شيء من الذكريات النابلسية

الصفحة

 

سلافة حجاوي

 

في سياق زحمة الأحداث والأيام، تغيب الذكريات. غير أنها تعود فجأة في لحظة ما، كأن شيئاً يستفزها من سباتها. لا يستطيع الإنسان أن يقتطع من كينونته بدايات هذه الكينونة، تلك البدايات التي تظل تلاحقه وتتحكم في مسارات حياته على نحو لا شعوري، ثم ما تلبث أن تتجسد لتشكل جزءا لا يتجزأ من حاضره ومستقبله.

هكذا عادت نابلس إلي، أو أنني عدت إليها حين عدت إلى الوطن في العام 1994، بعد غياب تجاوز الأربعين عاما لم تتخلله غير زيارات قصيرة قبل حرب 1967، لم تسمح لي بعدها سلطات الإحتلال بدخول الوطن إلا بعد التوقيع على اتفاقية  أوسلو ، حيث عدت مع منظمة التحرير الفلسطينية. ومع العودة، أخذت الذكريات الكامنة بالتدفق ، مرة كومضة عابرة ومرة أخرى كشريط ينثال ويأبى التوقف.

ولدت في نابلس في العام 1934،  في زمن كانت فيه المدينة قد أخذت تودع ما اعتادته من سكينة واستقرار متوارثين لعدة قرون من الحكم العثماني، ومن انشغال بمصانع الصابون ومعامل النسيج والتنافس على الأسواق التجارية داخل البلاد وخارجها. كان العهد العثماني قد ولى، وجاء عهد مختلف كل الاختلاف في مواصفاته وتحدياته وشروطه، ما لبثت فلسطين بكل مدنها وقراها وزعاماتها وفلاحيها وتجارها، أن تاهت فيه. ولم أكن أنا الطفلة الصغيرة، أعي ما يدور حولي بالطبع، غير أن ثقل الأحداث ما لبث أن انزرع في عقلي الصغير، وأخذ ينمو معه لكي يشكل جزءا لا يتجزأ من ذخيرة التجارب التي تغلف جدرانه وتربط بين خلاياه.

فخلال ثلاثينيات القرن العشرين، وهو العقد الذي ولدت فيه، كانت فلسطين قد أخذت تغلي إزاء السياسة البريطانية وتمدد المشروع الصهيوني الذي أخذ يلتهم البلاد قطعة فقطعة بدعم من الإنتداب البريطاني، حيث ما لبثت فكرة اللجوء إلى السلاح ضد القوات البريطانية والمشروع الصهيوني، أن تبلورت وتجلت، أولا في العام 1935،  في حركة الشيخ عز الدين القسام، ثم في الإضراب العام والثورة الشاملة التي تواصلت بشكل أو آخر من العام 1936 ولغاية العام 1939.

كانت نابلس في ذلك الحين في لجة  الصراع ضد الإنتداب البريطاني الذي أوصل البلاد إلى ما وصلت إلية ، وكانت نابس تشكل معقلا للثوار المعتصمين في الجبال . ولم أكن، أنا الطفلة الصغيرة  بمعزل عن كل تلك التطورات، حيث قدر لطفولتي أن تكون شاهدا عليها وأن تتأثر بها، بفعل إنخراط والدي في لجتها.

تذكر أمي، قبل أن أذكر أنا، أنني بينما كنت في أحد الأيام جالسة ألعب بلعبي وهي تعد طعام الغداء، قلت فجأة:” سلامته بابا”!. ذعرت أمي واستغربت، وكأنها تقول في نفسها:” خذوا فالكم من أطفالكم”. بعد أقل من نصف ساعة، جاء من يخبرها بأن والدي قد طعن في تظاهرة حاشدة في شوارع نابلس، بسكين استقرت على بعد شعرة من قلبه، وأنه قد نقل فورا إلى المستشفى.

كان أبي، حسن الحجاوي، رجلا بسيطا لم يتح له إكمال دراسته، حيث اضطر إلى ترك المدرسة للعمل من أجل مساعدة والده في إعالة أطفاله الذين ما لبثوا أن بلغوا ثمانية. غير أنه كان إنسانا ذكيا ويتمتع بشخصية وحضور قويين. وقد تمكن بعد أن استقر على مهنة الخياطة، أن يصبح تاجر أجواخ وخياطا مرموقا أخذ الكثير من شخصيات فلسطين، وفي مقدمتهم الحاج أمين الحسيني، يؤمون متجره لكي يخيط لهم بدلاتهم. هكذا تعرف أبي على الحاج أمين، وانعقدت بينهما صداقة حميمة، وصار أبي مجلسيا عنيدا ومحط رصد سلطات الإنتداب البريطانية  والمعارضة الفلسطينية الموالية للإنتداب البريطاني.

ففي أواخر العام 1937، وبعد إقدام حكومة الإنتداب على حل اللجنة العربية العليا، وإصدار أمر بإلقاء القبض على الحاج أمين، الذي اتهمته بأنه وراء اشعال الثورة في البلاد، فر الحاج أمين إلى لبنان، وفر معه عدد من أنصاره المقربين، ومنهم والدي. أذكر جيدا كيف أتى أبي إلى غرفتي في تلك الليلة مع اقتراب  الفجر قبيل رحيله. أيقظني وطلب مني أن أسمح له بأن يكسر “قجتي” و يستدين ما فيها من نقود هي حصيلة عيدياتي منه  ومن عماتي وأعمامي. ثم قبلني وغاب (أنظر النص ” أبي وقجتي” في ” نصوص نابلسية”). في اليوم التالي، غادرنا، أمي وأنا، إلى حيفا لنمكث مع أهلها حيث اصبح وجودنا في نابلس بدون والدي يشكل خطرا علينا. وبعد حين سافرنا إلى لبنان بطلب من أبي، وبقينا هناك معه لأكثر من عام. هكذا عرفت اللجوء ووعيته وأنا في الرابعة من عمري.

في العام 1939، تبدلت الكثير من المصائر والأقدار، ومنها مصير فلسطين والفلسطينيين، وذلك بفعل اقتراب شبح اندلاع الحرب العالمية الثانية، وانهيار الثورة بسبب انقطاع الأسلحة التي كانت ترد للثوار من لبنان والإنتداب الفرنسي الذي كان معاديا لبريطانيا ، وتصالح بريطانيا وفرنسا واتفاقهما على خوض الحرب معا، حيث طردت فرنسا الحاج أمين الحسيني ففر وتبعه بعض المرافقين له إلى العراق، بينما قرر أبي أن نعود إلى نابلس، حيث كان الوضع الداخلي فيها قد هدأ بفعل اندلاع الحرب العالمية

هكذا وصلنا، أبي وأمي وأنا، إلى نابلس عصر ذات يوم من أواخر العام 1939، وتوجهنا إلى منزلنا المعلق على سفح الجبل الشمالي فوق المقبرة المجاورة للجامع (بيت قادري)، لنجد أن بيتنا قد أحرق على بكرة أبيه بعد رحيلنا، ولم يبق منه إلا تنكات البنزين السوداء الفارغة التي جلبت لإحراقه بها. حين نظرت إلى البيت، إلى بقاياه، إلى بقايا غرفتي وملابسي ولعبي، أحسست بأن طفولتي قد انتهت في ذلك الحين.

وبسبب حرق بيتنا، ذهبنا للإقامة في بيت العائلة الكبيرة، وعاد أبي إلى ممارسة عمله المعتاد. ويبدو أنه قرر عدم الانخراط في السياسة مجددا، وإن كنت أشعر بأنه ظل مجلسيا عتيدا وعلى انتظار أن تأتي نتائج الحرب العالمية الثانية بهزيمة بريطانيا ومشروعها الصهيوني. فأنا لم أنس ما شهدته في العام 1945، في يوم الإعلان عن انتهاء الحرب العالمية بانتصار بريطانيا والحلفاء، حيث كان أبي جالسا يحتضن المذياع ويبكي بكاء مرا.

    كان لانتقالنا للإقامة في بيت العائلة الكبيرة بعد احتراق بيتنا أثر جيد على نفسيتي. وأستطيع القول بأن تلك السنوات الممتدة بين عامي 1940 و 1947 كانت سنوات غنية بتجارب ثرة بالنسبة لطفلة صغيرة أخذت تخطو أولى خطواتها نحو النضج. لا أذكر جدي الحاج طاهر الحجاوي، إلا كطيف بعيد، حيث توفي في ذلك الحين كما أعتقد. أذكره كرجل مهيب الشكل، جميل الوجه، هادئ الطباع، ترافقه دائما عصاه التي يتعكز عليها في مشاويره. وقد قرأت اسمه مرة في سجل رؤساء بلدية نابلس حيث أنه شغل ذلك المنصب لفترة قصيرة، كما شاهدت صورة له ضمن مجموعة من الشخصيات النابلسية التي أشرفت على إنشاء أول مستشفى في نابلس هو المستشفى الوطني، وعجبت كيف أن أحدا من العائلة لم يكن يحدثني عنه بعد وفاته، حيث كانت شخصية جدتي، إم محمد الحجاوي، المناقضة لشخصيتة تماما، هي الطاغية والمستحوذة على الانتباه، وذلك بفعل نزعتها السلطوية الآمرة، وسعيها الدائب للهيمنة على مقدرات كل أبنائها وبناتها وزوجات أبنائها لاحقا. غير أنني لا أذكر أنني كنت أخاف من جدتي. فقد كانت بالنسبة لي، على الرغم من صرامتها وآمريتها,  دافئة وجاذبة.  وكان يسعدني أن أنام إلى القرب منها في السرير الصغير الذي وضعته خصيصا لي تحت النافذة المطلة على الحديقة الغناء. وكان أكثر إسعادا لي حين أفيق معها في الصباح الباكر, فتلبسني يانسا صغيرا خاطته خصيصا لي, فأقف على السجادة الصغيرة قربها وهي تصلي صلاة الفجر على سجادتها، وأحاول أن أردد ما كانت تتلوه من آيات ودعوات بصوت مرتفع، ثم نخرج سوية إلى الحديقة لكي تبدأ عملها اليومي في تعشيب أحواض الزهر وتقليم أشجار الفاكهة و شجيرات الورد المتسلقة على شبابيك الغرف وسقيها بالماء, وأنا أقلدها وأتظاهر بأنني أعرف سر كل نبتة كما هي تعرف (كتبت لها قصيدة بعنوان”الجذور” نشرت في مجموعتي الشعرية المعنونة” سفن الرحيل”).

   كانت الحياة في بيت جدتي تعج بالحركة ، حركة أربعة أعمام وثلاث عمات يتميز كل منهم ومنهن بشخصية حيوية مختلفة عن الآخرين، ولم يكن قد تزوج منهم أحد في ذلك الحين، باستثناء عمة سيئة الحظ، تزوجت وهي صغيرة وتوفي زوجها بعد فترة قصيرة من زواجهما، وبفعل عدم وجود أطفال آخرين في بيت العائلة، فقد انصب حب واهتمام الجميع علي.

 

 كان هناك نمطان من الشخصيات لأعمامي وعماتي. كانت عمتي فخرية وعمي أدهم مثقفا العائلة. كانا قد درسا في مدارس القدس الراقية، وأصبح كل منهما مديرا لمدرسة، عمتي فخرية أسست مدرسة العائشية، وعمي أدهم في مدرسة الغزالية. وقد أخذت ألاحظ مدى انهماكهما في قراءة الصحف والمجلات والكتب المختلفة، والنقاش في أمور كثيرة. وتبعهما عمي يحيى، الأصغر منهما، في هذا الاتجاه الثقافي، حيث أصبح مدرسا وكثير القراءة. وقد أعجبني ذلك جدا، وأصبح الثلاثة بمثابة القدوة لي. وقد شعرت تلقائيا بقرب حميم من عمتي فخرية، فكان أحب شيء لي في الصباح بعد الانتهاء من مرافقة جدتي في الحديقة، أن انتظر إفاقتها من نومها، فأشق باب الغرفة لكي تراني، حيث كانت سرعان ما تدعوني لكي أندس في الفراش إلى جانبها، فنكركر ضحكا ونتحدث كما لو كنا في عمر واحد.

 وبعد قليل من انتقالنا إلى بيت العائلة الكبير، بلغت السادسة من عمري وحان وقت دخولي المدرسة. وكان المكان الطبيعي لي هو مدرسة العائشية، حيث المديرة هي عمتي فخرية. هكذا صرت أذهب للمدرسة كل يوم وأعود منها بصحبتها، فنقطع الشارع الممتد من البيت الواقع على سفح الجبل بين بليبوس والمستشفى الوطني، ثم عبر شارع الملك فيصل، ذلك الملك الذي كانت جدتي تعلق صورته في صدر البيت وتقول بأنه “ملكنا”، وصولا إلى المدرسة ثم الإياب منها. وكنت أشعر بالزهو وأنا أسير في رحاب الملك، وإلى جانب أجمل ملكة فأتشرب منها معاني الثقة بالنفس والاعتماد على الذات والطموح والأنف ( لم أكن أعلم بالطبع أن الملك فيصل هذا، كان وهو أمير، أول من باع فلسطين للصهاينة حين وقع إتفاقية فيصل- وايزمن التي اعترف فيها بإعلان بلفور. وقد أدركت بعد ذلك أنني لم أكن الوحيدة التي أحبت فخرية الحجاوي, بل على العكس مما يعرف عادة من أن التلميذات يخشين مديراتهن لما تتصف به المديرات في العادة من تشدد وصرامة إزاء التلميذات، فقد اكتشفت أن كل التلميذات والمعلمات كن يحببنها ويقدرن كفاءتها على نحو فائق. ولم أعجب بعد سنوات طويلة حين قرأت نصا في كتاب الشاعرة فدوى طوفان, المعنون “رحلة جبلية”، تقول فيه بأنها تدين للست فخرية بفضل تشجيعها على كتابة الشعر وتزويدها بالكتب والمجلات الأدبية بعد أن حرمها أهلها من ارتياد المدرسة.

 أما عمي أدهم، فقد عرف أيضا بكفاءته الكبيرة في إدارة مدرسة الغزالية. غير أنه اشتهر أيضا بعصبيته وصرامته الفائقة حيث كان جميع الطلاب يرتجفون منه خوفا. غير أنني لا أذكر عنة مثل تلك الصرامة والعصبية. ما أذكره هو أنه كان يتمتع بروح الدعابة والسخرية القارصة وحب الاستماع إلى أم كلثوم. وكان يحبني جدا ويأتي إلي بالهدايا الجميلة كلما عاد من سفر. مازلت أذكر جوارب السكوتش التي جلبها لي في إحدى المرات، ولم يكن أحد في نابلس قد لبسها من قبل، حيث صرت أسير في طرقات نابلس كالديك المنفوش، والعيون ترمقني من كل جانب. ثم ماذا عن البرنيطة القش الكبيرة التي جلبها لي مرة أخرى والتي زادت من انتفاشي. وكثيرا ما كنت أرمقه وهو يقرأ الكتب المكدسة إلي جانب سريره ويسرح في الأفكار وهو يدخن سيجارته. وعجبت بعد ذلك لماذا لم يصبح كاتبا على الرغم من أنه كان مهيئا لذلك. و كنت في بعض الأحيان أراقب من بعيد أصدقاءه الكثر الذين كانوا يزورونه في البيت ويتناقشون في الأمور  السياسية والثقافية ويتبادلون النكات ويقرأون الشعر ويقهقهون بأصوات عالية. عرفت بعد ذلك أن ما كانوا يرددونه من شعر كان لشاعرنا الكبير، إبراهيم طوقان، الذي خسرته حلقتهم بعد أن اختطفه الموت وهو لم يزل في عز الشباب وأوج العطاء.  وكم تمنيت لو أنني كنت أكبر قليلا لألتقيه قبل وفاته، وبخاصة بعد أن علمت بأنه هو الذي كان قد اختار إسمي وأصر على تسميتي به حين ولدت.

    أما عماي الآخران فخري وعبد الرزاق، ثم عمتي خيرية، فكانوا لا يحبون الدراسة ويفضلون الحياة العملية ويميلون إلى اللهو والمرح ويتمتعون بروح النكتة. وقد أحببت النمطين وتعلقت بهم جميعا، بعيدا عن صرامة أبي وصمت أمي، حيث كان فخري لا يكف عن ملاعبتي وحملي أحيانا من سجادة الصلاة في الصباح ورفعي إلى الأعلى وهو يقول بأنه بذلك  يجعلني أقرب إلى الله، بينما كنا أنا وعبد الرزاق نظل نتخاصم بمرح لأنه كان يريد مني أن أناديه “عمي” بينما كنت أصر على مناداته “عبود” لأنه أصغر الأعمام والعمات عمرا ولا يكبرني كثيرا. أما عمتي خيرية التي ما لبثت أن أصبحت خياطة فنانة مشهورة في نابلس، فكنت أقضي الكثير من الوقت في مشغلها الذي كان يعج بالعاملات. ولكنني كنت أرفض أن أتعلم التسريج واللقطة وغير ذلك من فنون الخياطة، وأفضل الجلوس للحديث مع البنات وأنتظر انتهاءها من خياطة الفساتين الجميلة التي كانت تعدها لي بيديها.

 في تلك الفترة، كانت الحياة الاجتماعية في نابلس تشهد حالة سباق مع الزمن لكي تقتطف منه ومضة من الاستقرار والهدوء النسبي، وذلك بعد ما عانته خلال الثلاثينيات من قتل وبطش على يد سلطات الانتداب والمشروع الصهيوني.  ولعل ما أذكره عن تلك الفترة على الصعيد الاجتماعي، هو نشوء ظاهرة الاستقبالات النسوية التي ازدهرت، حيث أخذت بعض ربات البيوت تخصصن يوما في الأسبوع أو الشهر لاستقبال النساء الأخريات. وكانت هذه الفعالية هي وسيلة التسلية الوحيدة للنساء في نابلس، حيث كن يتمتعن فيها بتناول الأكلات النابلسية الخفيفة اللذيذة، والاستماع إلى عزف العود والغناء وتبادل القيل والقال من أخبار المدينة ونكاتها وإشاعاتها. غير أن ما كان يزعجني هو إصرار أمي وعماتي على اصطحابي إلى تلك الاستقبالات على الرغم من صغر سني. وكانت حجة أمي، وكنا قد انتقلنا للسكن في بيت منفصل ، أنها لا تستطيع تركي في البيت لوحدي، وأنني لايمكن أن أحرمها من الذهاب إلي تلك الاستقبالات لكي تروح عن نفسها. وكنت أشعر بأن لها الحق في ذلك، وبخاصة أن أبي كان شديد الجدية معنا، بينما كان مرحا وصاحب نكتة بين أصحابه كما علمت لاحقا.

كانت تلك الفترة أشبه باستراحة المحارب التي ما لبثت الأمور بعدها أن تأزمت. كنت قد بلغت الثالثة عشر من عمري حين صدر قرار التقسيم. ولم تتأثر نابلس تأثرا مباشرة بما بدأ يتجلى في مناطق أخرى من البلاد من مواجهات عسكرية بين الفلسطينيين واليهود، وذلك بفعل أنه لم يكن هناك يهود في نابلس. غير أن الأجواء النابلسية العامة بدت مشحونة بالتوتر وعمت المظاهرات الاحتجاجية المدينة.  أذكر أن الاختيار قد وقع علي مرة لكي ألقي خطبة في إحدى تلك المظاهرات، فكتب عمي يحيى الكلمة التي كنت سألقيها، وألبسوني ثياب ممرضة، وصعدت أمام الجموع المحتشدة على منصة أعدت من خشب الصناديق، وألقيت الكلمة التي تبدأ بالآية: “وأعدوا لهم ما استطعتم من رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم”. وكان حماسي كبيرا، وجندت تفكيري منذ ذلك الحين من أجل أن أعد ما أستطيع من رباط الخيل!

في تلك الفترة أيضا، افتقدت عمي فخري، الذي لم أعد أراه في بيت العائلة الكبير، وقيل لي وقتها أنه قد سافر، وعلمت بعد حين بأنه قد التحق بالجماعات الفلسطينية المسلحة المقاتلة التي بدأت العمل في المدن والقرى الساحلية بعد صدور قرار التقسيم في عام 1947، وبأنه كان يقاتل في منطقة حيفا.  واشتقت إليه، وخفت عليه، وبكيت كثيرا في الليل. وكأنني كنت أحس بأنني لن أراه ثانية. ولم يطل الوقت. حيث ما لبث أن عاد في عصر ذات يوم إلى نابلس، محمولا على الأكتاف. صعقت. وحين سجوه على سرير في الغرفة المطلة على شرفة الياسمين، تسمرت إلى جانبه. كان جميلا وهادئا ووقورا ببزته العسكرية المخرمة بالرصاص والمشربة بالدم، وبمشط الرصاص الملتف على خصره. ولم يستطع أحد أن ينتزعني من جانبة، وانكببت عليه، ثم نمت. وحين أفقت في الصباح، كان قد رحل. كان أول شهيد تقدمه نابلس، كما أعتقد، في تلك الموجة الجديدة من الصراع، وكانت تلك أول تجربة مريرة لي مع الموت (كتبت له بعد نحو أربعين عاما من استشهاده قصيدة بعنوان “استراحة الشهيد”، نشرت في مجموعتي الشعرية”سفن الرحيل” ). وانتابتني الهواجس والمخاوف حين التحق عمي يحيى بعد حين بجيش الإنقاذ او الجهاد المقدس، وخشيت أن أفقد واحدا آخر من الذين أحبهم. ولم يهدأ بالي إلا بعد أن عاد سالما. لكنه توفي شابا بعد ذلك نتيجة مرض.

وتفاقمت الأمور، فأغلقت المدارس أبوابها، وبدأ الإعداد في نابلس لإقامة مستشفى لما عرف باسم “جيش الإنقاذ” لاستقبال الجرحى، وتطوعنا أنا وبعض صديقاتي للعمل فيه، ولبست في هذه المرة ثياب الممرضات حقا. ولن أنسى تلك التجربة من حياتي. كان الجرحى شبابا صغارا منهم من قدر له الشفاء ومنهم من رحل كما رحل فخري. وكان رئيس الأطباء الجراحين العاملين في المستشفى سوريا يدعى الدكتور أمين رويحة، وقد أعجب بجرأتي وشجاعتي، حيث كنت أصر على الدخول معه إلى غرفة العمليات لمساعدته، وشاهدت ما لم أتوقع أن أشاهده. وكان يقول لي:” يجب أن تصبحي طبيبة جراحة يا سلافة”. ولا بد لي أن أذكر هنا أنني حين ذهبت إلى بغداد بعد بضع سنوات، فوجئت بعدد من الشباب وقد أتوا  لزيارتي، حاملين معهم سلالا من التمر والبرتقال. كانوا من الجرحى الذين قمت بتمريضهم في الصالة التي كنت مسؤولة عنها في المستشفى في نابلس، ولم أعرف كيف اهتدوا إلي. بكينا معا، وكانوا يرددون: “لقد خانونا”!

بعد بضعة أشهر من عام 1948، غادر جيش الإنقاذ، بعد أن شهد سقوط معظم المدن الفلسطينية وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين، وانتقلت إدارة المستشفى إلى يد القوات العربية الرسميه التي دخلت البلاد. وغادرنا نحن الممرضات المتطوعات المستشفى إلى بيوتنا، حيث لم تكن تلك القوات بحاجة إلينا أو أنها أرادت إبعاد كل الفلسطينيين عن ساحات القتال ومنع العمل على مقربة من صفوف القوات. وقد أنضجتنا تلك التجربة التي مررنا بها  قبل الأوان. وتدفق  قسم من اللاجئين على نابلس، واستقبلنا في بيتنا، بعد سقوط حيفا، أهل أمي الذين كنا لجأنا إليهم في عام 1938.

في أوائل العام 1949،  كانت الحرب قد انتهت بعد أن أتمت القوات العربية مهماتها في تسليم البلاد لليهود. ففتحت المدارس أبوابها وعدنا إلى مقاعد الدراسة. أول ما افتقدته لدى عودتي إلى المدرسة العائشية هو غياب عمتي فخرية التي كانت قد استقالت بسبب زواجها. غير أن كل شيء آخر كان قد تغير أيضا. فثلاثة أرباع الوطن كان قد ضاع، كما كان ثلاثة أرباع الفلسطينيين قد تحولوا إلى لاجئين، حيث شهدت القوات العربية الرسمية سقوط ما لم يكن قد سقط من المدن في عهد جيش الإنقاذ، وهجرة ما لم يكن قد هاجر.  وكنا نحن الطالبات قد تغيرنا، حيث كانت التجربة السابقة قد أنضجتنا، وصقلت شخصياتنا، وأمدتنا بصلابة جديدة وبرؤية نقدية إزاء جيل آبائنا الذين فشلوا في إنقاذ البلاد وصيانة حاضر جيلنا والأجيال الفلسطينية اللاحقة.  ولم تعد الدراسة بالنسبة لنا مجرد عمل روتيني، بل أصبحت هدفا نسعى من خلاله إلى تعزيز شخصياتنا واستقلاليتنا. وقد ساعدنا في ذلك وجود نخبة متميزة من المدرسات اللواتي تمتعن بالجدية والتفاني والكفاءة: ألست طرب كمال، مدرسة الرياضيات، التي ذهبت لزيارتها في مستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني بعد عودتي إلى الوطن، وعلمت بعد ذلك أنها توفيت وحزنت كثيرا عليها. الست سبأ عرفات، التي كانت أول من علمنا اللغة الإنجليزية، والست لبيبة صلاح، التي تلتها في تلك المهمة، والتي بثت فينا حب الموسيقى وشذبت ذائقتنا  للموسيقيى من خلال ساعات خاصة كانت تسمعنا فيها أهم الأعمال الموسيقية العالمية فنغسل بها جراحنا، الفنانة الرسامة عفاف عرفات التي بثت فينا حب الرسم والألوان، على نحو تصورت فيه أنني سوف أصبح رسامة بفعل حبي للألوان. وقيل بعد أن أخذت أكتب الشعر، أنني إنما أرسم لوحات بالكلمات. الست لواحظ عبد الهادي، مدرسة اللغة العربية، التي تميزت بالحرص على تقوية لغتنا العربية، وتشجيع ما تلمسه فينا من مواهب لغوية وأدبية. والتي أدين لها بأنني قد تمكنت بفضلها أن أصبحت شاعرة وكاتبة. وهناك كثيرات أخريات. كان الأساس المتين الذي تلقيناه على يد هؤلاء المدرسات الفاضلات في مدرسة العائشية، هو الذخيرة التي ساعدتنا على المضي قدما في دراساتنا وشق حياتنا على نحو أدى إلى تميز الكثير منا، نحن بنات ذلك الجيل النابلسي.

غير أن الأمور أخذت بالتدهور أكثر فأكثر في ما تبقى من فلسطين بعد قيام إسرائيل والهزيمة المفتعلة للقوات العربية التي أرسلتها الجامعة العربية وفقا للمخطط البريطاني لضم بقية فلسطين للأردن تحت مسمى تحرير فلسطين، وانقسم الفلسطينيون الباقون في البلاد إلى مجلسيين مؤيدين للحاج أمين الحسيني الذي كان يريد إقامة دولة فلسطينية في الأراضي الباقية بعد قيام إسرائيل ويدعي بأنه يريد إقامتها للقضاء على إسرائيل، والمؤيدين للمشروع البريطاني القائل بضم الضفة الغربية للأردن وقطاع غزة لمصر. كانت الحياة الاقتصادية للأراضي الفلسطينية الباقية قد دمرت بعد انقطاع صلتها بالمدن الفلسطينية الساحلية. وكان والدي أحد هؤلاء الذين توقفت مصادر رزقهم. فمن أين يأتي بالجوخ، ومن الذي يريد شراء البدلات؟ ..وفي الوقت الذي تدفق  فيه النابلسيون بعد تنفيذ ضم الضفة للأردن في منتصف العام 1950، إلى عمان،  وأصبح منهم وزراء وتجار وذوي مناصب عليا كثيرة اخرى، لم يكن ممكنا للمجلسيين أنصار الحاج  أمين الحسيني، ومنهم والدي،  الذهاب إلى الأردن، وبخاصة بعد مقتل الملك عبد الله على يد فلسطيني قيل أنه كلف بالمهمة من جانب الحاج أمين الحسيني. هكذا قرر والدي بعد ٌإقناعه من بعض ضباط القوات العراقية التي كانت ما زالت معسكرة في فلسطين، بالذهاب إلى العراق.

في أحد صباحات العام 1951، رحل أبي بنا إلى بغداد. لم اكن قد أكملت دراستي الثانوية في نابلس بعد، وكنا قد أصبحنا عائلة من أبوين وأربعة أطفال. وكان لا بد لي من خوض  تجربة جديدة من تجارب الحياة. ……..!! هذا نص انبثق مني وادرجته ضمن ” نصوص نابلسية”حول رحلتنا إلى بغداد:

 

الطريق إلى بغداد

من ” نصوص نابلسية”

 

أنا أعرف يا أبي

أنك لم تكن قادرا على البقاء في نابلس

بعد الذي حصل

فالبلاد قد ضاعت

كما لم تضع بلاد من قبل

ونابلس قد بيعت

كما لم تبع مدينة من قبل

وسواء كنت على خطأ أم صواب

يكفي أنك كنت مقتنعا بأنك على صواب

وكنت قد عمدت قناعتك بدمك

حين أخطأت السكين قلبك

بشعرة واحدة.

 

 

هكذا حملتنا

كما يحمل الحمال كيسا على ظهره المحدودب

نحن الأطفال الأربعة وأمنا

ومضيت بنا

عبر الصحراء

إلى بغداد.

 

كانت السيارة تخب بنا

بخوفنا ورعبنا وبكائنا

وكانت الصحراء حمراء

ليس فيها إنس أو جان

ولم يكن للوقت فيها حساب

ولم يكن هناك صوت غير صوت العجلات

في ذلك العصف الهائل من الرمال.

 

في ذلك الحين

كانت نابلس بعيدة عنا

بعد قمر آفل

أو شمس غاربة

ولم يكن هناك غير حنين

ينغرس كسكين

على بعد شعرة واحدة من قلوبنا….!!!!

سلافة حجاوي