الفصل الرابع

الصفحة

 

الأسطورة والتاريخ على جبل سكوبوس

معهد الدراسات اليهودية:
القدس ونفي المنفى

 

في عام 1924، أي قبل عام واحد من الإحتفال الرسمي بتأسيس الجامعة العبرية على جبل سكوبوس في القدس، تم تأسيس معهدها الخاص بالدراسات اليهودية. ينقل الإسم العبري للمعهد، الذي هو ’ معهد علم اليهودية‘، وبدقة أكبر، فضل الظاهرة اليهودية الألمانية في القرن التاسع عشر، المعروفة باسم ’الويسينشافت اليهودي‘، أي ’علم اليهودية‘ على ظهور هذا المعهد، على الرغم مما رافق ذلك من تمرد ونقد . فقد دار الجدال في شأن مصطلح ’مدرسة القدس‘ حول ما إذا كان قد انبثق عن معهد الدراسات اليهودية مبدأ أكاديمي واحد يوفر إشعاعا موثوقا. ومثل هذا النقاش مهم بحد ذاته، غير أنه كذلك يوفر مثالا يلقي الضوء على الإختلاف بين الفهم الصهيوني الجوهري للأسطورة التأسيسية، وذلك الذي تتم رؤيته من موقف عرضي بالتأكيد، وإن يكن غير مناهض للصهيونية علنا. فهذه المناقشة إنما تتركز حيث تتقاطع السياسة والأيديولوجيا والعلم البحثي.
أنا غير معني كثيرا هنا بمدى تمكن الجيل الأول من باحثي القدس، ثم تلاميذهم الكثيرين، من تشكيل مدرسة متماثلة ومتجانسة ، أم أن تنوع مناهجهم ومواضيعهم قد صب ضد مثل هذا التصنيف . فما أجده مهما هو العلاقة المتبادلة بين موقف الباحثين من الصهيونية ( من داخل الصهيونية أم من خارجها) من جهة، وكيفية فهمهم لكلام الباحثين المقدسيين عن فترة المنفى من جهة أخرى. فمن الناحية الداخلية، يجد الباحثون الصهيونيون في أعمال الباحثين المقدسيين بديلا لنفي المنفى، أما الباحثون غيرالصهيونيين، فيعتبرون نفس الأعمال أكثر المحاولات طموحا لإسباغ المصداقية العلمية على نفي المنفى/ العودة لأرض إسرائيل/العودة للتاريخ على شكل حكاية تاريخية عضوية متجانسة. يمكن شرح هذه الملاحظة بمقارنة العمل على هذه الثيمة من قبل باحثين هما ديفيد مايرز وأمنون راز-كراكوتزكين. فدراستاهما الهامتان تشتركان في الكثير من الأشياء، بالموضوع وكذلك التفسير، ويجب تذكر هذا لئلا تبدو الهوة بينهما، والتي سوف أنيرها بما يلي، شاسعة جدا. فعمل مايرز يجمع بين إعادة التركيب التأسيسي والتحليل الفكري، بينما يتسم عمل راز-كراكوتزكين، وعلى نحو قاطع، بأنه عملية تفكيك فكري حصرا، إضافة إلى كونه سياسيا على نحو أكثر علانية
قام الباحثون الذين أسسوا وطوروا معهد الدراسات اليهودية خلال عقده الأول بتشكيل المشهد الإسرائيلي الصهيوني الخاص بالتأريخ المهني من خلال بحوثهم والتعليم الذي يقومون به ونشاطاتهم الأخرى. كان الأكثر نفوذا في هذا المجال هو الثلاثي المؤلف من بن-زيون دينور ( كان اسمه قبل عبرنته هو دينابورغ ، 1884-1973) ثم إتسحاق-فريتز بايير (1888-1980) وغيرشوم- غيرهارد شوليم (1897-1982). شكل هؤلاء الثلاثة بؤرة العمل الأكاديمي اللاحق في معهد الدراسات اليهودية ( كذلك يتفحص راز-كراكوتزكين إحدى دراسات بايير المميزة، بن ساسون) سوف أركز هنا على أعمال بايير ودينور. أما الفصل التالي، فسوف أخصصه من أجل شوليم، الذي توفر عبقريته تحديا لا يقاوم.
يتمع تناول كل من مايرز وراز-كراكوتزكين لمواضيع القومية والتأريخبة بأهمية خاص. يكفي عنوان كتاب مايرز ’ إعادة اختراع الماضي اليهودي‘ للتدليل على مدى ابتعاده عن مشروع زملائه، وإنما ليس نقصا في التعاطف معهم. مع ذلك، فهم يفسرون معنى ومجال وعمق مفهوم نفي المنفى على نحو مختلف. يتعلق الفرق الأبرز بمسألة وجود أو غياب الفلسطينيين المحليين عن تحليل الأسطورة. فبالنسبة لراز-كراكوتزكين، حتى لوكان نفي المنفى يبدو موضوعا يهوديا داخليا، فإن عدم إدراج الفلسطينيين في الصورة، إنما يدل على الفشل في فهم أن تلك ليست مجرد أسطورة قومية، وإنما هي أسطورة إستيطانية-قومية، ويرقى إلى مرتبة التواطؤ مع الأسطورة. على الرغم من أن الفلسطينيين وحقوقهم الفردية والجماعية ليست غائبة عن سياسات وأخلاقيات مايرز، فهي غائبة في مناقشتة لنفي المنفى التي يعتبرها مسألة داخلية خالصة تخص التاريخ اليهودي. ولكن لم تكن صدفة أن جولاته المقارنة قد اعتمدت حالة في شرق أوروبا، وهي تخص الحركة القومية التشيكية. وإذ تحتوي مقارناته على بض الأفكار النيرة، فهي لا تضيء أبدا واقع أن هذه ليست أمة عادية، وإنما أمة إستيطانية .
يكمن الإختلاف الآخر بين مايرز وراز-كراكوتزكين في وجهتي نظرهما الخاصتين بتلك الفترة الشائكة التي تعرف بمرحلة المنفى ( منذ القرن الأول الميلادي ولغاية ثمانينيات القرن التاسع عشر)، وهو اختلاف يطال لب معنى الأسطورة. تخلق الفترة مشكلة للمؤرخين، وذلك لأنها مؤقتة على نحو لانهائي، والمساحات الزمنية تقاوم الإنضواء في حكاية قومية واحدة. ورغم أن تحليل مايرز يتضمن شبها بتحليل راز- كراكوتزكين، فإن نفي المنفى لديه مرادف للنسخة البدائية التي تم شرحها في الفصل الثالث . وبمعنى آخر، يبدو أنه يعتبرنفي المنفى بأنه مجرد محاولات تجاهل أو تجاوز أو نسيان فترة المنفى ، وإيجاد بديل لها على شكل حكاية ترابية رئيسة تبدأ في أقدم العصور ثم تقفز مباشرة إلى عصر الصهيونية.وفقا لهذا المنظور، فإن باحثي القدس لم يقوموا فقط برفض نفي المنفى، بل وقدموا له بديلا، فهم لم يتجاهلوا أو يتجاوزوا فقط فترة المنفى، بل إن معظم ما قاموا به قد تم استثماره في تلك الفترة وفعلوا الكثير من أجل إضاءته. فكل أولئك الذين في المدار الصهيوني- ومنهم شابيرا، وماييرز الذي يحتل موقعا هامشيا بشكل ما- يشتركون في هذا الفهم الخاص بنفي المنفى. يرى راز-كراكوتزكين على نحو مماثل، أن التأريخ الخاص بالعصور الوسطى الذي قام به باحثو القدس، قد وفر نقدا واضحا للموقف الصهيوني الراديكالي (والمهيمن) من نفي المنفى.غير أنه لا يقف عند هذا الحد، فيقول بأن:
النقد الموجود في التأريخ الخاص بالعصور الوسطى، قد أسهم في اكتمال
الأيديولوجيا الصهيونية: فعلى العكس من الموقف الراديكالي الذي نفى
التاريخ اليهودي الخاص بالمنفى تماما، ووصفه بأنه لا قيمة له، أكد باحثو
القدس أن العصور الوسطى أيضا تعبر عن القومية اليهودية، وأن هناك وحدة عضوية واستمرارية بين جميع تعبيرات الماضي اليهودي، بغض النظر عن
الزمان أو المضمون الثقافي. فقد كان غرض مدرسة القدس هو التأكيد على
استمرارية الوعي بالسيادة اليهودية، وبالتالي تجاهل النظر إلى اليهود من
خلال أجيال متعددة حين يتحدثون عن المنفى .
كذلك، يعي راز- كراكوتزكين قول بنجامين بأن زمان الحداثة فارغ ومتجانس. فرغم أنه لم يقل ذلك صراحة بنفسه، يبدو أن ملاحظته هذه باقية في رأس راز-كراكوتزكين عندما يريد التأكيد على أن تقديم هذه الحكاية المتجانسة ’ ينفي الإدراك بالزمن الذي ينبغي أن يقوم بوصفه، وهو تحديدا ” زمن المنفى” .
وفقا لراز- كراكوتزكين، فإن ما فعله باحثو القدس بدمجهم المنفى بالحكاية الترابية، كان منح الصهيونية أكبر دعم منهجي لأجل نفي مفهوم المنفى، وكذلك الحساب الذي يقود إلى الخلف في الزمن على نحو غائي، نحو أرض إسرائيل. ثمة حكاية بحثية أخذت بالتبلورفي الجامعة العبرية حول قرون المنفى السابقة المتكررة. رغم وجود بعض العناصرالخاصة بالتنوع إلى درجة الخصومة، فإن بحوث باحثي القدس قد اتسمت بالإلتزام المشترك بالصهيونية. ولا بد من الإعتراف بأن التصرف بتجارب اليهود في المنفى بتحويلها إلى تجارب ترابية ووضعها في سياق حكاية قومية عضوية هو أكثر إتساقا من الناحية الأيديولوجية وأكثر إلتزاما بالتعبير عن نفي المنفى من قفزة كمية من الملك داوود إلى بن غوريون .

يتسحاق-فريتز بايير و بن-زيون دينور (دينابورغ)

ولد فريتز بايير عام 1888 في هالبيرشتات –ألمانيا . وبعد تخرجه من جيمنازيوم هالبيرشتات في عام 1908، قبل في جامعة برلين وركز خلال عامه الأول على التاريخ الكلاسيكي والوسيطي إضافة إلى فقه اللغة. غير أن انتقاله في الفصل التالي إلى فرايبورغ هو الذي أثر كثيرا في تكوينه، رغم أنه سجل لاحقا للالتحاق في هاليه، ثم ثانية في برلين. تأثر كثيرا في فرايبورغ بمدرسين اثنين هما هاينريك فينكه وفريدريك ماينيكه. فقبيل وصول بايير إلى فرايبورغ، كان فينكة قد نشر مجلدين ضخمين عن مراسلات الملك جيمس الثاني ملك أراغون في القرن الثالث عشر، على أن يصدر المجلد الثالث عام1922. كان بايير واحدا من مجموعة من الطلاب الشباب الذين كانت نتاجاتهم البحثية تدور حول إهتمامات فينكه ووثائقه. كانت أول ثمار بايير البحثية هي نشره في عام 1913 أطروحة دكتوراة حول تاريخ اليهود في أراغون خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر. على الرغم من أن بايير سوف يكتب لاحقا عن فترة المعبد الثاني، فقد كان اهتمامه الرئيس منصبا في الأساس على العصور الوسطى واليهود الإسبان تحديدا، وهو اهتمام متناسب مع مجال فينكه.
أما المرحلة الثانية من حياة بايير العملية، فهي خدمته العسكرية في سلاح المدفعية الألمانية خلال الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1919، تمت دعوته للعمل باحثا تاريخيا دائما في الأكاديمية المؤسسة حديثا في برلين ، وهي ’ أكاديمية الدراسات اليهودية‘. هناك تلقى بايير الإلهام والإرشاد من مؤسس الأكاديمية الشهير، يوجين توبلر. كان توبلر قد انتقد مظاهر معينة في البحوث اليهودية هي الإكثار من الأدب وضعف المنهجية. قام بتشجيع طلابه الباحثين ليس فقط على الإلتزام بالمنهج التاريخي، وإنما كذلك بالرجوع إلى المخزون الواسع من الوثائق الأرشيفية التي كان هو نفسه يقوم بتطويرها. ولأجل تسهيل عمله هذا، أسس توبلر في 1905-1906 ’ الأرشيف الشامل ليهود ألمانيا‘، وأصبح هو مديره وأقنع بايير بتفحص البروتوكولات غير المفحوصة سابقا، والتي تعود إلى المجلس اليهودي في مدينة كليف خلال الفترة من 1690 ولغاية 1806.
بعد نشر دراسته الخاصة بكليف، عاد بايير إلى إسبانيا اليهودية الوسيطية- وتحديدا، فقط حيث كانت عملية الغزو المضاد قد نجحت تماما، أي المناطق المسيحية من الجزيرة الإيبيرية- لكي يواصل البحث الذي فتح إلهام ومخزون فينكه الدروب أمامه. وكانت نتيجة البحث المعمق في أسبانيا وألمانيا مجلدا صدر في جزئين ( 1929 عن مطبعة الأكاديمية، و1936 عن شوكين) بعنوان ’ اليهود في إسبانيا المسيحية‘. في أواخر العشرينيات، أخذت تظهر لدى بايير عدة سمات خاصة بنظرته البحثية: الاهتمام والاقتناع بالأهمية المركزية للمجتمع في حياة اليهود في الشتات، والأهمية الأساسية للتاريخ اليهودي الأرشيفي التوثيقي الذي يغطي كل جوانب الحياة بمصادرها الداخلية والخارجية، والحاجة إلى الإمساك بالجوهر العضوي والإستمرارية للتاريخ اليهودي من جهة، والتنوع وما يحدث من طارئ بفعل مؤثرات خارجية من جهة أخرى.كان بايير واثقا من أن ’عهد الإعتذارات قد ولى بالنسبة للمؤرخ اليهودي‘، وأن الصور المظللة لعالم السابقين، وروح التنوير التي عفا عليها الزمن، يمكن أن تتم إزاحتهما .
سعى الرئيس المؤسس للجامعة العبرية، يهودا ماغنيس، منذ عام 1928، إلى جذب بايير إلى القدس ، ونجح أخيرا. عين بايير أستاذا للتاريخ اليهودي الوسيطي في معهد الدراسات اليهودية، وقدم محاضرته التدشينية في بداية الفصل الدراسي الشتائي عام 1930. في عام 1936، وبعد قضاء ثلاث سنوات ضاغطة ومرعبة في ألمانيا، نشر بايير مجلدا قصيرا بعنوان ’ المنفى‘ وبإسمه العبري، يتسحاك، وذلك لأول مرة . انضم إليه بين-زيون دينور في نفس العام، كمدرس للتاريخ اليهودي الحديث. وقد يكون من الصعب المبالغة في وصف أهمية اللقاء بين هذين الإثنين على الأصعدة السياسية والأيديولوجية والبحثية. يصف مايرز بعين ثاقبة وإيجاز، الجانب الشخصي من علاقتهما:
لم يكن ممكنا إختراع شخصيتين أكثر اختلافا منهما.كان بايير،الذي هو نتاج خلفية ألمانية أورثوذكسية محافظة، رجلا صارما ومتحفظا تلاءمت هيأته مع وظيفته كمؤرخ أرشيفي دقيق…أما دينابورغ ( دينور) فكان مقارنة به، يتمتع بشخصية عاطفية
وجذابة تربت في أجواء الحاسيدية اليهودية الديناميكية في موطنه روسيا. وعلى العكس من بايير الذي كان يفضل وحدة الباحث الرهباني،كان دينور محبوبا ومدرسا شعبيا .

ولد دينور عام 1884 في مدينة أوكرانية صغيرة إسمها هورول . كانت عائلته في ذلك الحين حسيدية وتنتمي إلى سلسلة من الحاخاميين التي تعود إلى القرن السابع عشر. وكان تعليمه الإبتدائي دينيا، غير أنه ما لبث أن انغمس في ثقافة الهسكلاه ( مايسمى بالتنوير اليهودي في أوروبا)، وتعلم اللغة العبرية وأقبل بشغف كبير على دراسة التاريخ اليهودي. ثم أصبح صهيونيا ناشطا. وكما لو أنه قد توقع ماينتظره من مهام، أخذ دينور يهيئ نفسه لكي يكون المؤرخ الصهيوني الذي لا يعلى عليه على مدى العقدين الأولين من القرن العشرين. غادر في عام 1900مدينة هورول إلى فيلنا حيث انهمك في الإعداد لشهادة تعادل الديبلوما وتمهد له الطريق لدخول إحدى الجامعات الروسية. رغم أن ما بذله من جهد لن يضيع هباء في المدى البعيد، فقد فشل في الحصول على الديبلوما وانتقل إلى برلين في عام 1911 لكي يدرس ، كما سيفعل بايير لاحقا، عند توبلر. ومع التدريب والميل أكثر نحو التاريخ القديم، التحق دينور بجامعة بيرن، حيث انضم إلى مجموعة من الطلاب اليهود الشرق أوروبيين وانطلق في العمل على أطروحة الدكتوراة، ’ الإدارة والإدارة الذاتية في فلسطين من سيبتيموس سيفيروس إلى ديوكليتيان‘. مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، اضطر دينور إلى مغادرة سويسرا والتخلي عن أطروحته غير المكتملة. اتفقت عودته إلى أوكرانيا مع اندلاع ثورة 1917. ورغم ما قيل بأنه أودع أطروحته في بيتروغراد، فهو لم يعثر عليها ثانية. في عام 1921، أبحر من أوديسا إلى فلسطين.
لم تكن طريق دينور إلى الجامعة العبرية ممهدة جيدا. لم يكن ذلك فقط بسبب المشاجرات الحتمية في المعاهد الأكاديمية، وإنما كذلك بسبب مستوى مؤهلاته العلمية التي لم يكن من السهل التوفيق بينها وبين المستويات الألمانية للجامعة العبرية، وبخاصة أن الجامعة كانت تريد تعيين متخصص في التاريخ اليهودي الحديث ( كان تخصص دينور أقرب إلى التاريخ القديم). مع ذلك، ألقى بايير بكل ثقله وراء تعيين دينور، وتمكن بفضل إلحاحه من تحقيق ذلك. بدأ دينور التدريس في عام 1936، وإنما مبدأيا وعلى أساس دوام جزئي. أصبح أستاذا تاما في عام 1948، وكان قد أصبح في الرابعة والستين من عمره. كذلك أغدق على دينور دور مكرر، فقد ذكر سابقا أن البرجوازية اليهودية في وسط وغرب أوروبا كانت تعتبر يهود شرق أوروبا مثالا للأصالة البدائية . تلك هي الصورة التي نظر فيها زملاؤه اليهود الألمان في القدس من أمثال شوليم وهيغو بيرغمان وإرنست- أكيفاسيمون، إلى دينور. وكتب زميل ألماني آخر، هو موشيه شواب، إلى دينور يقول له بأنه ’النموذج الأصلي لليهودي الشرقي، المشبع بالثقافة اليهودية، والذي يمتلك كنزا من القيم اليهودية‘ .
لم تكن مهمات دينور السياسية أقل أهمية من وظيفته الأكاديمية ، بل لقد حقق نجاحا أكبر في السياسة. فمنذ اللحظة التي وضع فيها قدمه في فلسطين، انغمر دينور في كل اشكال الإتحادات الأدبية والتعليمية، وأصبح عضوا ناشطا في الماباي، حزب العمل الرئيسي الذي ظل مهيمنا على المنظمة الصهيونية العالمية ودولة إسرائيل من أوائل الثلاثينيات إلى عام 1977. صار عضوا في أول كنيست ( البرلمان الإسرائيلي) في عام 1949، ثم أصبح وزيرا للتربية والثقافة (1951-1955) وعضوا مؤسسا ثم رئيسا لياد فاشيم ’ سلطة ذكرى الهولوكوست والشهداء والأبطال‘. وكما يقول يوري رام على نحو له دلالة، بأن دينور قد عبرن إسمه ( من دينابورغ إلى دينور) عندما تم تعيينه وزيرا. فقد كان ذلك أمرا فرضه بن -غوريون على جميع الذين يشغلون وظائف حكومية ’ كرمز للعودة العقلية للماضي العبري القديم‘ .
في عام 1953، لعب دينور دورا محوريا في إصدار وتنفيذ ثلاثة قوانين: قانون التعليم الحكومي، وقانون تذكر الهولوكوست- ياد فاشيم- والقانون الذي أدى إلى تأسيس أكاديمية اللغة العبرية. يمكن اعتبار الكثير من القوانين التي صدرت في خمسينيات القرن العشرين وبين أشياء أخرى، بأنها تشكل مجتمعة ترسيما للأسطورة الصهيونية التأسيسية . ويجدر التأكيد على أن دينور هو الذي أقام الأساس الثلاثي لبث الأسطورة من خلال المنهاج التعليمي الرسمي على شكل ثلاثة حقول إلزامية هي: الكتاب المقدس، الأرض الأم، والتاريخ اليهودي.وكما يقول رام عن ذلك، لقد منح المؤرخ من قبل مؤسس الدولة، ديفيد بن- غوريون، فرصة نادرة لكي يخط الحكاية التاريخية التي كان قد ألفها في كتب التاريخ المدرسية الرسمية لدولة إسرائيل .
ليس هناك من خلاصة أفضل عن بن-زيون دينور، السياسي والمؤرخ القومي الذي لا يعلى عليه، مما وضعه هو نفسه من تأملات:

إن أربعة آلاف عام من التاريخ اليهودي هي قوية جدا إذا ما عاشت في قلوب الناس، وهي لا تساوي شيئا إذا ما سجلت فقط في الكتب. إذا كنا نريد أن نكون الوارثين للشعب اليهودي، علينا أن نبث هذه الآلاف الأربعة ن من التاريخ في قلب كل فرد . المهمة صعبة.بذلت أقصى ما أستطيع من أجل إنجازها .

المؤرخ الصهيوني في صهيون

كان أول مشروع عمل بايير ودينور معا عليه بعد تعيين دينور عام 1936، هو إصدار سلسلة جديدة من المجلة الشهيرة ’صهيون‘ التي صدرت أول مرة في عام 1925. تم اتخاذ القرار بالمباشرة مجددا بإصدارها ليس من أجل الإنطلاق بتوجه جديد لها بقدر ما كان الهدف هو تحديد وجهة الدراسات التاريخية في الجامعة العبرية. كان واضحا أن بايير كان في حاجة لكي يبقى دينور إلى جانبه في هذا المجال. تم تقديم السلسلة الجديدة ببيان كتبه الإثنان للعدد الأول بعنوان ’ هدفنا‘ ( ’إلى أين نحن متجهون‘ حرفيا). وهو نص يعود إليه الباحثون ويقتبسون منه بكثرة ومنهم مايرز وراز-كراكوتزكين. وبينما يتفق الجميع على أن المقالة طرحت وعيا قوميا-تاريخيا، فقد كان راز-كراكوتزكين وأنا الوحيدين اللذين رأيا أن المقالة المذكورة قد تضمنت حركة ثنائية-وربما دياليكتيكية-للباحثين الوسيطيين. فمن جهة، تمكن أولئك الباحثون المقدسيون من دمج تاريخ المنفى في حكاية ترابية من خلال نزع التاريخية عنه وتحويله إلى ماهو جوهري، وبذلك توفير الأساس التاريخي لأمة حديثة بصفتها شيئا كليا محملا بذاته ويطفو في زمان (حديث) فارغ ومتجانس. من جهة ثانية، فإن هذا الدمج الذي يشكل أكبر تعبير أساسي ومنهجي عن نفي المنفى، بالنسبة للمضمون الثقافي والإجتماعي والسياسي- أي، التاريخي- لمختلف المجتمعات اليهودية، قد تم اقتلاعه جذريا. فأزمنة المنفى وأمكنتها ليست ذات أهمية في حد ذاتها. والمهم هو الطريقة التي يتم فيها تعليم مجتمعات الشتات اليهودي كيف تحافظ على جوهر الأمة وتعبرعنه.
هناك مقطعان هامان في ’ هدفنا‘، أولهما هو أنهما لايتركان مجالا للشك، والثاني هو أنهما قد تم دعمهما بكم هائل من التأريخية:
يعادل التاريخ اليهودي حوليات الأمة اليهودية، تلك الحوليات التي لم تتوقف أبدا، ولم تنقص أهميتها في أية فترة أبدا. التاريخ اليهودي متماسك ببعضه البعض عبر وحدة متجانسة تشمل كل الحقب والأماكن، والتي تنعكس الواحدة في الأخرى .
ثم:بالنسبة لوضع اليهود في الشتات في حقب مختلفة، لا نعتقد أن الشيء
الرئيس الذي يجب أن يكون هو مناقشة، والبحث في الظروف الخاصة في كل
بلد من البلدان ( أي البلدان المضيفة ) وإنما ينبغي التطلع إلى اعتبار
وإيضاح العبر من الظروف التي اشترك فيها ’الشعب اليهودي في الشتات‘،
في كل جيل من الأجيال .
في إطار هذا البيان الأيديولوجي، سوف ننتقل الآن للغوص أعمق قليلا في الأعمال الفردية لكل من بايير ودينور، وبخاصة في كيفية تعاملهما مع باحثي القرن التاسع عشر من اليهود الألمان. كان تناول باحثي القدس لإسلافهم من المفكرين، كما أعتقد، ليس مجرد عدم إتفاق بحثي أو تمرد جيلي: بل كان أيضا تعبيرا مثيرا جدا عن نفيهم الأساسي للمنفى. هناك أربعة مسالك متميزة (يشترك مؤرخون آخرون في بعضها) بالنسبة لانخراط باييرفي التاريخ الصهيوني: رفض عالم الأسلاف، ذلك العالم الخاص بحقل الدراسات اليهودية التي اعتمدت الأساليب العلمية في القرن التاسع عشر- الويسيننشافت، الذين كانوا يجسدون الإلتحام بين التنوير الألماني والتحرر اليهودي، ثم استبدال هذه الحساسية العلمية اليهودية- الويسينشافت. بالرومانتيكية الصهيونية. الإصرار على الوحدة العضوية للأمة اليهودية. والقناعة بأن المحافظة قد حملت دائما جوهر اليهودي. قد يكون مثيرا أن أقوم بنثر ملاحظاتي جنبا إلى جنب مع تجليات أحد تلاميذ بايير المميزين والمحترمين، رغم كونه ناقدا شديدا ، وهو إفراييم شميلي. فهو قد أهدى لبايير دراسته الهامة حول الشخصية اليهودية الإيبيرية الشهيرة ، الدون إسحق أبرافانيل، ولكنه لم يتردد مع ذلك في رفض الكثير من أطروحات أستاذه وكذلك أطروحات دينور .
في تأريخ بايير، تتشابك المفاهيم الخاصة بالتاريخ اليهودي والأمة اليهودية على نحو عضوي غير قابل للفصل. كثيرة هي الأمثلة على ذلك التشابك، ويقدم شميلي بنظرة ثاقبة واحدة من أبرزها (قبل المضي إلى رفضها). وهي آسرة ليس فقط بسبب صياغتها، وإنما كذلك بسبب وضعها عند افتتاحية عمل بايير المركزي الذي هو دراسته عن اليهود في العصر الوسيط المتأخر في أسبانيا المسيحية: ” يشكل التاريخ اليهودي، منذ بداياته المبكرة حتى يومنا هذا، كلا عضويا. تفصح كل مرحلة تالية في تطورها وعلى نحو أكبر، عن طبيعة القوة الفريدة التي توجهها، وهي قوة هناك إعتراف عالمي بحيويتها الأولية، والتي يثير مسارها المستقبلي الإهتمام. فلتكن هذه الملاحظة مفتاح دراستنا هذه ” .
في كتاب آخر صدر في عام 1955، وسعى فيه بايير إلى موضعة ’ الشعب اليهودي بين الأمم‘، أطلق بايير تصريحا قويا آخر، وإنما بإضافة بالغة:
تتضمن كل مرحلة من مراحل التاريخ الطويل لأمتنا سر كل المراحل، السابقة واللاحقة. وفي النهاية، سوف لا يبقى من كلالبنيان الميتافيزيقي- التاريخي للقدامى غير أعمدة ضخمة كان الأتقياء القدامى قد غرسوها في تربة أرض إسرائيل، وهي مزروعة في قلبكل رجل، وسوف تؤشر إلى مكان إسرائيل ( هنا إسرائيل تعني الشعب اليهودي) المستقبلي بين الأمم .
ينقلنا ذكر الأتقياء إلى الأساس الثاني في بنيان بايير التاريخي، وذلك لأن فرضيته القائلة بأن التاريخ اليهودي والأمة اليهودية ملتحمان عضويا عبر الزمان والمكان، قد مشت يدا بيد مع الرفض الرومانتيكي للعقلانية والتنوير. وقد وجد هذا الرفض تعبير بارزا في ما يسميه شميلي وبجدارة ب ’ أشكنزة التاريخ السيفاردي‘ ، وبشكل أكثر عمومية، في إيمان باييرالصارم بأن التقوى هي جوهر اليهودية. كان بايير كارها للنخبة اليهودية الإيبيرية. فقد كان يعتقد بأنها شذت عن جوهر التقوى اليهودية، وأنها اغتربت عن الجماهير بسبب أسلوب حياتها المتفسخة. حقا، فقد كان المدى الذي ذهبت إليه نحو الإنصهار يشكل خطرا على استمرارية الأمة اليهودية. انعكست هذه الحالة غير المستقرة بقدرة إلهية مع وصول قيادة الأتقياء وروحهم الأشكنازية إلى الجزيرة الإيبيرية، وتحول مركز اليهودية من السيفاردية إلى الأشكنازية. وعبر المسيرة، ابتدع بايير سلسلة من الثنائيات، أهمها ما بين العقلانية الفلسفية للنخبة والتدين الورع لعامة الناس. يعلق ماييرز بصواب قائلا: في خطة بايير، تم استبعاد طبقات كاملة من اليهود- الإسكندريين الذين تأثروا بالهللينية، والإسبانيين من أتباع إبن رشد والتنويريين الألمان المحدثين – من الدائرة الضيقة للفعاليات التاريخية الفاضلة .
بالنسبة إلى بايير، ظهر الجوهر اليهودي للتقوي خلال القرنين الأولين ق. م. من خلال بعض الأجيال من المفكرين الزهاد، وظل ذلك يشكل أساس وجود الأمة بكل تنوعاتها الجغرافية. وكما يصوغ شميلي ذلك، ، رأى باييرجوهر اليهودية بأنه’الإجراء الذي يتم تعريف المحظور والمسموح به مقارنة به . وفر بايير لماهويته صيغة محكمة في عام 1938، وذلك في مراجعة نقدية عنيفة للذروة الضخمة من أعمال سالو بارون “تاريخ إجتماعي ديني لليهود‘ (1937):
إن المعركة ضد التنوير، التي تبدأ في أسبانيا مع يهودا هاليفي، وتتصاعد بتأثير من الكبالا، وبحركة التقوى الألمانية ، مناهضة للعقلانية، مناهضة للعلمانية، وحركة مناهضة للرأسمالية، وهي شبيهة بحركة الأنبياء، والفريسيين وعلماء الميشنا. إنها تحول الشعب إلى بروليتاريا دينية .
هناك منطق ما في رؤية ذلك الجهد الحياتي لباحثي القدس على أنه علاقة ثنائية من التمرد والإستمرارية مع علوم أجدادهم. كان ذلك كما سنرى، هو الحال مع شوليم. وكان تمرد بايير ضمنيا في بعض الأحيان: فاعتراضه على الإسراف في منهاجية الإعتماد على النص والتأكيد الأدبي لباحثي القرن التاسع عشر هو ما اقتبسه من توبلر وتردد صداه في أعماله من خلال التأكيد على المواضيع الإجتماعية، وكذلك في استعمال الوثائق الأرشيفية . ولكنه في الان ذاته هاجم علنا باحثي القرن التاسع عشر بسبب التزامهم بالتنوير وبسبب فشلهم في عدم الإنتهال من نبع الرومانتيكية. في عام 1938،كتب مقالة برنامجية قصيرة كثيرا ما تم إهمالها، بعنوان ’عن حال دراساتنا التاريخية‘ أوضح فيها ما كان حسب رأيه ناقصا في أعمال سابقيه التأريخية . أعتقد أن هذا النص لم يلق الإهتمام الذي يستحقه: فهو ليس أقل من تعبير عميق وقوي عن نفي المنفى.
يبدأ بايير بطرح السؤال التالي: لماذا لم يتم حتى الآن إنجاز المهمة الأساسية للدراسات الينهودية على مدى القرن الماضي- تحويل وتطبيق المنهج التاريخي الحديث على مواد التاريخ اليهودي . التفسير الرئيس لذلك، كما يقول، هو واضح: الأمة اليهودية قد تحولت عن طريق العالم الكلاسيكي وتراثه نحو الحضارة الأوروبية. ففي المنفى، وحتى القرن الثامن عشر، كان ’المنهج التاريخي‘ يقمع من جانب ’المنهج الديني‘. وكانت النتيجة هي أنه فيما كان الفكرالحديث يتطورعضويا بين الأمم الأوروبية (بفعل الحياة الطبيعيةلهذه الشعوب)، كانت هذه المناهج الخاصة بالبحث التاريخي بالنسبة لنا نحن اليهود نتسلمها فجأة وبدون سابق استعداد . وبمنطق المتكبر، يصل بايير إلى أنه: ’ لهذا السبب، اضطر مندلسون أن يطلب من صديقه كريستيان دوم أن يكتب كتابا عن تصحيح الوضع المدني لليهود، ليس فقط من أجل اعتبارات تكتيكية، وإنما لأن اليهود كانوا يفتقرون إلى المعرفة التاريخية والسياسية التي كانت مطلوبة لمناقشة الموضوع‘ .
ثم ينتقل بايير إلى المؤرخ الألماني الرئيس في القرن التاسع عشر – لا يعني هذا أنه الوحيد- الذي خاض معه كل المؤرخين اللاحقين معارك: هاينريك غريتز ( 1817-1891) الذي أسس التاريخ اليهودي كحقل قومي ’خالص‘. كان غريتز كاتبا غزيرا. وعمله الرئيس كتاب من أحد عشر مجلدا بعنوان ’تاريخ اليهود‘ كتبه بين عامي 1853و1875. يتوسل بايير إلى قرائه اليهود الصهيونيين أن يقدروا ضخامة العمل غير المسبوق الذي قام به غريتز. ورغم أن إعجاب بايير هو إعجاب صادق، فإ المرء يحس بتحفظ مكتوم. فالضربة تلي المديح. المجلدات الثلاثة الأولى جيدة وفقا لبايير ( المجلد الثالث يصل حتى نهاية فترة المعبد الثاني). ’ تتضح الفوضى في المجلد الرابع، وهو المخصص لحقبة التلمود‘ . بالنسبة لبايير، فإن المشكلة تكمن في أن عمل غريتز
يفسر تطور اليهودية الداخلي على أنه في معظمه تجميع لنكات تفقد تحت
قلمه قوتها الأصلية وحيويتها، فتتحول إلى قصة قاحلة استخلصها من مصادر
حول تطور الهالاخا. فنقده (للمصادر القانونية اليهودية) رسمي-عرضي وليس نقدا خصبا كذلك الشبيه بالتحديق الذي يخترق سر ولادة ونموالكائنات
الثقافية الخلاقة، والتي تغوص في سرعين العقل للقارئ بفن يشبه فن فنان
عظيم .
بعد ذلك يقرر بايير أن يسمي الأشياء بأسمائها:
هناك جذور أشد عمقا لضعف غريتز…تنبثق أحيانا غريزة تاريخية وتطفو على عقله كشعلة ملتهبة أو مضيئة. غير أن أسس معرفته ليست في عالم الفكر التاريخي. تحدث البعض منا في الآونة الأخيرة عن تأثير رانكه على غريتز وتجرأ البعض على إجراء مقارنة بين المؤرخين. إن حقيقة الأمر هي أن غريتز، شأن جميع أتباعه ونقاده،قد اغترب عن الآراء التي طلعت من الرومانتيكية، من أناس مثل نيبور،
رانكه وآخرين…..ففي كتاب غريتز( تاريخ اليهود) لا يمكن العثور على
أية علاقة حقيقية أيا كانت مع الرؤى العظمى التي تطورت في العلوم
التاريخية في ألمانيا في ذلك الحين. ما أكبر الهوة بينه(غريتز) وبين كبار
المؤرخين ( الرومانتيكيين) المذكورين الذين سبقوه .
ثم يسرع لكي يوضح:
ليس القصد من التأكيد على المقارنة المطلقة بينه وبين هؤلاء المؤرخين
العظماء هو التقليل من شأنه. فغريتز لم يذهب لكي يتعلم من أولئك الذين
خلقوا علم التاريخ في ألمانيا، سواء منهم مباشرة أم من كتبهم. فهو قد
استوعب من روحهم وأسلوبهم فقط ما استطاع العثور عليه في أعمال
اللاهوتيين المسيحيين ولغويي العلوم الشرقية. فمثل معظم زملائه في
الدراسات اليهودية، كانت ماهية روحه عقلانية وفقا للتراث الفلسفي
للعصور الوسطى (قد يكون بايير يفكر في مايمونايدس’ إبن ميمون‘)
وعلى نحو مترادف مع صياغات القرن الثامن عشر .
يحاول بايير أن يشرح بدقة أكبر تلك الروح الرومانتيكية التي يجادل في أنها غير موجودة في التأريخ اليهودي:التاريخ الرومانتيكي الألماني الذي لايلتقط بوضوح تلك الطاقة الأخلاقية الداخلية للأمة وحيوية قوتها الخلاقة، وتؤطر الأشياء التي لايمكن اختزالها إلى تجريدات، وإنما الإحساس بها ’الذي يمكن إيقاظه في قلب الرائي‘. وهو يقوم بذلك بذكر رانكه وأحد أساتذته في فرايبورغ، وهو ماينيكه ( من ’ تطورالتاريخانية‘ عام 1936). يسمي الآخر ’ أحد آخر مدرسي التاريخ العظام‘ . لأجل تذكر نقطة سابقة ، فإن سعي بايير الذي لا يكل من أجل العثور على حضور رومانتيكي ألماني في التاريخ اليهودي، إنما يذكر بسعي هرتزل الحثيث على الصعيد الأدبي من أجل تقبل الأرستقراطية الألمانية لليهود، وذلك في
’ الغيتو الجديد‘ و’الأرض القديمة الجديدة‘.
ولكن لماذا ينبغي أن يشكل غريتز وسابقوه المنتمون للقرن التاسع عشر تجسيدا أساسيا للتعبير عن نفي المنفى؟ ولماذا اعتقد بايير أن غريتز لم يستطع أن ينهل من نبع التأريخ الرومانتيكي- الذي كان مجرد تأريخا حديثا بالنسبة إلى بايير- وأن مندلسون كان بحاجة إلى دوم لكي يكتب له كتابا يتضمن معرفة بالتاريخ والسياسة؟ لماذا كان غريتز، وفقا لبايير، غير قادر على الإمساك بالحيوية الخلاقة للأمة اليهودية وتجلياتها العضوية وتصويرها؟ لماذا لم يستطع ’الإحساس‘ بالأمة؟ من المؤكد أن بايير لم يعتقد بأن غريتز كان عاجزا فكريا عن استيعاب النظام التاريخي، أو أنه لم يكن متجذرا على نحو كاف في الثقافة الألمانية لكي يكون على علم بالتاريخية الرومانتيكية. فالسبب كامن في أغوار عقل بايير على نحو يكاد يكون فيه غير قابل للإدراك ذاتيا: فقد كان غريتز ومعاصروه جميعا في المنفى، ولا يشكلون جزءا عضويا من الأمة التي يعيشون فوق ترابها. وبايير كان يرى أنه لكي يحس المؤرخ ويستوعب أمته عقليا، عليه أن يقيم في وسطها ويجب أن تكون الأمة متمتعة بالسيادة فوق ترابها. لم يتمكن غريتز وزملاؤه ’الإنصهاريون‘ من كتابة تاريخ أصيل لأن وضعهم وتجربتهم لم تكن أصيلة: بل كانت خاصة بالمنفى. في تعبيره عن الأسطورة في شكلها الخاص بالعودة للتاريخ، يقول بايير:” يجب فهم أن المنظور التاريخي يولد ويكبر في الأمم من خلال الوعي السياسي الذاتي، وأسلوب حياة عادية هادفة‘ .
تبلغ مجادلة بايير ذروتها في محاولته منح المؤرخ الصهيوني موقعا متميزا، مطلقا ونسبيا مقارنة بأسلافه الذين في المنفى. يوضح أولا أن ’تاريخ (نا) هو عملية تطور قوة عظيمة‘، ثم يعلن مؤكدا:
نحن الذين نعي أننا نشكل جزءا ، وأننا رسل هذه القوة الرائعة والمذهلة، لا
يمكننا نكران مثل هذا الوعي. فالمنظور الصهيوني الذي ننطلق منه نحو بحوثنا
التاريخية، لا يهدف إلى تشويش الأشياء لأغراض معينة كما كان الحال بالنسبة
للرؤى الخاصة بالأجيال السابقة، بل إنها تجبر الرائي على رؤية الأشياء كما هي
عليه. ندرك أننا تسلمنا الإرث الصعب لتطور تاريخي معقد، ونرى ذلك على أن
واجبنا هو أن نفهم ظروف هذا التطور بكل تعرجاته المتنوعة، لكي نتخلص من
من ورطة الأجيال الماضية. وفي الحقيقة، فإن هذه الواقعية التاريخية مهيئة حقا من
من أجل عظمة هذه القوة التاريخية. وبعد كل ذلك، فإنه ليس من واجب النقد
التاريخي أن يعين التناقضات في التراث….. وإنما يمكن للمرء أن يخترق من
من خلال النقد التاريخي سر الظواهر التاريخية والتي هي نوع من الشخصية التي تتطور وفقا لقوانينها الخاصة التي تنبع من أعماق روحها .
تشكل مقالة باييرالهامة مشروعا موجزا لباحثي القدس. فهي تحتوي على نفي مزدوج للمنفى: لليهود الذين في المنفى من خلال إدماج تواريخ تجاربهم في حكاية ترابية ذات تجانس عضوين ثم وعي المؤرخين اليهود الألمان للقرن التاسع عشر لأنهم كانوا يكتبون من منظور المنفى. إن سؤال الموضوعية والذي يمت بصلة إلى التعبير الثاني من الأسطورة، هو نقطة مطولة سوف تظهر ثانية مع أعمال شوليم. هناك سوء فهم في اتهام بعض النقاد لباحثي القدس بأنهم يدعون الموضوعية بالمعنى الحرفي كما لو أنهم ضيقو الأفق أو مثقفون مغفلون. إن ادعاء بايير بامتلاك الموضوعية والسلطة والمصداقية هو ادعاء يندرج في المعنى الرومانتيكي. فباحثو القدس قد كتبوا تاريخا ’ صحيحا‘ لأنهم كانوا صهيونيين، ولأنهم كتبوه في القدس، لأن هدف التاريخ اليهودي بالنسبة لهم لا يبلغ ذروته فقط في الحاضر الترابي، بل إن هذا الحاضر يتجسد أيضا في المؤرخ الصهيوني في القدس ومهمته. وفي النهاية، وكما يتفق راز- كراكوتزكين في الرأي، فإن هذا هو السبب في أن الوعي التاريخي الصهيوني هو وعي المنتصر بغض النظر عما إذا كان مسرفا في استغلاله البكائي لما أصاب اليهود من اضطهاد. ولهذا السبب يمكن للنقد البنجاميني أن ينقذ صوت المنفى المنفي، سواء كان يهوديا أم فلسطينيا.
على الرغم من أن دينور كان باحثا أقل درجة من بايير، فقد اتخذ موقفا سلبيا مشابها بالنسبة للجيل السابق من المؤرخين اليهود. فعل ذلك في إطار ما يشكل بصمته الخاصة على مشروع القدس الخاص بإيجاد تأريخ صهيوني، هو عمل التجميع: النوع التاريخي الخاص بتجميع النصوص والوثائق المحررة التي يتمثل غرضها في توفير مستودع قومي دال على الذات. كانت أهمية مثل هذا العمل قد توفرت لدى دينور بفعل تقليدين مختلفين. الأول هو مركزية التجميع في التأريخ القومي الألماني، بدءا من ’ صرح التاريخ الألماني‘ في عام 1826. والثاني كان تاثير حاييم نحمان بياليك، الشخصية العبرية الأدبية الأبرز في زمانه، والذي توج لاحقا بأنه الشاعر العبري القومي. كان دينور قد التقى بياليك مرتين في أوديسا،أولا في عام 1911 وثانيا قبيل هجرة دينور إلى فلسطين في عام 1921. كان هذان اللقاءان مميزين ليس فقط لأن بياليك قد شجع دينور على ’ التجميع‘ من أجل القضية القومية، وإنما كذلك لأن طريقة فهم دينور لموضوع التجميع تشكل مؤشرا على قناعته بانتصار الصهيونية، وذلك في ضوء الوقت المبكر الذي ظهرت فيه هذه الثقة بالنصر. كان الوقت بالنسبة لبياليك ودينور ناضجا من أجل أن يحتل التجميع مكانة متقدمة في عملية التاريخ اليهودي- ولذلك كانت ملاحظة دينور في عام 1958 حول أن مهمة التجميع ستكون بمثابة التعبيرالثقافي-الأدبي عن انتصار الرؤية العالمية الجديدة- وأن محور كل عمليات التجميع في جيلنا الراهن هي الإيديولوجيا الصهيونية .
كان موضوع عمل دينور الرئيس المعنون ’ الشعب اليهودي في الشتات‘ هو نفس موضوع بيان بايير-دينور، ’ هدفنا‘، وقد تم تحضيره للدمج في الحكاية العضوية. كان موضوع التجميع أكثر طموحا من النتائج التي تتألف من مقدمة مطولة يليها كم ضخم من النصوص والوثائق التي لاتثير ما وعد به من إعجاب. تم إصدار المجلد الأول في عام1926، ثم صدرت نسخة ثانية موسعة في عام 1958. وصدرت نسخة مترجمة إلى اللغة الإنجليزية في عام 1969 كتب بايير مقدمة لها بعنوان ’ بن زيون دينور:المؤرخ اليهودي‘ . في نطاق إهتمامنا هنا، لعل أهم جزء من هذا العمل هو المقالة الإفتتاحية المطولة التي يطلق فيها دينور بيانه التأريخي، وأهم ما فيها هما مكونان يتضمنان تقسيم تاريخ اليهود إلى فترات شاملة، ثم نقده للمؤرخين اليهود المتعاصرين المبكرين في أوروبا.
سعى دينور أن يكون مختلفا عن العملية التقليدية لتقسيم المنفى إلى فترات، والذي اعتبر أنه بدأ خلال القرنين الأولين بعد الميلاد و قرنه بحدثين هما تدمير الهيكل الثاني من جانب الرومان خلال القرن الأول، ثم قمع تمرد باركوخبا في القرن الثاني. غير أن المهم هنا هو أن دينور قد دفع قدما بداية عهد المنفى ل ’إسرائيل في المنفى‘ نحو السيطرة العربية –الإسلامية على فلسطين في عام 636ميلادية فصاعدا. إن ما يجعل هذا التغيير مثيرا للانتباه هو تبريره. فدينور على دراية تامة بأن التبعثر اليهودي في البحر المتوسط قد سبق الغزو العربي- الإسلامي، وأنه كانت هناك الكثير من التجمعات اليهودية خارج فلسطين في شرق وغرب (بيزنطية) الإمبراطورية الرومانية، وأن أغلبية ’الأمة اليهودية‘ كانت تقيم خارج
’ بيتها القومي‘. ولكنه يفسر ذلك ، على أنه على الرغم من ذلك، فإن متغيرين اثنين قد أقنعاه بتأخير تاريخ بداية فترة المنفى: الأول هو الفارق بين مجرد تبعثر جماعات يهودية في أراض أجنبية والواقع الفعلي لكون ’إسرائيل في الشتات‘. أما الثاني فهو الطابع الخاص لكون ’ إسرائيل في الشتات‘ . وبكلمات أخرى، كان الشيء الهام لدينور ليس الحقيقة البسيطة المتمثلة في كون اليهود قد تبعثروا ويعيشون في مناطق مختلفة من المنطقة، وليس فقدان السيادة السياسية بحد ذاتها، وإنما النقطة التي رآها هو نفسه، وهي أنهم قد أصبحوا أمة في وفقدوا في الآن ذاته قبضتهم على بيتهم القومي . المنفى
يقدم دينور صيغة مكتملة ومحكمة للطريقة التي تؤدي إلى أن تكمل صيغتان من تعبيرات الأسطورة – نفي المنفى والعودة إلى أرض إسرائيل- بعضهما بعضا، أي الطريقة التي تكون فيها الأمة والبيت القومي في حالة نفي متماثلة. فعملية ذهاب البيت القومي للمنفى هي، وفقا لدينور:
عملية إجتماعية واستعمارية…تكون فيها العناصر الرئيسة، أولا، التغلغل المتواصل للقبائل البدوية الصحراوية إلى فلسطين واندماجها بالعناصر غير اليهودية ( سورية_أرامية) من السكان،وثانيا، سيطرة المحتلين الجدد على زراعة البلد ومصادرة الأراضياليهودية لفائدتهم .
كان ذلك ’صراعا طويلا‘ بدأ قبل القرن السابع بكثير، غير أن الحدث الحاسم …كان الغزو العربي لفلسطين وما نتج عنه من مصادرة الأراضي البهودية من قبل المحتلين، وانبثاق أغلبية قومية جديدة في البلاد. تلك كانت إذن، هي اللحظة المناسبة لاعتبارها نقطة بداية مرحلة
’ إسرائيل في المنفى‘ .
يركب دينور مخططا بسيطا بشكل ما، حيث يقوم فيه باستعراض أسلافه من أجل إصدار الحكم عليهم. أولا، يتم الإفصاح عن خمس نقاط أساسية باعتبارها الشرط المسبق للتنظير السليم في شأن التاريخ اليهودي. ثم يتم استعراض أعمال خمسة مؤرخين بارزين يهود ضمن عملية تقييم بدلا من مناقشتها، وذلك قياسا بالأسس الخمسة التي بينها سابقا. يركز دينور هنا على مؤرخين يهود من أصول ألمانية أو أوروبية شرقية وهم: مردخاي جوست (1793-1860)، هاينريك غريتز سابق الذكر ( 1817-1891)، ابراهام غيغر (1810-1874)، سيمون دوبنو (1860-1941)، وأوجين توبلر ( 1879-1953) وهو المدرس الذي أشرف على دينور وبايير سابقا. وفي القسم الأخير من مقدمته، يصف دينور الطريقة الصحيحة التي يجب التعامل بموجبها مع المبادئ الأساسية الخمسة الخاصة بالكتابة، من أجل كتابة تاريخ يهودي ’ صحيح‘، ويكرر عرض المكامن التي أخطأ فيها المؤرخون، والأهم من ذلك، هو أنه يختم مقدمته في أن ذلك كان فشلا جماعيا . تشكل مراجعة دينور في إطار مخططه لأسلافه – كما لو أنه يصحح أوراق إمتحانهم- أداء تبسيطيا شديدا لتجليات الأمة العضوية في مسيرة ’عودتها‘ إلى صهيون. فالحكاية عملية تأريخية واضحة، ولكنها في الآن ذاته كامنة تاريخيا- بمعنى أنها لا تكتفي بالحكم على الجيل السابق من المؤرخين، وإنما تقود الوعي التاريخي للأمة والكتابة التاريخية أيضا ’رجوعا‘ إلى الصهيونية. وهذه المسيرة الخاصة بالروح التاريخية إنما تشاهد من على قمة جبل سكوبوس من قبل المؤرخ الصهيوني ( دينور تحديدا والمؤرخ الصهيوني بشكل عام) الذي إليه تقود المسيرة وبه تكتمل.
هكذا تم تفحص مخطط دينور برضى تام . غير أن هناك نقطتين لا بد منهما في هذه المناقشة حول مساهمة دينور الواضحة في الدور الذي يؤديه باحثو القدس من أجل الدفع قدما بالأيديولوجيا الصهيونية. فدليل دينور في شأن كتابة التاريخ اليهودي بشكل ’صحيح‘ إنما يحدد حدود الكلام التاريخي الصهيوني من خلال التأكيد على الوحدة العضوية للأمة في المنفى، وحقيقة أن تاريخ الأمة في المنفى قد تم تشكيله بفعل جوهره الداخلي وليس بفعل ظروفه الخارجية و- مركزية أرض إسرائيل الرمزية والفعلية بالنسبة للوجود المتواصل لليهود كأمة في المنفى . فالنقطة الأولى إذن هي مدى انزعاج دينور من التأكيد الذي يضعه أستاذه توبلر على الظروف المكانية والزمانية لكل مجتمع في الشتات, بدلا من الوحدة العضوية الداخلية. فدينور منزعج بشكل خاص من حقيقة أن موقف أستاذه من موضوع الوحدة العضوية متخلف كثيرا وراء مؤرخين يهود آخرين كانوا قد كتبوا قبل توبلر. يقتبس دينور مقطعا طويلا من توبلر، وهو يثير الرعب في المؤرخ الصهيوني لمجرد أنه يكبل الوعي في المنفى. كذلك فإن قلق المؤرخ الصهيوني يتضاعف بفعل حقيقة أن هذا الوعي يتم التعبير عنه ليس بمصطلحات حاخامية، وإنما بمصطلحات تأريخية حديثة. يقول توبلر:
كانت التقلبات المترددة في عملية دمج اليهود في الجسد السياسي الألماني،
تتحدد بالظروف القانونية والاقتصادية والثقافية للشعب الألماني. كانت تلك
الظروف بدورها عظيمة التأثير في تحقيق ’التغير الداخلي‘ في العنصر القومي
لليهودية. ويتحتم علينا في ضوئها، أن نتفحص التأثير الذي يمارسه العنصر
اليهودي في السكان على التطور الروحي والإجتماعي للشعب الألماني……
كذلك فإن ’ التاريخ الداخلي لليهود‘( حياتهم الإجتماعية، علاقاتهم المتبادلة،
تطور ديانتهم، أدابهم وتقاليدهم) لا يخضع فقط للتأثير الدائم لبيئتهم الغريبة،
وإنما ’يتأقلم‘ معها: النظام القانوني، الاقتصاد، كما يجب التكيف مع الثقافة
العامة للأمم المحيطة كعوامل تحكم تطور الحياة الداخلية لليهود .
من الصعب المبالغة في أهمية ما يقوله توبلر، وبالتالي أثر ذلك على رد فعل دينور المفعم بالقلق. لم يكن توبلر يرسم صورة ريفية للمنفى، كما لم يكن يتسامح مع الإنصهار أو يدعو إلى قومية ألمانية عضوية كبديل للأمة يهودية. بل كان وبطريقته الخاصة يردد وعي المنفى كحالة وجود لليهود فيها عدة تواريخ، حيث تم تأثرهم بمجتمعاتهم المضيفة لهم وهم بدورهم أثروا في تلك المجتمعات. فلو كان هناك إستمرارية تاريخية، على غرار التفكير التاريخي الذي يقدمه توبلر، لكان هذا من حيث الواقع هو المنفى. هناك منطق يشجع على اعتبار موقف توبلر نوعا من التطور المغطى بحلة حداثية للأمر الحاخامي المؤسس
( الأرامي) الذي هو (قانون الأرض هو القانون). فعلى غرار اللغة الحاخامية الموجزة، وبمصطلحات قانونية، فإن هذا الأمريأمر اليهود بأن عليهم الطاعة والعيش وفقا لقانون الكيان السياسي الذي يعيشون تحت سيادته، لوكان ذلك في أرض إسرائيل ذاتها. وبشكل أقل حرفية، فإن الأمر الحاخامي يمكن أن يعني يهودية أن تكون في المنفى، أن يعني المنفى كأسلوب حياة، وكشكل من الوعي.
قد يكون دينور يرغب في أن يكون مجاملا، غير أنه ينتهي غير متسامح، وذلك خوفا من أن يقوم يتدمير اندفاعة عقيدته الصهيونية. يشرح توبلر الخصوصية التاريخية لكل مجتمع، يوافق دينور، ولكنه لا يفعل ذات الشيء من أجل العمليات التي توحد الأجزاء المختلفة من الأمة في كيان واحد…..وهذا ليس العيب الوحيد في أسلوبه. ففي مكان آخر، ولدى تحليل العمليات الدائمة في التاريخ اليهودي…فهو معني بدرجة رئيسة بتعريف العمليات على نحو ( إقتصادي، عام وثقافي) وهو لا يشرح مدى تفاعلها العضوي . في ختام مناقشته لتوبلر، وهو آخر مؤرخ يقوم بتقييمه، يكرر دينور، شأنه في ذلك شأن بايير في تقييمه للتأريخ اليهودي، التساؤل عن الأسئلة التأريخية الأساسية التي، رغم بعض التقدم، لم يتم التعامل معها على نحو مقنع. أحد أهم هذه الأسئلة هو ’حقيقة طبيعة الوحدة التي تربط الأجزاء المتبعثرة من الأمة مع بعضها البعض، ككيان مميز تاريخيا‘ .
اما النقطة الثانية التي سأطرحها حول مخطط دينور، فهي تتعلق بالمفهوم الملازم للأمة العضوية في المنفى، وهو أرض إسرائيل في المنفى. كان المبدأ الأخير من المبادئ الخمسة التي اختبر دينور بها صحة التأريخ اليهودي، ’ مكان أرض إسرائيل في حياة الأمة المنفية‘ . يلخص دينور التقييمات الخاصة بالمؤرخين اليهود في أوروبا بقوله: ” والأخير من أسئلتنا، والذي هوعن ذلك الجزء الخاص بدور أرض إسرائيل في تاريخ الشتات، فالحقيقة هي أنه لم يتم التعامل معه أبدا تقريبا” . وهو صائب في ذلك تماما، وذلك لأنه وبدرجات مختلفة من حيث الشمولية، فإن أيا من المؤرخين الذين درسهم، لم يفكر أن أرض إسرائيل لعبت دوراهاما في تواريخ ’شعب إسرائيل في المنفى‘. وكما هو معروف جيدا، فإن الباحث في الشؤون الحاخامية، غيغر، ، كان واثقا بشكل معياري من الفقدان الواضح للتعلق بالأرض، كما لو أنه يقول ’ خلصنا!‘، وذلك انطلاقا من اعتقاده بأن اليهودية قد استفادت من عدم تورطها بالارتباط بإقليم.
يصدر دينور بيانا توكيديا ومباشرا حول ما يراه بأنه التهميش الشتاتي غير المقبول للأرض الموعودة:
حتى في زمن الشتات، كانت ما زالت أرض إسرائيل وسكانها اليهود
يلعبون دورا له أهمية عامة في تاريخ الأمة. ولم يكن هذا فقط بسبب
الأثر العميق للماضي الذي ظل حيا في قلب الأمة، وفي التطلعات إلى
الخلاص الذي كان يعزز روحه في أوقات التنكيل والإضطهاد، بل كانت
كلها متصلة على نحو غير قابل للانفصال بفلسطين التي بقيت قداستها قائمة.
فالأهمية الخاصة لأرض إسرائيل في فترة الشتات كانت أيضا نتيجة
الفرادة التاريخية والمادية لليشوف، وطبيعته المتميزة بين جميع
التجمعات اليهودية في تبعثرها. لقد نجمت فرادة اليشوف عن ثلاث
حقائق: إستمراريتها التاريخية، جوهرها، وتمام يهوديتها .
لم يكن ممكنا أن تتم صياغة ما هو أنسب لمسيرة انتصار الأمة و’عودتها‘ إلى صهيون من تلك الخاتمة التي يختم بها دينور ’ إسرائيل في المنفى‘:
لإيجاز ما سبق: تشكل الولادة الثانية لإسرائيل جوهر التاريخ اليهودي.
فهي قد استوعبت تجارب وفعاليات الأجيال، وعهد الأجيال. جددت عهدها
مع الأرض إنطلاقا من الشوق، ومن أجل خلق مجتمع جديد لكي يقوم بتجديد
عهد الإنسان مع العهد الأزلي .
خلاصة: نفي المنفى في ياد فاشيم
نظرا لعدم وجود منشئ أول، فلا يمكن كتابة سيرة الأمة ’إنجيليا‘،’ عبر الزمن‘،
عبرخط طويل من السلالات. والبديل الوحيد لذلك التكيف هو ’العودة بالزمن إلى الوراء- نحو إنسان بكين، إنسان جافا، الملك آرثر، وحيثما يلقي مصباح الأركيولوجيا
ضوءه اللاهث. غير أن هذا التكيف مع ذلك يعترضه الموت، الذي يبدأ بفعل ارتكاس
غريب لتأصيل تقليدي من حاضرمنشئ. فالحرب العالمية الثانية هي التي تنجب الحربالعالمية الأولى، ومن معركة سيدان، تأتي أوسترليتز، وجدة إنتفاضة وارسو هي دولة إسرائيل.
(بينيديكت أندرسون، مجتمعات متخيلة، 1991، ص.205)
في إبريل 2001، نظمت مؤسسة ’يادفاشيم‘ والجامعة العبرية مؤتمرا حول الذكرى الأربعين لمحاكمة أيخمان تم استهلاله بخطاب إفتتاحي رئيس لأنيتا شابيرا. وقد نشر نص الخطاب لاحقا من قبل مؤسسة ياد فاشيم بعنوان باللغة الإنجليزية هو ’حنة أريندت وحاييم غوري: رأيان في محاكمة أيخمان‘، والذي لا يعبر عن العمق الأيديولوجي للمضمون ولا العنوان العبري الذي يمكن ترجمته حرفيا إلى ’ محاكمة أيخمان: الأشياء التي ترى من هنا لاترى من هناك‘ . يوضح النص الذي يتأرجح بين ماهو مدهش وما هو شائن، عمق استيعاب الأسطورة من قبل أجيال المؤرخين الإسرائيليين الصهيونيين الذين تربوا، مباشرة أو نحو ذلك على أعمال الآباء المؤسسين المقدسيين. تبين شابيرا، بإسهاب- وربما بغباء- عدم الإستعداد لمجابهة إمكانية أن يكون نفي المنفى أعمق وأخطر من أن يتم فقط تجاهل أو تجاوز أو شتم يهودية المنفى. كذلك فهي تبدو غير مدركة أن فرضيتها بأن مجرد الوجود في دولة قومية يهودية في أرض الميعاد هو الوضع الصحيح الذي سينبثق منه التاريخ اليهودي والإحساس بالتجربة اليهودية – من غير قول شيء عن المحرقة تحديدا- والذي يشكل بحد ذاته التعبير عن نفي المنفى. ضمن هذا المضمون ، تتضح أهمية العنوان العبري: فكما سنرى، إن وجود شابيرا ’هنا‘ ( فلسطين /إسرائيل غوري) قد وفر الإقتراب من التجربة اليهودية، بينما الوجود ’هناك‘ ( أوروبا أريندت) قد خلق البعد والاغتراب عنها. بل إن شابيرا ترى أن
’ هنا‘ و’هناك‘ مقابل المحرقة، هو شيء ملموس وليس حيلة أيديولوجية . ويبرهن مدى انغراس كل ذلك في وعي شابيرا على عمق هيمنة الأيديولوجيا الصهيونية: هكذا يبدو أن أسطورتها التأسيسية موجودة وجوديا هناك.
تستدعي شابيرا غوري وأريندت كمثلين على ردود الفعل ذات الأشكال المختلفة على حادثة معينة ( محاكمة أيخمان) وذلك قبل التحول إلى النظر في ’ كيف أن بعد نظرهما قد أثر في الرأي العام على المدى القريب والبعيد‘ . فالثنائية التي تتحدث عنها شابيرا بسيطة جدا. يمثل غوري التجسيد لليهودي الجديد. ولد في تل أبيب عام 1923، ودرس في المدرسة الزراعية خضوري قرب جبل طابور، وكان معه فياه إيغال ألون وإسحق رابين. وبعد الحرب العالمية الثانية، أرسل غوري إلى أوروبا وبقي هناك لعامي 1947-1948 واتصل بالناجين من الهلوكوست وقام بتدريبهم وتلقينهم العقيدة في هنغاريا وتشيكوسلوفاكيا. ثم حارب غوري في صفوف البالماخ، وهي وحدة النخبة في الهاغاناة والعمود الفقري للجيش الإسرائيلي في حرب 1948، وانضم إلى حزب العمل المابام الذي كان يقوم بتحدي الماباي المسيطر. اشتهر غوري بأنه شاعر جيل 1948 المعروف عبريا بإسم ’دورتاشاح‘. وقد تحولت قصيدتان له إلى أغنيتين معبرتين عن مشاعر الإسرائيليين في حرب 1948 ,وأصبحتا شبه نشيد وطني. فالأولى هي قصيدة ’ باب الواد‘ والعنوان هو إسم تلة عربية يتجه القادمون من تل أبيب إلى القدس عبرها ، وهي تحيي ذكرى القوافل التي كانت تحاول الوصول إلى اليهود المحاصرين هناك. أما القصيدة الثانية، فهي بعنوان ’ الرفاق‘.
كانت شابيرا تعتبر أريندت كمفكرة نخبوية أوروبية ، وبأنها على الرغم من كل ما حدث، فهي كانت تفخر بمكانتها في عالم الفكر والثقافة الألمانية. فخلال محاكمة أيخمان، لم تجد أريندت من يليق بمستواها سوى القضاة الذين كانت تتحدث بلغتهم وتتصرف وفق تصرفهم بشكل صحيح تماما. ولكنها احتقرت المدعي العام، غيديون هاوزنر ” الذي كان يبدو للألماني المثقف في هايدلبيرغ كما لو أنه قد جاء للتو من غاليسيا، ولم يتخل بعد عن ملامح تلك المقاطعة التي تدعي بأنها ألمانية”. وتواصل شابيرا قولها عن أريندت:
وصلت( إلى قاعة المحاكمة) وهي مصرة على عدم الإنجراف إلى
بحر العاطفية الذي قد يتفجر حولها : ستظل في حالة برود واغتراب،
، تبحث عن محاكمة عادلة لشخص في قفص الإتهام، تقاوم أية محاولة
لتمديد المحاكمة إلى ما وراء الرجل وأفعاله. أتت كباحثة تسعى إلى
تفحص شخصية القاتل الجماعي أو ’القاتل خلف الطاولة ‘ …وأن تكتب
عن ضمير أيخمان كما قالت. وحقا، فقد لبت كل التوقعات ووجدت كل
ما توقعت أن تجد .
كان على غوري، من جهة أخرى، أن يتجاوز معرفته التاريخية المحدودة وضيق أفق لغته وميله نحو الصابرا ضد نموذج يهودي المنفى:
على الرغم من نزعته ’الفلسطينية ‘، فقد جاء إلى المحاكمة بدافع
الإحساس بالشراكة في اللحظة التاريخية، والإحساس القوي بالانتماء
إلى الجماعة التي تجلب أيخمان إلى العدالة. ومنذ اللحظة الأولى،
ميز بين ’لنا‘ و’له‘. هذه هي محاكمة الشعب اليهودي لأيخمان-
وهو ينتمي للشعب اليهودي. إن ما أدى في النهاية إلى اتخاذ كل موقف
هو الغرض المختلف: أتت أريندت لكي تتفحص أيخمان وتتعرف على
طبيعة النظام القانوني الإسرائيلي، بينما جاء غوري بدون هدف
محدد- لديه حب استطلاع، ولكنه حذر قليلا مما قد يتعلمه في
المحاكمة، مستعد للأشياء الصعبة، وإنما لا شيء أكثر. أتت (أريندت)
واثقة من آرائها ومواقفها، فوجدت كل ما أرادت. جاء (غوري) بأفكار
مسبقة مثل أي إسرائيلي عادي- ولكنه خرج مختلفا عما كان عليه حين
دخل .
بالنسبة إلى شابيرا، كانت تحولات غوري خلال المحاكمة تحولات شخصية وتوقعية للتحولات الأكثر تدرجا لدى المجموع الإسرائيلي. وهي تحدد محاكمة أيخمان بأنها اللحظة التي افترقت فيها وجهتا نظر أريندت وغوري إزاء رفضهما المختلف لاتهام اليهود بأنهم قد ذهبوا للمذبحة كالأغنام. فأريندت قد ارتكبت، وفقا لرأي الباحثين الإسرائيليين الصهيونيين خطيئة كبرى. فهي تتصف بامتلاك رؤية عالمية سوف نعود إليها بعد قليل. أما غوري، فقد انحصرت رؤيته في الشعب الإسرائيلي. وهو قد عبرعن تعاطف وتفهم لم يكن لديه قبل المحاكمة…. فتبرئة الجماهير اليهودية من تهمة الذهاب إلى المذبحة كالأغنام قد أدت إلى تحويل عبء الذنب من أكتاف الشعب اليهودي ’هناك‘إلى أكتاف الشعب اليهودي ’هنا‘ . وهكذا فإن ’عودة غوري إلى الشعب اليهودي قد استبقت عملية أدت إلى القضاء على قبضة الكنعانية على وعي جيله، كما إن محاكمة أيخمان قد شقت الطريق المتعرجة والطويلة للإسرائيلية نحو الشعب اليهودي . وهكذا فإن مساهمة شابيرا في أيديولوجيا الصهيونية تتمثل في إطالة مدى فكرة العودة وجعلها رمزية أكثر- تدعيم الإنتصار اللاحق للوحدة العضوية للأمة رغم المحاكمات والمخاوف على الطريق .
أما خطيئة عالمية أريندت، والتي كانت قد أشعلت غضب شوليم، فقد ظلت تثير غضب شابيرا المسموم على مدى ثلاثة عقود لاحقة:
على مدى 260 صفحة تشكل كتابها ’أيخمان في القدس‘، لم تلم أريندت
نفسها أو أصدقاءها، الذين هربوا من أوروبا المحترقة إلى ملاذ منهاتن
الآمن، على عدم التحرك لإنقاذ اليهود. في ردها على انتقاد غيرشون
شوليم ، الذي وبخها لافتقادها حب الشعب اليهودي، قالت أريندت بأنها
لم تحب في حياتها أي ’مجموع‘، سواء كان ذلك أمة أو طبقة، وأنها
أفرادا قريبين منها. لذلك هنا يكمن تفسير غياب الشعور بالذنب لديها.
إن خطيئة غوري قد نبعت من وعيه بتماثله مع مجموعة قومية هي
المسؤولة عن مختلف قبائلها. وكلما ازدادت قرابة اليهود الذين أبيدوا،
كلما ازداد إحساسنا بالذنب بسبب موتهم. وللمقارنة ،شنت أريندت حملة
على النظرة القبلية المتمثلة في مقولة ’ العالم كله ضدنا‘ .
يزداد الحال سوءا، حيث تلجأ شابيرا إلى مقالة لنورمان بودهوريتز بعنوان ’حماقة الذكاء‘ نشرت له في النيويوركر عام 1963، يجري فيها مقارنة بين وسيلتين لرواية مأساة قومية: تقرير جيمس بولدوين عن الأفارقة الأميركيين المسلمين ورواية أريندت عن محاكمة أيخمان. تقول شابيرا بأنه يمكن تطبيق تمييز بودهوريتز بين رواية بولدوين المشحونة بالعواطف واللهجة التوكيدية ورواية أريندت المجردة من العواطف والمتأرجة في مواقفها، من أجل إلقاء نظرة معمقة على عملية المقارنة بين روايتي غوري وأريندت عن محاكمة أيخمان. ’فعلى النقيض الصارخ من أريندت‘، تواصل شابيرا قولها،’ يتبنى غوري إستراتيجية بولدوين : الانغمار الذاتي، مخاطبة العواطف، الأسود أسود والأبيض أبيض. يظل داخل حدود الوضوح الأخلاقي والتماثل القومي‘ . تتهم شابيرا أريندت بمحاولة ’تفهم‘ النازية وإبادة اليهود من موقع العالمي: أي بمحاولة تفهم العمق الذي يمكن لمجتمع بشري- أي مجتمع- أن ينحدر إليه وكيف يمكن للبشرية أن تتحاشي مثل هذا الإنحدار ثانية، وبأنها ’ قد وضعت نفسها في موقع مناهض للنظام القومي السياسي- الأيديولوجي‘ ، وبأنها قد بلورت نقدا ضد الدولة الإسرائيلية جعل مراقبا مثل بوز إيفرون أن يقول في عام 2000 أن كتابها ’أيخمان في القدس‘ “قد وصلني كنسمة طرية من الإتزان والتعقل في خضم العاصفة الهستيرية التي هبت على كل مكان بفعل حملات وكالات الدعاية التابعة لنظام بن-غوريون” . كذلك تتهم شابيرا أريندت باللامبالاة الأخلاقية ، ولذلك كانت جملتها التي وصفت فيها غوري بأنه بقي ضمن حدود ’ الوضوح الأخلاقي‘. أما التهمة المشينة بأن موقف أريندت الأخلاقي قد شوه الفارق الواضح بين القاتل والضحية، فقد جاءت في سورة غضب ضيقة الأفق على مابعد الحداثية ، والتي ما لبثت أن أصبحت إحدى الشعارات التحشيدية المفضلة لدى الإيديولوجيين الصهيونيين. في ما يلي صيغة شابيرا:
خلف الموقف النقدي النافي للنظام السياسي، كانت هناك اللامبالاة
الأخلاقية. فاللامبالاة الأخلاقية هي التي تجعل أريندت اليوم محط
إهتمام ما بعد الحداثيين. لا شيء هو في الحقيقة كما يبدو: لا يوجد
صحيح وزائف، ضحية وقاتل، مذ نب وبريء، لا توجد مراتب قيمية.
كل شيء مموضع في عالم من الضبابية الأخلاقية .
يردد نص شابيرا الأسطورة والأيديولوجيا الصهيونية بعدة طرق. ويلفت انتباهي تعبيران فيه بشكل خاص. الأول هو المقارنة بين ’هنا‘ و’هناك‘ ( لذلك قمت أعلاه بالتأكيد على أهمية العنوان الأصلي العبري للخطاب). إن حنة أريندت هي واحدة من أبرز الأفراد في العالم الذين حطمهم النازيون، والتي هربت إلى باريس حرفيا بإعجوبة، من تحت أنف الغستابو، ثم من باريس ( حيث كانت تساعد الشباب اليهود للهرب إلى فلسطين)، ثم إلى نيويورك في سياق الغزو النازي لفرنسا، أي من ’هناك‘. كانت غير قادرة، وفقا لحكم شابيرا السخيف ، على الإحساس بالتجربة اليهودية، لأنها كانت من ’هناك‘، كما لو أن ’هناك‘ لم يكن حيث حدث الهولوكوست، كما لو أن العالم الذي انهار ’هناك‘ لم يكن عالم أريندت أكثر من عالم غوري. ولدى افتراض أن أريندت قد ارتكبت واحدة من الخطايا الكثيرة التي تؤنبها شابيرا عليها من موقع النفاق : هربت من الخطر النازي الداهم الذي أخذ يشتد عليها، وكانت على نحو من التهور لكي تعيش في نيو يورك مع أصدقائها المنحطين العالميين المنهاتيين. فالإفتراض بأن ’هنا‘ هو المكان الذي يمكن فيه عيش التجربة اليهودية في المنفى، حقيقيا, صدقا وسلطويا، هو بالضبط ذلك الشكل العميق لنفي المنفى، الذي لا تدركه شابيرا، والذي تبدو بأنها أعجز من إدراكه.
أما التعبير الآخر عن الأسطورة الصهيونية- وهوما يشكل سمة خاصة بالفكر الصهيوني بشكل عام- فهو كراهية العالمية. سوف نتعرف على ضخامة هذه الكراهية في الفصل التالي في سياق رؤية شوليم للعالم. ولأجل عدم الإطالة، سوف لن أروي هنا الأساليب الكثيرة التي تؤكد شابيرا بواسطتها على تفوق غوري على أريندت بسبب التزامه وإخلاصه للجماعة القومية التي ينتمي إليها، وهكذا إلى ما لا نهاية من هذا الكلام الذي يسبب الغثيان. وقد يكون من الأجدى الإشارة إلى التناقض الكامن، والذي يغيب عن شابيرا، وهو أن الاستقامة الأخلاقية التي تمتدح غوري لتمسكه بها، وتهاجم أريندت وما بعد الحداثيين لابتعادهم عنها، هي في الواقع مسألة عالمية وليست يهودية تحديدا أو إسرائيلية صهيونية. فهي من بين أشياء كثيرة نتيجة محاولة النظر إلى الهولوكوست بمعطيات عالمية ، كنتيجة لمحاكمات نوريمبرغ التي تجاوزت سيادية القوانين الخاصة بالدولة الأمة واخضعت أعمال أعضائها لمعايير عالمية أخلاقية وقانونية ’وإنسانية عامة‘. وهذه هي فكرة خشي منها شوليم وظن بأنها لا توجد إلا في مخيلة منعزلين من يهود المنفى على غرار حنة أريندت. إن هذا الإنكار للموقف العالمي بشكل عام، وعلى نحو تجربة المنفى الصحيحة لبعض-ويجب التأكيد على ’بعض‘- اليهود، ليست فقط علامة سياسات إقصائية رجعية، وإنما هي تعبير آخرعن نفي المنفى.
أما الملاحظة الأخيرة حول العلاقة بين نص شابيرا ومضمونه: القدس، فلسطين وإسرائيل في 2001، متى ألقيت المحاضرة، و2002، متى نشر النص. إن ما يبدو بأن نسيان شابيرا للمضمون الجاري- حقيقة أنه لا يبتعث أي تأمل في نص تمت كتابته من قبل عضو في معسكر السلام – يسبب الإنقباض حقا. فمثلا، إن العناق الرخيص بين الإسرائيلية والشعب اليهودي الذي احتفلت شابيرا به، لم يتخلله أية إشارة إلى أن هذا يشكل تجسيدا آخر لعملية الإقصاء اليهودي للمواطنين الفلسطينيين الإسرائيليين، الذين قد لا يكون لهم أية مصلحة في الدولة ما لم يحل مفهوم أكثر عالمية في شأن المجتمع والمواطنة محل المفهوم الشعبوي العضوي القائم حاليا. فحقيقة أن ثلاثة عشر فلسطينيا قد قتلوا قبل ستة أشهر فقط من إلقاء المحاضرة علي يد االشرطة في مظاهرة، لم يؤد إلا إلى زيادة عملية الإقصاء والتقوقع الإثني- الديني. والصحيح أيضا وبشكل عام، هو حقيقة أن تذكر الهولوكوست عاما بعد عام- بينما يتحول الإحتلال بعد كل عام إلى ما هو أكبر وأشرس وأكثر اضطهادا وأكثر إجراما- لا يمكن أن يكون سببا في محاسبة النفس، وإنما مجرد مناسبة للتأكيد على خصوصية جمعية حصرية.
في ذات الوقت تقريبا الذي نشر فيه نص محاضرة شابيرا في عام 2002، كان سكان مخيم جنين يحفرون بأيديهم في الركام بحثا عن أحياء أو عن جثث. هل كان يمكن أن يكونوا حاضرين في عقل شابيرا على نحو متوافق مع هجومها الساخر على العالمية الإنسانية لأريندت؟

____________________________________