الفصل السادس

الصفحة

 

الكتاب المقدس، النكبة والأدب العبري

        في سياق حرب الإستقلال، أخذت تظهر في إسرائيل جماعات صغيرة من الشعراء الشباب على نحو متفرق…كانوا يستمعون إلى شهود على كارثة الشعب اليهودي في أوروبا، وكانوا يرون شهودا على مأساة عرب فلسطين.لم يظهر أي صدى لأي من هؤلاء الشهود في قصائدهم.كان آباؤهم، الذين رادوا البلاد منذ أوائل العشرينيات قد أخبروهم ، حين حدث الهولوكوست، عما حدث لليهود في أوروبا. غير أنهم أخفوا عنهم و لم يخبروهم  ولا جعلوهم الشعراء الشباب) يعرفون ما حدث هنا، أمام أعينهم ضد العرب. لم تظهر لذلك إشارة في قصائدهم. بالأمس فقط، كان العرب يأتون بالمشمش إلى بيوتهم، وفي  الغد- مفيش. كانوا، ولم يعد لهم وجود. كل ذلك لم يستخلص منهم سؤالا واحدا  في قصائدهم.
     ( أفوت يشورون، مسودة من أوراقه الشخصية، نشرت في ’ميتام‘ في التاسع من  أذار/مارس، 2007، ص. 6 ) إنه عدم الشعور بالمسؤولية!  كل تلك الفكرة عن حي يهودي إلى جانب يافا العربية،فخلال النهار يعتاش الواحد على الآخر،  وفي المساء ينفصل الواحد عن الآخر، المتنورون، نظيفون ومتحضرون سيكونون هنا، وابن الأرض المتخلف ، القذر، الذي تسبب في إجداب الأرض سيكون هناك. فوق، اليهود ( الأب يدعوهم أخوتنا) ضد المسلمين (الأب يدعوهم محمديين)، مهاجرون ضد سكان محليين، فوق،متقدمون ضد متخلفين، أوروبيون ضد أسيويين- كما لوأنه يمكن هكذا أن يتعايشوا , بسلام، بدون جدار بينهم، بدون بوابة حديدية بينهم، وبدون سلحة من أجل يوم  الحساب. كيف يمكن ذلك؟  
      (س. يزهار، ’مقدمات‘، 1992)
  كيف يمكن لنا أن نحتج على كراهيتهم لنا؟ منذ ثمانية أعوام حتى الآن، وهم يعيشون في مخيمات اللاجئين في غزة، وأمام عيونهم، نقوم حن بتحويل الأرض والقرى التي عاشوا فيها هم وأجدادهم إلى إرث لنا…خيار حياتنا-أن نكون مستعدين ومسلحين، وأقوياء وقساه، كي لا ترتخي قبضتنا على السيف وتنتهي حياتنا. ( من تأبين موشيه دايان لروي روتينبيرغ من كيبوتز نحال عوز،  الأول من مايو/ايار 1956) هنا مكان غادر مكانه ولم يعد له وجود ( س. يزهار، ’قصة لم تبدأ بعد‘، من ’قصص السهل‘، 1963)
  أوضح في هذا الفصل كيف أن أساليب الإستيطان الصهيوني والاستيلاء على الأرض والإقصاء عن العمل، والتي تحدثت عنها سابقا، قد تضافرت مع مجالات الثقافة والخيال الأدبي والوعي. وكما أقوم بعملية استكتشاف على مدى هذا الكتاب، فإن إطار الإستعمار الإستيطاني يكفي لتفهم الصهيونية ودولة إسرائيل، ليس على المستوى المادي فحسب، وإنما كذلك على المستوى المنطقي والإيديولوجي. أنظر هنا بشكل خاص إلى قراءة بن- غوريون واستعماله للعهد القديم، وألقي في هذا السياق نظرة على مشروعه المعروف بمشروع الكتاب المقدس الذي تم الترويج له كثيرا خلال خمسينيات القرن العشرين. أتساءل في هذا المجال عما إذا كان الموقف الغريزي لبن- غوريون من العهد القديم،  كان موقفا يهوديا بأي معنى واضح، أم أنه يمكن أن يفهم على أنه موقف ’بروتستنتي‘ وقابل للمقارنة بهذا المعنى مع مواقف مجتمعات إستيطانية أخرى. هنا أتعامل مع المشروع بكليته- ما تميل أنيتا شابيرا إلى تسميته ’ جنون الكتاب المقدس‘- كأساس محوري  في عملية بناء بن -غوريون للدولة الأمة الإستيطانية، وكطريق تقود إلى الملاحظات التي سأقدمها حول النكبة خلال العقدين الأوليين من قيام الدولة، وحول الأدب العبري والخيال الأدبي الإستيطاني وما يشكل الوعي الإستيطاني. في الفصل التالي والأخير، سوف أركزعلى تأويل بن- غوريون للكتاب المقدس.
     يتطلب مصطلح الكتاب المقدس- البايبل بعض التوضيح. فهو يعني باللغة الإنجليزية العهدين القديم والجديد: القديم هو ما قبل المسيحية، والجديد يكرر بوضوح، وبطريقة مخادعة غير مؤذية وجهة النظر اللاهوتية المسيحية. أما في العبرية، فيعرف ’ العهد القديم‘بكلمة مركبة هي ’التناخ‘ والتي تتألف من ثلاثة أحرف (ت، ن، ك)، يدل كل واحد منها على واحد من مجموعات الكتب الثلاثة التي يتألف منها العهد القديم: التاء ترمز إلى التوراة، التي تضم الشرائع( القانون)، والنون ترمز إلى النبيين ( نبييم-الأنبياء)، والكاف ترمز إلى الكتب (كوتوبيم- الكتابات).  لذلك حين أقول ’كتاب مقدس ‘ أي ’ بايبل‘-  هنا، فأنا أعني العهد القديم، إلا إذا تم التنويه بغير ذلك.
     كما ينبغي ان أبين بأن القارئ سوف يصادف أحيانا في هذا الفصل مقتبسات لا ترافقها تعليقات، من رواية عوز شيلاخ لعام 2003 الرائعة ’ مناطق للتنزه -رواية في شذرات‘.  ولد شيلاخ في عام 1968 في القدس الغربية وعمل في محطة الإذاعة العسكرية كمراسل صحفي ومحرر خلال الإنتفاضة الأولى. ثم غادر إسرائيل إلى الولايات المتحدة عام 1998 وأصبح غير صهيوني. ’ مناطق للتنزه‘ أول رواية له، وقد كتبها باللغة الإنجليزية وليس بالعبرية لأنه، وبين أسباب أخرى، توصل إلى أن اللغةالعبرية ’قد بنت في داخلها أيديولوجيا لا أرتاح لها‘[509].  عوز شيلاخ هو حفيد الشاعر أورييل شيلاخ الذي يعرف على نحو أكثر باسمه الأدبي ’ يوناثان روتاش‘، مؤسس حركةالشبيبة العبرية في أوائل أربعينيات القرن الماضي، وهي الحركة التي سميت إزدراء من قبل مناهضيها  ’بالكنعانية‘[510].
 بيانات بحثـية
 كنت قد تناولت قبلا في هذا الكتاب مقالات أنيتا شابيرا عن بعض القضايا المركزية التي تتعلق بإسرائيل والصهيونية، مثل نفي المنفى والهولوكوست. كذلك كتبت شابيرا عن مكانة  الكتاب المقدس  في الهوية الجماعية الإسرائيلية ودورها في عملية بناء الأمة. تضم هذه الكتابات مقالات هامة عن بن-غوريون والكتاب المقدس، إضافة إلى مجموعة من النصوص حول الكتاب المقدس من قبل شخصيات صهيونية إسرائيلية مرموقة ،هذا إلى جانب مقدمة طويلة كتبتها شابيرا [511]. لا بد من الإشارة إلى أن شابيرا شخصية هامة على مستووين لهما علاقة ببعضهما البعض: كباحثة بارزة في التاريخ الصهيوني والإسرائيلي، كما إن الموقع الهام الذي ينظر إلى بحوثها منه، يجعلها أيضا واحدة من أبرزالمفكرين الصهيونيين الإسرائيليين.  أنظر إلى نصوصها في آن واحد: كتبصر عميق في الكتاب المقدس، وكترديد وتوسع في الأيديولوجيا الصهيونية الإسرائيلية.
      في المقدمة الخاصة بهذه المجموعة من النصوص والوثائق (الكتاب المقدس والهوية الإسرائيلية)، تلاحظ شابيرا أن أحد أهم الأشياء التي تميز الصهيونية عن التجليات الأخرى للقومية اليهودية العلمانية في القرن التاسع عشر، هو مكانة الكتاب المقدس في قلب هذه الأيديولوجيا. فهذ الحركات، مثل الإستقلاليين الذاتيين والبونديين، رفضوا الكتاب المقدس كنص ديني يتعارض مع مفاهيمهم( تستخدم صفة ’تقدمية‘ بين قوسين حيث يبدو أنها لا توافق على  الرأي في أن هذه الحركات تقدمية). ” أما الصهيونية، فقد اعتنقت الكتاب المقدس واعتبرته قصة تشكل أمة، وحوليات عظمتها منذ العصور القديمة فوق أرضها، وعملية الخلق الروحي العظيمة التي أنتجتها فوقها ومنحتها لكل العالم.  فقبل أن يكون لليهود بلد، قاموا بصياغة بلد لهم في مخيلتهم، والذي أصبح المصير الخاص برغبتهم[512]. فمجادلتها الرئيسة هي أنه على مدى قرن كامل، كان الكتاب المقدس هو النص الأول المشكل لهوية المجتمع اليهودي الذي تشكل فوق أرض إسرائيل [513].
     تعترف شابيرا من جهة بأن العودة إلى الكتاب المقدس على هذا النحو غير واضح ذاتيا، وإنما يتم تركيبه ضمن مضمون معين لا بد أن يكون حديثا. فهي تؤكد أن كل حركة قومية تحتاج:
   إلى عصر ذهبي تخلق فيه الأمة وتتشكل مقوماتها، إنها اللحظة  البدائية… الكتاب المقدس هو الذي منح القومية اليهودية الغضة الأساس الأسطوري- التاريخي لكي تخلق الوعي بفردانية الأمة من حيث رابطتها بأرض الآباء. وبطريقة تكاد تكون واضحة، فهو (أي الكتاب المقدس) قد  وفر الدليل على ’ طبيعية‘ الحل الصهيوني للمشكلة اليهودية[514] .من جهة ثانية، تجعل شابيرا توجه اليهود نحو الكتاب المقدس يبدو على أن كاشف للذات، وذلك شيء سأعود إليه تاليا. وفي اعتمادها على الزعيم العمالي المرموق، الأب المؤسس لموجة الهجرة الثانية، بيرل كاتزنلسون، والذي قامت بكتابة سيرتة الضخمة، تقول  شابيرا :
 ” حين ظهرت الحركة القومية اليهودية، كان الكتاب المقدس متوفرا كمصدر للشرعية والتأصيل التاريخي. وهكذا تم  العبور من الإهتداء الثقافي بالكتاب المقدس كجزء من النهضة الثقافية للهلاخاه ( مايدعى بالتنوير اليهودي) إلى القبول به كحجر الزاوية للثقافة العبرية الجديدة و للوعي القومي الوليد الذي حصل على نحو لم تكد تتم ملاحظته عند نهاية القرن التاسع عشر”[515] .
     كما تلاحظ شابيرا أنه منذ سبعينيات القرن العشرين، كان هناك تراجع واضح في المكانة الرفيعة للكتاب المقدس  في الثقافة العبرية. وهي تعزو ذلك التراجع إلى الإستيلاء الأيديولوجي لليمين الديني القومي عليه، وكذلك حركة الإستيطان في الأراضي المحتلة عام 1967. أدت هذه التطورات إلى اغتراب الدوائر الإجتماعية –السياسية المعبرة عما تسميه بالصهيونية الإنسانية  عن الكتاب المقدس. غير أنه استعاد بعض أهميته المركزية السابقة في الثقافة العبرية في سياق  ما توصل إليه الآثاريون الإسرائيليون الجدد في أواخر ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين ( وهو ما سأعود إليه في الفصل القادم). هكذا تخلص شابيرا وعلى نحو صائب  إلى أن ما قام به الآثاريون من دحض لمصداقية الكتاب المقدس كمصدر تاريخي للأحداث التي تشير إليها، قد أحيا الإهتمام بأهميتها القومية[516]. مع ذلك، فهي تستخدم في تفسير تراجع مكانة الكتاب المقدس نفس المجادلات التي تستخدمها في التعامل مع نفي المنفى ، وهو تراجع الإسرائيلية الاركيولوجية وترافق ذلك مع صعود اليهودية، ثم تخلص إلى القول:
      يشير الصراع  بين آراء القوميين الدينيين المتطرفين والكنعانيين العلمانيين المتطرفين حول الهوية الإسرائيلية، إلى المسافة الطويلة التي   قطعتها الهوية الإسرائيلية منذ بداية القرن العشرين. فالإستيلاء على الكتاب المقدس من قبل هذين لفريقين المتطرفين قد أدى إلى تراجع مكانته بين الجماعات المركزية في الثقافة الإسرائيلية. لقد أدى الهولوكوست إلى مصادرة مكانة الكتاب المقدس في الهوية الإسرائيلية إلى حد كبير، باعتباره  مصدرا للتماثل مع الشعب اليهودي، مع التاريخ اليهودي المعاصر، ومع   دروس الإستشهاد اليهودي. فبدلا من التوجه إلى الحفر الأركيولوجي،  يتجه الشباب الإسرائيلي اليوم في رحلات البحث عن الجذور إلى بولندة. بين تلك الدوائر العلمانية التي كان الكتاب المقدس بالنسبة لها بمثابة حجر الزاوية   في الثقافة العبرية الحديثة، يتشبث إحساس بالغياب والفقدان: هل هناك وسيلة  تعيد الكتاب المقدس إلى مركز الثقافة العبرية؟ [517]
   رأي شابيرا في بن- غوريون واضح المعالم. ففي البداية ، كان اهتمامه بالكتاب المقدس أو    بالتاريخ اليهودي محدودا جدا. بل إنه لم يشارك كبار شخصيات الهجرة الثانية افتتانهم ’بالكتاب‘، وكانت بلاغياته خالية من أية ثيمات كتابية.
     كانت مداخلات بن -غوريون الأيديولوجية تتألف من تعليقات قاسية مشبعة بالتعليقات اللا-سامية والمجادلة المعهودة للمستعمر الإستيطاني عن المستوطنين العماليين الصهيونيين في الأرض المستعمرة ، وكيف جعلوها أفضل، وكيف جعلوا ملكيتهم لها شرعية [518].
      وفقا لشابيرا، فإن التغير في نظرة بن غوريون للكتاب المقدس قد بدأ في أواخر الثلاثينيات وبلغ نضجه خلال العقد الأول من عمر الدولة. فقد استيقظ الوعي الأولي  لبن -غوريون بفعل الحاجة إلى أساس تاريخي للرابطة بين الأمة والوطن لدى ظهور إمكانية قيام دولة يهودية في سياق لجنة بيل عام 1937. تذكر شابيرا بوضوح تام أن بن -غوريون كان حيوانا سياسيا خالصا، وأنه كان لذلك مصيبا في تأكيده على أنه لدى الإدلاء بشهادته أمام لجنة بيل، قام بصياغة الجملة التالية: ” الانتداب ’البريطاني‘ غير موجود في كتابنا، غير أن كتابنا هو إنتدابنا ’لهذه الأرض‘[519] .  ثم في عام 1944، توفي الزعيم العمالي البارز بيرل كاتزنلسون، وانتهى بذلك تقسيم العمل بينه وبين بن- غوريون ( قال رابين مرة بأن والده كان يقول  بأن رد فعل جيله على الأمور كان يخضع لما يقوله كاتزنلسون ولما يفعله بن-غوريون)، وأخذ بن-غوريون يشعر بالحاجة لملء الفراغ الذي أحدثه موت حليفه في مجال إنتاج الأيديولوجيا [520].
     كان التغير في نظرة بن- غوريون للكتاب المقدس قد اكتمل مع انتهاء  حرب عام 1948 وقيام الدولة.  مضى ذلك يدا بيد مع الدور المركزي الذي كان قد تصوره للجيش في سياق عملية بناء الدولة- وبخاصة في مجال إدماج المهاجرين من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المجتمع الإسرائيلي العتيد-  ومع صياغة الروح القومية. قال في اجتماع مع الكتاب والفنانين: ” مئة ألف يهودي يحاربون من أجل حرية شعبهم- هذا هو أعظم ما أبدعته البشرية في عصرنا، والذي سوف يلهم الأدب والفن لعدة أجيال قادمة”[521] . ما تخمنه شابيرا مثير للاهتمام،  وهو أنه في الفئات العليا من الجيش، كان مشروع بن -غوريون الأيديولوجي، والذي احتل فيه الكتاب مكانة مرموقة، كان يقصد منه محاربة المغريات التي لا تقاوم للشيوعية والاتحاد السوفييتي  لدى كبار ضباط الجيش الذين كانوا يدورون في فلك حزب المابام الماركسي- الصهيوني، والذي كان زعيمه ياكوف كازان هو الذي وضع شعار ’ الوطن الأم الثاني‘ عن الإتحاد السوفييتي. كانت معركة بن-غوريون الحاسمة ضد ذلك التوجه قد بدأت بتفكيك البالماخ، الذي كان معظم قادته قد أتوا من الكيبوتزات التابعة للمابام، والذين أعجبوا بالجيش الأحمر وتطلعوا إلى روسيا السوفييتية للإرشاد. واصل بن- غوريون عملية  التخلص من هؤلاء الضباط الذين كانوا هم الذين قادوا حرب عام 1948[522] .  ينبغي تقديم إضافة إلى تحليل شابيرا، وهي أن بن -غوريون قد تمكن من كسب المابام إلى جانبه بتخصيص حصة لكيبوتزاته من الأراضي الفلسطينية التي نهبتها الدولة خلال الخمسينيات.
      كان مضمون مقاربة بن -غوريون للكتاب المقدس ( والذي سأتحدث عنه بتفصيل أكبرفي الفصل القادم) يتسم بالدرجة الأولى، بالاشتباك المباشر فيه، أي بإزاحة كل الأدبيات الخاصة  بالتعليقات والقانون – التلمود-  الذي كان نتاج المنفى، جانبا. ثم كان هناك ما جذبه حقا إلى الكتاب المقدس كشي متميز عما عهده كتجميل خطابي: فقرات خاصة في الكتاب تعبر تقليديا بأنها رسائل أخلاقية عالمية، والتي أخذ بن- غوريون بتوزيعها لتعزيز شعارات معينة مثل، ’الشعب المختار‘ و ’الضوء للأمم‘.
   كانت شابيرا واضحة إزاء ما كان بن -غوريون مغرما به حقا: كان اهتمامه بالكتاب ينصب على الأمور المادية العالمية،مثل الإستيطان في أرض إسرائيل، الخروج، كبار المحتلين مثل جوشوا، ديفيد، عوزيا، العودة إلى صهيون تحت سايروس وداريوس. هذا الجانب التاريخي من الكتاب، والذي كان القصد منه توفير دليل قاطع على قدم اليهود في الأرض، على نحو مختلف عن الجانب التأملي- الفلسفي، هو الذي كانت له الأولوية في عقله. هكذا، في عام 1949، وافق على الحفريات الآثارية اليهودية، ’ التي تبرهن كل الفتوحات فيها على ماضينا وتحقق   إستمراريتنا التاريخية فوق هذه الأرض[523] .
ومع مضي الوقت، أدى استغراق بن-غوريون في الكتاب المقدس إلى إنارة رؤيته. رفض كل الخيارات الأيديولوجية الأخرى، بما في ذلك النصوص الصهيونية ’القديمة‘ والآراء على أنها لا فائدة منها بالنسبة للمهاجرين اليهود من بلدان الشرق الأوسط، ولا للجيل الذي ولد في إسرائيل. الكتاب فقط هو المهم، ومعه الحفريات الآثارية التي تؤكد عليها وترسخ الرابطة بين الأمة والأرض الأم [524].  وكما رأينا، تجادل شابيرا في أن كل المحاولات لصياغة ’إسرائيلية‘ توراتية- آثارية وكنعانية إلى حد ما قد فشلت حين لم يعد المجتمع مؤلفا من المستوطنين الصهيونيين الأوائل ونسلهم حصرا. ثم تخلص إلى القول: ” لم يكن الماضي الأسطوري، وإنما التاريخ القريب هو مصدر الإنطلاقن إلى إقامة علاقة لهم (الجماهير) مع الدولة. كان الكتاب هاما، غير أن الرابطة (اليهود الإسرائيليين) مع الشعب اليهودي ظهرت على أنها هي الأهم[525] .
الكتاب ووعي المستوطن في الماضي والحاضر
     تستند نصوص شابيرا إلى فرضية تجعل منها في الآن ذاته مساهمات بحثية في شأن مكانة الكتاب المقدس في التاريخ والثقافة الإسرائيلية الصهيونية، وإضافة في مجال الأيديولوجيا الإسرائيلية الصهيونية. تقوم هذه الفرضية على أن لجوء الصهيونية ودولة إسرائيل إلى الكتاب هو سمة يهودية  بشكل طبيعي وواضح، ولا توجد حاجة لبيان كيفية كونه على هذا النحو. ونتيجة لذلك، يتم التعتيم على ثلاث نقاط ذات علاقة: الأولى هي أن ’العودة‘ إلى العهد القديم بهذه الطريقة المحددة ليست يهودية عضويا ولا جوهريا، وإنما هي بروتستانتية ولها تاريخ يجعلها مدينة للحركة الإصلاحية. الثانية هي أن المجتمعات الإستيطانية الأخرى (والمغامرات الإستعمارية بشكل عام) قد لجأت إلى الكتاب المقدس بوسائل ولأغراض شبيهة. وثالثا، هي أن اللجوء إلى الكتاب المقدس لا يشكل فقط جزءا من المشروع القومي، وإنما هو جزء من مشروع قومي-إستعماري، أو قومي –إستيطاني، وذلك لأن ما وجد في أرض إسرائيل المزعومة  لا يقتصر على حيوانات ونباتات قديمة ووديان ووهاد وجبال، وإنما هناك أيضا عرب.
     سوف أتناول النقطة الثالثة هنا، ثم أعود للنقطتين الأولى والثانية في الفصل القادم.كنت قد قدمت في الفصل الثاني حقلا خاصا بالإ ستعمار الإستيطاني المقارن وعرفت الأسس التي تقوم عليها حكايات المستوطنين المهيمنين، والأساليب التي تروي بها الأمم الإستيطانية حكاياتها. أحد هذه الأساليب هو افتراض أن وجود السكان الأصليين في الأرض التي تم تحويلها إلى وطن بواسطة الغزو والتسليب، غير مهم بالنسبة للهوية الجماعية للأمة المستوطنة، وذلك بفعل معالم تاريخها وشكل مؤسساتها. لابد من التأكيد مجددا على أن الحرمان الحادث ليس مجرد وجود السكان الأصليين أو الصراع معهم. بل إن الحرمان الحاصل والمتجاهل هو حقيقة أن وجود السكان الأصليين والتاريخ القائم على الصراع على الأرض التي يقيمون فيها هم والمستوطنون، ليس له أي تأثير على ماهية الدولة الإستيطانية : فمن وجهة نظر المستوطن،’من نحن‘  شيء، و’ مالذي نفعله بالآخرين‘ شيء آخر.  ما أكرره هو أن  هذا هو أحد أبرز مظاهر المواقف الإقصائية والعزلية المتجذرة في الليبرالية البيضاء- غير المعترف بها في كثير من الأحيان.
      تدرك شابيرا الوجود الفلسطيني ونكبة 1948. قلة هم الباحثون التابعون لطيفها السياسي الذين هم على استعداد للانخراط في مناقشة جادة مع مؤرخي 1948 وباحثين ناقدين آخرين. كثيرا ما تدل ملاحظاتها الخاصة على بعد نقدي ما، على النحو الذي يبدو في دراستها للكتاب المقدس كمصدر للميثولوجيا والحكاية القومية. إن النقطة التي يتحول عندها منهج شابيرا إلى موقف مماثل لمواقف المستوطنين الليبراليين، هي في عجزها عن، أو رفضها، لرؤية أن مكان الكتاب في الهوية الجماعية الإسرائيلية والحاجة إلى التعامل مع السكان الأصليين في الأرض التوراتية، هما  جانبان غير قابلين للفصل في تاريخ إستعماري واحد. فهو، بكلمات أخرى، ما يمكن تسميته بعملية تعليب لماهو مقدس ولماهو دنس لما يجسد  هذا الوعي والخيال. فالدنس هو المجال الملائم لمناقشة أشياء مثل الصراع ومعاملة الفلسطينيين والمواقف من ’ المشكلة العربية‘، وصورة الآخر. والمقدس هو المعبد الذي نناقش فيه ضمن أشياء أخرى، هويت’نا‘، وهوس’نا‘ بكتاب’نا‘.فافتراض أن الولع بالكتاب المقدس كعنصرمركزي- حتى لو رفض ذلك- في الهوية الإسرائيلية، ووجود السكان الأصليين الذين يجب إفراغ الأرض منهم، قد يتحول إلى تاريخ واحد، هو أمر مستحيل.وهو مستحيل بسبب العمق الذي ستصل إليه عملية التعليب، بسبب المدى الذي تم افتراض أن الهوة الوجودية بين ’من نحن‘ و’ماذا نفعل‘ ستكون غير قابلة للعبور. مع ذلك، فإن الجانب الوحيد في الهوية اليهودية الإسرائيلية الذي لم يتجزأ هو الإتفاق على نقاوة وحصرية الدولة كدولة يهودية، أو على الأقل على شكل أغلبية يهودية لا تهزم. وبتعبير آخر، فإن الجانب الوحيد  للهوية اليهودية الإسرائيلية الذي لم يتفتت هو الإتفاق على الشرط الضروري لمبدأ إبعاد الفلسطينيين عن المجموع، وعن الأرض حيثما يكون ممكنا.
     توضح بعض الأمثلة في نصوص شابيرا هذه النقطة الرئيسة. تتعلق إحدى مجموعات  هذه الأمثلة بالطريقة التي استولى فيها أعمدة الهجرة الثانية على- أو لنقل باللغة الصهيونية، عادوا فيها إلى- الوطن من خلال عدسة التوراة.  وهذا مثال:
   كانت النقطة الفاصلة ( الانتقال من توراة الهسكلاه إلى توراة الصهيونية) تقع في الطريق من الشتات إلى أرض إسرائيل: إن ما كان في الشتات نصا  مؤثرا وحنينيا يخلف أثره في الخيال، أصبح في أرض إسرائيل صلة وصل  تشد الشعب إلى الأرض. توقف مشهد التوراة عن أن يكون ثمرة خيال كاتب.تحول إلى مشهد كونكريتي ترتبط به أسماء مواقع وأحداث وناس، وفجأة، تحولت الجبال والتلال والوديان والأنهار إلى واقع حي. فموجة الهجرة الثانية ’قد اكتشفت‘ أرض الكتاب المقدس [526].
وفي مثال آخر:
   كانت التوراة بالنسبة لهم ( مستوطنو الهجرة الثانية) هي الوسيط بين البلد  الذي تخيلوه والبلد الذي التقوه لدى وصولهم. ساعد ذلك الأطفال على تجاوز  مشاعر الإغتراب وعلى الشعور بالوطن. وكثيرا ما صاروا يتجولون في طول       البلاد وعرضها، يتعرفون على الأماكن، على الحيوانات والنباتات القديمة وفقا  للكتاب. إضافة لذلك، فقد جسر الكتاب المقدس آلاف السنوات، وأنبت مشاعر الإستمرارية المباشرة بين آباء الأمة وأحفادهم وأحفاد أحفادهم الذين يسعون للعودة ومد جذورهم فيه(في الوطن)[527].
قد يكون من الصعب التفكير في مظاهر أخرى، أكثر رمزية وملموسية لخيال المستوطنين ووعيهم.  بالنسبة لشابيرا، فإن المقاطع التي تم ذكرها في الأعلى هي تعبيرات عن تشكل  القومية الترابية التي كان الكتاب المقدس أداة محورية في الحصول عليها وتحويلها إلى وطن مادي. وهذا بالضبط هو السبب في أن شابيرا ليست مجرد معلقة على العملية، وإنما هي نتاج حقيقي منها. إن ما تعجز عن رؤيته هو أنه بينما كان أبطال الهجرة الثانية يشاهدون الحيوانات والنباتات القديمة والفاتحين والملوك والتلال والوديان، لم يكونوا في الآن ذاته يرون فلسطين. قلما يمكن العثور على مثال أفضل للتركيبة الإستيطانية الخاصة بالبلاد الفارغة، هذا التركيب الذي ينظف عين العقل من وجود السكان الأصليين. كذلك بينما تدرك شابيرا أن ’العودة‘ واللجوء المباشر إلى الكتاب هو نوع آخر لنفي المنفى( في صيغته الفجة وليس الذي شكله الباحثون في القدس)[528]،  فهي تعجز عن ملاحظة أنه يشكل في الآن ذاته نفيا لفلسطين. وما يتم نفيه لا يقتصر على التواريخ المختبرة لليهود خارج أرض إسرائل، وإنما كذلك التواريخ المختبرة لأرض إسرائيل/فلسطين طالما أنه لا يوجد امتلاك سيادي يهودي لها. وهكذا ، ففي رجوع المستوطن للكتاب، فإن عودته الزمنية  للحقبة التشكيلية للأمة فوق ترابها الوطني، تتلاقى مع العودة المكانية من أجل استرداد تراب الأجداد القومي.
      ما تقوم به شابيرا من تعليب للمشكلة الفلسطينية من جهة، ومكان الكتاب المقدس في ’ هويتنا‘ من جهة أخرى،  يبلغ ذروته في مناقشتها للانتقال من الهجرة الثانية وفترة الانتداب حتى حرب 1948 والخمسينيات. تعبرالإشارات المعينة إلى تلك المرحلة من جهة عن الإحتفال بالنصر الذي تحقق عام 1948 باعتباره إستقلالا، ومن جهة أخرى عن هزيمة عام 948 باعتبارها نكبة،  وذلك كما لو أن الإثنين غير مترابطين على نحو لا يمكن انفكاكه، وكما لو أن الإثنين لم يكونا شيئا واحدا. وبعد أن تقول أنه حتى منتصف الأربعينيات، لم يشكل الكتاب المقدس أية أهمية لعالم بن غوريون، تستطرد قائلة
    يبدو أن حرب الإستقلال كانت بمثابة الخط الفاصل بالنسبة لبن-غوريون   في هذا المجال: فلقاؤه بالمدى الواسع للبلاد، بالمواقع وأسمائها المتحابكة  المتحابكة مع قصص التوراة، قد شحذت وعيه بالكتاب.فعملية السيطرة على البلاد قد ابتعثت ذكريات مرتبطة بالماضي الأسطوري. فجأة، أصبح كتاب جوشوا حقيقيا وأعلن بن-غوريون:  ” إن أحدا من مفسري التوراة، يهودا  كانوا أم غير يهود، في العصور الوسطى أم في العصر الراهن، لم يتمكن من  تفسير فصول جوشوا كما فعلت مغامرات قوات الجيش الإسرائيلي في العام الماضي (1948)…. بعد الحرب مباشرة ، بدأ بن- غوريون في نبش فكرة أن تذويت الكتاب المقدس، وفهمها وقراءتها من غير وسيط، لا يحصل عليها إلا الشعب الذي يمارس  السيادة على بلده……. لذلك اعتقد بن- غوريون أن أولئك الذين لم يتم ’تطهيرهم‘، وحتى اليهود الذين لا يعرفون لغة الكتاب أو أنهم غير منزرعين في تراب الوطن غير قادرين على فهم التوراة: ” فقط هو الشعب الذي يقيم فوق أرض الوطن  يكون قادرا، بعيون مفتوحة واسعة وفهم حدسي، على قراءة كتاب الكتب الذي تم خلقه   في ذات البلد و على يد ذات الشعب.  إن الجيل الذي يجدد إستقلاله في هذا الوطن الأزلي،هو القادر فقط على الإمساك بذات وروح أجداده الذين عملوا  وحاربوا وانتصروا وخلقوا وكدحوا وتعذبوا وتأملوا وغنوا وتنبأوا وهم  في حدود هذه الوطن[529].
تتجاهل شابيرا حقيقة أن ما عزز اهتمام بن-غوريون بالكتاب المقدس بعد حرب 1948 لم يكن فقط- لم  يكن ممكنا أن يكون ذلك- بسبب لقائه بالجغرافية التوراتية، وإنما كذلك بسبب التطهير العرقي الذي أفرغ الجغرافية المقدسة من سكانها الأصليين. كيف يمكن عدم رؤية أن ’الوعي المتزايد بالكتاب‘، واستيطان الشباب الإسرائيلي والمهاجرين من بلدان الشرق الأوسط للأرض التي مسحت قراها، وحاجة بن غوريون لبث الإحساس بالهوية القومية المتجذرة في الكتاب في هؤلاء الشباب والمهاجرين، وإعادة تسمية عشرات المستوطنات في الجغرافية المطهرة بأسماء توراتية، وزرع مساحات شاسعة بغابات الصنوبر ( لكي تبدو فلسطين أوروبية الطابع فتخنق أشجارالصنوبر المزروعات السابقة إلى غير رجعة [530]) التي غطت أكثر فأكثر ركام القرى الفلسطينية الممسوحة، هل كل ذلك تاريخ واحد لا يمكن افتكاكه؟ وكم من المرات ينبغي أن يكرر بن غوريون أهمية كتاب جوشوا خلال الخمسينيات- كان بحق يكرر هوسه بكتاب جوشوا- قبل استحالة فصل مكان الكتاب في ’من نحن‘  وقبل ان يتضح التطهير الذي قمنا’نحن‘ به.

ذات عصـر

     اصطحب أستاذ تاريخ من بيت فا-غان عائلته للتنزه قرب غيفعات شول،  التي كانت تعرف سابقا بإسم دير ياسين. لم يكن الجو شديد البرودة لعدم لجلوس في الظل ولا شديد الدفء لعدم إشعال نار، لذلك مرر الأستاذ لابنه بعض مهارات  التخييم التي كان قد تعلمها في الجيش. أقاما ثلاثة مربعات من الأحجار على  شكل حرف ’يو‘ بالإنجليزية لمنع تدفق الريح، وتركا الجهة الرابعة مفتوحة.  كوما أغصانا مكسرة فوق إبر صنوبر يابسة. جعل إبنه يشعل عود ثقاب فيها.  استمعا بحذر فسمعا همهمة واهنة خافتة قادمة من منحنيات الطريق المتعرجة  المختبة عن العين خلف الأشجار. لم يتحدث الأستاذ عن القرية، مصدر الأحجار.
    لم يتحدث عن مدرسة القرية، التي هي الآن مستشفى نفسيا، على الطرف الآخر من التلة. تخيل أنه هو وعائلته يقومون بنزهة، لا علاقة لها بالقرية، يتمتعون بفضاآتها خارج التاريخ.

    (عوز شيلاخ، مناطق للتنزة)

والملفت على نحو أكثر، هو ملاحظات شابيرا على جيل حرب 1948 المعروف أيضا  باسم جيل البالماخ: وهم الذين ولدوا في فلسطين، وقاتلوا في حرب  1948،  وفي هذا السياق ’ جاؤا بالدولة‘.  تتألم لاغترابهم عن الكتاب المقدس بعد عام 1967، وذلك نتيجة سيطرة اليمين الديني عليها. وهذا يمثل بالنسبة لشابيرا اغتراب طبقة إجتماعية كاملة عن الكتاب، وهي طبقة الذين تسميهم بالصهيونيين الإنسانيين. تصف مواقف هذه الشريحة الإجتماعية بما يلي:
        ارتبطت رومانسية أرض الكتاب في مخيلة… أبناء البلاد وأتباع أرض أسرائيل، جيل 1948، بصورة البلد البكر قبل حرب الاستقلال: شجيرات  الصبار،آبار المياه، البيوت الحجرية الملتصقة بالأرض على سفوح الجبال،اشكال بأثواب طويلة وكأنهم ينتمون  إلى أيام الآباء، قوافل الجمال، الخيام، يبدون   والصور الأخرى المرتبطة بالمشهد الطبيعي  العربي لأرض إسرائيل، الذي رأوه كانعكاس لأسلوب حياة  الآباء في أرض كنعان.ياه، أنظروا، حيثما وصل التقدم الإسرائيلي، اختفت شجيرة الصبار والبئر، وبدلا من الطرقات القذرة امتدت الشوارع الكونكريتية، وبدلا من الجمال، انطلقت بكل راحة السيارات. وفي مكان البيوت الحجرية الملتصقة بالأرض،ارتفعت البيوت ذات السقوف القرميدية  التي تتمرد على الإنسجام. لقد أدى التحديث الإسرائيلي إلى اختفاء معالم الماضي التوراتي. ولم تكن صدفة أن يصرخ عاموس كينان، الكاتب الإسرائيلي الذي ينتمي لجيل1948 وأحد ’الكنعانيين‘  قائلا: ” لقد قتلت الدولة الوطن الذي لي”.  غير أن اللقاء المتجدد مع أرض التوراة بعد 1967، أولد الإغتراب ولم يؤد إلى إعادة إيقاد الإحساس بالتفوق على البلاد التي كانت جزءا لايتجزأ من النسيج الفكري لجيل 1948 [531].
         يتميز هذا المقطع بعدة طرق، ليس أقلها أن شابيرا تقدم بصدق وسلاسة أصوات جيل 1948ومعسكر السلام للعقود الثلاثة الماضية. فالمسألة هنا هي أنها تعيد في معظم الأحوال  إنتاج هذه الإصوات بدلا من التعامل معها على نحو نقدي. لذلك تغيب في تقرير شابيرا حقيقة أن تركيب فلسطين العربية كأثر من عهد الآباء التوراتي، والذي يتحقق فيه ’ الإدراك بالسيطرة على البلاد‘ هو آلية إستيطانية تقليدية-بل واستعمارية- من أجل إفراغ الوطن المعني من سكانه الأصليين ومن تاريخه. ولعل ما هو أهم، هو أن ما أطلق عليه سابقا من قبل شابيرا والطبقة الإجتماعية – السياسية التي تمثلها، مصطلح التقسيم إلى حجيرات، أصبح الآن تقريبا حالة من الشيزوفرانيا. يمكن تذكر أن أولئك الذين قاموا يتطهير فلسطين العربية، فمسحوا امتداداتها الترابية التي كانت تتضمن البيوت الحجرية الملتصقة بالأرض وشجيرات الصبار وآبار المياه، هم أنفسهم الذين يبكون الآن على اختفاء فلسطين الشبيهة بالتوراتية: إنهم جيل 1948. مع ذلك، فإن البرنامج السابق للتدمير، إن لم يتم نفيه كلية، مؤهل لن يتم استيعابه كشيء ثانوي في حكاية ’ ماذا كان علينا أن نفعل‘، فهذه الأخيرة تندرج على نحو أكثر عمومية تحت عنوان ’ حكاية الكتاب وهويتنا‘. وكما هو الحال في هندسة أوقليدس، فإن هاتين الحكايتين المزعوم بأنهما حكايتين منفصلتين، تسيران جنبا إلى جنب، ولكنهما لا تلتقيان أبدا.
مفـاجـأة
 في سهل جزريل ، المعروف سابقا باسم مرج بن عامر، حيث سمح لنحو ثلثي السكان الأصليين بالاحتفاظ بمنازلهم وإنما ليس بأراضيهم، أخبرنا صديقنا الذي سمح لعائلته بالبقاء في بيتها، كيف أنه كان في شبابه يخرج للبحث عن صندل المسيح الذي قيل بأنه سقط منه بينما كان يقفز من الناصرة إلى جبل طابور. ثم اصطحبنا صديقنا إلى متحف التراث البدوي القريب ، حيث عرضت خيمة من شعر الماعز الأسود ومحراث خشبي وبعض الأدوات الأخرى التي تعود إلى الستينيات والسبعينيات ، لكي نرى كما خطر ببالنا، كيف عاش أجدادنا الرعاة القدماء. استغربنا عدم وجود جمل في المعرض.  فوجئ صديقنا بوجود زميل قديم له كان معه  في المدرسة الثانوية الخاصة بتلك المنطقة،جالسا داخل الخيمة يدق حبات قهوة في هاون ومدقة تقليديتين. سأله: ’ماذا تفعل هنا؟‘  فأجابه صديقه، ’أنا الشيخ الموظف هنا‘.
(عوز شيلاخ، مناطق للتنزه)
’الرشاش لم يمنح أية حقوق أبدا‘:[532]
الأدب ونهاية فلسطين العربية ’الكتابية‘
 في سياق تطوير مجادلتي، أنتقل الآن إلى شيء كان بإمكان شابيرا تذكره، أوكان ينبغي أن تذكر نفسها به، وهو ’ قصة خربة خزعة‘ لمؤلفها س. يزهار، التي كانت قد كتبت مقالة مطولة عن تأليفها واستقبالها[533] . ( مع ذلك، هذه هي بالضبط، النقطة التي أظل أرددها عن وعي المستوطن وخياله: يعود الفصل الصهيوني بين ثيمتين- الكتاب المقدس والهوية من جهة واقتلاع السكان الأصليين من جهة ثانية-  إلى التعليب الغريزي أكثر منه إلى استراتيجية بحثية).  ففي تلك المقالة، اقتربت شابيرا كثيرا، عبرعيني يزهار وكذلك عينيها، من رؤية عدم إمكانية الفصل بين التوراة و’من نحن‘، وعملية التطهير العرقي التي’ ارتكبناها‘.
      إس. يزهارهو الإسم الأدبي ليزهار سميلانسكي. ولد يزهار في عام 1916 في عائلة من المستوطنين الأوائل في منطقة رحوفوت، التي كانت، وفقا لمصطلحات غيرشون شافير، تعتبر ’موشافا‘ أو مستعمرة زراعية عرقية، وليست مستعمرة إستيطانية خالصة مثل الكيبوتز أو الموشاف[534] .  وهذا يعني أنه كبر وهو يرى العرب ويختلط بهم،  وبدون أية أدلجة بالضرورة لهذا الإختلاط. تلاحظ شابيرا، وعلى نحو صائب، أنه بفعل ذلك التعايش بين اليهود والعرب الذي شكل سمة تكوينية في طفولة يزهار، فإن ’ تدميرالقرية العربية كان بالنسبة له تدميرا لإسرائيل ما قبل الدولة‘[535] . كره وصول المهجرين الجماعي بعد عام 1948 على النحو الذي نعى فيه اختفاء العرب، الذين كان وجودهم حاسما من أجل المشهد الأصلي الذي يذكره بقصص التوراة[536] . بصفته كاتبا شابا واعدا جدا، تم ضم يزهار إلى حزب المباباي لمواجهه الكتاب الآخرين في الأحزاب الأخرى. ثم أصبح عضوا في الكنيست خلال الخمسينيات وأوائل الستينيات، وانضم مع دايان وبيريز إلى بن- غوريون حين انسحب الأخيرمن الماباي عام 1965 وشكل حزب رافي.
      وكتصوير لمدى حميمية المجتمع الصغير لأوائل المستوطنين الصهيونيين، تجدر ملاحظة وصف يزهار لنفسه واقفا بين ’ قريبين مؤسسين‘، أحدهما عمه ، موشيه سميلانسكي من موجة الهجرة الأولى، الذي كان بلغةالحاضر ’يمينيا‘، أي إلى جانب غير العماليين في اليشوف المبكر. كان ثريا يملك بستانا ويشغل العرب واليهود فيه، كما كان عضوا في بريت شالوم  ومؤيدا قويا للقومية الثنائية. أما خاله يوسف فايتز، الذي ينتمي لموجة الهجرة الثانية، فكان يساريا، أي أنه كان عضوا في هابوعيل هاتزير، ثم في الماباي.كان أيضا أحد كبار مخلصي الأرض‘ من العرب، وأحد كبار ’ المطهرين، في حرب 1948 وخلال الخمسينيات[537].
       أعتقد أن يزهار، الذي توفي عام 2006، يظل أعظم مؤلف عبري بين الذين ولدوا في فلسطين/ إسرائيل والذين كانت لغتهم الأولى هي العبرية وعلى نحو متميز عن أولئك الذين هاجروا من أوروبا مثل بياليك وبرينر وأغنون. كانت إنعزالية يزهار وافتقاره للدافع أوالفطنة لتسويق ذاته  قد جعل منه كاتبا مجهولا نسبيا خلال العقود الأخيرة على المستويين القومي والدولي. ولكن عدم الشهرة هذه يجب أن لا  يسمح لها بإخفاء ذلك التفوق الكبير لموهبته الأدبية على كتاب آخرين مشهورين وتتم ترجمة أعمالهم. فوصفه المديد للمشاهد الطبيعية وتعامله مع تيار الوعي قد ارتقى بالنثر العبري الحديث إلى ذرى لم يبلغها من قبل. قاتل في عام 1948، وفي مايو/أيار1949كتب ’قصة خربة خزعة‘ التي نشرت من قبل’ مكتبة العمال في سبتمبر/ أيلول من العام ذاته، وذلك مع قصة أخرى عن حرب 1948هي ’السجين‘ وظهرت في كتاب حمل عنوان ’خربة خزعة‘[538] .
       ’خربة خزعة‘ هو الإسم لقرية عربية رمزية تم احتلالها من قبل قوة إسرائيلية دون مقاومة تذكر. فالكثير من القرويين كانوا قد اختبأوا في التلال المجاورة  وهم على علم بما سيحل بهم. فبعد الأوامر السابقة على المعركة، يدخل جنود الوحدة إلى القرية، ويبدأون في نسف البيوت ومسح القرية وإخراج من فيها من السكان، ومعظمهم كبار السن ونساء وأطفال. يمكن الإشارة إلى أن كلمة ’خربة‘ العربية تعني، مثل العبرية ’هوربا‘ مكانا مهدما. في عام 1964،  أصبحت القصة ضمن منهاج المدارس الثانوية، وفي أواخر عام السيعينيات حولت إلى مسرحية تلفزيونية وأدى عرضها إلى اندلاع احتجاجات واسعة. كان عرض شابيرا للمسرحية في حلقاتها الدراسية وردود الفعل عليها هو الذي دفعها إلى كتابة مقالتها حول القصة وكيفية تلقيها[539] .
     بما أن ’خربة خزعه‘ لم يكن إسما لقرية حقيقية، يساور شابيرا قلق من أن يشكل ذلك حالة خاصة في عقل يزهار على غرار دير ياسين التي نقوم ’نحن‘ ( دعاة الصهيونية الإنسانية)  وبكل راحة، باتهام  ’ التنقيحيين‘ – أو ربما يكون ذلك هو القاعدة. إن ما تجدر ملاحظته في أسلوبها الخاص بافتعال القلق، هو البحث عن ملجأ بديل للوطنية، وبصيغة المبني للمجهول:
    هل تصف قصة ’ خربة خزعة‘حادثة محددة، واحدة وفريدة، أم هي مجاز عن الواقع بكليته، الذي تم خلقه في سياق حرب   الإستقلال، حين تم إفراغ البلاد من سكانها العرب، سواء كانوا رحلوا باختيارهم الخاص، أم خوفا من الحرب، أم هربوا من   لهيب المعركة، أم طردوا من قبل جنود جيش الدفاع الإسرائيلي؟ [540].
حتى لو تم تعريف المرتكبين بأنهم جنود جيش الدفاع افسرائيلي، فهم لم يكونوا مبتدأ الجملة. لم يكن ممكنا للغة أن تبتكر تكنيكا أفضل من الإلتفاف على المعرفة بأن’ نا‘  الذين بكينا على اختفاء العربي- الشبيه –بالتوراة، من خلال عدسة المستوطن- فلسطين و ’نحن‘ الذين جعلناها تختفي كنا في الواقع نفسنا ’نحن‘.
       مع ذلك، فإن الراوي في قصة يزهار، ’خربة خزعة‘، يضع هذا التماثل في المقدمة. فوصف القرية والمشهد الطبيعي قبل انلاع  المعركة هادئ الجمال، وهونفسه ذلك المشهد الطبيعي الذي سيتم افتقاده من قبل جيل 1948 . أقوى الأجزاء في القصة هو الأخير الذي يتم فيه تدمير القرية وطرد سكانها. فهو يؤكد بوضوح على أن خربة خزعة هي مكان للذكرى، لنبش تجربة يزهارفي إزالة فلسطين العربية الريفية، وأن قلق شابيرا حول ما إذا كان ذلك حالة خاصة أم  مجازا ليس بالشيء الذي يعنيه. فالراوي في الرواية يشبه نفسه ضمنيا بالنبي جيريميا، الذي يبكي ويعزي قافلة بشرية أخرى في طريقها إلى المنفى: تساءلت من أين جاء الصدى. صدى خطى أقدام صنعها  منفيون آخرون. إنها العتمة، والبعد، وما يشبه الخرافة، ولكنه الغضب، كغضب نبي  أناثوث[541] ، يتدحرج كأنه رعد قصي ومرعب، ينذر بالظلام، قادم من بعيد، وصداه مرعب. لا أستطيع تحمله أكثر من ذلك‘[542].
    تشكل الاستغاثة بجريميا ذروة تيار الوعي. كما لو أنه كان يتوقع نداء راز- كراكوتزكين بعد نحو نصف قرن  بأن يستخدم المنفى ليس فقط لتبرير السيادة وإنما كذلك للتماثل مع ضحايا تلك السيادة، يتذكر يزهار حقا. فهو إذ ينظر إلى الفلسطينيين المهانين وهم يتكدسون في الشاحنات الإسرائيلية، ويستسلمون لذلك العالم المنهار، يرى الراوي رؤيا:
    فجاة، بدا شيء ما واضحا أمامي خلال ومضة ما.  وفورا، رأيت  كل شيء في ضوء جديد أكثر صفاء- المنفى. هذا هو المنفى. المنفى  هو هكذا. يبدو المنفى مثل هذا…….أنا لم أكن يوما في الشتات -قلت  لنفسي- لم أفهم يوما ماهو…. غير أنهم حدثوني عنه، رووا لي قصصا  عنه،  علموني وظلوا يحشون آذاني، حيثما استدرت، في الكتب والجرائد، في كل مكان: المنفى. لعبوا على كل وتر في جسدي. كان قد جاء إلي،  هكذا بدا لي، مع حليب أمي. ما الذي فعلناه اليوم هنا حقا[543]؟
 يلي ذلك وداع رثائي:
   مررت بينهم ( الفلسطينيين)، بين أولئك الذين كانوا يبكون بصوت عال،أولئك الذين كانوا يصرون على أسنانهم بصمت،  أولئك الذين كانوا يندبون حظهم وخسارة كل ممتلكاتهم، أولئك  الذين كانوا يحتجون على مصيرهم وأولئك الذين استسلموا له بصمت، أولئك الذين احتقروا أنفسهم وخزيهم، أولئك الذين[544]
       أخذوا يخططون للتأقلم  بطريقة ما، أولئك الذين كانوا يبكون على حقولهم التي ستصبح خرابا وأولئك الذين ظلوا صامتين لأنهم قد  تعبوا واشتد عليهم الجوع والخوف. أردت أن أعثر بين كل هؤلاء الناس على واحد يتلظى غضبا بحيث يتفجر في داخله غضب فيصرخ عاليا كما لو أنه قد اختنق، إلى رب الآجال، من كل هذه الشاحنات التي كانت تقودهم إلى المنفى [545].
إن ما يلفت الإنتباه جدا في هذا المجال هو وعي يزهار باكتمال عملية التطهير. ففي إحدى أهم المقاطع في قصته، يقاس غضب الراوي بواسطة أحد زملائه ويدعى مويشه، الذي يطمئنه قائلا: ’إلى هيربت، ما اسمها، سوف يأتي المهاجرون . هل تسمع؟ وسيأخذون هذه الأرض ويحرثونها وسيكون كل شيء جيدا‘ . رؤيا أخرى:
      بالطبع، ماذا بعد؟ ولم لا؟ لماذا لم أفكر بذلك من قبل؟  خربة خزعتنا. ستكون هناك مشاكل إسكان واستيعاب. هوراه! سنبني منازل ونستوعب المهاجرين، ثم نبني دكانا  لبقال، ونقيم مدرسة، ربما كنيسا.ستكون هنا أحزاب سياسية  وسوف يتناقشون حول أمور كثيرة. سيحرثون الحقول  ويبذرون ويحصدون ويعملون المعجزات. تعيش خزعة  اليهودية! ومن الذي  سيحلم بأنه كان هنا في يوم ما مكان إسمه خربة خزعة وأننا نحن أزلناه ثم انتقلنا لنقيم فيه؟ جئنا، قصفنا، حرقنا، نسفنا، دفعنا وطردنا وأرسلنا إلى المنفى[546] .
   من وحي يزهـار
   لقد أوحت مرثية يزهارالأدبية لفلسطين ما قبل 1948، وغضبه على مسحها،بمعادل شعري عميق في عالم البحث أنتجه ميرون بنفينستي[547]. فمثل يزهار، لم يمر بنفينستي بتجربة المستعمرات الإستيطانية النقية ( الكيبوتز والموشاف) إلا بعد أن كبر. ولد بنفينستي عام 1934 وكبر في حي راق من الأحياء المجاورة للقدس هو راحافيا وقضى بعض الوقت في مستعمرة عرقية هي بارديس حنا، تبعد نحو 25 ميلا إلى الجنوب من حيفا وعلى مقربة من الساحل. كماعمل خلال السبعينيات نائبا لرئيس بلدية القدس، تيدي كوليك. لم يحل سحر كوليك المستمد من مدينة فيينا، ومنظره الهادئ، دون القيام بدور مركزي في تهويد القدس العربية المحتلة، وجعل حياة سكان المدينة العرب غير محتملة على نحو متزايد. كان بنفينيستي واحدا من أوائل المراقبين  الذين جادلوا  إنطلاقا من موقف تقدمي أن التصميم الجيوبوليتيكي للأراضي، الذي بوشر به بعد احتلال عام 1967، قد أصبح غير قابل للتراجع عنه، بمعنى أن فصل الجماعتين إلى دولتين متجانستين إثنيا أصبح مستحيلا، وربما غير مرغوب فيه.
      وبنظرة إلى الخلف، يمكن القول أن  كتاب بنفينستي ’مشهد مقدس‘ كان قد بدأ مع الجولات الإستكشافية في أنحاء فلسطين الإنتدابية التي رافق فيها والده الذي كان رسام خرائط مرموق وتعهد بحماس أن ’ يرسم خريطة عبرية للأرض كتجديد لصك الملكية. وبفعل طبيعته الساذجة والمتواضعة ، كان يعتقد بأنه كان يقوم بذلك من منطلق السلام، وأن البلاد تتسع للجميع. وكان مقتنعا بدون أي شك أن له الحق المطلق في استرداد أرض أجداده[548] .
     لا تقتصر جاذبية تقرير بنفينستي على صراحته، وإنما كذلك على خلوه من القلب   المدمى والشعور بالورطة الدائمية وأعراض دموع التماسيح التي يلتقي بها دائما عند الإسرائيليين الليبراليين. فبلهجة واقعية تماما يقول عن والده أن’ العرب لم يعتبروه جديا في البداية، وحين أدركوا الخطر، كان الوقت قد تأخر.انتصرت خريطته، وأنا، كأبن مطيع، بقيت وحيدا مع عبء ثمار النصر الثقيل‘. ثم يكشف عن النتيجة الجدلية لمهمة والده: ” لطالما فكرت في حقيقة أن والدي، كان يأمل وهو يصحبني في رحلاته في بث حب الوطن العبري  في، غير أنه رسخ في ذاكرتي تلك المشاهد ذاتها التي أراد أن يستعيض عنها بمشاهد
 أخرى” [549] .  فهذه السخرية الكامنة – او الدياليكتيك-  لم تصبح واضحة إلا بعد عام 1967، حين بدأ بنفينستي يلتقي بالفلسطينيين الذين كانوا قد طردوا عام 1948. فمن المستحيل عدم ملاحظة الدولة اليزهارية التي في العقل التي ينعي فيها المرء ماقام هو نفسه بالقضاء عليه:
” فجأة رأيت جغرافية طفولتي أمام عيني، وكان لدي شعور بأن الرجال الذين يتحدثون إلي هم إخوتي- شعور بالمشاركة، بالقرابة. لم يكن ممكنا لي أن أشاركهم شعورهم بالخسران، ولكنني تمكنت وشاركت في حنينهم العميق الممزوج بالألم لتلك المشاهد المفقودة، وكان هناك ذلك الشعور بالألم الممض لأن انتصاري كان كارثتهم [550].
     فاليزهارية أيضا هي الشعور التام والغريزي بأن فلسطين ليست فقط وطنا، وإنما هي وطن ثنائئ القومية، بتاريخه وجغرافيته:لم يكن ذلك مشهدي البشري، ولم يكن ذلك المدى الفيزياوي الذي خلقه شعبي، بل كان هو المدمر له. غير أن الألم والحزن كانا عميقين وحقيقيين، ومعهما ظهرت الحاجة الماسة لتخليد  المشهد المختفي، لأنه كان من صنع البشر ولأنه كان وطني،الأرض التي لا  تنسى أبناءها وبناتها أبدا. أنني لا أستطيع أن أتخيل وطني من غير العرب، وربما كان والدي الراحل الذي علمني قراءة الخرائط ودراسة التاريخ، صائبا في اعتقاده البريء بأن  المكان يتسع ، ماديا وتاريخيا، لليهود والعرب في وطنهم المشترك [551].
     لأجل وضع دراسة بنفينستي في سياق لغة المناقشة الحالية، فهو يلقي الضوء، وبخاصة خرائطيا ومن خلال المسميات، على المصير المرعب للأرض الأصلية بعد انتصار المستوطنين، وبعد أن أصبحت المستعمرة الإستيطانية دولة إستيطانية. ففي تموز/ يوليو 1949، جمع بن-غوريون عددا من الخبراء من رسامي خرائط وعلماء آثار ومؤرخين، وشكل منهم ’لجنةأسماء النقب‘، وهي مبادرة اعتمدت على لجان مماثلة كان الإنتداب البريطاني قد شكلها في عهده. فالنقب ووادي عربة ( القطاع الصحراوي الممتد من البحر الميت حتى البحر الأحمر) يشكلان أكثر من نصف مساحة الدولة الجديدة.  كانت مهمة اللجنة ، وفقا للتعريف الرسمي لها، ، هو ’ اختيار أسماءعبرية لجميع الأماكن- جبال، وديان، ينابيع، طرقات وهكذا- في منطقة النقب[552] . وللقضاء على أية شكوك حول هذه العملية، فقد تم نقلها بطريقة فظة برسالة من بن- غوريون إلى رئيس اللجنة المذكورة: ” نحن مضطرون لإزالة الأسماء العربية لأسباب تتعلق بالدولة. فكما إننا لا نعترف بملكية العرب السياسية لهذه البلاد، كذلك نحن لا نعترف بملكيته الروحية وأسمائهم”[553] .
     بعد أن أتمت اللجنة  مهمتها في عام 1950، عهدت إليها مهمة مماثلة أخرى، وعلى امتداد عقد الخمسينيات ، عملت بجد من أجل إنجاز ’خريطة عبرية بلا أخطاء‘[554] . ثم تم تطبيق الشيء ذاته في الأراضي المحتلة عام 1967. وكمثال ملفت على وضع الخرائط الإستيطانية، انطلاقا من نظام الخرائط الإستعماري الميتروبوليتاني، فإن الخريطة الأساسية
( مقياس1ك125000)التي استندت إليها لجنة أسماء النقب كانت قد وضعت من قبل شخصيتين نموذجيتين إستعماريتين ، هما هيربرت هوراشيو كيتشنر وتي.أي. لورينس، قبيل الحرب العالمية الأولى. وقد أقام الكتاب المقدس صلة بين الخريطتين: فقد كان السبب الرسمي الذي تم تقديمه لإجراء المسوح البريطانية تحت إشراف صندوق استكشاف فلسطين هو أنه دراسة لأرض الكتاب المقدس وإعادة تحديد أماكن أبناء إسرائيل في الصحراء [555].
     يقدم بنفينستي تقريرا عميق النظرة والمعرفة حول الطريقة التي تم  فيها تنفيذ عملية العبرنة،وبخاصة في فقرتين سميتا ’ العالم العبري الجديد‘ و’تهويد التلال والوديان‘ [556].  اختلفت التقنيات والمعايير، غير أنه كان واضحا أنه في الأغلبية العظمى من الحالات، فإن الأسماء العبرية قد اختيرت بهدف التضليل المتعمد وبدهاء إضفاء سمة القدم التوراتي، على أماكن ليس لها صلة جغرافية أو تاريخية بالأسماء التي سميت بها[557]. وكما كان بنفيننستي مدركا، فقد كان ذلك ممكنا لأن الأرض كانت قد أخليت وتحولت إلى مثل أعلى للخيال الخرائطي الإستيطاني. وكان الوصف الملائم الذي أطلقه بنفينستي،  والذي يقشعر البدن منه، هو أن المنطقة كانت أمام عيون اللجان التي ترسم الخرائط وتمنح الأسماء ’لوحا فارغا‘[558] .  في أواخر الخمسينيات، كان  إعداد الخريطة العبرية بدون أي عيب وتحويلها إلى مشهد ’توراتي‘ قد اكتمل.  كانت فلسطين الممسوحة قد دفنت، ليس فقط ماديا تحت المستوطنات اليهودية الجديدة والغابات المزروعة حديثا، وإنما أيضا تحت مسميات جديدة. وفي اجتماع اللجنة الحكومية التي اجتمعت في السادس عشر من آب 1959، قال رئيس اللجنة، أفراهام بيران، مؤكدا: ” لقد تحققنا من عدم بقاء أية آثار( هنا أيضا يصبح المبني للمجهول ملاذ الوغد) للقرى المهجورة. وبما أن الأماكن التي أطلقت عليها  اللجنة تسمية ’ تلة‘ أو ,خربة‘ لم تعد موجودة على الأرض، لذلك تم إلغاء تلك الأسماء”[559] .  كما إن توحد النكبة والخريطة العبرية المستلهمة من الكتاب المقدس، والتي لا توجد فيها أخطاء، لم يكن ممكنا جعلها حقيقة كونكريتية  إلا في شخص يوسف فايتس، خال يزهار. فبعد التطهير التام ، أصبح’ أحد أكثر أعضاء اللجنة نشاطا‘[560] .
الطريـق إلى القـدس
    جعلنا الجبال دائمة الخضرة- مثل سويسرا، أحببنا أن نقول، مثل الجبال  التي تغطي قممها الثلوج. أحببنا أن نجتمع مع أطفالنا- بدون ما هو طبيعي، الثلج ، أو البحيرة ( كان علينا أن نذكر أنفسنا باستمرار: هذه ليست سويسرا).
    على امتداد الطريق إلى القدس، زرعنا فوق الماضي. غطينا منحدرات مليئة بالمصاطب بالصنوبر. جوانب التلال الآخذة بالذبول، نقطناها بالبيوت ذات الأسطح القرميدية الحمراء، ولكن أشجارنا مرضت ووقفت عارية ورمادية، وقعت فوق بعضها البعض، جافة، واحترقت  لثلاثة أيام صيف بالدخان.
   ضابط الجيش الذي صدف أن فوجه أفرغ عدة قرى من سكانها على الطريق الذي سيصبح طريق القدس المشجر، والذي أصبح بعد ذلك مقاول بناء في نفس  المنطقة، قال ردا على الحريق، أن تلك الأشجار قد قامت بواجبها. الوقت الآن زمن متعهدي الأملاك.
   ( عوز شيلاخ، مناطق للتنزه)
لقد تطلب إقامة ’خريطة عبرية بلا أخطاء‘، مماثلة للكتاب المقدس فعلا إستيطانيا جاحدا نحو المجتمع الأصلي الذي يجسد الوضوح التاريخي للإستعمار بشكل عام، وبخاصة الاستعمار الإستيطاني، المختلف عن الأشكال الأخرى للغزو والإستيطان. فالغزو العربي-الإسلامي لفلسطين في عام 638 م لم يتسبب في محو الطبقات الموجودة  من الأسماء. ففي الواقع، تكمن السخرية هنا في أن اليهود كانوا  يعودون إلى وطنهم القديم، ولكنهم لم يكونوا قادرين على التعرف على الأماكن فيه إلا بسبب أن الشعب الذي أقام فيه قد حافظ عليها. فلو أن العرب لم يحتفظوا بالأسماء العبرية-الأرامية القديمة، لما كان بمستطاع الصهيونيين إعادة إنتاج خريطة عبرية[561] . كما إن إنتاج الخريطة يبين أن الأسطورة التأسيسية لنفي المنفى والعودة إلى أرض إسرائيل، ينفيان من التاريخ ليس فقط اليهود طالما أنهم في المنفى، وإنما كذلك فلسطين (بمختلف سكانها)، طالما أنها لم تكن تحت السيادة اليهودية:
      كافأوا ( المستوطنون الصهيونيون) العرب بمحو الأسماء العربية من  الخريطة: لم يتم فقط عبرنة الأسماء ذات الأصول العبرية ، بل كل إسم  عربي آخر. حتى لو لم يكن هناك إسم عبري قد سبقه. كان ذلك جحودا  صارخا: إنه تدمير ومحو سجل ألفي عام من الزمان هو غيابهم عن الأرض وعن الحضارة التي وجدت فيها بدلا منهم، وذلك كله بسبب رغبتهم في إقامة اتصال مباشر مع تراثهم القديم الخاص بهم[562] .
يعيدنا ذكر ’خريطة عبرية بلا أخطاء‘  إلى العلاقة السابقة بين الميتروبول والاستعمار الإستيطاني. فقد تم ذكر أن الخريطة البريطانية لفلسطين كانت مفيدة جدا لورثة الإستعمار البريطاني. مع ذلك، فإن تلك الخريطة قد حافظت في الواقع على المسميات الأصلية التي مسحتها الخريطة اللاحقة ووضعت مكانها أسماء أخرى. يقدم بنفينستي لمحة إستعمارية إفتراضية ملفتة:
     لو قدر لهربرت هوراشيو كيتشنر أن ينهض من قبره، لحزن حزنا  شديدا على فقدان تلك الأسماء القديمة التي كانت قد صمدت في وجه عاديات الزمان. غير أن باني الإمبراطورية الأسطوري، وهو إبن مستعمر إنجليزي في إرلندة- كان يمكن أن يتفهم منطق حملة البيروقراطية الإسرائيلية. على أية حال،  هذا بالضبط هو النحو الذي سلكه البريطانيون في كل مكان  اختاروا أن يستعمروه- من إرلندة في القرن السابع عشر إلى سفوح كينيا في أوائل  القرن العشرين، في كندا واستراليا  وروديسيا. وكل واحدة من هذهالمستعمرات البريطانية، نقحت خرائط الأسماء، وطبعت عليها أسماء  رسمية: خليطا من أسماء إنجليزية، أسماء اختيرت من قبل المستعمرين والجنود، وأسماء مواطنين محليين كانوا قد أعيد توطينهم وتأقلموا مع الخريطة الجديدة إلى درجة أنهم هم أنفسهم نسوا الأسماء الأصلية[563].
إنه يزهار الذي يستلهم منه بنفينستي رؤاه وخياله باستمرار. بشكل عام، يكون الإلهام هو المدى الذي يصله محو فلسطين العربية ما قبل عام 1948 نتيجة عملية خلق وطن غير كامل، وطن يتم تعريفه بما ليس فيه- بالغياب- وليس بما فيه. سأعود بعد قليل إلى تعقيدات هذا المحو. مع ذلك، قد تكون أهم ملاحظة في كتاب بنفينستي هي التشبيه الذي يقيمه بين يزهار والشاعر الفلسطيني الكبير، محمود درويش، الذي يشبههما بإبنين أصليين  للأرض[564] . ثم يخلص إلى القول:  بعد قول وفعل كل شيء، وكما يقول محمود درويش، ” الجغرافيا في التاريخ أقوى من التاريخ في الجغراقيا‘. وتعليق يزهار يكمل الفكرة: ’الأرض في أعماقها، لا تنسى. هناك، في داخلها..فجأة، وفي أوقات مختلفة، يمكن للمرء أن يسمعها تدمدم صمتا  لا ينسى، غير قادرة أيضا أن تنسى حتى لو تم حرثها وأنجبت حصادا جديدا جميلا. هناك في داخلها شيء يعرف ولا ينسى، لا يستطيع أن ينسى‘. إن شخصا يعرف كيف يستمع إلى صمت هذه الأرض المعذبة التي لا تنسى، هذه الأرض ’التي منها نبتدئ وإليها نعود‘- يهودا وعربا سواء- هذا الشخص فقط هو الجدير بأن يسميها وطنا [565].
ملاحظة غرامشية متأنية
 في مقالة حادة إلى درجة عدم الرحمة حول أعمال يزهار خلال الخمسينيات، يتساءل يتسحاق لاؤور عن المدى الذي وصل إليه  يزهار كشخصية معارضة:
    كان يزهار سميلانسكي عضوا في الكنيست ممثلا للحزب الحاكم  في ذات الفترة التي كان يتم فيها دفن ما كان قد تم تدميره. على  أنقاض   فلسطين-أرض إسرائيل ( التي كانت ثنائية القومية وريفية في الغالب) تنمو بقسوة شديدة  دولتية إسرائيلية حاسمة ويتموضع يزهار، سياسيا، بين الناطقين باسمها (المباي ثم رافي)، وقد تكون فرصته الأدبية- لو لم يجد نفسه رجل الماباي ورافي- قد أنتجت  عملا تراجيديا .  مع ذلك، فإن هذا الأسى، هذا الأسى اليزهاري، لا يتحول إلى أسى تراجيدي، لأن يزهار لا يسمح لنفسه بالهرطقة الفعلية. فهو يظل ضمن جدران الأيديولوجيا المهيمنة….وهي لاتسمح مسبقا بأي تمرد، بأي تساؤل عن قيمها ومؤسساتها [566].
ولد لاؤور في عام 1948 وأصبح واحدا من أهم الكتاب العبريين خلال العقود الثلاثة الأخيرة. فهو رائع حقا، بريختي التأثر، شاعر لا يمل من مواصلة ترجمة قصائد بريخت إلى العبرية ونشرها. نشر روايات ومجموعات قصصية ومسرحية ( إفراييم يعود إلى الجيش) بالعبرية، ويذكر عنوان روايته بأول عمل نشره يزهار عام 1938 بعنوان “إفراييم يعود إلى البرسيم) ، التي منعت أول الأمر من قبل الرقابة الحكومية ثم تم تحدي هذا القرار بنجاح في  المحكمة. ربما يكون لاؤور أكثر الناقدين راديكالية في مجال الأدب العبري والثقافة الإسرائيلية، كما يتضح ذلك في عشرات المقالات المنشورة له في هآرتس وفي مجموعته الهامة الصادرة عام 1995، التي تضم مقالات عن الأدب العبري والنقد الأدبي، والتي تم اقتباس المقطع المذكور أعلاه منها ( عنوان هذه المجموعة هو ’نحن نكتبك أيها الوطن‘ وهو مقتبس مع بعض التغيير من أغنية شهيرة عنوانها ’ نحن نحبك أيها الوطن‘). وقد ترجمت أعمال لاؤور في أوروبا، وبخاصة في ألمانيا، ولكنها لم تترجم إلى الإنجليزية على الرغم من أنه  كتب إلى الغارديان، وإلى ’رفيو أوف بووكس‘ اللندنية، و’النيو ليفت ريفيو‘.
     أعتقد أن كتابات لاؤور النقدية متأثرة من حيث المعنى وغريزيا بمفهوم غرامشي حول السيطرة والأيديولوجيا. فكتابه الخاص بالأدب العبري بمجمله، وكذلك مقالته حول يزهار بشكل خاص، غنية بالتوغلات النظرية التي تمت لهذا الموضوع بشكل ملموس. وبذلك مثلا، فإن اعتماد لاؤور على كل من بينيدكت أندرسون وجاك لاكان واضح وجلي جدا. ليس هناك اقتباسات معينة من غرامشي، على الرغم من أن لاؤور مشبع بالتقليد الماركسي بشكل عام وباليسار الإيطالي خاصة. ومع ذلك، فإن أحد ثيماته الرئيسة في أعماله البحثية والأدبية هو البحث الدؤوب عما يسميه ’ الواضح بالإثبات الذاتي‘، وهو ما يتم تركيبه بقوة وبقدرة فائقة على التاثير وبثه بحيث يبدو كما لو أنه مسبق الوجود أونتولوجيا، موجود موضوعيا.
يسعى لاؤور إلى عرض هذه البنى على النحو الذي هي عليه، أي بتحويلها إلى تاريخ، ثم يقوم بتدميرها، أحيانا بعنف وعلى نحو بشع ،على النحو الوارد في رواياته ’ شعب، طعام يليق بالملوك‘ (1993)، و’ أنظر إلى الرجل‘ (2002). فهذه العمال مكيفة أساسا بكتابات غرامشي عن السيطرة وأصبح ذلك أسلوب عمل لاؤور إلى حد أنه لا يفصح عن العلاقة بأعمال غرامشي. تقارن مقالة لاؤور عن يزهار ما كتب عن  فلسطين ما قبل 1948 وعملية  استئصالها، والذي هو على أقل تقدير عمل متعارض ولو جزئيا، مع القرار الذي اتخذه في الآن ذاته تقريبا بأن يصبح أحد المثقفين العضويين- استخدام مصطلح غراشي يعود لي وليس له- الذين يقدمون الخدمات لنظام بن غوريون.
      ليس النص الذي يتحدث عنه لاؤور هو ’خربة خزعة‘ ، وإنما هو روايته الضخمة’ أيام زيكلاغ‘ المنشورة عام 1958. تروي هذه الرواية قصة تلة انخرطت عليها قوات في معركة ضارية ضد المصريين. وزيكلاغ موقع مذكور في التوراة، ويقال بأنه قريب من بئرالسبع. لدى توزيع الأراضي على القبائل بعد السيطرة الإسرائيلية، تبدو زيكلاغ مرة كموطن من يهودا ( جوشوا 15:31) ومر أخرى في بنجامين (جوشوا  5:19). كما ذكر بعد ذلك أنه حين هرب داوود من غضب طالوت( صول) إلى ملك الفلستينيين، أشيش، منحه الأخير زيغلاغ كقاعدة له ’ حيث تعود زيكلاغ إلى ملوك يهودا حتى يومنا هذا‘ ( التوراة-صموئيل  6:27). وكما سنرى لاحقا[567] ،فقد تكون هذه المواقع قد اخترعت لتبريرالطموحات التوحيدية للملك جوسيا خلال النصف الثاني من القرن السابع ق.م
  في مقالة جديدة، يتفحص غيديون نيفو من مركز دراسات بن- غوريون في سيدي بوكر، الواقعية التفصيلية الدقيقة في رواية يزهار الضخمة[568] . فقد تعاملت رواية ’أيام زيكلاغ‘ مع موقع حقيقي  استثمر فيه يزهار جهدا إستثنائيا، وقد تم خوض الحرب فيها للسيطرة على خربة مخاز، وهي تلة قريبة من طريق القاذورات الرابط بين بئر السبع والفالوجة (على بعد نحو 40 ميل إلى الشمال الغربي من بئر السبع). وقد  استمرت المعركة من 30 سبتمبر إلى 7 أوكتوبر 1948. حدثت المجابهة في فترة حاسمة في سياق الصراع الإستراتيجي الأوسع للسيطرة على النقب، وذلك حين تم إرسال وحدة يفتاح التابعة للبالماخ، إلى الجنوب لإنقاذ وحدة أخرى تابعة للبالماخ هي ’النقب‘ التي كانت في حاجة ماسة للمساعدة. ويجدر القول أن أحد الضباط  المصريين الصغار في تلك المعركة التي كانت تراوح بين الجانبين للسيطرة على خربة مخاز، كان جمال عبد الناصر، الذي سوف يجد نفسه محاصرا في ما سماه الإسرائيليون بجيب الفلوجة.
     التزم نص يزهار بإخلاص مثير للأدلة الوثائقية التي جمعت حول المعركة، فيما يتعلق بالمشاهد المكانية والمواقع العسكرية، وكذلك في تركيبه للشخصيات. كانت قدراته الوصفية على مستوى رفيع إلى حد تمكين الباحثين على التعرف على المكان الدقيق للمعركة، خربة مخاز، التي لا يرد ذكر لها في رواية أيام زيكلاغ، وكذلك على الناس الحقيقيين الذين شاركوا في المعركة وتمت تسميتهم بأسماء مختلفة من قبل يزهار، حيث تم التعرف عليهم واحدا فواحدا. استمد يزهار معلوماته من عدة مصادر: تقارير ضابط استخبارات في الكتيبة وضابط استخبارات اللواء كله، مقالة عن المعركة نشرت في مجلة جيش الدفاع الإسرائيلي الرسمية في عام 1952، فصل من الكتاب الرسمي للبالماخ، حفل إحياء ذكرى القتلى في حرب 1948 في كيبوتز بيت حشيتا (على سفح جبل جلبوع في الجزء الشرقي من سهل جزريل) والذي قاتل الكثيرون من أعضائه في وحدات النقب ويفتاح التابعة للبالماخ[569]. يوفر إحياء ذكرى القتلى نصا هاما من الأنواع  الأدبية  في الثقافة الإسرائيلية، حيث يتم تقديم الثناء والإجلال لكل جندي من خلال الصور والملاحظات المكتوبة من قبل العائلات والأصدقاء. وقد استخدمها يزهار لرسم شخصياته.
      شكلت رواية ’أيام زيكلاغ‘ نصا مهما لجيل ما قبل عام 1977، ويقدم لاؤور في بداية مقالته تقديره لإنجاز يزهار الجمالي، كما يعبر عن وجهة نظره بأن  النص في النهاية سلطوي وليس معارضا:
     أكثر من أي شيء آخر، تشكل ’ أيام زيكلاغ‘ صرحا بالنسبة لحرب 1948 ليس لديها سوى هذا: الرغبة في كتابة تفاصيل الملحمة الختامية لتلك الحرب. وهي تحتوي على احتجاج على الإستسلام للحرب،وفيها إلمام بالصراع….تحتوي قصة يزهار على صور مرعبة للموت، لسفك الدماء، للاحتراق حتى الموت، هستيريا المعركة  وأوصاف مؤثرة للشباب، وثيمات الهلع وقاعدة الفعل المضارع  وحب الحياة، غير أنه إلى جانب ما سبق، فإن هذا النص قد روى حكاية نصب تذكاري لمقاتلي البالماخ عام  1948 [570].
تمت كتابة’ أيام زيكلاغ‘ لهم،  ومن أجلهم، وعنهم، أول الثمار البشرية لمستعمرة ما قبل 1948 الصهيونية، الذين ولدوا في فلسطين وقاتلوا وكسبوا حرب 1948، الذين قاموا بتطهير فلسطين من العرب ثم أخذوا يبكون على زوال فلسطين الشبيهة بالتوراة. وفقا لمصطلحات غرامشي، يبين لاؤور كيف يخلق يزهار الصابرا (الصبار) المسيطرين، الذين يشكلون مجموع الأشخاص المواطنين ’فعلا‘. وبهذه الطريقة، تمر الوحدة التي دافعت عن زيكلاغ  بمطهر أدبي، وكل أولئك الذين قاتلوا هناك ولم يكونوا جزءا من نخبة مقاتلي البالماخ الصهيونيين العماليين، مستبعدون من  مجموعة الرفاق المترابطين بشدة ومن حكاية الكتاب وهم: المزراحيون، راحاميم وعوفاديا، أفروم وجاكبسون الذين ينتمون للمنفى، ورجال المدفعية اليهود الألمان [571].
      في ما يتعلق بهؤلاء الصابرا المهيمنين، يمكن لقراءة لاؤور أن تكون قد استفادت من دراسة أولية عن جيل 1948 كتبها أحد أوائل علماء الإجتماع النقديين في الأكاديميا الإسرائيلية، هو الراحل يوناتان شابيرو. ففي عمله الرائد بعنوان ’نخبة من دون خلف‘،      والذي للأسف لم يترجم، يجادل شابيرو  وبقدرة على الإقناع، أن زعماء الصهيونية العمالية الذين  جاؤوا في موجتي الهجرة الثانية والثالثة، ثم أصبحوا قادة الدولة، قد شكلوا من الثلاثينيات ولغاية السبعينيات نخبة سياسية حقيقية مهيمنة ماديا وأيديولوجيا ( بن- غوريون، كاتزنلسون، وتابنكين كانوا أبرزشخصيات الموجة الثانية، ثم ليفي أشكول وغولدا مائير من الموجة الثالثة).  وقد أنجبت هذه النخبة جيلا عقيما سياسيا، جيلا عزله الآباء المؤسسون  المستبدون. تقبل  جيل 1948 الأيديولوجيا المهيمنة بصمت وبدون أن تكون لديه القدرة على  بث القوة فيها، ناهيك عن القدرة على التمرد عليها، لم يكن هذا الجيل سياسيا أبدا. نجح هذا الجيل الذي يقف في مقدمته ألون ودايان ورابين في تنفيذ السياسات والمهام التي تضعها النخبة السياسية الحاكمة. وفقا لشابيرو، كانت عقلية هذا الجيل عقلية المؤسسات البيروقراطية، التي يشكل الجيش مثالا تقليديا لها. وما ان اختفت معالم النخبة القديمة المهيمنة ( أولا إشكول، ثم غولدا مائير) وتطلب ذلك من جيل الضرورة المحترم أن يصبح مستقلا سياسيا،  بدلا من أن يتم تعيينه في المواقع من قبل النخبة، سرعان ما خسر أمام الليكود ، وعلى نحو لا رجعة فيه،  خسر الهيمنة أيضا[572] .
      هناك خسوف مزدوج في هذا المجال: لا يستطيع لاؤور الإستفادة من شابيرو، وشابيرو لم يستطع الإستفادة من يزهار، الذي كتب عن ومن أجل جيل بالماخ 1948، وإنما كان نفسه- إلى حد ما على الأقل- جزءا منه. ففي عام 1953، أي قبل ظهور ’ أيام زيكلاغ‘، وفي إشارة إلى القصص التي تتضمن قسطا أكبر من المعارضة، لاحظ الناقد ديفيد كنعاني أنه’ على الرغم من الروح المتمردة الموجودة في كل أبطال يزهار… فهم لا يتمردون أبدا ضد الشيء الرئيس. فهو (الشيء الرئيس)- فوق الجدل والنزاع، وهو بدهية لا تتطلب أي برهان، فالمشروع ( الصهيوني)هو الذي يمثل الحد الأقصى للثورة‘ [573]. يمد لاؤور ملاحظاته لتشمل زيكلاغ. ’ يقول: ” ينبغي قراءة موهبة يزهار العظيمة ومحدودياته، ضمن حدود الأيديولوجيا الحاكمة…الصهيونية. فمحدودياته ترتبط، أولا وقبل كل شيء، بعلاقته الطيعة مع هذه الأيديولوجيا. قد يكون غير معجب بجوانب كاملة من تلك الأيديولوجيا، هذا في أخف الأحوال، غير أن قصته الجميلة بكليتها (زيكلاغ) تخلو من محاولة واحدة للتمرد على “المشروع”[574] .
     في عام 1958، وإذ كان النظام المستقر لبن- غوريون مسيطرا بشكل كامل، كان مصيرأي برعم  ضئيل معارض من فترة الحرب أوما بعدها ( تساؤلات في الكنيست عن عمليات التطهير، قصص يزهارعن الحرب) هو القمع الذي استمر حتى الثمانينيات. وكما سنرى، سيظل يزهار يزور ويعود يزور 1948، غير أنه بفعل بداية عمله السياسي تحت بن-غوريون في أوائل الخمسينيات، فإن الغضب على  خربة خزعة، رغم أنه عقيم سياسيا، قد أفسح المجال أمام جمال ونقاء الأولاد الطريين ، جيل 1948 صاحب التضحيات. هكذا يصور لاؤور البصيرة الغرامشية:
    إذا كان هناك مكان يمكن منه ملاحظة كيف تفكر الدولة، إذاكان هناك مكان يمكن منه تفحص كيف كتبت الدولة وكيف تكتب سيرة حولياتها ورعاياها، وتمثيلهم حتى قبل أن يولدوا،فإن هذا المكان يجب أن يكون على مسافة بين خربة خزعة وأيام زيكلاغ (1958)[575] .
أي نوع من أولاد الصابرا  يصوغ يزهارفي ’زيكلاغ‘ بعد أن تم تمييزهم عن الأبطال الآخرين ( المزراحيم، اليهود الألمان وهكذا ) وبعد أن انتهوا من القصف والحرق والنسف والدفع والقذف والدسر إلى المنفى في خربة خزعة؟ في كلمة له أمام إتحاد الكتاب العبريين، في أبريل 1958 ، وقبل وقت قصير من نشر زيكلاغ، طمأن يزهار مستمعيه أنه من قلب الواقع المظلم للحرب ” ينبثق بين حين وآخر ذلك النبع من الشباب  الذين لا تشوبهم شائبة والذين يريدون أن يؤمنوا”[576] . كان ينبغي هنا بشكل خاص أن يكمل لاؤور تحليله الأدبي بعلم الإجتماع السياسي لشابيرو. فالنقطة الأكثر دلالة في هذا الوعد المبتلى بالشفقة لا يكمن في أن الأولاد المتفانين من أجل الآخرين يحبون أن يؤمنوا، وإنما في أن ما يحب الأولاد أن يؤمنوا به ، هو فراغ لا شيء فيه.
       هناك طريقة لملء هذا الفراغ بافتراض أن الأولاد يريدون أن يؤمنوا  بأي شيء يقوم به بن- غوريون من أجل الدولة. أما الطريقة الأخرى فهي إدراك حقيقة أن عدم امتلاء هذا الفراغ هو الحال بالضبط . فالرغبة في أن تؤمن، هي بذاتها حالة دائمية من حالات الوجود والتي ليس المقصود منها أن تقود إلى فعل سياسي أو حتى إلى موقف سياسي منهجي. يرى لاؤور كم هو عقيم سياسيا هذا الجيل:
       النقطة الأساسية هي أنه لا يوجد حقا أي فرق كبير بين الجنود،  إلا الفرق بين أولئك الذين ’لنا‘ ( الجميلون والمعبأون من أجل  المشروع من كل قلوبهم) وأولئك الذين ’ ليسوا لنا‘ ( غير الجميلين  ويتذمرون كثيرا). كذلك: بما أنه لا يوجد فرق  حقيقي بينهم بالنسبة للمهمة التي يقومون كلهم بها، فإن الراوي ملزم بأن يسقط  عليهم الإختلافات في محاورات حول الرأي ، ومن ذلك سوف تظهر الإختلافات الشهيرة بين تشيبي ( الشرير في مجال الرأي) وليهي أو ليمي. فستكون لكل واحد صفات لا تتعلق أبدا بالمهمة ذاتها: بارزيلاي يقتبس من الكتاب المقدس، وليمي ماركسي وهكذا. سيكون سطحيا أن تقول بأن هذه الإختلافات ليست لها أهمية إلا في داخل حلقات  النقاش ( بينهم هم)[577] .
  ما يعنيه ذلك هو أن الرؤية العالمية الخاصة بالماركسية مقابل مقتبسات من التوراة مثلا،  فارغة تماما كمواقف معارضة بالنسبة لأي أي شيء. وهي بالتأكيد لا تقود إلى سلوك سياسي مختلف. فهي فقط موجودة، لأن الأولاد يحتاجون شيئا يؤمنون به .
مشكلة تردد يزهار
 بغض النظر عما لدى لاؤور من بصيرة، فأنا أعتقد أن هناك لدى يزهار شيئا مميزا، شيئا أعتقد أن بينفنستي ولاؤور يحسان به أيضا. فعلى نحو مختلف عن أي كاتب نثر عبري، فإن حزن يزهارعلى اختفاء فلسطين ما قبل عام 1948 هو في النهاية حزن معقد ومتناقض، إستعماري  –إستيطاني وثنائي القومية . فهو إستعماري –إستيطاني بطريقة ليست ولا يمكن أن تكون إثنية إقصائية. لا يستطيع يزهار أن يبكي على أصدقائه، أولئك الأولاد الذين لم يصبحوا رجالا ويضحون بأنفسهم، من غير أن يبكي على فلسطين العربية الريفية ( فهي لم تكن مدينية بأي حال). وككاتب،  فإنه غير قادر ولو مؤقتا على انتزاع نفسه من فلسطين ما قبل 1948. فالحرب هي الحد الأقصى الذي يمكن أن يصل إليه. جزئيا بالطبع، فإن تفرد يزهار يكمن في قوته الأدبية، غير أن ذلك يكمن أيضا في التجربة الإستعمارية المختلفة التي ميزت الموشافا (المستعمرة المزرعة العرقية) عن الكيبوتز والموشاف ( المستعمرات الإستيطانية النقية) .
       يعي لاؤور ذلك حين  يذكر يوري شوهام من حركة الكيبوتزات،  ذلك الناقد الذي يتميز غضبا ضد أعمال يزهار، والذي يصفه لاؤور بأنه ’ رغم حساسيته العالية إزاء النص، فهو غير قادر، بسبب موقفه الأيديولوجي، على الإمساك بالدافع التراجيدي، الذي ربما يكون سمة من سمات  سكان الموشافا‘ وعالمهم الذي انهار بمعظمه في عام 1948[578] . وفي تفسيره لسبب أن  كراهية  يزهار للمجموع ، وهو ما جعل شوهام يتميز غضبا، لم تتمكن من التطور إلى حالة تراجيدية عن تدمير فلسطين القروية وموت رفاقه في 1948، يورد لاؤور قائمة بالعناصر التي حالت دون تحقق طاقته التراجيدية: ’ موت الأولاد، تدمير القرى، فوضى  الموشافا مقارنة بالتنظيم العقلاني للكيبوتز أو للدولة، زوال فلسطين- أرض إسرائيل، ونمو الدولتية الإسرائيلية الجديدة [579].
    سوف أضيف وجهة نظر يزهار اللازمنية إلى تفسير لاؤورالزمني، بل والتطويري.  فكما رأينا سابقا، يركز لاؤور على تحولولات يزهار الإنسان ويزهار المؤلف بين خربة خزعة (1949) وزيكلاغ (1958) من ناقد- وإن يكن غير مؤثر- لعملية التطهير، إلى عضو من المثقفين العضويين التابعين للقوة المهيمنة. كذك يستخدم لاؤور تحولات يزهار كتجسيد مجازي لما مرت به كل إسرائيل خلال الخمسينيات. إن تفسير يزهار مفحم حقا، غير أنه يجب تكملته بفهم له، حيث لا يوجد تطور زمني واضح وغير قابل للتغير في فكره، وإنما هناك تردد لا ينتهي-يشبه تردد راحيل فارنهاغن بين محدث النعمة والمنبوذ في دراسة أريندت عن حياتها.   فتقلب يزهار الدائب- والواهن أحيانا-هو بين الحزن على فلسطين العربية القروية، والكراهية الشديدة للمشروع الأيديولوجي الذي جعل ذلك ممكنا، والحب الذي لا يتغير وتعلقه برفاقه، وبخاصة هؤلاء الذين ماتوا في حرب 1948، وبخاصة إبن خاله يحيام فايتز. مكانيا، يتضح هذا التقلب في تذكره لحالة القومية الثنائية التي  عاشها في الموشافات الجنوبية ( رحوفوت، إيكرون والخضيرة)من جهة، وأوصافه ذات الطابع الكوني لذلك الروع الآسر الذي تجسده صحراء النقب من جهة أخرى.
     في مقالته المشار إليها سابقا حول إعادة التركيب التوثيقي لزيكلاغ، كان غيديون نيفو محقا في ملاحظة أن النقاد قد أساءوا فهم ما كان يزهار يحاول القيام به. ففي رأي نيفو، كان يزهار يهدف بأسلوب أفلاطوني،  إلى إيجاد معنى مقارب للواقع عبر التصوير الأدبي [580]. كانت
محاولته تتمثل في محاولة الإمساك بذلك العنصرمن عالمه المتلاشي-عالم رفاق 1948 والنقب- وأن لا يدع ذلك يفلت منه. لا تنبع عملية الإمساك اليزهارية من شغف ورغبة في عناق الآخر أو الرفيق، بل كانت محاولة للإمساك بتلك التجربة المتجسدة برفاق 1948 وكانت هذه آخر لمسة لذلك العالم الآخذ في الاختفاء.
     تشكل قصة يزهار ’قصة لم تبدأ حتى الآن‘[581]، التي لم تلفت الإنتباه جيدا (رغم أنها لم تغب عن عين بنفنيستي الثاقبة) أقوى تعبير وأكثره حضورا في مجال عدم القدرة على الإبتعاد عن هذا العنصر الخاص بهذا العالم الذي تم استئصاله، وذلك إلى حد أن موهبته الرائعة كسارد للقصص تحفر في عقل القارئ شعورا بأن راوي يزهار عالق حقا بفعل تعلقه بذلك العالم المتلاشي. يعتمد النقاد الأدبيون والمترجمون عنوانا مختلفا للقصة هو ’قصة لم تبدأ‘، وبذلك يفقدون صيغة الفعل المضارع التام الذي يتوفر في اللغة الإنجليزية وتفتقده لغات أخرى (العبرية والعربية)، وهو صيغة تمثل حالة من الإنسجام بين العنوان والمضمون والشكل.  تختم هذه القصة مجموعة يزهار عام 1963 المعنونة’ قصص السهول‘، والتي سوف يتوقف عن الكتابة بعدها لثلاثة عقود.  القصة لا تبدأ أبدا، وذلك بسبب أن الراوي عالق. فهو يتجول بصحبة رفيق له( قد يكون إبنه أو حفيده) عبر المشاهد التي لم تعد موجودة. وفي كل مرة يحاول فيها أن يبدأ قصته، تنبثق تنويعة من ثيمتين  توأمين وتردعه. وبدلا من تلك الحكاية (التي لن يتاح لنا سماعها) تصبح هذه هي الحكاية. الثيمتان التؤمان هما موت شقيق يزهار الأكبر في حادثة اصطدام دراجته، هو وصديقه العربي الذي كان يجلس وراءه، وهما يشقان طريقهما بسرعه مفرطة عبر المشهد الثنائي القومية للموشافا/ القرية العربية، والمشهد المدفون والمغطى لفلسطين العربية القروية.
      تتألف ’ قصة لم تبدأ حتى الآن‘ من خمس قصص فرعية. عنوان الخامسة منها هو ’موعظة أخرى أو اثنتان وسوف أصمت‘، وهي تتوقع صمت يزهار اللاحق. أما الثانية: ’صمت القرى‘  فهي وبطريقة ما،  تبدأ من حيث انتهت ’خربة خزعة‘. وإذ يصل إلى ختام التالية( القصة والقرية)، يدعو يزهار الرب للنزول إلى الأرض لكي يتفقد قسوة خطايا سدوم وعمورة ( التكوين 21:18):
     حل الصمت في كل مكان، وقريبا سوف يحل على المشهد الأخير، وحين يلفع الصمت كل شيء ولا يزعج أي رجل هذا الهدوء،  وإذ تكون هناك همهمة خفيتة وراء هذا الصمت- حينئذ  ينزل الرب إلى الوادي لكي يرى إن كانت الأفعال التي تم فعلها مضاهية للصرخات…[582]
 في قصة ’صمت القرى‘، ينزل راوي يزهار، وليس الرب، إلى الوادي ليس تماما لكي يتفقد، وإنما لكي يتشبث بيأس ولا يتخلى أبدا عن ’المشهد الأخير‘.
       يظل الراوي يندب أمام محادثه اختفاء المشهد كحالة عقلية وجودية، وهو يستعيد ذكرى ما كان يعرفة بحميمة وألفة سابقة ، متحاشيا التصوير العاطفي لما كان قد دفن- وبسخرية لاذعة حتى إنه هو نفسه يجاهد لكي يتحملها- يعلق على عقلانية الواقع الحداثي التكنولوجي الذي لا يشكل إرثا لعالمه. ’ أنا لست إلا واحدا يرى الرجل‘  يقول متلعثما، ’ ويتألم قلبه إلى حد لا يمكنه أن يرى. هنا مكان غادر مكانه ولم يعد موجودا.  لا يوجد حتى أعداء هنا، ولا لا-أعداء، إنها مجرد قصة حدثت بصيغة الماضي. حيوات بشرية، لها مغزى ما ، لمن يبحث عنه‘ [583]، والآن، فإن كل شيء:  قد صبغ من الخارج مجددا. ومنحت أسماء جديدة لكل شيء. أكثر تحضرا بالطبع، ومن الكتاب المقدس أيضا. غطوه وحرموه  من إرثه وهو في طريقه إلى المنفى، وليحل السلام على إسرائيل.   المسمية أصبحت ميشميا –شالوم، قسطينة لا أعرف، ربما كيشيت-تيينا( غصن التينة)، وربما أكثر احتمالا ’كاآسفي تينا‘، ( غضب وكراهية). فلنتوقف [584] .
تبدو أصداء بقية الأسماء في دراسة بنفنيستي واضحة جدا.   إن التردد الذي يبلغ حد الشلل الذي  شكل سمة موقف يزهار- الابتعاد الساخر عما أصبح عالما متلاشيا، الحب الممض لما تم محوه والغيظ الحاقد على عملية المحو، وفي الآن ذاته طاعة لدولتية بن -غوريون وود كبير للأولاد الخياليين المضحين من جيل 1948- قد تم التعبيرعنه على نحو شاعري من خلال راو آخر من رواته في قصة مختلفة هي ’ الموعظة الأولى‘، الواردة في ذات المجموعة.  يلجأ يزهار ثانية إلى مقطع من سفر التكوين كان قد اختتم به ’خربة خزعة‘: ’ أنا أيضا، مثل الكثير من الطيبين، أمشي، عيناي في الخلف من رقبتي، أنظر إلى الوراء بحنين الفرح، على نحو ما يشبه زوجة لوط التي اشتاق قلبها إلى الذي انتهى‘[585] . يكمن مفتاح معنى هذا المجاز في دقة الصياغة اللغوية للمرجع: ليس إلى زوجة لوط نفسها، وإنما إلى نوع ما كزوجة لوط. فهي قد عصت الرب، ’تمردت‘، أدارت رأسها إلى الخلف لما كان سدوم وعمورة، وعوقبت بقدر ما تستحق ( ’غير أن زوجته نظرت إلى الخلف من وراء ظهره، فتحولت إلى عمود ملح‘-سفر التكوين 26:19). إن أقصى ما كان يمكن ليزهار إستدعاءه هو’ عيناي في الخلف من رقبتي‘، غير أنه لم يكن قادرا على عدم الطاعة ولا التمرد، وإنما المضي بعيدا- حزينا، ناقدا، بل وحاقدا_ ثم يعول.
هاقد جاء حراس بوابة الصهيونية الإنسانية
 فلنر الآن كيف تصرفت إنتلجينسيا الصهيونية العمالية الإسرائيلية ومعسكر السلام ، وهم الكيان الذي تطلق عليه شابيرا وآخرون صفة ’الصهيونية الإنسانية‘، إزاء يزهار.
إنه أصلي
     كان أستاذ في الفلسفة يقيم في البقعة في منزل كبير قديم له جميع الصفات  المعتادة للمنزل الكبير القديم في القدس: الجدران الحجرية، السقوف المقنطرة، شجرة جوز أصلية لاتزال تحمل، صهريج أصلي تحت الأرض، وبئر كانت  الحديقة تعتمد عليه في سنوات الجفاف. كانت سمعته الأستاذ كمفكر ضليع قد   تضخمت بعد التأكد من قدرته على التغلب على زملائه في المناقشات الخاصة بتخصصاتهم.  وكان يسمح للأطفال أحيانا باللعب في  الحديقة. غير أنه في صيف عام 1967، قلد الأستاذ المليونير الشهير (س)، وأمر ببناء سياج حجري  عالي حول منزله وحديقته، لكي يمنع سكان المنزل الأصليين من الزيارة.
   (عوز شيلاخ، مناطق للتنزه)
على غرار المثقفين الليبراليين في الأمم الإستيطانية، يتجلى القلق المتجذر لدى هذه الإنتليجنسيا من خلال آرائهم في يزهار. فهم قلقون من أنه قد يخلط بين ذلك المعلب من علاقات المستوطن- المواطن و الخط الفاصل بوضوح ل ’هويتنا‘، وأن يجازف بإهارة التطهير والهوية على نحو يجعلهما كلا واحدا، فيقضي على ذلك الدفء (أو القشعريرة) الخاص بتلك الأخوة المتينة للأمة الإستيطانية. فهم لا يسمحون ليزهار بالاختلاف أوالإشتباك، وينكرون عليه أي حزن أصيل على ماتم من دفن لاحتمالات  تحول فلسطين الإنتدابية إلى قومية ثنائية، بل هم يحرمونه من الحق في أن يشعر بالمرارة والحقد بسبب القضاء على معالم السكان الأصليين الذين منعوا من الظهور على مسرحنا حتى ولو في صورة أدب رثائي. فالحال دائما هو عنا، عن شكوكنا،  ومشاكلنا، وقلقنا، وصراعنا مع الطبيعة وووو… حتى الغثيان. إن أهمية هذا الإنكار لفهم لائق لطبيعة وعي المستوطن الليبرالي وما الذي يفكر فيه، غير قابلة للمبالغة.  فالعلاقة بين المستوطنين والسكان الأصليين لاتكمن أهميتها فقط في استيعاب أدب يزهار، بمعنى أنه أدب يزهار، حتى حين يكتب بشكل حصري عن مجتمع المستوطنين، وذلك على نحو جورج فريدريكسون الذي أصر على أن تاريخ سيادة البيض هو بمعنى ما تاريخ أميريكي وجنوب إفريقي[586] . إن ما يتم رفض الإعتراف به أساسا أو الإلتفاف عليه من قبل المعلقين الليبراليين على كتابات يزهار هو هذا التشابك غير القابل للإفتكاك.
       دان ميرون، الذي كان في الجامعة العبرية ثم انتقل إلى موقع أستاذ العبرية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا، هو أحد أهم  متخصصين اثنين  في الأدب العبري، وقد حصل على جائزة الدولة في إسرائيل لإسهاماته في هذا المجال. كتب ميرون مراجعة لأعمال يزهارالتي شملت مجموعة باللغة الإنجليزية ضمت بعض قصصه[587]. أحدى أهم الوسائل التي يعمد إليها الصوت المهيمن من أجل إضعاف يزهار وتجريده من أية صفة سياسية، هي إخراج أعماله من أي مضمون مادي تاريخي، وتقديم محتواها على أنه تجريدي وعالمي بشكل مطلق، وذلك بمعنى أنه لا قيمة لأي بعد زماني او مكاني فيه. يقدم ميرون ما يشكل مثالا على ذلك، حيث يفسر أعمال يزهار على أنها تجريدية، خارج التاريخ، لامعنى لها، وأنها تشكل صراعا بين الفردية  أو حرية الفرد، والأرادة القهرية للجماعة. لا يذكر ميرون في مقالته عن يزهار أي مرجع سوى غوردون الذي يركز تراثه على أولوية إرادة الجماعة. كان غوردون (أنظر الفصل الثاني) المنظر الرئيس والشخصية الرئيسة في موجة الهجرة الثانية التي ضمت أعضاء هابوعيل هاتزير، والذين كان والد يزهار أحدهم. فبالنسبة لميرون، لا يوجد عرب ولا مستوطنون صهيونيون في أعمال يزهار، ولا حتى أي فضاء مادي. وحين يقاوم البطل الفرد إرادة الجماعة، لا نعرف ما هو ذلك وما الذي تمثله المقاومة.  فأعمال يزهار وفقا لميرون، هي في النهاية لا شيء، وإنما مجرد قصص رمزية.  تقترب بعض ملاحظاته في هذا المجال من حد الإرباك ، مثل تعليقه على النص المشار إليه أعلاه، وهو ’ قصة لم تبدأ حتى الآن‘، والتي يقول عنها:
    يكاد يصل يزهار إلى حد إثارة العجب في وصفه لحادث تحطم الموتورسايكل، الذي ينتهي بالاصطدام بقطار وبموت. هذا هو التجسيد الأقصى في عمل يزهارللتونر بين الوجود البشري كمجموع ( القطار) والفرد المحرر وهو في أوج حريته(سائق الموتورسايكل). هنا لا توجد أية إشارة إلى أية مهادنة  ممكنة، وفيما يتعلق بالخضوع، فنحن نقاد إلى الإعتقاد بأن الموت، بخاصة  حين يأتي في لحظة اندفاع نحو الحرية، هو الأفضل [588].
    أن يكون سائق الدراجة المندفع شقيق يزهار الأكبر، وأن يكون وراءه على الدراجة المندفعة صديق عربي ( الذي لا وجود له حتى كمجرد شخص ما في تحليل ميرون)، وأن الدراجة  كانت تركض عبر الفضاء المشترك بين الموشافا والقرية العربية، لايعني شيئا بالنسبة إلى ميرون. فكل ذلك قد جرد من أية أهمية تاريخية وسياسية –بل وشخصية-لكي يتحول إلى حكاية رمزية خاصة بسعي الفرد نحو الحرية بعيدا عن المجتمع. يبدو أن يزهار لم يعد يزهار، بل تحول إلى فيلسوف ليبرالي أنغلو-ساكسوني.
      هناك ناقد آخر ليزهار، هو غيرشون شيكيد،  الذي توفي مثل يزهار في عام 2006،  وكان تأثيره في النقد الأدبي العبري بشكل عام أكبر بكثير من نقد ميرون، وحصل على  جائزة الدولة في إسرائيل.كما كان من أساتذة الجامعة العبرية. كان شيكيد  أكثر الباحثين الإسرائيليين عطاء في مجال الأدب العبري، و هو الذي أقر المراحل التي تم تقسيم الأدب إليها والمقبولة بشكل عام ( جيل 1948 من الكتاب، جيل الدولة ..وهكذا) وكذلك بالنسبة إلى مناهج التحليل السائدة. كما كان أحد الأصوات الرئيسة التي ردت على النقاد غير الصهيونيين خلال العقد الأخير من القرن الماضي. وكان أهم رد في هذا المجال هو رده الذي تمثل في مقالته شبه الهستيرية ضد نص كتبه لاؤور في عام 1995 بعنوان’ حكايات بدون مواطنين‘ والذي يحاوره هذا الكتاب باستمرار[589].
        في مقالة لشيكيد عن حكاية قصيرة ليزهار بعنوان ’مقدمات‘ صدرت في عام 1992، وتشكل جزءا من سيرة حياته،و تتحدث عن فترة ممتدة من عام 1916 ولغاية نهاية العشرينيات، يلجأ شيكيد أيضا إلى تفسير يستند إلى  نضال الفرد ضد سيطرة المجموع ، وإلى ذنب الفرد لابتعاده عن المجموع بسبب النظر إليهم من زاوية خارجية تتسم بحب الإستطلاع العرقي[590] .
وعلى الرغم من أنه، مثل ميرون، ينفي في النهاية وجود أساس تاريخي محدد في أدب يزهار، فطريقته تختلف. لا يتجاهل شيكيد أهمية النضال ضد الإستعمار بين المستوطنين والسكان الأصليين عند يزهار( رغم أنه يحصر أهميتة في حد أدنى) ، ولكنه يفرغه من أية نتائج ملموسة، كما يحمي يزهار من مواجهة  أية إتهامات بالإسراف في نقد  المجموع، ويبدو وهو يفعل ذلك بأن لدية حساسيات إزاء الإستعمار. يخاطب شيكيد أحد أقوى المقاطع في الحكاية، وهو المقطع الذي يتساءل فيه يزهار عما إذا كان المشروع الإستيطاني برمته مشروعا زائلا في النهاية، بسبب كونه أجنبيا عن البيئة المحيطة، واعتدائه على الأرض والسكان المحليين والمزارعين[591] .  إنه فعلا نص مؤثر، وذلك من حيث كونه بيانا حول الوضع الإستيطاني –الإستعماري والمشروع التحديثي  كله، إضافة إلى كونه يشير إلى وضع استيطاني-إستعماري ملموس يحدث في بيئة معينة ويتم فيها تسمية قرى مسحت من الوجود بأسمائها ( ’اليوم لا توجد ’منصورة‘ وأنت لن تجدها‘).
      يجرد شيكيد المقطع من قوته بإضفاء معاني رمزية خالصة عليه. يزهار / الطفل الراوي، يسامح الحضارة على تخريبها للطبيعة، كما يغفر للمستوطنين تجريد ’الأرض من براءتها وعذريتها‘. هذا يحطم ’ حلم الطفولة الأبدية الذي لدى الطفل البريء، الذي ترتبط طفولته الأبدية بالانغمار في الكمال الذي لا يوجد إلا في الطبيعة الكاملة‘ [592].  في هذا التفسير، تتحول كراهية يزهار للمستوطنين اليهود إلى رموز. فهو لا يكره حقا تدمير الفضاء الحقيقي الطبيعي والبشري من قبل مستوطنين يعتنقون أيديولوجية ذات إسم معين. بل هو غاضب رمزيا: إنهم يمثلون العنصر الذي مكن الحضارة من ابتلاع الطبيعة، وذلك في سياق الصراع بين الطبيعة والحضارة، الذي هو خارج التاريخ أو بدون تاريخ .
    بالنسبة لشيكيد، فإن الدراما الوحيدة ليزهار هي تلك التي بين المستوطنين والأرض[593] .بعد ذلك، حين يتذكر أن الأرض ربما تأتي بعبء غير مناسب، تتضح توجهاته الإستعمارية.
’كإنسان كبير‘، شيكيد يرى…. ’أن يزهار يعتقد أن معركة الإنسان مع الطبيعة غير مجدية،  والأرض ( والعالم العربي جزء من هذه الأرض) سوف تتغلب حتما على أولئك الذين يزعجزونها‘[594] .لا يسمح إخلاص شيكيد لوظيفته كواحد من حراس بوابة المشروع بأن يقنع بتحييد يزهار من خلال استراتيجية رمزية.  ولأجل القضاء على أية شكوك باقية، عليه أن ينتهي بالإعلان أن يزهار صهيوني جيد وكل ما هو غير ذلك هو ثانوي في أفضل الأحوال.
     هكذا يجزم شيكيد أن: كل تلك التطلعات لتحطيم الكيان الصهيوني، ومن أجل إعادة الفضاء الإسرائيلي  إلى صدرالأم الكبرى، الطبيعة، هو نتيجة شهوة  جنسية طاغية، قوة توضح أن ذلك التيار الخفي الذي  يظهر بشكل رئيس في تأملات الراوي في ظرف متناسب مع وقت القصة، لا يشكل جزءا  من الخلفية التأسيسية للقصة، التي تمتلئ وتنضح  بالحب لأرض إسرائيل، والحب للآباء المؤسسين[595] .
   ثم يختتم قائلا: بعيدا عن كل الأيديولوجيات،والسجلات والتواريخ، يحتفل يزهار في قصته بذكريات طفولته ويقيم على شرفها وذكراها- أرض الكلمات الجميلة التي هي أرض أسرائيل. هنا يتغلب الخيال على الواقع، وكما هو الحال في عمل غوتيه فإن الخيال أكثر جمالا وتعددية وثراء من الواقع[596] .

الأدب والدعايـة

 لم يشكل ميرون أو شيكيد، ولا أي معلق آخر بالنسبة لهذا الأمر أي تحد جدي لنجاح عاموس عوز النفاقي في جلب يزهار ثانية إلى صدر الكتاب المقدس، إلى هوية’نا‘ الجماعية- من نحن، وما أعظمنا، لأن لدينا معضلات خاصة بنا. نشر عوز في عام 1978 مقالته القصيرة عن يزهار في صحيفة دافار اليومية  الصادرة عن الهستدروت ، كمداخلة في المناقشة الحامية التي دفعت وزيرالتعليم إلى تأجيل عرض مسرحية ’خربة خزعة‘ (في أواخر السبعينيات كان هناك تلفزيون واحد تابع للدولة ويعمل بقناة واحدة). وحين تم أخيرا عرضها، قرر عوز أن من حقه هو الآخر أن يقول شيئا أو أكثر عن خربة خزعة، وأخذ يدلي بتصريحات يقول فيها أنه لا بد في هذه المناسبة من قول شيء عن أنفسنا في هذا الوقت‘، كما لوأن كل ما قيل حتى الآن وما سيقال ، هو شيء ليس عن أنفسنا‘ [597].يستحق هذا النص أن يتم تفحصه، لأنه بالإضافة إلى أنه يشكل مثالا مميزا للإندفاعة الإستيطانية القومية التقليدية لانتزاع النزاع الإستعماري مع السكان الأصليين من دائرة ’هويتنا‘، فهو يبين قوة عوز الدعائية المرموقة، وقدرته على تأليف مختلف أشكال النصوص التي يمكن  التقاط  أي منها لخطبة أمام جمهور مختلف سواء كان  من المانحين للجامعات الإسرائيلية أو الفرع الأميركي للسلام الآن، أو كأحاديث مع المثقفين الألمان الليبراليين المصابين بعقدة الذنب.
    يلعب عوز على بلاغة الهستيريا التي هيمنت على هذه المناقشات، والتي تحدثت عن’الخطر المعنوي‘ لعرض ’خربة خزعة‘. أول هذه لمخاطر ، كما يصفها، هو ’ خط الإلتحام: لا تتعامل قصة يزهار مع النزاع اليهودي –العربي. ففي هذا المجال هناك الزبد الطافي على الأفواه ( المعلقين) من كل نوع والناجم عن سوء فهم .
     لا توجد أية شخصيات عربية في ’خربة خزعة‘، وإنما مجرد تخطيطات  متناثرة، ورسومات بقلم الرصاص، وحيل أخرى. وموضوع القصة لا علاقةله بالنزاع الإسرائيلي- العربي، وإنما وياللأسف المضاعف، بالنزاع الإسرائيلي- الإسرائيلي. وبشكل أكثر دقة: نزاع بين صبي محارب من جهتنا وروحه  المنقسمة.فهذا الصبي ذو العين النقية، هو النتاج اللطيف للتربية الخاصة بقيم  اليهودية والصهيونية والإنسانية، روح الحليب والعسل هذه، قد استوعبت واختزنت جيدا  قيم البطولة والرجولة والمكابية وكل تلك الدوامة  من الفاتحين لكنعان وشمشون ويفتاح الجلعادي وترمبلدور، على نحو باهر الجمال، كما استوعب  ما لا يقل إبهارا وجمالا من القيم، ودموع لمحرومين،وأحزان المنفيين، وأشكال الشكر العشرة التي أعفيت منها حتى سدوم وعمورة،وأخلاقيات الأنبياء، وتساوي القيمة الإنسانية…ألخ من زبدة الزبدة الفكرية  ومن الفيتامينات الأخلاقية….. وبعد ذلك، حل بهذا الصبي الغالي أنه وفي حمأة المعركة، وفي خضم الحرارة المضنية لعملية طرد سكان خربة خزعة، فجأة تم غرزإسفين في خط الإلتحام الخاص بنظام القيم سابق الذكر… بين جوشوا إبن نون وعيسايا إبن عاموز، بين حب الإنسان وحب الوطن، وباختصار: بين الجيد والجيد. وأصيبت روح الصبي الغالي في القصة بالعذاب ولم يعرف ما الذي يتحتم عليه أن يفعله[598] صعق لاؤور بأحد مقاطع النص السابق، وكتب وهو غير مصدق: ’ هكذا! لم يكن يزهار هو يزهار. كان عاموس عوز[599] . لايمكن إبخاس الأهمية السياسية لعاموس عوز.
فهو أكثر الكتاب العبريين ترجمة وأكثر الكتاب شهرة على الصعيد الدولي، وقد لقيت سيرته الذاتية التي صدرت على شكل رواية بعنوان  ’حكاية حب وظلام‘ بالعبرية عام2002 ثم بالإنجليزية بعد عامين إستقبالا واسعا محليا ودوليا لقيمتها الأدبية ولما تضمنته من شجاعة سياسية. سوف أركز في ختام هذا الفصل على عاموس عوزتحديدا بسبب هذه الأهمية، وبسبب المقارنة المحيرة بين الشهرة التي حصدها من جهة، ونوعية كتاباته من جهة أخرى. فمهما ذهبنا بعيدا في تمنياتنا للأخذ بمقولة أن الفن هو مسألة ذوق، فمن الصعب المجادلة مع بيري أندرسون في ملاحظته البليغة حول أن ما تقدمة شخصية مثل عاموس عوز هو
 ’ مزيج من العنترة والميوعة العاطفية‘ [600]. وبمهارة فائقة وبما لا يقل ذكاء، عنون لاؤور أحد الفصول ذات العلاقة في كتابه:  بما يلي: ’الحياة الجنسية لقوات الأمن:حول جسمانية الإسرائيلي الأنيق والعسكري في عاموس عوز‘[601] .
     إن ما يراه لاؤور وأندرسون على نحو واضح، لايراه آخرون هكذا، ومنهم نادين غوردينر[602] . بل هو غير واضح أيضا لباحثة مرموقة هي ريتشيل فيلهيي- برينير[603] .فالكتاب الذي ألفته برينير عن الأدب الإسرائيلي، والذي ناقشت فيه أعمال كتاب إسرائيليين يهودا وعربا، متحدية فيه الإقصاء العرقي، قد قام على فرضية أن الإطار الصحيح   لتحليله هو الحالة الإستعمارية – الإستيطانية، والتي تلجأ من أجلها إلى غيرشون شافير الذي تطرقت  أنا إليه سابقا [604].  تحدد برينير الوسائل التي تم فيها تحييد الأدب الإنشقاقي وإدماجه في  شرائع المؤسسة على يد حراس البوابة [605]. ثم تقوم بتحطيم الخصوصية الثقافية العرقية بخلق مزدوجات لمؤلفين ونصوص عربية وأسرائيلية مثل ’خربة خزعة‘ ليزهار مع ’سعيد أبو النحس المتشائل‘ لأميل حبيبي، و’مواجهة الغابات‘ ليهوشيا مع ’في ضوء جديد‘ لعطا الله منصور.
      على الرغم مما تتصف به مجادلة برينير من جرأة ومن بعد نظر في بعض الأحيان، هناك توتر جدي بين وجهة نظرها الخاصة بمضمون الإنشقاق من جهة، ومن تعتبرهم  كتابا يهودا إسرائيليين منشقين – تم تحييدهم سياسيا ودمجهم من قبل حراس بوابة المؤسسة .  فبالإضافة إلى يزهار، تختار برينير كلا من عوز ويهوشوا وديفيد غروسمان ( الثلاثي  الذي دعم الهجوم الإسرائيلي على لبنان عام 2006، ثم طالب بعد بضعة أسابيع بوقفه، حيث يبدو أن بعض المتنفذين الذين يهمونهم في الولايات المتحدة بدأوا يشعرون بالإحراج بسبب عمليات التدمير العشوائي). فهي تعي وجود بعض  المراقبين الذين يوضحون بطريقة مقنعة لماذا ينبغي عدم منح هؤلاء مثل هذه المكانة الإنشقاقية، ولكن محاولتها للمجادلة على نحو معاكس لم تفلح. تتجنب برينير بشكل مخادع كما أعتقد، التعامل علانية مع إصرار لاؤور على أن عوز ويهوشوا لم يتم فقط تنصيبهما من قبل النقاد الأيديولوجيين المهيمنين، بل إن كتاباتهما وسياساتهما الواضحة كانت وما زالت تشكل جزءا لا يتجزأ من تلك الأيديولوجيا. فإذ أحالت دراسته إلى هامش، فهي تقول أن ’ هجومه الذي لا يتوقف، وافتقاره إلى أية منهاجية، ومجادلاته المتكررة، كل ذلك يقلل من مصداقية تحليله‘. ولكنها  مع ذلك لم تتمكن من التعامل، ناهيك عن دحض ما يقول [606].
     من بين الكتاب الثلاثة المركزيين الذين ذكرتهم برينير، فإن عاموس عوز هو المساهم الأكثر تأثيرا من حيث مساهمته في المشروع الإسرائيلي بصيغته الصهيونية العمالية، سواء كان ذلك في المجال الأدبي أو الدعائي. فأيا كانت الإشكالية الموجودة  في رواية يهوشوا
’وجها لوجه أمام الغابات‘ (1964) من حيث اعتبارها أدبا إنشقاقيا،لم يكن ممكنا لعوز أن يكتب نصا على هذا النحو، أو أن يشتبك في مأساة الفلسطينيين على النحو الذي فعله غرروسمان في ” الريح الصفراء‘ (1988) و ” نائم على سلك” (1993). فنظرا لكون عوز ظاهرة ثقافية سياسية، وجزءا مما تم وصفه أعلاه بجيل الدولة ( المؤلفون الذين نضجوا في دولة قائمة تمييزا لهم عن جيل  1948)، فهو يوفر زاوية أخرى لكي يوفر منها التقدير لتحول مستعمرة المستوطنين إلى دولة- أمة إستيطانية.
       هناك انسجام مثالي بين إسهامات عوز في الأيديولوجيا الصهيونية الإسرائيلية كروائي من جهة،  وككاتب غير روائي وناطق عام من جهة ثانية. ففي روايته ’ مايكل خاصتي‘ (1968) يعبر عوز عن أخيلة وهواجس إستعمارية – إستيطانية  بالتحدث من خلال راوية إمرأة، هي حنة غونين.  عقب الكثير من المعلقين  على أخيلة غونين وخوفها من الجنس العنيف والطقسي مع توأمين عربيين، خليل وعزيز، اللذين كانا صديقين لها في الطفولة. لا يتوقف خيال عوز عند هذا الحد الذي يتكرر عادة  كحيلة مجازية في الثقافة الكولونيالية. فبطلته الأنثى ليست فقط ذات أخيلة عن الجنس الوحشي مع الشرقيين، وإنما تتحول هذه الأخيلة في مرحلة لاحقة من الرواية إلى أن تتخيل نفسها بأنها امرأة شرقية. وليس فقط إمرأة شرقية بشكل عام، بل امرأة شرقية يهودية إسرائيلية. تلتقط عين لاؤور الحادة هذا المقطع الذي لم يلتفت آخرون إليه، أو أنهم فضلوا عدم –رؤيته:
      انحنى الشاعر صول إلى الأمام لكي يخدرني بشاربيه ورائحته الدافئة. جاء سائق التاكسي الأنيق، راحاحيم راحاميموف، أيضا، وحضنني من حول الخصر مثل رجل هائج…ضغطت الأيدي على جسدي. عجنت. دقت، جست. ضحكت وصرخت بكل قوتي. بدون صوت. تجمع الجنود  وأطبقواعلي ببدلات المعارك المرقشة. انتشرت رائحة ذكورية غاضبة منهم على موجات. كنت كلي لهم . أنا إيفون أزولاي. إيفون أزولاي،نقيض حنة غونين. كنت مقرورة. أفيض[607].
إلى أولئك الذين لم يختبروا  الثقافة الإسرائلية، لا بد من توضيح أن إيفون أزولاي ترمز إلى امرأة يهودية –مزراحية- من شمال إفريقيا، ومغربية على الأرجح.  سوف لا يشكل قفزة تحليلية ضخمة  قول أنه لكي تمر حنة غونين، تلك المرأة البيضاء المحترمة، بتجربة الخيال الجنسي الذي تم وصفه أعلاه، يجب عليها أن تتحول إلى عاهرة مغربية.
     يحدث في رواية عاموس عوز ’سلام نموذجي‘(1984)، التي أعتبرها أفضل ما كتب عوز من روايات، وبخاصة في مجال عمق نظرته إلى العلاقات بين الآباء المؤسسين الذي هم أكبر من الحياة ذاتها، وسلالاتهم، تركيب للهوية الإسرائيلية المحلية في فترة الدولة، مقارنة باليهودي المنفي داخل إسرائيل ذاتها، بل في ذات الكيبوتس في الواقع. فالثنائي المؤلف من يوناتان ليفشيتز، الإسرائيلي الجميل والبطولي، وعزاريا غيتلين الذي يشكل كشخص من المنفى لعنة على النسيج الإجتماعي لأبناء الكيبوتز المبذرين، هما المجال الرئيس لتركيب هوية الإسرائيلي في ما بعد عام 1948. فحقيقة أن غيتلين يشتهي زوجة يوناتان المختلة وظيفيا، ويشارك زوجها فيها، إنما يؤكد على مدى قلق عوز من الغزو الأجنبي للإسرائيلية، وخوفه من الإختفاء الوشيك للإسرائيلية. في هذا المجال،  يرفع عوز صوته ويضخم القلق الوجودي لدى الطبقة الإجتماعية التي تتشكل من قرائه المحليين المخلصين[608] .
       يبلغ قلق عوز، وتعبيرات ذلك القلق على صعيد  التعبير السياسي والجمالي، أوجه في رواية ’الصندوق الأسود‘ (1987). يترك الدكتور أليكساندر غيدون، وهو باحث مرموق يدرس في إحدى الجامعات الأميركية،  إيلانا وابنهما بوز ويغادر إسرائيل، وحين يعود ليقود فرقة مدرعة في حرب 1973، يجد إيلانا قد أصبحت إيلانا سومو، بفعل زواجها من يهودي مزراحي يميني متدين إسمه مايكل،( حيث يظل إبنها يعيرها بأنها تجعل هذا الشيء ينام ليليا معها)[609] .  وكما هو الحال مع إيفون أزولاي، يتم دائما ترديد إسمه الفرنسي الأول، مايكل هنري، بحيث  تتقلص القاعدة المزراحية العامة لتقتصر على شمال إفريقيا والمغرب تحديدا. في هذه الرواية ، يتحول قلق عاموس عوز إلى حالة عدوانية، حيث يقوم ردا على سومو بخلق شخصية بوز، الذي تصفه أمه لأبيه بأنه: ’ .وفي هذه الفترة، وكما لو كان  قنبلة جينية موقوتة ، بلغ السادسة عشرة، وطوله ستة أقدام وثلاث إنشات. ولايزال يكبر ويزداد مرارة..ولد متمرد… أدى شعوره بالوحدة وبالكراهية إلى امتلاك قوة جسدية عجيبة‘[610] .
     أدى فشل الصهيونية الإسرائيلية الأشكينازية العمالية في انتخابات 1977  واندلاع الصدام الأشكينازي- المزراحي في انتخابات عام1981 إلى لجوء الجانب الخاسر نحو مراجعة الذات على النحو الذي أخذ يظهر في مجلة بوليتيكا الليبرالية. في مقالة نشرت في هذه المجلة، تناول الباحث الأدبي، آرييل هيرشفيلد،  أثرتلك التغيرات السياسية والاجتماعية  التي شهدتها الثمانينيات في أدب ثلاثة روائيين إسرائيليين هم عاموس عوز وأ. ب. يهوشوا ويهوشوا كيناز. يلاحظ هيرشفيلد أنه في ’ الصندوق الأسود‘:
     يواصل عوز ما انتهى إليه في ’سلام نموذجي‘، فيقوم بتركيب انحطاط مديد ومرعب للأشكنازيين. صحيح أن أليكساندر في ’الصندوق الأسود‘يسحب  نفسه من أرض إسرائيل، من زوجته وإبنه وأرضه ويحل محله سيفاردي هو مايكل هنري سومو…مع ذلك، يحول عوز قصة أليكساندر إلى انحطاط أرستقراطي يذكر بالأيام الأخيرة لآل رومانوف. من الصعب أن لا تسمع أصداء روسية أميرية في شكل الولد الوحيد، الوريث، لفولوديا غودانسكي، أليكساندر، ويمنح عوزعائلته ثروة ضخمة تمتد على امتداد          أرض إسرائيل العمالية كنوع من المساحات الزراعية الشاسعة. لحسن الحظ، ليس لديه فلاحون للبيع. فالأميرالمنفي يتعامل مع ’التعصب‘بأسلوب علمي روحي…ويفحص من بعيد صعود السيفاردية اليمينية، بدعاء ثعلب، صغير كأنه خلد، جنسي كذكر الماعز، منفي كيهودي.
     تعج صفحات هذا الكتاب بالكراهية المضغوطة والعنصرية والسلطوية للسفاردي،إلى جانب الإعجاب بقوته والخوف الشديد منه. فعاموس عوز غير مستعد للإنفصال عن صورة إسرائيل الأم ذات الأبعاد القديمة، وهولذلك مجبر على منح الأشكنازيين  كل الأبعاد الشعرية والأرستقراطية، بل والرثائية،من أجل موازنة الشيطانيةالأسطورية الصاعدة من الجانب السيفاردي.وهو لا يستطيع إظهار هذا السيفاردي بدون التحضير لذلك، على نحو يشبه بوز، إبن أليكساندر، القنبلة الجينية الموقوتة التي  سوف تدمره.  يملأ بوزالطويل جدا ، الرجولي جدا، ذو الشعر الأشقر     المناسب جميع الحفر والأهراء، ثم يجلب إيليك ويو (هذين الصابريين النقيين المجسدين في روايات موشيه شاميرلجيل 1948) نحو اكتمالهما الفاشي الحاسم[611] .
في العدد التالي من ’بوليتيكا‘، رغم أن  صديقي عوز، وهما أ. ب. يهوشوا ويهوشوا كيناز،  امتدحا بقية النص، بشكل عام، غير أنهما هاجما هيرشفيلد بسبب تعليقه الخاص بالصندوق الأسود، حيث قالا: ” إنه حقا محير لنا كيف أن هيرشفيلد يرى في شكل بوز الهيبي والفوضوي والغريب العجيب عناصر فاشية. هل هناك استعمال جديد لمصطلح تقليدي؟” غير أن رد هيرشفيلد المتصلب تضمن تذكير المؤلفين بعدد من الصفات المختارة لدى بوز وطلب منهما عدم ادعاء البراءة، وأضاف:” إن عالم ماقبل الإدراك، وهو الذي يدور فيه فعليا موضوع الصندوق الأسود الرئيس، والذي تبرز فيه شخصية بوز ما قبل المدركة، بما في ذلك تمجيد شكله وقوته الجسدية، هو العالم الذي يحدث فيه التفكير الفاشي العادي، ودون أي تصحيح للمصطلح”.[612]
ويمكن إضافة أن هناك شيئا غير عادل، بل وماكر، في وضع شخصية يهودي إسرائيلي  متدين من شمال فريقيا على أنه نموذج للمستوطن الناشط في واحدة من أكثر المستوطنات رهبة ، وهي كريات أربع قرب الخليل، وكأن مجمل المشروع الإستيطاني ما بعد عام 1967 لم يكن أشكنازيا بالدرجة الأولى، بدءا من ألون البالماخي، وصديقه الرابي موشيه ليفنغر، مرورا بشمعون بيريز وشارون وصولا إلى القيادة الأشكنازية التاريخية لغوش أمونيم، أولئك المستوطنين البروكلينيين، إضافة إلى المانحين والرعاة الأميركيين والأستراليين.
      تشكل رواية ’الصندوق الأسود‘ تعبيرا عن الإسهام الأدبي لعاموس عوز في مشروع إقامة دولة إسرائيل المهيمنة، والذي يسميه هيرشفيلد على نحو لاذع بالإكتمال الفاشي لإليك ويوري. يمثل يويل، عميل الموساد المعذب والمسكون بعقدة الذنب في رواية ’ أن تعرف إمرأة‘ (1989)، آخر تعبير عن ذلك. وهو أيضا نشيط جنسيا على غرار يوناتان ليفشيتز وبوز غيديون، بل يعمد إلى جعل ذلك معروفا بمساعدة امرأة غير يهودية عارفة بالأمر،   في تطبيق لما سماه جيري ساينفيلد ’شيكس أبيل‘. إنه لأمر محير حقا أن يرى أحد إنشقاقا في هذا الأدب، جمالياو/أو سياسيا.
      ثم هناك مهارة عوز في الدعاية. في مراجعة نشرت عام 2006، اختار لاؤور أن يبحث عن عيوب سيرة عاموس الذاتية ’ قصة حب وظلام‘ التي ظهرت على شكل رواية ، ولقيت استحسانا هائلا عند الطبقة الليبرالية البيضاء في إسرائيل وأوروبا والولايات المتحدة، في هذا الزمن المنشغل بالحرب على الإرهاب. كما عمد إلى فضح الفرق بين النسختين العبرية والإنجليزية التي نشرت بعد عامين من الأولى [613].  ففي المقطع الذي يحكي فيه عن تأسيس الدولة ، هناك فقرة تقدم وصفا ملفقا لحرب 1948 باعتباره تسجيلا لحقائق مسجلة. وقد جلبت نظري هذه الفقرة التي كان لاؤور قد استهل بها مقالته، حين كنت أقرا الكتاب، ومثل لاؤور، ذهلت بذلك الإستغلال الساخر لذلك التقريرمن قبل واحد من أبرز الناطقين باسم معسكر السلام:
     لقد مسحت جميع المستوطنات اليهودية التي وقعت في أيدي العرب في حرب الإستقلال عن بكرة أبيها دون استثناء،وتم قتل جميع سكانها  او أخذوا أسرى أو هربوا، غير أن الجيوش العربية لم تسمح لأي من  الناجين بالعودة بعد الحرب. نفذ العرب في المناطق التي احتلوها ’تطهيرا عرقيا ‘ أكثر اكتمالا مما فعل اليهود: مئات الآلاف من  العرب هربوا أو طردوا من مناطق دولة إسرائيل في تلك الحرب،غير أن مئة ألف ظلوا باقين،بينما لم يوجد يهودي واحد في الضفةالغربية أو قطاع غزة تحت حكم الأردنيين أو المصريين.. لا احد. لقد مسحت المستوطنات، وسويت الكنس والمقابر بالأرض[614] .
يقول لاؤور: “بصفته خبيرا بالدعاية على النحو الذي هو عليه، يدرك عاموس عوزمدى الفرق بين ’التطهير العرقي الكامل‘ ، وهو الأقوى، و ’ التطهير العرقي الجزئي‘.لذلك يبذل جهدا كبيرا في تقديم وصف تفصيلي لعملية ’ إبادة الأمة اليهودية‘ في المناطق التي خلف الخط الخضر، وبدون أن يذكر أية أرقام. إنه كلام مطلق- إبادة حقيقية، واحدة من تلك التي لا تترك وراءها أي أثر من الأمة المبادة [615]. إن عدم وجود أية أرقام لليهود  يقابله وجود أرقام للعرب المطرودين، والذي ظل باقيا منهم مئة ألف  داخل إسرائيل.  فلا بد للإشارة الرقمية من أن تقول بأن اليهود ارتكبوا إبادة أقل بكثير مما ارتكب العرب الذين تشير أعمالهم التي تؤطرها هذه الفقرة  إلى أنهم ارتكبوا مجازر مطلقة. هذه بالطبع، ’حيلة تجارية قديمة‘، يعلق لاؤور.  فمن جهة، هناك إزالة كفارداروم من قبل المصريين وغوش عصيون والبلدة القديمة في القدس على يد ’الفرقة الأردنية‘. ومن جهة أخرى، لا يتم ذكر الفلسطينيين تحديدا، بل جمعوا بلا حساب مع كل العرب. يجب قول الحقيقة:
     الدمار الذي لحق بالشعب الفلسطيني، 400 قرية من قراهم سويت بالأرض، لم يبق منها شيء يذكر. تم ممارسة التمييز العنصري ضدهم وتحولوا إلى فقراء مدقعين في مدنهم، مئات الاف منهم فقدوا كل ماكانوا يملكون، بما في ذلك فرصة الحياة الإنسانية الكريمة.
        إن هذا التدمير المتواصل، الذي ظل متواصلا بينما كان عوز يكتب كتابه، قد تحول في المقتبس أعلاه إلى حدث ليس رهيبا إلى هذا الحد.بل هناك  الكثير مما هو أسوأ منه، مصيرنا مثلا. فلنكن واضحين. لم  يستعمل عوز أبدا مصطلح ’التطهير العرقي‘ فيما يتعلق  بسلوك جيش الدفاع الإسرائيلي عام 1948. ولكنه الآن يفعل ذلك، فقط من أجلأن يقول: إذا كان قد حصل ذلك، فإن أسوأ منه بكثير قد تم ارتكابه على نحو حقيقي[616] .

 

خلاصة: كلام جنود

 أعتقد أن عمل عوز كدعائي مجند قد بدأ بعد حرب 1967، حين أصبح واحدا من رؤساء تحرير كتاب ’كلام جنود ‘، وأن هذه المهمة كان لها تأثير كبير على نوع الإسرائيلي العسكري الوسيم الذي سيتصدر العديد من رواياته. وأنا أطرح هذه الفرضية بمساعدة أطروحة دكتوراة لم تنشر بعد، قدمها ألون غان من جامعة تل أبيب عن هوية الجيل الثاني من الكيبوتزيين، والتي يتم تخصيص فصل كامل فيها حول إعادة تركيب كيفية ولادة ’كلام جنود‘. فمن موقف متعاطف إلى حد ما، يحلل غان أيضا نص الكتاب ذاته، وما هو أكثر إثارة في ذلك، هو اهتمامه بعملية تحرير الكتاب . هكذا يتحول  ’جنود يتحدثون‘ إلى كتاب له صلة بعاموس عوز، بل وينمو إلى ما هو أبعد من ذلك [617].
     في عام 1967، كانت الكيبوتزات ما زالت موزعة على عدة حركات مرتبطة بمختلف الأحزاب العمالية. بعد ثلاثة أسابيع من الحرب، قام دوف تزامير، وهو سكرتير إتحاد الكوفوتزات والكيبوتزات المقرب إلى حزب الماباي، باستدعاء شخصين إلى مقر الحزب، وهما : أفراهام شابيرا من كيبوتز جزريل ، والمحرر المؤسس منذ عام 1960 لمجلة
 ’ حقول‘، وهي مجلة أدبية وأيديولوجية ذات إعتبار . أما الثاني فهو عاموس عوز، الذي كان في ذلك الحين يدرس الأدب في كيبوتز خلدة، والذي كان معروفا ككاتب شاب نشر في عام 1965 رواية ’حيث يعوي أبناء آوى‘. كان أحد المواضيع الرئيسة التي ناقشوها هو الصمت الغريب، المترافق مع حزن جلي  طبع سلوك جنود الكيبوتزمنذ نهاية الحرب، وذلك
على العكس من الجو المدني العام الذي اتسم بفورة المرح والشره الذي لا يشبع  إلى التهام ألبومات الحرب. كانت المحاولات الأولى التي قام بها عوز وشابيرا لجعل الجنود المسرحين يتحدثون غير مجدية. تم كسر هذا الصمت في ليلة ما في كيفوتزوت غيفا بعد بعض العمل التحضيري في كيبوتزات أخرى، حيث ما لبثت بوابات الطوفان أن انفتحت.  فقد بدأ ما كان يسمى بالجيل الأخرس أو الجيل الصامت بالكلام. ’ ضغطنا على أزرار مسجل الكاسيت وتدفقت الحمم‘، يقول أفراهام شابيرا[618] .
       تجاوز انتشار حمى الضغط على أزرار مسجل الكاسيت حدا يفوق التصور، وتدفق الصابرا الخشنون المغطون بالشوك للإفصاح عن مشاعرهم وعقدهم الداخلية حتى إنه ما إن جاء شهر أكتوبر 1967، حتى كان قد تم توزيع إثني عشر ألف نسخة من الطبعة  الأولى من ’كلام جنود‘ في الكيبوتز للإستهلاك الداخلي فحسب. ما لبثت المعلومات عن الكتاب والأحاديث مع جنود المخيم أن تسربت عبر الأحاديث إلى الصحافة وتحولت إلى سبب للصخب. هكذا تم طبع وبيع خمسة وتسعين ألف نسخة في خمس طبعات داخل إسرائيل وحدها. ثم ترجم فورا للإنجليزية والإسبانية والفرنسية والألمانية والسويدية  واليديشية.واصطف مخرجو البرامج الإذاعية والمسرحيون صفوفا من أجل استعماله على النحو الذي فعلته شبكات التلفزة الأميركية. هكذا أصبح كتاب ’كلام جنود‘ واحدا من أكثر الأدوات الدعائية تأثيرا في تاريخ إسرائيل، وخلق صورة للجندي الإسرائيلي الوسيم والمعقد والباحث في أعماق الذات، والمقابل المرعب لمقولة ’نقاوة السلاح‘، والفكرة غير الصحيحة عن الأخلاقية اليهودية السامية. كما استمد أفضل ما عند البعض من استقامة واعتداد بالنفس. وفي عام 1968، أعلنت غولدا مائير: ” جنود يتحدثون …. كتاب مقدس ونحن محظوظون أن يكون لنا مثل هؤلاء الأبناء” . وبعد عام قال إيلي ويزيل: “ضخم، ضخم جدا، ومن العار أن أحدا لم يؤمن ترجمته إلى كل لغات العالم ( يبدو هذا كأنه إشارة بلاغية من قبل ويزيل وليس إشارة حقيقية للترجمات)…. شهادة بالغة، حقا بالغة”. أما بن حورين، مدير عام وزارة الخارجية، فأصدر تقريرا عن ردود الفعل الواسعة في العالم على الكتاب. وتسلم شابيرا رسالة عاطفية من أبراهام هولتز في الولايات المتحدة، روى فيها كيف أنه في اجتماع حاشد، قام رابين( وكان ما زال سفيرا في الولايات المتحدة) بقراءة مقاطع من الكتاب هو وإيلي ويزيل، من أجل التعريف بالجندي الإسرائيلي” [619].
       جاء كتاب ’كلام جنود‘ملائما على نحو تام لعاموس عوز، وكأنهما قد صنعا لبعضهما البعض. فبصمة عوز واضحة في الكتاب وفي السياق الذي تمت فيه عملية إنجاز الكتاب، وتوجهه، كما إن الكثير منه يستبق أدب عوز ونشاطاته الإجتماعية. فهناك فيه وجهات نظر تم التعبير عنها من قبل عوز نفسه , وأخرى ضد مزاج إلإحتفالية، بل وأهم من ذلك، ضد الانبثاقات الميسيانية، والطمع في الأرض، والتقديس الأعمى لأرض إسرائيل. كان مثل هذا الحذر مع ذلك غير سياسي، عقيم وتعبير عن الإنغمار في الذات. ففي وقت كان فيه التطهير العرقي الخاص بتلك الحرب- في اللطرون والبلدة القديمة في القدس- مازال طازجا ومعالم براعم الإحتلال ظاهرة، فضل عوز أن يلعب دورا مركزيا في حديث معقد وذاتي الإنغمار حول حديث ’نا‘وكيف نشعر ’نحن‘ بذلك، والآخر،ومصداقية ’قيمنا‘ وما حجم المعضلة التي ’نحن‘ فيها. ..وهكذا.  ليس من الصعب التعرف في عمل عوز في ’جنود يتحدثون‘ على نواة  تدخل عوز اللاحق في الجدل حول يزهار وعرض ’خربة خزعة‘.
    يمكن العثور على نموذج تام لعمل عوز في التعميم التحضيري الذي وزعه المحررون على المحاورين في الكيبوتزات، والذي اكتشف منه غان أن عوز هو الذي وضعه. يشكل التعميم حلما تحقق للأنثروبولوجي، لأنه ينقل على نحو جيد جدا مزاج وانطباعات ذلك الإستغراق الذاتي الذي جعل ’جنود يتحدثون‘ على هذه الدرجة من الجاذبية لغولدا مائير وويزل ورابين:
   ليس ألبوم نصر، ولا مجموعة من القصص البطولية، وإنما            مقطوعات من الإصغاء والحديث والملاحظة:لو كان بإمكاننا أن نعبر بالكلمات عن ذلك الصمت الذي بين الكلمات، لكان ذلك  كتيبا من حالات الصمت…أن تكون صائبا وقويا- لم يتم تدريبنا على ذلك….نسعى لأن نجعل بعض أعضاء الجيل الأخرس الذي صمد في نيران هذه الحرب، أن يتكلم. ليس عن المقاتلين، ليس باسمهم، وإنما من فمهم…لا نريد تقارير عن ’ماذا فعلت‘، وإنما عن ’ ما الذي مررت به‘… سوف نحاول أن نمنح كلمات لأفكارنا           الداخلية. سوف نستمع لأنفسنا ولرفاقنا[620] .
وهذا صحيح أيضا بالنسبة لعنوان الشهادات. كان عوز قد اقترح تسمية المجموعة’ حتى حدود الصمت‘ كان هذا هو عنوان الإعلان الداخلي الأول لها. بعد ذلك أخذت مجموعة التحرير باقتراح أبا كوفنر ( شاعر وزعيم للأنصار في منطقة فيلنا، وعضو في كيبوتز هاشوريش) بتسمية الكتاب ’ جنود يتحدثون‘، ووافقت كذلك على إخفاء  العنوان الفرعي ’مقطوعات من الإصغاء والملاحظة‘ عن عوز. كان الإعلان شبيها بالتعميم الذي كان عوز قد كتبه سابقا، وتضمن كلمات مثل ’خلاصة المجموعة- مقطوعات من الملاحظة والإصغاء لأنفسنا‘[621] .
     أخيرا،كان لنا ما تم الإفصاح عنه في بحث غان الدقيق. فبين تحليلات أخرى،  يقارن  غان مابين المسودات الأولى التي أعدت من الكاسيتات والنص المنشور، معيدا تركيب العملية التحريرية. ولأغراض الجدل الدائر، أترك جانبا بعض المداخلات الخارجية من قبل رقيب الدولة ونظيره العسكري. إن ما فعله محررا النص، عوز وشابيرا، شمل تدخلين: الأول هو حذف محادثات كاملة كما لو أنها لم تحدث أبدا، والثاني هو التحوير والتلاعب بالتصريحات والمحادثات التي تم تضمينها، على نحو أدى إلى تغيير معانيها وسياقاتها.
      النوع الأول من هذه التدخلات، وهو الحذف، مدهش حقا، وذلك لأن المادة المحذوفة تتضمن  أوجه شبه بين بعض الكيبوتزيين والمستوطنين  القوميين الدينيين بعد عام 1967 في التعلق بفكرة أرض إسرائيل الكبرى. ويوضح ذلك نقطة كنت قد أشرت إليها سابقا حول مدلول قرار عوز في روايته ’الصندوق الأسود‘ بأن يجعل يهودي متدين من شمال  إفريقيا هو مايكل-هنري سومو، المستوطن النموذجي، وهو أن ذلك فعل ماكر ومخادع. فالمرء لا بد وأن يتساءل لماذا لم يأخذ نموذجه من المستوطنين الأشكنازيين الذين كان على علاقة حميمة معهم ضمن سياق إعداد ’جنود يتحدثون‘.
      يشكل أحد النصوص التي حذفت  تقريرا عن محادثة ملفتة بين المحررين وعائلة ساريغ، من كيبوتز بيت حاشيتا،وهو نفس الكيبوتزالذي أخذ منه يزهار أدبيات إحياء الذكرى حين كان يكتب روايته ’أيام زيكلاغ‘ . غير أن حاشيتا كان ينتمي إلى حركة كيبوتزات حاميشاد القومية المتطرفة، التي ظلت تعارض كل خطط التقسيم منذ لجنة بيل في عام 1937 فصاعدا، والتزمت بشدة برؤيا أرض إسرائيل الكبرى.  وكانت تشكل مصدر دعم هام لحركة أرض إسرائيل الكبري ’العلمانية‘ التي تأسست عام 1969.كان ناحوم ساريغ هو القائد الأسطوري لفرقة النقب في 1948. وحارب إبنه ران عام 1967. حذف المحررون المحادثة بناء على طلب من العائلة[622] .
     لخص ران ساريغ مشاعره الجياشة إزاء الحرب بما يلي:  كان أعظم شيء بالنسبة لي بأية حال  هو أننا كنا ذاهبين إلى جعل  البلاد كاملة….كان شعوري … كما لو أن ذلك هو إكمال عمل أبي قبل عشرين عاما (ناحوم ساريغ في 1948). في ذلك الحين، كان  هناك كلام دائم حول الظلم (كذا)- ما سماه بن غوريون ’ الندم المقيم‘  ( التوقف عند ما أصبح يعرف بخط هدنة 1949 بدلا من احتلال كل  فلسطين الغربية). شعرت إزاء ذلك أننا الآن نكمل المهمة التي كان يجب أن نحققها في ذلك الحين (1948). حين كانت الصحف تتحدث عن ’ الندم المقيم‘، أدركت ماذا كانوا يعنون [623].
 أما المحادثة الثانية التي قرر شابيرا حذفها، فهي محضر الإجتماع بين بعض الأعضاء المؤسسين ل ’جنود يتحدثون‘ وطلبة مركز حراف يشيفا في القدس، الذي كان الحاخام كوك الإبن يرأسه، والذي سوف يتحول إلى أحد أهم مراكز حركة المستوطنين بعد عام1967. عقد الإجتماع في المدرسة ذاتها، وقد أصبح بعض الطلبة الذين جرت المحادثة معهم شخصيات قيادية في غوش أمونيم. بعد ثلاثين عاما  على ذلك، كشف شابيرا بأنه كان قد قرر حذف تلك المحادثة من ’جنود يتحدثون‘، بسبب صدمته الرهيبة من تعبيرات ’الميسيانية‘ القائلة  بأنه ’ليس هناك عقبة بشرية….وبالتأكيد ليست عقبة إنسانية، يمكنها أن توقف ذلك‘. وبما أن شابيرا قد نشر جزءا كبيرا من تلك المحادثة في مجلته ’شديموت‘، يبدو أن السبب الأوفر كان الحفاظ على صورة الجندي الإسرائيلي الذي يطلق الرصاص ويبكي، وبالتالي على القيمة الدعائية للمجموعة.  وبالمقارنة، لم يكن محظورا على جنود مركز حراف أن يعبروا عن تجلياتهم الميسيانية، وكراهيتهم الصريحة للعرب ، وسعادة القنص[624] .
      اشترك الكيبوتزيون من أمثال ران ساريغ والمستوطنون المستقبليون في الأراضي المحتلة، بهوس الإستيلاء على الأرض. وكان بينهم مفاهيم وبلاغيات مشتركة واحدة. فكما يقول ران، “بالنسبة للقضايا التي تتعلق بالحرب، مثل الموقف من النهب، والإحساس بخوف الجندي في الحرب، والحيرة الأخلاقية خلال المعركة وبعدها، يمكن العثور على تشابهات كثيرة بين تلاميذ الرابي كوك الإبن وما يقوله الكيبوتزيون [625].  بعد ثلاثين عاما، اجتمع الذين اشتركوا في المحادثة الأصلية الأولى مرة ثانية للتباحث والبحث الحميم في أعماق ذواتهم. إن ما يثير الدهشة في ذلك  هو اعتبار حركة الإستيطان القومي الدينى نفسها بمثابة إستمرار  للنهج الذي شقته حركة الإستيطان العمالية.  وقد عبر يوئيل بي-نون، من مستوطنة عوفرا، وهو أحد الذين يحب عوز التحدث معهم،  عن حزنه معلقا على مشهد الوحدة الوطنية:
  لدي شعور عميق بأن فرصة كبيرة قد ضاعت منذ اجتماعنا أول مرة   في مركز حراف، لأنني حقا أعتقد أن مجموعة ’الشديموت‘ ومجموعة  مركز حراف، لديهم، إذ أتحدث روحيا، طاقات كبيرة للتواصل….فتجربة حرب الأيام الستة الهائلة، ’هزة الضوء‘ كما وصفها حنان بورات( مستوطن   وسياسي كبير، وضابط حاصل على عدة أنواط عسكرية) قد قذفت بهاتين   المجموعتين في اتجاهات متعاكسة…. والنضال….أصبح: الرجل مقابل الأرض بدلا من الرجل والأرض متحدان…..[626] .
درس دوف بيغون في مشمار هشارون ( كيبوتز إيهود باراك)، قبل أن يصبح مستوطنا ويتعلم المضي قدما بطريقة صدامية:  ’ إن ما حدث هنا هو سباق تاريخي: لقد تسلمت جماهيرنا الراية، وجمهور الكيبوتز الذي أمسك براية الريادة…لم يكن مستعدا أن يتخلى عنها أو يعترف بأن السباق قد انتهى‘[627] .
     أما الرقابة الداخلية، فكان غان متعاطفا مع المحررين العاملين على الصيغة النهائية، ولكنه مع ذلك ظل يراجع بدقة كل تغييراتهم التحريرية. لقد توجهت كل الجهود التحريرية لكتاب ’جنود يتحدثون‘ نحو هدف واحد: تضخيم صورة الجندي النقي أخلاقيا، وتقديم أسباب مشاكله وتأنيب ضميره على أنها أقل أهمية، بل وتغييمها على نحو يقلص أية حدية فيها إلى أقصى حد ممكن. كان أحد الأساليب التحريرية هو حذف الوصف المباشر للأحداث والاستعاضة عن المحذوف بالإيحاء. يصف ضابط كبير في النص المحرر مشاعر جنوده بعد قتلهم من كمين فلاحا فلسطينيا، وذلك على النحو التالي: ’ربما كان ما فاقم ذلك الشعور الرهيب هو تفكيري بالجنود المختبئين في كمين والذين كما حدث،  قتلوا ذلك الفلاح‘. أما التسجيل الأصلي قبل تحريره، فكان:’ ربما كان ما فاقم ذلك الشعور الرهيب هو تفكيري بالمرح الهائل للجنود الذين كما حدث قتلوا هذا الفلاح‘ [628].  كان هناك تكنيك آخر خاص بالحذف هو أسلوب التنقيط .  يروي جندي لقاءاته لأول مرة  بسكان مدنيين إذ يقول:’كان هناك نوع من الإنهيار( لأخلاقيات السلوك)……إنهيارغير طبيعي…. حقا…‘. يقول الجندي في التسجيل غير المحرر ’ إنهيار بلغ حدالقسوة الحقيقية…أعرف أن عريفا … رجل عمره نحو أربعين عاما رفع يديه، ثم افرغ مشط الرصاص كله، في بطنه… القنابل في كل بيت…. البيوت تحترق هكذا… نوع من الإنهيار‘ [629].
 كذلك كان أحد الأساليب المتبعة ،هو تنظيف التقارير الحربية. ففي عام 1948، كانت الوسيلة الرئيسة للمستوطنين من أجل تنفيذ التطهير العرقي هو الحيلولة دون عودة أولئك  الذين طردوا أو هربوا لفترة قصيرة، وذلك بأي ثمن كان. وقد تكرر ذلك عام 1967، وبخاصة على امتداد نهر الأردن. المثال هنا عبارةعن أمر قيل بأنهم ليسوا بحاجة له، غير أنه كان واضحا أن غرض المحررين كان إخفاء الأمر ذاته. فهناك جندي يقول في الكتاب أنه ’كان هناك أمربمنع عبور نهر الأردن (باتجاه فلسطين) بأية وسيلة باستثناء الجسور. أعرف أننا كنا ننفذ الأمر بروحيته وبدون إيذاء الناس‘. أما التسجيل الأصلي فيقول: ’ كان هناك أمر صريح، ومكتوب كتابة: بدءا من اليوم، أي أحد يعبر الأردن- أطلقوا النارعليه. غير مهم من هو، ما هو، كيف هو، ولماذا هو. أعرف أن كتيبتي لم تنفذ الأمر. لم يتم إطلاق أية رصاصة، رغم عبور نحو 400-500 لاجئ‘. ولعل أكثر الأمثلة مدعاة للدهشة في هذا الأسلوب هو الحالة التي حدثت في هضبة الجولان، حيث قام المحررون بتغيير تقرير الجندي على نحو صار فيه النص يقول بأن رغبة  بعض الجنود في القضاء على جندي جريح من فتح (كان مقاتلو فتح مكروهين بحقد كبير) كان يقاتل على الجبهة السورية، قد أحبطت من قبل آخرين بفعل صرامتهم الأخلاقية. أما في التسجيل الأصلي، فإن  ذلك الجندي يصف الوضع ولكنه ينتهي إلى القول: ’فجأة، هب ذلك الرجل الذي كان بريئا وهادئا جدا….حمل بندقيته وصوبها إلى جانب رأس العربي وقتله‘ [630].
       يمكن ذكر الكثير من تلك الأمثلة على تدخل المحررين. ففي هذا المجال، تتضح بعض الأنماط المعينة، أحدها حذف شهادات الجنود التي يؤدي فيها سلوك الجنود الإجرامي الوحشي إلى استدعاء مقارنات مع النازية. الثاني هو التلاعب مع شهادات التنظيف، التي تم الزج فيها بأكاذيب مباشرة لدى التحرير، منها وضع كلمة ’إخلاء‘ بدلا من ’طرد‘. كما يتضح بأن عاموس عوز كان على علم بعمليات التطهير الكامل في قرى منطقة اللطرون. فبالإضافة إلى مهامه الأدبية  والدعائية، كان عوز يخبرالمستوطنين القوميين الدينيين أنهم قد آذوا مشاعر ’نا‘ وكيف أن ’نا‘ كنا نعاني. وفي تجمع آخر، وهو مستوطنة عوفرا، أخذ يستعيد ذكرى الإجتماع التشكيلي في مركز حراف. كان الكيبوتزيون قد عادوا من ذلك التبادل، وقال عوز لمستوطني عوفرا وهو مطأطئ الرأس وحزين: “ما يؤلم حقا هو اللامبالاة إزاء أزمتنا الأخلاقية. كان هناك شك كبير بعد النصر، في قيمنا، في مثلنا، في ضميرنا، ورؤيتنا للعالم”. وإذ تم الكشف عن كل ذلك في سياق الحرب، حيث شارك’ نا‘على أساس أن ذلك كان للدفاع عن  أساس وجودها(إسرائيل)، يختم عوز قائلا: ” كان صدمة لنا، مصدرا لعذابنا ولحيرتنا الأخلاقية‘[631] .

إستيلاء

       تشكل محادثة تهنئة الذات نوعا من اللياقة الإسرائيلية، والتأكيد على أن ’جمالنا يكمن في إشكاليتنا‘ شائع على موائد العشاء.’ما أجمل لغتنا‘،  قال لغوي لرفيقه في مطعم عربي. ’ كم هي منفتحة ولطيفة‘ (إقرأ: نحنمنفتحون ولطفاء). ’ نقول هذه القهوة ’يعني على كيفك‘. على كيفك،  عظيمة، يعني، يعني. كلمات عربية، تم تبنيها من قبل لغتنا التي تمتص أبدا‘……….طبعا، تبقى كلمات كثيرة، غير متبناة، لدى شعب هذه البلاد،  يعني فلسطين. حول قولها.
     (عوز شيلاخ، مناطق للتنزه)

                        ___________________________