ثم فتحت باب الحوار للمداخلين الذين أعربوا عن استمتاعهم واغتباطهم بما سمعوه منها عنها، كانت المداخلة الأولى للروائي غريب عسقلاني الذي قال: كل الترحيب بالرائدة الجميلة، لقد ذكرت أن جامعة بغداد كانت تضم بين جنباتها كل التيارات السياسية والأيديولوجية، والاتجاهات الأدبية، ولم تقل إنها كانت تضم أجمل الجميلات سلافة، تقولين أنك لم تكتبي الشعر بقرار مسبق، وإنما كانت تعترضك القصيدة، لماذا لا تكوني مبادرة و تعترضينها أنت؟ وهنا يتأسى السؤال لماذا لا تتصادم أيديولوجة الشعر في رأسك مع بهاء القصيدة السيارة لتلتقطي معادلا موضوعيا هو أقرب إلى حالة سلافة، وعن أشعار تلك المرحلة أقول لابد أن تجمعيها وإن كانت فقدتها فعليك أن تغمضي عينيك قليلا لتعودي تلك البهية الجميلة وتستحضري ما كان وهذا مطلب ربما ليس شخصي وإنما مطلب مثقف فلسطيني متابع، السؤال الآخر لماذا لم تتواصل تجربة الثلاثي الفلسطيني على أرضية تأسيس ظاهرة فلسطينية شعرية تأخذ روافدها من ثلاث تجرب مختلفة؛ تجربة البقاء في الوطن عند فدوى طوقان، تجربة الانفتاح الكامل عند سلمى الخضراء الجيوسي، وتجربة الغوص في بحر أكبر لجة قومية كانت في العراق عند سلافة كان من المؤمل أن يؤدي هذا  الثلاثي الشعري إلى تأسيس ما يشبه مداميك أولى لرؤية شعرية فلسطينية.

لنا حجازي تساءلت لماذا لا تنشط حركة الترجمة بمبادرة فردية منك مثلا؟ وبالنسبة لأدب الأطفال لقد أصبح يعتمد على تبسيط الفكرة فأصبحنا نساهم في تدني مستوى تفكير الأطفال بهذه المباشرة والسطحية فما الحل؟

أما الأستاذ يوسف السيد فقال: هناك فرق بين النظرية والتطبيق، فما يطبق في مجتمع ما لا ينطبق على مجتمع آخر، وما يصلح في زمان لا يصلح بآخر فهل يخضع الإبداع لهذه النظرية؟ ثم ما المقصود بالإبداع وما تعريفه؟

الدبلوماسي والأديب يحيى رباح قال أنا أنتمي لهذا الجيل الذي كان يفرح بمعرفة سلافة، كنا نفرح بأن لنا صوتا شعريا هو ضمن الأصوات الشعرية المميزة في الوطن العربي، وكنا نعرف أيضا أنها امرأة ليست عابرة، فهي امرأة مشتبكة في الشعر وفي الحياة، لم تكن بهذه البساطة التي قدمت بها نفسها، كانت لا تترك الأشياء على حالها، وإنما تمر كما تمر العاصفة، وهنا أود أن أتمنى عليك وأنت تكتبين مذكراتك أن يأخذ ذلك حيزا كبيرا، لأن المبدعة في بلادنا لم تكن طريقها ممهدة، إنما كانت تأخذ طابع الاشتباك القاسي، وإنما كان للمبدعات في ذلك الزمن  رؤية تدافع عنها وأنت واحدة من هؤلاء الرائدات.

وفي مداخلة للدكتور أحمد المقوسي قال: أرحب بالإنسانة الأديبة والشاعرة سلافة حجاوي، لقد عرفتها من خلال كتاباتها، واليوم أنا سعيد لأني أعرفها معرفة مباشرة، في هذه المعرفة تذكرت اللوحة الفلسطينية التي رسمتها وإن كانت تنفي أنها رسامة، وأضاف: لو أراد الله للإنسانة سلافة أن تبدأ حياتها من سن الثالثة كما تفتحت عيناها على نضال فلسطين وعل النضال الذي اكتنف تلك الثورات – التي كان لابد أن تبدو في شعرها الذي جاء هادئا – فماذا تكون؟

ثم ما النصيحة التي توجهينها للجيل الجديد الذي هو بحاجة أن يستقرء العبر من هذه التجارب المفعمة بكثير من المطبات والعواصف؟

بعد هذه المداخلات أعطيت الأستاذة سلافة حق الرد فقالت: كثير من أسئلة الحياة لايمكن الإجابة عنها، الحياة سؤال كبير لا يعرف الإنسان في أي اتجاه ستسير به الحياة، في بعض المراحل يستطيع توجيه حياته، لكن في مراحل أخرى يكون الإنسان أضعف من أن يؤثر في الحياة، كثيرا ما أفكر لو لم أخرج من نابلس وأرى بغداد ماذا سأكون؟ كيف ستكون حياتي؟ ما اهتماماتي؟ لكن الزمان والمكان متحكمان بمصير الإنسان، الأشياء والظروف تدفعك في اتجاه معين قد يستهويك وتسير معه، وقد لا تروق لك.

أما لماذا لم أشكل مع سلمى وفدوى حركة شعرية فالسبب فرق الزمان والمكان، كنت أعرف فدوى وأنا طفلة حين كنت أعرض عليها كتاباتي أو أذهب لها ببعض الكتب من عمتي فخرية، وحين كبرت دعوتها لبغداد وأقمت لها ندوة شعرية كبيرة، وما عدا ذلك فالتواصل بيننا ضعيف، صحيح أن حركة الشعر الأوربي تشكلت من شعراء لم يلتقوا أبدا، لكن الظروف التي حكمت كل واحدة منا حكمت بالبعاد. سلمى الخضراء الجيوسي صديقتي منذ كنا ببغداد وحتى الآن، أنا لا أعرف لماذا صمتت سلمى عن الشعر، ليتها لم تصمت.

كان ممكن تشكيل ظاهرة شعرية فلسطينية لكن ظروفنا محدودة، أنا لم أكف عن محاولة العطاء في أي مرحلة رغم ظروفي الصعبة.

أما عن اعتراض القصيدة فقالت: أنا لا أعتقد أن الشاعر هو الذي يخترق الشعر، حتى الشاعر المحترف الذي يكتب كل يوم قصيدة سيرمي التاريخ ثلاث أرباع ما كتب ويبقي على القصائد التي تدفقت منه وشكلت علامة بارزة في إنتاجه من حيث الصدق الذي هو شرط من شروط الشعر.

أما فيما يتعلق بأدب الأطفال والمباشرة فيه فقد يكون لكن أهم شيء في أدب الأطفال أن ينمي الخيال فهو العنصر المستهدف، لذا نجد بعض الشعراء يكتبون قصص خيالية بعيدة عن الواقع مثل كتاب هاري بوتر الذي اخترق العالم في قصص الخيال والسحر.

وفيما يتعلق بالترجمة فالترجمة عملية مؤسساتية تحتاج لمؤسسة ترعاها وإلا فكيف ستزدهر الترجمة؟ في بغداد كنت أختار ما أترجم وأذهب به للمؤسسة فتتولى الطباعة والنشر والتوزيع، ما لم تكن مؤسسة ستبقى معضلة ثقافية عامة وهي صورة من صور الانحطاط العربي.

من حيث النظرية فالإبداع لا يخضع للنظرية والتطبيق، الإبداع إبداع لكنه يجد في المناخ الزمني مجالا لتطوير نفسه والانتقال من حالة لحالة، فلا نظرية للإبداع، لكن لكن ما هو الشرط الموجود زمانيا ومكانيا لهذا الإبداع يتأقلم معه وينتجه، فالقصيدة التقليدية كانت شرط الزمان والمكان في العصور السابقة، وقصيدة النثر ما كانت ستوجد الآن لو لم يكن هناك شرط متوفر لوجودها، أما عن تعريف الإبداع فليس له تعريف متفق عليه، الشعر حتى الآن لم يعرف فالبعض يقول إنه كلام موزون ومقفى، إدغارآلان بو أول من وضع نظرية للقصيدة لكنه لم يعمل بها، وضع مبادئ للشعر الحديث وتأثر بها الآخرون فكتب كل في مجاله، كل شاعر وأديب يكتب في مجاله دون نظرية.

بالنسبة لمذكراتي فلدي رصيد هائل من الذكريات التي آمل أن يتاح لي أن أخرجها للنور، أتصور أني إذا كتبت مذكراتي وأتحت لنفسي حرية البوح ستكون شيئا عظيما، والآن أكتب قصائد لنابلس بها شيء من الطفولة والعودة للينابيع.

أما لو عدت إلى الثالثة فأعتقد أني سأكون إنسانة أخرى، لا أتصور أني ممكن أن أُسأل إن كنت راضية عن مسيرة حياتي، أو أن أتمنى أن تكون غير ذلك، أنا راضية عن حياتي، لذا لا أحسد أحدا إن كان أفضل مني، ولا أخجل من عيب إن وجد بي، فعلا أنا مشتبكة.

وعن النصيحة أقول أنا لا أؤمن بالنصائح، فلكل إنسان أن يدخل معترك الحياة ويستخلص منها العبر، لم آخذ بنصيحة واحدة في حياتي، قد أكون وقعت في مشاكل لكني سعيدة بهذه المشاكل التي أضافت لتجربتي الكثير.