تجربتي في الترجمة الأدبية

الصفحة

 

ســــلافة حــجاوي

2008

مارست الترجمة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية وبالعكس، بمختلف أنواعها، منذ بداية حياتي العملية بعد تخرجي من قسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب- في جامعة بغداد، وحصولي على شهادة البكالوريوس. غير أنني بدأت ممارسة الترجمة الأدبية قبل أي نوع آخر، بفعل ظروف معينة. فبعد تخرجي وزواجي بالشاعر العراقي كاظم جواد، ضاقت بنا الحال ماديا وفراغا، حيث فصل زوجي من وظيفته الحكومية لأسباب سياسية، كما رفض طلب تقدمت به لتعييني مدرسة للغة الإنجليزية في المدارس الحكومية. وكان لا بد لنا من إشغال فراغ الوقت بالاستفادة مما لدينا من مهارات أدبية ولغوية، على أمل الاستفادة منها ماديا أيضا. فهو أديب وشاعر، وأنا كذلك. ولدينا إتقان فائق للغتين، هو للعربية وأنا للإنجليزية. فقمنا بعمل مشترك، هو ترجمة وإصدار كتاب ” لوركا قيثارة غرناطة” في عام 1957، الذي ضم ترجمة لمجموعة من قصائد ومسرحيات الشاعر الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا، إضافة إلى مقالتين عن الشاعر وأعماله. وقد طبعنا الكتاب على نفقتنا الخاصة ولم نستفد منه ماديا، حيث كان جل المثقفين والأدباء في ذلك الحين فقراء، فوزعنا نسخه هدايا. غير أن ذلك العمل كان مجزيا معنويا وأدبيا، وذلك من حيث أنه كان إحدى أولى المحاولات للتعريف بهذا الشاعر الأسباني الفذ، وأول كتاب يصدر عنه ليس في العراق فقط، وإنما في المنطقة العربية. غير أن تلك التجربة المشتركة الرائدة لم تتكرر، حيث ما لبثت الأقدار أن تغيرت بقيام ثورة عام 1958 في العراق، فوجدنا أنا وزوجي عملا لكل منا في المؤسسات الحكومية، حيث عينت مترجمة في إحدى مؤسسات جامعة بغداد، وشغلتنا الوظيفة والشعر وتربية الأطفال والعلاقات العامة عن أية نشاطات أخرى لعدة سنوات لاحقة.

ما لبثت أن عدت فجأة للترجمة الأدبية مع انطلاق شعر المقاومة الفلسطينية بعد حرب عام 1967، حيث بادرت إلى ترجمة مجموعة من تلك القصائد إلى اللغة الإنجليزية ما لبثت أن صدرت عن وزارة الثقافة العراقية في عام 1969 في كتاب بعنوان: “Poetry of Resistance in Occupied Palestine”، ضم ستة عشر قصيدة لمحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وسالم جبران وفدوى طوقان. ولدهشتي، لقي هذا الكتاب استقبالا غير متوقع لدى القراء الأجانب، حيث كانت وزارة الثقافة العراقية قد وزعته على سفاراتها، فنفذت أول طبعة منه وطبع ثانية وثالثة، وتلقيت عبر الوزارة عشرات الرسائل من أناس قالوا فيها بأنهم قد تعرفوا على القضية الفلسطينية لأول مرة من خلال ذلك الكتاب. كانت تلك أول مرة يترجم فيها شيء من شعر المقاومة الفلسطينية إلى لغة أجنبية، وحين انعقد مؤتمر الأدباء العرب السادس في بغداد في عام 1969، كان الإتحاد قد أعد توصية للمؤتمر حول ضرورة ترجمة شعر المقاومة الفلسطينية، غير أن تلك التوصية  ما لبثت أن تحولت إلى رسالة شكر لي على مبادرتي، مع التوصية بمواصلة ترجمة وتوزيع شعر المقاومة. كانت تلك هي محاولتي الأولى للترجمة من العربية إلى الإنجليزية.ولم يكن الأمر صعبا بالنسبة لي، حيث كنت على ثقة بقوة لغتي الإنجليزية التي تعلمتها في نابلس على يد مدرسات كن قد تخرجن من الجامعة الأميركية في بيروت، ثم على يد أساتذة إنجليز في جامعة بغداد، بالإضافة إلى جهدي الخاص.  وكانت تلك القصائد بسيطة في لغتها وصورها أو حتى في أفكارها بحيث أنها لم تتطلب جهدا كبيرا. ولأجل التأكد مما قمت به، فقد عرضت ما ترجمته على الأديب الفلسطيني الراحل، جبرا ابراهيم جبرا، الذي كان يقيم في بغداد، وكان أستاذا للغة الإنجليزية. ولم أرسلها إلى وزارة الثقافة لنشرها على نفقتها، إلا بعد أن أعطى رأيه الإيجابي وشجعني على ذلك.

خضت خلال سبعينيات القرن الماضي تجربة جديدة في مجال الترجمة، على الرغم من تزايد مشاغلي الأخرى، حيث كنت قد انتقلت للعمل في كلية العلوم السياسية كسكريترة تحرير لمجلة مركز الدراسات الفلسطينية التابع للكلية، كما عدت لمتابعة دراستي الأكاديمية للحصول على شهادة الماجستير في العلوم السياسية.  وقد تمت تلك العودة للترجمة في سياق متغيرين، أولهما رغبتي في عدم الانقطاع عن عالم الأدب بعد أن قررت الابتعاد عنه بعد حرب عام 1973، أما الثاني، فهو ما شهده العراق من نمو بعد حرب عام 1973 بفعل ارتفاع أسعار النفط. فمع تدفق النقود، ازداد الاهتمام بالمؤسسات الثقافية وتشكلت دائرة خاصة بالترجمة في وزارة الثقافة، وأصدرت الدائرة مجلة أدبية خصصت لنشر مواد مترجمة عن الأدب العالمي هي مجلة “الثقافة الأجنبية”. وعلى مدى عدة سنوات لاحقة، وإلى حين تراجع نشاط تلك الدائرة بعد اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية في عام 1980، ترجمت للدائرة ثلاثة كتب هامة هي” التجربة الخلاقة” لأستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة أوكسفورد، سي. إم.  باورا، الذي تضمن دراساته الخاصة عن سبعة شعراء من رواد حركة الشعر الحديث في أوروبا، مع مقتطفات من قصائدهم، وهم: قسطنطين كافافي، غيوم أبولينير، فلاديمير ماياكوفسكي، بوريس باسترناك، تي. إس. إليوت، فيديريكو غارسيا لوركا ورفائيل ألبيرتي، ثم كتاب ” إدغار ألان بو” للمؤلف ديفيد سنكلير، والذي تضمن سيرة حياة بو ومقتطفات من أعماله، ثم كتاب ” ما هو النقد”، للمؤلف بول هيرنادي، وهو كتاب فلسفي تطلب مهارة المترجم الحرفي أكثر من مهارة المترجم الأدبي. إلى جانب ذلك، فقد أصبحت خلال تلك الفترة دائمة الحضور على صفحات مجلة ” الثقافة الأجنبية”، حيث نشرت لي العديد من الترجمات الشعرية ومقالات ودراسات هامة، اذكر منها على سبيل المثال ملفا كاملا عن الأديب الإنجليزي جورج أورويل، وآخر عن جيل الشعراء الإنجليز الذي عرف باسم جيل أودين خلال الثلاثينيات. ولا بد من الإقرار في هذا المجال، أن دافع الكسب المادي كان أحد دوافع نشاطي الترجمي في تلك الفترة. فالترجمة مهنة، وقد تكون حرفة يمكن للمترجم أن يعتاش منها إذا ألمت به الأزمات. إلى جانب ذلك، فقد كرستني نشاطاتي الترجمية في تلك الفترة كمترجمة من الدرجة الأولى في العراق.

في أواخر الثمانينيات، غادرت العراق وانقطعت عن الترجمة الأدبية، وذلك لأنني لم أتمكن من العثور على مؤسسة ترجمية عربية أستطيع العمل معها. كما إنني لم أكن معروفة خارج العراق كمترجمة، وذلك بفعل أن الكتاب العراقي لم يكن يصل إلى الأسواق العربية الأخرى. غير أن صلتي باللغة الإنجليزية والأدب الأجنبي لم تنقطع، على الرغم من انشغالي بأمور أخرى. فقد لازمتني ولم تزل هواية الترجمة الأدبية التي أحببتها، وترجمة الشعر منها بشكل خاص، حيث أنني لا أقرأ قصيدة إلا وأحاول ترجمتها، هذا إلى جانب المطالعة الدائبة للأدب الإنجليزي بشكل خاص.  وأنا أعمل الآن على مشروع خاص بي بعنوان “قصائد أجنبية خالدة” آمل أن يرى النور في يوم ما.

تجربتي في الترجمة الأدبية

الترجمة الأدبية عمل إبداعي ولا شك، وذلك بفعل الطبيعة الإبداعية للعمل الأدبي ذاته وتميزه عن أشكال الكتابة الأخرى بما يحمله من رؤى وصور ولغة مجازية ومعاني وأفكار تخاطب العقل من خلال العاطفة والمشاعر. لذلك لا بد للمترجم الأدبي من أن يكون ذا حس أدبي على أقل تقدير، إن لم يكن أديبا بحد ذاته. فإلى جانب ضرورة امتلاكه مستوى عاليا من الإتقان اللغوي، سواء في لغته الأم أو اللغة التي يترجم منها، فلا بد أن يكون قادرا على التعامل مع النص الأدبي بكل خصوصياته، وهي مهمة لا يتطلبها عمل المترجم الذي يتعامل مع نصوص محايدة.

وبفعل أنني منحازة تلقائيا للشعر، فإنني سوف أتحدث هنا عن ترجمتي له، وذلك بفعل أنني لم أترجم من أنواع الأدب حتى الآن، إلا الشعر. فالكتب والدراسات التي قمت بترجمتها هي كتب ودراسات عن الأدب بأنواعه المختلفة، وليست أدبا بحد ذاتها.  إن ترجمة الشعر أصعب من غيره من أنواع الأدب. لذلك قال الكثيرون بأن ترجمة الشعر غير ممكنه، بينما قال آخرون بأنها مهمة صعبة وبأن أية ترجمة لنص شعري لا يمكن أن تكون مماثلة للنص الأصلي، وبأن أقصى ما يمكن أن يحققه مترجم جيد هو نص شبيه. غير أنني أعتقد بعدم صواب مثل هذه الأقوال. فالترجمة الأدبية ليست نصوصا مطابقة حقا للنصوص الأصلية بفعل أنها بلغة أخرى.  غير أن التجربة الإنسانية واحدة، واللغات إنما وجدت من أجل ترجمة التجارب الإنسانية إلى كلام، وبفضل ترجمة الأعمال الأدبية إلى مختلف اللغات، صار هناك “أدب عالمي” يتجاوب معه ويحبه الملايين من البشر. وحين نصنف أدبا بأنه عالمي، فنحن نعني بأنه، سواء كان قصائد شعرية أم روايات أو مسرحيات، ذلك الأدب الذي يخاطب الإنسان في مشاعره وقلقه ومخاوفه الأساسية، أينما كان وبأية لغة يتحدث، فيقرأها الإنسان، ويتفاعل معها كما يتفاعل مع أي نص كتب بلغته.

تجربتي في ترجمة الشعر

كان فيديريكو غارسيا لوركا أول تجربة لي في ترجمة الشعر. وكان ذلك حدثا مهما في حياتي العملية. فلوركا هو أحد أركان ثورة الحداثة التي خاضها عدد من الشعراء في أوائل القرن العشرين، والتي ما لبثت رياحها أن وصلت إلى المنطقة العربية وكانت سببا في ظهور حركة الشعر العربي الحديث في خمسينيات القرن الماضي. وتكمن أهمية لوركا في أنه تمكن، من خلال شعره الحداثي المتوهج والبسيط، من نقل عالم الغجر الأندلسيين بآلامهم وأفراحهم وأخيلتهم وخرافاتهم، إلى مسرح العالمية.  كان همنا الرئيس، أنا وزوجي، هو الأمانة للنص الأصلي من حيث المعنى والإيقاع والحفاظ على الجملة الشعرية والسطر الشعري قدر الإمكان. ولم يكن ذلك صعبا، حيث أن قصائد لوركا وبخاصة في مجموعته” الرومانسيروغيتانو”، ذات أسطر قصيرة بشكل عام، واعتمد فيها شكل الأغنية الشعبية الأندلسية (Ballad) ذات الأوزان البسيطة، فطورها على نحو يتلاءم ورؤيته الحداثية، معتمدا السجع بدلا من القوافي. وكانت الصعوبة الوحيدة في ترجمته، هي في صوره المركبة التي تحتاج إلى دقة متناهية في الفهم والانتباه.

غير أن المسألة الرئيسة التي توقفنا، أنا وزوجي أمامها مطولا، هي واقع أننا كنا نخوض تجربة ترجمة نصوص مترجمة من اللغة الإسبانية إلى اللغة الإنجليزية.  فنحن لم نعرف اللغة الأسبانية. ولكن ذلك لم يوقفنا عن ترجمة لوركا من الإنجليزية إلى اللغة العربية، وكان عزاؤنا أننا كنا نترجم عن نصوص إنجليزية قام بها أستاذ متخصص شغل موقع أستاذ الأدب في عدة جامعات مرموقة مثل أكسفورد وغيرها، هو سي. إم. باورا. كما قمنا بمقارنة ترجمته مع بعض النصوص الإنجليزية لمترجمين إنجليز آخرين، وتسنى لي أيضا إجراء مقارنة مع نصوص فرنسية، حيث كنت قد درست اللغة الفرنسية كلغة ثانية في الجامعة. كما لابد من ذكر حقيقة أن اللغات الأوربية ذات الأصل اللاتيني متشابهة جدا وأن اللغة الإنجليزية، بفعل ما دخل عليها من تطورات واستيعاب للاتينية وغيرها، قد أصبحت قابلة للترجمة من وإلى أية لغة أوروبية، على نحو شبه حرفي إن لم يكن حرفيا، وهو ما اعتمده باورا. ولا بد لي من القول هنا أنني، وعلى الرغم من أنني ترجمت لاحقا عن الإنجليزية قصائد لشعراء آخرين كتبوا بلغاتهم الأصلية الخاصة، مثل الشاعرين الروسيين، ماياكوفسكي وباسترناك، فأنا أعتقد أن الترجمة عن لغة ثانية، غير محبذة إلا في حالات الضرورة القصوى، وذلك على الرغم من قناعتي بأن ما قمنا به كان عملا ناجحا، وعلى قدر كبير من الأمانة.

غير أن “كتاب التجربة الخلاقة” هو الذي كان مدرستي في الترجمة الأدبية، والشعر منها بشكل خاص، حيث انغمرت فيه انغمارا تاما. وكان الإطراء الذي تلقيته من الكتاب والأدباء في الصحف وغيرها من مجالات، ونفاذ الكتاب وطبعه ثانية من قبل وزارة الثقافة العراقية، مشجعا لي على عدم التردد في ترجمة الشعر. وكان أول ما تعلمته من خلال ترجمتي للمقتطفات الشعرية في الكتاب المذكور هو عدم ترجمة مقتطف إلا بعد قراءة القصيدة كاملة واستيعابها،  وكان ذلك مقدمة لترجمة الكثير من تلك القصائد كاملة، والتي نشرت لاحقا في مجلة ” الثقافة الأجنبية” وغيرها.

سوف أتحدث هنا عن تجربتي في ترجمة قصيدتين معينتين اشتهرتا على الصعيد العالمي وترجمتا إلى معظم لغات العالم، هما قصيدة ” الغراب” لإدغار ألان بو، وقصيدة “الأرض الخراب” لتي. إس. إليوت، وذلك نظرا للصعوبات الكامنة في ترجمة كل منهما.

قصيدة الغراب

تشكل قصيدة الغراب-The Raven- التي نشرت في الولايات المتحدة لأول مرة في عام 1845،  ذروة أعمال إدغار ألان بو الشعرية في تجسيدها لمشاعر الخوف والقلق الإنساني وعذاب الروح البشرية. وهي لا تزال حية في قلوب الكثيرين من عشاق بو والكلمة الرنانة وقصص الرعب والأخيلة المقلقة. وبوصفها قصيدة للقراءة بالدرجة الأولى، فلا تزال منتديات الشعر تجني الأموال الطائلة من قراءتها.

” الغراب” قصيدة كلاسيكية من حيث الوزن والشكل، تتألف من ثمانية عشر مقطعا( ستا نزا) سباعي الأسطر على وزن التروشية الطويل، ستة منها كاملة بينما السطر الأخير نصف سطر يستخدم كلازمة تتكرر في كل مقطع.  غير أنها، وعلى الرغم من شكلها الكلاسيكي وانتمائها لمنتصف القرن التاسع عشر،  ذات معالم حداثية في مقدمتها وحدة الموضوع، حيث تخلو من أي استطراد أو أية عناصر ثانوية، إضافة إلى ثيمتها الأساسية التي تعنى بالعذاب والقلق الإنساني.

على الرغم من أن القصيدة من حيث معناها ورؤيتها ليست صعبة، فهي تشكل تحديا للمترجم بفعل اعتمادها الكلي تقريبا على الموسيقى الشعرية بكل أدواتها من وزن وإيقاع وجناس وسجع وتكرار لأصوات الحروف و الكلمات، وغير ذلك من المؤثرات التي أراد الشاعر من خلالها توفير موسيقية خاصة ترمي إلى تصعيد حالة الترقب والتوجس التي خلقها اقتحام غراب أسود غريب الشكل غرفته في ليلة شتائية قاسية، هذا إلى جانب ما تتضمنه من مؤثرات جمالية أخرى تتعلق بالمشهد الدرامي وما فيها من استدعاء لعالم الأساطير والرموز التي في مقدمتها ذلك الغراب الأسود ذاته، نذير الشؤم في معظم الثقافات.

لعل التحدي الأول والوحيد في ترجمة هذه القصيدة، هو كيفية نقل موسيقية القصيدة من دون كل هذه المؤثرات التي تستحيل ترجمتها. فترجمة الشعر إلى شعر، ومحاولات استخدام قوافي عربية وغيرها، أمر وقفت ضده باستمرار، نظرا لما يمكن أن يلحقه بالقصيدة الأصل من تشويه بتغليبه الشكل على المعنى. وإذ يتحرر المترجم من عبء الوزن، فإن كل مصاعب الحفاظ على الشكل وتوفير الموسيقى والمؤثرات الأخرى التي تتطلبها القصيدة قابلة للتطويع بفضل ما يتوفر في اللغة العربية من خيارات كثيرة. وقد علمتني التجربة أن أفضل طريقة لترجمة الشعر، سواء كان موزونا أم شبه موزون، كما الشعر الحديث، هي في اعتماد النثر الشعري، الذي هو أقرب إلى الترجمة شبه الحرفية، التي تحافظ على الجملة الشعرية وتقتنص المعنى والرؤية، وتوفر الموسيقى الشعرية البديلة الأقرب لموسيقية القصيدة الأصلية، من خلال قدر معين من التصرف الذي تفرضه الفوارق البنيوية بين اللغتين العربية والإنجليزية.

لذلك عمدت إلى الحفاظ على شكل ومعالم القصيدة الأصلية بالنسبة لنظام الستانزا وعدد الأسطر فيها. كما أبقيت على السطر الطويل الذي يعتمده الشاعر، وذلك نظرا لم يوفره من إحساس توقعي في الحكاية الشعرية. وحاولت، قدر المستطاع، توفير مترادفات تقوم مقام القافية والوزن واعتماد ما أمكن من سجع يخدم نفس الأغراض. كما اعتمدت لجميع المقاطع لازمة مماثلة، ذات كلمة معبرة أخيرة، على النحو الذي وضعه الشاعر-Never more- وهي “أبدا”، التي وفرت للقصيدة موسيقية خاصة.

هناك توصية يقدمها أساتذة مادة الترجمة، وهي أنه يتحتم على المترجم، بعد الانتهاء من ترجمة قصيدة ما، أن يقرأها بإمعان، فإذا فهمها وأحس بها كما فهم وأحس بالقصيدة الأصلية قبل ترجمتها، يكون قد أنجز عملا جيدا. وهذا ما أفعله دائما. فحين قرأت ترجمتي لهذه القصيدة أحسست بالرضا،  وشعرت بأن الترجمة أمينة جدا وفيها من الموسيقى التصعيدية ما يكفي، لولا أنها أقل قليلا من حيث المؤثرات الإيقاعية والصوتية التي استخدمها بو وتعرض للنقد بسبب الإسراف فيها. وبذلك قد تكون هذه الترجمة قد خدمت القصيدة.

قصيدة الأرض الخراب.

يعتبر الكثيرون قصيدة ” الأرض الخراب       -The Waste Land-للشاعر الإنجليزي تي. إس. إليوت، والتي نشرت في عام 1922، قصيدة القرن العشرين بلا منازع، وقد ترجمت إلى معظم لغات العالم، وما زالت تثير نقدا وجدلا لم تتعرض له أية قصيدة أخرى، ليس فقط بالنسبة لثيمتها الأساسية التي تتخذ من انحطاط الحضارة الأوروبية الحديثة موضوعا لها، وإنما لأنها أول قصيدة صارخة الحداثة في الأدب الإنجليزي، سواء في شكلها وبنيتها المفككة ظاهريا، الغريبين عن تقاليد الكتابة الإنجليزية والأوروبية بشكل عام، أو في تقنياتها وتعاملها مع الأوزان والصور الدرامية، وما انتهجته من تضمين يغطي كل أطياف الكتابات الثقافية والأدبية الأوروبية ويمتد إلى خارج نطاقها، هذا بالإضافة إلى لغتها التي تراوح بين اللغة الشعرية واللغة النثرية واللغة القريبة جدا من الكلام العادي.

تعرفت على القصيدة أول مرة خلال دراستي الجامعية، ثم بدأت دراستها لدى ترجمتي لكتاب” التجربة الخلاقة” الذي ضم مقاطع منها. وأخذت أعود إليها بين حين وآخر، إلى أن أصبحت شبه مكتملة وفضلت التريث في نشرها. القصيدة صعبة حقا، بل تكاد تكون إحدى أصعب القصائد في تاريخ الأدب الأوروبي الحديث، وهي تشكل تحديا لأي مترجم مهما بلغت ثقته بنفسه.  وقد اطلعت على بعض ترجماتها العربية، ولم أجد في ما اطلعت عليه ما يفي القصيدة حقها، إضافة إلى ما ارتكب بحقها من أخطاء جسيمة تطال فهم معاني المفردات وتداعياتها، على الرغم من أن بعض من تصدوا لترجمتها كانوا أسماء لامعة في عالم الأدب، مثل لويس عوض وأدونيس ويوسف الخال والناقد العراقي عبد الواحد لؤلؤة.  وعلى الرغم من أن عبد الواحد لؤلؤة قد أحاط بمعاني القصيدة ومفرداتها ومقتبساتها بفعل تخصصه بالأدب الإنجليزي، فقد وجدت أن ترجمتة قد افتقدت تلك الموسيقية السلسة المتراوحة بين أمزجة الشاعر المختلفة، بالإضافة إلى استخدامه لمفردات يمكن لي أن أطلق عليها صفة المفردة المتخشبة. فثورة الحداثة التي كان إليوت أحد أكبر رموزها، قد طالت المفردة قبل أي شيء آخر، متخلية عما عرف تقليديا باللغة الشعرية التقليدية. هذا بالإضافة إلى لجوئه في مقطع معين إلى العامية التي كان قد انتقد لويس عوض على استخدامها.

اعتمدت في ترجمتي للقصيدة عدة منطلقات مستمدة من تطبيقات إليوت في القصيدة، يمكن إيجازها بمايلي:

1- في شأن الوزن والقافية والمؤثرات الإيقاعية والموسيقية الأخرى،  تميزت قصيدة الأرض الخراب بالمراوحة بين الأوزان الكاملة وأنصاف الأوزان والشعر الحر والنثر العادي، حيث استخدم إليوت عدة أوزان للأسطر الموزونة هي الأيامب والداكتيل والتروشيه، وذلك وفقا لمتطلبات موضوع ونبرة ومزاج كل قسم وجزء من قسم في القصيدة، سواء كان تأمليا أم وعظيا أم تهكميا. وقليلا ما استخدم القوافي، مستعيضا عنها بالجناس وأصوات الكلمات والمؤثرات الأخرى، وذلك بشكل مختلف في كل قسم أو جزء. وبذلك يمكن القول أن إليوت قد استخدم المؤثرات الإيقاعية بمختلف أشكالها لخدمة ثيمته ومواضيعه بدلا من أن يخضع الثيمة والموضوع الرئيس لتقاليد الوزن والقافية وغيرهما. وهذا هو أحد معالم الحداثة في الشعر الحديث. ومن الواضح أن مثل هذا التوجه يخدم المترجم بدرجة كبيرة، ويجعله أكثر تركيزا على المعنى، ويمنحه حرية أكبرفي إيجاد البدائل للمؤثرات الإيقاعية، وذلك على العكس من قصيدة الغراب، التي تطلبت تركيزا أكبر على توفير المؤثرات الإيقاعية البديلة.

2- على الرغم من أن إليوت لم يلتزم بأي شكل تقليدي للقصيدة، حيث قسم قصيدته إلى خمسة أقسام اختلف عدد الأسطر في كل منها عن الآخر، وتناول في كل قسم عدة مواضيع لا يربط بينها أي رابط ظاهري، ولم يتبع في ذلك نظام الستانزا التقليدي،  فقد كان لابد من الإبقاء على الشكل على حالة، وذلك بفعل أن كل قسم يشكل تنويعا خاصا ومتكاملا من تنويعات الثيمة الأساسية للقصيدة.

3- تعاملت مع الأسطر المدورة، التي يكثر إليوت من استخدامها في الأقسام أو الأجزاء    الموزونة، بحرية ما، آخذة في الاعتبار أن الشاعر لا يلجأ لاستخدام الأسطر المدورة إلا لضرورات الوزن المتبع في القسم أو الجزء وعدد تفعيلاته في السطر الواحد. غير أنني راعيت في الآن ذاته أن لا تتجاوز تلك الحرية حدود الكلمة أو الكلمتين في أقصى تقدير، لكي لا يمس تصرفي المحدود هذا بعدد الأسطر أوبشكل القسم أو الجزء. فكانت النتيجة النهائية لذلك عدد أسطر مماثل ومطابق لعدد أسطر القصيدة الأصل، التي بلغت نحو 433 سطرا. وهناك من يرقمها 434 سطرا بتقسيم أحد الأسطر إلى اثنين.

– 4 ضمن إليوت قصيدته مقتبسات من عدد كبيرمن الآداب الأوروبية القديمة والحديثة، بالإضافة إلى الكتب الدينية والملاحم وغيرها، ضمن عملية توظيف تلك المقتبسات في خدمة ثيمة القصيدة، وكان لابد من ترجمة ما ورد منها بغير الإنجليزية ووضعها ضمن أقواس. ونظرا إلى أن شروحات إليوت التي وضعها في نهاية القصيدة شديدة الاختصار، فسوف أضع لها شروحات وافية أخرى، خدمة للقارئ العربي حين أقرر نشرها.

5- غير أن بعض هذه المقتبسات قد تشكل عقبة أمام المترجم العربي مهما كان قدر ثقافته، وكان لا بد لي في بعض الحالات من أن أبحث طويلا عن أسماء أومفردات يقتبسها إليوت، ولا يشير في شروحاته إلا إلى مصدرها. وقد تطلب ذلك الرجوع إلى مصادر توفر ما يكفي من المعلومات في شأن الكلمة والسياق الذي وظفت فيه. وأؤكد في هذا المجال على ضرورة أن يحيط المترجم بكل مثل هذه المقتبسات وغيرها من إشارات، لكي يتمكن من ترجمة القصيدة بثقة.

6- تكمن صعوبة ترجمة ” الأرض الخراب” بدرجة رئيسة في معاني المفردات. ولا يقتصر هذا على ما هو مقتبس منها، بل يشمل بعض المفردات الإنجليزية العادية التي تكتسب

في الشعر ظلالا ومعاني جديدة مختلفة عما يعرف لها من معاني في القاموس أو في التداول العام. ومثل هذه المفردات كثيرة في ” الأرض الخراب”. ولابد لي من الإشارة في هذا المجال، إلى صعوبة واجهتني كما واجهت غيري من مترجمي القصيدة، هي صعوبة ترجمة عنوانها، على الرغم من السهولة الظاهرية لهذا العنوان. ويرجع ذلك إلى عجز المؤسسات اللغوية العربية عن التحقيق في معاني المفردات العربية ودلالات ألفاظها وتطوراتها. فقد تعددت ترجمات العنوان بعدد المترجمين، منها على سبيل المثال: الأرض الخراب، الأرض اليباب، أرض الضياع، الأرض البور أو البوار. وقد تكون هناك تسميات أخرى لم أطلع عليها.  أما بالنسبة لي، فقد فضلت لأول مرة تعاملت فيها مع القصيدة عنوان الأرض الخراب الذي استعمله أدونيس ويسف الخال. وعلى الرغم من أنني ما زلت استخدم هذا العنوان، فإنني وضعت احتمالين آخرين لإقرار أي منهما عندما أقرر نشر القصيدة، أولهما “الأرض المقفرة” لأنه الأقرب لفكرة القصيدة، وهي أن ما حدث للأرض هو حدث طارئ نتيجة إصابة الملك الصياد بالعقم، حيث عقمت الأرض معه، وهي قابلة للانتعاش ثانية إذا ما عادت للملك الصياد خصوبته، وذلك وفقا لما جاء في كتاب جيسي ويستون” من الطقوس إلى الرومانسية” الذي اعتمد عليه إليوت في تأليف قصيدته واقتبس منه كلمة” ويست”. أما الإحتمال الثاني، فهو الإبقاء على اٍلعنوان بصيغته الإنجليزية” الويستلاند” أو “الويست لاند”، وذلك بالتعامل معها كإسم علم غير قابل للترجمة. غير أن هناك عيبا في هذه، هي احتمال أن يفهمها القارئ العربي على أنها” ويست لاند” – أي الأرض الغربية. وإن دل كل ما سبق على شيء فهو يدل على أن تحديات الوزن والقافية والمؤثرات الصوتية الأخرى في أية قصيدة، تتضاءل أمام تحدي المعنى. ويبدو أنني سوف استقر على عنوان “الأرض الخراب”، حيث أنه يحمل المعنى المقصود في القصيدة مثل “المقفرة”، ولأنه أكثر شعرية من التسميات الأخرى.

7- هناك نقطة لابد من التحدث فيها، وهي مسألة ما يعرف بتعريب أو توطين النص الأصلي، حيث يعمد بعض المترجمين العرب إلى إخفاء المعالم الثقافية الخاصة بالنص الأصلي، و ذلك بتعريب الأسماء والصفات والمجاز في بعض الأحيان، حيث يصبح النص المترجم وكأنه نص عربي الأصل. أعتقد بأن مثل هذا التوجه في الترجمة هو أشبه ما يكون بعملية خيانة لمهنة الترجمة وغاياتها. يخطر ببالي مثل يعرفه الجميع، وهو ترجمة خليل مطران لعنوان مسرحية أوثيللو التي سماها “عطيل”. وكان ذلك أشبه بأولئك الذين سموا شكسبير “الشيخ زبير”. لقد دأبت في كل ما قمت بترجمته، على المحافظة على كل المعالم الثقافية للنص الأصلي.  ولأجل أن أوضح ذلك استنادا إلى القصيدتين السابقتين، فقد أبقيت على كل كلمة تبدأ بحرف كبير، إسم علم، على حالها، بما في ذلك الألقاب: مستر، مسز، وغير ذلك من الكلمات ذات الدلالات المستقاة من التراث الإغريقي وغيره. كما احتفظت بالأصوات التهكمية أو المقلدة للطبيعة أو الطيور وغيرها، على النحو الذي وردت فيه في النص الأصل. ويتطلب ذلك من المترجم وضع شروحات إضافية للقصيدة المترجمة.

8- أود أن أقول في النهاية، أن قصيدة الأرض الخراب قصيدة آسرة دون الحاجة إلى فهم ثيمتها الأساسية أو مصادر مقتبساتها والسياقات التي وضعت فيها، وذلك في ضوء تعاملها مع صور ورؤى تنبؤية ومخاوف وقلق مصيري تراود الإنسان أيا كان، في أي زمان ومكان. ولذلك فإن القارئ العادي لا يحتاج إلى الشروحات المطولة الضرورية بالنسبة للمثقفين وطلاب الفروع الأدبية في الجامعات. وقد يكون هذا القلق الإنساني هو الذي جمع في هذه المطالعة ما بين قصيدة الغراب وقصيدة الأرض الخراب.