الغراب

الصفحة

 

الغراب

The Raven

  للشاعر الأميركي إدغار ألان بو

 1845   

ترجمة سلاف حجاوي       

  

-1-

 
 في منتصف ليلة موحشة، بينما كنت متعبا ومرهقا
 أفكر في العديد من كتب الحكايات القديمة الغريبة والعجيبة المنسية 
 بينما كنت أنوس أكاد أغفو، فجأة، إذ بنقرة
 كأن أحدا يطرق بخفة، يطرق باب غرفتي
 همهمت، “هذا زائر يطرق باب غرفتي
 ليس هناك شيء آخر، أبدا”.
  -2-
   أجل، أذكر بوضوح، كان ذلك في ديسمبر القارص     
   وكانت كل جمرة مترمدة تصب شبحها فوق الأرض
   لشد ما تمنيت أن يطلع الصباح
   وعبثا حاولت أن أستمد من كتبي ما يبعد الأحزان، أحزان فقدان لينور
  أحزان تلك الفتاة المتألقة النادرة التي تسميها الملائكة لينور
  تلك التي لم يعد لها اسم بعد الآن، أبدا
        
     -3-
     والحفيف الحريري القلق الحزين لكل ستارة أرجوانية
    أرعشني، غمرني بمخاوف راعبة لم أعرفها من قبل
    حيث أنني، ولأجل أن أهدئ ضربات قلبي، وقفت أردد
    “هذا زائر ما على باب غرفتي يتوسل الدخول
    زائر متأخر على باب غرفتي يتوسل الدخول
     ليس هناك شيء آخر، أبدا”
          -4-
  وإذ اشتدت عزيمتي ولم أعد أتردد
 ” سيدي”، قلت، “أو سيدتي، حقا إنني أرجو المعذرة
 فالحقيقة أنني كنت أكاد أغفو، وكنت تدق بكل خفة
   وكنت تنقر نقرا خفيتا على باب غرفتي
  ولم أكد أصدق أني أسمعك”- ثم فتحت الباب واسعا
   هناك ظلام، ليس هناك شيء آخر، أبدا
          -5-   
 هكذا وقفت طويلا أحدق في الظلام، متعجبا خائفا
 متشككا، أتخيل أخيلة لم يجرؤ فان على تخيلها من قبل
 وكان الصمت مطبقا ولم تنم عن السكون نأمة
  والكلمة الوحيدة التي بهمس صدرت لم تكن غير كلمة “لينور؟”
  تلك التي همست بها أنا ورددها الصدى مرجعا، “لينور”
  ليس هناك شيء آخر، أبدا
     -6-
  وإذ استدرت نحو الغرفة وروحي في جوفي تحترق
 سمعت نقرة أعلى قليلا من السابقة
  “لا شك”، قلت، “لاشك أن هناك شيئا على شباك نافذتي
  فلأنظر ما الذي هناك وأكتشف اللغز
  وليهدأ قلبي للحظة ريثما أكتشف اللغز.
  إنها الريح فقط، ليس هناك شيء آخر، أبدا . 
           -7-
ما إن أشرعت النافذة، حتى اندفع بكل خيلاء ورفرفة
غراب مهيب من عالم العصور القدسية الخالية
لم يبد أي احترام، ولم يتوقف أو ينتظر لمجرد لحظة
بل وبأبهة الأمير أو الأميرة، حط فوق باب غرفتي
حط على تمثال بالاس الذي فوق باب غرفتي
حط وجثم، ليس هناك شيء آخر، أبدا
                 -8-
وإذ أغرى ذلك الطائر الأبنوسي مزاجي الحزين بالابتسام
بفعل ما تقمصته هيئته من صرامة ووقار
قلت، ” على الرغم من أن عرفك مجزوز وحليق، فأنت لست معتوها
يا أيها الغراب المتجهم الشنيع القادم من الشاطئ الليلي
قل لي ما اسمك الجليل هناك في شاطئ الليل البلوتوني
رد الغراب، “أبدا”.
                                    
                    -9-
لشد ما أدهشني أن يفهم ذلك الطائر الغليظ الكلام بكل وضوح
مع أن جوابه لم يعن شيئا ولم يكن فيه ما يفيد
لأننا لا بد لنا من الإقرار بأن أي إنسان
لم يحظ قبل برؤية طائر فوق باب غرفته
طائر أو حيوان فوق تمثال منحوت فوق باب غرفته
إسمه ” أبدا”.
                                   
       -10-
غير أن الغراب الجالس وحيدا فوق التمثال الرائق
لم يقل غير تلك الكلمة الوحيدة، وكأنه قد صب روحه في هذه الكلمة الوحيدة.
لم ينطق بأي شيء آخر، ولم ترف له ريشة
إلى أن قلت بما يشبه الهمهمة-” هناك رفاق آخرون أتوا من قبل
وفي غد سوف يغادرني كما غادرتني آمالي من قبل
لكن الطائر قال، ” أبدا”.
      -11-
وإذ أفجأني انكسار الصمت بذلك الجواب المنطوق بكل فصاحة
” لاشك”، قلت، ” أن ما يقوله هو كل ما لديه من رصيد ومخزون
تعلمه من سيد تعيس تلاحقت علية الأرزاء التي لا ترحم
واحدة تلو الأخرى حتى لم تعد أغانيه تحمل غير عبء واحد-
حتى لم تعد مراثي أحلامه تحتوي سوى على ذلك العبء الحزين الواحد
عبء” أبدا “.
    -12-
غير أن الغراب كان ما زال يغري مزاجي الحزين بالابتسام
فأدرت مقعدي السيار نحو الطير والتمثال والباب
وإذ غصت في مخمله أخذت أربط فكرة بفكرة
أفكر بما عناه هذا الطائر القديم المشؤوم
أفكر بما عناه هذا الطائر القديم المتجهم الغليظ الضخم الكئيب المشؤوم
بنعيبه، ” أبدا”.
     -13-
هكذا جلست أخمن ولم أقل حرفا واحدا
لذلك الطائر الذي أخذت عيناه تحترقان في غور صدري
هكذا جلست أتكهن، ورأسي متكئ باسترخاء
على غطاء الوسادة المخملية التي كان ضوء المصباح ينظر بوله إليها
ذلك الغطاء المخملي الأرجواني الذي يتشهاه ضوء المصباح
والذي لن تسند رأسها إليه أبدا.
  -14-
ثم خيل إلي وكأن الهواء أصبح مثقلا بعطر من حق غير مرئي
يدور به ملاك ترن خطاه على الأرض المفروشة
صرخت، ” أيها المأفون، إن ربك قد منحك، ومع الملائكة أرسلك
مهلة- مهلة وشرابا للنسيان، لكي تتخلص من ذكريات لينور
فعبّ، آه عبّ من شراب النسيان هذا، وانس الفقيدة لينور
رد الغراب، “أبدا”.
         -15-
“أيها النبي”، قلت، “يا شيئا من شيطان!- ” نبيا مازلت، طائرا كنت أم شيطانا
سواء كان الشيطان هو الذي أرسلك، أم الريح قذفت بك على هذه الشطآن
وحيدا ولكنك غير هياب، على هذه الأرض المسحورة الصحراء
في هذا البيت المسكون بالأهوال- قل لي حقا، أتوسل إليك
هل هناك بلسم في جلعاد؟ قل لي، أتوسل إليك
رد الغراب، ” أبدا”.
        -16-
” أيها النبي”، قلت، ” يا شيئا من شيطان، نبيا ما زلت، طائرا كنت أم شيطانا
بحق هذه السماء التي تنحني فوقنا، بحق ذلك الرب الذي نعبد أنت وأنا
فلتقل لهذه الروح المثقلة بالأحزان، إن كنت هناك في عدن البعيدة
سوف أعانق فتاة قدسية تسميها الملائكة لينور
أعانق فتاة نادرة متألقة تسميها الملائكة لينور
رد الغراب، ” أبدا”.
       -17-
صرخت قافزا، “فلتكن هذه الكلمة شارة فراقنا أيها الطير أو العفريت
هيا ارحل وعد إلى العاصفة وإلى ليل الشاطئ البلوتوني ( ..وإلى ليل شاطئ رب العالم السفلي)
لا تترك ريشة سوداء كتذكار لتلك الأكذوبة التي نطقت بها روحك
ألا اتركني في وحدتي بلا إزعاج، واترك هذا التمثال الذي فوق بابي
ألا انزع منقارك من قلبي، وارحل بسحنتك بعيدا عن بابي
رد الغراب، ” أبدا”
     -18-
ولم يرف للغراب جناح، ولم يزل جالسا، جالسا
فوق تمثال بالاس الشاحب فوق باب غرفتي
وعيناه لها كل سيماء عيني شيطان يحلم
وضوء المصباح المنثال عليه، يلقي بظله فوق الأرض
ومن ذلك الظل الطافي فوق الأرض
لن تنجو روحي، أبدا!