الفصل الخامس

الصفحة

غيرهارد-غيرشوم شوليم والعودة للتاريخ

                     

     كما تبين رسالتة المؤرخة في السادس عشر من سبتمبر/  أيلول            1924 إلى شوليم بوضوح…رأى وولتر بنجامين في الماركسية، بل وفي   إنشغال  الإنساني وتطبيقات الشيوعية، نقيضا لذلك الميل الإستبطاني  المظلم في نفسه،  والذي أطلق عليه إسم ’النهلستية الخاصة بي‘.  
              ( جورج شتاينر، ’وولتر بنجامين: نحو فلسفة خاصة باللغة‘, الملحق  الأدبي للتايمس، 22 أب/ اوغست 1968)
               
   كان غيرشون شوليم (1897-1982) الوحيد من بين باحثي القدس الذي تجسدت الأسطورة الصهيونية التأسيسية، في بعدها الخاص بالعودة إلى التاريخ، بوضوح في حياته وأعماله. فبطريقة ما، نظر إلى حياته- انكسار علاقته بوالده على نحو لا رجعة عنه، رفضه القاطع للبرجوازية اليهودية الألمانية، الهجرة إلى فلسطين، وتعلقه الشديد بالدراسات اليهودية في القدس-  بأنها عودة إلى التاريخ. من المفيد في هذا المجال استذكار بعض التعليقات الدالة التي أدلى بها شوليم في أواخر أيام حياته، وذلك في محادثة له مع الروائي الإسرائيلي إيهود ين-عيزر[414] . بمعنى ما، يجد مشروع القدس الذي تجري مناقشته هنا تعبيرات واضحة في هذه المحادثة، وربما يكون أشدها حدة كراهية شوليم لجورج شتاينر الذي سنعود إليه في آخر هذا الفصل.
      يدور الكثير من هذه المحادثة حول قلق بن- عيزر إزاء النتائج الأخلاقية والفكرية للمشروع الصهيوني والحياة في إسرائيل. وحين سئل عن ثمن الصهيونية ( بالنسبة لليهود- بمعنى أنه لا حاجة للقول بأنه لا يخطر ببال الإثنين أن الفلسطينيين أيضا يدفعون ثمنا)، ينفجر شوليم غاضبا:
       أنت تسأل عن ثمن الصهيونية، والسؤال هو ليس عن ثمن الصهيونية،وإنما ثمن المنفى. آراء الناس من أمثال جورج شتاينر قد سمعت قبل ستين أو سبعين عاما…..أنا ليس لي قضية مع جورج شتاينر. إنه يحاول العيش خارج التاريخ. نحن في إسرائيل، للمقارنة، نعيش ضمن المسؤولية وداخل التاريخ….إذا كان سحر المثقفين اليهود في الشتات قد أصابك   (بن عيزر)، فأقول- أرجوك أن تذهب هناك. عش خمسة أعوام بينهم.
         وانظر ثمن المنفى الذي يدفعونه. فأي واحد يشعر بأنه مقيد هنا في  إسرائيل، فليذهب إلى نيو يورك أو كمبريدج، وليكتشف إذا كان يشعر بسعادة هناك مثل جورج شتاينر. شكاوى المثقفين الذين لا يرغبون في  التماثل مع أية جماعة قومية؟ سمعت بالضبط أنه قبل ستين عاما.  كنا نحن الصهيونيين  نجادل ونرد على اليهود الذين اتخذوا مواقف       إنسانية –عالمية في ألمانيا: ’ ما هو الشيء العالمي العظيم الذي تؤمن  به وتنطق باسمه ؟ ليس هناك مسيحي واحد يتكلم هكذا.فقط أنتم. ليس  هناك إنسانية عامة. إنها توجد فقط في مخيلتك‘….أنا ليس لدي مشكلة مع أي مثقف يهودي يعطي الأولوية  لمشاكله الروحية الخاصة على حساب ’المسؤولية‘ التاريخية …. إذا كان شتاينر لا يريد أن يشاركنا  في مسؤولية الدولة- إذن هو على صواب. فليكن يهودي منفى. قد يأتي   ذلك اليوم الذي يحس فيه بالضربة على رأسه ويكتشف بأنه ’حقا‘ لا      ينتمي إلى هناك، وأن اغترابه ليس مجرد موضة ثقافية مؤثرة ولكنه      واقع تاريخي مر يجب دفع ثمنه كاملا… أجد صعوبة في استيعاب سبب      انزعاجك يا بن عيزر. لماذا هناك في سؤالك درجة من الإستخذاء أمام      المثقف اليهودي الذي في الشتات؟ ما الذي يمنعك من أن تحيا حياة صحية  كاملة؟[415]
       ولد شوليم في عام 1897 في برلين وكانت عائلته قد استقرت فيها منذ مطلع القرن التاسع عشر [416]. كان والده، آرثر طباعا ميسورا وكاد أن يكون كامل الإنصهار. ولم تكن العائلة تمارس أيا من الشعائر الدينية اليهودية وتحتفل بعيد الميلاد كعطلة رسمية، وكان غيرشوم أصغر أربعة أبناء كان الثاني منهم-إريك، هو الوحيد الذي تبع أباه في موقعه الإجتماعي -السياسي كبرجوازي ليبرالي يسعى للانصهار. وكان الولد الأكبر، راينهولد، قد انضم إلى جماعة ألمانية يمينية راديكالية متطرفة، بينما أصبح الثالث ، وارنر،نائبا في الرايخشتاغ عن الحزب الشيوعي الألماني خلال عهد  فايمار. كان غيرشوم متمردا بالطبيعة، وخلال سنوات مراهقته أخذ يكن احتقارا كبيرا للبرجوازيين من اليهود الألمان المنصهرين  ،وكان والده أولهم. وفي  العقد الأول من القرن العشرين، أصبح كثير الانغمار بالثقافة اليهودية من وجهة نظر صهيونية  فانضم إلى نادي الشبيبة الصهيونية في برلين قبل الحرب العالمية الأولى، وبعد فترة قصيرة أصبح رئيسا للنادي وعمد إلى جعله أكثر راديكالية  على نحو غير مسبوق في وسط أوروبا.  
      كانت التنظيمات الشبابية الصهيونية في العقد المذكور شبيهة بالتنظيمات الألمانية الباحثة عن التحرر والحرية، والمعروفة بأسماء مثل ’ فاندرفوغل‘، أي الطير المهاجر. وكان أبرزها، تنظيم  أزرق- أبيض  الذي أسس عام  1912كرد على الإتجاهات اللاسامية للفاندرفوغل الألمانية. قلل شوليم من نشاطات النادي التقليدية كالاهتمام بالطبيعة والرياضة وارتأى أن على الصهيونيين الإنخراط في دراسة اليهودية  والعبرية استعدادا  للهجرة إلى فلسطين. كذلك وبخاصة بفعل التعارض مع مارتن بوبر، أقام جبهة معارضة للحرب العالمية الأولى تحت شعارات مؤيدة للصهيونية بدلا من شعارات وجهة النظر العالمية، مصرا على  أن الحرب حرب ألمانية، وليست حرب اليهود. تضافر اعتناق شوليم للصهيونية مع اغترابه عن عائلته، حيث انسحب في عام 1911 من الإحتفال العائلى بعيد الميلاد حين أهدته أمه صورة لهرتزل كهدية عيد [417].
     تحول الخصام العائلي في عام 1917 إلى  قطيعة نهائية. كان شوليم قبل ذلك بعامين قد نشر رسالة ضد الحرب في صحيفة صهيونية مما أدى إلى طرده من المدرسة. وسوف يعمد بعد ذلك إلى التظاهر بأنه مصاب بمرض عقلي من أجل التهرب من الجندية. وبعد مشادة ساخنة مع والده، ساند فيها أخاه وارنر لمشاركته في مظاهرة مناهضة للحرب بينما كان مازال جنديا في الجيش، أرسل له والده، آرثر شوليم، رسالة يطلب منه فيها مغادرة المنزل فورا. أقام شوليم بعد مغادرته المنزل في نزل كان يقيم فيه اليهود القادمون من أوروبا الشرقية.  لقد تمت الإشارة سابقا إلى الإهتمام الكبير الذي أولاه يهود غرب  أوروبا العلمانيين بيهود شرق أوروبا. وبذلك تعززت مكانة شوليم لدى سكان النزل من اليهود الشرقيين، وأصبح صديقا لزلمان روباشوف الذي سيصبح أول وزير تربية بعد قيام إسرائيل، ثم ثالث رئيس للدولة(بإسم زلمان شازار)، كما صار صديقا للكاتب الغاليسي، شمويل يوسف أغنون، الذي سيحصل لاحقا على جائزة نوبل، والذي سيصير شوليم يلتقيه يوميا في القدس ويشترك معه في الرعاية الأدبية لسلمان شوكين.  تحدث شوليم مرة عن لقاءاته بأغنون على أسس شخصية ورسمية: “وجدت فيه تجسيدا جديدا وأصيلا للروح اليهودية والتقاليد اليهودية…وما جذبه إلي هو اهتمامي الكبير بالمصادر والجدية التي درست فيها العبرية” [418].
      تقودنا دراسة العبرية إلى عملية  تشكل شوليم الثقافي، وهي مسيرة  تبين مدى براعته الثقافية المدهشة. كان شوليم ذاتي التعلم. درس العبرية والقانون اليهودي واللاهوت على يد مدرسين أورثوذوكس، وسرعان ما وصل إلى مستوى رفيع من العلم بحيث لم يجدوا مايعلمونه له أكثر من ذلك. غير أنه وبفعل شكه في كل ما يمت بصلة لليهود الألمان ، تحاشى شوليم المؤسسات الألمانية المتخصصة بالدراسات اليهودية الحديثة. وبدلا من ذلك، دفعه اهتمامه الذي لا يشبع بالكبالاة إلى تأسيس حقل دراسي جديد، هو الصوفية اليهودية. فبعد طرده من المدرسة في عام 1915، درس شوليم الرياضيات والفلسفة في برلين. وفي عام 1918، كان قد نجح في التهرب من الجندية، فدرس بضعة أشهر في جينا ثم غادر إلى سويسرا حيث قضى عاما كاملا حضر خلاله عدة دروس في بيرن. والمهم هنا هو أن قضى معظم وقته مع وولتر بنجامين، فترسخت صداقتهما التي بدأت عام 1915 في مناسبة عامة في برلين سمع شوليم خلالها بنجامين يتكلم. قضيا ذلك العام منغمرين في أحاديث مطولة. أدت تلك العلاقة مع بنجامين،  إضافة إلى رفض الإثنين الشديد لأفكار مارتن بوبر( كان بنجامين يكرهه على صعيد شخصي أيضا)، إلى تحول شوليم النهائي نحو الكبالاه، وبعد ذلك نحو الميسيانية اليهودية.
      وكما لاحظ ديفيد بيال، إدت مسيرة شوليم إلى الخروج بتوجهين واضحين. الأول هو أن شوليم، وبصفته كان مغرما بالكتب والدراسات مثل بنجامين، قد جمع قبل هجرته إلى القدس  في عام 1923 أكثر من 600مخطوط كبالي. والثاني هو اختياره لجامعة للحصول منها على شهادة الدكتوراة بعد عودته إلى برلين من سويسرا في عام 1919: رغم أنه كان قد فكر أولا  في مواصلة دراسته في الرياضيات والفلسفة في غوتنغهام، فقد انتهى به الأمر بالذهاب إلى ميونيخ حيث كانت تتوفر فيها أفضل مجموعة كبالية في ألمانيا. هناك حصل على شهادة  في الساميات على يد أستاذ العلوم الأشورية، فريتز هوميل، وكتب أطروحة حول نص كبالي هام يسمى ’ سيفر ها-باهير‘ أي ’كتاب الإشراق‘. وعلى الرغم من قدرة هوميل على الإفادة، فهو لم يكن قادرا على تقديم الإرشاد التخصصي، الأمر الذي عنى أن شوليم قد اضطر إلى التصارع مع لغة وتاريخ هذا النص الصعب بمفرده [419]. حين وصل شوليم إلى القدس في عام 1923، لم يكن مركز الدراسات اليهودية ولا الجامعة العبرية قد تأسسا، وعمل كأمين مكتبة في مكتبة جبل سكوبوس الناشئة. بعد قليل مع ذلك، سوف يصبح أستاذا للصوفية اليهودية في الجامعة العبرية التي سيقضي فيها كل فترة عمله.
     يتضمن  تكريس شوليم حياته للصوفية اليهودية دافعا عميقا لا يكفي لسيرة مختصرة أن تفيه حقه. سيتم التصارع مع هذا السؤال بعمق أكبر لاحقا. غيرأنه يجدر هنا ذكر ما رواه شوليم بشكل مثير عن قرار له بتقديم  هدية نصية إلى سلمان شوكين بمناسبة عيد ميلاده الستين في عام 1937، بعنوان ’كلمة صريحة عن دوافعي الحقيقية وراء دراساتي الكبالية‘ .
نشر بيال تلك الرسالة الهامة ضمن دراسته عن شوليم ، رغم أنه لم يقدم أي تعليق على  تلك الأنوية التي افترضت أن تقديم نص خاص به يمكن أن يكون هدية عيد ميلاد مناسبة لشخص بلغ الستين [420].  ليس أقل دلالة كما أعتقد، هو ما سيقوم به شوليم، وهو التأمل الإسترجاعي في دراساته قبل أقل من عقد من وفاته. تقترب نتيجة ذلك التأمل من بايير ودينور في التشكك الرومانتيكي بقدرة الجوانب العقلية والمعيارية لليهودية بأن تكون مصدرا لتلك الطاقة والحيوية التي أدت إلى استمرار بقائها في الماضي، والأهم من ذلك، استمرار بقائها في الحاضر. وقد أدى هذا الشك الرومانتيكي إلى البحث عن مصدر لتلك الحيوية التي انبثقت من عالم  اللامعقول واللا-قانون:                                                                          
     كنت مهتما بالسؤال: هل لدى اليهودية الهالاخية[421] مايكفي من القوة   لكي تحافظ على بقائها؟ وهل الهالاخا ممكنة حقا بدون أساس غيبي؟
هل لديها ما يكفي من الحيوية الذاتية للبقاء لألفي عام بدون أن تنحل   وتتهاوى؟ لقد قدرت الهالاخاة  بدون أن أتماثل مع أوامرها…….             كان هذا السؤال مرتبطا بأحلامي عن الكبالاة، من خلال فكرة أن تكون   الكبالاه هي التي تفسر بقاء القوة المتماسكة لليهودية الهالاخية [422].
      يتيح ما تم اقتباسه أعلاه إمكانية إيراد ملاحظة ثانية حول العلاقات المحتملة بين مشروع شوليم وذلك الخاص بكارل شميت، ’ اللاهوت السياسي‘، الصادر عام 1922. أصبح شميت مقروءا على نطاق واسع في السنوات الأخيرة، وأدى ذلك إلى تحفيز كتاب لا يشاركون شميت بما وصفه بيري أندرسون بأنه’ السياسات الصحيحة العنيدة‘ [423]. مع ذلك، لا يعرف إلا القليل عما إذا كان شميت قد أثر في المثقفين اليهود الألمان الكثر خلال العشرينيات والثلاثينيات  والذين كان أغلبهم  لا يشاركونه موقفه السياسي.  غير أن المعروف هو أن وولتر بنجامين قد استلهم شميت، وبخاصة حين كتب مقالته عن الدراما المأساوية الألمانية ، وكذلك أطروحته عن ’ الفلسفة والتاريخ‘ (سنعود للأخيرة في نهاية هذا الفصل)[424] . كان شوليم على دراية بشغف بنجامين بشميت، وربما أصبح مهتما باللاهوت السياسي من خلال صديقه.
      أثناء دراسته في الجامعة العبرية في تسعينيات القرن العشرين، طور كريستوف شميدت، وهو باحث في الدراسات الألمانية الحديثة، نقاشا ممتعا حول إمكانية وجود صلة بين مشروع بنجامين البحثي وكارل شميت:
 على الرغم من أن ليو شتراوس وولتر بنجامين ردا مباشرة على استفزاز   كارل شميت، فإن العلاقة بين كارل شميت وغيرشوم شوليم تبدو للوهلة لأولى غريبة . مع ذلك، ففي سياق نظرية المعرفة الخاصة بثقافة تلك  الأعوام – وفي مقدمتها إعادة اكتشاف الهرطقي كبطل ثقافي يمثل النقد  الخاص بالثقافة الليبرالية المستنيرة- فإن قيام شوليم بإعادة اكتشاف التقليد الكبالي يمكن أن يفسر على أنه استراتيجية محددة لللاهوت السياسي. فلاهوت شميت السياسي الحازم يدعو إلى تعليق دستور فايمار، من أجل حماية الدولة من أعدائها. والبطل السبتي جاكوب فرانك بالنسبة إلى شوليم هو المقرر  اللاهوتي الذي يدعو إلى تعليق قانون الهالاخاة من أجل حماية الشعب اليهودي  من أعدائه. يتجه شميت نحو سياسات إستبدادية تعطي الشرعية للدكتاتورية الفاشستية، واكتشاف شوليم للبطل الهرطقي يبدو بأنه الشرط اللازم من أجل       الهروب من سياسات شميت[425].
سوف أتناول في ما يلي مجادلة كريستوف شميدت التي يقول فيها بأن عمل شوليم لم يكن غير لاهوت صهيوني. يقدم شميدت تعليقا، ولكنه لا يتوسع في القول بأن ما جعل ذلك لاهوتا صهيونيا  هو حقيقة أن حكاية شوليم عن التاريخ اليهودي منذ القرن السادس عشر فصاعدا إنما تقود  دياليكتيكيا إلى الصهيونية. يؤدي مقترحي إلى تطوير هذه الملاحظة ويشرح لماذا تتحول المسيرة الدياليكتيكية لمشروع شوليم نحو الصهيونية وبالضبط، إلى لاهوت سياسي كارل شميتي المفهوم.
       قبل المضي في تفسير عمل شوليم الأهم في حياته على أنه لاهوت صهيوني، لا بد من تقديم موجز لموضوعه الرئيس من أجل إفادة القارئ. في خمسينيات القرن السابع عشر، كان سبتاي سيفي، وهو إبن وكيل تجاري في مدينة أزمير، أحدى الموانئ العثمانية في جنوب غرب الأناضول، يعمل مع مجموعة من أتباعه في محاولة لإعداد الطائفة اليهودية في شرق البحر المتوسط لاقتراب قدوم المسيح.  في عام 1665، وبدعم من المنظر الرئيس للحركة، ناثان الغزي، أعلن سبتاي سيفي عن نفسه بأنه المسيح المنتظر. وفي عام 1666، ألقت السلطات العثمانية القبض عليه وأقنعته بأن يعتنق الإسلام. ورغم قصر عمر ذلك، فالدعوة الدينية لسبتاي سيفي والحركة التي حملت إسمه- السبتية- ما لبثت أن انتشرت إلى ما وراء الشرق المتوسطي العثماني مطلقة موجات من الصدمات العنيفة في جميع أنحاء العالم اليهودي. تلى السبتية  ظهور مذهبين جديدين في القرون التالية، هما الفرانكية في وسط وشرق أوروبا، والدونمة في اليونان وتركيا الحديثتين.  في خطة شوليم بشكل خاص، كان للسبتيةعلاقة في تطور الكبالاه، التي تعتبر الشكل الرئيس للصوفية اليهودية. ووفقا لذلك، فإن الكبالاه ليست ميسيانية في الأصل. ولكن تعاليم الرابي إسحق لوريا في مدينة صفد في شمال فلسطين في القرن السادس عشر، وفقا لشوليم،  هي التي ادخلت الميسيانية إلى الكبالاه.  فالسبتية، كما ورد عنها في أطروحة شوليم، قد تعززت بالنسخة اللوريانية للكبالاه.

 

تأريخ شوليم للصوفية اليهودية

بصفتها لاهوت توقع
في المقالة الهامة التي شن فيها حربا شعواء على تقليد تاريخ الأفكار، نظم كوينتين سكينر نقدة في ثلاث مجموعات من’الأساطير‘ التي ، وفقا لرأي المؤلف، انتهى ذلك  الحقل الدراسي  إلى إنتاجها، وهي: ميثولوجيا العقيدة، ميثولوجيا السياق المنطقي، وميثولوجيا التوقع ( أو الإستباق) [426].  فميثولوجيا سكينر حول التوقع، وكما سأبين، هي عدسة مناسبة معينة يمكن من خلالها رؤية مشروع شوليم المركب. يقول سكينر بأن  محاولة ما لكتابة تاريخ أفكار قد تنقلب إلى ميثولوجيا توقع، وذلك:

 

    حين يجري النظر في أهمية المجادلة في نص كلاسيكي ما بالنسبة لنا. لا يبقى هناك مجال لما يريد المؤلف أن يقوله. والنتيجة الخاصة بهذه الفوضى هي نمط من النقاش يمكن أن يوصف بأنه ميثولوجيا التوقع.  تبرز مثل هذه الفوضى بالطبع، حين يكون المؤرخ أكثر إهتماما- وقد يكون هذا من حقه- بالأهمية الإسترجاعية لعمل أو فعل تاريخي معين  أكثر من اهتمامه بمعناه بالنسبه للوسيط  ذاته[427] .    
يورد سكينر بعد ذلك ملاحظة إجمالية هامة: إن أفضل الأعراض، وباختصار، لهذه الميثولوجيا التوقعية هو أن المناقشات التي تجري في السياق، هي عرضة إلى أشد الإنتقادات فجاجة من التي يمكن توجيهها ضد أي شكل غائي من أشكال الشرح: على الفعل أن ينتظرالمستقبل لكي ينتظر المعنى [428] .
       رسميا، فإن عمل شوليم معرض لأن ينظر إليه من خلال فكرة سكينر بسبب الحقل التاريخي الذي ينتمي إليه. يحذر بيال بشدة من أن رفض شوليم – واحد من كثير- لتاريخ الماهيات الفكرية المكتوب من قبل مؤرخي القرن التاسع عشر مثل غريتز، يجب أن لا يقودنا  إلى الإعتقاد بان شوليم نفسه كتب تاريخا عن الحركات الجماهيرية، مثل مؤرخ يهودي آخر هو سيمون دوبنو. فما رفضه شوليم هو الماهية الخاصة التي أكد عليها هؤلاء المؤرخون في القرن التاسع عشر، وبخاصة العقلانية والفلسفة، حيث أنه أصر على أن العقلانية والفلسفة لا تتفقان وروح الأمة. فبغض النظر عن الأهمية الإجتماعية التي ادعاها لموضوعه،’ يبقى تاريخ شوليم للصوفية اليهودية تاريخ ماهيات فكرية: تاريخ المبادئ اللاهوتية والتخمينات الخاصة بطبقة صغيرة من المثقفين‘ [429].  فميثولوجيا التوقع هي وصف ملائم لتأريخ شوليم ، وإنما ليس بسبب غائيته الفجة، ولا بسبب أن المؤرخ كان أصما فلم يسمع أصوات المضامين الخاصة بأبطاله السابقين. فقامة شوليم البحثية أكبر بكثير من مثل هذه الأخطاء غير المقصودة.  فاكتشاف المعنى الكلي للكبالاه اللوريانية وبثها من صفد ، وميسيانية وارتداد سبتاي سيفي، والسبتية وتجلياتها اللاحقة في الفرانكوية وغيرها، ثم الهسكلاه ( سيتم شرح هذه المصطلحات لاحقا) كان عليها انتظار شوليم لكي تضعه في الموقع الصحيح والمسؤول ، والذي يمكنه منه أن يكشف عن العظمة الكلية لهذا المعنى: كان عليها انتظار أن يصبح شوليم صهيونيا، وأن يعود إلى التاريخ، وأن يعود إلى صهيون. وهذا هو سبب أن ملاحظة سكينر التي يقول فيها  بأن ’على الفعل أن ينتظر المستقبل لكي ينتظرالمعنى‘ تنطبق تمام الإنطباق على مشروع شوليم.
      لأجل التوسع قليلا بهذه النقطة، فقد جعلت عبقرية شوليم وقوة شخصيته من الصوفية اليهودية حقلا دراسيا علميا حديثا، والصوفية كظاهرة ينبغي حلها تاريخيا وعلى قاعدة البحث الفيلولوجي الدقيق لمجمل نصوصها. وقد تضمن ذلك الحقل الحديث علاقة شوليم المعقدة
( وباحثي القدس بشكل عام وفق تميز حساسية كل منهم) مع جيل يهود العلوم الوضعية الإنصهارية، الذي قام هو نفسه بإيجازه على نحو إسترجاعي- وكما يقول مايرز ببعد نظر، ليس بدون مرارة- بجملة يقتبسها الكثيرون: ’ جئنا لكي نتمرد ، وانتهينا إلى مواصلة ما سبق‘[430] .  كان ذلك التمرد ضد رفض  الجيل السابق -غريتزبدرجة رئيسة- للصوفية بشكل عام والكبالاه بشكل خاص كخرافة تافهة، واستبداد  العقلانية الفلسفية بذلك الجيل. وبمعنى آخر، يمكن القول بأن ذلك الرفض قد أدى إلى الإستمرار في قمع الصوفية ( وبخاصة القلق إزاء الميسيانية) من جانب اليهودية الحاخامية المعيارية والعقلانيين. وإذ رفض شوليم ذلك بغضب، فقد اعتبره نوعا من الحالة العقلية الإعتذارية الرمزية للبحوث اليهودية ، وكنوع من التأكيد على خداع الذات بالتحرر والانصهار.  فوفقا لنظرة شوليم، كان هؤلاء السابقون هم ’ أهل المعرفة القتلة‘، وكانت إحدى  الخطوات اللازمة للوصول إلى  البحوث  الصهيونية غير الإعتذارية هي التصدي لعملية ’تدمير‘ التيارات التحتية غير العقلانية لليهودية  بواسطة خطوة دياليكتيكية هي ’ تدمير التدمير‘ [431].  في الان ذاته، بقي شوليم ملتزما ودون أي تردد بالأولوية العلمية لأية دراسة عن اليهودية، وهو ما انتهى هو وزملاؤه إلى ’مواصلته‘.

 

ما يتوفر عن حياة وأعمال شوليم كبير جدا، والكثير منه، بما في ذلك هذا الكتاب ودراسات بيال وماييرز التي ذكرت سابقا، قد عنيت بالفكر اليهودي الحديث، وبخاصة الصهيونية. ولموازنة ذلك التركيز، سوف أقدم هنا صورة لعمل شوليم التأريخي بمساعدة ربما أهم ناقد له، هو موشيه آيدل من الجامعة العبرية. تتمتع وجهة نظر آيدل بالأصالة لثلاثة أسباب: فهو باحث في الكبالاه والتصوف أكثر من كونه باحثا في الصهيونية أو التاريخ اليهودي الحديث، كذلك فقد خرج نقد آيدل له من قلعة تعج بتلاميذه، وهي الجامعة العبرية، كما إنه باحث في الأديان ، حيث أنه ومقارنة بشوليم، غير مقتنع أبدا في أن التاريخ هو أفضل مساق بحثي لفهم  ما يكتبه شوليم. ويجدر القول أن النص المعني الذي كتبه آيدل قد ظهر باللغة العبرية في مجلة  ’ التاريخ والنقد‘ ( بعد نسخة سابقة باللغة الفرنسية) وأن آيدل نفسه كان أحد اعضاء هيئة تحرير المجلة على الرغم من عدم توافق آرائه السياسية دائما مع النواة الراديكالية التي أسست المجلة[432]
     يعبر آيدل عن تقديره لأهم إنجاز لشوليم: وضع دراسة التصوف في قلب المجادلة الخاصة بالتاريخ والدين اليهوديين. يحدد آيدل فرضيتين تم تأسيس صرح شوليم عليهما: الأولى هي أن الأحداث التاريخية قد تركت تغيرات هامة في طبيعة الكبالاه، والثانية هي فرضية أن تعميم الكبالاه المغيرة قد أدى إلى حدوث التغير المحوري الذي حدث في التاريخ اليهودي ( الاستعاضة عن اليهودية الحاخامية المعيارية العقلانية الفلسفية أولا بانفجار الميسيانية، ثم بالتنوير والعلمانية، ثم بالصهيونية )[433]. يتمتع آيدل ببعد نظر في ربط هذه الفرضيات معا، ولكنه كان يمكن له أن يقدم وبوضوح أكبرذلك التوتر الكامن في العلاقة بينها. كان الهدف من الفرضية الثانية هو إبراز أن صعود الحداثة العلمانية والصهيونية كان كامنا  عضويا في اليهودية، ثم عزو ذلك الصعود إلى الديناميكية الداخلية للتاريخ اليهودي بدلا من مثل هذه الظواهر ’الخارجية‘ كالتنوير والثورة الفرنسية. غير أن الرغبة في تأريخ  تجليات التصوف اليهودي، وفي مقدمته الكبالاه، والمذكورة في الفرضية الأولى، يؤدي فقط إلى عزو قوة شرحية رئيسة إلى حادثة خارجية واحدة ( طرد اليهود من إسبانيا في عام 1492) بدلا من الباقي ( التنوير والثورة الفرنسية).
     على الرغم من أن شوليم لم يقم أبدا بتقسيم التاريخ اليهودي إلى فترات، يقوم آيدل بتركيب أحد أعمال شوليم التاريخية والظاهراتية، ويستخلص مخططا مفيدا يرقى من جهة إلى حكاية عن العلاقات بين الكبالاه والتصوف اليهودي، والميسيانية اليهودية من جهة أخرى .[434] في المرحلة الأولى من حكاية شوليم عن التصوف اليهودي (1180- 1492م)، كانت الكبالاه غير معنية بالتوجهات الميسيانية  مثل الأشواق الرؤيوية الشديدة والإيمان بقرب وصول المسيح. أما المرحلة الثانية، (من طرد اليهود من إسبانيا عام 1492 لغاية منتصف القرن الثامن عشر) فقد شهدت تقاربا في الفكرالميسياني والكبالي. وهناك فترتان مهمتان في تلك المرحلة  حيث امتدت الأولى من 1570 حتى 1660، وذلك حين هاجر الرابي لوريا إلى صفد في شمال فلسطين وبلور مع تلاميذه نسخة من الكبالاه تم إشباعها ببطاقة ميسيانية مخمرة، منتظرين وقوع إنفجار ميسياني. أعتقد ، ورغم أن آيدل لم يذكر هذا، أن وظيفة مقدمة دراسة شوليم عن سبتاي سيفي والحركة السبتية، هي الدفع بالعملية قدما بواسطة عرض لميسيانية الكبالاه اللوريانية [435]. ثم من 1660 وحتى 1750، أنشأ السبتيون والحركات الفرانكية اللاحقة أشكالا ميسيانة راديكالية بوحي من الكبالاه اللوريانية التي انتشرت منذ العقد الثالث من القرن السابع عشر على نحو غير مسبوق. فمنذ ذلك الحين، أي منذ 1660، لم تعد الميسيانية مجرد إطار كبالي سري أو أيديولوجيا تصوفيه، وإنما تحولت إلى حركة جماهيرية هزت أركان المراكز اليهودية في المتوسط وفي وسط وشرق أوروبا. في المرحلة الثالثة من حكاية شوليم، وهي تمتد من 1750 فصاعدا، سعت الحسيدية في بولندة إلى قمع الإندفاعة الميسيانية، وقد راودها الخوف من  كارثة إرتداد وتحولات دينية كانت قد بدأتها الحركات السبتية والفرانكية.  لاحظ شوليم في الحسيدية شكلا جديدا من الإيمان بالأخرويات على نحو لم يوجد في اليهودية سابقا، وفي مقدمة ذلك  الخلاص الذاتي. كان أساس هذا التغيرهو فقرة في الكبالاه اللوريانية المشبعة بالميسيانية حول مفهوم للعبادة  خلا تماما من أي معنى ميسياني.
     يتوقف آيدل هنا، غير أنه ينبغي الإشارة إلى أن مخطط شوليم يتواصل إلى مابعد الحسيدية. فالهوة التي خلقها الحماس الميسياني للسبتيين والمأزق النهليستي للفرانكيين كان قد تم ردمها بفعل حذر الحسيديين الذي وفر نمط الخلاص الروحي التأملي كبديل للخلاص العنيف الذي كانت الحركية الميسيانية قد أصرت عليه. فوفقا لدياليكتيك شوليم الهيغلي، كانت حركتا الميسيانية والنهليستية هما الطريحة، وخلاص الحسيدية اللاسياسي  الحذر هو  النقيضة، والصهيونية هي الجميعة. فالصهيونية في حكاية شوليم الدياليكتيكية هي  حركة جماهيرية تعبر مسيرتها الخلاصية عن ذاتها بالعمل السياسي المسؤول، بالعودة إلى التاريخ، وبالخروج من المنفى، وإنما بدون الميول الميسيانية  والنهليستية الإنفجارية على غرار ما كان خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، والتي هددت على نحو خطير بتدمير الأمة عبر عدم الإيمان أو الارتداد .
  وباستطراد قصير، تجدر الملاحظة أن نقد آيدل متعدد المستويات يصب       في قلب  أطروحة شوليم. فإذ يحلل مراحل وفترات شوليم، يستنتج آيدل:   يشكل النظر إلى الطرد (من إسبانيا عام 1492) على أنه عامل
   مركزي في إعادة تنظيم الكبالاه  أمرا أقل ما يمكن القول فيه أنه مبالغة كبيرة  تتجاهل الجوانب الميسيانية في نصوص كبالية  مهمة كتبت قبل الطرد، واللامبالاة الميسيانية التي تظهرها نصوص  كبالية أخرى كتبت بعد الطرد[436] .

 

      هكذا، وكمثال على ذلك، أعلن الكبالي الإسباني الشهير خلال القرن الثالث عشر ، أفراهام أبولافيا، عن نفسه بأنه المسيح، ونبش أفكارا أصيلة عن طبيعة الميسيانية اليهودية[437] ثم يتساءل آيدل عن الرابطة العضوية التي اكتشفها شوليم من القرن السادس عشر فصاعدا بين تجربة المتصوف والنظام الرمزي الذي أوجده، وتاريخ الأمة. من الضروري التوقف  قليلا هنا بسبب أهمية هذه النقطة بالنسبة لفهم مشروع شوليم. فرغم أن آيدل يبدو غير مدرك لهذا، فانا أعتقد بأن الرابطة التي اكتشفها شوليم والتي يعترض آيدل عليها، هي في إلأساس إسقاط  شوليم الغريزي لموقف وتجربة المؤرخ القومي الرومانتيكي ( هو نفسه) على صوفي الفترة الحديثة المبكرة. فعودة شوليم إلى صهيون وإلى التاريخ، وكذلك مشروعه الخاص بتبيان الحيوية التي كانت كامنة في مخزون اليهودية الصوفي والميسياني ، هي بالنسبة له تجسيد لتاريخ وروح الأمة.  وعلى نحو مشابه، فإن تجربة الصوفي ومشروعه الخاص  بإظهار القوة التفجيرية الكامنة في الأسطورة التوراتية( التي قمعتها الشرعية الحاخامية والعقلانية الفلسفية )  قد جسدت في زمانها تاريخ وروح الأمة. هذا، كما أعتقد ، هو المدى الكامل للرابطة العضوية الذي شعر آيدل بالانزعاج منه.
        من الضروري أيضا إضافة أن شوليم قد استوعب الصوفية كتفسير رمزي للأسطورة التي يتضمنها النص الكتابي والتي أضعفتها اليهودية الحاخامية خوفا من قوتها اللاعقلانية واللاقانونية إضافة إلى ما تتضمنه من تجسيدات. فقد استقى شوليم مفهومه للرمز من تمييز بنجامين بين المجاز والرمز. ففي نظام مجازي، تمثل ’ ذراع الله‘ مفهوما فلسفيا، بينما ترمز
 ’ ذراع الله‘ في النظام الصوفي للمعاني إلى ذراع الله الفعلية – ليست مماثلة للذراع البشرية ، بل ذات مجال أرقى من حيث الواقع[438]
      فما يشكك فيه آيدل في عمل شوليم إذن، هو الطريقة التي تكاد تكون فيزياوية تماما والتي نقل فيها الصوفي بلغته القائمة على الرموز، التجربة الصوفية التي تمثل التاريخ الجمعي للأمة.  في ما يلي أحد المقتبسات التي  توضح ليس فقط المحتوى وإنما المدى الذي تجسد فيه قوة فكر شوليم:

 

     حين أخذت تلك الكسرة من الواقع التاريخي التي أعطيت لليهود     في دوامة المنفى تضيق وتدقع، وإذ تضاعف الرعب والقسوة فيها، ازداد وضوح ودقة الطبيعة الرمزية لهذا الواقع، وازداد سطوع ضوء  (الضوء هو أيضا عنوان نص أور الكبالي، سيفر ها –زوهار)  الأمل الميسياني الذي سيتفجر ويغيره [439].
      يجادل آيدل في أن طريقة الصوفي في التعبير عن تجربته بعد طرد عام 1492، قد تشكلت بلغة نصوص كبالية سابقة وليس بفعل علاقة متبادلة بين تجربته الشخصية والتجربة الجمعية للأمة، وأن التوقعات الميسيانية لا تمت بطريقة سهلة إلى التاريخ ’الفعلي‘ أو ’الخارجي‘. المهم من وجهة نظر سياسية، هو أن آيدل يشك في ادعاء شوليم أن محور النظام الكبالي الرمزي اللورياني كان التوتر الخاص بالمنفى- الخلاص أو كليهما، وبأن أساس هذا النظام الرمزي هو التوتر الميسياني[440] .
     في ملاحظاته الختاميه، وبعنوان ’ بعض الأسئلة المنهجية‘، يلاحظ آيدل إن دراسة شوليم  وتلاميذه للتصوف اليهودي’ تستند إلى فرضية أن التاريخ الخارجي هو الذي يحكم تطور الصوفية اليهودية، وأن هذه الأخيرة إنما تفهم بدورها على أنها برنامج إستباقي للتاريخ اليهودي‘. أما أنا فأعتقد بأن هاتين الفرضيتين لم يتم إثباتهما في البحث الذي تم حتى الآن  حول هذه المواضيع[441]. كذلك فإن تحفظ آيدل المنهجي معني أيضا بالمادة، وضمنيا، بالسياسة. ’ فبدلا من التعامل مع الميسيانية اليهودية كأدب ينتمي إلى مجال المخيلة،  فهو يتفحص استراتيجياته المتنوعة لتنظيم المعرفة والمعلومات عبر البحث المعرفي…. حيث تخضع  الأجندة البحثية للمنهج التاريخي‘. ويواصل آيدل القول بأن ذلك قد أوجد تفسيرا تاريخيا أحادي السبب: ’ كما لو أن الطرد من إسبانيا وحده يكفي  لتفسير التحول الميسياني نحو الكبالاه، وبخاصة ذلك النوع اللورياني ، وكما لو أن الكبالاه اللوريانية  تكفي بمفردها لتفسير السبتية كحركة ميسيانية، والسبتية بدورها توفر المفتاح لفهم الحسيدية  وتغيرات دينية أخرى في اليهودية في العصر الحديث‘ [442].  يؤكد آيدل أيضا أنه بفعل القبول ’بنوع معين من التاريخ المحبوك بعلم اللغة ، فإن دراسة التصوف اليهودي على النحو الذي يطرحه شوليم  قد أشبع التصوف اليهودي ورموزه ’بالتجارب القومية التاريخية‘، التي أعاقت الفهم الظاهراتي للكبالاه . ثم يقول آيدل بأن شوليم نفسه قد وافق في عام 1961 على أن هذا ’ المنهج المتحفي التاريخي- الأدبي‘ قد يضع الدراسات اليهودية على طريق إشكالي ربما يقود إلى اعتبار اليهودية ذات مصير تاريخي، وليس مصيرا- دينيا[443] .

 

الخلاص عبر الخطيئة

سوف ألقي نظرة متفحصة على نصين متميزين لشوليم تتضح فيهما كيفية انبثاق لاهوت صهيوني من أبحاثه. الأول هو ’ الخلاص عبر الخطيئة‘ الذي ظهر عام 1937، وكان قد كتب قبل ذلك بعامين، وفي وقت متزامن مع الرسالة التي تمت مناقشتها سابقا  والخاصة بعيد ميلاد شوكين الستين[444]. وقد شكل ذلك النص خلاصة جهد عقدين من البحث والتأمل في الميسيانية والصوفية – مع ملاحظة أن شوليم لم يكن قد بلغ الأربعين_  وفي مراجعة المونوغراف الذي بلغ مجلدين والخاص بسبتاي سيفي والحركة  التي ستظهر حاملة إسمه بعد عقدين.  وبعد مدة من ذلك، أي في عام 1970، رجع شوليم إلى ما سماه الهوة التي أوجدها الإنفجار الصوفي- الميسياني، وذلك على شكل دراسة لم يكن ممكنا مقاومتها، وهي بعنوان ’ مهنة فرانكية‘ والتي ستكون النص الثاني للمناقشة هنا[445].
      لا يشكل العنوان الإنجليزي، ’الخلاص عبر الخطيئة‘ ترجمة غير صحيحة للأصل العبري،  ويمكن تفهم السبب الذي جعل المترجم يعتمده. فالأصل العبري، ’ميتزفاها-با’آهبا-أفيرا‘ لم ينقل مع ذلك بنجاح إلى الإنجليزية، حيث المعنى الأصلي مسرف في الروحية والمسيحية، وليس حاخاميا وقانونيا بما فيه الكفاية. و’الميتزفا‘ هي أمر من بين 613 أمرا موجودا في الهلاخاة، بينما ’الخلاص‘ في العبرية هو’غيؤلاه‘ وهو مصطلح لا يظهرفي العنوان، بل إن كلمة ’أفيرا‘ تعني التجاوز بينما ’هيت‘تعني الخطيئة. وإذ يختم شرحه لكيفية حل التناقض الحاصل في كون سبتاي سيفي مسيحا مرتدا، ( تناقض اعتناق سبتاي سيفي للإسلام في ذات الوقت تقريبا من إعلان تجليه كمسيح منتظر) يقول شوليم أنه ’ في ذلك الوقت بالذات، تم إغداق مضمون جديد على المفهوم الحاخامي القديم’ ميتزفا ها-با’أه با-أفيرا‘ وهو حرفيا،’الأمر الذي لا ينفذ إلا عبر تجاوز‘[446] . ويمضي في شرح أن المفهوم الحاخامي قد استخدم من قبل حاخامين اثنين آخرين خلال ستينيات القرن السابع عشر للتعريف بسلوك السبتيين في سياق إرتداد المسيح [447].

 

      يشكل العنوان العبري مثالا هاما بالنسبة لولع شوليم بالألاعيب الدياليكتيكية. فقد كانت هذه المقالة الضخمة أول إفصاح عن أطروحته الأساسية، التي تم تقديمها أعلاه من خلال عدسة آيدل النقدية التي أكدت باستمرار على ’انفجار‘ اليهودية الحاخامية من الداخل. وقد اختار شوليم أن يتوج العرض لذلك الإنفجار العظيم  وبث القوة ثانية في اليهودية بقرار حاخامي يشير  لما تم تفجيره ( الاستقرار السلطوي الحاخامي) من جهة، والانفجار ذاته(السبتية الميسيانية المترافقة بالتجاوز).  لقد تم افتقاد هذا التكبيل الرائع للنص بعنوانه في الترجمة الإنجليزية.
     يعلن شوليم فورا في مقالته عن تفوق الموقف الصهيوني في صهيون، باعتبارأن صهيون هو المكان الوحيد الذي يمكن للتاريخ اليهودي أن يتجلى فيه بصدق وبموضوعية:

 

       يتزايد الإدراك بأن الفهم الحقيقي لظهور السبتية لن يكون ممكنا طالما أن الباحثين يواصلون تقييمها بمعايير غير ملائمة، سواء   كانت تلك المعايير هي المعتقدات التقليدية لعصرهم أو القيم  الخاصة باليهودية التقليدية. نادرا ما يقابل المرء في هذا اليوم تلك   الإفتراضات التي لاأساس لها والخاصة بالشعوذة والخداع التي  كانت تحتل مكانا بارزا في الأدبيات التاريخية السابقة ول هذا الموضوع. على العكس من ذلك: ففي هذه الأيام التي تشهد  الإنبعاث القومي اليهودي، فإنه من الطبيعي أن يتم استيعاب  الشوق المأساويى العميق للخلاص القومي الذي عبرت عنه السبتية في مراحلها الأولى بتفهم أكبر من السابق [448].

 

      لن تكون هذه الفرضية الأساسية موضوعا للمشاهدة عبر البرهان، وإنما فقط تقال وتكرر كموضوع مسلم به.. وليس صدفة أن العبارة التي قدم شوليم بها دراسته المؤلفة من مجلدين عن سبتاي سيفي، هي عبارة مأخوذة من ولهيلم ديليثي (1833-1911) الذي يعتبره البعض أحد أكبر المفكرين الذين طوروا علم التأويل الرومانتيكي الألماني في القرن التاسع عشر[449]. ينتسب شوليم بوضوح للفعل التأويلي الخاص بإعادة إيجاد التجارب السايكولوجية والتاريخية للشخصيات الهامة من وجهة نظرها، وتلك عملية توكيدية تعني- أو تفترض- فهم مضامين الشخصيات والمعاني المقصودة  على نحو أفضل من الشخصيات ذاتها.  استند هذا التأويل إلى فرضية  أن المفسر يتمتع مكانيا وزمانيا بموقع أفضل، وذلك نسبة إلى موضوع التفسير. تؤكد إحدى أقوى المواقف المفضلة  التي يرددها لشوليم على الربط بين الرؤية الأرقى للمفسر الرومانتيكي وإعادة إنتاج التجربة التاريخية:
       لا يمكن إنكار أن الصعوبات التي تواجه هذا ( الكشف عن الحيوية الإيجابية للسبتية تحت نهليستيتها الظاهرة والتجاوزات الجنسية وغير   ذلك) كبيرة جدا، ولا عجب في أن المؤرخين اليهود لم يتمتعوا بالحرية الداخلية لتجريب هذه المهمة. إننا في زماننا هذا، ندين جدا لتجربة الصهيونية لأنها مكنتنا من ملاحظة ذلك البحث الشاق في السبتية وهي  في صراعها مع الموت، بحثا عن وجود قومي أكثر عافية والذي ربمابدا كأنه كابوس معقد بالنسبة لبرجوازية  القرن التاسع عشر من اليهود  المسالمين.. ومن المؤكد أننا بصفتنا مؤرخين  يهودا ، قد تقدمنا بشكل  واضح إلى أبعد ما وصل إليه أسلافنا، وقد تعلمنا أن نصر وبحق، أن التاريخ           اليهودي يشكل عملية لا يمكن فهمها إلا حين يتم النظر إليها من الداخل[450].
     لا يمكن المبالغة بمدى أهمية ’من الداخل‘ كمسألة محورية بالنسبة إلى شوليم. فقد أدى ذلك إلى إمكانية توفر الفهم الصحيح، ليس فقط لسبتاي سيفي كمسيح، ولارتداده، ولنتائج الميسيانية والارتداد على المؤمنين به ، وإنما كذلك للتعرف على الأصالة العضوية للعملية بأسرها، بتجلياتها التي كانت بشكل قاطع دياليكتيكا يهوديا:

 

     يجب النظر إلى السبتية ليس فقط كتطور وحيد متواصل تمكن  من الإحتفاظ بهويته لدى الذين يتبعونه، بغض النظر عما إذا كان هؤلاء  قد بقوا هم أنفسهم يهودا، وإنما كذلك، وعلى الرغم مما يبدو كمفارقة، كظاهرة يهودية محددة حتى النهاية. سأحاول أن أبين  أن نهليستية الحركتين السبتية والفرانكية، بعقيدتهما  ( المروعة بالنسبة للرؤية اليهودية للأشياء)  القائلة بأن انتهاك  التوراة يمكن أن يتحول إلى  تنفيذ حقيقي لها، كان نتاجا دياليكتيكيا  للإيمان بميسيانية سبتاي سيفي، وأن هذه النهليستية بدورها  قد أدت إلى تعبيد الطريق للهسكلاه ( ما يسمى بالتنوير اليهودي)  ولحركة الإصلاح في القرن التاسع عشر، بعد أن تم استنفاذ دافعها الديني[451] .
      في أطروحة شوليم،  فإن النقطة المحددة التي انفتحت عندها بفعل منطقه القوي غياهب السبتية النهليستية، وحدث الإنفجارأو انتشر الحريق،  هي المفارقة الخاصة بارتداد المسيح سبتاي سيفي. فحين كان يقيم في سالونيكا، تم الاعتراف به في عام 1665 على أنه المسيح،  وذلك من قبل المنظر الأول في حركته، النبي ناثان الغزي، وكباليين آخرين مثل أبراهام كاردوزو الذي أسس مع ناثان الغزي عقيدة السبتية لما بعد الإرتداد، وكان واحدا من أكثر المبشرين تأثيرا في الحركة. غيرأن الإدارة العثمانية وبتحذير من القيادة الحاخامية في الإمبراطورية في شأن تنامي نفوذ سبتاي سيفي، تملكها القلق من هذه الظاهرة. وفي عام 1666، تم اقتياد المسيح إلى أضنه حيث وضع أمام خيارين: التحول إلى الإسلام أو الموت. في السادس عشر من أيلول/ سبتمبر 1666، اختار الأول. وجد المؤمنون به أنفسهم في مأزق: إذا كانت مصداقية المسيح لا يشوبها أي شك، إذا كان قد كشف عن نفسه للناس  وأن الخلاص قريب، ’فلماذا‘، يسأل شوليم، ’ تخلى عنهم وعن دينهم، ولماذا تأجل الإنعتاق التاريخي والسياسي من الأسر ( لاحظ كيف  يظهر التوقع الصهيوني بلاغيا) ، والذي كان من المفروض أن يترافق مع العملية الكونية  لإعادة الأمور إلى وضعها [452]
      قبل المضي قدما بالطريقة التي تم فيها حل المفارقة الخاصة بالمسيح المرتد وفقا لشوليم، ينبغي  الحديث قليلا عن الفهم التاريخي للسبتية. هناك عيب كامن ليس فقط في منهج شوليم، وإنما في الدراسات اليهودية بشكل عام، وهو التالي:  في سياق مسيرتهم نحو خلق موضوع قومي يهودي مستقل ذاتيا، ينسون المجال غير اليهودي الذي حدثت فيه الظاهرة، ولتكن السبتية مثلا. ففي هذه الحالة، يكاد لا يتم إعارة أي انتباه للمجال العثماني، إلا أن الإدارة العثمانية قد أجبرت سبتاي سيفي على الإرتداد عملا بموافقة القضاة الحاخاميين، وذلك دون استشارة المراجع العثمانية. تشير دراستان لمؤرخين عثمانيين هما ماديلين زيلفي
وجين هاثاواي عن عدم كفاية المقاربة اليهودية لتاريخ اليهود[453]. وتبين دراستاهما أنه خلال القرن السابع عشر، كانت المدن العثمانية مشبعة بالفعاليات الصوفية الإسلامية التي كانت تمارسها  وتنشرها التنظيمات والزوايا الصوفية. وقد تم التصدي لذلك من قبل حركة متشددة مناهضة للصوفية مؤلفة من مجموعة من الوعاظ  وتعرف باسم ’القاضيزادية‘. فظهور السبتية في ستينيات القرن السابع عشرقد تصادف مع وصول القاضيزادية المدعومة من كبار وزراء الإدارة العثمانية، إلى أوج نشاطها. كان هؤلاء، (وليس فقط القضاة اليهود المعروفون بالديانين) وفي سياق حملتهم على مظاهر الصوفية في الأراضي العثمانية، قد دفعوا الإدارة  التي يسيطر عليها القاضيزادية إلى البت بالموضوع مع سبتاي سيفي وقمع أتباعه. توضح هذه المداخلة القصيرة كيف أن المضمون العثماني مهم من أجل فهم السبتية، دون التوسع  في الأشكال الصوفية  الإسلامية- العثمانية ( مثال: التمييز الرئيس بين الظاهر والباطن) التي تردد صداها في  الطريقة السبتية والتصوف اليهودي بشكل عام.
     كان حل المفارقة الخاصة بالمسيح المرتد هام جدا. بدأ هذا القرار الذي تم  وضعه، وفقا لشوليم، كمبدأ جديد في الكلام الكبالي من قبل ناثان الغزي وأبراهام كاردوزو، بتقديم المنطق الكامن والقائل بأن تفاصيل كيفية  حصول الخلاص غير معروفة، وأنها ستتضح فقط في سياق حدوث الخلاص، وذلك وفقا للمنطق الدائري في تخيل الخلاص، وعلى النحو الذي أشير إلية في الكتب المقدسة. يقول شوليم بأن هذا المنطق يعود إلى شخصية لا تقل مكانة  عن مايمونايدس( إبن ميمون)، الذي يشير إليه بحقد في مناسبات أخرى باعتباره أحد أبرز ممثلي الفلسفة العقلانية[454] .  لا يذكر شوليم أي نص استمد منه ناثان وكاردوزو معلوماتهما، ولكني أعتقد أنه قد يكون توراة الميشنا، وهي مجموعة القوانين اليهودية التي كتبها مايمونايدس في أواخر  القرن الثاني عشر والتي تعتبر أعظم ما خطه يراعه.  وتقول مقدمة هذا العمل : ’جميع الأوامر التي أعطيت إلى موسى على جبل سيناء قد أعطيت مع تفسيراتها‘. ولا يمكن أن يكون ناثان وكاردوزو هما الوحيدان اللذان  فهما أن هذا النص يعني أن كل التفسيرات كامنة في النص.
       وإنطلاقا من هذا المنطق الكامن في النص، فإن الحل العقيدي للمفارقة الخاصة بالمسيح المرتد، ينطلق  في تفسير أنه منذ خطيئة آدم الأولى، فإن آخر الشرارات الربانية الخاصة بالقداسة والخير، قد سجنت في أقليم قوى الشر المادية (تعبير مستمد من علم اللاهوت الغنوسطي)، التي تشتد قوة تحكمها في العالم لدى غير اليهود، وهوإقليم يقع بوابات الفسق. ولا يمكن للخلاص أن يكون كاملا إلا حين يكون الصلاح قد تحرر من قبضة الشر وتمت عودته إلى المصدر، إلى ما قبل الخطيئة الأصلية. وحين يتم ذلك  ينهارالشر، لأنه لا يكون موجودا إلا حين تكون الشرارات الربانية محبوسة في الوسط. إن حجم هذه المهمة شديد الضخامة إلى حد لا يقدر عليه إلا المخلص. وبما أن ذلك يتطلب عبور بوابات الفسق والغوص في إقليم الشر، فيجب على المسيح أن ينفذ أعمال الغرباء ’ التي تشكل ردته أشدها إرعابا‘[455] . إن الأقوال الخاصة بأن ’انتهاك التوراة هو اكتمالها‘ أو ’ الأمر الإلهي الذي يكتمل من خلال تجاوزما‘ ينبغي أن تفهم ضمن هذا المفهوم الوارد في محاولة  حل المفارقة- الإرداف العكسي- للمسيح المرتد.    
      قد تكون طبيعة المبدأ السبتي في سياق ارتداد المسيح  النقطة الوحيدة في عمل شوليم  التي يحاول فيها أن يقيم صلة بين الطرد من إسبانيا وانبثاق ميسياني حقيقي تاريخيا وليس فقط موصوفا على نحو ميتافيزيقي. فكما سأجادل هنا، يحتل هذا أهمية سياسية كبيرة ، وإنما لا بد من تفحص قول شوليم نفسه:
    أكثر من أي شيء ضمني آخر، تأتي طرافة الفكر السبتي مما يكمن فيه من إلإدراك الديني المتناقض الخاص بالمارانو سلالاتهم  الذين كانوا يشكلون كما كبيرا من اليهود السفارديين. فلم يكن ممكنا  لذلك  اللاهوت الجديد أن يجد التربة الخصبة لانتعاشه لولا  تلك النفسية الفريدة لهؤلاء المتحولين ثانية إلى يهودية.                  فبغض النظر عن الخلفية الحقيقية لأول دعاتها أيا كانوا، كان المبدأ السبتي للمسيح قد شكل على نحو يتفق تمام الإتفاق مع حاجات العقلية المارانية .[456]  
     كان المارانيون يهودا أيبيريين، اعتنقوا الكاثوليكية ثم عادوا واعتنقوا اليهودية مجددا. وقد يكونون فعلوا ذلك إستجابة للتهديدات المباشرة من محاكم التفتيش، وكرد عام على الإحساس بالاضطهاد ، أو ربما لأن ذلك كان مفيدا لهم. واصل بعضهم التمسك بديانتهم اليهودية، بينما  أصبح آخرون كاثوليكيين فعليين. وقد تكون كلمة ’مارانو‘ ذاتها قد نجمت عن تحريف برتغالي أو إسباني لكلمة عربية هي ’محََرم‘ أو ’محرم‘، أي الممنوع. ثم اكتسبت الكلمة في المصطلحات الأيبيرية معنى ’القذر‘ و’الخنزير‘ أو ’لحم الخنزير‘ المحرم في اليهودية. يقول أبراهام كاردوزو، الذي كان مارانيا: ” كان مقررا أن يلبس الملك المسيح ملابس مارانية لكي لا يتم التعرف عليه من قبل بقية اليهود. وباختصار، صدر قرار بأن يصبح مارانيا مثلي”.[457] وكلما ازدادت الهوة بين التجربة الداخلية للمؤمنين والواقع الخارجي، كما يقول شوليم، ازدادت السبتية تحولا إلى المارانية. كان السبتيون يؤمنون بأن الإيمان الذي يبوح به المرء في العلانية لا يمكن أن يكون إيمانا حقيقيا، ولكي يكون الإيمان حقيقيا، يجب إخفاؤه وإنكاره علنا. ’ لذلك أجبر كل يهودي على أن يصبح مارانيا‘ [458]
     وإذ يأسف شوليم لأمر أولئك المؤرخين  اليهود الذي اعتبروا تلك التحولات تفاهات، فهو يرى أن ذلك الحل المبدأي لمشكلة المسيح المرتد لا يقل عن أن يكون لاهوتا جديدا: ” من قصاصات ونثارات من الكلام المقدس، من مفارقات مبعثرة وأقوال ، من كتابات الكبالاه، من أقصى زوايا الأدب الديني اليهودي، تم إخراج لاهوت يهودي جديد لم يسبق له مثيل إلى الوجود” [459].  يستحيل تضخيم المدى الذي رآه شوليم في ذلك ’ اللاهوت اليهودي غير المسبوق‘ ، والمزاج الذي أحاط به كتحول جذري، وبالتالي مدى الدور الذي لعبته هذه المجادلة في تكوين لاهوته الصهيوني. فكل مكونات هذا اللاهوت يمكن العثور عليها في الحوار بين شوليم وأبطاله السبتيين : تدمير اليهودية الحاخامية، نفي المنفى، إحياء المعتقد الديني اللا-حاخامي، الإصرار على الوحدة العضوية للأمة اليهودية/بل- وربما خصوصا- التاريخ اليهودي في مواجهة شيء  يقع  بين المارانية والارتداد.
       ’فالدين‘ اللا-حاخامي الذي أحياه المبدأ السبتي، على الرغم من شكله المتغير، وبطريقة ما ’غير المقبول كليا‘،كان يمثل غنوسطية القرن الثاني.  أعتقد أنه من الضروري إلقاء نظرة سريعة على أطروحة شوليم  التي يقول فيها بأن المبدأ السبتي كان في الأساس إعادة تفسير للغنوسطية، وذلك لأنه يكشف عن العمق الإحيائي لأيديولوجيته الخاصة. فوفقا لشوليم، عثر المفكرون السبتيون ’ صدفة على العالم الروحي الغنوسطي عبر قراءتهم للتوراة بحثا عن ’ سر الرب‘ الذي ’سمحت يهودية المنفى بموته‘[460] . فقد ميز الغنوسطيون بين الرب الصالح الخفي، الكائن الأعلى أو السبب الأول الذي ينبغي أن يخدمه المختارون، وخالق الكون المادي والمعروف بأنه مصدر القانون الذي في التوراة، الرب اليهودي. رفض الغنوسطيون السلطة العليا للرب الذي يشرع القوانين ولعنوه. وكان أبراهام كاردوزو هو الذي استعاد وأعاد تفسير الأسطورة الغنوسطية للسبتيين. كان ما فعله هو، بمعنى ما، أنه قلب المفهوم الغنوسطي بالمجادلة بأنه يجب التخلي عن السبب الأول، وذلك لأن سلطته قد تم الإعتراف بها بعقل فلاسفة جميع العقائد.  إنه الرب الخالق، رب إسرائيل، هو الجدير بالعباده الدينية. غير أن المشكلة بعد قيام شوليم بتفكيك نص كاردوزو هي :
    في الفوضى وضعف المعنويات المتأتي من المنفى…. هذا اللغز…  قد تم نسيانه، والشعب اليهودي قد اضطر خطأ إلى اعتبار السبب لأول  غير المتجسد هو نفسه الرب المتجسد على النحو الوارد في التوراة، وتلك كارثة روحية  سوف يكون سعاديا غون، ومايمونايدس، و الفلاسفة  الآخرون هم المسؤولون عنها….. لدينا هنا الان مقولة غنوسطية تقليدية، وإنما معكوسة: فلم يعد الرب هو الرب الخفي الذي أصبح الآن رب الفلاسفة   والذي ليس له مكان في الدين الفعلي، بل رب إسرائيل الذي خلق العالم  وزودة بالتوراه [461].
         
     يبدو أن الرابطة المتجددة بين الأسطورة القديمة( الغنوسطية) ونص أور (الكتاب العبري)، وبدون الوساطة التحريفية للتعليقات الحاخامية أوالأدبيات الفلسفية، وضمنيا الرابطة المتجددة بين الأسطورة القديمة وأرض إسرائيل، قد بثت الحماس ليس فقط في اليهودية ، وإنما في شوليم أيضا. فنفيه لمقولة المنفى يتدفق دون ضابط، كما يتدفق تملقه للثوريين السبتيين. فعمق تشوق شوليم لأسطورة قديمة تعيد وتبث القوة وتجري التحويل، يبدو واضحا في قوة بلاغته، في حماسه الصهيوني الذي ينفي به المنفى واليهودية الحاخامية، وفي ذلك البريق الواضح في عينيه حين يحس بعودة ما  إلى الأصل- سواء كان أسطوريا، نصيا أم ترابيا.  ففي سياق تأكيده على حب السبتيين للمفارقات التي تكشف عن جرأة ديالكتيكية لا يمكن إلا احترامها‘ ينتقل شوليم إلى التأكيد على أصالة اليهودية:
      ها نحن هنا نحصل على تلك النظرة الأعمق في ارواح هؤلاء الثوريين الذين اعتبروا أنفسهم يهودا مخلصين وهم في الان ذاته يقومون بقلب التصنيفات الدينية اليهودية التقليدية رأسا على عقب. أنا لا  أتحدث بالطبع عن مشاعر’ ولاء‘ للدين اليهودي على النحو  الذي تم تعريفه على يد السلطات الحاخامية. فبالنسبة للكثيرين إن لم  يكن لمعظم السبتيين، كانت يهودية المنفى قد أصبحت تكتسي طابعا  مثيرا للشك.فحتى حين واصلوا العيش تحت ولايتا الشرعية فلم يكن ذلك  بفعل الإحساس بالإلتزام. لا شك في أن ذلك كان مناسبا لتلك الأيام،  غير أنه في ضوء الحقيقة التي تهز روح الخلاص، فإن ذلك الوقت قد ولى[462]  .
   بعد أن يقدم ما طرحه كاردوزو من إعادة تفسير للموقف الغنوسطي، يتخلى شوليم عما بقي من محرمات:
    أية أشواق لإعادة إحياء الإيمان، وأي نفي إزدرائي للمنفى! لقد أعلن   ’ المؤمنون‘ دونما تردد، كالثوريين الروحيين الحقيقيين، وبكل ما ديهم  من حماس لايعجز حتى في أيامنا هذه عن التأثير في قارئ كتب كاردوزو، عن اعتقادهم في أنه طيلة فترة المنفى، كان الشعب اليهودي يعبد ربا لا حول  له ولا قوة وتمسك باسلوب…………………………………………..
     حياة كانت أساسا بحاجة للإصلاح… وإزاء تصميمهم على الحيلولة دون اندلاع ثورة شاملة في قلب اليهودية، عمد الحاخامون التقليديون   وأنصارهم إلى طرد ’المؤمنين‘ إلى خارج حظيرة التوطن.  وعلى الرغم من كل ذلك، قد لا يكون ممكنا للمرء إنكار أن جزءا كبيرا من  اليهودية الحقيقية كان مجسدا في هؤلاء الأفراد المتناقضين أيضا، وذلك في رغبتهم للبدء مجددا في إدراك حقيقة أن نفي المنفى كان يعني  أشكاله الدينية والمؤسسية كذلك والعودة إلى الينابيع الأصلية للعقيدة   اليهودية. إن هذا التصرف الأخير- الاتجاه نحو الإعتماد على أمور  معتقدية كما وردت في التوراة والهاغداه ( الأدبيات غير القانونية)  ازدادت قوة بين النهليستيين بشكل خاص في الحركة. هنا أيضا، هيمن الإيمان بالمفارقة تماما: فكلما ازدادت لامعقولية الهاغداه، وكلما أضرت  بالعقل والحكمة، كلما ازداد التمسك بها كرمز لذلك الذي هو ’لغز الإيمان‘   الذي يميل بالطبيعة إلى إخفاء ذاته في أغرب الحكايات وأشدها إرعابا [463].
  يحدد شوليم أربعة أشكال اعتمدتها ’النهليستية السبتية المنظمة‘ منذعام1683 ( عام تحول الدونمة إلى الإسلام)، فصاعدا[464] :
(1) الدونمة ’ الذين اختاروا ’المارانية الإختيارية‘ في شكل الإسلام  (1683في سالونيكا ثم مدن عثمانية أخرى).
(2) المؤمنون الذين ظلوا يؤمنون ظاهريا باليهودية الحاخامية ولكنهم تبنوا  داخلياموقفا غير حاخامي من التوراه. أقاموا أولا في فلسطين والبلقان، ومنذ القرن الثامن عشر أقاموا أيضا في شمال وشرق أوروبا.
3) الفرانكيون الذين جعلوا من أنفسهم مارانيين باعتناق الكاثوليكية(في بولندة، 1759).
4) الفرانكيون في بوهيميا، مورافيا، هنغاريا ورومانيا،وهم الذين تمسكوا بيهوديتهم.

 

       سوف أتناول الآن الشكل الثالث المتعلق بالفرانكيين الذين جعلوا من أنفسهم مارانيين من أجل إيصال حكاية شوليم إلى نهايتها المؤقتة- الحداثة الأوروبية قبل الصهيونية- ثم تفحص ’ ميثولوجيا التوقع‘، أو التركيب البحثي-الأيديولوجي.
     ولد جاكوب فرانك لأب حاخام في منطقة بودوليا ( كانت في ذلك الحين بولندية ثم اًصبحت ضمن  أوكرانيا) وذلك عام 1726. تعرف إلى السبتيين خلال رحلاته كتاجر في الأراضي العثمانية خلال الأربعينيات. وحين عاد إلى بولندة عام 1755، أسس ’ الفرانكيين‘ كفرع من السبتية. وفي عام 1759، خضع الفرانكيون لعملية تعميد جماعية في لوفوف في بولندة، بحضور أعضاء من طبقة النبلاء البولندية. غير أن الكنيسة الكاثوليكية وجهت تهمة الهرطقة ضد فرانك ربما بسبب غرابة الطريقة التي كان يقوم فيها بالتدريس، مما أدى في عام 1760 إلى سجنه.  لدى خروجه من السجن بعد ثلاثة عشر عاما، تقمص فرانك دور المسيح.اختار إثني عشر حواريا وأقام في برون التابعة لمورافيا (تسمى الآن بيرنو وأصبحت تابعة للجمهورية التشيكية) حيث حظي فيها برعاية أرشدوقة النمسا، ماريا تيريزا، التي وظفته كداعية للمسيحية بين اليهود. بعد عام 1786، انتقل فرانك إلى بلدة ألمانية صغيرة  هي أوفين باخ التي قضى فيها بقية حياته بنعيم  بفضل تبرعات أتباعه. بعد موته، انتقلت زعامة الحركة إلى ابنته أيف فرانك، غير أن الحركة مالبثت أن استوعبتها الكنيسة الكاثوليكية.
     يعتقد شوليم أن فرانك ’كان في جميع أعماله فردا فاسدا ومنحطا‘[465] . ولكنه لم يكتف بذلك:
    على الرغم من كل شيء…هناك أمامنا شخص تتجسد فيه روح طاغية وعاتية على نحوغير طبيعي و ينتمي لمنتصف القرن الثامن  عشر، ومع ذلك فهو منغمر في عالم أسطوري من صنع تلك الروح. ومن قلب الأفكارالسبتية،وهي الحركة التي يبدو أنه قد ترعرع وتثقفعليها،  تمكن فرانك من نسج أسطورة كاملة  أسطورة كاملة من    النهلستية الدينية[466]                                     
                                                         
كانت أهم خصائص أسطورة فرانك الدينية هي الإندفاع المعاكس الملفت للإنتباه. فقد تم رفض  ’شريعة موسى‘ رفضا قاطعا باعتبارها ’مسيئة وغير مفيدة‘ وبأنها تشكل العقبة الرئيسة أمام عودة ظهور ’الرب الصالح‘. بعد ثلاثين عاما من تحوله إلى الكاثوليكية، قال فرانك: ” أقول لكم هذا: قال المسيح… بأنه جاء ليخلص العالم من أيادي الشيطان، ولكنني جئت لكي أخلصه من القوانين والتقاليد التي ظهرت فيه أبدا. إن مهمتي هي القضاء على كل هذا من أجل أن يتمكن الرب من إظهار نفسه[467]. وفقا لخطة شوليم  التي تتضمن الكشف عن الأرواح، أدت الفرانكية إلى الهسكلاه، وهي ما يسمى بالتنوير اليهودي. غير أنها بسبب الإندفاع المعاكس  الرافض للإستسلام، لم تتوقف الفرانكية عند هذا الحد. يخلص شوليم إلى إجمال ’الخلاص من خلال الخطيئة‘ بأن الثورة الفرنسية أضفت معنى خاصا على ’ التخريب الفرانكي للأخلاق القديمة والدين…وربما ليس فقط بالمجرد، لأننا نعرف بأن أبناء أخوة فرانك، سواء كانوا ’مؤمنين‘أم بأي دافع آخر، كانوا ناشطين في الدوائر الثورية في باريس وستراسبورغ‘[468] .
      أصبح أحد أبناء إخوة فرانك،وهو الذي تحدث شوليم عنه بدون ذكر إسمه في عام 1937، في مقالته ’الخلاص عبر الخطيئة‘، موضوع  إعادة تركيب خلاصة حياة  فرانكية بعد ثلاثة عقود، وذلك في مقالته ’ مهمة فرانكية: موشيه دوبروسكا وتحولاته‘[469] . كان دوبروسكا قد ولد في عام 1753 في برون، مورافيا ( الآن بيرنو)، حيث استقر جاكوب فرانك في ستينيات القرن الثامن عشر. كان أبوه يملك احتكار بيع التبغ في الإمبراطورية النمساوية –الهنغارية تحت حكم ماريا تيريزا. وكانت أمه، شايندل هيرشل، إبنة عم جاكوب فرانك ( لذلك سمى موشيه وأخوه إيمانويل بأنهما إبنا أخيه). كانت هيرشل الراعية الأولى للسبتيين في مورافيا، وكان مناهضوها يطلقون عليها لقب ’ مومس برون‘. تألفت دروس دوبروسكا من العلوم الحاخامية والكبالاه السبتية والأدب الألماني واللاتينية وعدد من اللغات العامية الأوروبية. وفي عام 1773، تزوج إلكيه، وهي إبنة متبناة من قبل واحد من أكبراثرياء وزعماء الطائفة اليهودية في براغ، جوشيم إيدلر فون بوبر.
     يثبت شوليم موقفه في سرده لحياة دوبروسكا. فعلى غرار معظم أقاربه، تحول دوبروسكا إلى اعتناق الكاثوليكية في عام 1775  و أصبح إسمه فرانز توماس شاينفيلد، كما أصبحت زوجته إلكيه تعرف بإسم ويلهيلمينا. ثم انتقل إلى فيينا حيث قام على خدمة آل هبسبرغ. وبين عامي 1781 و1784 كان عضوا فاعلا في إحدى الأخويات الأسيوية للبنائين الأحرار. كانت تلك الأخوية ذات توجهات صوفية دعمت التقارب اليهودي-المسيحي وانشغلت في قراءة النصوص الكبالية. وفي سياق الثورة الفرنسية، بدأ دوبروسكا/ شاينفيلد يميل نحو اليسار في توجهاته السياسيةوالحلقات الأدبية التي كان يتحرك فيها. انجذب بشكل خاص إلى الثوريين اليعاقبة ، وفي أوائل التسعينيات، غادر فييناإلى ستراسبورغ حيث أصبح يسمى فيها  سيغموند فراي، ثم أضاف إليه ’جونيوس‘ ـ تشبها بجونيوس بروتس الروماني، أحد القادة الذين تآمروا على يوليوس قيصر وقتلوه. وحين وصل إلى باريس ومعه ويلهيلمينا وأخوه وأخته، ازدادت توجهات دوبروسكا/ شاينفيلد/فراي اليعقوبية، ولم يغادر بيته دون أن يلبس الجاكيت القصير الخاص بمناضلي الطبقة العاملة- رغم أن الشكوك الدائرة حول أنه مناهض للثورة وعميل لآل هابسبرغ لم تتلاشى أبدا. تزوجت أخته الصغرى من اليعقوبي الشهير فرانسوا شابوت. وقد شارك الأخوة دوبروسكا / فراي في أب 1792 في مذبحة الهجوم على قصر التويليري، وحصلوا على تقدير من السلطات الثورية. وفي الخامس من أبريل 1794، تم إعدام دانتون وشابوت وآخرين من بينهم الأخوين فراي اللذين حكم عليهما بالإعدام بتهمة الخيانه.

  يجمل شوليم تقريره عن حياة دوبروسكا بإسلوب شعري:

             هكذا انتهى العمل المفاجئ والعاصف، الخفي والمعلوم، لموشيه دوبروسكا- فرانز توماس فون شاينفيلد- جونيوس فراي….اليهودي جزئيا، والمنصهر المتحول جزئيا، الكبالي ورجل المخفي جزئيا، ورجل التنوير جزئيا، اليعقوبي جزئيا، والجاسوس جزئيا- كل شيء فيه جزئي،  ولكنه فرانكي صادق وكامل [470].

 

فلنعد الآن إلى أبراهام كاردوزو، المنظر الماراني للمبدأ الغنوسطي السبتي الذي، وفقا  لشوليم،  حل ’للمؤمنين‘ مشكلة المسيح المرتد. ففي ستينيات القرن السابع عشر، كان كاردوزو يعيش حياة مريحة في مدينة طرابلس في الشمال الإفريقي العثماني.  فهو طبيب، وقد أرسل إلى هناك من قبل راعيه، أمير توسكانيا، لمعالجة الوالي عثمان باشا، واعتنى به هناك كبير المسؤولين المحليين رجب بيك. حين اجتمع القضاة اليهود  في مدينة أزمير التي كانت أيضا مدينة سبتاي سيفي، لمناقشة المسيح المرتد، طلبوا الإستماع لشهادات من عدة اشخاص وقدم كاردوزو شهادته. كانت شهادته التي قدمها في عام 1669 بعنوان ’ رسائل إلى قضاة أزمير‘، وقد قام شوليم بنشرها [471]. مع ذلك، فإن رسائل كاردوزو تشير إلى الفترة الميسيانية بطريقة أدت إلى قيام شوليم بحذفها مما نشره في ’ الخلاص عبر الخطيئة‘. كان كاردوزو قد قال أمام القضاة أن إيمانه الميسياني ’ لم ينبع أصلا من كوني في المنفى، لأنني لا أمر يتجربة منفى‘ [472].   
     اعترض كاردوزو بوضوح على فكرة أن المسيح سوف يعيد اليهود إلى أرض إسرائيل.. وكما يقول ديفيد هالبيرن، ’فإن فهمه للفترة الميسيانية هي أنها قراءة غيبية عجيبة تؤذن بالتحرر السياسي لليهود في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر‘ .[473] أشرك كاردوزو القضاة في رؤيته الخاصة: ’ حين يجيء المخلص، سيكون اليهود لا يزالون يقيمون بين غير اليهود حتى بعد أن يكون خلاصهم قد اكتمل. ولكنهم لن يكونوا رجالا أمواتا، كما كانوا من قبل. فعبر خلاصهم، سوف يشعرون بالسعادة، ويتمتعون بالكرامة والشرف‘ [474].
     إذا أتحنا لأنفسنا البقاء للحظة ضمن نطاق المنطق الذي أسميته، عبر سكينر، ميثولوجيا شوليم للتوقع فينبغي أن  يتضح  بأن دوبروسكا وكاردوزو كبشيرين أو نذيرين هامين بالنسبة لماهو قادم، يشكلان تحديا جديا لتوجهات هذا المنطق.  فما يبينانه هما وآخرون هو أن تكون مؤرخا صهيونيا في صهيون ليس مفيدا بالضرورة لفهم كاردوزو ودوبروسكا على نحو أفضل. فالواقع هو أن المؤرخ الصهيوني الضليع الموجود في صهيون، إنما يشوه التجارب التاريخية لما يمكن أن يعنيه ضمن سياقهما الخاص، و – إذا أراد أحد أن يتلهى بالتوقع- ما يعنيانه كبشيرين أو نذيرين ضمن الخطة الكبرى لشوليم التي مضت دياليكتيكيا من الكبالاه إلى الصهيونية. إن ما أجادل فيه هو أن كاردوزو الماراني الذي لا يشعر بأنه في المنفى من حيث معنى النفي، والفرانكي جاكوب دوبروسكا،  الذي كان اتجاهه نحو اليعقوبية، وفقا لشوليم، فرانكيا خالصا، إنما يرفضان لاهوت  شوليم الصهيوني على المستووين التاريخي والتوقعي. وربما يكون المشهد  الملائم من أجل تفهم تعاطفي مع هاتين الشخصيتين هو ذلك اللاصهيوني المكروه من قبل شوليم. وقد يكون، وبكلمات أخرى،أن وضع ’الإنسانية العامة‘، التي نفى شوليم  بإصرار وجودها إلا في مخيلة يهود المنفى المهلوسين، كما قال لإيهود بن أليعازر في الحديث المقتبس في مقدمة هذا الفصل، هو الأفضل من أجل تفسير تعاطفي مع كاردوزو ودوبوسكا. 

 

 

الجدل حول وولتر بنجامين 

 

سوف أختم هذا الفصل بمداخلة في الجدل الخاص بأهمية أعمال بنجامين المجزأة وإرثه. أود هنا الإجابة على مجادلة طرحها ديفيد بيال عن الصلة بين منهجي شوليم وبنجامين وفلسفاتهما الخاصة بالتاريخ. فقد تكون دراسة بيال عن شوليم، والتي سبق وأشرت إليها في عدة مناسبات، هي الأكثر تقبلا واقتباسا من حيث كونها تفسيرا كليا لمضمون ومعنى مشروعه في مجال الدراسات الصادرة باللغة الإنجليزية. يجد بيال صلة بين ما يسميه ’ تاريخ شوليم المضاد‘ والموقف الراديكالي لبنجامين ضد التاريخية الإيجابية المنتصرة على النحو  الذي تم إيضاحه في ’أطروحة عن تاريخ الفلسفة‘ وكذلك دعوته الشهيرة الخاصة بالتمرد على السلوب السائد في كتابة التاريخ. فهو يدرك كراهية شوليم للماركسية والمادية التاريخية، وكذلك عدم استعداده لتقبل قناعة بنجامين غير الأورثوذكسية بكليهما. يؤكد بيال بأن الصداقة الحميمة بين شوليم وبنجامين توحي بإمكانية التعامل مع فلسفتيهما إزاء التاريخ معا[475] . فالشعار الذي اختاره بيال للكتاب ككل هو الشعار سابق الذكر الذي أطلقه بنجامين حول كتابة التاريخ.
     أعترض على هذا الإقتراح من ناحية فكرية وسياسية وأخلاقية. وقد أجادل في أنه على الرغم من أن شوليم قد سعى حقا إلى استغلال نقد بنجامين للتاريخية  وتأثر بشكل ما به، فهو قد شوهه تماما لخدمة غاياته. كما أعتقد أن النظرة  السياسية والأخلاقية للعالم لكل منهما ، والتي قادت كلا من بنجامين وشوليم والتي التزم كل منهما بها- الماركسية الإنسانية غير الأورثوذكسية( المطعمة بالميسيانية اليهودية والرومانتيكية) والصهيونية على التوالي لهما -كانتا وظلتا، ليس فقط متعارضتين، بل وإقصائيتين على نحو متبادل.
      وبكلمات أخرى، فإن ما تعبر عنه ’الأطروحة‘ ليس منهجا تاريخيا بالمعنى الأكاديمي الضيق ، وإنما اندفاعة أخلاقية وسياسية لتخليص الإنسانية المضهدة، وهي نفس ’الإنسانية العامة‘ التي تصور شوليم بأنها لا توجد إلا في خيال بعض يهود فايمار المرضى، وهي ذات الإنسانية العامة التي  كان مجرد ذكرها يفقد شوليم صوابه.  وضع مايكل لوي إصبعه في تفسيره التلمودي للأطروحة‘[476] على المصادر الثلاثة التي تشكل فكر بنجامين، وهي: الرومانتيكية الألمانية، والميسيانية اليهودية، والماركسية. ومع ذلك، فإذ يضع الأطروحة ضمن التقاليد، يصبح حاسما: ” تشكل أطروحة وولتر بنجامين ’حول مفهوم التاريخ‘(1940)، أحد أهم النصوص الفلسفية والسياسية في القرن العشرين. وفي مجال الفكر الثوري، فقد تكون أهم وثيقة منذ وثيقة ماركس ’ أطروحة عن فيورباخ”[477]. سوف أسجل إعتراضي القاطع لما قام به شوليم  من سوء استعمال لبنجامين، وذلك بالرجوع إلى ناقدين أصيلين: الأول هو الإسرائيلي باروخ كورزويل المولود في مورافيا ، ثم ووفقا لحاجة الخاتمة، أعود إلى شخص افتتحت به هذا الفصل، هو جورج شتاينر.
      قد يكون باروخ كورزويل هو أعنف ناقد إسرائيلي لشوليم ولباحثي القدس. وقد قدم أيضا بيانا منيرا حول إرث بنجامين والاستيلاء عليه. كان كورزويل ناقدا أدبيا عميق الثقافة ، ولد عام 1907 وهاجر من مورافيا إلى فلسطين في عام 1939، ووجد له عملا كمدرس في مدرسة ثانوية في حيفا. في عام 1955، تم تعيينه في جامعة بارإيلان الدينية القومية لتدريس الأدب العبري. ولكن كورزويل أدار حملة نقدية ضد مجموعة الباحثين في الجامعة العبرية، وبخاصة شوليم.  فقد أولى تقديرا كبيرا لشوليم واعتبره خصما جديرا بالاحترام بسبب قوته الثقافية، ولكنه اعتبر معظم زملاء شوليم خفيفي الوزن، منهمكين بالسياحة الأكاديمية. ويتجلى ذلك في هجومه  القاسي على أحد زملاء شوليم الصغار : ” يلفت جاكوب كاتس إهتمامي كشيء عارض على حاشية الصورة العامة. ذكرته بالصدفه واهتمامي ينصب على شوليم، لأنني أرى فيه موهبة ثقافية إستثنائية وإنما خطرة، بينما يقوم كاتس بعمل محترم ولطيف طالما هو قانع بتأليف الكتب المدرسية”[478] . فلا شك في أن كورزويل قد تأذى لعدم الإعتراف بأعماله ولعدم تقديم أي موقع له في الجامعة العبرية. وقد انتهت حياته المناهضة لما هو تقليدي على نحو مأساوي حين انتحر في عام 1972.ظهرت أعماله النقدية الخاصة بشوليم في صحيفة هآرتس ومجلات أخرى في أواخر الخمسينيات والستينيات. وقد حظيت باهتمام الباحثين على الرغم من أن الجزء الذي ناقش فيه أهمية بنجامين قد تم تجاهله إلى حد كبير[479] .
     لأجل تفهم موقف كورزويل من بنجامين، من الضروري توضيح أساس موقفه العام من مشروع شوليم[480]. يجب قبل ذلك توضيح أن  سبب غضب كورزويل هو قناعته بأن شوليم وباحثي القدس قد اغتصبوا السلطة ، أي أنهم ادعوا أن من حقهم  التكلم باسم اليهودية وإعادة إحيائها وضمان إستمراريتها. لم ينكر حقهم في دراسة اليهودية، حتى حين كان لا يوافق على وسائلهم واستنتاجاتهم، غير أنه اعترض بشدة على تحول  بقرة العلم الذهبية إلى حارسة شيء- اليهودية- هو في المطاف الأخير مسألة إيمان ديني. وهذه نقطة رددها كورزويل في كل أعماله، والتي بدت واضحة في العنوان الذي وضعه للجزء الثاني من كتابه الذي ضم مقالاته عن شوليم والباحثين المقدسيين: ’الناطقون الزائفون باسم اليهودية‘ [481]. قدر كورزويل مشروع شوليم تقديرا عاليا وأعجب بإسهامه الكبيرفي دراسه اليهودية، غير أنه كان قلقا جدا على أن يعهد بمصير اليهودية إلى فوضوي غير مؤمن بالدين ويمتلك عبقرية لا تقاوم  وشخصية جذابة عى النحو الذي عليه شوليم. وكان حذرا أيضا إزاء ما وصفه بأنه
’ هاجس الخدر الأسطوري الحديث‘ [482].  يكرر كورزويل ذكر مقولة شوليم  الشهيرة، ’ جئنا لكي نتمرد ، وانتهينا إلى المواصلة ‘، ولكن كورزويل يضيف: ” وما هو الذي نواصله فيه؟ جنازة دفن اليهودية”[483] .
     هناك في نقد كورزوبل أربع نقاط  تمت لبعضها البعض وتتعلق برأيه في عقدة بنجامين/ شوليم. هذه النقاط هي: تأصل العلمانية والحداثة في اليهودية، فرضية الموضوعية العلمية، السلطة المطلقة الممنوحة للتاريخ الفيلولوجي، والادعاء بتفوق مكانة وبحوث شوليم وزملائه المقدسيين مقابل علوم اليهودية في ألمانيا خلال القرن التاسع عشر. رفض كورزويل رفضا قاطعا وشاملا حكاية شوليم عن الأصالة التي قادت تحول الكبالاه إلى الميسيانية، عبرالسبتية، نحو العلمانية والقومية اليهودية. فكل الظواهر الحديثة ، في رأيه، بما في ذلك ما يمكن تصنيفها بأنها يهودية، إنما تعود بوجودها إلى التنوير والثورة الفرنسية [484]. فوفقا لكورزويل، اليهودية دين أولا وأخيرا،  وهي أساسا كينونة خاصة بالمنفى وبالحاخامية. ، لذلك فهو غير معني بأية حكاية عن أصالة عضوية، تسلسلية أم دياليكتيكية [485].
     بعد ذلك، وإذ يتبنى كورزويل موقف نيتشه( وموقف بنجامين كما سنرى) حول أزمة التاريخية، يبدأ كورزويل بمهاجمة إدعاء شوليم بالموضوعية العلمية، وما يرافق ذلك من ادعاء بشأن التفوق  في الأصالة على الباحثين اليهود الألمان خلال القرن التاسع عشر. فإذ يذكر أحد أعمدة العلوم اليهودية خلال القرن التاسع عشر، وهو إدوارد غانز، يؤكد كورزويل على الإستمرارية بين غانز وشوليم:
   لا  يكمن الفرق بين شوليم وغانز وأصدقائه في الجوهر، وإنما في الشكل،ومن وجهة نظراليهودية الدينية، فإن الفرق ليس كبيرا أبدا. فشوليم وغانز يبدآن من فرضية متشابهة: اليهودية الهلاخية عقبة على طريق التطبيع. حسنا، منهج غانز أكثر عقلانية، بينما يهاجم شوليم اليهودية عبر الصوفية اليهودية التي كانت بالنسبة له، ليست أساسا وينبوعا من الإيمان، وإنما أداة لمفارقة تاريخية يمكن من خلالها تدمير اليهودية الحاخامية من الداخل… شوليم هو أول باحث يهودي عظيم يختار بفضل غريزته العبقرية التوقف التأملي المفترض، وبشكل أكثر دقة، وقفة الصوفية النهليستية أو النهليستية  الصوفية، من أجل أن يقذف  بالأحجارمنها على يهودية الوجود اليهودي الطبيعي، على يهودية الهالاخاه الحاخامية.  إن هدف الفوضوي هو يهودية الهلاخاة ، وسلاحه هو النصوص الصوفية. لم يعد هناك براهين قاطعة  على تفاهة زماننا أكثر من حقيقة أن شوليم هو الناطق بإسم اليهودية![486] 
      على الرغم من أن هذا ليس الموضوع الرئيس لهذه المناقشة، لا بد لي من التعرف على المدى الذي  يمكن فيه اعتبار المناقشة الخاصة بكورزويل/ شوليم يهودية التمركز، وإلى أي حد  تم فيها تجاهل العرب الفلسطينيين. لم يكن كورزويل غير صائب في تأكيده على الإستمرارية بين مواقف غانز وشوليم إزاء اليهودية الحاخامية.  غير أنه لا يذكر أبدا حدة اختلاف واحد: كان هدف غانز هو الإندماج الكامل في المجتمع الألماني، بينما كان هدف شوليم هو ’العودة‘ إلى أرض إسرائيل. فمن وجهة النظر الفلسطينية، هذا الإختلاف هو الأهم . ثم يتناول كورزويل تأكيد شوليم القاطع على أن الباحثين اليهود الألمان لم يتمكنوا من إنتاج ’ علم موضوعي نقي، وذلك لأنهم كانوا يخدمون غرضا غير علمي، هو التحرر والانصهار بدرجة رئيسة، ولأن موقفهم كان بحكم الظروف إعتذاريا. يوافق كورزويل على أن الموضوعية العلمية لم تكن شيئا يمكن الحصول عليه-كانت لديه شكوك نيتشويةحول الموضوعية في هذا المجال-   وإنما ليس فقط من قبل هذه المجموعة البحثية:

 

     بالنسبة إلى شوليم، فإن الإبتعاد عن الموضوعية الزائفة لا يفعل شيئا  أكثر من إحلال القومية العلمانية مكان الإعتذاريات. بمعنى أنه في  ذلك الحين(في عهد دراسات العلوم الدينية اليهودية خلال القرن التاسع  عشر) كانت الإعتذاريات توظف من أجل الإندماج في المجتمع العلماني المسيحي والدولة. أما هنا ( حيث توجد بحوث شوليم وزملاؤه المقدسيون) فنحن نتعامل مع عملية إضفاء شرعية فلسفية-تاريخية على قومية علمانية للدولة الصهيونية القادمة ( يشير كورزويل هنا تحديدا إلى نص  شوليم ’الخلاص عبر الخطيئة‘ لعام 1937) [487].

 

قد يكون هناك تحامل حداثي متجذر وراء استغراب مدى إعجاب كورزويل، اليهودي المتدين بوضوح وفق وصف فرانز روزين زفايغ [488]،  بوولتر بنجامين فكريا وأخلاقيا وعاطفيا، وكذلك العنف الشديد الذي أصر فيه على خطأ محاولة شوليم الاستيلاء على بنجامين. يبين كورزويل التوتر القائم دائما إلى حد التناقض في الدراسات اليهودية، بين الإتجاهات التنويرية والرومانتيكية، ويجادل في أنه في أعماق هذا التوتر، ’يكمن التناقض العميق بين طريقة شوليم وتلك الخاصة بصديقه وولتر بنجامين‘ .[489]  ثم يهاجم بشكل قاطع إستيلاء شوليم على بنجامين:
    إن تفسير شوليم لموقف وولتر بنجامين إزاء أرض إسرائيل واليهودية  ذاتي جدا، كما تنبع محاولته تهويد بنجامين من محاولاته تفسير بنجامينكما لو أنه شوليم نفسه. إن أي شخص مطلع على كتابات بنجامين على النحو لذي أنا عليه، كتاباته عن غوتيه والرواية التراجيدية الألمانية،  يجب أن يرىأنه في عالم بنجامين الروحي، لا تحتل اليهودية إلا أهمية هامشية ، ولذلك  فإن  كل ملاحظات شوليم- وكذلك في شأن مكانة بنجامين في النقد الثقافي الألماني-  هي ملاحظات موسومة بالإسراف الذاتي ولا تقترب من أن تكون مناقشة موضوعية. فبنجامين لم يكن مستعدا للإشتراك في هروب شوليم نحو التاريخية والصهيونية الرومانتيكية والصوفية والفيلولوجيا. فمشاكل المجتمع هي التي وجهت طريقه، والدياليكتيكية الماركسية هي التي كانت المرشد له- وإنما ليس بالمفهوم الأورثوذكسي- وهذا هو الذي ميز بينه وبين بريخت. غير أن المغامرة الصهيونية…  أثارت شكوكه في أنها تجربة برجوازية  يجدربالمرء أن يحذر منها. بل إن بنجامين كان أقرب إلى الثقافة الفرنسية منه إلى اليهودية[490] .

 

     أتاحت معرفة كورزويل الواسعة بالثقافة الألمانية، وهو عالم اشترك فيه مع بنجامين وشوليم ( ولكن ليس في النقدالأدبي العبري بشكل عام)، له فرصة التمكن من تقديم تحليل جدلي دقيق لاستغلال شوليم لبنجامين. فهو قد استنتج على نحو صائب كيف أن توجه شوليم نحو يانغ في الجزء الآخر من عمله، وكذلك اعتزاله الواعي خلف أسوار’العلوم الصرفة‘ وإخلاصه الفيلولوجي لما هو’ نقي‘، كان بسبب اليأس من اليهودية- بما في ذلك جانبها التصوفي- والصهيونية[491] .  كان ذلك متوقعا، كما اعتقد كورزويل، وذلك لأنه “بدون  إقامة علاقة ملزمة مع الدين المعياري، فإن أي تصوف سيقود إلى فوضية شيطانية… إلى كبالاه بدون تلمود، إلى نظرية خاصة بالسري بدون أوامر عملية، وينتهي كل شيئ إلى إيمان شامل بالجن والعفاريت”[492]. وردا على سؤال حول كيفية حصول ذلك لدى شوليم تحديدا، يلاحظ كورزويل:
     يكمن مفتاح فهم ذلك في أطروحة بنجامين حول فلسفة التاريخ.             يعتمد شوليم على افتراضات بنجامين، غير أنه هجرها بعد أن منحها تفسيرات عشوائية. لذلك فإن انطلاقات بنجامين الإنسانية والميسيانية-العلمانية-الماركسية قد تم تحويلها بفعل لمسة شوليم  إلى ما هو شيطاني، والذي هو أخطر عدو لكل ما هو إنساني[493] .

 

    يطور كورزويل ذلك على شكل المعادلة التالية: (’ المادية التاريخية/النظرية التاريخية= التصوف اليهودي  /اليهودية الحاخامية الكلاسيكية‘. ويستفيض قائلا: هذه المعادلة هي الحل لأحجية  استغلال شوليم العشوائي لبنجامين). فقد حول شوليم نقد بنجامين للنظرية التاريخية إلى يهودية حاخامية. ففكرته الخاصة بتفجير تواصل اليهودية الحاخامية الكلاسيكية من خلال أسس الكبالاه والتصوف هي تحويل لفكرة بنجامين الخاصة بتفجير التواصل التاريخي من خلال المادية التاريخية‘[494] . قبل الوصول إلى المرحلة الأخيرة من هذا الشرح الدقيق لكيفية استغلال شوليم ’للأطروحة‘، يتوقف كورزويل للتأكيد على طبيعة رقصات شوليم مع الوعي الأسطوري الذي أعادت الكبالاه إيقاده. ينضم إلى شوليم في رفض فكرة أن التوحيد الديني اليهودي قد قطع روابطه بما هو أسطوري، بل ويتفق مع شوليم في رؤية أثر الإنتعاش والمحفز الذي قد يتواجد أحيانا في الخلجات الأسطورية. ومع ذلك، فبالعودة ثانية إلى فرانز روزين زفايغ، فهو يبين أن طريق شوليم التصوفية والأسطورية قد أدت إلى انغمار منفلت في تحقيق الذات، وهو ما اعترض روزين زفايغ عليه ووصفه بأنه’ عبادة الذات‘. يواصل كورزويل قائلا بأن جاذبية شوليم للأشخاص المصابين بهوس تحقيق الذات، وكراهيته للهموم الإجتماعية، تلقي ’ ضوءا جديدا على الروابط الروحية بين بنجامين وشوليم‘ [495].
    وشأن بنجامين بالدرجة الأولى، ثم شوليم، واصل كورزويل العودة إلى لوحة بول كلي ’ الملاك الجديد‘. فمن بين الجوانب العديدة التي ألهمت  بنجامين، أعطت هذه اللوحة شكلا بصريا للمبدأ المنظم للأسطورة. يلاحظ كورزويل أن ملاك التاريخ في مشهد الرعب في لوحة كلي ’ الملائكة الجدد‘، يتجلى لكل من بنجامين وشوليم… مع ذلك، تحاشى شوليم مرتين  تفسير بنجامين لمشهد الرعب‘ [496]. وأعتقد أن الابتعاد الأول  الذي اكتشفه كورزويل يؤكد على أهمية التفرع الذي حصل بين هرتزل ولازار، وذلك باعتباره ’ نقطة البداية‘ التي تحدثت عنها في الفصل الأول[497] . فظهور التفرع هنا هو النقطة التي يبتعد فيها الطريق العالمي، الذي طالما خشيه وكرهه الكتاب الصهيونيون بدأ ببايير ووصولا إلى شوليم وأنيتا شابيرا، عن  الطريق الخاص. ففي العاصفة التي تقذف بقوة لا تقاوم بالملاك إلى المستقبل، يرى بنجامين من خلال بصيرته تلك القوة التي تحطم ’باسم المجتمع الإنساني‘وهم استمرارية الزمن المتجانس الخاوي، الذي هو  التركيب المصطنع للتاريخية‘[498] .  وهذا، وفقا لكورزويل، هو الذي يوقظ الرؤية الأخلاقية- السياسية التي لا تتتفق مع رؤية شوليم:
   من الواضح أن مشهد الرعب في ’الملاك الجديد‘ له غرض بناء بالنسبة  إلى بنجامين. فتحطيم التواصل التاريخي، والتوجه نحو الحاضر والمستقبل،   هو أمر ضد الفردية، إنساني، ولصالح المحرومين، المضطهدين. والانفجار ضد البرجوازية يصب في مصلحة الطبقة المستغلة المعذبة. فهو يخدم هدفا أخلاقيا ويحقق ميسيانية علمانية وإنسانية بشكل عام. فهو ليس أيديولوجية  ميسيانية- قومية ضيقة، ولذلك فإن العاصفة في جناحي ملاك التاريخ لا تدفع  به إلى دوامة ما هو شيطاني، وهوالشيء الذي يسيطر على ملاك التاريخ إذا  ما كان منغمرا في ذاته، في الفردانيه التي تخفي صورة ’الإنسان‘ الذي لا مكان لاكتماله إلا في المجتمع. فبالنسبة إلى بنجامين، فإن مشهد الرعب في ’الملاك الجديد‘ ليس محطة التاريخ الأخيرة، وإنماه هو الميسيانية العلمانية في روح  المادية التاريخية [499].

 

ثم يواصل كورزويل في شأن شوليم بوضوح أكثر:
     تتقزم عملية تحطيم الإستمرارية التاريخية، وفقا لرأي شوليم، بتحطيم   التاريخ اليهودي، بنفي اليهودية الكلاسيكية للحاخامية. ولكن، ما هو غرض التحطيم؟ من أجل الذات؟ من أجل الفوضوية الفردانية. فمع شوليم، يمهد   ’الملاك الجديد‘ الطريق لحكم الشيطانية والنهيليستية. هكذا تتحول الظواهر  المتعددة لليهودية إلى أكوام من حطام. ترتفع تحت قدمي الملاك كومة من  الدمار والكارثة الواحدة. وهو لا يلتفت إلى المستقبل. لأن قلبه خال من أي  إيمان[500] .
يختص إنحراف شوليم الثاني بعيدا عن بنجامين بالتاريخ ذاته كمهمة بحثية. فكما يلاحظ كورزويل، كان بنجامين يشك في ما إذا كان ذالك مجردا من أي غرض اخلاقي –سياسي، وغير مهتم به:
        لا تخدم بحوث شوليم التاريخية إلا ذاتها. ولا يقتصر ذلك على أن ملاك   التاريخ قد نقل من موقعه المهيمن، والإنساني بشكل عام، من نقطة المراقبة،    إلى إطار ضيق لحركة قومية- رومانتيكية- صهيونية. ففي المطاف الأخير،  وبعد أن ينكر شوليم الانحياز الذي لا مناص منه لدراساته، يصف نفسه بأنه،  كرجل علم خالص، كمؤرخ موضوعي، لا يهتم إلا بصدق الكلمة. هكذا تم تحويل ملاك الدراسات التاريخية اليهودي من قائم بالإعلان عن المشهد المرعب إلى أعظم ممثل رسمي لليهودية وأكثرهم إحتراما في العالم. فالعاصفة  لا تهب من الجنة ولا تعانق جناحي ملاك التاريخ، وإنما هي أجنحة الطائرات التي تجلب إلى جميع زوايا العالم رسالة اليهودية من فم المسافر العالم، والتي هي رسالة الأموات الأحياء، الرسالة المرحة عن الأخبار وعن ملابس الملك العاري،  ’من الشرق يأتي الضوء، لاشيء‘[501] .

 

     في سياق بحثه عن كتابات أخرى معبرة عن عدم الرضى إزاء سوء استخدام شوليم  لبنجامين،  يشير كورزويل إلى مقالتين ظهرتا في عام 1968. تعود الأولى لحنة أريندت. أما الثانية فقد وصفها كورزويل بأنها ’مقالة عظيمة‘، ولكنه لم يستطع التعرف على إسم الكاتب. أما أنا فقد فعلت، حيث لم يكن ذلك الكاتب غير  جورج ستاينر، الذي صب شوليم جام غضبه عليه أثناء حديثه مع بن عيزر.فبمناسبة نشر رسائل بنجامين في عام 1966،والتي كان أدورنو وشوليم قد حرراها وأعدا تعليقات حواشيها، قدم شتاينر مداخلة في جلسة الحوار الذي دار حول المعنى الحقيقي لحياة وأعمال بنجامين. تمعن شتاينر في الحديث الديني  وقدر المدى الذي ذهب إليه الحوار في الحديث عن الذين يدعون إرث بنجامين الثقافي بقدر ماتم الحديث عن عمله الفعلي[502]
     كان المعسكران الرئيسان في جلسة الحوار هما الماركسيون الأورثوذكس من جهة، وأدورنو وشوليم من جهة أخرى، بينما كانت أريندت في المنتصف بحياء، وإنما على بعد واضح من شوليم. كان الماركسيون الأورثوذكس متمسكين بأن ’العلوم الإجتماعية الممولة من الجانب الأميركي‘ ( أدورنو وهوركهايمر) والصوفية اليهودية ( شوليم) ليس لهم الحق في الادعاء ببنجامين[503] . كان أدورنو دائما غير سعيد، لوصف ذلك بلطف، بسبب تحول بنجامين إلى الماركسية، وعبر عن عدم رضاه علانية في نقده اللاذع في عام 1938 على تفسير بنجامين لبودلير، والذي كان بمثابة تراجع لبنجامين على المستووين الثقافي والمادي. كان لشتاينر عمق نظر مهم في شأن التفنيد الذي سيأخذنا وللأسف بعيدا [504]. لم يدخر شوليم بالطبع جهدا- خلال حياة بنجامين وبعد موته- للقول ولبيان أن الماركسية لم تكن فقط غريبة وغير طبيعية بالنسبة لاهتمامات بنجامين وتوجهاته الثقافية، وإنما كان  مجرد قبول بنجامين بها يرقى إلى خيانة للذات. عين أدورنو وشوليم نفسيهما كمنفذين لوصية بنجامين الروحية، ولم تكن طبعة رسائله التي قاما بها عام 1966 خالية من المشاكل، لعل أهمها حالة وجود ’نسخة‘ من جواب بنجامين على تفنيد أدورنو عام 1938 ,الذي يشك بأنه مختلف عن المسودة الأصلية المحفوظة في أرشيف بوتسدام الألماني المركزي.
      في مقالته لعام 1968، يحاول شتاينرالابتعاد عن الإنحياز لجانب دون آخر في الحوار حول إرث بنجامين، غير أن الواضح في كل ما قال هو أنه كان يقدر كثيرا  محورية الماركسية بالنسبة لبنجامين، بغض النظر عن مدى عدم أورثوذكسيه صيغته الخاصة لها. ويتضح ذلك في إشارته التي ذكرتها في أول هذا الفصل حول رسالة بنجامين، وكذلك في تفاعل بنجامين مع الأصدقاء والرفاق الماركسيين في الحزب الشيوعي الألماني.  والأهم من ذلك هو وضوح ذلك في مقطع حساس وجميل عن بنجامين وبريخت، الذي يشكل عن قصد أم غير قصد، دحضا للمحاولات المتكررة من جانب أدورنو وشوليم للإيحاء ضمنيا أو علنا بأن بريخت هو الذي زج ببنجامين في الماركسية [505].  وإذ يحاول شتاينر أن يجعل ملاحظته عرضية ، فهو مع ذلك يشكك في سلوك أدورنو وشوليم إن لم يكن في غاياتهما:
    هل يستحق الأمر الإصرارعلى بعض الحقائق، مثل أن يهدف  شوليم  وأدورنو- مهما كان صفاء غاياتهما، مهما كان الجهد   التحريري الذي بذلاه بتجرد، ويظل بعض إرث بنجامين مدينا  له بالبقاء-  إلى رعاية  صديقهما التعيس الميت، بحيث يشكل  نمو منزلته مقارنة بهما فخا نفسيا لهما؟ أو أنه يمكن لرجل أن  يكتب رسائل إلى أصدقاء بعيدين مساندين له وهو بحاجة ماسة  لدعمهم العاطفي والمادي، فيحذف من نسخة ناجزة شتائم وتحريض ثم يضع ذلك ثانية في مسودة أولية[506] ؟
              
      وانطلاقا من حذره كي لا يعبر إلى الجانب الذي يسميه ’ فريق بوتسدام‘، وإذ يأخذ في الاعتبار وجود اليهودية بطرق معينة في عمله، يرفض شتاينر في النهاية نفي شوليم للمنفى عبر بنجامين ويصر على حقه في  التمسك بالموقع الذي يشترك فيه مع بنجامين، والذي يصر شوليم على حرمانهما منه. وهذا يذكر بملاحظة أريندت في شأن راحيل فارنهاغن بأنها بقيت يهودية ومنبوذة. وأنها بسبب تمسكها بالحالتين، فقد وجدت مكانا لها في  تاريخ الإنسانية الأوروبية[507] . أود أن أختم هذا بإصرار شتاينر، ومن خلاله  إصراربنجامين على ما يلي:
   من المؤكد أن شوليم  محق حين يؤكد على أن بنجامين كان مهتما  جدا بالتاريخ اليهودي، وأنه كثيرا ما فكر وبجدية في الهجرة إلى   إسرائيل (من الملفت أن يشير شتاينر إلى  فلسطين الإنتدابية أنها   إسرائيل)….   صحيح أن بنجامين لم يشترك في أية صهيونية جاهزة،   وأنه كان يحس بأنه متجذر عاطفيا وفكريا في إنسانية أوروبا الكلاسيكية والغربية…حتى الرمق الأخير، وحين أدرك أن الوقت قد فات،أحس  بنجامين بأن الهجرة إلى القدس أو  إلى نيويورك كانت ستعني التخلي  عن قيم لا يمكن تعويضها. ليس هناك ما هو شرير في هذه اللامبالاة… نادرا ما يوجد يهودي أوروبي يتمتع بالفكر والمشاعر في هذا القرن، ولم يعتبرفي وقت ما، وبصدق تام، الهجرة إلى إسرائيل بأنهاالطريق   العقلاني الوحيد، ولكنه وفي أشد حالات الضيق، يجد نفسه أسير  حاجاته الروحية، أسير عدم استعداده للتخلى عن إرث سبينوزا وهايني   وفرويد من أجل هرتزل[508].

 

____________________