الفصل الاول

الصفحة

أساطير وسياسات ودراسات إسرائيلية

 تأليف

غابرييل بيتربيرغ

 صدر أول مرة عن دار فيرسو عام 2008

  لندن- نيويورك

 

 ترجمته عن الأصل الإنجليزي

سلافة حجاوي 2009

  

الإهداء

إلى ذكرى إدوارد سعيد (1935-2003)

المنبوذ الواعي غير المنازع

  

عيد ميلاد الأشجار

 

     في كل ربيع، وأحيانا على نحو مبكر في كانون الثاني ، إذ تزهر أشجار اللوز بالأبيض والزهري، يتم الاحتفال بعيد ميلاد الأشجار في جميع أنحاء إسرائيل.  آلاف الأولاد والبنات بقمصان بيضاء، ومانحون أجانب، يجتمعون في أماكن معينة لزراعة الشتلات الجديدة وتوسيع الغاب. مع ذلك، وصف أحد الأولاد في صفنا هذه الإحتفالات بأنها فاشية وإجرامية. قال بأن الصنوبر ينبت إبرا قارصة ويلقي بها أرضا، فتقضي على كل نبت آخر، الأزهار البرية والجنبات والشجيرات الصغيرة الأصلية التي في البلاد. قال، ومن الواضح أنه كان يردد كلمات سمعها في البيت، بأن تشجير الأراضي التي لم يتم تشجيرها من قبل، والتي تبدو مع ذلك كأنها تحتوي في  كل عام آثارا أقل مما سبق وكان من المصاطب الحجرية، ويختفي الحصى والحواكير بين وتحت الصنوبر، هو جزء مما وصفه بأنه ” كذبة وجودنا الكبرى” . كنا على صداقة مع هذا الولد، غير أننا في عيد شباط هذا ، لم نشركه معنا في الأطعمة المعهودة الخاصة بهذه العطلة، التين المجفف والتمر والمكسرات، التي تم تغليفها بعناية من قبل آبائنا وأمهاتنا.

( شذرة من كتاب “مناطق للتنزه”، عوز شيلاخ، رواية في شذرات، 2003 )

                    إنها شجرة الأحرار

                    الشجرة الأرض، الشجرة الغيم

                    الشجرة الخبز، الشجرة السهم

                    الشجرة القبضة، الشجرة النار

                    تغرقها المياه المائجة

                    مياه عصرنا المظلم

                    لكن صاريتها

                    تحفظ توازنها وهي تدور بقوة.

                  ( من قصيدة ” المحررون” للشاعر بابلو نيرودا-

                   مجموعة “الكانتو العامة” 1950)

 

                                  المحتويات

 شكر وتقدير

  • مقدمة
  • الفصل الأول:

    المستوطن ذو السيادة مقابل المنبوذ الواعي:

      ثيودور هرتزل وبرنارد لازار

  • الفصل الثاني:

 الاستعمار الصهيوني لفلسطين في السياق

 المقارن للإستعمار الإستيطاني

  • الفصل الثالث:

  الأسطورة التأسيسية للصهيونية:

  سياسة، ايديولوجيا وأبحاث

  • الفصل الرابع:

 الأسطورة والتاريخ على جبل سكوبوس

  • الفصل الخامس:

   غيرهارد-غيرشوم شوليم والعودة للتاريخ

  • الفصل السادس:

   الكتاب المقدس والنكبة والأدب العبري

  • الفصل السابع:

  كتاب المستوطن المواطن:

  بن- غوريون يقرأ كتاب جوشوا

– الهوامش

 

شكر وتقدير

هذا الكتاب هو نتاج إدراك ما. نشأت في منطقة مترفة من إسرائيل، تنتشر فيها مستوطنات صهيونية تعاونية عمالية. تسمى المنطقة “عيمق حيفر”. ما أدركته بعد ذلك هو أن هناك تحت عيمق حيفر، ماهو- مدمر ومدفون- وادي الحوارث، وأن طفولتي السعيدة المتميزة وشبابي المبكر في عيمق حيفر، كانا متشابكين على نحو لا انفكاك له مع تدمير وادي الحوارث، وإبعاد سكانه السابقين.

     رافق المشروع حديث متواصل مع بيري أندرسون. أنحني أمام عقله، وأنا ممتن لصداقته.

     ارتبطت كتابة هذا الكتاب بإقامتين قصيرتين مفيدتين وممتعتين جدا في أكسفورد وأخرى في باريس. ففي ربيع عام 2005، كنت أستاذا زائرا في معهد الداسات العليا للعلوم الإجتماعية  في باريس، مستفيدا من برنامج التبادل بين جامعة كاليفورنيا والمعهد. قرأت أجزاء من الكتاب وواصلت العمل على الباقي.  أنا ممتن لجاك ريفيل وهاميت بوزارسلان من أجل هذه الزيارة المثمرة.

     قضيت العام الأكاديمي 2005-2006 كزميل أليستير هورن في كلية سنت أنتوني، حيث كتبت جزءا كبيرا من الكتاب. أقدم عميق الشكر لهذه الكلية لانتخابي إلى هذه الزمالة،  وللسير أليستير لكرمه،  وإلى القيم السيرماراك غولدينغ لكرم ضيافة الكلية لي.وكان مركز الشرق الأوسط في كلية سنت أنتوني، بيتا دائما لي، لذلك أقدم شكري الحارإلى أوجين روغان، مدير المركز، وإلى جميع الزملاء وهيئة المدرسين والطلاب . لقد فتح صديقاي، آفي شلايم وغوين دانييل بيتهما وقلبيهما دوما لي، وكان وجودهما هو السبب في زيارتي إلى أكسفورد. وبدون دفء ومرح آفيشلايم وأوريت وتال، لكان ذلك العام أشد برودة ووحشة.

في ربيع عام 2007، قدمت محاضرات ليونارد شتاين لعام 2006-2007 في كلية باليول. كان ذلك مناسبة جيدة لتقديم أجزاء من كتابي وتلقي ملاحظات مفيدة. أدين لباليول بالشكر لانتخابي لتلك الدورة من المحاضرات، وللنزل الساحر الذي على تلة الملوك، وللطعام والشراب الرائعين. يعود الكثير من الفضل في نجاح إقامتي في باليول إلى الإستضافة الكريمة التي وفرها سودهير هازاريسينغ لي.

     كمؤسسة وكمجتمع، كانت جامعة كاليفورنيا- مشجعا لعملي الفكري. لقد استفدت كثيرا من المنح  المقدمة من المجلس الأعلى للجامعة، وكذلك من مركز الشرق الأدنى. ولا يضاهي مكتبة الأبحاث الجديدة فيها إلا القلة بفعل ما تضمه من مجموعات لاتحصى، وبفعل كفاءة الخدمات التي يقدمها موظفوها. أدين بالشكر بشكل خاص لما تلقيته من مساعدة من فال روم-هوكينز، وللبيبليوغرافي المتخصص بالشرق الأوسط والموسوعة اليهودية، ديفيد هيرش. كما كنت محظوظا بالتمتع بالمساعدة البحثية من كينت شال وجيناغيبز.

      من بين الكثيرين الذين تفاعلت معهم خلال كتابتي لهذا الكتاب، أود أن أشكر تامي سرفاتي لإصراره على ضرورة قيامي بإطلالة جديدة على هرتزل، وكذلك آفي راتز لمشاركته لي في معلوماته الغزيرة عن وثائق حرب 1967، وسونغ-يونشوي للمراسلات المتواصلة المتبادلة بيننا حول الإستعمار الإستيطاني، وأهرون هيل للأحاديث والمراجع الخاصة بالكتاب الفرنسيين والألمان، وكلاوس غالو لدعوتي إلى تقديم بعض أجزاء هذا الكتاب في جامعة توركواتو دي تيللا و إدخالي مجددا إلى بيونس آيريس، وإيلين دوبوا  للفت انتباهي إلى عمل باتريك وولف، وتوم بين في فيرسو لعمله التحريري، وكاثلين ميتشام لما أجرته عينها الثاقبة من تحسين على بعض أجزاء الكتاب ، ويوري لدأبه على وضع كل شيء في مكانه.

       تم تكريس هذا الكتاب إلى ذكرى إدوارد سعيد، الذي أفتقده بشدة. لم يفعل مرور الوقت شيئا لتخفيف ألم فقدانه. ما زلت أستلهم السطور الأخيرة من مقالته التي لاتنسى’الهوية، النفي والعنف‘، التي نشرت في المكان المناسب لها، في مجلة النيو ليفت ريفيو (1988):

 في التعليم، والسياسة، والتاريخ، والثقافة، هناك في الوقت الحاضر دور يمكن القيام به من جانب المفكرين العلمانيين المعارضين،   ولنسمهم طبقة العارفين السلبيين الذين يوصفون ’بالبطانيات المبتلة‘،   الذين لا يتيحون لأنفسهم رفاهية التعامل مع ألاعيب الهوية ( تاركين ذلك   للفيالق التي تعتاش على ذلك)  ولكنهم وبتعاطف أكبر يعملون لصالح الذين لا يسمع صوتهم ولا يمثلهم أحد، الضعفاء نسبيا في عالمنا، وهم الذين يقومون بذلك، ليس عبر ’رطانة الأصالة‘، وإنما بوسائل  ضبط النفس، والشكك التاريخي والفكرالملتزم سياسيا بوعي تام. وباختصار،   يمكن نفي المعتقدات البالية لسياسات الهوية بوسائل أخرى غير العنف.

                      ___________________________

          المقــدمــة

 حدث شيئان هامان جدا في آذار/مارس 1976 في إسرائيل، الأول هو انتفاضة مواطني إسرائيل الفلسطينيين في الثلاثين من آذار، ضد ما بلغ حد عملية نهب موجهة حكوميا كانت قد بدأت في سياق حرب عام 1948. ومنذ ذلك الحين، أصبح الثلاثون من آذار يعرف بيوم الأرض، ويتم إحياؤه سنويا من قبل الفلسطينيين الإسرائيليين وعدد قليل من اليهود الإسرائيليين المتعاطفين مع محنتهم.  قبل ذلك وفي نفس الشهر، كان إسرائيل كونيغ، المفوض المسؤول عن المنطقة الشمالية في وزارة الداخلية الإسرائيلية، قد أعد مذكرة قصد بها أن تكون للتداول الداخلي، ثم أضاف لها جزءا آخر في سياق يوم الأرض. أصبحت تلك الوثيقة تعرف باسم ’تقرير كونيغ‘، وتم تسريبها إلى صحيفة حزب العمل، المابام، ’عل همشمار‘، التي قامت بنشرها في أوائل سبتمبر/ أيلول 1976. كان الجليل منطقة حققت عملية التطهير العرقي فيها عام 1948  نجاحا محدودا نسبيا. سعى كونيغ في تقريره إلى تنبيه الحكومة إلى الواقع الخطر لعروبة الجليل، واقترح وسائل لتغيير الوضع جذريا من خلال سياسات متنوعة تمتد من المصادرة المتسارعة للأراضي عبر تسريع عملية توطين اليهود فيها ( والتي ستصبح تعرف بعملية بتهويد الجليل)، وصولا إلى تشجيع الفلسطينيين الإسرائيليين على الدراسة في الخارج ثم منعهم من العودة.

     وباختصار، فإن هذا الكتاب هو عملية تنقيب في التاريخ الفكري والأدبي، الذي يبين وبالتضافر مع التاريخ المادي للعلاقات بين المستوطنين والسكان الأصليين في فلسطين الحديثة، إدراك الفلسطينيين الإسرائيليين أن عملية إزاحتهم من الدولة التي هم مواطنون فيها، قد تواصلت بوتيرة متسارعة بفعل الوعي والمخيلة السياسية التي جعلت إنتاج شيئ مثل تقرير كونيغ ممكنا وتنفيذ السياسات التي أوصى بها ملائما.

    هناك بالطبع كم كبير من الكتابات عن أسرائيل/ فلسطين. وهناك ثيمة معينة تبرز بوضوح في الدراسات الأكثر عمقا عن الصهيونية وإسرائيل. فالمؤلفون المؤيدون للصهيونية  يميلون إلى تصوير الصهيونية بأنها تشكيل أيديولوجي مثالي يمت بجذوره إلى المدركات الأوروبية التقدمية، ولذلك فإن تطبيقه في فلسطين لايمكن أن يكون كاملا على النحو الذي تصوره الفكرة المؤسسة، ولكنه يظل مع ذلك مرضيا إلى حد كبير. بهذه الطريقة، يتم يصوير الكيبوتز على أنه تجربة في اليوتوبيا الإشتراكية. وسواء كان ذلك عن وعي أم لا، فإن هذه الدراسات تلتزم بسببية مثالية لأنها لا تعتمد فقط على المجال الفكري، وإنما كذلك على نوايا المستوطنين الصهيونيين  ( تقول هذه الدراسات مثلا أن حقيقة كون المستوطنين الصهيونيين لم يقرروا مسبقا تجريد السكان الأصليين من ممتلكاتهم هي مسألة مسلم بها فكريا وأخلاقيأ بغض النظر عن الوقائع التي فوق الأرض). ففي حكايات هؤلاء المؤلفين، تم تصويرمجتمع المستوطنين بديناميات صهيونية يهودية خالصة. ولذلك، فإن التفاهم مع السكان الأصليين لم تكن له أية أهمية في ضوء طبيعة وهوية ذلك المجتمع.

     من جهة ثانية، فإن نقاد الصهيونية وإسرائيل، يقللون في العادة من شأن  الخلفية الفكرية الأوروبية، ويركزون بدلا من ذلك على المسار الفعلي لاستعمار فلسطين. فوفقا لهؤلاء، يشكل الكيبوتز نموذجا للمستعمرة الإستيطانية النقية الشبيهة بنيويا بمستعمرات فيرجينيا ونيو إنجلند.  لا يثق هؤلاء الكتاب في الغالب بالأيديولوجيا والأدب، ويرون بأنهما لا يعكسان الحقائق الاجتماعية والاقتصادية. فهم يركزون بدلا من ذلك على ما هو مادي ومؤسسي. فالنوايا بالنسبة لهم، ليست ذات قيمة، والنتائج هي المهمة: والنزاع مع الفلسطينيين الأصليين ليس شيئا خارج إطار يشوف ما قبل الدولة ( مجتمع المستوطنين) أو دولة إسرائيل. بل هو الذي شكل كليهما.

     لا يمثل هذا الكتاب عملية توفيقية بين الإتجاهين السابقين، ولكنه يصر على إهارة عدة ثنائيات مزعومة . فأولا، كانت الصهيونية، وبغض النظر عن خصوصياتها التاريخية الخاصة، حركة  قومية من وسط- شرق أوروبا، وكذلك حركة مستوطنين أوروبيين سعوا إلى اقتطاع وطن قومي لهم كمستعمرة في الشرق. فالقول بأنها إما هذه الظاهرة أوتلك، هو مجرد تفسير ضيق ومدقع. ثانيا، هناك إشكالية  في مقارنة إستعمار فلسطين بمجتمعات إستيطانية أخرى وفقا لموضوعة الأرض والعمل ومؤسسات معينة، ولكنها ليست كذلك في مجال تفسير نصوص إيديولوجية، بحثية، أو أدبية.  على العكس من ذلك، يمكن بيان أن هذه النصوص تعبر عن وعي وخيال إستيطانيين نمطيين.  ثالثا،  آخذين في الإعتبارأن نوايا المستوطنين يجب أن لا تستبعد بالضرورة أية نتائج أو تؤدي إلى إسكات صوت السكان الأصليين، شرط أن لايسمح   للرواية المسيطرة للأمة المستوطنة بأن تفوز بدون أن تقرأ قراءة نقدية.  لا يوجد  في هذا المجال ما هو أوضح من حياكة الأمة الصهيونية الإسرائيلية الإستيطانية لحكايتها الخاصة كأمة فريدة  ومنيعة وغير متأثرة في تشكلها بوجود سكان محليين وحاجتها إلى انتزاع الأرض منهم. فبدلا من نفي هذه الرواية على أنها زائفة الوعي بشكل أو آخر، من الأفضل تفسيرها  على أنها لا تختلف عن الأمم الإستيطانية النمطية الأخرى، باستثناء بعض المعالم التاريخية الخاصة بها.

       لذلك، هناك توتر كامن في مختلف مجادلات هذا الكتاب بين أوروبا وجماعاتها ومناطقها الخاضعة  للإستعمار داخليا وخارجيا، وكذلك بين ماهو تاريخي محدد، وماهو تاريخي مقارن.  فالمحور الذي يدور عليه الكتاب هو الأسطورة التأسيسية الصهيونية التي تتألف من ثلاتة منطلقات هي : نفي المنفى، العودة إلى أرض إسرائيل، والعودة إلى التاريخ. تشكل هذه التسميات الأساسية الثلاث تجليات مختلفة لما يمكن القول بأنه يجسد أسطورة تأسيسية متجانسة واحدة. فهي متضافرة حقا على نحو لا يمكن فصله. يجادل هذا الكتاب في أن الأسطورة هي قومية على نحو عنيد جدا، وهي استعمارية –إستيطانية، خاصة وقابلة للمقارنة، ومتشكلة بفعل التيارات الفكرية الأوروبية وواقع الصراع الإستعماري.

    لأجل الاختصار والوضوح، سوف ألجأ إلى تمييز ماركسي يمكن من خلاله اعتبار هذا الكتاب سلسلة من النصوص التي تنتمي إلى مجال البنيان الفوقي. تمثل هذه النصوص ثلاثة حقول مختلفة: السياسي-الأيديولوجي، الأدبي، والبحثي. لا بد من التأكيد بما يكفي على أن المادة المصدرية التي سيتم اختبارها هنا قد تم استخلاصها من كم عبري هائل لا يتوفر باللغةالإنجليزية. وبما أنه لا يمكن ترجمة هذا الكم كله بسبب ضيق المساحة،  فهو قد أخضع للمناقشة المعمقة النصية واقتبس في الترجمة الإنجليزية. وفي ذات المجال، فهذا الكتاب يشذ عن الكتابة الأكاديمية التقليدية، وبخاصة في مجال العلوم الإجتماعية، بطريقتين مهمتين: فهو لا يقيم اعتبارا للتمييز بين الأدبيات أو المصادر الأولية والثانوية. كما أنه ليس فيه  فرضية يريد أن يبرهن عليها، ولا رواية مستقيمة، على الرغم من أن الفصل الأول يعنى بأوروبا نهاية القرن، ويعنى الفصل الأخير بإسرائيل خمسينيات وستينيات القرن العشرين. وسبب الانشداد بعيدا عن التقليد الأول هو الإستقامة الفكرية، إلى جانب مايسببه من ملل.  وبما أن ثيمات هذه الدراسة هي أشبه بالأسطورة المؤسسة، بالخيال الأدبي أو الوعي التاريخي، أي التركيبات التجريدية،  يتعذر المجادلة فكريا أن الكتابة البحثية الحالية أو الماضية عن هذه الثيمات تقف خارج نطاقها ( أي  ثانوية، بينماتكون التجريدات نفسها أولية بشكل ما)، وهذا من شأنه أن يتمخض عن تصادم لدى تحول الهيمنة إلى مادة ملموسة.

  يهيئ الفصل الأول من الكتاب المسرح بالتصدي إلى واحد من أسس الهيمنة الصهيونية : قدرتها على بث وجهة نظرها وكأنها مسألة مسلم بها كحقيقة بديهية، وليست كرؤية إيديولوجية. فمن خلال استخدامي وتطويري لمفهوم “المنبوذ الواعي” ، الذي قال به الناقد الأدبي والصحفي برنارد لازار، ثم حنة أريندت لاحقا، أجادل في أن هناك بديلا للصهيونية، وهوبديل صالح وتقدمي وفي الآن ذاته رافض للانصهار، وأنه موجود بين صفوف اليهود العلمانيين الحداثيين، وبأن ظهوره بالتوافق مع ولادة صهيونية هرتزل السياسية، ومعارضته لها، لم يكن عن طريق الصدفة.  وأقترح كذلك أن منظور المنبوذ الواعي صالح معنويا وسياسيا- وبخاصة ربما –  في عالم اليوم.  يستخدم الفصل كبداية نصين يشتركان في عنوان واحد هو ” الغيتو الجديد” ، وقد كتبا ضمن مسافة زمنية لا تزيد عن  تسعة أيام بينهما، وذلك في باريس في نوفمبر/ تشرين الثاني 1894، وهما مسرحية هرتزل ” الغيتو الجديد” ومقالة لازار المنشورة في مجلة  ’العدالة‘، بعنوان  ’الغيتو الجديد‘ أيضا.

   يشرح الفصل الثاني لماذا يشكل  الحقل الآخذ بالظهور مؤخرا والخاص بالدراسات المقارنة لقومية المستوطن أو للاستعمار،  الإطار الأكثر شمولية من أجل فهم الإستعمار الصهيوني لفلسطين، ودولة إسرائيل، والنزاع الإسرائيلي –الفلسطيني. يتم هنا أولا إستعراض الحقل، ويتم التأكيد على أكثر المحاولات أهمية حتى الآن لتطبيق منهجيته ولغته على المرحلة المبكرة من الإستعمار الصهيوني. يتم التعرف على أساسيات الحكايات السلطوية للأمم الإستيطانية  وبيان كيف أنها توجد في الحالة الصهيونية الإسرائيلية أيضا. أخيرا، يتم تقديم تفسير مطول  لمقالة طويلة-  تكاد تكون غيرمعروفة- كتبها أبرز زعيم صهيوني في عشرينيات القرن العشرين هو حاييم أرلوسوروف ( اغتيل في تل أبيب عام 1933). أشرح كيف أن هذا النص المثير الذي لم يترجم إلى الإنجليزية أبدا،  يبرهن على طبيعة وعي المستوطن الأبيض.

   يطلق الفصل الثالث مناقشة معمقة حول المنطلقات الثلاثة للأسطورة التأسيسية الصهيونية، وهي نفي للمنفى، والعودة إلى أرض إسرائيل، والعودة إلى التاريخ.  يبدأ الفصل بتقديم تعريف عملي للأطروحات الصهيونية الثلات ، يليها طرح لتنويعات التيار الرئيسي. يتعمق التحليل عبر النظر في الأسطورة التأسيسية من زاوية الحركة اليمينية الراديكالية التي يطلق عليها لقب ” الكنعانية” إزدراء، والتي ظهرت لأول مرة في أوائل أربعينيات القرن العشرين. يتم بعد ذلك تفحص  رفض الكنعانية للصهيونية في أوائل الثمانينيات، وذلك من خلال كتاب هام لبوز إيفرون، تمت كتابته برؤية يطلق عليها ” الكنعانية الجديدة”.  ما يلي ذلك هو تقرير لأنيتا شابيرا،  أبرز مؤرخة إسرائيلية مؤيدة للصهيونية وإسرائيل، والتي تلقب بأميرة الصهيونية، عن الترديد المتكرر للأسطورة. يخلص الفصل إلى تفحص رسالة نقدية راديكالية صدرت حول الأسطورة  لأمنون راز-كراكوتزين، يتطرق فيها إلى أطروحة وولتر بنجامين

 ’ رأي في فلسفة التاريخ‘.

 أما الفصل الرابع، فهو أحد فصلين ينظران في نتاجات أكاديميي القدس المرموقين، الذين يشكلون الجيل الأول من المؤرخين واللغويين الذين أسسوا معهد الدراسات اليهودية والجامعة العبرية في العقود الأولى من القرن العشرين، والذين  تم تشكيل عالمهم الفكري بفعل تأثرهم بالتاريخية الرومانتيكية الألمانية. وتتم المجادلة حول أنه، وبغض النظر عن بعض الإختلافات المعينة، فإن هذه المجموعة هي التي منحت الأسطورة التأسيسية تكوينها وتجانسها النهائي. وبينما تجاهل الفصل الثالث في تناوله تنويعات الأسطورة أو تحاشى الخوض في فترة النفى الطويلة، فقد خلق أكاديميو القدس  حكاية ترابية عضوية دمجوا فترة المنفى ’المؤقتة‘ فيها. أركز هنا بشكل خاص على عمل الأكاديميين يتسهاك-فريتز بايير، المؤرخ الألماني المتصوف الذي لا ينازع، وبن- زيون ديمور، المؤرخ السياسي- القومي البارز الذي كانت فترة عمله كوزير للتربية خلال الخمسينيات أهم الفترات التأسيسية والأكثر تأثيرا في تاريخ التربية الوطنية الإسرائيلية. ومثل الفصل الثالث، أختم هذا الفصل بعرض للإنتشار الحالي للأسطورة، وبالتالي للصهيونية، وهو يتناول كلمة أنيتا شابيرا الهامة في “ياد فاشيم” في عام 2001، التي أجرت فيها مقارنة بين رؤيتين حول محاكمة أيخمان لكل من  حاييم غوري( شاعر مرموق من الصابرا من جيل عام 1948) و حنة أريندت.

       يتم في الفصل الخامس مناقشة غيرشوم شوليم بمعزل عن زملائه المقدسيين،  وذلك لسبب بسيط هو أن عبقريته تشكل تحديا لا يقاوم. فرغم أنه أشار إلى الأطروحات الثلاث للأسطورة الصهيونية، فقد أكد شوليم على الصهيونية باعتبارها عودة إلى التاريخ.  يتم تفسير حياته وأعماله  بمساعدة مصطلح- ’ ميثولوجيا التوقع‘- المستعار من المؤرخ المفكر في كيمبريدج، كوينتن سكينر. ولأجل توضيح المعنى الدقيق والأصيل له، فهو يعني أن على التاريخ اليهودي الآخذ بالتجلي أن ينتظر عودة التاريخ وعودة شوليم، ذلك المؤرخ الهيغلي المتمتع بنعمة عين بومة منيرفا، إلى صهيون. من هنا، ينخرط الفصل  بتفسيرات أخرى لشوليم كمفكرحداثي، حول ثيمات كالصهيونية وإسرائيل. هناك محاولتان في هذا الفصل- وهما محاولتي الخاصة وأخرى لباحث آخر- لربط فكر شوليم بكارل شميت بطريقتين. أنظر في الأولى إلى مشروعه برمته كلاهوت سياسي صهيوني. وأقترح في الثاني أن انشغاله المرضي بميسيانية ’ تفجير‘ اليهودية القانونية الدينية الأخلاقية-  الحاخامية من أجل بث الحيوية والقوة فيها، هو نوع من لحظات شميت، التي يتم فيها تعليق الدستور لكي تحافظ الدولة على نفسها. ينتهي الفصل بمداخلة في الجدل الدائر حول من الذي ’امتلك‘ إرث بنجامين:  هل هم الماركسيون الأورثوذكس؟ هل هو شوليم و/ أو ثيودور أدورنو؟ أم لا أحد منهم؟

      بينما يوضح الفصلان الرابع والخامس كيف يمكن رؤية التأريخ الصهيوني والوعي التاريخي كامتداد للرومانتيكية والتاريخية الألمانية، فإن الفصلين الأخيرين من الكتاب، يعودان بنا إلى فلسطين وإلى الصهيونية كتجسيد للإستعمار الإستيطاني. يتفحص الفصل السادس كيفية استخدام المجتمع الإستيطاني للعهد القديم، بدءا من الإنخراط النقدي، وللمرة الثانية، مع عمل  أنيتا شابيرا،  وهذه المرة هي عن بن-غوريون والكتاب المقدس وعن مكانة الكتاب المقدس في الهوية الجماعية لليهود الإسرائيليين.  يوضح الفصل كيف تقوم شابيرا بإعادة إنتاج أحد الأسس الخاصة بالمستوطن، وهو الأساس المتمثل بالفصل بين التاريخ وهوية اليشوف ودولة إسرائيل، إلى حكايتين  منفصلتين لاتربطهما أية علاقة مفترضة: واحدة عن مشروع  بن –غوريون الكتابي ومكانة  الكتاب المقدس في “هوي ’تنا‘” الجماعية ، في من ’نحن‘، والثاني حول ’المسألة العربية‘. يلي ذلك امتحان معقد للنتاج الأدبي لأبرز كاتب عبري ولد في اليشوف، وهو س. يزهار( الإسم الأدبي ليزهار سميلانسكي). وبدلا من التحديد القطعي في ما إذا كان يزهار كاتبا صهيونيا أم معارضا حقا،  أستمر في التأرجح بين القطبين. تظل نغمة المناقشة غير مستقرة،  وذلك لأنني أعتقد  بأن يزهار نفسه ظل يتأرجح بلا توقف. أبين من خلال يزهار، أولا،  أن الكتاب المقدس  ومن ’نحن‘ من جهة،  ثم التطهير العرقي الذي  قمنا ’نحن‘ بفعله في 1947-1948 ، وما تبع ذلك من نهب للأراضي، متشابكان على نحو لا انفكاك له. كما يؤكد الفصل على تعقد سميلانسكي: بصفته ناقدا لتطهير فلسطين ، ومشاركا فيه. فهو المؤلف الذي رثى تدمير فلسطين الريفية في إحدى قصصه التي ألفها عام 1948، ثم خلد المدمرين بصفتهم أولاد التضحية لعام 1948، في قصة ملحمية رائعة أخرى كتبها عام 1958. فهوالناقد للصهيونية والدولة الإسرائيلية الذي، مع ذلك، تم تجنيده كمفكر عضوي في نظام بن- غوريون. وأخيرا، يوضح الفصل كيف أنهم في خوفهم من أن يكون يزهار يعمل على إهارة الجدار بين من ’نحن‘ و”تفاعل ’نا‘” مع الفلسطينيين الأصليين، فإن الكتاب الليبراليين المعاصرين من المستوطنين، وفي مقدمتهم عاموس عوز، يسارعون لتقديم التفسيرات التي تضطر يزهار إلى العودة إلى حضن الأمة، بإلإصرارعلى أنه كان يخاطب’نا‘ و”هويت ’نا‘” بدلا من _ إلى الجحيم بالفكرة- البحث عما إذا كان ما “فعل ’ناه‘” هو حقا من ’نحن‘.

     من خلال تأويل بن- غوريون، وبخاصة كتاب جوشوا، يجادل الفصل السابع في أن فهم بن -غوريون للعهد القديم كان أشبه بفهم مستوطن بروتستنتي، ولم ينبع بأي شكل من تقاليد يهودية متواصلة، كما لم ينبع ذاتيا من تاريخ يهودي عضوي. يستكشف الفصل كيف أن تأويل بن- غوريون، ومشروعه الخاص بالكتاب المقدس، قد لبى الحاجة الآنية لبناء الأمة في الخمسينيات وأوائل الستينيات، ولتبرير تملك الأرض التي أفرغت من  سكانها الأصليين في حرب 1948.  وقبل تفحص محاولات بن- غوريون التأويلية، هناك عرض للمضمون الذي يجب فهم ذلك في إطاره.   

      

                                  ___________________

          الفصل الأول

 

       المستوطن ذو السيادة مقابل

       المنبوذ الواعي:

        ثيودورهرتزل وبرناردلازار

  قسمت خريطة فلسطين إلى مربعات صغيرة ثم عددتها.  جوزيف ليفي، مدير الخروج اليهودي من أوروبا واستعمار فلسطين، في رواية هرتزل ” الأرض القديمة الجديدة، 1902.

ينبغى أن يكون الهدف الأسمى هو معاملة اليهود، أينما ولدوا ونشأوا،    معاملة عادلة. فاليهود الذين ولدوا في فرنسا فرنسيون، تماما كما هو الحال بالنسبة للمسيحيين المولودين في فرنسا.  المهاتما غاندي، ’اليهود في فلسطين، ‘1938، صحيفة هاريجان، 26  نوفمبر 1938   [1].

 يذهب قرار مدينة أطلنطا الصادر في أكتوبر 1944 خطوة أبعد من برنامج بلتيمور (1942) الذي كانت قد منحت فيه الأقلية اليهودية حقوق الأقلية  للأغلبية العربية. ففي هذه المرة، لم يتم أبدا ذكر العرب في القرار، وهو أمر يترك لهم بوضوح حرية الاختيار بين الهجرة الطوعية والمواطنة من الدرجة الثانية.  ( حنة أريندت ، إعادة النظر في الصهيونية، مجلة مينورا، 33( أكتوبر 1944) [2]

 

الفـرعـان

 في الثامن من نوفمبر 1894، قال ثيودور هرتزل في رسالة منه إلى صديقه في فيينا، الكاتب اليهودي ، آرثر شنيتزلر، بأنه قد أتم للتو بعد فترة من الكتابة المتواصلة على امتداد الشهر السابق، رواية جديدة عنوانها” الغيتو الجديد”.  وإذ كان هرتزل يعمل  في ذلك الحين مراسلا في باريس للصحيفة الليبرالية الشهيرة ” الصحافة الجديدة الحرة” الصادرة في فيينا، فقد أسر لصديقه شنيتزلر رغبته في أن لا يعرف بأنه هو مؤلف المسرحية، وطلب منه أن يرسلها إلى عدد من المسارح الرئيسة في برلين وفقا لتسلسل معين، للنظرفي عرضها بإسم مستعار هو ألبرت شنابل (’إسم عادي جدا‘)[3] . سوف أعود لاحقا إلى اعتراف هرتزل المثير في الرسالة ذاتها، والذي قال فيه: ” بالنسبة لهذه الرواية بالذات، أرغب في إخفاء أعضائي الجنسية أكثر من أي وقت آخر”[4]. ومن الواضح أن ما أراد هرتزل إخفاءه هو يهوديته. من المهم القول هنا بأن اللحظة التي تعتبر بداية اعتناق هرتزل للصهيونية هي نفس اللحظة التي أراد فيها وبكل شدة إخفاء حقيقة أنه يهودي.

     بعد تسعة أيام على رسالة هرتزل إلى شنيتزلر، أي في السابع عشر من نوفمبر، نشر برنارد لازار مقالة بعنوان “الغيتو الجديد”  في المجلة الفرنسية اليسارية” العدالة”، ثم أتبعها في الحادي والثلاثين من ديسمبر بمقالة أخرى بعنوان ” اللاسامية واللاساميون” تم نشرها في

” صدى باريس”. كان لازار، وهو يهودي فرنسي وابن عائلة سفاردية من مدينة نيمز ، قد ذهب  في منتصف ثمانينيات القرن التاسع عشر مثل كثيرين آخرين، إلى باريس بحثا عن عمل في المجال الأدبي. كان فوضويا، واشتراكيا، وأديبا رمزيا، وأول درايفوسي حقيقي تم نسيانه ظلما. التحق برنارد لازار لفترة قصيرة بالحركة الصهيونية( 1896-1899) وكان قريبا من هرتزل، غير أنه ترك الحركة بسبب اعتراضات عميقة منه على سياسات هرتزل وأسلوبه في القيادة.

     ينبغي في هذه المناسبة أن أقول بأن حنة أريندت كانت حاسمة في تأثيرها على الطريقة التي تطورت فيها أفكاري وبحوثي حول صهيونية نهاية القرن. فأرندت هي التي اقترحت إمكانية التوأمة  بين ثيودور هرتزل (1860-1904) وبرنارد لازار (1865-1903) في مقالتها القصيرة ( 1942) حول اللاسامية في فرنسا الحديثة، والتي اختتمتها بفقرة عنوانها

 ” هرتزل ولازار”. تتحدث أرندت عما اشترك الإثنان فيه، ثم تنتقل لتشرح بإيجاز خلافاتهما، وكيف افترقا إلى طريقين [5].  وقد عثرت لاحقا وبالصدفة في عمل لمايكل ماروس وجاك كورنبيرغ على ذكر لنصين كتبهما هرتزل ولازار في وقت متقارب[6]، ودهشت كيف أن التوارد بين النصين لم يلق إهتماما أكبر.

     يمكن اعتبار كتابة نصي  الغيتو الجديد في عام 1894 لدى إعادة التمعن فيهما، أنهما المكان الذي انطلق منه ذلك التفرع الملفت، وهو ما أود أن أقوم  بتنظيره وفقا لنظرية ’نقاط الانطلاق‘. ففيما يتعلق بذلك، علمت بقيام كارلو غينزبيرغ بتعديل نظرية استعارها من إريك أورباخ، تساءل فيها أورباخ: ” كيف يمكن لعالم بفقه لغة تعود إلى تقليد ثقافي معين أن يخوض غمار عالم تتفاعل فيه العديد من اللغات والتقاليد الثقافية؟”  كان جواب غينزبيرغ هو قوله :” إعتقد أورباخ أنه ينبغي على المرء البحث عن نقاط الانطلاق، عن تفاصيل ملموسة  يمكن من خلال استقرائها إعادة تركيب العملية العالمية…بواسطة قدر أقل من المعرفة “. وواصل غينزبيرغ قائلا: ” فمن خلال تضييق مدى سؤالنا، نأمل أن نفهم أكثر. تلك هي  الإنتقالة المعرفية التي تمت مقارنتها بعملية توسيع وتضييق عدسة الكاميرا. يمكن تسمية هذا المنهج بالتاريخ الجزئي، غير أن  التسميات تبقى غير هامة في النهاية”[7].

     أرى التفرع كامنا في نصي ” الغيتو الجديد” على شكل “نقاط إنطلاق”، وأقوم باستكشاف الثيمات المتنوعة التي يوحي بها. وهي تتضمن سياسات المستوطن السيد، الذي يعاني رغم ذلك من الإغتراب ، مقابل سياسات المنبوذ الذي يعي بأنه مهمش، سياسات الخصوصية مقابل سياسات العالمية، حدود الدولة- الأمة في أوروبا نهاية القرن، الاستعمار واليوتوبيا في الخيال الأدبي، ثم العلاقة بين النوع الإجتماعي والتحليل النفسي واللاسامية الحديثة. لا بد من توضيح أنني لا أبحث عن فكرة  نقاط الانطلاق من أجل التنقيب عن بدايات، وإنما- واقتباسا من غينزبيرغ مرة أخرى-  بهدف الحصول إلى ’قدر أقل من المعرفة‘، أملا في أن ’ أفهم أكثر‘.

     قبل استكشاف تاريخ وملابسات هذا التفرع، ينبغي تسجيل ملاحظة بيوغرافية ذات أهمية.  فاعتمادا على بعض المراجع في يوميات هرتزل، جرى الإعتقاد بشكل عام أن هرتزل ولازار قد التقيا للمرة الأولى في عام 1896. أعتقد أن هناك ما يكفي كدليل للقول بأنهما قد يكونان التقيا في عام 1894، وذلك خلال الفترة التي تمت فيها كتابة نصي ” الغيتو الجديد”. كذلك يجدر التأكيد على أن يوميات هرتزل بمفردها لا يمكن أن توفر دليلا حاسما على أنهما قد التقيا لأول مرة في عام 1896، لأن هرتزل كان قد بدأ في كتابة يومياته في أوائل حزيران 1895. 

      من خلال نظرة دقيقة على الفترة التي أقام هرتزل فيها بباريس ، علق بيير فان باسين على الحياة الاجتماعية للمراسلين الأجانب في المدينة، فذكر بأن الأكثر أهمية منهم، ومن ضمنهم هرتزل، اعتادوا أن يجتمعوا أسبوعيا لتناول وجبة غداء في مطعم فواييه قرب حدائق اللوكسيمبورغ، حيث كان الصحفيون الفرنسيون ينضمون إليهم. وكانت هذه المناسبة تمتد أحيانا إلى ما بعد الظهر. ويلاحظ باسين أنه” من بين زوار هذا الغداء  خلال شتاء 1894-1895، تظهر أسماء أناتول فرانس، آرثر مايير رئيس تحرير غولواز، غاستون كالميت من الفيغارو، فيكتور باش، وبرنارد لازار”[8].

 

 

تأصيل للمنبوذ الواعي (1)

 

 في خريف 1896، شعر برنارد لازار بأنه “مهجور ووحيد تماما”[9] . في نوفمبر من ذلك العام، نشر وعمم على نطاق واسع كراسه “خطأ قانوني: حقيقة مسألة درايفوس”، التي أدت  حقا إلى تحريك ما أصبح يعرف بمسألة  درايفوس. بعد انتشار هذه الكراسة بقليل، أسر إلى صدبقه جوزيف رايناخ، مؤلف التقرير ذي المجلدات السبعة عن المسألة، بقوله:  لن أقول شيئا عن الهجمات والإهانات، أو الإتهامات.ولن أقول شيئا عن موقف الصحافة التي أغلقت في وجهي   منذ ذلك اليوم فصاعدا.  بين يوم وآخر، أصبحت منبوذا.  وبما أنني كنت عرضة لهذه الحالة سابقا، فمعنوياتي لم تتأثر.  لقد عانيت ماديا فقط. أنت تعلم أن ذلك لم يحبطني، ولم   يوقفني عن العمل الذي أخذته على عاتقي[10].

 

  يبرز في هذا المجال سؤالان منفصلان رغم وجود علاقة بينهما: ما الذي جعل لازار يعتبر نفسه منبوذا؟ وبشكل أكثر دقة، منبوذا واعيا؟  وماالذي أعجب أريندت فيه؟  تشكل الإجابة على كل من هذين السؤالين معا تأصيلا لنموذج واضح الحداثة، علماني وسياسي- إجتماعي تقدمي، هو المنبوذ الواعي.

     ولد لازار في مدينة نيمز في عام 1865. كانت عائلة أمه قد أتت من تولوز وادعت بأنها منحدرة من يهود ’لانغويدوك‘ الذين استوطنوا في تلك المنطقة منذ عهد الرومان. أما عائلة والده فقد استوطنت في نيمز منذ القرن الثامن عشر، وكانت قد جاءت من الألزاس أو براندنبيرغ. كان والد لازار خياطا حسن الحال، وكانت العائلة متدينة بشكل معتدل. درس في المدارس الحكومية ذات التوجه الجمهوري، وأصبح ملحدا. وإذ نمت لديه الرغبة في الأدب، ذهب لازار إلى باريس في عام 1886 لكي يصبح أديبا. هناك التحق بالرمزيين، وبخاصة في مجال مواقفهم الرافضة للفلسفة الوضعية وحبهم الشديد لمالارميه. خلال النصف الأول من تسعينيات القرن التاسع عشر، برز لازار كشخصية مركزية في مجلة (أحاديث السياسة والأدب) التي أسست في عام 1890. (للمفارقة، في ضوء قضية درايفوس، كانت واقعية زولا أحد الأهداف الرئيسة للنقد من قبل لازار وزملائه الرمزيين) . كذلك درس لازار الديانات المقارنة في مدرسة الدراسات العملية العليا. في الآن ذاته، ونظرا لعدم اكتفائه بالانعزالية الجمالية الصافية للرمزية ، أ صبح لازار فوضويا وناقدا للديمقراطية الجمهورية البورجوازية، وتبنى تدريجيا الصحافة المقاتلة كأداة رئيسة له – وإن تكن ليست الوحيدة- في المجالين الأدبي والسياسي. كانت مجلة ” لا ريفو بلانش” نقطة اللقاء بين الرمزية والفوضوية، وهناك التقى لازار ناقدا أدبيا متحمسا آخر، هو ليون بلوم[11] .  وعلى الرغم من وجود بعض الدراسات الأدبية عن لازار، فإن ذلك الجمع الملفت بين حياته وعمله، لم يلق الإهتمام الذي يستحقه نظرا لتنوع مجالات اهتمامه ونشاطه.

     كان مايكل لووي هو الذي وفر الإطار المناسب لوضع لازار فيه، وهو  دراسته المثيره حول الفكر اليهودي الخاص بحرية الإرادة في العالم الألماني خلال النصف الأول من القرن العشرين [12]. فمن خلال تطويره لمفهوم الصلة الطوعية بين الظواهر الإجتماعية- الثقافية التي تبدو بدون أية علاقة بين بعضها البعض، والذي استند فيه  كثيرا إلى ماكس ويبر، يجمع لووي عددا كبيرا ومتنوعا  جدا من  المفكرين اليهود الألمان، ويجادل في أنه مهما كان الاختلاف بينهم، فهؤلاء المفكرون  قد أسهموا  في تكوين صلة طوعية متميزة بين اليهودية المسيانية والحرية الطوباوية،  بين الطاقات  التي عثروا عليها في مخزون اليهودية غير الربانية وإمكانية إطلاق تلك الطاقات من أجل خلق أوضاع طوباوية ثورية. تضم المجموعة التي أخضعها لووي للدراسة شخصيات مثل غوستاف لانداور، مارتن بوبر، فانز كافكا، غيرشوم شوليم وغيورغ لوكاش، ولا تعدو هذه الأسماء أن تكون غير البعض. أما الأساس الذي أقام لووي عليه بنيانه، فهو ولتر بنجامين. وقد خصص الفصل الأخير للإستثناء الفرنسي: برنارد لازار.

     كان لازار بالنسبة إلى لووي، هو “الإستثناء الذي يبرهن على القاعدة”، وذلك بمعنى أنه ربما كان المفكر الفرنسي اليهودي الوحيد، إن لم يكن المفكر اليهودي غير الألماني الوحيد، الذي جمع بين الرومانتيكية/الاندفاعة الثورية، وعبر عن حلم الميسيانية/ حرية الإرادة، وإن يكن ذلك بطرق فريدة .  فهو قد جسد الصلة التي قامت بين الرمزية الفرنسية  النيورومانتيكية الألمانية و مناهضتها للرأسمالية[13] .  كما إنه دفع قدما نحو ذلك القرب الكامن بين الرمزية والفوضوية. يلاحظ لووي: “وقف برنارد لازار على مفترق طرق حركتين…كان منجذبا إلى صالون مالارميه( الذي كان يحضره)، وإلى أفكار كروبوتكين (التي قدمها في الأنتريتيان) [14]. لم تفارق إندفاعة الحرية هذه لازار أبدا، مهما تغيرت الشبكات الإجتماعية المعينة. ولم تكن صدفة أنه في السنوات الأخيرة من حياته، شعر بأنه مرحب به على نحو مريح، فقط من قبل جورجيز سوريل، شارل بيغوي وحلقة بيجوي المؤلفة من الدرايفوسيين العاملين في مجلته  ’دفاتر الخامس عشر‘[15].

     كان عام 1894 حاسما في حياة لازار. فقبل فترة قصيرة كان قد نشر مجلده الضخم       

عن تاريخ اللاسامية، ” اللاسامية، تاريخها وأسبابها”[16]، الذي ألفه بين عامي 1891 و1893 ، والذي استمده من دراساته في الكلية التطبيقية التابعة لجامعة السوربون، وكان ذلك  عبارة عن خلاصة آرائه خلال أوائل العقد الأخير من القرن التاسع عشر. ففي ذلك الحين، كان لازار يعتقد بأن الإنصهار ممكن، وأنه هو  الطريق الوحيدة لتحرر اليهود. اعتقد أن التقدم سوف يضع نهاية لعناد اليهودية من جهة ولللاسامية من جهة أخرى، وأن مسؤولية التغيير تقع على اليهود من أجل مصلحتهم ومن أجل عدم عرقلة الإندماج النهائي للإسرائيليين المهيأين لذلك تماما[17].  قال لازار: ” فالإسرائيلي الفرنسي، على النحو الذي هو عليه، ليس لديه أية علاقة بأولئك التتر الأجلاف القذرين المخربين( يهود شرق أوروبا) الذين يأتون لكي يأكلوا خيرات بلد ليس بلدهم”[18] .  لم يكن هذا التحليل مختلفا عما كان يقوله اللاساميون من أمثال إدوارد درموند، الذي كتب مراجعة إيجابية  لكتاب لازار، واصفا إياه بأنه ” يمثل جهدا باتجاه عدم التحيز”[19].  ثم دعا لازارللمساعدة في تحكيم مسابقة ” الكلام الحر” حول إيجاد أفضل الحلول للمسألة الصهيونية. كذلك لم يكن التحليل غير مقبول لدى اليساريين. كانت المراحل الأولى من قضية درايفوس في خريف عام 1894،  وردود الفعل المرافقة لها في الصحافة وفي الشارع بداية التحول الدراماتيكي في موقف لازار من المسألة اليهودية، التي جلب إليها عالميته الفوضوية. فخلال أقل من نصف عام، كان يجادل درموند بعنف، وتورط الإثنان حقا في مبارزة خرج الإثنان منها سالمين[20].

    غير أن لووي وروبرت ويستريتش يلاحظان نقطة تحول نصية في سياسات لازار. ويجادلان في أنه يمكن العثور على نقطة التحول هذه في منتصف تاريخ لازار عن اللاسامية. ففي الفصول السبعة الأولى، التزم لازار بشكل عام، بفهم لاسامي لللاسامية، وذلك بمعنى أن الأخيرة قابلة للتفهم في ضوء التردد العنيد لليهود بأن يكونوا متواضعين. مع ذلك ، ما يلبث موقفه وحكمه أن يتغيرا في النصف الثاني من كتابه، وهو الذي يتناول اللاسامية الحديثة .[21] من الواضح أنه في الوقت الذي تم فيه توجيه الإتهام إلى درايفوس لأول مرة، أحس لازار بأن هناك  شيئا يرقى إلى الخطأ الجسيم في الإنصهار واتجاهه، وهي وجهة نظر عبر عنها في مقالته ” الغيتو الجديد”. فإذ يشير إلى ” مزاج لاسامي”، يقول بأن ذلك يشكل مؤشرا أشد خطورة من حزب سياسي لاسامي( وذلك غير موجود فعلا)، وأنه قد يكون من الخطأ تخيل  أن ” عددا قليلا من الجيوش يتبع(الجنرالات) على غرار المسيو إدوارد درموند “. كان درموند رئيس تحريرصحيفة لاسامية هي ” الكلام الحر”، والتي كان لها الكثير من القراء.  فما قصده لازار هو أن وجود هذا العدد الكبير من القراء يدل على وجود تأييد كبيرلآراء درموند، وأن المزاج اللاسامي الذي يدل عليه ذلك، هو بشكل ما أكثر إثارة للقلق من فرضية تشكيل حزب مؤسسي لاسامي. ثم ينتقل لازار لطرح ما يسميه ” الغيتو الجديد”. فهو لم يعتقد باحتمال إقامة جدران على غرار الغيتو القديم ثانية  في الغرب المتحضر. بل إن شيئا أكثر شرا يجري حدوثه:  ولكننا نرى ، شيئا فشيئا، عملية إقامة غيتو معنوي. فالإسرائيليون  لم يعودوا محصورين في خزائن، والشوارع عند حافات أحيائهم لم  تعد محاطة بالسلاسل، وإنما هناك من حولهم جوا معاديا، جوا من    عدم الثقة، من الكراهية المضمرة، من الأحقاد غير المعترف بها،  والتي هي على هذا النحو أكثر قوة. إنه غيتو مرعب بأساليب مختلفة  عن تلك التي كان يمكن للمرء أن يهرب منها بالثورة أو المنفى..

  وهذا الغيتو المعنوي، كما علق عليه لازار، قد يؤدي إلى إعادة خلق اليهودي المنبوذ. مع ذلك، لم يختم لازار ” الغيتو الجديد” بنغمة تشاؤمية، وكان واثقا من أن عالمية الدولة الوطنية/القومية سوف تساعد الشمولية  للانتصار على الخصوصية، وسوف” تدمر الغيتو الجديد أيضا”. بعد نشر مقالته، تعزز نشاط لازار بصفته درايفوسيا. وفي فبراير/ شباط 1895،  اتصل به ماثيو درايفوس (شقيق ألفريد)، وقرر تقديم المساعدة.  وكانت النتيجة الرئيسة هي مقالة “خطأ قانوني”  التي نشرت في نوفبر/تشرين الثاني 1896 وأطلقت الحملة لإثبات براءة درايفوس. غير أن مبادرات أخرى قد انطلقت أيضا ، مثل الحملة ضد درموند، الذي كان لازار قد أصبح الآن ضده تماما ، وذلك في المجلة الراديكالية ” فولتير” [22].

     على الرغم من أنني سأتناول عالم هرتزل السياسي والأدبي ، بما في ذلك ” الغيتو الجديد”، لاحقا، فإن أهمية التفرع تتطلب تعليقا هنا. فبالنسبة إلى لازار، اتفقت الأحداث الأولية لقضية درايفوس مع تحوله السياسي الخاص ( تمت الجولة الأولى من المحاكمة القانونية  بين 19 و22 ديسمبر/كانون الثاني1894). كان هرتزل في ذلك الوقت في باريس كمراسل لصحيفة “الصحافة الحرة الجديدة”، الصادرة في فيينا. ولكن المحاكمة لم تؤثرفيه أبدا في ذلك الحين. وبعد عدة سنوات، أي بعد أن أصبح هرتزل سياسيا يقود الحركة الصهيونية التي كان قد أسسها،  أدرك أهمية امتلاك وعي مبكر بقضية درايفوس عن طريق الإستغلال الإسترجاعي لها، وباشر بتدبير ذلك بمهارة فائقة. وبكلمات أخرى، فإن ما باشر هرتزل به هو اختراع محاكمة درايفوس كنقطة بداية للتجلي الصهيوني. ثم انبرى المثقفون والسياسيون المعجبون به بتصوير الحكاية الأسطورية عن اليهودي المنصهر وقد آلت إلى مشاهدة الإهانة التي تعرض لها درايفوس وتحوله إلى نبي صهيوني، وهي أسطورة رواها كورنبيرغ على نحو مقنع. في رسالة كتبت في عام 1898، قال هرتزل بأن ” الغيتو الجديد” قد كتبت بعد محاكمة درايفوس وبفعل تأثيرها”. وكما يبدو في الرسالة إلى شنيتزلر، المذكورة أعلاه، وكذلك التواريخ المكتوبة على مسودة الرواية، فإن الكتابة بدأت في 21 أكتوبر/ تشرين أول، وتم الإنتهاء منها في 8 نوفمبر/ تشرين ثاني، بينما تمت المحاكمة بعد ذلك بنحو ستة أسابيع.  وفي مقالة نشرت في عام 1899، قال هيرتزل بإصرار: ” إن ما جعلني صهيونيا هي قضية درايفوس…التي شهدتها في عام 1894″.  يذكر كورنبيرغ أن هرتزل ” قد غطى المحاكمة لجريدته، ولكن تقاريره عن الحدث لا تعزز إدعاءه”، لأن تلك التقارير كانت لامبالية ولا تعدو أن تكون تسجيل وقائع، وليس فيها ما يشير إلى تجربة تتغير فيها الحياة على نحو لا رجعة فيه. ولعل الأهم في ذلك، هو أن ما يمكن اعتباره بحق نقطة تحوله الحاسم نحو الصهيونية، (وهي الفترة التي ألف فيها كتابه ” دولة اليهود” في مايو/أيار1895)، فإن هيرتزل لم يذكر قضية درايفوس. وكان ما جعله يدرك احتمال براءة درايفوس وتداعيات ذلك، هو لقاؤه مع لازار في تموز/ يوليو 1896 وكراس الأخيرالذي نشر بعد ذلك بأربعة أشهر[23].

     لم تكن أريندت مدركة لحقيقة أن هيرتزل قد اعتنق قضية درايفوس بعد وقت طويل من حدوثها، كما لم تكن تدرك مدى التقارب الزمني، وإنما الإختلاف الكبير، ، بين نصي ” الغيتو الجديد”. مع ذلك ، فهي قد أحست بما أسميه بالتفرع في فقرة هيرتزل ولازار، التي تشكل خاتمة المقالة الخاصة باللاسامية الفرنسية الحديثة (1942). يظهر نص أريندت في مضمونين مقارنين في مجموعة أعمالها. فهو يظهر أولا كخاتمة  لدراستها الملفتة عن اللاسامية الفرنسية الحديثة، وتظهر النسخة الأخرى كمقتطف  في مجموعة رون فيلدمان التي تضم مقتطفات من أعمال أريندت، والتي تشكل أحد أهم المصادر عن مجموع أعمال حنة أريندت، ولكنها تظهر هنا كجزء منفصل عن المناقشة المعمقة لللاسامية الفرنسية التي تسبقها[24]. فاجتزاء هذا النص في مجموعة فيلدمان عن سياق مضمونه الأصلي، إنما يؤدي إلى فقدانه لبعض ما تضمنته ملاحظة أريندت من عمق، وهو فقدان تضاعف بفعل حقيقة أنها لم تستفد مما كشف عنه كورنبيرغ. فالذي تم فقدانه هو إلى أي مدى شكل إلتزام لازار بالعالم الواقعي من حوله إطارا لسياساته، وبالمقارنة الصارخة مع اغتراب هرتزل عن ذلك العالم.  لم يشأ لازار أن يطبّع اليهود، بل أراد تحقيق تغيير ثوري في المجتمع كله والعمل مع اليهود على النحو الذي هم عليه. أما هرتزل، فقد تقبل الإطار اللاسامي للمسألة اليهودية، وأتبع ذلك بحله القائم على تطبيع اليهود بإرسالهم بعيدا:   كان حل هيرتزل للمسألة اليهودية في التحليل الأخير،   هو الهروب أوالخلاص في وطن….بالنسبة له، لم يكن معنيا    بمدى المعاداة التي يمكن أن يكون عليها المسيحي، بل كان حقا يفكر أنه كلما ازدادت لاسامية  أحد ما، كلما أصبح أكثر تقديرا لمزايا الخروج اليهودي من أوروبا!  بالنسبة إلى لازار، من جهة اخرى، كانت مسألة الإقليم  ثانوية ……كانت نتائج هذا الرأي هي أنه لم ينظر هنا  وهناك بحثا عن عدد أكبر أو أقل من الحماة اللاساميين ،  وإنما كان يبحث عن رفاق درب تأمل أن يعثر عليهم بين الجماعات  المضطهدة في أوروبا المعاصرة. كان يعلم أن اللاسامية لم تكن   ظاهرة معزولة ولا عالمية، وأن التواطؤ المخزي الذي قامت به  القوى في مذابح شرق أوروبا، كانت تمثل أعراض شيء أعمق  من ذلك بكثير، وهو، بشكل خاص،  الإنهيار المحتمل لجميع القيم   الأخلاقية تحت ضغط السياسات الإمبريالية [25].  

 

   هناك صلة طوعية  بين الطرق التي تفاعل من خلالها لازار وأريندت مع الصهيونية المنظمة  أو الصهيونية كحركة استيطان قومي هدفه إستعمار فلسطين وإقامة دولة يهودية. وفي الحالتين، كانت هناك مرحلة  من التعاون، وهي توافقت مع الإعتراف  بفشل الإنصهار ورفض الصهيونية القاطع له. غير أنه بسبب أن لحظة الإعتراف كانت هي نفسها اللحظة التي أصبح فيها كل من لازار وأريندت منبوذين واعيين، فقد تم رفضهما من قبل الصهيونية وكأنهما حقلان مغناطيسيان وقد انقلبت قطبيتهما رأسا على عقب. خلال الأربعينيات من القرن العشرين،  كتبت حنة أريندت عن المقارنة بين هرتزل ولازار وعن تقاليد النبذ الخفية.  ففي كتابها ” إعادة النظر بالصهيونية” الصادر عام 1944،  سعت  وبالتعاون مع يهودا ماغنيس، الرئيس الأميركي اليهودي للجامعة العبرية، وإنما بدون نتيجة، لحشد مؤيدين من أجل إقامة دولة فلسطينية ثنائية القومية[26]. مع ذلك، أصبح هرتزل ولازار قريبين من بعضهما خلال السنوات الأولى من تعارفهما: امتدح هرتزل لازار في يومياته وأمام عدد من أصدقائه المقربين، وكان لازار على استعداد للمساعدة في إصدار طبعة فرنسية من كتاب

 ” دولة اليهود”. ودعا هرتزل لازار للعمل في اللجنة القضائية للمنظمة الصهيونية العالمية. كما حضر لازارالمؤتمر الصهيوني الثاني عام 1898. واعترافا بفضله في قضية درايفوس، تم استقباله من قبل المبعوثين على نحو يشبه العبادة[27] .

     مع ذلك، فبعد أقل من عام واحد، برزت قطيعة غير قابلة للرأب بين الإثنين.

وفي آذار/ مارس 1899، قدم لازار استقالته من اللجنة القضائية، وبشكل أو آخر، انسحب من المنظمة الصهيونية. كان لازار رافضا لأسلوب هرتزل الأوتوقراطي والإستعلائي. رأى كيف نسف هرتزل مناقشة ديمقراطية حول البنك القومي في المؤتمر الثاني، واعترض على صميم فكرة صندوق الإستعمار  اليهودي. ولم يستطع تحمل منهاجية الديبلوماسية المتعالية التي تجاهلت حاجات اليهود الحقيقيين مقابل أولئك الذين سوف يتم “تطبيعهم” في فلسطين في وقت لاحق ما، كما لم يستطع أن يغفر ذلك الإستعداد لتجاهل الفظائع التي ارتكبت ضد اليهود الروس والأرمن من أجل تسهيل المفاوضات مع المنفذين، وهما القيصر الروسي والسلطان العثماني.  غير أنه في الأساس، يمكن عزو ذلك الصدع إلى ما أسميته ” التفرع”. فقد انشطر

 لازار نحو قومية فوضوية- ثورية شكلت أساسا لمشروع إنساني عالمي، بينما تبنى هرتزل قومية إستيطانية بورجوازية ترمي إلى خلق دولة يهودية في إقليم مأهول بسكان أصليين غير بيض. في فبراير/ شباط ومارس/ آذار من عام 1899، كتب لازار إلى هرتزل سلسلة رسائل وضعت نهاية علاقته مع المؤسسة الصهيونية الوليدة وزعيمها. في إحدى تلك الرسائل، لم يترك لازار مجالا للشك في أين تقع مسؤولية الصدع الذي حدث:   أنت برجوازي في تفكيرك، برجوازي في مشاعرك، برجوازي في آرائك، وبرجوازي في نظرتك للمجتمع. ولذلك، فأنت تريد أن تقود الناس ، شعبنا الفقير والتعيس، الطبقة العاملة… أنت تتصرف  خارج نطاقهم ومن فوقهم، أنت تريدهم  أن يتبعوك  مثل قطيع غنم.  مثل كل الحكومات، أنت تريد  إخفاء الحقيقة، تريد أن تكون أنت       لحكومة الخاصة التي يتلخص واجبها الرئيس في إخفاء العار القومي.  ولكنني أريد أن أفضح ذلك، لكي يرى كل فرد من هو أيوب المسكين  الجالس فوق كومة الروث الخاصة به،  والذي يحك قروحه بقطعة زجاج  مكسورة[28]

 

      لم يكن لازار منهجي التفكير، غير أن تحوله إلى منبوذ واع لم يتضمن محاولة صياغة قومية يهودية ثورية[29] .  كان بينيديكت أندرسون قد لاحظ التناقض الكامن في القوة السياسية للقوميات مقابل الفقر المدقع، بل والتشوش في مجال الفلسفة. وبكلمات أخرى، فعلى العكس من معظم مسميات النظريات والمذاهب الأخرى، لم ينتج الفكر القومي مفكريه الخاصين، حيث لا يوجد للقومية أحد من أمثال هوبس أو توكفيل او ماركس أو ويبر… .  فعلى غرار  جيرترود شتاين في مواجهه أوكلاند، يمكن للمرء أن يخلص بسرعة إلى نتيجة أنه لا يوجد من يستطيع القول: ” كلا، يوجد، يوجد”[30].  إن المثير في تركيبه لازار اليهودية القومية، كما أعتقد، هو ذلك التوتر الخلاق بين الخاص والعالمي، والطريقة التي تنبثق فيها سياسات المنبوذ الواعي من ذلك التوتر. وتحضيرا للخطوة اللاحقة،  وهي الكشف عن أصول المنبوذ، فقد يجوز لي القول بأن ذلك التوتر يتصدر العلاقة بين قراءة أريندت للازار، وقولها( الذي سأعود إليه لاحقا) بأن راحيل فارنهاغن قد بقيت يهودية ومنبوذة. فهي لم تجد لها مكانا في تاريخ الإنسانية الأوروبية إلا  لأنها تشبثت بالحالتين[31].

     اكتشف لازار وجود أمة يهودية بطريقة اتفقت بشكل أو بآخرمع النظريات السائدة في القرن التاسع عشر. وانطلاقا من تلك الفرضية، أصر وبعناد، وإن لم يكن ذلك دائما على نحو منظم أو واضح، على الطاقة الثورية للأمة اليهودية، وبخاصة في تجلياتها الأوروبية الشرقية. فالطبيعة البروليتارية لتلك الأمة كانت إذن مهمة ليس فقط من أجل كرامة أعضائها، وإنما كذلك من أجل تحسين المجتمع بشكل عام، من خلال تحالف  اليهود المتمتعين بالوعي القومي والاجتماعي، والجماعات التقدمية الأخرى، والمسحوقين من البشرية.  لذلك، واصل لازار هجومه على البرجوازية، وبحدة خاصة، على البرجوازية اليهودية. فلملاحظته التي يقول فيها بأن الأمة اليهودية ثورية وبروليتارية وجهان. الأول هو محاولة بيان أن ذلك هو جوهر الأمة من عهد التوراة [32]. والثاني هو الإستناد إلى التحليل التاريخي والاجتماعي حول الحالات المتنوعة لليهود في المجتعات المختلفة على امتداد أوروبا المعاصرة. وعلى أساس هذا التحليل، ناضل لازار من أجل القضية اليهودية باعتبارها حركة قومية ثورية تتمتع في آن واحد بالخصوصية والعالمية.[33]

     كان تحرير اليهود بالنسبة إلى لازار، متضافرا مع تحرير كل مجتمع قومي آخر:” لا يوجد علاج إلا إذا كان علاجا عاما: سيكون اليهود أحرارا فقط حين تكون كل البلدان حرة”.[34]  عارض لازار بشدة تلك المعادلة الصهيونية المناسبة لهم- ولكنها زائفة- التي ربطت بين تساوي التحرر والانصهار. كان الصهيونيون يجادلون بأن التحرر يؤدي حتما إلى الإنصهار، لأن ذلك هو الحال- الواضح والضمني- الذي تقدمه المجتمعات المضيفة،  ولأنهم كمواطنين متساوين وأحرارا( وفق فرضية أن هذا ممكن) فإن اليهود سيفقدون هويتهم الجماعية. رفض لازار الإنصهار واعتبر التحرر وضعا ضروريا على مستوى الفرد ومن أجل التحرر الجماعي: “بالنسبة لهم ( الصهيونيين) يجب أن نقول: القومية والتحرر لا يتعارضان أبدا، بل على العكس، الأول  يتضمن الآخر، ولذلك أعتقد بأن تحرر اليهود هو الشرط اللازم لكي يتحولوا إلى أمة” [35]. في تفسير سلبي لهذه الصيغة، يتخيل لازار حوارا يقول فيه يهودي أوروبي شرقي إلى محادثه  اليهودي الأوروبي الغربي الذي يقدم له التحرر كهدف نهائي: “ما الذي سيعطيني إياه هذا التحرر؟… فذلك سوف يحولني من منبوذ غير واع إلى منبوذ واعي”[36] . فالتحرر مسألة حاسمة، وبكلمات أخرى، فهو فعلا يحرر إلى حد ما، غير أنه في الآن ذاته يغرس الوعي السياسي بالغياب والنقصان، بما تم الحرمان منه وما يجب الحصول عليه.

      على الرغم من مهارته الفائقة،  فقد أدى التزام لازار بالقومية اليهودية إلى جعله مسؤولا فكريا وسياسيا أمام جمهورين: الفوضويين إلى اليسار، والصهيونيين إلى اليمين. وجد نفسه- ربما غريزيا- وقد حورمفهومه القومي لمصلحة الأول. فكما تلاحظ نيلي ويلسون وبحق، ” لقد شرب كثيرا من كأس الفوضوية”،  وقد أقلقته الصهيونية ’بصفتها قومية تنص على توفر إقليم ترابي كقاعدة لها‘[37]. أدرك لازار أن اليهود كانوا ” أمة بدون أرض”[38]. ولكنه لم يكمل الأسطورة الدينية الإستعمارية.  فهو لم يقل بأنهم يحتاجون أرضا بدون أمة”. فابتعاده عن صهيونية هرتزل خلال فترة قصيرة لم تتجاوز انعقاد  مؤتمر واحد، كان أمرا ملفتا. وكما لو أنه توقع أن افتراض الصهيونيين بأن الدعاء الديني” العام القادم في القدس” يحث على السعي نحو امتلاك الأرض، افترض لازار أن تلك المقولة التقليدية إنما تعني في زيها الحديث  ” سنكون في العام القادم في بلد حر”.ويواصل على نحو أعتقد بأنه يعبر عن القومية الإنسانية للمنبوذ الواعي:  حين يقول اليهودي اليوم ” أنا قومي”، فهو لايعني تماما  وبشكل خاص ” أنا رجل يريد دولة يهودية في فلسطين ويحلم بالاستيلاء على القدس”. إنه يقول” أريد أن أكون  رجلا كامل الحرية وله مكان تحت الشمس، ولي الحق بأن أعامل كإنسان لديه كرامة. أريد أن لا أتعرض للاضطهاد،أن لا أتعرض للإنتهاك، أريد أن لا أتعرض للاحتقار المكدس فوقي”. ففي أوقات معينة من التاريخ، يكون معنى القومية لبعض الجماعات هو الحرية [39].

                      

      وإذا  تحقق قيام مثل هذه الأمة اليهودية في يوم ما، فأين ستقوم؟ هنا عاد لازار بكل صراحة إلى الفوضوية. فمقارنة بهرتزل، تمنى أن يناضل من أجل مجتمع تعددي يمكن فيه بشكل عملي قيام أمة داخل أمة، أو حتى دولة داخل دولة. كان لازار مترددا في التخلي عن  فرنسيته أو يهوديته. ولم يوافق على ضرورة أن يختار بين الإثنتين، مصرا على حق الأقليات في الاحتفاظ بما يمكن تسميته، وبشكل إسترجاعي ” بالإستقلال الذاتي الثقافي”[40] . وبتعبير آخر،  كانت قومية لازار اليهودية تشكل أرضية تقدمية يمكن منها تحدي فرضية تجانس الدولة- الأمة. فالنوع الخاص من القومية اليهودية الذي قدمه لازار له صلة وثيقة بالدوائر الإجتماعية التي كان يتحرك فيها في ذلك الوقت، وبردود فعلها على لاسامية نهاية القرن، وعلى قضية درايفوس.

     شهد آخر القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين إهتماما متزايدا بالبروليتاريا اليهودية لدى الدوائر الدراسية اليسارية المتخصصة بالدراسات الإجتماعية. أعطت دراسة أعدها يهودي روسي يدعى ليونتي سولوفيتشيك،  ونشرت في كتاب في باريس في عام 1898، دفعة قوية لذلك التوجه. وكان عنوان الدراسة هو” بروليتاريا غير معترف بها: دراسة عن الوضع الإجتماعي والاقتصادي للعمال اليهود”، وهي خلاصة رسالة دكتوراة أنجزت في جامعة بروكسيل التي كانت مقرا مرموقا للدراسات ذات التوجه اليساري. وقد استنتج سولوفيتشيك من معلوماته الإحصائية، وعلى العكس من الإعتقاد السائد، أن اليهود لم يكونوا شعبا من التجار والصيارفة، بل إن  هناك نسبة عالية جدا من البروليتاريين بين صفوفهم، على نحو يفوق ذلك في أي من المجتمعات القومية الأخرى. وفي العام ذاته، قامت مجموعة من عمال يهود فرنسيين بتنظيم أنفسهم على شكل ” جمعية العمال اليهود الإشتراكيين في باريس”. وكتبوا رسالة مفتوحة ما لبثت أن تحولت إلى كراس موجه إلى الحزب الإشتراكي الفرنسي. تذمرت الرسالة بمرارة من أن الإشتراكية الفرنسية لم تتخذ موقفا صارما ضد اللاسامية ولم تعلن عن تضامنها مع الطبقة العاملة اليهودية. حاولت الرسالة الجمع بين الدعوة إلى الأخوة الطبقية العالمية والتأكيد على القومية اليهودية البروليتارية الثورية.  وكما يحس ماروس بشكل مقنع، كانت يد لازار واضحة في هذه الرسالة، كما كان الإصرار الفوضوي على حق الأقليات في الحصول على الإستقلال الذاتي الثقافي. نظرت تلك الجماعة إلى مهمتها على أنها استمرار للثورة. ومن مقر عملهم في مونتمارتر، قاموا بإصدارالصحيفة الدرايفوسية العمالية التي حملت عنوانا ثوريا واضحا هو ’حقوق الإنسان‘.  وقام هنري دور، وهو فوضوي مقرب من لازار ومساهم  في الصحف الفوضوية مثل ’الحرية‘ و’صحيفة الشعب‘ ، بالتأكيد على  الإلتزام المماثل بالإستقلال الذاتي لأمة الأقلية داخل أمة الأغلبية ( من المفيد من أجل أغراض الحرية، أن تتمتع الشعوب ، كما يتمتع الأفراد، بالحفاظ على استقلالها الذاتي وتطويره)، وكذلك بالإرث العالمي للثورة: ’على النحو الذي شكلت فيه اللاسامية النقيض الأقوى للثورة، فإن الثورة هي الحاجز الوحيد الذي يوفر للإنسان إمكانية مجابهة اللاسامية. إن اليهود الذين ليسوا ثوريين، هم خونة لقضيتهم‘[41] . لم يكن دور هو الصوت الوحيد في حلقة لازار الذي  طرح هذا الموقف السياسي القوي.  فقد أوصى مدرس يهودي إشتراكي إلى تمسك اليهود بشعارهم ” أنا الأفضل”، من أجل إثبات أن اليهودي هو حقا “ذلك المنبوذ الخالد”.[42]  بالنسبة لمثل هؤلاء اليهود، ومنهم برنارد لازار،  وفقا لتصنيف ماروس الذكي، فإن جوهر اليهودية  ” لا يكمن في القرابة الدينية، ولاهو تعريف عرقي أو ثقافي، وإنما هو منظور إجتماعي للمجتمع الذي وجد اليهودي فيه نفسه.  ولأنهم كانوا في الأساس مغتربين عن ذلك المجتمع، فقد نظروا إلى يهوديتهم بمعايير اغترابهم. إن القومية اليهودية  بالنسبة لهؤلاء اليهود هي ظاهرة سلبية على نحو كاسح، ظاهرة إحتجاج وتمرد وليست ظاهرة إيجابية”.

      لقد وصفت كيف أنه  بينما كان لازار يكتب ” اللاسامية” في النصف الأول من  تسعينيات القرن التاسع عشر،  مر بتغير في  رؤيته السياسية. ورغم أن ذلك التغير كان هاما بالتأكيد، فأنا أعتقد بأن ذلك كان قائما على استمرارية أساسية: التوتر الدائم بين الخاص والعالمي،  حقيقة أن الموقف المتعلق بالخصوصية ليس له أي قيمة ما لم يكن يشكل جزءا من قضية إنسانية عالمية. وبكلمات أخرى، إن الفوضوية الطوباوية والإلتزام بالتنوير والثورة على النحو الذي فهمه، بقيت ملازمة لسياسات لازار طيلة حياته.  إن رفضه النهائي لصهيونية هيرتزل يؤكد على تلك الإستمرارية. ففي ملاحظة غير منشورة بعنوان  ’ضد القومية الترابية‘، كتبها لازار في وقت من عام 1902، لم يترك لازار مجالا للشك  في ذلك: ” تريدون إرسالنا إلى صهيون؟  لا نريد أن نذهب…لا نريد أن نذهب لكي نقتات على العشب مثل قبيلة صغيرة غارقة في النوم. إن عملنا وروحنا يقيمان هنا في العالم الأوسع، نحن نريد البقاء هنا، دون التنازل أو فقدان أي شيء”[43] .

      لم يكن من قبيل الصدفة أن  تفسر هذه الملاحظة، وكذلك فكرة أن القومية اليهودية تعني

’المشاركة في المشروع الإنساني مع البقاء بذاتنا‘ ،  ليس فقط واقع المنبوذ الواعي في القوقعة، بل وتذكير لووي أيضا بالموقف الذي تم إتخاذه لاحقا من قبل أكثرالفوضويين اليهود الألمان إلتزاما بالفوضوية، غوستاف لانداور، في مجادلته مع أصدقائه الصهيونيين [44].

     إذا كان لووي يوفر مضمونا فكريا يعتبر لازار إستثناء فرنسيا لظاهرة ألمانية، فإن سلسلة من ثلاث مقالات  كتبها أرون رودريغ حول نفس الموضوع، تقدم مضمونا فكريا فرنسيا خالصا[45] . يمثل هذا المضمون تفاعلا بين احتمال العالمية وواقع الجمهورية الثالثة، إضافة إلى الإحساس بالخصوصية اليهوديه. يقدم  رودريغ تجربة المثقفين اليهود الفرنسيين البرجوازيين في هذا المضمار. تضم المجموعة ليون هاليفي، ذلك المثقف السان سيموني الذي نشط خلال العقود المبكرة من القرن التاسع عشر، وسلومون رايناخ( شقيق جوزيف وثيودور)، ثم إدموند فليغ وأندريه سبير اللذين غطيا فترة نهاية القرن وما بعدها حتى ثلاثينيات القرن العشرين. كان التوتر بين العالمية والخصوصية  موضوعيا وذاتيا.  فمن الناحية الموضوعية، سمحت الجمهورية الثالثة للمثقفين بالاستفادة  من فوائد كونهم يتمتعون بالجنسية الفرنسية دون الحاجة إلى التخلي عن يهوديتهم، حتى لو حدث انفجار لاسامي بدا انه آخذ في التبلور في فرنسا بسبب قضية درايفوس والقومية الكليانية. أما من الناحية الذاتية، قد فهموا عالمهم على نحو مماثل. 

     وبدون الانشغال بفائدة النظر إلى الوراء،  يبين رودريغ كيف أنه يمكن النظر إلى  التوجه السياسي الفرنسي- اليهودي، الذي سينضج  في عهد الجمهورية الثالثة، بأنه قد تم توقعه مسبقا في الدراسة التاريخية التي كتبها ليون هاليفي في عشرينيات القرن التاسع عشر. ويبين أيضا ما الذي كان فرنسيا في ذلك التوجه، بغض النظر عن أوجه الشبه مع العالم الألماني: يبقى اختلاف هام واحد. فيما يتعلق بالمؤرخين الفرنسيين اليهود منذهاليفي فصاعدا، فإن الوضوح بين  المثل الخاصة  بالثورة الفرنسية وتلك الخاصة “بالحضارة”، يبقى شاملا. فبينما لم تكن اليوتوبيا الميسيانية  عن الأخوة العالمية قد ظهرت بعد في ألمانيا ،  فقد كانت  قيد التشكل   في فرنسا. وكانت عالمية الثورة الفرنسية في سياق التبلور، وبخاصة لدى الإنتصار النهائي للجمهورية وقيام الجمهورية الثالثة. ففي ذلك الحين، كانت عمليات التأريخ الفرنسية- اليهودية جارية بكل راحة.غير أن الطبيعةالإشكالية المتواصلة للتحرر اليهودي في ألمانيا، لم تكن مؤاتية لاستمرار  التأريخ اليهودي على قاعدة  التحرر السياسي[46] .

             

       تجسد أعمال  سالومون رايناخ، الذي لمع نجمه منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، النضج التام للعملية التي كان هاليفي قد توقعها. فأعماله عن اليهودية هامة جدا في مجال صياغة ما يسميه رودريغ بالأيديولوجية اليهودية – الفرنسية السائدة‘. فقد مثلت  خطابا معينا يتحدث عن التعايش بين اليهودية وفرنسا الحقبة الحديثة لما بعد عام 1789… التماثل بين مبادئ 1789 واليهودية التي تمت تنقيتها من الخرافات التي تلبستها على مر قرون من الاضطهاد، والتي تعني أن بإمكان اليهود الآن  الاشتراك كمواطنين كاملين على  الطريق الصاعد للحضارة [47].  ترافق هذا الخطاب مع واقع مؤسسي أكثر موضوعية.  فالجمهورية الثالثة، وعلى سبيل المقارنة، قد مكنت يهود الطبقة العليا من العمل في المجالات الأكاديمية والخدمة العامة قبل أي من الدول الأوروبية الأخرى، ومن غير أن تطلب منهم التخلي عن انتماءاتهم اليهودية[48] .  وفقا لذلك، يمكن اعتبار الملاحظة القائلة بأن فشل الإنصهار، بل والتحرر في فرنسا نهاية القرن  أمر مفهوم- في ضوءالانفجار اللاسامي في تسعينيات القرن التاسع عشر- ولكنه كان  مبكرا حين جاء من جانب لازار ومعاصريه، ومبالغ فيه ومغرض من الناحية السياسية إذا جاء على لسان المثقفين ورجال الدعاية الصهيونيين. أعتقد أن رودريغ مصيب في قوله:” في ضوء خلق أحساس يهودي بالذات تم استناده على وضوح عالمية الجمهورية، كان مفهوما كيف أن زعماء يهود فرنسا لم ينخرطوا  في عملية المراجعة خلال قضية درايفوس باسم الخصوصية الجمعية لليهود كيهود، وإنما كمواطنين فرنسيين” [49].

     كذلك فإن تدفق الكتابات الذاتية ووجود واقع مؤسسي موضوعي قد أدى إلى توفر الخطاب الفكري حول اليهود. وهذا شيء هام لأنه يؤكد على الإختلاف بين المضامين الفرنسية والألمانية. يلاحظ رودريغ أن المشهد الفكري السائد حاليا هو أن الدراسات التي تعود لمفكرين يهود فرنسيين، تحتوي على كم كبير من الدراسات الأصلية  المتأثرة بالدراسات  اليهودية  الألمانية المعروفة بإسم ’ ويزينشافت‘ (وهي التي انتجت في القرن التاسع عشر،

 و سعت إلى الإلتزام بالمناهج والمشاغل العلمية البحتة، وحاولت الحفاظ على الموقف القائل بأن اليهودية منسجمة  مع الحداثة وأن اليهود يمكن أن يندمجوا تماما في المجتمع الألماني) وبأنها مشتقة منها أساسا.  ’ مع ذلك، ففي خضم واقع إجتماعي وسياسي وثقافي ومؤسسي يختلف جذريا عما هو عليه الحال في ألمانيا، فإن أثر الأفكار والمناهج الألمانية  قد أدى  إلى صياغات ونتائج  مختلفة جدا، لعل أهمها هو اعتماد العالمية على أنها المبدأ المرشد ، والتأكيد على المقارن وعلى العالمي[50] .

     كان أحدث المؤلفين الذين تم ذكرهم هنا هما سباير وفليغ( كانا أديبين أكثر منهما أكاديميين وظلا يكتبان حتى عشرينيات القرن العشرين)، وهما مهمان لأنهما يعبران عن تطور داخل الجمهورية الثالثة الفرنسية ذاتها،  وهو ظهور جاذبية مزدوجة  لقومية موريس بار الكليانية والصهيونية، التي افترضت مسبقا وجود أمة يهوديةعضوية. كانت المواقف التي عبر عنها هذان الكاتبان تحتوي على خيط من الإستمرارية مع ما جاء سابقا، غير أنهما ابتعدا عن الفلسفة السائدة في القرن التاسع عشر بطريقتين هامتين. الأولى هي أنهما ،على العكس من سابقيهما ، تبنيا موقفا يقول بأن اليهودية الحصرية والجمهورية العالمية يتجهان بشكل متزايد نحو وضع لا يكونان فيه مكونين غير قابلين للانفصال عن كل واحد متماسك، وإنما كقطبين  يوجد بينهما تذبذب متواصل.  والثانية  هي أن الإلتزام بالصهيونية – على الأقل في حالة سباير-  هو الأقوى بكثير.  ويمكن  التدليل على ذلك التغييربصداقة فليغ، على الأقل منذ أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر فصاعدا مع لوسيان مورو، الذي سيصبح الزعيم المنظر لحركة العمل الفرنسي اليمينية المتطرفة المناهضة للثورة. ففي عام 1898، كتب فليغ رسالة إلى مورو يجيب فيها على قول الأخير بأنه قد توصل أخيرا إلى التصميم على ’ أن يعيش حياة إجتماعية‘ وأن ’ يحصل على القناعات‘، حيث قال فليغ  إلى صديقه: ” لقد شعرت بالحاجة لكي أصل نفسي بكليانية مثيرة، بماض، بتقاليد، بشيء يكون أنا وأكثر مني، أن أعمل في عمل بدأه آخرون والذي سوف يعمل فيه آخرون… الماضي الذي اكتشفته، والذي ينام فعلا في أعماق وجودي، الذي هو ماضي السلالة التي أنتمي إليها‘.  ليس فقط أن مورو قد وافق على ذلك، وإنما وافق على ذلك بصيغة تستخلص الدرس المقصود والقواعد الثقافية، فكان رده:” أنا كذلك آخذ بالتحول إلى الحصرية” [51].

     أظهر سباير حالة فكرية قابلة للمقارنة. فقد أصبح تحوله إلى القومية اليهودية على نحو لا عودة عنه  خلال لقائه في عام 1902 بالطبقة العاملة اليهودية في حي الإيست إيند في لندن. كذلك كان لقاء برنارد لازار بيهود من الطبقة العاملة في شرق أوروبا حاسما بالنسبة لنوعية قوميته اليهودية ذات الطابع الفوضوي الثوري. لم يكن ممكنا إجراء مقارنة مختلفة إلى هذه الدرجة بين هذين اللقائين. فقد وجد سباير في يهود الإيست إيند أصالة بدائية تذكر بالتأثر الذي أصاب غيرشوم شوليم حين التقى يهودا أوروبيين شرقيين في برلين، أو قد تذكر أكثر باللقاء الأدبي مع مردخاي دانيال ديروندا-كذلك في الأيست إيند –في رواية جورج إليوت التي تحمل نفس الإسم. لم يكن مجرد صدفة، كما أعتقد، أن اللقاءات الثلاثة كانت صهيونية. فخلاصة ما قاله سباير عن تجليه الصهيوني في الوايت تشابل ،  كان عبارة عن عملية إستباقية غير ذكية لسياسات الهوية  الأميركية: ’فلأجل أن تقتنص اليهودي الحقيقي، لا يكفي أن لا تكره اليهود، أو أن تقابل يهودا بملابس قشيبة خاصة بالمسيحيين. على المرء أن يعيش بين اليهود الفقراء، عليه أن يأكل معهم ’كوغل‘ يوم السبت و’ماتزا‘ عيد الفصح. عليه أن يحب السمك المقلي، وسمك الغيفيلت، ولحم الكوشر‘[52] .

    يدرك رودريغ ببعد نظر حقيقي أن هذه الشخصيات مثل فليغ وسباير، وإن تكن قد أعجبت  بلازار بصفته درايفوسيا أيقونيا، أو حتى كإسرائيلي أعاد اكتشاف يهوديته، فهما لم يكونا على اطلاع حقيقي على كتاباته. أعتقد أنه على الرغم من أن لازار كان جزءا من العالم المنبثق عن مقالات رودريغ، فقد كان وضعه فريدا داخل ذلك المضمون. كان لا بد له من اكتشاف أن  تنقلات فليغ وسباير في عالم الخصوصية مفرطة ومدعاة للاعتراض.  غير أن موقفه كان أيضا شديد الاختلاف عن اليهودية – الفرانكوية لسالومون رايناخ على سبيل المثال. إن سبب الاختلاف هو  حقيقة أن التزام لازارالأكثر ثباتا واستقرارا كان بالفوضوية قبل كل شيء. ومالم نأخذ في الاعتبار حقيقة أن القومية اليهودية لم تكن مهمة له إلا بسبب إمكانية أن يكون لها  دور محوري في الرؤيا الفوضوية- الثورية، فإن سياسات لازار لا يمكن التأكد من فهمها.

     هناك عدة تجليات للتنافس السياسي، أحدها هو النعي المؤثر للازار الذي نشره درومونت في عام 1903 في ” الكلام الحر”: ” نحن لا نستطيع أن نأمل إلا في شيء واحد، أن يغدق المسيحيون على نبلائهم نفس الأهمية والإلتزامات المسيحية الأصيلة التي أغدقها لازار على نبلاء اليهود”[53].

     هذا هو إذن برنارد لازارالذي ألهم حنة أريندت سياساتها وعلومها فضمته إلى مقالتها الشهيرة عن النبذ والمنبوذين كواحد من أربعة نماذج إلى جانب هاينريك هايني، تشارلي شابلن ( الذي لم يكن يهوديا) وفرانز كافكا[54].  كانت أهمية لازار بالنسبة لأريندت سياسية بدرجة رئيسة. ففي تأصيلها للمنبوذ الحديث،  ’ترجم‘ لازار ذلك التخوف  الذي عبر عنه هايني ثقافيا، إلى”  معاني ذات أهمية سياسية”[55]. ومثل لازار، تعرفت أريندت  على الأهمية الفائقة، وفي الآن ذاته عدم كفاية، التحرر  كعملية  تؤدي إلى تحويل المنبوذ إلى منبوذ واع  متمرد.  فهي التي قالت: ” فحالما يدخل المنبوذ عالم السياسة،  ويترجم وضعه إلى وضع سياسي، فهو يصبح بالضرورة متمردا”. لذلك كانت فكرة لازار أن على اليهودي أن يخرج إلى العلانية كممثل للمنبوذ، “لأن  واجب كل إنسان هو أن يقاوم الإضطهاد” [56]. كما وافقت أيضا  بكل ترحاب على موقفه من أن  سياسات المنبوذ الواعي يجب  أن تتضمن نضالا لا يقبل المهادنة ضد اليهودي محدث النعمة[57].  ومن خلال نعمة النظر إلى الوراء، يرى المرء في تعاطف أريندت مع نقد لازار اللاذع لطبقة الأثرياء اليهود، مقدمة نقدها الشديد لكتاب” دولة اليهود” ، والذي سوف يتجلى بعد عقدين في كتابها ” آيخمان في القدس”.    

 

 

                   تأصيل المنبوذ الواعي (2)

 

   قال إرنيست غيلنر: ” لو لم توجد حنة أريندت،  لكان لا بد من اختراعها، فحياتها حكاية ذات مغزى، ليس فقط لعصرنا، وإنما لعدة قرون من الفكر والتجارب الأوروبية. غير أن الإرادة الإلهية، مع ذلك، قد قررت بحكمتها أن توجد حنة أريندت، لذلك لا توجد حاجة لاختراعها من أجل الحكاية”[58] . وكما ذكر سابقا، فإن تسلسل الأحداث الخاصة ببحثي-  الغوص في أعماق أواخر القرن التاسع عشر التي حدث فيها التفرع عبر أعمال حنة أريندت التي أنجزتها  منذ  ثلاثينيات القرن العشرين فصاعدا-  يؤدي إلى حدوث توتر معين مقابل تسلسل الأحداث الخاصة بالتجربة التاريخية. قد يتم التعرف على أهمية أريندت بالنسبة إلى هذه المناقشة من خلال ما ورد في تشبيه أورده وولتر بنجامين في فقرة ذكرتها أريندت في مقدمتها لكتاب بنجامين، “الإشراقات”. كتب بنجامين: ’يمكن تشبيهه (  أي الناقد) بخبير الكتابات القديمة أمام مخطوطة غطي لونها الباهت بخطوط أشد قوة من المخطوطة الأصلية. وإذ يكاد الخبير البدء بقراءة  النص، يتحتم على الناقد أن يبدأ بالتعليق على مخطوطته الأصلية[59].   بالنسبة لي، أنا الخبير بالكتابات القديمة، فإن أعمال أريندت هي النص ذو الخطوط الأقوى، وبدون قراءته، فإنني أشعر بأن المخطوطة الباهتة، التي هي برنارد لازار بشكل خاص، وسياسات المنبوذ الواعي بشكل عام ، ستظل ناقصة.

    بدأ الاستعمال الأوروبي الحديث لمصطلح ” الباريا”، أي المنبوذ، الخاص بطبقة تحتل أسفل السلم الإجتماعي، وهي أكبر طبقاته في جنوب الهند، خلال  القرن التاسع عشر، على الرغم من أنه  كان معروفا منذ أوائل القرن السابع عشر من خلال السياح والرحالة الإنجليز[60]  

اشتهرت هذه الكلمة في ألمانيا بشكل خاص باعتبارها تشكل تعبيرا تحليليا عن فئة سكانية  في سياق التعامل مع المسألة اليهودية. كما تم استخدام الكلمة مجازيا منذ عام 1823. في المجال ذاته، ألف مايكل بير، وهو كاتب مسرحي يهودي ألماني، مسرحية بعنوان ’المنبوذ‘، وتم تمثيلها على المسرح الملكي في برلين في ديسمبر/ كانون الأول من العام ذاته.  كان بطل المسرحية هنديا يدعى غادي، الذي جعل طغاة الطبقة العليا منه شخصا منبوذا. كان المنبوذ محروما من الكثير من الإمتيازات كحق القتال والموت من أجل أرض الآباء( سنتحدث لاحقا عن أهمية الموت ببطولة عند هرتزل). في نهاية القرن التاسع عشر، تعزز إطلاق  هذه الكلمة على اليهود مع انتشارها في فرنسا وألمانيا في سياق قضية درايفوس. ولم يكن هرتزل ولازار أقل استعمالا لها [61]

      ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين دراستان مهمتان عن ذلك لماكس ويبر وحنة أريندت. ويقول آرنالدو موميليانو ( 1908-1987)، وهو مفكر شامخ متخصص في التاريخ القديم والكتابة التاريخية، أن ماكس ويبر كان أول من أدخل مصطلح “الباريا-المنبوذ” للدراسات العلمية عن اليهودية، وأن هرتزل ولازار كانا قد أطلقا المصطلح على اليهود الحديثين، وأن حنة أريندت  قد عممت تلك الكلمة لاحقا في أميركا.  ويضيف موميليانو: ” على الرغم من أنها استعملته وفق مفهومها الخاص، فهي قد اقتبسته تحديدا من ماكس ويبر”[62]. أما إفراييم شميلي، وهو مؤرخ في الجامعة العبرية، فقد انتقد  حنة أريندت بسبب إكثارها في  استعمال مصطلح الباريا-المنبوذ كصفة لليهود “على نحو لم يفعله أي كاتب آخر في جيلنا”[63] . ولا يوجد ما يدعو إلى التشكيك في ما لاحظه موميليانو، وذلك لأن أريندت كانت على علم بعمل ويبر بشكل عام وعن اليهود بشكل خاص( وهو ما أقرت به في مقالتها الخاصة بالمنبوذ)[64]. كما أنها درست في هايديلبيرغ مع أحد أعز أصدقاء ويبر هو كارل جاسبيرز. غير أنه لا بد من التوقف عند التعبير الذي استخدمه  موميليانو، وهو ” اقتبسته تحديدا”. فأنا أعتقد وبغض النظر عن مكانة ويبر، أن مفهوم “الباريا-المنبوذ” الذي طورته أريندت وعممته، كان متأثرا بشكل أكبر بدراساتها الخاصة بالكاتبة اليهودية الألمانية، راحيل فارنهاغن ، التي عاشت في أوائل القرن التاسع عشر، إضافة إلى قراءتها لكتابات برنارد لازار.

     إن قيام ويبر بتطبيق مصطلح ” الباريا-المنبوذ”  من أجل شرح التاريخ الجمعي لليهود وماهيتهم، والمناقشات والاعتراضات  التي تصاعدت بسبب ذلك، معروف كله.  فماكتبه ويبر حول ذلك موجود في كتبه التالية: ’اليهودية القديمة‘ (1917—1919)، وفقرات معينة حول الدين في ’الاقتصاد والمجتمع‘ الذي كتبه بين عامي 1911 و1913 [65]. شرح ويبر في الأول أنه” من الناحية السايكولوجية، كان اليهود أناسا منبوذين، وذلك بمعنى، وعلى النحو الذي نعرفه من الهند، أنهم كانوا اناسا ضيوفا منفصلين عما يحيط بهم طقسيا، سواء رسميا أم واقعيا. وفي الثاني، يتخلى ويبر عن فكرة ” الضيوف” التي تؤكد على الإختيار الواعي لليهود بان يكونوا منبوذين،  ويقول بأن “الناس المنبوذين هم  مجموعة من الناس المختلفين وراثيا  عن الآخرين وليس لهم  تنظيم سياسي ذاتي ويتصفون بأنم يحظرون على أنفسم الاختلاط بالآخرين أو التزاوج معهم لأن ذلك مؤسس في الأصل على أوامر سحرية وتحريمية وطقسية معينة. بالإضافة إلى ذلك، هناك صفتان للباريا هما عدم التعاطي مع السياسة والشؤون الاجتماعية، والتمايز الكبير في الوظائف الإقتصادية” [66]

     كتب ويبر ذلك إنطلاقا من إطار مفاهيمي خاص بألماني قومي ليبرالي  ينتمي إلى القرن التاسع عشر ويفكر بالمسألة اليهودية. شغل نفسه  بتحرر اليهود وإمكانية إندماجهم في المجتمع الألماني كأفراد، وكذلك بالفرق بين الرأسماليات البروتستنتية واليهودية[67].  إن ما ينبغي أن يكون واضحا هو، أولا،  أن ويبر كان يفكر في اليهود المنبوذين كتصنيف موضوعي يصف وضع اليهود في المجتمعات الأوروبية بتجرد ( حتى إذا كانوا هم الذين اختاروا أن يكونوا شعبا منبوذا، على النحو الذي بينه في ” اليهودية القديمة”). والثاني هو أنه لم ينظر إلى صفة الباريا-المنبوذ على أنها تفسر موقفا سياسيا يتبناه يهود معينون في مواجهة العالم الحديث. وهذا هو الذي يجعلني أعتقد أنه باستثناء معرفة ما يمكن أن يؤدي إليه استعمال المصطلح الهندي، “باريا” ، من إلقاء الضوء على اليهود في أوروبا الحديثة، فإن أريندت لم

 ” تقتبس”  الشيء الكثير من ويبر. يعلق موميليانو نفسه على ذلك بقوله: ” بالنسبة إلى أريندت، فالمنبوذ هو صنف واحد من اليهود….يقابله (وهو أفضل منه)صنف يهودي آخر، هو صنف محدث النعمة….كان ويبر يفكر بشيء آخر[68] .

     إنني أدعم فكرة أن حنة أريندت كانت معنية بأن تجعل المنبوذ صنفا محوريا بفعل قراءتها لبرنارد لازار ودراستها لحالة راحيل فارنهاغن. لقد سيطرت عليها هذه الفكرة لأنها وفرت لها وصفا واضحا جدا لنفسها: إمرأة يهودية ألمانية علمانية ، حداثية ، غير ملتزمة، وتعيش في العقود الوسطى من القرن العشرين. وعلي نحو أبسط، لقد أصبحت أريندت ’باريا‘، بفعل  اختيارها وإرادتها. فحين عادت إلى الاتصال بالآخرين بعد الحرب العالمية الثانية، كتبت أريندت من نيويورك إلى كارل جاسبرز: ” كما ترى، لم أصبح محترمة بأي شكل. أعتقد الآن أكثر من أي وقت مضى أن حياة إنسانية محترمة لن تكون ممكنة اليوم إلا على حافات المجتمع، حيث يتعرض المرء إلى التضور جوعا أو الموت رجما”[69] .

     فلنقم الآن جسرا بين وصف أريندت لنفسها في نيويورك في عام 1946، و مصدر الإيحاء الرئيس لهذا الوصف- حياة راحيل فارنهاغن على النحو الذي فهمته أريندت.  كانت راحيل ليفين، التي ولدت في برلين في عام 1771 الطفلة الأولى لتاجر مجوهرات يهودي أورثوذكسي ثري. وقد انتمت لذلك الجيل الأول من اليهود الألمان الذين كان التحرر والانصهار خيارهم  رغم كل المشاكل والتناقضات المترتبة على ذلك، وكذلك الحصول على الثقافة القومية اليهودية. تعتبرراحيل شخصية مركزية في مرحلة تميزت بالانفتاح والتواصل في تاريخ برلين الثقافي، وذلك منذ العقد الأخير من القرن الثامن عشر تقريبا، إلى حين غزو نابوليون للمدينة في عام 1806. كان صالونها الشهير القائم في علية في ’ياغرشتراسه‘، ناشطا  لعقد ونصف منذ عام 1790،  وكان يعتبر مكانا مهما جدا بالنسبة لتاريخ الرومانتيكية الألمانية وولادة  طقس عبادة غوته [70]. كان الكثيرمن مثقفي برلين يحضرون إلى هذا الصالون:  أليكساندر ويهيلم فان همبولد، فريدريك شليغل، شلايرماخر،الأمير لويس فيرديناند من بروسيا وعشيقته بولين ويزل، برينتانو وكثيرون غيرهم. كان لراحيل الكثير من العلاقات الغرامية مع دبلوماسيين أوروبيين وبروسيين من الطبقة العليا. في عام 1814، وبعد بضع سنوات من التعارف،  تم تعميدها باسم أنطونيا فريديريك، وتزوجت من موظف بروسي إسمه كارل أوغست فون فارنهاغن إينسه.  بعد تنقل فون فارنهاغن الوظيفي  في عدة مدن، استقر الزوجان في برلين في عام 1819، حيث تعرفت راحيل على الشاب هاينريك هايني، الذي سيظل أحد أعز أصدقائها حتى موتها في عام 1833.  كانت هي وزوجها قد افتتحا صالونا جديدا في برلين ظل عاملا من عام 1821 حتى 1832. ويبدو أنه كان أقل نشاطا ومغامرة  من صالونها السابق. وشمل رواد هذا الصالون بيتينا فون آرنيم وهايني وهيغل ورانكه [71].

     اطلعت أريندت لأول مرة على حياة وأعمال راحيل في منتصف عشرينيات القرن العشرين من خلال صديقة حميمة لها هي آن منديلسون.  كانت منديلسون قد اشترت معظم مراسلات عائلة فارنهاغن بستة بنسات من بائع كتب أفلس خلال التضخم الكبير، ثم  أهدت ما اشترته إلى صديقتها أريندت. ولم يكن صدفة أن أريندت قدمت كتابها بإهداء إلى آن. لم تبد أريندت في البداية إهتماما كبيرا براحيل ، غير أن موقفها ما لبث أن تغير تماما في أواخر العشرينيات، حين كانت قد اكتسبت إهتماما شديدا  بالرومانتيكية. وكان مصدر ذلك هو دراستها في هايديلبيرغ مع العضو الشهير في حلقة ستيفان جورج، الناقد والشاعر فريدريك غوندولف، وانخراطها في جماعة من الطلبة ( بينو فون ويز بشكل خاص) كانوا منغمرين في الأدب الرومانتيكي. كذلك، وعلى نحو مختلف عن دراستها السابقة في ماربورغ،  كان لهايديلبيرغ علاقة  ببرلين راحيل: تقليد نسخة أخرى من الصالونات، التي كان من شخصياتها: ماريان وماكس ويبر، جيرترود وكارل يسبرز، جيرترود وغيورغ سيمميل وتلاميذهم [72] .هناك، في عام 1926، التقت أريندت بكورت بلومينفيلد الذي جاء كضيف محاضر. كان بلومينفيلد أحد أكثر المحاضرين تأثيرا في مجال دعم الصهيونية الألمانية، والذي ستصبح صداقته الحميمة ذات أهمية كبيرة في جميع المجالات، ليس أقلها مجال الكتابة والسياسة. كان بلومينفيلد هو الذي جذب إنتباه أريندت إلى برنارد لازار وكذلك إلى التمييز بين صنفين من اليهود الحديثين، محدث النعمة والباريا[73].

     على الرغم من أن كتاب ” راحيل فارنهاغن” ليس مشهورا مثل بقية كتب أريندت، فقد جلب إهتماما متزايدا في العقد الأخير[74] .  واجه المعلقون على ” راحيل فارنهاغن”  نوعا من التوتر  الذي يلازم ذلك الكتاب[75] . فمن جهة، يمكن الإفتراض وبحق أن أريندت أرادت أن تكتب إعادة بناء تامة لحياة وعالم راحيل، وذلك على نحو يكون منحصرا جدا في ما يمكن أن تكون راحيل قد عرفته وفكرت فيه.  من جهة ثانية، فإن أثر عالم أريندت على ” راحيل

 فارن هاغن” واضح ومهم جدا. فهل يمكن القول بأن هذا العمل ليس مشروعا ناجحا من حيث أنه يشكل إعادة بناء نصية بسبب اقتحامه من قبل عالم المؤلفة؟ لكي أكمل التسلسل الزمني للمنبوذ الواعي، أود أن أجمع بين المحاولات المختلفة لفهم ” راحيل فارنهاغن” بالتأكيد على ثلاثة عوامل  ذات صلة ببعضها البعض. الأول كرونولوجي:  كانت هناك إنقطاعات كبيرة بين كتابة الأجزاء المختلفة من الكتاب. الثاني هو أثر الكتاب على تفاعل أريندت مع وولتر بنجامين. الثالث هو شكل الكتاب.

      اتجه النقاد  إلى تجاهل حقيقة أن أريندت كتبت أجزاء مختلفة من “راحيل فارنهاغن” على ثلاث دفعات متفرقة. ففي عام 1930، كان تركيزها منصبا على كتابة دراسة تركز فيها على راحيل بدلا من الرومانتيكية الألمانية بشكل موسع. أنجزت معظم البحوث في المكتبة البروسية الحكومية في برلين بصحبة بلومينفيلد وحلقته الصهيونية. ,وقد قادها ذلك البحث إلى ما هو أبعد كثيرا من مراسلات راحيل المنشورة التي كانت قد اختيرت وحررت بيد فارنهاغن نفسة ، الذي كانت أريندت – تعرفت عليه من خلال النصوص- تكرهه وتحتقره. كتبت أريندت القسم الأول من كتابها _ وهو القسم الأكبر ويتألف من11 فصلا-  في عام 1933، قبل هروبها من برلين إلى باريس [76]. غير أن الفصول الأخيرة الحاسمة، والمعنونة ” بين المنبوذ ومحدث النعمة ( 1815-1819) وكذلك ” لا هروب للمرء من يهوديته ( 1820-1833)” ، فقد كتبت في باريس في صيف 1938، وهو ما تم الإفصاح عنه في رسالة إلى جاسبرز. قرأ جاسبرز المخطوطة كلها في عام 1952( نشرت لأول مرة في عام 1957)، وسأل أريندت عن سبب اختلاف تنسيق الفصلين الأخيرين عن بقية الكتاب. أجابت في السابع من سبتمبر 1952:  كتبت نهاية الكتاب بينما كنت منزعجة جدا في صيف 1938   لأن  هاينريك بلوخر وولتر بنجامين أصرا على عدم تركي في سلام إلا بعد  أن أنتهي منه. إنه مكتوب كله وفق النقد الصهيوني للانصهار الذي قبلت به في ذلك الحين والذي لم أغير فيه كثيرا   حتى هذا اليوم. كنت وأنا شابة ساذجة حقا. وجدت ” المسألة  الصهيونية” مملة جدا. فتح كورت بلومينفيلد عيني على الموضوع[77] .

 

     لابد من التأكيد على أن حديث أريندت عن رفض الصهيونية للانصهار يمثل بداية قبولها بمبدأ صهيوني هام، ونهاية لذلك القبول.  فاعتراضها على صهيونية هرتزل وبن غوريون، كما هو معروف، قد تم التعبير عنه بشكل حدسي خلال أربعينيات القرن العشرين، ثم تطور بعد ذلك إلى قناعة عقلية [78] . تمت كتابة الدفعة الثالثة من الكتاب، التي ضمت المقدمة، في صيف 1956 في نيويورك، وكان الهولوكوست ماثلا بين المقدمة والكتاب ككل[79] .

      تم إيضاح احتمال التوازي بين راحيل فارنهاغن وحنة أريندت من قبل كاتبة سيرة أرينت الذكية ، إليزابيث يانغ برويل، وسيلا بنحبيب التي رغم بعض قلقها من مبالغة برويل بالنسبة لهذا التوازي، فهي قد عنونت مقالتها ” المنبوذة وظلها” [80]. تم التعليق مؤخرا على هذا الإقتراب الشديد المسكون بالتوتر من قبل ليليان وايزبيرغ وهايدي تيوارسون[81] . فالانجذاب الذي شعرت به أريندت نحو موضوعها كان حقا شيئا خاصا. فجملتها الواردة في مقدمة الكتاب، والتي تقول فيها:” إن ما أردته حقا هو أن أروي قصة راحيل فارنهاغن، كما لو أنها هي التي كانت ترويها”[82] ، هي جملة مدهشة حقا، وذلك على النحو الذي أسرت به أريندت إلى هاينريتش بلوخر( زوجها الثاني) في عام 1836، وهو أن راحيل كانت ’ أقرب صديقاتي‘، على الرغم من أن راحيل كانت قد توفيت قبل ذلك  بنحو مئة عام‘[83] .  فهم بعض الباحثين هذا القول الوارد في المقدمة والكتاب  بشكل عام كما لو أنه يعبرعن رغبة في القيام بكتابة نص يتضمن إعادة تركيب حياة راحيل وعالمها على نحو كامل. ولذلك يعلق أولريك ويكيل قائلا:”  هناك توتر معين بين تفسير أريندت لراحيل فارنهاغن من زاوية نهاية اليهود الألمان، ومقاربتها ككاتبة سيرة ادعت بأنها لم ترد معرفة ما هو أكثر مما عرفته بطلتها. وقد أدى ذلك إلى قيام اليهودية المناصرة للألمانية، كيت هامبورغر، برفض وصف حياة راحيل بأنها ’ ما بين الباريا ومحدث النعمة‘، إذ اعتبرته إختراعا من جانب أريندت”[84]

    تكمن المشكله في ملاحظة ويكيل، في أنها تفترض أن “راحيل فارنهاغن” مشروع كامل التركيب، غير أنه خرج من اليد لأن عالم المؤلفة قد طغى على عالم البطله. فالجملة الواردة في المقدمة لا يمكن اعتبارها مؤشرا صريحا على نية معينة، لأنها  كتبت في عام 1956، أي بعد مدة طويلة من إتمام الكتاب. كما إن هناك ما يشير بوضوح إلى عكس ذلك- أي ، حتى  وفق الرؤية الأخيرة خلال الخمسينيات، فإن أريندت لم تعتبر “راحيل فارنهاغن” تمرينا في إعادة التركيب النصي بشكل كامل.  فإذ رفض ناشر أريندت، كلاوس بايبر،  في البداية المخطوطة  قائلا بأنها ليست بيوغرافيا لأنها لا تحتوي على إعادة تركيب روائي للعالم النصي لراحيل، فقد طلب لاحقا من أريندت أن تضغط الفقرات المعلوماتية الصرفة، و  إضافة  حكاية توضيحية هناك حاجة ماسة لها. رفضت أريندت ذلك كله، وقالت  بأن ما كتبته هو ’ كتاب غريب‘، وهي لا تريد أن تجعله ’أقل غرابة‘.  لا يبدو هذا وكأنه نية في إنتاج تركيب جديد كامل، لأن طلب بايبر بأن تحاول خلق هذا الشيء قد رفض رفضا قاطعا[85] . إن الأهمية التي احتلها كتاب “راحيل فارنهاغن”  بالنسبة إلى أريندت، وحضوره الدائم في حياتها منذ عام 1920 ولغاية 1974، حين ظهرت النسخة الأميركية،  تجعل منه ’كتاب العمر‘ بالنسبة إلى أريندت. فأريندت ما قبل “راحيل فارنهاغن” لم تكن مهتمة بالسياسة بشكل عام ولا بالمسألة اليهودية بشكل خاص.  كانت أريندت إمرأة شابة تملك من المواهب ما جعلها تحفر لنفسها مكانا مرموقا في معبد الفلسفة الألمانية، وتكون،على النحو الذي يمكن لها أن تقوله، محدثة نعمة.  غير أنها، ما إن شارفت على الانتهاء من كتابة الكتاب في عام 1938، حتى كانت  قد أصبحت منبوذة متمردة: واعية سياسيا، ناشطة، ورافضة للانصهار بذاته وكشرط للتحرر، وأصرت على أنه في ضوء أن إنسانيتها وكرامتها ومواطنيتها مهددة كيهودية، فإنها ستقاتل ضد الخطر الذي يتهدد اليهودية، وليس فقط بصفتها فردا عالميا.

     على الرغم من أنه يمكن تفسير الكتاب بمجمله على أنه يجسد تقلب راحيل ما بين النعمة المحدثة والنبذ ( أستخدم هنا صفة التقلب بقصد، وذلك لأن أريندت لم تعتبر الانتقال  من حالة النعمة المحدثة إلى النبذ مسألة نهائية غير قابلة للنقض)،  يبدو أن هناك تعريفات واضحة وصياغات جريئة  في الفصلين الأخيرين تحديدا[86]. هناك مثل واضح على ذلك هو تعريف أريندت لمحدث النعمة باقتباسها رسالة مسمومة بعث بها ويلهيلم فون همبولت إلى زوجته كارولين يقول فيها:” سمعت…. أن فارنهاغن قد تزوج تلك المرتزقة الصغيرة . هاهي أخيرا ستتمكن من حمل لفب’سيادتها‘ وزوجة سفير. لايوجد شيء لا يستطيع اليهود تحقيقه”. و تواصل أريندت قولها: هنا، كما في أي مكان آخر، كان ويلهلم فون همبولت أفضل وأذكى وأمكر ثرثار في عصره. هاهو قد دق المسمار في الرأس- حتى ولو أنه قد وصف الوضع بفظاظة وحقد يفوق الحاجة. فيهود القرن التاسع عشر، لم يكن أمامهم خيار إذا ما أرادوا أن يلعبوا دورا في المجتمع، سوى أن يصبحوا محدثي نعمة تماما، وفي تلك العقود الرجعية، كانوا يشكلون أدق الأمثلة على محدثي النعمة [87].  تشكل الطريقة التي تصف فيها أرينت إنتقال راحيل من محدثة نعمة (بارفينو) إلى منبوذة  ( والتوقفات المترددة بين البارفينو والباريا ) من خلال  علاقتها مع بولين ويزل، أكثر التصريحات النسوية تأثيرا-على الرغم من أن بعض الباحثين يعارضون هذا الرأي.

       كانت بولين ويزل عشيقة سابقة لأمير بروسيا لويس فيرديناند، وكانت تحضر صالون راحيل في ياغرشتراسه بانتظام. سعت راحيل إلى البحث عن بولين في منتصف العقد الأول من القرن التاسع عشر، واستعادة صداقتها القديمة معها، وذلك في الوقت الذي كانت فيه قد  أشبعت رغبتها في التمتع بوضع  محدثة النعمة، وهو الوقت الذي أخذت تفكر فيه بثمن الإنتقال من منبوذة إلى محدثة نعمة ( وهذا هو السبب الذي يجعلني أصر على استخدام كلمة ’انتقال‘ والفواصل القصيرة). في ذلك  الوقت بالذات، طلبت راحيل من زوجها فارنهاغن أن يبحث عن بولين- ’الأكثرتعرضا للإذلال من بين صديقات شبابها‘[88]– في باريس. اعترض زوجها، وإنما دون فائدة. فهو لم يستطع أن يفهم لماذا لم تؤد محاولة بولين إغراءه، لكي’تتذوق زوج راحيل-كما لو أنه عصير مثلج‘  إلى إغضاب زوجته، وإنما ’ كان دليلا على اهتمام راحيل بمصيرها ذاتها‘[89]. ففي أوج  أيام الصالون ، كان هناك توتر بين بولين وراحيل لأن الإثنتين كانتا تغازلان نفس الرجل في آن واحد- وكانت الإثنتان أيضا تحاولان الزواج من نفس الرجال في آن واحد. لم يستطع فارنهاغن المسكين أن يفهم، وفقا لأريندت، لماذا أرادت راحيل منه البحث عن بولين بالدرجة الأولى، ثم وبدرجة أقل، لماذا  كانت تسر بإشارات بولين الإغوائية. يبدو أن أريندت وراحيل وبولين وحدهن اللواتي فهمن ذلك حقا.  فتمتع راحيل أخيرا بالوضع الكامل لمحدث النعمة، ثم رفضها لذلك وانتقالها إلى وضع المنبوذة، ثم بحثها عن رفقة صديقة منبوذة أيضا، التي هي بولين ويزل، وهي صداقة استمرت  حتى موتها، قد تم تقديمه كله على نحو تم فيه التغاضي عن التماسك الروائي، وبدا ذلك وكأنه غير هام[90]. تكثر بعد ذلك التعريفات والصياغات الخاصة بالباريا، غير أنها كلها لم تكن شاملة, ولم يكن معظمها سوى مجرد مقتبسات من تصريحات راحيل ( أهمها: ’ولكنني متمردة في المطاف الأخير‘! [91] ). وقد يكون المقنع منها هو قول أريندت قبيل إنهاء الكتاب: ’ ظلت راحيل يهودية وباريا. وهي لم تجد مكانا لها في تاريخ الإنسانية الأوروبية بسبب تمسكها بكلتا الحالتين‘[92]

      كما ذكر سابقا، ، تم إتمام الفصلين الأخيرين من “راحيل فارنهاغن” في صيف عام 1938 في باريس، بالتعاون مع وولتر بنجامين.[93] ما لم تتم ملاحظته تقريبا هو أنه، بالإضافة إلى قيام أريندت بإخبار جاسبرز عن مسار عملية كتابة الكتاب بعد نحو عقد كامل من إتمامه، هناك دليل معين حول ذلك التعاون: شكل الكتاب. ففي مراجعة مبكرة ومميزة للكتاب، لاحظت الروائية البريطانية سيبيل بدفورد، النقاط التالية حول شكله: التجميع المفرط للمقتبسات من أقوال راحيل التي استخدمتها أريندت، وصعوبة تحديد مضمون الكتاب، وطبيعته ذات التجريد الشديد، والذي رغم كل شيء، فهي وجدته ممتعا. وتعلق بدفورد: “إن المس أريندت مقتنعة بإلقاء الضوء على ( تجربة راحيل الكلامية) وتضخيمها:  تأمل يؤكد على تأمل، تعليق يحتوي تعليقا، وحادثة تسبق حادثة؛ تستلقي العظام الحقيقية النادرة ملفوفة بمقاطع من كلمات كأنها قطع نقود داخل لفة من خيوط الحياكة”[94] . تقدر يانغ برويل مراجعة بدفورد المبكرة. بل هي  تكتشف حضور بنجامين في ” راحيل فارنهاغن” وتشير إلى ملاحظة هامة أدلت بها أريندت في مقالتها حول بنجامين في عام 1968: ” كان العمل الرئيس ( عمل وولتر بنجامين) هو انتزاع مقتطفات من مضمونها وترتيبها ثانية  بطريقة تؤدي إلى شرح واحدة للأخرى، وعلى نحو يؤكد على منطقيتها من خلال وضعها الذي يبدو وكأنه عشوائي بشكل ما” [95]. كذلك تلاحظ ليليان فايسبيرغ على نحو شبيه بما سبق، أن ’راحيل فارنهاغن‘ كان مخططا له أن يكون “مونتاجا من المقتبسات التي يفترض بها أن تقتنص صوت راحيل”. وتشير إلى بنجامين بأنه مصدر إلهام [96].

       لا يوجد، كما أعتقد، شرح مقنع لوجود بنجامين في الفصول الأخيرة من “راحيل فارنهاغن”. ففترة وجود أريندت مع بنجامين في باريس كانت هي نفس الفترة التي تم فيها إنتاج ’ أطروحات في فلسفة التاريخ‘ التي سلم بنجامين مخطوطتها إلى أريندت قبيل مغادرته باريس للمرة الأخيرة. يمثل ذلك النص أحد أشد الإعتراضات المقنعة، ليس فقط على فكرة التقدم، وإنما على إتجاه الفلسفة الوضعية نحو إعادة تركيب الماضي بشكل كامل وشامل. إنني أذكر “الأطروحات” بحذر وإنما بثقة، وذلك بعد صدور دراسة تلمودية مؤخرا حول هذا النص الرائع، لكاتبها مايكل لووي . فهو يؤكد على حقيقة أن الدافع إلى ظهور “الأطروحات” هو صدور إتفاقية مولوتوف-روبنثروب، أي بعد صيف 1938، والذي قامت أريندت خلاله بكتابة الفصول الأخيرة من ” راحيل فارنهاغن”. لذلك ، لابد من الحذر. ولكن لووي يقوم أيضا بإعادة تركيب نص شبيه بالأطروحات، ويذكر الدور الذي لعبه بلوخر، زوج أريندت، في تلك التطورات[97] .

 

      في مقدمتها لكتاب ’الإشراقات‘،  تستكشف أريندت هوس وولتر بنجامين بجمع الكتب أولا  ثم المقتبسات، وكيف أن المونتاج الخاص بالمقتبسات أصبح أسلوب كتابته والسبيل إلى التعبير عن سياساته. “فهذا الاكتشاف للوظيفة الحديثة للمقتبسات، وفقا لبنجامين ….قد ولد…من يأس الحاضر والرغبة في تدميره، لذلك فإن قوتها ’لاتكمن في صيانتها ، وإنما في تنظيفها، في اقتطاعها من مضمونها، في التدمير‘”. وتواصل أرينت القول بأن إدراك قدرة المقتبسات على التدمير، كان( وهنا تقتبس بنجامين) ’الشيء الوحيد الذي يحتوي على أمل أن هناك شيئا من هذه الحقبة سوف يبقى- ليس لأي سبب سوى أنه قد انتزع منه‘.  وتختتم قولها بأنه ” في هذا الشكل من ’الشذرات الفكرية‘ ( مصطلح بنجامين الملائم لوصف كتاب راحيل فارنهاغن) ’ فإن المقتبسات لها وظيفة مزدوجة هي عرقلة تدفق النص’بقوة متصاعدة‘ و في الآن ذاته تكثيف مايتم تقديمه في داخل الذات”[98].

      تكمن القوة التدميرية لعملية الجمع بشكل عام، وجمع المقتبسات بشكل خاص، في تمترسها في الحاضر الذي يحفظ ’ اللؤلؤ والمرجان‘ الذي يتم انتشاله من الماضي ’مع إلحاق الضرر  بالضرورة بمضمونه‘[99]. فحين يهاجم ويكيل  الحضورالمسرف لرؤيا أريندت ( نهاية اليهود الألمان)، وحين يرفض هامبورغر الإسقاط الذي تقوم به أريندت في تشخيصها لحياة راحيل على أنها بين المنبوذة ومحدثة النعمة،[100]  فهما يدعمان بذكاء قليل رأيي الخاص الذي أقول فيه بأن تأثير ’مونتاج المقتبسات‘ ، وبخاصة ذلك الإسراف فيه في الفصول الأخيرة، هو  سمة خاصة ببنجامين. فبدون الحاجة إلى حرمان راحيل من الصوت والقوة، فإن ذلك يمزق حياتها بعيدا عن مضمونها ويحفظها في الحاضر كما لو أنها شيء عابر- عابر،بمعنى أنه  في نطاق الحداثة-  عابرمن النعمة المحدثة إلى حالة النبذ. إن هذا التجريد من السياق هام جدا. فهو لايحتفظ فقط ببقايا اليهود الألمان والأوروبيين، بل و يمنح المنبوذ كنمط سياسي تلك ’القوة المتسامية‘، البنجامينية، والضرورة العالمية للحاضر، حتى ولو أن راحيل قد انبثقت من ماض خاص. إن ما أرادت أريندت أن تنتشله من الماضي وتنشره في الحاضر كما أفترض، هو المنبوذ الواعي كوضع هو في الأصل يهودي وعالمي. كان مشروعها تاريخيا،  بمعنى أنها لم تفهم اليهودية كجوهر، وأن المنبوذ الواعي بالنسبة لها كان ضمنيا صنفا له معنى فقط ضمن حدود الحداثة الأوروبية. لم يكن تاريخيا وفق المفهوم التقليدي لإعادة التركيب النصي، وذلك لأن ذلك لم يكن ما فعلته آريندت ولا ما أرادت أن تفعله. فحين كانت أريندت تناقش مع بايبر عنوان النسخة الألمانية ( وذلك موضوع مثير بحد ذاته)، اقترحت على سبيل الدعابة، إجراء تحوير على مقطع من رسالة راحيل إلى هايني بحيث يصبح : ’” راحيل فارنهاغن. نغم القلب المهان. تم صفيره وفقا للحنها مع تنويعات مقدمة من حنة أريندت”. وتقول: “لأن هذا هو مافعلته أنا تماما” [101].

     من المناسب إجمال المناقشة حول راحيل التي قدمتها  أريندت بخلق صلة نصية بين الجزئين الأول والثاني من تأصيل المنبوذ الواعي.  تم تحويل عباءة المنبوذ الواعي من راحيل فارنهاغن إلى برنارد لازار عبر هايني ( كان النقل من هايني إلى لازار قد تم على يد أريندت في مقالتها الشهيرة عن التقاليد الخفية للمنبوذ). فإلى جانب بولين ويزل، كان هايني أعز صديق لراحيل خلال سنواتها الأخيرة. التقيا أول مرة في عام 1821 وكانت راحيل في الخمسين من عمرها وكان هو في الثالثة والعشرين [102].  وعد بأن يكون  ” متحمسا لقضية اليهود وحصولهم على المساواة أمام القانون. في الأيام السيئة، وهي متوقعة، فإن الجماهير الألمانية سوف تسمع صوتي يرن صداه في الحانات والقصور الألمانية” [103]. بذلك، تقول أريندت، أصبح ممكنا لراحيل أن تموت وهي مطمئنة بأنها قد تركت وراءها خلفا تستطيع أن تعهد إليه ب ’ تاريخ مفلسة وروح متمردة‘. تختتم أريندت كتاب ” راحيل فارنهاغن”، بمقتبس من راحيل  قامت فيه على نحو شبه حرفي بمنح ” مملكة المنبوذية” إلى هايني وهي على فراش الموت:  مامن قائمة بأسماء المحسنين، ولا هتافات، ولا نجمة برجوازية،   لا شيء يمكن أن يهدئني…..ستقول ذلك بعظمة، برثاء، بروعة،   بحدة، بمزاح شديد، دائما على نحو موسيقي، على نحو استفزازي،ودائما على نحو ساحر. ستقول كل شيء قريبا جدا. ولكنك وأنت  تفعل ذلك، فإن النص الذي في قلبي العجوز الجريح سيظل ملزما بأن يبقى لك[104]    

  

المستوطن ذو السيادة[105]

 المسألة هي أنه سواء كان المرء زنجيا، يهوديا، أم مستعَمرا، يجب  عليه أن يشبه الرجل الأبيض، اللايهودي، المستعِمر.  (ألبرت ميمي، المستعِمر والمستعمَر (1957) 1965، ص. 122)

 

 على الرغم من أننا سوف نتناول هرتزل بعد قليل، أود أن أبدأ ببني موريس، بسبب الضوء الذي يلقيه على ما يسمى بالصهيونية الليبرالية أو الإنسانية، التي هو نتاجها. فالتعلق بهرتزل وتصوير رؤيته على أنها ليبرالية أو إنسانية هو الممارسة الأفضل للمدار الإجتماعي- السياسي.

  هناك شيء لا يمكن مقاومته في صراحة بني موريس الوحشية. فعلى مدى عقدين، كان موريس مؤرخا مرموقا للنزاع العربي-الإسرائيلي. قام بكل دقة وعمق بتوثيق التطهير العرقي الذي كان جزءا لا يتجزأ من ولادة دولة إسرائيل في حرب عام 1948 وأحداث أخرى في تاريخ هذا النزاع. أدى الإنهيار التام لكامب ديفيد 2000 ببني موريس إلى التخلي عن أية موانع متبقية، معلنا أن التطهير العرقي الذي جرى في عام 1948 يجب أن يستكمل، وأن إسرائيل هي مخفر الغرب الأمامي الصليبي في صدام الحضارات مع الإسلام. أدى ذلك الجمع بين النزاهة البحثية والعلم الواسع من جهة، والداروينية الإجتماعية السافرة التي تجعل  ماكس نورداو يحمر خجلا، إلى قيام مجلة ’النيوليفت ريفيو‘ بنشر نص حرفي لمقابلة مثيرة أجرتها صحيفة هآرتس في الثامن من يناير 2004مع بني موريس، وكان عنوانها  في النسخة الإنجليزية ’بقاء الأصلح‘، وفي النسخة العبرية الأصلية ’في انتظار البرابرة‘. تقول النيوليفت ريفيو في مقدمتها وبحق، أن المقابلة هي “وثيقة ذات أهمية فائقة في تاريح الصهيونية الحديثة” وبأنها تظهرعلى صفحاتها لهذا السبب بالذات.  يطرح موريس أمام محاوره المصدوم  حقيقتين غير قابلتين للهضم: أن المشروع الصهيوني لايمكن تحققه إلا من خلال تطهير عرقي قصدي، وأنه، إذ يتم الخوض في ذلك، فإن الأسباب الوحيدة للتوقف قبل القضاء النهائي على السكان العرب في فلسطين، هي أسباب مؤقتة وتكتيكية صرفة فقط [106].

 

    قبل وقت قصير، أجرى موريس مراجعة للسيرة الضخمة التي ألفتها  المؤرخة الصهيونية البارزة، أنيتا شابيرا،عن إيغال ألون، الأقل شهرة بين الثلاثي(دايان، رابين، وألون) الذين كانوا يجسدون “اليهودي الجديد”  في الفيلم الهوليودي ” الخروج” لبول نيومان.  كذلك يذكر موريس في هذه المراجعة كتاب شابيرا ’الأرض والقوة: اللجوء الصهيوني للقوة 1881-1948‘، الذي كان قد طبع بالإنجليزية في العام السابق.

     يشكل كتاب ’الأرض والقوة‘ إضافة نوعية للإيديولوجيا الصهيونية الإسرائيلية، كما يوضح عنوان النسخة العبرية منه “سيف الحمامة” طبيعة المناقشة التي يتضمنها الكتاب. كان عاموس عوز هو الذي اقترح هذا العنوان على شابيرا. فهو يضفي مصداقية ثقافية على موقف ما يسمى بمعسكر السلام الإسرائيلي، والذي يقول بأن الصهيونية قد انطلقت كحركة كارهة لاستخدام العنف والذهاب إلى الحرب، وأن الوقائع في فلسطين والشرق الأوسط، والتي ترافقت مع تزايد اللاسامية في أوروبا قد أجبرتها مرغمة على اللجوء إلى العنف، وهي ’روح دفاعية‘ ما لبثت أن تحولت تددريجيا إلى ’روح هجومية‘. وفي لهجتها الأخلاقية المعهودة، تبنت غولدا مائير هذا الموقف في قولها: ” نستطيع أن نسامح العرب على قتل أطفالنا. ولكننا لا نستطيع أن نسامحهم على إجبارنا على قتل أطفالهم. سوف لن نقيم السلام مع العرب إلا بعد أن يحبوا أطفالهم أكثر مما يكرهوننا”.  ثم يدخل موريس  :  هذه هي أطروحة شابيرا. أنا لست واثقا من أنها صحيحة، رغم أنه   يجب عدم رفضها كليا.  ففي تقديري، لوكان لدى هرتزل خمس فرق بحرية ، لم يكن يتردد للحظة في إرسالها إلى فلسطين والاستيلاء عليها  من الأتراك فورا، بدون أي تأجيل أو جدل تافه. فقد لجأ هو والذين تبعوه في قيادة  الحركة الصهيونية، إلى الإقناع والديبلوماسية بدرجة  رئيسة لأنهم لم يكونوا يملكون القوة العسكرية للسيطرة على البلاد- وعلى أية حال، فالبريطانيون في زمن الإنتداب هم الذي وفروا المظلة  العسكرية التي تم تحت حمايتها نمو المشروع الصهيوني إلى دولة [107] .

  

    ظل الكثير من الصهيونيين، حتى وقت قريب، ممن يسمون أنفسهم بالمعتدلين والمركزيين واليساريين، يعتبرون صهيونية هرتزل التأسيسية ( التي تبناها تباعا كل من وايزمن وبن غوريون ورابين)  بأنها هي الصهيونية الصحيحة.  وفقا لوجهة النظر هذه، تدل الصهيونية على أنها  ليبرالية على نحو تقدمي، أو حركة تحرير قومي ديمقراطية إجتماعية معتدلة، تسعى من أجل وطن قومي لليهود بالموافقة السلمية لجيرانها، تمسك بمفتاح السلام و بالوجود العملي تماما لدولة تكون في آن واحد يهودية وديمقراطية. كل الصيغ الأخرى هي إنحرافات ، أو إفساد للصهيونية الحقيقية [108].  هناك حقا  أشكال متعددة أخرى للصهيونية  وينبغي عدم تجاهل الاختلافات بينها. وأنا أعتقد مع ذلك، أن هدف  تأسيس دولة يهودية خالصة في فلسطين على يد يهود أوروبيين، هو بشكل أو بآخر مفهوم  متواصل  ويشكل تطبيقا لصهيونية هيرتزل التأسيسية، وذلك بدءا بالحركة الإستيطانية في الأراضي المحتلة، إلى جدار شارون، بغض النظر عن الإختلافات، وعلى النحو الذي كانت أريندت قد فهمته بدقة ورؤية تنبؤية مدهشة في كتابها ” إعادة النظر في الصهيونية” الصادر في أكتوبر 1944. فمن وجهة نظر الضحايا الأصليين للصهيونية، الذين تم تجريدهم وتطهيرهم على يد مختلف أنواع الصهيونية،  فإن هذا التواصل يفوق الإختلافات. لذلك، فأنا أتفق مع أمنون راز- كراكوتزكين في قوله بأن الصهيونية الإسرائيلية هي قومية لاهوتية إستعمارية بغض النظر عما إذا كان أي ظل أو تنويع في داخلها يبدو من الخارج دينيا أو علمانيا [109].

     إن التفرع الذي بدأ به هذا الفصل، بين المستوطن السيد والمنبوذ الواعي، قد تم حتى الآن بتتبع مسار الأخير. وأود الآن التركيز على المستوطن السيد، وبذلك أتتبع المسار الثاني للتفرع. أقوم بذلك من خلال التعليق الأدبي على نصي هرتزل: مسرحية ” الغيتو الجديد” والرواية الطوباوية ” الأرض القديمة الجديدة” (نشرت لأول مرة في عام1902). سأفترض أنهما تحتويان على العنصرين الكامنين فيهما واللذين يجسدان خيال هرتزل السياسي والأدبي: تقبله للتأطير اللاسامي الحديث للمسألة اليهودية، ثم اعتناقه الحميم للإستعمار الطوباوي.

 

الذكورة واللاسامية

في دراسته الشهيرة ” فيينا آخر القرن”، يضع كارل شورسك صهيونية هرتزل في مكانها الصحيح: إنها ’ سياسة بنغمة جديدة‘، لاعقلانية، لاسامية، لا ليبرالية وذات جاذبية مباشرة للجماهير. ليس فقط أن شورسك يبتكر هذا العنوان الملائم، ’السياسة بنغمة جديدة‘، ولكنه أيضا يسمي ثلاثيا نمساويا قام بصياغته: غيورغ فون شونيرير ( 1842-1921)، المناضل من أجل استعادة فروسية الشعب الألماني، وكارل لوغر (1844-1910) مؤسس الاجتماعيين المسيحيين وأول رئيس بلدية لاسامي لفيينا، وثيودور هرتزل [110]. يجمع شورسك هذا الثلاثي في مناسبتين تعكسان هذا المضمون بوضوح وإيجاز شديدين:

 مع اقترابه من لحظة تحوله( اعتناقه للصهيونية في منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر، تفضح العديد من ملامح موقفه حقيقة قرابته العميقة إلى شونيرير ولوغر: رفضه للسياسات العقلانية، إلتزامه بأسلوب قيادة  نبيلة وأرستقراطية ذات ميل قوي لمظاهر الفخامة. أما الرابط الآخر  الذي يربطه بأعدائه، على الرغم من استخلاصه نتائج مختلفة منه،  فهو قرفه من اليهود[111] .

وكذلك: في توجهه إلى الجماهير، جمع هرتزل بين عناصر قديمة ومستقبلية على غرار ما فعله شونيرير ولوغر من قبله. التزم الزعماء الثلاثة بقضية العدل الإجتماعي وجعلوه مركز نقدهم لفشل الليبرالية. ربط هؤلاء الثلاثة هذا  التوق الاجتماعي الحديث بتقاليد إجتماعية قديمة: شونيرير للقبائل الجرمانية،لوغر للنظام الكاثوليكي الاجتماعي للعصور الوسطى، وهرتزل لمملكة إسرائيل

 قبل الشتات. قام الثلاثة بالوصل بين “إلى الأمام” و ” إلى الخلف”، الذاكرة والأمل….وبذلك التفوا على التذمر من الحاضر غير المرضي بالنسبة للأتباع من الحرفيين الذين كانوا ضحايا الرأسمالية الصناعية، قبل أن يتم دمجهم، حرفيين وباعة خضروات وباعة متجولين وسكان غيتو، في خضمها[112].

 

   تفاعل هرتزل مع الثقافة الألمانية في عدة مجالات وعلى عدة مستويات[113]. فقد ولد هرتزل ونشأ حتى الثامنة عشرة من عمره في مدينة بودابست، ثم انتقلت عائلته إلى فيينا، وتحول بسرعة إلى برجوازي يهودي فيها. غير أنه وكما ذكر في يومياته في عام 1895: ” حقا، كنت أريد ان أكون شيئا آخر، كنت أريد أن أكون أرستقراطيا بروسيا من  النبلاء القدماء”.[114]   

هذه الرغبة التي تمناها هرتزل، وهي أن يكون أرستقراطيا بروسيا، هامة جدا لأن ذلك، كما سأبين، كان  النمط الإجتماعي الذي سعى هرتزل إليه لنفسه ولليهود. أما الطريق الأخرى إلى الثقافة الألمانية بالنسبة لهرتزل، فكانت تلك الطاقة التحريرية والتحويلية الهائلة التي اكتشفها في ريتشارد فاغنر. لقد اعترف هرتزل بالدور الإيحائي الذي لعبته موسيقى فاغنر في  كتابته لأهم عمل من أعماله، وهو كتاب ’دولة اليهود- 1896‘:

  يخبرنا هايني أنه يسمع حفيف أجنحة ملاك فوق رأسه حين يكتب  أبياتا شعرية معينة. أنا كذلك، أعتقد أنني سمعت حفيف أجنحة كهذه   حين كنت أكتب ذلك الكتاب. كنت أكتب كل يوم حتى الإجهاد . وكانت  تسليتي الوحيدة هي الإستماع إلى موسيقى فاغنر في المساء، وبخاصة  التانهاوزر ، وهي أوبرا كنت أشاهدها باستمرار. فقط في المساءات التي    لا يكون هناك أوبرا، كنت أشك في صدق أفكاري [115].

     ولم تكن صدفة أن يتم عزف “التانهاوزر” في حفل افتتاح المؤتمر الصهيوني الأول في عام 1897[116] .

     يقر شورسك أيضا بأهمية الأثر التصعيدي لموسيقى فاغنر على هرتزل في استيعابه لمعاداة الليبرالية وترجمتها إلى الصهيونية: “ستكون الصهيونية نوعا من العمل الفني الكامل للسياسات الحديثة. أدرك هرتزل ذلك حين قال، ” سيقارن خروج موسى بخروجي كما لو أنه

موسيقى هانز ساكس مقارنة بأوبرا فاغنر”.[117] كان الدرس النهائي في هذا النوع من السياسات ذات الأسلوب الجديد قد تم استخلاصه  من البروسي الذي أعجب به هرتزل .  ففي محاولة لجذب  المحسن الرزين البارون هيرش إلى المشروع الصهيوني( أحد اقطاب اليهود الألمان ومؤسس إتحاد الإستعمار اليهودي، الذي ظل ناشطا في فلسطين والأرجنتين) ، كتب إليه قائلا: ” صدقني، إن السياسات الخاصة بشعب كامل …. لا يمكن تحقيقها إلا بما هو غير قابل للوزن ، والذي يرفرف عاليا في الهواء. هل تعلم كيف تشكلت الإمبراطورية الألمانية؟

من الأحلام والأغاني والخيالات والأشرطة الحمراء والسوداء والذهبية….قام بسمارك فقط بهز الشجرة التي زرعتها الأحلام”[118] . بالنسبة إلى هرتزل، كان أحد الأشياء غير القابل للوزن هو إرادة الموت ( كما في مسرحية مايكل بير “المنبوذ” في عام 1823) . هنا أيضا كان بسمارك نموذجا لدور ما.  فكر هرتزل بأن بسمارك كان يعرف ’كيف يتعامل مع التحركات الغريبة التي لا يمكن إنكارها، كما الحياة ذاتها التي انبثقت من الأعماق الغائرة لروح الشعب، استجابة لحلم ( الوحدة)، وتمكن من طلب تضحيات كبيرة من الألمان الذين تدفقوا فرحين نحو الوحدة بواسطة الحرب‘ [119]

    هناك ارستقراطي هام آخر. إنه  كابتن الفرسان، الكونت فون شرام، في مسرحية هرتزل “الغيتو الجديد”[120] . يتم عرض المسرحية في الحي اليهودي البورجوازي في فيينا عام 1893. المشهد عرس الدكتور المحامي جاكوب صموئيل، وهيرمين هيلمان، إبنة تاجر الأقمشة الثري.  الكونت فون شرام هو أحد الضيوف. إنه يملك منجما للفحم في مقاطعة سلوفاكيا في إمبراطورية آل هبسبرغ. ولأنه لا  يتقن العمل ولا الإقتصاد ، فهو يرغب في التخلص منه بواسطة خدمات صهر صموئيل الجديد، فريتز راينبيرغ. لدى الأخير مستخدم  يهودي وضيع، وإنما يتضح بأنه الأنجح في سوق البورصة. يطلب راينبيرغ من صمويل أن يعد العقد من أجل صفقة فون شرام.

    ثم يتضح أن  صموئيل  وفون شرام كانا قد دخلا قبل بضع سنوات في مشروع مبارزة مهينة لم تتحقق، حول قضية تافهة اتهم شرام صمويل بها. فإذ كان صمويل حزينا بسبب مرض والده، اعتذر من فون شرام وتم إلغاء المبارزة، الأمر الذي دعا شرام إلى اتهام صمويل برجولته. ظهور شرام مجددا يذكر صمويل بالإهانة المؤلمة التي تلقاها. لدى اقتراب نهاية العرس، يتحدث صمويل والرابي فريدهايمر، وهوشخصية بارزة في الجالية اليهودية في فيينا، عن خروج اليهود من الغيتو كجزء من تحررهم، والذي يؤدي إلى إقامة غيتو جديد – وهو هذه المرة غيتو معنوي.   يتعزز الشعور بالإهانة الذي استيقظ لدى صموئيل بفعل حضور فون شرام، بسبب زيارة صديقه فورتزليخنر له بعد العرس ببضعة أيام. يرغب فورتزليخنر في القول لصموئيل بأنه سوف ينهي صداقته معه، وعلى الأقل في الجانب العلني منها،  لأن صموئيل محاط بالكثير من اليهود، ولأن فورتزليخنر ينوي دخول السياسة ولا يتحمل أن يوصف بأنه أداة لليهود!” .[121]

    بعد ذلك ، يزور أحد عمال المنجم واسمه بيتر فينديك، صموئيل، بصفته ممثلا لعمال منجم  فون شرام ويسعى للحصول على خدمات صموئيل الذي كانت سمعته قد تعززت بفعل تعامله مع شؤون العمال. إنهما قلقان بشكل خاص في شأن الصيانة وسلامة المنجم. يزور صموئيل منجم فون شرام وينزعج جدا. بعد زيارته، يقوم العمال بالإضراب لثلاثة أسابيع، وحين يعودون للعمل، تقع المصيبة . فقد أدى توقف العمل في المنجم إلى انحسار المياه وانهيار أسس المنجم وموت الكثيرين. استند هرتزل على تجربته  كمراسل لصحيفة ’الصحافة الحرة  الجديدة ‘(1891-1895) في وضع أحداث هذه المسرحية، حيث كان يغطي الكثير من الحوادث ومنها الإضراب الطويل في عام 1891 في مناجم فحم سنت إتيين في وسط فرنسا، والتي انتهت بانهيار كارثي لأحد المناجم الرئيسة. كما غطى هرتزل في عام 1892 إضرابا ضخما لعمال مناجم في جنوب فرنسا حيث تم انتخاب عامل منجم هو كالفينياك رئيسا لبلدية كارمو، وقامت الشركة التي كانت تملك وتدير المنجم بطرده مدعية بأنه مهمل في عملة. جعلت هذه التقارير هرتزل واعيا بأهمية المناجم كمواقع للنزاعات العمالية والمكاشفات السياسية[122].

     يؤدي انهيار المنجم إلى إفلاس شرام ماليا، بينما يتم إنقاذ استثمار راينبيرغ بفعل سرعة تصرف فاسرشتاين وتوقيته في شراء وبيع الحصص. يتهم شرام الغاضب صموئيل تحديدا واليهود بشكل عام بالتآمر عليه لتدميره. يصفعه صموئيل ثم يقتل في المبارزة اللاحقة بيد كابتن الفرسان البروسي. آخر كلمات صموئيل هي: ”   أيها اليهود، يا أخوتي،  لن يتركوكم تعيشون ثانية حتى… حتى… أريد أن… أخرج!…. من الغيتو!”.[123] يحتوي النص الأصلي  بدلا من التقطعات على الكلمات التالية:” حتى تتعلموا كيف تموتون!”[124] .

      في بداية هذا الفصل، اقتبست اعتراف هرتزل المثير الذي قال فيه:’ في هذه الرواية بالذات، أرغب في إخفاء أعضائي الجنسية أكثر من أي وقت آخر‘، وأجلت التعليق عليه. أود الآن أن أنظر فيه بتقديم دانيال بويارين للمناقشة. فاستنادا إلى عمل جورج موس الرائد[125]،  أعد بويارين  مجادلة تستنفر الفكر حول ملابسات النوع الاجتماعي لللاسامية، بما له علاقة  بذكورية البرجوازية اليهودية في وسط أوروبا وصهيونية هرتزل[126] .  بمناقشة الحادثة المعروفة جيدا وهي ذهاب فرويد إلى المسرح في الخامس من يناير 1898 لمشاهدة ” الغيتو الجديد” ، بعد أن ادعى بأنه حلم حلمه الشهير ’إبني قصير النظر‘، يعلق بويارين بأن الإجتماع النصي  بين صهيونية هيرتزل والتحليل النفسي لفرويد، قد استخدم من أجل فهم السيرة النفسية لفرويد، ولكنه يعتقد بأن أهميته لا تقتصر على ذلك، ويقول:  أحد أهم سمات حلم ’ إبني قصير النظر‘ هي الطريقة التيينتج فيها الصلة بين المعاني السياسية والجنسية. يوفر حلم فرويدحول الملاذ الآمن، وبوضوح، أثرا إيجابيا لصالح الصهيونية. غير أن الصهيونية بالنسبة إلى فرويد ، كما هي حقا بالنسبة إلى   هرتزل، ليست مجرد برنامج سياسي. بل ولم تكن بديلا للانصهار   في الثقافة الأوروبية الغربية، وإنما تحقيقا لمشروع الإنصهار.فالانصهار بالنسبة إلى هؤلاء اليهود كان مشروعا جنسيا ومشروعا عاما، مشروعا للتغلب على الخصائص السياسية والثقافية التي اختص بها الذكور اليهود ووسمتهم بأنهم ’ جنس ثالث‘غريب في عالمهم. فقد              كانت الصهيونية بالنسبة إلى فرويد… عودة إلى’فالوستين‘، وليس إلى  فلسطين[127]        

وبهدوء أكثر، يجادل بويارين في أن اللاسامية الحديثة، إذا ما قيست بمعيار النوع الاجتماعي، فهي قد قامت بتركيب اليهودي الذكر على أنه أنثوي، إنسانا ذا رجوله ناقصة. وهذه الرجولة الناقصة هي التي حالت دون الاندماج التام ( وفقا لهذا المنطق، يمكن اعتبار الانصهار أو التحرر مجرد اختلافات لفظية) في المجتمع المسيحي الأبيض والقبول به، والذي يمكن أن يكون أعضاؤه ألمانا/ آريين، إنجليزا، يونانيين قدماء أو رومانيين. هذا هو الذي راود برجوازيي فيينا  اليهود بشكل خاص، الذين كانت مسألة تقمصهم ذكورة أنثوية مفترضة قد بلغت مستوى خطيرا. فقد كانت الصهيونية تعني لفرويد وهرتزل وسيلة ’لاستعادة‘  الذكورة التامة، التي دمرتها سنوات طويلة من حياة الغيتو الفاسدة والمنحطة، والحضور غير المحتمل ليهود شرق أوروبا[128] . لم يكن بويارين هو أول من اكتشف اغتراب هرتزل عن اليهود وعن نفسه كيهودي، ولاساميته الواضحة[129].  ففي إحدى المراسلات مع هرتزل( مشار إليها أعلاه) أصدر معاصره آرثر شنيتزلر تعليقات يستنكر فيها الطريقة التي صور فيها اليهود  في ’الغيتو الجديد‘. بل إن شنيتزلر احتفظ لكتابه ” الطريق إلى الهواء الطلق” الصادرعام 1909، بملاحظة أكثر إيذاء بفعل أنها تتضمن إعتراف أحد الشخصيات : ” لقد نجحت في التعرف حتى الآن على لاسامي حقيقي واحد فقط. وأخشى الإعتراف بأنه كان زعيما صهيونيا معروفا” [130].

       يتمتع رأي بويارين بالأهمية من حيث أنه يضع إصبعه على استمرارية حياة  هرتزل ونشاطاته الأدبية والسياسية، بدلا من الإدعاء بتوقف اعتناقه للصهيونية. تتألف هذه الإستمرارية الخفية من حاجته الملحة لإثبات ذكوريته وجعلها كاملة من أجل أن يتمكن بنفسه، وبالتالي كل اليهود الذين سدوا عليه الطريق كجماعة بواسطة أنثويتهم الشتاتية العنيدة، من أن يتقبلهم الرجال المسيحيون البيض كمتساوين معهم. هذا لا يعني أن اعترافه – مثل لازار- بقيام غيتو جديد ، لم يكن تطورا هاما.  بل يدل ذلك على أن كل أفكاره الخاصة بالمسألة اليهودية والسياسات الأخرى- اعتناق المسيحية، الإشتراكية والصهيونية، التبارز أو الإستعمار- كانت جميعها مسكونة بذلك الهاجس، الذي كانت إحدى سماته المركزية هي تغليب الشكل على المحتوى، على الأثر الحيوي لمبادئ التصرف العنيف ذاته، بصفته تعبيرا عن الذكورية على حساب الغرض. فبينما كانت الفوضوية بالنسبة إلى لازار رؤية عالمية ، كتب هرتزل في مقالته الرائعة (29 أبريل1892) حول محاكمة الفوضوي الفرنسي رافاشول: ” القاتل العادي يندفع نحو المبغى مع غنيمته، أما رافاشول، فقد اكتشف شهوة أخرى: إنها شهوة الفكرة العظيمة والشهادة‘[131] .

      كانت ” الغيتو الجديد”  قد حددت بداية توجه هرتزل نحو الصهيونية التي بلغت ذروتها، باللغة الأدبية على الأقل، في ” الأرض القديمة الجديدة”. كان ذلك نوعا من التعويض لما تلقاه هرتزل من إذلال في مبارزاته الماضية، وإشارة جمالية يمكن لليهود أن يتعلموا  منها كيف يموتون بشكل رجولي ومشرف في المبارزات، ويتم بالتالي القبول بهم كرجال بيض لائقين.  لقد تم توثيق انجذاب هرتزل  الذي لا يشبع للمبارزة خلال أيام دراسته في فيينا. كان عضوا في أخوية ألبا للقوميين المتطرفين المبارزين، والتي طرد منها بسبب  تنامي اللاسامية في الأخوية. غير أن السبب يمكن أن يكون أيضا هو تحاشيه  مبارزة معينة بأسلوب غير مشرف له، وهو ما يشبه ما حدث لصمويل حين تجاهل التحدي الذي قام به شرام .[132] يلقي إعتراف هرتزل عن أيام شبابه ضوءا كاشفا: ” الشعور الخاص بالعجز، الضميرالمهان بسبب الشعور بالعجز!  أيها الخصي، فلتبتعد !” [133].  أدى كل ذلك إلى القرار الملائم الوحيد الذي كان هرتزل قادرا على العثور عليه من أجل تحطيم جدران ” الغيتو الجديد”: مبارزة  غير ذات معنى، حتى في الحدود الذكورية الضيقة لمنطق المبارزة.  يمكن الآن العودة إلى الملاحظة المثيرة الخاصة،  التي تم بها افتتاح هذا الفصل. ففي قوله ’في هذه المسرحية بالذات، أرغب في إخفاء أعضائي الجنسية أكثر من أي وقت آخر‘[134] ، كان هيرتزل يتطلع للحصول ولو بطريقة أدبية، على تلك  الندبة التي يصاب بها المرء في مبارزة، فتشكل  أيضا علامة ذكورة منقوشة في الجسد، والتي  يمكن لها أن تمحو ندبة الختان.

     كانت المرحلة الأخيرة من تحول هرتزل إلى الصهيونية وتحوله إلى مستوطن سيد، والتي سوف أتحدث عن تعبيراتها الأدبية  في خاتمة هذا الفصل، هي مرحلة مشروعه الخاص بجعل اليهود مقبولين كرجال غربيين، وذلك باستعمار أرض لدولة يهودية في الشرق.   يعبر بويارين عن ذلك بتمكن فيقول: ” تمخض علاجه الأخير عن نقش ذكوريته على جسد فلسطين وجسد الفلسطينيين” [135].

 

الاستعمار الطوباوي للمستوطن

 ” يجب علينا، نحن أنفسنا، خلق كل الوسائل التي نحتاج إليها.

  مثل روبنسون كروزو في جزيرته- أنتم أيها القراء، ستفهمون

  هذه الإشارة بالتأكيد. في الأيام القادمة ستكون قصة نمو الصهيونية  مثل رواية خيالية رائعة. ( هرنزل في مقابلة مع مجلة الصهيونية اللندنية، إسرائيل الفتية، تموز/ يوليو 1898)

  تبدأ رواية “الأرض القديمة الجديدة” في فيينا اليهودية في نهاية القرن. الدكتور فريدريخ لوينبيرغ شاب مهني جيد الثقافة، غير موظف على نحو دائم ولا يتوقع ذلك قريبا، يقضي معظم وقته في أحد مقاهي فيينا. تتركز حياته على أمل غير مضمون في الزواج من إيرنيستين لوفلر، حب حياته وابنة المالك الثري لشركة لوفلر وشركاه. إنه محطم  بسبب إعلان خطوبة إيرنيستين على رجل آخر. وبينما هو على وشك التفكير في الأسوأ، يتذكر فريدريخ إعلانا غريبا أعطاه إياه صديقه شيفمان وهو في المقهى: ” مطلوب، شاب متعلم، يائس، على استعداد  لخوض آخر تجربة في حياته. يقدم الطلب إلى:’ ن. و.أحد، هذا المكتب‘.يجيب لوينبيرغ، ويذهب إلى مقابلة  الشخص الضخم المؤثر ’أدالبيت كونينغهوف، ضابط ملكي بروسي ونبيل ألماني مسيحي‘.

      كونيغهوف هو الأرستقراطي البروسي الذي سوف يتقبل يهود الأراضي المقدسة كرجال طبيعيين بعد أن كان جده  الأدبي، الكونت فون شرام قد رفض أجدادهم الشتاتيين. – حتى ذلك الذي كان قد تحداه للمبارزة- في ” الغيتو الجديد”. كان كونيغهوف قد زار مستعمرة إستيطانية أخرى هي أميريكا وجمع فيها ثروة طائلة، وغير إسمه إلى كينغزكورت في السياق. وبما أن زوجته الشابة لم تكن وفية له، قرر كينغزكورت الانسحاب بعيدا عن البشر إلى جزيرة في المحيط الهادي. وبما أن شركتة الوحيدة تتألف من خادمين فقط- أحدهما  زنجي أخرس والآخر تاهيتي-  لا يوفران أي عزاء إنساني حقيقي لرجل ينتمي لمثل سلالته المتحضرة- يبحث كينغزكورت عن صحبة شاب يلزم نفسه بأن يكون طوع أمره ويعيش من بعده. قبل مغادرة فيينا نهائيا، يعطي لوينبيرغ النقود التي يتلقاها من كينغزكورت إلى عائلة يهودية معدمة  مهاجرة من ليتوانيا وفقا لما يوحيه إسم ليتواك. يختفي قبل أن تتمكن عائلة ليتواك وطفليهما، ديفيد ومريم، من اقتناص فرصة لشكره.

     وبينما هما على ظهر مركب فاخر، يتوقف المركب بطلب من كينغزكورت في فلسطين، فلا يشاهدان شيئا يترك أثرا دائما في النفس، سوى القمر الذي يشع على القدس. يمر عقدان من الزمن على إقامتهما في الجزيرة. وفي عام 1923 يكون كينغزكورت ولوينبيرغ في طريقهما لألقاء نظرة على أوروبا، ويتوقفان في فلسطين ثانية عند ميناء حيفا. يتم التعرف إليهما فورا بفعل الصدفة المحضة من قبل ديفيد ليتواك، ذلك الولد الليتواني الذي ساعد لوينبيرغ عائلته بسخاء في فيينا قبل عشرين عاما. تشكل الحفاوة الملكية التي قدمها ديفيد ليتواك وأصدقاؤه إلى كينغزكورت ولوينبيرغ، الصيغة الأدبية التي يختار هرتزل أن يصف بها التحول العظيم الذي حل على حياة اليهود وفلسطين خلال عقدين، والفضل يعود في ذلك للإستعمار الصهيوني للأرض. ففي  قلب المشروع، تنتصب الجمعية الجديدة على شكل منظمة مظلة شهدت خروج اليهود من أوروبا واستعمارها لفلسطين، إضافة إلى إدارتها الحالية للبلاد.  تتم خطبة لوينبيرغ ومريم ليتواك بدون ضجيج عند نهاية الرواية، بينما تكون أم مريم على فراش الموت.  كذلك يوافق كينغزكورت على البقاء في فلسطين، حيث لم يستطع مقاومة افتتانه بطفل ديفيد ليتواك ، فريتزشين الصغير.

     أعتقد أن ” الأرض القديمة الجديدة” لم تكن مجرد رواية طوباوية، على النحو الذي وصفها به العديد من النقاد المادحين والذامين لها[136]، إنما هي رواية إستعمارية طوباوية. وبشكل أعم، أعتقد أن مثل هذا التفسير يطرح إمكانية أن يكون الإستعمارمحتمل الوجود دائما  في الأدب الطوباوي، وإن يكن هذا لا يعني أن كل نص طوباوي هو إستعماري بالضرورة.

 فمثل هذا الإحتمال يظهرواضحا إذا كان الإتجاه لقراءة  اليوتوبيا  قراءة زمنية على نحو حصري في سياق إدراك معين لتداعياتها المكانية. فكما تقول المس أديلا كويستد وهي في حالة تأمل في رواية أي.م. فورستر ’الطريق إلى الهند‘، بينما يتم انتزاع أشواك الصبار من جلدها: ” في المكان، تلمسك الأشياء، في الزمان، تبتعد الأشياء”[137].  إن أهمية البعد المكاني بالنسبة إلى قراءة الأدب لا تقتصر على الأدب الطوباوي. سأذكر مثلا واحدا  هاما  في هذا المجال ، وهو يتضح في إصرار إدوارد سعيد على قراءة ” مانسفيلد بارك “، ليس فقط من زاوية البلدان الهادئة إلى الجنوب من إنجلترا، وإنما كذلك من أنتيغوا، التي كانت عمالة العبيد فيها هي التي تمد مانسفيلد بارك بأسباب الحياة[138].   تحتوي ” الأرض القديمة الجديدة” ليس فقط على الحركة في الزمان – من الأرض التوراتية القديمة إلى تجديدها المزعوم، ومن أوائل 1900إلى 1920- وإنما كذلك على الحركة من أوروبا إلى فلسطين : تماما مثل أسطورة الخروج حيث لا يتم المرور فقط من الأسر إلى الحرية، وإنما كذلك من مصر إلى كنعان. فالنقطة الجديرة هنا هي التبادل التحفيزي بين بيري أندرسون وفريدريك جيمسون، وهو ما سألتفت نحوه الآن.[139]  يتركز التبادل هنا على إمكانية وأفضلية الطاقات الطوباوية كسياسات تقدمية ممكنة، وفيما إذا كان الإطلاق الأدبي لهذه الطاقات يؤدي إلى أزمنة من الهدوء قبل وقوع إنفجارات ثورية، أو إلى ’الدوامات الثورية ذاتها‘ أو إلى كليهما. بقدر تعلق الأمر بهذه المناقشة، فالمسألة الهامة ليست السياسات ذاتها،  إنما هي فقط أن التبادل يبدو وكأنه قد تعزز بفرضية أن  البعد الوحيد الذي له قيمة هو المؤقت.  هكذا يذكر أندرسون صيغة جيمسون: ” تتطلب علوم الوجود الخاصة  بالحاضر آثاريات المستقبل، وليس تكهنات الماضي [140]، ويضع عنوانا لجوابه هو “نهرالزمن”. من بين الأعمال الكثيرة التي تم ذكرها ، هناك ” النظر إلى الخلف” (1888) لإدوارد بيلامي، و”فرايلاند” (1890)لثيودور هيرتزكا. يتركز إهتمام أندرسون على حقيقة أن هذه الأعمال  قد ألفت خلال فترة من الهدوء النسبي الذي سبق العقدين الأولين من القرن العشرين، وأن ذلك، ولذلك، يدعم العلاقة المتبادلة التي يحددها جيمسون، رغم أنه يشكك في المصداقية الشاملة للعلاقة المتبادلة[141].  مع ذلك، فإن أعمال بيلامي والطوباوية الأميركية، على الرغم من كونها إجتماعية على نحو تقدمي، فلا يمكن تبرئتها من الإندفاعة  المكانية لاستعمار غرب القارة وكل ما نجم عن ذلك.  كذلك كان يظن بأن يوتوبيا هيرتزكا كانت في قلب محاولة بناء الإمبراطورية الألمانية.  كما لا يمكن تبرئة  كتابة “فرايلاند” من ذلك التوجه. فهي وإن تكن تقدمية، فإن المجتمع الطوباوي المتخيل في فرايلاند الكتاب وفرايلاند المكان، من المفترض أن يتحقق ليس فقط في المستقبل، وإنما في إفريقيا المستعمرة. وبكلمات أخرى، لا يتطلب الخيال الطوباوي فقط الوقت الذي سيوجد فيه المجتمع الإنساني الأفضل، وإنما يتطلب أيضا مكانا يكون قد تم تعريفه على نحو كاف بأنه بكر وغير مركب- فارغ، في الحالة الصهيونية- لكي يتم تركيبه من الصفر. 

     بدأ هيرتزل في وضع فكرة روايته في صيف عام 1899، ويقرر وهو يتنقل في وسط أوروبا في الثلاثين من أب/ أوغست أن يطلق عليها عنوان ” الأرض القديمة الجديدة”، وذلك بوحي من كنيسة براغ الرئيسة ” الكنيسة القديمة الجديدة”. تم إنجاز الكتاب في الثلاثين من أبريل 1902، ونشرته مطبعة ’لايبزيغ بريس هيرمان، سيمان، ناخفولغر‘ في نهاية أيلول/ سيتمبر من العام ذاته. صدرت الرواية بالإنجليزية لأول مرة على شكل حلقات  في مجلة صهيونية  شهرية أميركية إسمها “المكابي” بدءا  من أكتوبر1902 [142].  أوضح هرتزل فورا أن كتابه طوباوي بمعنى ضيق فقط، وذلك في ملاحظة مرفقة بالنسخة التي أعطاها إلى اللورد روثتشايلد: ” سيكون هناك بالطبع، أناس أغبياء سوف يعلنون، لأنني اخترت شكل اليوتوبيا الذي استعمله أفلاطون وتوماس مور، بأن “القضية”  طوباوية. لا أخشى مثل سوء الفهم هذا من جانبكم”[143]. أتفق جزئيا فقط مع المستشرق النمساوي، ل.م.س. فان دير هوفن ليونارد، وكذلك مع محمد علي خالدي،  على أن هرتزل كتب ” الأرض القديمة الجديدة” من أجل العالم بدرجة رئيسة، وليس من أجل الصهيونيين أنفسهم. وذلك لأن لها أغراضا دعائية. فقد أراد هرتزل  أن  يكسب رأي غير اليهود إلى جانب الصهيونية[144] .  ومن الصعب كما أعتقد، إفتراض أن هرتزل كان فقط تكتيكيا ودعائيا، ، لأن كسب موافقة الأوروبيين المسيحيين، وبخاصة الألمان منهم كما بينت سابقا، هي الموافقة الوحيدة التي كانت تعنيه حقا.  فحين يبين م. ع. خالدي أن الثيمة الرئيسة في الرواية هي جعل كينغزكورت، ذلك الأرستقراطي البروسي الذي لا يمكن تبرئته من الميول اللاسامية، أن يتقبل تلك الجنة المخلوقة حديثا، بل ويقرر البقاء فيها ، فهو مصيب تماما في ذلك[145]، باستثناء، أن هيرتزل، كما أعتقد،  لم يكن يفكر بطريقة دعائية فقط. فإيمانه بأن التمكن من إقامة مشروع إستعماري ناجح في الشرق،  على غرار المشاريع الأوروبية، هو الطريق  الأمثل للانتماء إلى الغرب ، هو إيمان صادق. فالحاجة إلى هذا الانتماء، الذي تم التعبير عنه سابقا بالمبارزة والموت الشريف، كان أساسيا بالنسبة إلى هرتزل إلى درجة لاتسمح بوصف مافعله بمجرد عملية تسويق تكتيكي. فهو قد توجه بعمله للأوروبيين المسيحيين  بالتأكيد، لأنه كان يحتاج منهم، من كينغزكورت، القبول والموافقة.

     هناك نقطة أخرى ذات علاقة، وهي هامة جدا أيضا.  يؤكد شلومو أفنيري، وهو ممثل مرموق للموقف الصهيوني مع طلاء من الليبرالية، ليس فقط على القلق الذي انتاب هرتزل حول الطبيعة الطوباوية ’للأرض القديمة الجديدة”‘، بل يقول بأن الرواية تؤكد على

 ’الطبيعة التسامحية والعالمية‘ لمؤلفها، وأن ذلك هو ’ سمة خاصة بثقافته الخاصة بوسط أوروبا،  وبرؤيته المعصومة من الخطأ إزاء الحقوق المدنية في ما يتعلق بالعرب الفلسطينيين‘ . ويستطر أفنيري قائلا بأن هرتزل لم يتوقع أن يقاوم العرب المحليون المشروع الصهيوني كحركة وطنية [146]. ومع ذلك،  يلاحظ م.ع. خالدي أن التمييز بين الإعتراف بما هو مدني وما هو قومي للسكان المحليين يتجاهل حقيقة أن “الأرض القديمة الجديدة” لا توضح ما الذي حل بالسكان الذين كانوا في مطلع القرن يشكلون الأغلبية في فلسطين[147]. فالإدعاء بأن الكتاب من صنع الخيال لا يشكل تفسيرا كافيا لحقيقة أنه بين عامي 1903و 1923، يختفي عرب فلسطين من الكتاب، وبخاصة في ضوء إصرار هرتزل وأتباعه على الرؤية الواقعية للرواية. فاختفاء العرب في الرواية، مع استثناءات قليلة مثل التصوير الإستشراقي للرمز العربي، رشيد بيك، هي نقطة محورية في فضح الخيال الأدبي والسياسي للمستوطن السيد عند نهاية القرن.

     هناك أهمية فائقة لما كان هرتزل يفعله ويكتبه أثناء كتابته المتقطعة للأرض القديمة الجديدة. هناك أولا ما لم يعبر هرتزل عنه علنا، وإنما لوحظ وجوده خلال القراءة المتأنية التي قامت بها فان ديرهوفن لينهارد ليوميات هرتزل. تلاحظ أن ” الأراضي كأملاك قائمة… ستتم مصادرتها بلطف، ويحظر إعادة بيعها لاحقا لملاكها الأصليين، ويجب بقاء جميع الأملاك غير المنقولة في أيد يهودية. أما السكان الفقراء، فيتم إخراجهم إلى ما وراء الحدود بطريقة سرية، بعد أن يكونوا قد خلصوا البلاد لمصلحة اليهود من أية حيوانات برية كالأفاعي. وسيتم حرمان هؤلاء السكان من أي عمل في أرض أجدادهم” [148]. كما إن هناك الإسهام الذي نادرا ما تمت ملاحظته سابقا ( وهو واحد من كثير)من قبل الباحث المرموق في الصهيونية المبكرة، أدولف بوم، الذي نشروثيقة هامة كان قد عثر عليها في أرشيف هرتزل في فيينا. كانت هذه الوثيقة  مسودة لاتفاق  سعى هرتزل دون كلل للتوصل إليه- والذي لم يتبلور أبدا، بين المنظمة الصهيونية العالمية وحكومة عبد الحميد الثاني العثمانية بخصوص   ’الإمتيازات، والحقوق، والمسؤليات القانونية والواجبات المترتبة على ’الشركةاليهودية العثمانية للأراضي‘ من أجل استيطان فلسطين وسورية‘. قام وليد خالدي بدراسة هذه الوثيقة وقدم ترجمة إنجليزية لها[149] .

     على الرغم من أن الوثيقة لا تحمل تاريخا ولا توقيعا، يعتقد خالدي، استنادا إلى بوم، بأنها قد كتبت كمسودة خلال المفاوضات مع العثمانيين- و كتابة رواية الأرض القديمة الجديدة أيضا- في الفترة الواقعة بين صيف 1901 وأوائل 1902.  ويؤكد بأنها كتبت من قبل هرتزل وصديقه الحميم، المستشرق اليهودي الهنغاري أرمينيوس فامبيري، الذي كانت له صلات هامة ببلاط عبد الحميد. تكمن أهمية هذه الوثيقة في أنها تفصح عن رؤية هرتزل غير العامة، ولذلك فهي تشكل تكملة لتلك الإنجازات العامة مثل ” دولة اليهود” (1896)، وبرنامج بازل (1897)، والأرض القديمة الجديدة0  إن ما كان يشغل بال هرتزل في ذلك الحين، وفقا لبوم، هو ’ الشكل الذي أعطت بموجبه حكومات الإنجليز، وكذلك النمساويون في الماضي للشركات الخاصة( مثل شركة الهند الشرقية) حقوقا في الأراضي المستولى عليها حديثا[150] .

كان الإتفاق المقترح يتضمن منح فلسطين وسورية للشركة اليهودية العثمانية للأراضي بصفة ’أراضي إمتياز‘ حيث يحق للشركة أن تتصرف فيها ، وفقا لحدود معينة، كما تشاء تقريبا. ولأجل هذه المناقشة، فإن المادة الثالثة وثيقة الصلة من حيث أنها تنص على منح الشركة اليهودية العثمانية للأراضي حرية كاملة في نقل السكان المحليين من فلسطين إلى أماكن أخرى في ولايات ومناطق أخرى من الأراضي العثمانية، تقوم الشركة بالحصول عليها، وأن ذلك سيترافق مع تعويض مالي للسكان المحليين المنقولين[151] .  والأكثر من ذلك، هو عرض هرتزل للإمبراطورية العثمانية مقابل ماسبق،  بتخليصها من ديونها المرهقة المترتبة عليها للدائنين الأوروبيين، والتي دفعتها إلى إعلان الإفلاس في سبعينيات القرن التاسع عشر.

     يمكننا الآن الانضمام إلى ديفيد ليتواك واصدقائه وهم يصطحبون كينغزكورت ولوينبيرغ إلى تجمع إنتخابي في أكثر المستوطنات نجاحا، والتي أقامتها ’الجمعية الجديدة‘، نيدوروف

 ( القرية الجديدة- يجب ان نتذكر أن هذه الجمعية الطوباوية  على مستوى رفيع من التحضر، فسكانها يتكلمون اللغة الألمانية)، التي تقع إلى الشمال قليلا من بحيرة طبريا. تشكل الإنتخابات القادمة في الجمعية الجديدة  حربا ضروسا بين حزب الرابي غايير، الذي كان في السابق مناهضا للصهيونية، ولكنه الآن يقود منبرا  يطالب بعدم قبول غير يهود في عضوية الجمعية الجديدة، وحزب ديفيد ليتواك، المنزعج من فكرة أن شيئا مخالفا لروح وتاريخ الجمعية الجديدة  مثل  أيديولوجية غايير، يمكن أن ينجح. ولاختصار التوتر الذي لا يطاق،  ينتهي الأمر بفوز حزب ديفيد ليتواك، ويتم انتخابه رئيسا للجمعية الجديدة.

    يلقي ديفيد ليتواك خلال الإجتماع محاضرة يبرر فيها موقفه بتقديم عرض تاريخي لليوتوبيا التقدمية التي تشكل  قرية نيدوروف نموذجا لها [152].  مايلفت الإنتباه في هذه المحاضرة هو أولا، عدم الإشارة مطلقا للمواطنين العرب. فإذ يتحدث ليتواك بشكل رئيس  عن الإستمرارية في سلسلة التقدم التعاوني، يواصل القول: “كيف تمكنا من تحقيق نتائج  لم يتمكن أحد هنا من تحقيقها سابقا؟ لا أحد، ما أريد أن أقوله هو، لاأحد، إلا المزارعين الألمان البروتستانت الذين قاموا بتأسيس عدة مستعمرات في هذه البلاد خلال نهاية القرن الماضي”. لا يوجد أي أثر للقلاحين العرب حتى ولو كخلفية متخلفة لكي يتم تعظيم الإنجاز الصهيوني مقارنة بها. ويستمر ليتواك قائلا: ” لا تتخيلوا أنني أمزح حين أقول أن نيودورف قد أقيمت ليس في فلسطين، وإنما في مكان آخر. لقد بنيت في إنجلترا، في أميريكا، في فرنسا، في ألمانيا. تطورت من خلال التجارب والكتب والأحلام” [153]. في بقية محاضرته، يذكر ليتواك  روايات كان هرتزل يحتفظ بنسخ منها، مثل “فرايلاند” لهيرتزكا ( 1890)، و” النظر إلى الخلف” لبيلامي ( 1888)[154] . كما يعدد مفاصل هامة من تاريخ العمل التعاوني، مثل مجتمع ’رالاحين‘ في أرلندة خلال ثلاثينيات القرن التاسع عشر ورواد روثتشايلد في لانكشاير في أربعينيات القرن التاسع عشر، والنساجين الذين وضعوا أساس التعاونيات الإستهلاكية التي تنتشر في المجتمع الجديد للأرض القديمة الجديدة .[155] ويمكن الإفتراض أيضا،  وذلك بفضل ملاحظة قالها صبي يدعى جاكوب إلى ليتواك،  أن مكتبة نيودورف تضم كتابا عن تاريخ  رواد روشديل، وأن الرسالة العلمية التي قرأها هرتزل كانت  لهولي أوك الذي أصبح شخصية هامة  في تاريخ اليوتوبيا الأميركية[156].

     يبدو واضحا مدى انغمار هرتزل ومخيلته في العالم  الأوروبي المعقد بما يتضمنه من تقدم وعلوم واستعمار. تشكل الزيارة الى مختبر البروفيسور شتاينك، الشهير عالميا، مثلا على ذلك.  فردا على سؤال من قبل لوينبيرغ عن العمل الذي يقوم به، يعلق الراوي  بأن ’عيون العالم أصبحت حالمة‘ ويجيب: ” إفتتاح إفريقيا”. وحين يكرر كينغزكورت الحائر سؤاله، يشرح العالم بأن ذلك يتعلق بايجاد دواء للملاريا، ويقول: ” قضينا على الملاريا هنا في فلسطين، بفضل تجفيف المستنقعات، وشق القنوات، وزراعة غابات اليوكاليبتوس. ولكن الوضع مختلف في إفريقيا. لا يمكن اتخاذ نفس الإجراءات فيها لأن المتطلب الرئيس- الهجرة الجماعية- غير موجودة هناك.  المستوطن الأبيض يموت في إفريقيا. لا يمكن فتح تلك البلاد للحضارة إلا بعد القضاء على الملاريا. وحينئذ، يمكن توفر مساحات شاسعة من أجل فائض سكان أوروبا. وحينئذ فقط، ستجد جماهير البروليتاريا مخرجا صحيا لها. هل تفهم؟” .[157]

      ما تصفه الرواية من تكرار لأحداث الخروج،  وخروج اليهود من أوروبا لكي يستعمروا فلسطين، هو وصف مرهق على الرغم من أنه ليس مملا. يقوم جوزيف ليفي، المدير العام لعملية الهجرة الجماعية برواية ما يحدث، وينبعث صوته من غرامافون. تعكس هذه الرواية مدى  الأثر المزدوج للموجة الأولى من العولمة الرأسمالية (1870-1914) على خيال هرتزل الأدبي، بكل ما تضمنته من  تخيل إمكانية نقل الناس والبضائع عبر الكرة الأرضية بشكل منظم  ومنسق، ومركزية التكنولوجيا للإمبراطورية، وبخاصة السكك الحديدية والقطارات المتقدمة في الحالة الألمانية، والإمبريالية التي يمكن فيها رسم المستعمرات على شكل عناوين فوق الخرائط،  وتخيلها فارغة من أجل البدء بعالم جديد من الصفر[158] .

      تعكس المقدمة التي تؤدي إلى الإجتماع الذي يتم فيه إعادة سرد حكاية الخروج، تجسيدا  لنوع الصهيونية التي كانت في وعي هرتزل وكيف ستتحول إلى: نوع من المزيج المؤلف  من اللاهوت القومي والإستعمار، على نحو شبيه في بعض تفاصيله التاريخية الخاصة، بأمثلة من  مغامرات رجال بيض أخرين  في العصر الحديث.  يبدأ حفل سيدرعيد فصح في فيلا ليتواك على شاطئ بحيرة طبريا. يتشكل السيدر من كل ألوان ’بينيتون المتحدة‘ لنهاية القرن.  يوجد في الحفل كل من كينغزكورت، القس الروسي من صفورية، الراهب الفرانسيسكاني الذي جاء من كولون قبل ربع قرن، الأب إغناس الكاهن، المستر هوبكنز-   وبالتأكيد، لايوجد رجل دين عربي، مسلما كان أم مسيحيا، ولا يهوديا. عند انتهاء طقس السيدر، يقترح ديفيد ليتواك أن يستمع  الجميع  إلى جوزيف ليفي، لكي يتم الوصل بين  الخروج القديم والجديد ( وضمنيا لنفي كل ما بينهما). يجادل لصالح الإستمرارية باستدعاء  المكونات التأسيسية لكل من التكنولوجيا، والاستعمار، والتوجه للشرق، وبلاد خالية من أهلها:

 سوف ننهي عيد الخروج على عادة أجدادنا، ثم نترك العهد الجديد

  لكي يخبركم كيف ولد. مرة ثانية كانت هناك مصر، ومرة ثانية، كان  هناك خروج سعيد- في ظروف القرن العشرين بالطبع، وبمعدات حديثة. لم يكن ممكنا أن يكون غير ذلك. فلا بد من قدوم عصر الآلة 

  أولا. على الأمم العظيمة أن تنضج على النحو الذي يليق بالسياسات الإستعمارية. يجب ان تكون هناك بواخر عظيمة بسرعة 22عقدة في الساعة لكي تسبق السفن الشراعية. وباختصار، كنا بحاجة لكل مخزون عام 1900. كان لا بد من أن نكون رجالا جددا، ونبقى مع ذلك مخلصين لسلالتنا القديمة. وكان لا بد لنا من أن نفوز بتعاطف  الأمم الأخرى وحكامها. وإلا كان هذا المشروع كله مستحيلا [159]

 

                                   _________________