التجربة الخلاقة

الصفحة

التجربة الخلاقة

 

تأليف البروفيسور                                 

   س.م.بـورا                               

ترجمة  سـلافة حجـاوي

 

صدر هذا الكتاب باللغة الانجليزية تحت عنوان The Creative Experiment في العام 1949  عن دار ماكملان للنشر في لندن، ثم أعيد طبعه في عامي 1954 و 1967 . وقد تمت هذه الترجمة عن الطبعة الثالثة.
المؤلف : كان البروفسور س . م. بورا (1898-1973)،  عميد كلية وادهام / جامعة أكسفورد. ويعتبر من أكبر المتخصصين في الآداب اليونانية وله مؤلفات عديدة في مختلف المجالات الأدبية وبخاصة في مجالات النقد. من مؤلفاته : التراجيديا السوفوكلية، من فيرجيل إلى ميلتون، الأغنية البدائية.
The Creative Experiment
1- M. Bowra
Macmillan & Company Limited-London
First Edition – 1949
Reprinted- 1954, 1967
التجربة الخلاقة
س . م . بــورا
المترجمة : سلافة حجاوي
الطبعة العربية الأولى – 1977 – وزارة الاعلام  العراقية / بغداد
الطبعة الثانية – 1986 –  وزارة الاعلام  العراقية / بغداد
الطبعة الثالثة – 2000  – فلسطين

 

المحتويات

  • تقديم.
  • مقدمة.
  • الفصل الأول- التجربة الخلاقة.
  • الفصل الثاني- قسطنطين كافافي والماضي لإغريقي.
  • الفصل الثالث- الرتابة والمخاطرة عند غيوم أبولينير.
  • الفصل الرابع- فلاديمير مايكوفسكي والمستقبلية.
  • الفصل الخامس- بوريس باسترناك..
  • الفصل السادس- ت. س. إليوت والأرض الخراب.
  • الفصل السابع- فيديريكو غارسيا لوركا.
  • الفصل الثامن- رفائيل ألبيرتي..عالم الملائكة..
تقديم
هكذا يتم طبع كتاب ” التجربة الخلاقة ” للمرة الثالثة، بعد أن كان قد طبع لمرتين من قبل وزارة الثقافة العراقية في عامي 1977 و1986 ، ووزع منه نحو ثمانية آلاف نسخة.
وقد نبع حرصي على طبع هذا الكتاب للمرة الثالثة، وفي فلسطين هذه المرة، من قناعتي بضرورة أن يقرأه الجيل الفلسطيني، شباباً وشابات، من الأدباء والنقاد، او من الشباب الذين يتطلعون إلى ولوج معمعة الشعر والتحول إلى شعراء أو نقاد. وكانت قناعتي بذلك قد تبلورت أثناء الزيارة التي قمت بها لبغداد في عام 1996، اذ زارني في تلك الأثناء عدد كبير من الطلبة الجامعيين العراقيين من كانوا يدرسون الآداب المختلفة في الجامعات العراقية، معبرين عن تأثرهم الكبير بهذا الكتاب، شاكرين لي ترجمته.
وانني، اذ أتيح لي الآن أن أعيد  طباعته وأن أضعه بين أيدٍ فلسطينية، فإنني آمل أن يسهم هذا الكتاب، في تغذية الثقافة الأدبية ، وفي إثراء النقاش حول مفهوم الشعر وماهيته ووظيفته في عصرنا الحاضر.

 

سلافة حجاوي
المترجمة 2000
                                             
مقدمة المترجمة للطبعتين الأولى
” التجربة الخلاقة ” دراسة في النتاج الشعري لسبعة من رواد الحركة الشعرية الحديثة التي نمت وازدهرت على امتداد القارة الأوروبية خلال النصف الأول من هذا القرن. هؤلاء الشعراء هم : قسطنطين كافافي، أبولينير، مايكوفسكي، باسترناك، ت. إس . إليوت، لوركا ورفائيل ألبيرتي، الذين استطاعوا بطاقاتهم الفذة وثقتهم بأنفسهم وشجاعتهم ان يتصدوا للاسئلة العديدة التي طرحها العصر الجديد، وأن يخوضوا تجاربهم المختلفة ضمن منطلق عام واحد هو الحاجة الملحة للتغيير وخلق شيء جديد مخالف لما سبق في ضوء التحديات الجديدة التي طرحها العصر.
ولعل ما يميز ” التجربة الخلاقة ” عن غيره من أعمال النقد هو أنه يشكل في مجموعه قصيدة ثامنة تضاف إلى المجموعات السبعة التي يحللها، وتجربة خلاقة في مجال النقد، يكتبها ناقد لا يقل شاعرية وإبداعا عن هؤلاء الشعراء ضمن مجاله، هو سي. إم . بورا، أستاذ الشعر في جامعة اكسفورد وعميد كلية وادهام في الجامعة نفسها.
ألف سي . إم . بورا العديد من الكتب وبخاصة في الأدب الاغريقي، حيث مجال تخصصه الرئيس ، منها : الشعر الغنائي الاغريقي، من فيرجيل إلى ميلتون، التجربة الإغريقية، التراجيديا السوفوكلية. وقد أصدر ” التجربة الخلاقة ” في العام 1949 الذي أعيد طبعه مرتين عام 1959 و 1967، وذلك قبل وفاته في العام 1971 عن عمر ناهز ثالاثة وسبعين عاما.
لقد استطاع بورا في دراسته هذه أن يلج في أعماق التجارب التي خاضها هؤلاء الشعراء، وأن يحلل كافة الظروف الإجتماعية والسياسية التي كيفت شخصياتهم ونتاجاتهم، وذلك بنظرة تحليلية واعية لمختلف الأبعاد الإنسانية وبأسلوب شعري دافق، محيلا عملية النقد التي طالما اعتدنا على جفافها وسلطويتها، إلى رحلة حب تكتنفها أقواس قزح.
سلافة حجاوي    1977
الفصل الأول

 

التجربة الخلاقة
لدى أى تقييم عام للفنون الجميلة في النصف الاول من القرن العشرين لا يمكن تفادى الاستنتاج بأن تلك الفترة إنما كانت مرحلة تجريبية. فالرسم والنحت والعمارة والموسيقى، تلك الفنون التي كانت لها في القرن التاسع عشر قوانينها المقبولة لدى الرأي العام قد تعرضت كلا وبشكل عنيف للتشكيك وأخضعت لأهداف وأساليب جديدة. لم يكن نصيب الشعر في التغيير اقل من غيره. لا شك ان بعض الشعراء قد تمسكوا بالمفاهيم القديمة مبينين انه ما زال بالامكان العمل بها، غير ان الشعر المميز لهذا العصر يبدو من عدة وجوه وقد تخلى عن الطرق المعهودة في النظم وسعى نحو نتائج جديدة بواسطة وسائل جديدة متعددة. فالفرق بين ييتس المبكر وت.اس. اليوت، بين روبان داريو ولوركا. بين مالارميه وابو لينير انما يظهر ضخامة الهوة التي تفصل بين شعر الرمزيين والأساليب المختلفة الجديدة. فانتقاله الشعر من القرن التاسع عشر الى العشرين لا تقل ضخامة عن انتقاله من القرن الثامن عشر الى التاسع عشر. وبالضبط كما تعرض الرومانتيكيون للهزء وسوء الفهم بسبب تمردهم على أسلوب قائم،  كذلك لابد لشعراء هذا القرن من الانتظار قبل ان يكون في مقدورهم إقناع الآخرين الذين ثقفوا الأساليب القديمة بتقبل مفاهيمهم المغايرة. غير انه بينما بدا  الرومانتيكيون منذ انطلاقتهم وكأنهم على يقين تام بالذي يريدون تحقيقه وبالشكل الذي يتصورون الفن عليه،  فقد افتقد شعراء هذا القرن مثل هذه الثقة حيث توحي محاولاتهم المختلفة بانه لم يكن من السهل عليهم ايجاد صيغة للتعبير عن آرائهم على الرغم من طموحهم المشترك الذي ادى بهم الى الانطلاق ببعض الافتراضات العامة. لقد قاموا بعدة تجارب وتوصلوا الى نتائج مختلفة الاشكال وان اعمالهم هذه تثير اسئلة تتعلق بماهية الشعر الاساسية.
ومثل كل الحركات، يمكن اعتبار حركة الشعر الحديث تاريخيا كرد فعل لما سبقها. ان رد الفعل هذا حتمي ولا يحتاج الى البحث، فحين يستنفد اي فن طاقته التعبيرية تتحتم نهايته ويغدو عائقاً في طريق الانتاج الابداعي. فالمصير الذي لاقته بلاغة القرن الثامن عشر قد تكرر ثانية في نهاية القرن التاسع عشر حين قطفت الرمزية آخر ثمار الحركة الرومانتيكية ولم يعد لهذه الحركة ما تمنحه، وحين بدا ان أية  محاولة في الاستمرار بها لا تعدو ان تكون مجرد تقليد مجرد من اية حيوية. لقد أدرك ييتس ذلك حين تحول عن اسلوبه المغرق في الاحلام المتمثل في قصيدة “المياه الظليلة” الى الاسلوب المركز المجرد من كل زخرفة في أعماله المتأخرة. أحس ييتس ان الشكل السابق لم يعد قادرا على التعبير عما يود ان يقوله وذلك لان الشكل القديم انما اخترعه اناس لهم طموحات وتجارب خلاقة تختلف تمام الاختلاف عن طموحه وتجاربة. وقد شكلت المفردة الصعوبة الاولى. فالمفردات التي تداولها الرومانتيكيون قد فقدت بالاستعمال الطويل دلالاتها النوعية وبهتت معانيها تدريجيا حتى غدت وكأنها ملك لعالم مندثر، وفي حالة عدم فقدانها معانيها فهي لابد وان تبقي عاجزة عن التعبير عن الحالات الفكرية التي لم يعانها الرومانتيكيون او الرمزيون.
فاللغة هي الهدف الاول للتغيير الذي تطلبه الشعر حيث لابد من نبذ المفردات والتعابير القديمة وادخال مفردات جديدة واخضاع الكلمة للنقد الانتقائي الحاذق. حدث هذا في معظم البلدان الاوروبية ويكاد يكون الان من المستحيل لاي انسان ان يكتب بلغة ييتس المبكر او داريوا ومالارميه. ويتهم كل من يفعل ذلك اما بتشويه تجربته باستعمال الكلمة غير المناسبة او بكونه مجرد مقلد للكتاب الكبار.
فالحاجة الى خلق شئ جديد هي التي ادت الى تغيير المفردة. غير ان ذلك التغيير لم يكن كافيا بذاته لتحقيق الغاية المنشودة. لابد للشعراء من اعادة النظر في طبيعة الاثر الذي يرعنون في احداثه وفي مجالات التجربة الملائمة للشعر وفي مدى الحرية التي يمكن ان تمنح للطاقة الخلاقة. لا شك ان القرن التاسع عشر بانجازاته الواسعة قد ابدع انواعاً متعددة من الشعر. فهو لم يكن فقط عصر ووردزورث وهيوغو ومالارميه بل عصر ويتمسان وبراوننج ورامبو. ومع ذلك فقد غلب الاتجاه في ذلك العصر نحو ما هو نبيل ومتجانس،  نحو منطقة التجربة بواسطة الشكل المنتظم والجرس الموسيقي القادر على ابتعاث شعور معين في النفس.
وقد اتهم الشعراء المتمردون الذين طمحوا الى تحقيق انواع اخرى من التأثير بالشذوذ ولم ينشر من قصائدهم سوى تلك القصائد التي تقترب الى أقصى حد ممكن من الشكل التقليدي. تلك هي القيم التي نشأ عليها جيل عام 1910. وقد وجد هذا الجيل صعوبة فائقة في التخلي عنها. فحين نشرت. اس. اليوت مثلا مجموعته الاولى “بروفروك وملاحظات اخرى” في عام 1916 لم يستسغ القارئ العادي منها الا قصيدة “لا فيغلياشي بيانغ” وذلك لما تتحلى به من سلاسة وبساطة تذكران بالشعر الفيكتوري:
في اعلى السلم،  في اعلاه قفي
وعلى السندانة اتكئي
ولشعرك حوكي ضوء الشمس
وزهورك ضميها للصدر
بالألم الألم المندهش
ارميها ارضاً والتفتي
بعيون الغيظ المنفلت
ولشعرك حوكي ضوء الشمس(*).
فهي بكلماتها المنتقاة وحركتها الموزونة ووجدانيتها قد لاقت الاستحسان لدى الكثير من القراء الذين وجدوا فيها ما يعتقدون بأنه وظيفة الشعر. وهم على العكس من ذلك وقفوا بأرتياب أمام القصيدة الاولى “اغنية حب الى بروفروك” بأستهلالتها المفاجئة الغريبة :
فلنذهب اذن، أنت وأنا
حين يمتد الليل على السماء
كمريض مخدر على طاولة
فلنذهب عبر شوارع معينة نصف مهجورة
وهمهمة انكفاءة الليالي القلقة
في فنادق الليلة الواحدة الرخيصه
والمطاعم المغطاة بنشارة الخشب وقشور المحار.
هكذا بدا واضحاً ان خللا ما قد طرأ على الشعر. وقد ساء ذلك الكثيرين. غير ان هناك من استبشر بالخلاص حيث غدا ممكنا التخلي عن الموضوعات والمشاعر الرومانتيكية والرمزية والاتجاه نحو ما هو اكثر التصاقا بالتجربة الواقعية.
واذ جاء ميلاد الشعر الحديث كرد فعل على أسلوب مستنفذ، فقد اصبح من الضروري تحديد مبادئه واهدافه وتقرير الشئ الذي يجدر تحقيقه والبناء مثلما كان الهدم. وقد كانت البداية بافتراض طبيعي. فبما ان الشعر قد صار زائفا نتيجة ادمانه على الاساليب والمواضيع التقليدية، فلابد من العودة الى اصالته الطبيعية، لابد من تخليصه من الشوائب العالقة به وجعله اكثر نقاوة وصفاء. المسألة واضحة تمام الوضوح، غير انها اثارت صعوبات فعلية. فان مفهوم “الشعر النقي” الذي شغل بال الكثير من الشعراء والنقاد لم ينته الى تعريف واضح لماهيته. هناك بالطبع شعر اكثر نقاوة من غيره وذلك لانه يتعامل مع تلك المواضيع التي يعتقد بأنها حالات الفكر الشعرية بجدية اكثر من غيره،  كما انه يخلو من العنصر النثري الذي لم يسلم منه بعض كبار الكتاب مثل هيوغو وتينيسون. لقد أعار الرمزيون اهتماما كبير لهذه الناحية فتخلوا عن كل ما هو خطابي او وعظي او اخلاقي على اعتبار ان هذه الموضوعات ليست شاعرية بالضرورة. غير ان المفهوم الحديث للنقاوة لا يعني ذلك تماما. فالشعراء المحدثون تقدموا من حيث انتهى الرمزيون واتجهوا نحو جعل الشعر اكثر صفاء من خلال قدرته على ابتعاث نوع معين من الاثارية التي هي وظيفة الشعر الرئيسة والمميزة له عن كل ما عداه. لاشك ان الشعراء العظام منذ هومر حتى هاردى قد ابتعثوا هذه الاثارية، غير انهم لم يفعلها ذلك بصورة واضحة ومتعمدة على النحو الذي يتطلبه الذوق الحديث، حيث كانت اهتماماتهم تتوزعها عدة نواح اخرى كالاهتمام بالشخصيات البشرية ورواية القصص والعواطف والانفعالات ونقد الحياة وتوفير المادة الفكرية. يعتبر الشاعر الحديث كل هذه النواحي غير ضرورية، لابل خطرة وذلك على اساس انها تعيق الشاعر عن التركيز على واجبه الاول والاخير وهو توفير الحالة الخاصة من الاثارة.
ليست هذه الحالة جديدة كل الجدة،  فقد استبقها نيتشه بشكل ما حين رسم خطة الشهير الفاصل بين العناصر الشعرية الابولونيه والديونيسيه حيث ارتأى ان الإنسان انما يحتاج الى شكلين مختلفين للروءية التخيلية هما عالم “الحلم” الابولوني المتمثل بالهة الأولمب حيث يمتلك البشر هدوءا مثاليا ونظاما ويرون كل شئ بصفاء ووضوح، وعالم الثمل الديوينيسي حيث الإثارة والنشوة الغامرة التي لا هدوء ولا صفاء، بل إحساس مدهش بالقوة واستسلام لسلطة المخدر الذي ينسي الانسان نفسه فيتماثل مع الطبيعة او مع الجموع البشرية في غمرة اوضاعها الاقل عقلانية والاكثر غريزية. يتجه المحدثون نحو العالم الديونيسي. فالرعشة الرئيسة برأيهم هي تلك القوة الغامرة التي ليست وظيفتها ان تمنح الاشراق الفكري،  بل ان تجذر الاحساس بحياة اشد دفقا.
آمن هوبكنز من قبلهم بمثل ذلك وبطرقة الخاصة،  فقد عمد الى تصوير الاحساس بالقوى المعتملة في الطبيعة،  الى نقل ذلك التململ في العالم الذي اطلق عليه صفة “الهروب” الى داخل النفس بعملية اطلق عليها صفة “الارهاص”. فقد ركز جل اهتمامه على تلك اللحظات التي احس بنفسه وقد استبدت به احاسيس ذات طبيعة خارقة. كما رأى انه لابد من شحن كل كلمة باقصى ما يمكن من الطاقة ولو أدى ذلك الى فقدان الإيقاع المنتظم والسلاسة الكلاسيكية، تلك الصناعات التي توفرت في شعر صديقة روبرت بريدجز. كذلك رامبو الذي رأى بعبقريته التنبؤيه الفذة ضرورة قيام الشاعر بممارسة التشويش المكثف على كافة الحواس , هذا التشويش الذي ادى به الى رؤية جامع مكان مصنع وملائكة  تدق الطبول وعربات منطلقة نحو السماء،  وهو بقوله “يقوم الشاعر بإلقاء الضوء على ذلك الكم المجهول المستيقط في عصره عن روح العالم ” انما كان يقترب من هوبكنز ونيتشه حيث اراد ان يتجاوز بشعره التأثير العاطفي والموسيقي لكي يصبح الشعر قادراً على تغيير العالم بفعل تأثيره على المخيلة واستعادة الحيوية التي تواجدت لدى كبار الاغريق.
وسواء اكتشف الشعراء المحدثون هذه الاراء بانفسهم ام اقتبسوها من الاخرين فقد طبقوها بصرامة بالغة. ولعل الصفة المميزة لعصرنا الحاضر هي ان الشعر يقوم بممارسة وظيفته الاساسية دون غيرها. وقد انسحبت هذه الصفة على الفنون الاخرى فصار التركيز في الرسم على الخط واللون والشكل على حساب الموضوع، وكذلك النحت حيث الاهمية الاولى لطريقة استخدام الوسائل المادية للتعبير الفني.
ان عصرا اصبح التخصص صفته المميزة لابد ان يؤدى ايضا الى تخصص الشعر، وقد جرت المحاولة فعلا. وربما هناك من يرفض ان تكون الاثارية وظيفة الشعر الوحيدة وبان الإيقاع والسلاسة صفتان لا تقلان أهمية، او يرى ان الشعراء المحدثين رغم كل تركيزهم على ذلك العنصر قد عجزوا عن الوصول الى مصاف دانتي او ووردزورث او غيرهما من الشعراء الذين لم تكن الاثارية هدفهم الوحيد،  او بان هذه الاثارية لابد ان تكون نتيجة عرضية في الشعر وليست جوهرا له. هناك بعض الحقيقة في هذا النقد. فالشعر ذو الايقاع السلس له قراءه القانعون به. فقراء اوفيد وبريدجز لا يكادون يحسون بأية حاجة لتلك الاثارية او رأي عنصر اخر. ولا شك ان الهجوم على هذه النظرية الحديثة ممكن أيضاً. غير ان القيمة الحقيقية لاية نظرية تكمن في مدى الاجماع على صدقها، بل في مدى ما تعنيه وتحققه من خلال الذين يؤمنون بها. ولا يمكن نكران حقيقة ان عدداً كبيرا من الشعراء المحدثين يومنون بالاثارية كهدف رئيس تتلاشي امامه كل العناصر الاخرى. ربما يكونون على خطأ فيما لو مثلوا امام حكم الحقيقة المطلقة،  ولكنهم على صواب أمام حكم ضمائرهم الفنية، وهذا هو المهم.
اقترنت الرغبة في تحقيق هذه الاثارية بعنصر آخر لا يقل أهمية. فحين يصر الشعراء على فشل المصطلحات التعبيرية القديمة إزاء التعبير عن أحاسيسهم الحقيقية انما يؤكدون على اهمية الصدق في التعبير. انهم يريدون التعبير بصدق عن كل ما يرون، هذا شئ طبيعي وغير مستغرب، اذ لا يستطيع اي فنان مهما كانت درجة تطرفه ان يعترف بعدم صدق ما يقول. غير ان المحدثين يتوغلون اكثر من ذلك ويؤكدون على نوع معين من الصدق. فالصدق الذي ينشدونه ليس صدقا عاديا او مجردا، وهو ليس مجرد ابتعاد عن الزيف، انما هو الصدق الكلي بكل ما يعنيه هذا التعبير، انه الصدق الذي يرونه بكل حواسهم في وقت تكون فيه كل مداركهم وأحاسيسهم وعواطفهم مجندة للعمل. انه الصدق الذي لا يمكن التعبير عنه بالكلمات البسيطة ولا يمكن الوصول اليه الا من خلال الاشارات والتلميحات وكل الوسائل التي يمتلكها الشعر في سبيل تصوير الشئ بكل قيمته وغموضه. فالشاعر الحديث الذي يعيش في عصر الاكتشاف السيكولوجية وفي خضم وعي متزايد بتلك التيارات الخفية داخل النفس البشرية، انا يواجه مسؤولية ازاء الصدق تفوق مسؤولية اسلافه الذين عاشوا في زمن اكثر بساطة واقل شعورا بالذات. انه يعيش في عصر لا يلائمه حيث ان الوسائل الحديثة التي اخترعها العلماء في مجال علم النفس كاللغة والطرق التجريبية في التعامل مع المواضيع كلها لا تلائم الشعر. فالشاعر لا يحلل نفسه بهذه الطريقة وهو لا يستطيع استخدام مثل تلك اللغة المجردة، وليس من واجبه ان يفسر او يحلل،  انه يصور الاشياء كما يراها،  يلتقط ظلالها الهاربة واشكالها المتغيرة لكي يجعلنا نحس بها كما يحس بها حتى لو أدى ذلك الى عدم استيعابه هو نفسه لها ناهيك عن عدم استيعابنا نحن لها. هكذا وجد الشعر الحديث في مجال النفس موضوعا يتطلب الدرجة القصوى من الصدق كما لم يكن من قبل، ولابد له ان يمتلك الوسيلة الملائمة لكي يحقق ذلك.
يحاول الشعراء بصورة عامة إثراء الشعر بشكل يوفر له اكبر قسط من الصدق والتأثير. يتم تقديم التجربة بكل تعقيداتها وبدون اي تبسيط او ترتيب كذلك الذي يوفره الفكر التحليلي. واذ تتميز الحالة الإبداعية الناتجة بالانبثاق المباشر والسرعة والغرابة، يتحتم على الشاعر ان لا يتردد في تصوير احساسه بكل صراحة وان يثق في تفهم الآخرين له. فالحالة الخلاقة انما تهجم عليه بقوة حازمة مسيطرة فتنقض على طرائق تفكيره المعتاد وترفض التقولب بالقوالب المألوفة. هنا تنشط الاحاسيس والفكر جنبا الى جنب، يتشابكان ولا يستطيع الشاعر ان يميز بينهما فيضطر الى ابراز شكلهما الموحد في لحظة من الاشراقة الخلاقة. وبما نعتقد في هذه الحالة ان افكار الشاعر تتقمص وضعا مجازياً، غير ان هذا يؤدي الى اساءة فهمه. الحقيقة هي ان مشاعره تتغلغل في داخل افكاره الى حد يشكل الاثنان فيها كلا واحد. ان ما حققه الشعراء بواسطة التطور التحليلي للتشبيه والمجاز، قد حققه الشعراء المحدثون بما يشبه التطور اللامنطقي الذي هو في الواقع الطريقة الصحيحة للتعبير عما يجلب انتباههم. وربما نحتج على قول الشاعر الاسباني جيراردو دييغو:
سيحل صمت اخضر
صنعته قيثارات مفلولة.
حيث نقول : اذا قبلنا بالصمت اخضراً فمن الصعب ان نقبله “قيثارات مفلولة”. غير ان هذا هو الذي قصده الشاعر. انها تلك اللحظة التي تصمت فيها القيثارات حيث يصبح الصمت مرئيا، لا بل مسيطرا بفعل توقف الموسيقى، وكأن اكيلا من الزهور قد انتثر. لقد التحمت عناصر الرؤية والصوت، الوجود والتلاشي  في ضمير الشاعر فكان التأثير متكملا متحدا.
ادت الرغبة في التعبير عن حالات الفكر غير المألوفة الى التأكيد على أهمية استخدام الصور. حقا ان الشعر بمختلف ازمانه قد لجأ الى الصورة للتعبير عن تلك الحالات الغامضة التي يتعذر التعبير عنها بصورة مباشرة او لاداء الخصوصية الفعلية لما يحسه الشاعر وذلك من خلال التشبيه والطباق.
لكن الشاعر كان اذا استطاع التعبير عن نفسه ولو على حساب شعره، يحجم عن إعطاء الصورة دورا رئيسا،  لا بل تصبح الصورة مجرد عنصر من العناصر المكونة لكلٍ مركب. لقد بدلت النظرة الحديثة هذا الوضع واصبح الشعراء بحاجة للصورة كي يعبروا من خلالها عن حالة قصوى من التعقيد لمشاعرهم وهم يستخدمونها بحرية اكثر لنقل تلك الرعشة الخاصة التي يعتبرونها وظيفتهم الأساسية. ليس كافيا ان نقول ما قاله التصوريون الروس بان الصورة هي “النفتالين الذي يحفظ النتاج من عث الزمن” فوظيفتها تختلف تماما، أنها حشد اكبر قسط ممكن من الصدق في الكلمات، مما يدل على ان الصورة قد أصبحت تلعب دورا اكثر أهمية في الشعر الحديث، نوهي اكثر التحاما في بنية القصيدة عما كانت في اي وقت سابق. فالتشبيهات التي شكلت الجزء الأكبر من قصيدة شيللي “أغنية الى القبرة” إنما تهدف الي بيان كل الصفات المختلفة التي يراها الشاعر في غناء القبرة، ولكنها منفصلة عن البنية ولا تعدو ان تكون عنصر اشراق في القصيدة كما انها تظهر في تتابع منتظم وكل صورة منفصلة عن الاخرى. يختلف الشعراء المحدثون في تعاملهم مع الصورة. فهم يميلون الى عدم التمييز بين التجربة والمقارن الذي تستثيره لانهما يشكلان واحدا. انهم يرون التجربة وقد تقمصت كل صفات المقارن وهم لذلك يحطمون كل الفواصل بينهما. وكما يفعل شكسبير في مسرحياته المتأخرة،  حيث ينتقل ضمن مجال صغير من صورة لاخرى، كذلك يبدل المحدثون صورهم مع تطور الموضوع ويراكمونها في جملة واحدة. ربما تحتاج كل زاوية من زوايا التجربة صورة ملائمة لها وليس هناك ما يدعو لان تنتمي هذه الصور المختلفة الى ظاهرة واحدة منتظمة، فحين يريد الشاعر التشيلي بابلونيرودا ان يصور احد جوانب تقززه من الحياة، فهي يبعث وبدون اية مقدمات، سلسلة من الصور التي توحي بمختلف احاسيسه دون أن يحتاج الى التأليف بينها في صورة واحدة :
هناك طيور بلون الكبريت وامعاء مخيفة
تتدلى من ابواب البيوت التي اكرهها
هناك اسنان زائفة منسية في اقداح القهوة
هناك مرايا
لابد انها بكت من الحزن والخوف
هناك مظلات في كل مكان، وسموم، وسرر بشرية.
فكل صورة تثير احساسا معينا وتطور الحالة العامة حتى يتم تحقيق ذروة الاكتمال لكل مضاعفاتها.
ان هذا الاستخدام للصور له أهميته البالغة في حالة قيام الشاعر بوصف حالة فكرية خالصة. فالصور اقدر على التمييز والتأثير من الكلمات المجردة التي تحتل مكانها. أنها تمنح شكلا معينا كافيا لحالات الفكر، تلك الحالات الواضحة عند الشاعر والتي يعجز أي اصطلاح عادي عن التعبير عنها. فالصورة لا تروى فقط ما الذي يدور في رأس الشاعر، أنها تعكس كل ما يحس به من تداخل بين الفكر والعاطفة. ينقل الشاعر اليوناني، جورج سيفيريز مثلا، الاحاسيس التي ترافق ذكريات الطفولة بخمسة ابيات فقط :
يتجمد دمك احيانا،  كالقمر
في الليل الذي لا ينتهي
يفتح دمك اجنحته البيضاء
على الصخور السوداء
على حوافي الاشجار والبيوت
مع شعاع الضوء المنبعث من اعوام طفولتنا
يحقق سيفيريز بهذه الابيات شيئا لابد وان يظل مفقودا لو تم التعبير عنه بالكلمات المجردة. انه يجسد الصورة التي تنسجم تمام الانسجام مع العالم المألوف ويجندها لمهمة خاصة. ولا تكون الصور دائماً على هذا النحو من الوضوح فهي احيانا ادوات لنقل حالات شديدة التعقيد بحيث تكون الصورة الواحدة غير كافية. ربما تنشأ الحاجة الى المجاز المزدوج، فلا يستطيع بول ايلوار مثلا الاكتفاء بالصورة الواحدة لكي يعبر عن احساسه ازاء شعر حبيبته. انه بحاجة الى مجموعة من الصور القادرة، رغم عدم تآلفها، على نقل الاحساس الذي يمتلكه :
شعرك البرتقالي في خواء هذا العالم
وخواء زجاجات النوافذ المثقلة بالصمت والظلام
حيث يداى سماوات تبحث عن الظلال
هكذا اصبحت الصور ضرورة ملحة في وقت تخصص فيه الشعر في حالات الوعي المستثار متشابك الموضوعات. وليس هناك ما يحدد مدى امكانية استخدامها.
واذ اتجه الشعر نحو التعبير عن الحياة الحاضرة، فقد ولج عوالم تجربة لم تتوفر لكتاب القرن التاسع عشر بافقهم الضيق المحدود، ومارس شكلا خاصا من اشكال الواقعية ليست واقعية علمية او تدوينا موضوعيا للحقائق على نحو المذهب البرناسـي، انها واقعية تخيلية لا تعترف بالحدود وتصر على انتزاع مادتها من اي مجال من مجالات الحياة. لقد سار شعراء القرن التاسع عشر على هدى ايمانهم “بالجميل” فاعتقدوا بوجود مواضيع جميلة في حد ذاتها ومواضيع غير جميلة بينما يرى المحدثون عكس ذلك، فهم لا يهتمون بتفصيل الجمال على هذا النحو ولا يعترفون بوجود اصناف لموضوعات الجمال. فالمهم هو مدى قابلية الموضوع التخيلية ولا يمكن التنبؤ بذلك مسبقا. فالروح الخلاقة ذات مجال غريب شاسع وهي قادرة على العثور على موضوعها في اي مكان، وهذه هي الحقيقة. فقد رفض اتباع “الجمالية” الكثير من الموضوعات التي لم يرفضها شكسبير او دانتي، وها قد اتجه الشاعر المحدث الى التركيز على الاثارية الخصوصية، وعلى التوتر والرعشة التي يكتشفهما من غير اي تصور مسبق للمواضيع الشعرية وغير الشعرية. لقد واجه الشعراء صعوبة جمة في تفسير ذلك للاخرين، واذ تم التخلص من ذلك المفهوم الجمالي بصعوبة جمة فان انصار ذلك المفهوم قد رفضوا الكثير من الشعر الحديث لانه لا يتفق ومفاهيمهم ولانه يتعامل مع مواضيع يعتقدون بانها قبيحة وكريهة. فمن اسباب الهجوم الاول على ما يكوفسكي واليوت وحتى ابولينير عدم ملائمة المواضيع التي طرقوها كمادة للشعر حسب رأي الاخرين. ولعل الرد الوحيد على هذا الهجوم هو ان تنظر في كتاباتهم ونقرر مدى نحاجها او فشلها. اتفق الرأي اخيراً على نجاحها وتلاشت الشكوك حول ذلك، غير ان ذلك قد اثار في ذلك الزمن الكثير من المشاكل مما دفع الشعراء احيانا الى ان يكونوا اشد ضراوة مما هم في حقيقتهم والى تحدى الرأي العام بقصد ازعاجه. فالهجوم الذي واجهه  الشعراء كان عنيفا الى حد اضطرهم الى التصرف غير اللائق والى نسيان اهدافهم الخاصة امام اصرارهم على مجابهة الناقدين.
يعتور المفهوم الجديد للشعر الكثير من الغموض والاخطار. فقد ادت الرغبة الملحة في التجديد الى عدم استباق النتائج بوضوح والى الخوض في تجارب يمكن اعتبارها الان اخطاء فادحة. فقد قاد الاصرار على خلق الاثر في نفس القارئ بدلا من التفاهم المباشر معه الى التعامل مع الكلمات بطريقة خاصة يتم فيها التركيز على القيمة الانفعالية والايحائية للكلمة. يمكن القول بان كل انواع الشعر تفعل ذلك، لكن المحدثين يتبنون ذلك باصرار يفوق اصرار كل من سبقهم، واذ يعتبرون ذلك هدفهم الاول والاخير فهم يوشكون على القول بعدم ضرورة وضوح المعنى وبان الكلمات يمكن ان تؤدي فعلها الموسيقي من خلال جرسها. وقد اجرى الشاعر الايطالي الدو بالازيتشي مثل هذه التجارب في مستهل قصيدة عن الفرح بـ:
تري تري تري
فرو فرو فرو
ايهو ايهو ايهو
اوهي اوهي اوهي
ها قد رأينا ما الذي يحاول بالازيتشي فعله. فهذه الاصوات لا تترك مجالا للشك حول طبيعة احاسيس الشاعر. التقط المستقبليون الروس هذه الفكرة واجترأوا تجارب اخرى. فحين كتب انطوان لوتوف قصيدته “انغام مدينة شرقية” نجح الى حد ما في استدعاء اصوات السوق الشرقية لهؤلاء الذين لا يعرفون معنى الكلمات على الاقل :
خان خان دا داش
شو شوريديس
فيلارياجدا
سوكسان كيكديش
ماكسا ماكسا
طالما ان هذه اللغة التي اطلق عليها المستقبلون الروس كلمة”زاومني” اي ما وراء المعني، تقتصر على مثل هذه الكلمات الغربية فليس هناك ما يدعو الى الاعتراض الشديد عليها طالما انها لاتثير اى اهتمام. غير ان الذي حدث هو ان اللغة المحلية قد اخضعت ايضاً لهذه الاشكال. وقد تجاوز الكيسندر كروتشينيك لوتوف وحاول تغيير اللغة الروسية القائمة بشكل ادعى انه اقرب الى العبقرية الوطنية. فقد كتب يقول :”الليلي (الزئبقة) جميلة غير ان كلمة “ليلي” قد اصبحت ممجوجة بسبب استعمالها المتكرر المبتذل ولذلك فسوف اسميها “يويي” لكي اعيد اليها جمالها. لقد ناصب هذا الشاعر المعنى العداء وكتب قصيدة بنتهج فيها ما وراء المعنى :
ديريول شيشيل
اوبيشور
سكوم
في سوبو
رررل ايز
وادعى ان هذه الابيات الخمسة فيها الروح الروسية الوطنية اكثر مما في كل شعر بوشكين. ربما لم يتوقع ان يعتبر الناس كلامه هذا جديا. غير انه كان يعتقد بدون شك ان كلمات المستقبل سوف تتجرد من معانيها.
المشكلة في “ما وراء المعنى” هي انه على الرغم من كونه في بعض الاحيان مسليا واحيانا مؤثرا فهو محدود الامكانية الى درجة كبيرة. انه ينجح فقط حين يختار مجال الاحاسيس اللامعقولة والمستعصية على الفهم وهذه الحالات نادرة جداً. ان ما دفع كروتشنيك وزملاءه في هذا الاتجاه هو الاحساس بان الكلمات المعاصرة قد اصبحت مبتذلة، غير انهم توصلوا من خلال ذلك الى نتيجة خاطئة حين قالوا بضرورة فصل الكلمات عن معانيها. ان مثل هذه العملية ستؤدي حتما الى فقدان الشعر نصف قيمته،  فالكلمات تكون مؤثرة لانها تخلق حالة من الفكر يلعب الأدراك فيها دورا كبيرا. كما تتحول الكلمات حين يتم تجريدها من عنصر التوصيل الى مجرد بديل فاشل للموسيقى ولا يمكن “لما وراء المعنى” ان ينجح في احتلال مكان الكلمات ذات المعنى، وليس من المستغرب ان المستقبلين الروس سرعان ما تخلوا عن تلك المحاولات. فقد اتجه كروتشينيك الى كتابة القصص الشعرية ونصوص للاوبرا كما اتجه كامينسكي الذي اخترع في قصيدة “الزبيب ” اصواتأ تشبه الاصوات الفارسية بدون اية دلالة ذات معنى. الى الكتابة عن الطيران وتاريخ الابطال الروس. كذلك تحول بيرليوك الذي ظل لفترة ما من اكبر دعاة ما وراء المعنى الى كتابة اشعار تقليدية حول متاعب الحياة في نيويورك. وكذلك فيكتور خليبنيكوف. ذو الموهبة المتفوقة على كل زملائه والذي دعا الى ايجاد لغة عالمية جديدة وكرس الكثير من وقته لاختراع الكلمات استنادا الى قوانينه اللغوية،  اتجه هو الاخر الى كتابة القصائد العاطفية والحماسية للثورة مهيئا الطريق لنوع جديد من الشعر البطولي. ربما استطاعت نظرية “ما وراء المعني” ان تجلب الانتباه الى قيمة الصوت في الكلمات غير انها سرعان ما تجاوزت فائدتها وفقدت كل دعاتها.
اما الخطر الثاني فيكمن في ادعاء الشعر الحديث التعبير عن ضمير العصر. ليس هناك اعترض على ذلك من حيث المبدأ. فمن الطبيعي والصواب ان يستخلص الشعراء كل ما يمكن ان يمنحه لهم عصرهم. غير ان “المعاصرة” كلمة غامضة. فهي ربما لا تعني بصورة معينة كل خصائص العصر بل تلك الخصائص التي تميز العصر الحالي عن ماضيه وليس في ذلك غير خطوة واحدة نحو التحليل الخاطئ لضمير العصر. ويمكن تتبع هذا الخطأ عند فيليبو مارينتي والمستقبليين الايطاليين. فحين نشر مارينتي ” النداء المستقبلي ” عام 1909 ” والنداء التقني للادب المستقبلي” عام 1912،  كان خاضعا لرغبة جارفة في جعل الادب معاصرا معاصرة خاصة،  فتبنى فكرة ايجاد فن جديد للمفردات لا يعترف بقواعد اللغة والفواصل، ويكون من شأنه شحن نفسه بطاقة رائعة والتعبير عن العالم المتحضر الديناميكي. كان يحس بأن الشعر قد اختنق بماضيه واعلن نفوره من كل ما هو قديم ومألوف،  كما اعلن حبه للجديد وغير المتوقع. وقد اعتقد بأنه مادمنا نعيش في عصر الآلة فلا بد ان نعبر عن انفسنا من خلال الآلة وان نطور نوعا جديدا من العقل. ولذلك فهو لا يهتم الا بالمواضيع المتعلقة بالقطارات والبنادق والطائرات وانفاق السكك الحديدية والاتصال اللاسلكي، وهو يود ان يوجد تلك الحالة الفكرية حين يسلم الانسان نفسه للآلة. دفعه ذلك الى رفض موضوعات الشعر المألوفة والدعوة الى “الحاجة في ان تبصق كل يوم على معبد الفن” والرغبة في “توتير الحركة الهجومية والارق المحموم وسباق الركض والقفز الاكروباتيكي والصفع في الوجه والضرب بقبضة اليد”. رفض عاطفية الحب ومجد الحرب التي هي “الاختبار الدموى الضروري لقوة البشر” و”الدواء الوحيد للعالم” ورأى ان الانسان يحيا في خضم الآلة، لا بل تحول نفسه الى آلة.
هناك في اطروحات مارينتي منطق مغلوط. فهو حقا يتصدى للحاجة الى نوع جديد من الشعر القادر على تصوير الجوانب الغنية من الحياة المعاصرة، غير انه يصل الى نتائج خاطئة وذلك لصعوبة تبرير مثل هذه الافتراضات. لاشك ان هناك بعض الصواب في قوله بأن الماضي قد اصبح عبئا، ويفترض مقاييس ادبية لم تعد مقبولة،  غير ان هذا لا يعني ان نقذف بالماضي كله وان لا نفسح اي مجال للتعامل مع اي موضوع كان يتعامل معه. فوجود شعر غزلي مسرف في العاطفة لا ينفي كل الشعر الغزلي. لقد فشل مارينتي برؤيته الضيقة الافق في ادراك الواقع المعاصر الفعلي. والان وقد فقدنا حماسنا السابق للآلة ذات الاحتراق الداخلي، لم تعد الالات تثير خيالنا او تبتعث فينا الاحاسيس. فالالات انما وجدت للاستعمال وقد اصبحت مألوفة لدينا بشكل اتوماتيكي دون ان تثير اي انفعال. فهوس مارينتي بالضجيج والسرعة انما قاده الى الاعتقاد بانهما عنصران اساسيان للحداثة، وقد اخطأ كثيراً حين قرن القوة التخيلية والخلاقة بالقوة البدنية. ان تعبده في محراب الحرب وسفك الدماء والاحاسيس الفجة كبير الاختلاف عن الاحساس المشحوذ وهو انما يؤدي الى نوع من السبات العقلي في كل من الفاعل والمتلقي بدلا من ايجاد الوعي المرهف. تعكس اعمال مارينتي حدود نظرته الضيقة وفشل كل مبادئه، فمحاولاته وصف الحرب الايطالية – التركية لعام 1912 لا تتعدى ان تكون نوعا من الدعاية المتبجحة حيث تنتهي الرغبة في الحفاظ على ذروة التوتر بصورة مستمرة الى خطابية مملة خالية من اي تبصر او تنويع او اجتداب. ويبدو واضحاً ان مارينتي لم يدرك ماهية الفن كما لم يدرك ماهية الحياة ذاتها. لقد شغف بالاثارة والصخب واتسمت لقاءاته العامة بقدرته على التسبب في الازعاج والتعامل مع الجمل الاعتراضية كما ادت رغبته في اخضاع المفردة لمبدأ العنف الذي يعتنقه الى فشلة الذريع وذلك لان المفردات لابد وان تفقد فاعليتها اذا تم تحميلها باكثر من طاقتها. ادرك مارينتي خطأه بعد ذلك فتخلى عن كل تصوراته عن الادب التخيلي وقام بتأليف كتاب عن “الطبخ في المستقبل”.
يبين مثل هذا الافراط المستقبلي مدى الاخطار التي تكمن في الدعوات المتطرفة في الشعر الحديث. واذا تقبلنا ذلك على اساس انه نوع من انحرافات الشباب فلا يزال واضحاً ان هناك مشاكل كثيرة تعترض الرؤية الحديثة. فاذا ما حدد الشعراء المحدثون الفكرة التي يتصورونها فقد تحتم عليهم ايجاد المتطلبات التنفيذية لهذه الفكرة. وفي مجال السعي وراء ذلك طرق الشعراء ابوابا كثيرة ولهذا السبب كانت اعمالهم تجريبية. لا يعنى هذا ان التجارب بقيت مترددة وغير مكتملة اذ يمكن للتجربة ان تنتهي بالنجاح، والنتيجة المشرفة تبقى احتمالا لاكبر المخاطرات. لقد بشر الشعر بالكثير من مثل هذه التجارب. فالكوميديا الالهية ودون جوان تجربتان خطرتان في رفضها للاشكال والقيم المألوفة غير انهما نجحتا نجاحا قضى على كل انتقاد واحتلتا مكانتهما الكلاسيكية. كذلك كان للماضي اخفاقاته. فحين حاول الشاعر اليوناني تيموثيوس المزج بين الاسلوب البلاغي للشعر الغنائي والواقعية الشديدة كان فشله ذريعا. كما يتبين في قصيدة “مالارميه” “المغامرة” مدى الانحدار الذي يمكن ان يصل اليه الشاعر العظيم اذا ما حاول التمادي في نظرياته واللجوء الى الكتابة التي تعتمد التلميحات اعتماد كليا. لا شك ان هناك اخفاقات كثيرة في الشعر الحديث. فمجرد الرفض للقيم المتعارف عليها حري بان يوقع المرء في مزالق كبيره والكتاب الذين لا يمتلكون الاشراقة العبقرية يعتقدون باهمية كل ما يكتبون وهكذا ينتجون اعمالا تخلو من كل قيمة ناهيك عن تجردها من المهارة الفنية.
غير ان وجود الاعمال الرديئة لا يمكن ان ينفي وجود الاعمال الخلاقة. وما علينا الا ان نتفحص نوع هذه الانجازات التي تم احرازها. هناك انجازات عديدة ومختلفة الانواع وهي تتمتع باهمية خاصة لانها تبين كيف استطاع الشعراء مواجهة المشاكل الناجمة عن مثل هذا التوجه الجديد وكيف وجود الحلول لها.
احدى هذه المشاكل هي الى اي مدى يستطيع الشاعر ان يمضي بالعنصر العاطفي الذي يضعه في قصائده. لقد حصر الشعر في القرن التاسع عشر العاطفة ضمن حدود القناعة والتناسق سواء كانت هذه العواطف عواطف حزن ام فرح. كان شيللي مثلا يغني للفرح الالهي والسمو الوجداني بينما كان ليبوباردي يغني للحزن المكتوم بشكله الرفيع. غير ان هناك حالات فكرية متوترة، لا بل خلاقة، حيث يفتقد فيها هذا النوع من الانبهار. فكلنا نعرف تلك الحالات من الفرح الذي لا يبلغ درجة البهجة العارمة، بل تكون معقدة وكثيرا ما تكون مقلقة، كما نعرف تلك الحالات من الحزن والأسى والخيبة بدرجة حادة مؤلمة ولكنها ايضا لا ترقى الى درجة التسامي او المأساة. لهذه الحالات مكانتها في الشعر شريطة ان تؤدي دورها في توفير الاثارة الفعلية. ويمضي السؤال الى ابعد من ذلك. فقد احب القرن التاسع عشر الشعر الايقاعي المفرح منه والحزين،  غير ان ما قدمه المحدثون يختلف اختلافا تاما. فهم في خضم بحثهم عن صدق التعبير وجدوا انه لا يتحتم دائما ان تنسكب العواطف في قالب منتظم، لا بل ربما تنشأ الحاجة الى شكل غير منتظم لا بل مشوش. يبين هذا ان الشعراء لا يضعون خطا فاصلا بين اشعار الفرح والحزن وهم ربما ينادون بشعر لا ينتمي الى كليهما بالذات بل بشعر له تأثيره الخاص. لقد سبقهم في ذلك كل من دانتي وشكسبير بطريقة ما غير ان الشعراء الجدد انما يصرون على نوع من الشعر المتخصص في التوترات المترددة وحالات الفكر المشوش، وقد يؤدى ذلك الى خلو الشعر من الطاقة المعهودة. غير ان الطاقة ليست المجال الوحيد لقيمة الشعر،  وكثيرا ما جازف هؤلاء الشعراء بالولوج الى زوايا القلق المعتم المشوش بفعل الحاح الطاقة الخلاقة الداخلية. ولعل اول رائد في هذا المجال هو الشاعر جوسيه اسونسيون سيلفا الذي ولد في باغوتا بجمهورية كولومبيا عام 1865 ومات منتحرا في عام 1898. فعلى الرغم من الاف الاميال التي فصلت هذا الشاعر عن اوروبا، فقد استطاع خلال فترة حياته القصيرة ان يطور اسلوبا متقدما في الشعر الرمزي انتقل منه بعد ذلك الى الحداثة التامة. امتلك سيلفا موهبة سمعية وبصرية فائقة كما تأثر ببعض اجوانب بو وتينسون وبودلير ومالارميه. كان يحس بعدم انسجام مفرط مع بيئته وقد عكست اعماله هذا الاحساس. تتسم مرحلته الاولى بالرمزية انطلاقا من رغبته الملحة في الهروب من العالم المريع الى عالم الاحلام او الماضي او ذكريات الطفولة. احس بقدرته على الاتيان بعمل جدير في هذا المجال فكرس نفسه له مستخدما بعض مخترعات بو الحاذقة وانتج شعرا جيدا. كان يتصور الشعر منفصلا عن المشاكل اليومية العملية،  انه “الشعر النقي” كما سماه مالارميه وربما يكون نموذجاً لفكرة مثالية موجودة في عالم الغيب ولكنه في ذات الوقت مستوحى من الأفعال الواقعية. فهو يروى كيف حلم بكتابة قصيدة مكتملة متوترة حديثة تتصف بعناصر المأساة والغرابة الشاذة وتعكس موضوعها من خلال جرسها :”قافية موسيقية، قافية قوية، ذات كلمات رصينة، بعضها مثل رعب المعارك وبعضها مثل غناء الطير”، وان تروى مأساة حب امرأة بعد موتها. يرى واضحاً في هذا القول صوت بو وهو يقول “موت امرأة جميلة هو بلا جدال اعظم موضوع شعري في العالم” ثم تاتي النهاية غير متوقعة وساخرة حين يقول “عرضت قصيدتي على ناقد كبير،  فوزن ايقاعها ثم قرأها سبع مرات وقال “انا لا افهمها”. لقد رأى سيلفا ان ذلك المثال خلو من المعنى بالنسبة لعالمه ولا يمكن ان يتحقق، فأدار رأسه عن الرمزية واتجه للشعر الحديث.
يبدو سيلفا في أواخر قصائده وقد سيطرت علية لذة ماكرة في اظهار زيف النظريات الرومانتيكية وها هو يرى قصيدته تلك من خلال منظاره الجديد :
هناك رجل يحب امرأة ولكنه يتزوج بأمرأة اخرى،  فتموت المرأة الاولى ليس حزنا على حبيبها وانما بسبب عملية اجهاض. يصف في قصيدة اخرى رجلا ينتقل من حب الى حب متقمصا شخصيات روايات لامارتين ودوماس وفلوبير وزولا ولكنه ينتهي نهاية عادية مبتذلة :
لقد قضى حياته وهو يحلم
وحين مات
خلف وراءه زوجة واطفالا ثلاثة
بقلوب كسيرة
وفي قصيدة ثالثة يحطم سيلفا كل جمال الرومانتيكية وجلالها وذلك باصراره على القول ان كل الرجال متساوون في شئ معين واحد، فهم على اختلافهم صرفاتهم الخارجية، لا يختلفون عن بعضهم البعض في حالة  الحب الجنسي:
 
 
واذ تمنح احدى الحيوانات نفسها لجوان
مثل حيوان لاجل التزاوج
وبفعل فورة جنسية واحدة
يتسارع وجيب الحيوان البشري
فان جوان لاما، ذلك الصبي القابع في الزاوية
لا يعود يختلف البته
عن امبراطور الصين
فكلاهما حيوان وحد
هكذا يتخلي سيلفا عن كل معتقداته الرومانتيكية والرمزية،  ساخرا بها كالأوهام. لا يمكن ان تكونالحياة كذلك، هكذا يقول، إنها أشد عتمة وقذارة. يتمتع هذا الشعر باهمية خاصة لسببين. فهو يوضح بالدرجة الاولى الاسباب التي دفعت بانسان حساس مثل سيلفا ان ينقلب على النظرية الرمزية. لقد اصطدم سيلفا في تعامله مع الواقع بزيف الشعر الرمزي وعدم تمثيلة للحياة الجارية، فدفعة احساسه بضرورة الصدق الى التخلي عنه والتعبير عما تعنية الحياة تماما بالنسبة له. أما وقد تحتم عليه قول الصدق فقد اتجه الى نوع جديد من الشعر الذي لا يتردد في الخوض باي موضوع ويجد متعة في التعامل مع الاشياء القبيحة. فهذا النوع من الشعر يتحلى بالفطنة والسخرية ولكنه لا يقدم العزاء ولا يحل النزاع. وبالدرجة الثانية يبرر سيلفا هذا التحول،  فهو يعترف بانه انما يكتب عن اشياء يكرهها او لا يقبلها الاخرون ولكنه مقتنع بحاجة العصر الى مثل هذا النوع من الكتابة. فكما تتخم المعدة بالغذاء الدسم وتتم معالجتها بالامتناع عن الحلوى وتناول الدواء المر، كذلك الشعر :
فالمعدة الادبية المسكينة
قد تعبت واتخمت 
بالقراءة المستوحدة
للشعر الناضح بالدموع
فلتتركوا هذا الغذاء الخانق
التاريخ والاساطير والدراما
وكل تلك المشاعر شبه الرومانتيكية
ولكي تكلموا الرجيم الذي يمنح القوة والعافية
جربوا جرعة من هذه القطرات
ذات المذاق المر
يعتبر سيلفا هذا التحول نوعا من الدواء الروحي. انه عملية استرداد لصحة الشعر. وهو انما يفعل ذلك لانه وجد ان الرومانتيكية لا تستطيع ان تفي بمتطلبات الصدق القاسية. ليس في الشعر الحديث نضارة كافية. ولكنه صحي. وهذا رأي الكثيرين الذين اتبعوه تلقائيا. فقد اضطروا الى كتابة الشعر ” القابض ” لاعتقادهم بأن هذه الكتابة هي في التحليل الاخير اوفر للصحة من الكتابة باشكال لم يعودوا يؤمنون بها ايمانا تاما. تلك هي بالطبع ناحية واحدة من نواحي الحركة  الحديثة وهي بالتأكيد قائمة ولا بد من ملاحظتها.
حين ينبرى الشعر لادخال عوالم جديدة في مجال التجربة لابد له من  التنبه للشكل والتكنيك. وقد كانت قسوة الثوريين الأوائل في هذا المجال لا تقل عن قسوتهم في المجالات الاخرى. فقد رفضوا القافية واشكال الشعر المنتظم بحجة ان كل القوافي قد استنفدت نفسها وان ترديد القوافي القديمة لابد ان يكون مدعاة للملل وعدم الاخلاص وان انتظام الشعر يتنافي والمشاعر غير المنتظمة المتشنجة التي هي مشاعرهم. ولم يكن نبذ القافية جديدا. فالاغريقيون من قبلهم لم يستخدموها،  وكذلك الرومان الى حين قاموا بتحويل فنونهم مع انتصار المسيحية. غر ان الشعر غير المنتظم احدث من ذلك ولكنه يعود على الاقل الى عهد رامبو الذي تبنى ذلك في قصيدتيه “البحرية” و”حركة” حيث من المحتمل انه اقتنص الفكرة من ترجمات جوديت جوتيير عن الصينية الى ظهرت في عام 1869 . غير ان القرن التاسع عشر بصورة عامة قد استخدم القافية والوزن المنتظم في الشعر الغنائي وذلك لملاءمتهما لطبيعة روحه الخلاقة والتناسق المتجانس الذي اريد احداثة مما ادى الى توفر تلك اللمسة السلسة والتوافق والنظام الذي يتفق والمثال الفني للعصر. ولعله من الطبيعي ان يتمرد المحدثون على كليهما ليس فقط لاعتقادهم بانها قد استنفدت نفسها وانما لكون المفهوم الحديث للتجربة الشعرية ذو طبيعة لا يمكن حصرها في مثل هذا التناسقات المنتظمة. يتساءل الشاعر الحديث كيف يمكنه استعمال القافية والوزن المنتظم دون تدمير الجزء الاكبر والاساسي من روحيته ومزاجه. غير ان القافية والوزن رغم ذلك، تمكننا من الاستمرار بشكل او باخر حيث يبدو ان الشعراء مازالوا بحاجة لهما للتعبير عن حالات نفسية معينة. وهم ربما يعمدون الى توسيع مجال القافية باستخدام انصاف القوافي او السجع وكذلك مجال الاوزان باستخدام التفعيلات غير المنتظمة. وهكذا يكون الاختلاف كميا اكثر منه نوعيا، وذلك يلقي الضوء على النظريات الحديثة في التأليف.
ونكاد لا تتجاوز الحقيقة لو قلنا ان المفهوم الكلاسيكي بالنسبة للقافية والوزن هو ان يكون الشاعر قادرا على التعبير عما يريده باي شكل من الاشكال. فموهبة الشاعر فقد تتجلى بقدرته على التكيف مع الواقع والاستفادة من كليهما. فكما يبرهن المعماري على موهبته بطريقة استغلاله للارض المخصصة لاقامة البناء عليها، كذلك يثبت الشاعر قدرته حين يستطيع استغلال كل امكانيات الشكل المفروض. وهذا ما اعتقده الرومان حين تمسكوا بالتفعلية السداسية وكذلك الانجليز في القرن السابع والثامن عشر حتى تشبثوا بالثنائية الملحمية والفرنسيون بالنسبة للسداسية الاسكندرية. اضافة الرومانتيكيون الى عدد الاشكال الممكنة ولكنهم تمسكوا بالشكل الموزون واعتبروا القافية ضرورية للشعر الغنائي. انطلق الشعراء مشككين بهذا المبدأ انطلاقا من مفهومهم المغاير لاهمية التكنيك، فقد احسوا ان الاصرار على التمسك بشكل معين للتعبير عن تجارب معينة انما يقيد التجربة ويجعلها زائفة وانه لابد من اخضاع الموضوع للشكل بدلاً من لاخضاع الشكل للموضوع. ان هذا المبدأ اصعب بكثير مما يبدو. كثيرا ما يجد الشعراء انفسهم في لحظات الالهام المتوترة وقد انغمسوا في خضم الايقاع المناسب. ولكن الشعر لا يكتب دائما على هذا النحو وكثيرا ما يكتشف الشاعر ان وزنا معينا قد اوحى له بالموضوع او على الاقل مهد له الطريق الى كيفية التعامل مع هذا الموضوع. قد قال بول فاليرى مرة انه كتب قصيدة “مقبرة البحارة” بينما كان يدرب نفسه على نوع معين من الاوزان وهذا يمكن التعبير عنه بشكل او باخر ان النغم في الكلمة قد يسبق الكلمة نفسها. وكذلك الحال بالنسبة للقافية. فهناك بعض الشعراء الذين كانت القافية بالنسبة لهم بمثابة الاداة التي تقودهم الى الموضوع. ان مشكلة الوزن والقافية مشكلة حقيقية، وقد نظر الشعراء الى هذه المشكلة نظرات مختلفة. ففي حين منح بعض الشعراء انفسهم الحرية المطلقة واستغلوا كل امكانيات الشعر الحر،  احس آخرون بالحاجة الى شكل اكثر ضبطا. ولكن المشكلة لا تكمن في الاختيار بين الاشكال التقليدية والجديدة وانما في مدى ملاءمة اي شكل لمزاج الشاعر وموضوعه. وبقدر ما يمكن للشكل ان يتلاءم ومزاج الشاعر موضوعه، تكون فاعليته وليس هناك ما يدعو لاكثر من ذلك. ولعل مثلا على ذلك سوف يوضح المعنى المقصود. يستخدم إليوت في قصيدته “اربع رباعيات ” اشكالا مختلفة للابيات المرنة ذات الاطوال والتوكيدات المتنوعة، ولكنه يلجأ احيانا الى اشكال اكثر تقليدية. ها هو يبدوا باسلوبه الحر وايقاعه المعهود :
 
ربيع منتصف الشتاء خاص بنفسه
سرمدى رغم تلبده اذا اقترب الغروب
معلق في الزمان ما بين القطب والمدار
حين يكون النهار على اشد اشراقته،  بالصقيع وبالنار
تلهب الشمس القصيرة الثلوج فوق البرك والقنوات، 
في برد لا ريح فيه هو نبضات القلب، 
عاكسة في المرآة المائية
وهجا هو العمى عند اول الاصيل
تعكس الحركة الهادئة غير المنتظمة مزاج اليوت التأملي وذكرياته المشحونة، حيث يشكل الانسياب الهادئ ضرورة لمثل هذا الموضوع وذلك لكي يمنح الفرصة لتفصيلاته ان تؤدي الانطباع الصحيح. غير انه اذ يتقدم بالقصيدة لا يلبث ان يتنكب مهمة اخرى فيلجأ الى القافية والشكل التقليدي حيث تتركز لحظة الاشراق وتتحول طاقته المشحونة  إلى حالة غنائية رزينة:
 
 فمن الذي ابتكر العذاب الحب
الحب الاسم اللامألوف
الكامن خلف الايادي التي نسجت
قميص الحب الذي لا يطاق
والذى لا تقوى على انتزاعه قوة بشرية
نحن انما نحيا،  انما نتنفس
بينما تلتهمنا نار او نار (*)
ها هو بحاجة للقوافي والنظام لاجل ان يعبر عن احاسيسه ادق تعبير. ولو قدم مثل هذه التجربة بالشعر الحر لافسدها بالتاكيد. وطريقة اليوت هذه هي طريقة الشعراء الاخرين ايضا الذين اختاروا اشكالهم التي تتناسب ومواضيعهم ومزاجهم دون الاعتماد على افتراضات مجردة.
فالرغبة في التعبير عن التجربة بدقة متناهية  تحتل المكان الاول عند الشعراء المحدثين وهم يدركون متطلبات ذلك. وهم ابعد ما يكونون عن الللامبالاة والتهور. فالبراعة الفائقة والدقة مثلهم الاعلى. هكذا يؤكد اليوت على ضرورة وضع كل كلمة في مكانها الملائم.
الكلمة العادية دقيقة من غير ابتذال
الكلمة الرسمية محكمة بدون حذلقة
والكل المتكامل في تناغم مشترك
تتحمل الرغبة في الدقة المتناهية مسؤولية كبيرة في عصر يدرك تمام الادراك معنى الفوضى،  فهى تهدف الى السيطرة على كل المشاكل وترجمتها الى فن مخلص اشد الاخلاص لنفسه،  هكذا يصر شاعر جرئ هو رفائيل البرتي على القول انه كلما تعمقت فوضى الحياة كلما ازدادت الحاجة الى قول الصدق بكلمات منتقاه وبحذر شديد.
 تمتاز هذه الدقة بصفة خاصة وهي انها ليست منطقية او فكرية وهي لا تعني ضرورة اخضاع كل ما يرغب الشاعر في قوله الى مقولات الفكر المعهودة وتشذيبه من كل العناصر البرية واللامنطقية. ان مثلهم الاعلى هو التعامل بصدق متناه مع العاطفة، ومع كل ما يحسه الشاعر ازاء تلك الحالات الفكرية الخبيئة التي تشارف اللاشعور والتي لا يكاد الشاعر نفسه يدرك كنهها رغم ادراكه لمدى اهميتها بالنسبة لحالته العامة. ما يحاوله الشعراء هو التعبير عن تلك الحالات المعقدة من خلال اخلاصهم لاهميتها الوجدانية والتخيلية. هكذا يتحتم عليهم تجاوز نقل الافكار، ولابد لهم من اعادة خلق تلك الحالات المعينة لكي يحس بها قراؤهم مثلما أحسوا بها هم انفسهم. لا يجوز تجاهل اية وسيلة في سبيل تحقيق ذلك، وما على الشاعر الا ان يبذل اقصى جهده لكي يجعل نتاجه مكتملا ومعبرا تمام التعبير.
يفترض بهذا المثل الاعلى انه ليست هناك اية حالة فكرية،  على غرابتها وغموضها، لا يمكن تسجيلها شعريا. وهذا يعنى ان الشاعر،  مدفوعا باصدق النيات وبرغبته الاكيدة في الاسراف في الدقة، ربما يقول ما هو خارج نطاق ادراك قرائه. لهذا السبب انهالت الشتائم على الشعر الحديث ولم يكن هناك حل آخر لمعضلة الشعر. لا شك ان هذا التمدد داخل اقاليم الخيال سوف يولج المرء في ظلام سرمدي، ولكن هذا يعنى ايضا ان الشعراء انما يعبرون عن تجاربهم بالشكل الذي يمليه عليهم العقل أو يرتبونها على ضوء مثل هذا الامر، بل بالشكل الذي يحسونه بها بكل ما تحمل من تناقضات وغموض. وقد ادى هذا الى تصور مغلوط اخر حيث صدرت الاتهامات بان الشعر يتعمد اللامنطقية لانه يتحدث عن اشياء لا منطقية دون ان يحاول تبسيطها. غير ان التفسير والتبسيط ليسا من مهمات الشعر فهو انما يقوم بالعرض فقط. انه يقدم الاشياء على النحو الذي يراها به، لذلك فان الاعتراض على قيام الشاعر بذلك هو بمثابة القول ان الصدق نقسه ضد المنطق. فالحقيقة هي ان الشعر ليس منطقيا وليس ضد المنطق في آن واحد فهو لا يتعامل مع الفكر وانما مع شئ آخر،  مع كل مكونات الانسان الشعرية وهي في حالة معينة من التوتر. انه يتعامل مع ما هو اكثر من البيان المجرد،  فهناك الكثير من الحالات النفسية التي لا يمكن التعبير عنها بالاشارة بل بصيغة الامر او التعجب. وهذه في الغالب مادة الشعر.
ومع ذلك فالمحدثون يواجهون مشكلة خاصة تتعلق بمدى دور الفكر في العمل الشعرى. فالى جانب تلك الحواس الغارقة في خبايا الشعور،  لابد وان يحتاج الشاعر الى ما يمكن ان يسمى فكريا. هناك الكثير من الشعراء الجيدين الذين لم يكونوا “مفكرين” بهذه المعنى للكلمة، حيث لم يظهر في شعرهم ما يدل على بذل اى جهد فكرى. وينتمي الى هؤلاء عدد من عمالقة القصيدة الاغنية مثل كاتلوس وفيرلين. ان طبيعة فنهم لا تحتاج الى الجهد الفكرى، ونحن لا نشعر بغياب هذا التعامل. غير ان هناك من الشعراء ممن تفرض القدرة الفكرية والتحليلية وجودها في قصائدهم، وينتمي الى هؤلاء معظم شعراء الاغريق. فاشيلوس وسوفوكليس يحتلان مركزيهما المهمين من خلال ما يمنحانه للقارئ من احساس بان جهدا فكريا جبارا قد تم بذله في كل كلمة وبانهما قد اصدرا حكمهما على صدق كل شئ قدماه. ينطبق هذا على شعراء يختلفون تمام الاختلاف مثل ليوباردى وبودلير اللذين امتلكا عقلا جبارا استوعب كل هبات الحواس والعواطف وتفهمها ووزنها فكريا قبل ان يصوغاها شعرا. تمتاز مثل هذه الاعمال بأن يتحول العنصر الفكرى الى مهمة شعرية خالصة،  فالجهد الفكرى والمخاطرة والمشقة في العثور على الحقيقة انما تتضافر كلها من اجل التوصل الى الصيغة الشعرية وجعلها اشد قوة واطول ديمومة واكثر قدرة على الصمود امام تقلبات الأذواق والنقد التحليلي للوقائع، وذلك بمنحها قوة احتياطية ربما تكون مفقودة في الاعمال الاكثر تلقائية وعفوية.
ربما يقود ذلك الى اعتقاد بان الشعراء المحدثين قد تخلوا عن العنصر الفكري في سبيل العناصر الاثارية. حقا ان هناك بعض الشعراء الذين فعلوا ذلك، لابل هو صحيح جدا بالنسبة لبعض المتطرفين دعاة “ما وراء المعنى” الروس الذين رفضوا ان يكون للفكر اي مكان في الشعر. وهو صحيح ايضا بالنسبة لوسائل ماريتني المصدمة فيما لو اعتبر ما كتبه شعرا. لكن هذه الحالات شاذة. وهي بالنسبة لبقية الشعراء اكثر تعقيدا. فهي مسألة المدى الذي يمكن ان يجوز لتنقلات الفكر ان تبلغها ضمن العمل الشعري، وفي الاجابة على ذلك يميل الشعراء المحدثون الى اتخاذ احد خيارين. فالبعض منهم يفسح مجالا كبيرا للفكر ولكنهم يحصرونه خارج نطاق القصيدة مثل ت. اس. اليوت الذي يقوم بتنقية شعره الى درجة كبيرة فيحذف كل التعابير الفكرية التي وضعها في عمله ولا يترك الا النتيجة التخيلية لهذا الفكر. وقد مارس اليوت هذا الاسلوب حتى في رباعياته التي تضم رغم ذلك،  مقاطع تبدو وكأنها مناقشات جافة. فالمقاطع الجدلية هي في الواقع ليست جدلية تماما،  انها تؤدي الى توليد نوع معين من الاثر الوجداني. يعتمد اليوت بصورة رئيسة على التلميح والايحاء وهو لا يظهر العامل الفكرى في حالة فعله، ومن وجهة اخرى يحتفظ بعض الشعراء بالفكر للنتيجة النهائية موفرين بذلك عنصرا من عناصر الثراء ليس فقط لانهم يعرضون النتائج الفكرية النهائية،  بل لانهم يوضحون توتراتها وضغوطها واثرها على عواطفهم وميزتها التخيلية بالنسبة لهم. يتوفر هذا الشكل بطريق مختلفة عند باسترناك والبيرتي،  فهما يشحنان شعرهما بدرجة عالية من العاطفة يبدو الفكر فيه وكانه حالة وجدانية اخرى من خلال مزاجه وتمثله الكامل في القصيدة. حقاً ان الشعر الحديث يتطلب اكثر من طريقة للتعامل مع العنصر الفكري، ولكن الشئ الاكيد بالنسبة له هو ان ينسجم الفكر مع الشاعرية وان لا يقف عثرة في طريقها.
على الرغم من ان الشعراء المحدثين قد ابتعدوا كثير عن الماضي، الا انهم لم يحققوا مطامع الدعاة الاكثر صخبا الذين نادوا بالقطيعة معه. فلقد تبين خلال التجربة انه يمكن للمرء ان يرغب، بل يستحيل عليه،  التخلي نهائيا عن المواضيع واساليب الشعر التراثية. ولعل المرء يستطيع ان يرى الان ان ذلك البغض للماضي لم يكن سوى مرحلة قصيرة على طريق التحرر من الاسلاف المباشرين، ولعل ذلك كان ضروريا من اجل التخلص من اسلوب بات يخنق الانتاج الخلاق. غير ان هذه الدعوة قد خضعت للمبالغة وما لبث الشعراء ان عادوا بهدوء الى التراث وقد تسلحوا بنظرة جديدة لتقييم عيوبه ومصادر قوته. فالمستقبلي ما يكوفسكي الذي صرخ في عام 1912 “اقدفوا ببوشكين الى البحر” ما لبث في عام 1924 ان كتب قصيدته “مرح” حياً فيها بوشكين استاذاً يتحدى القرون. وعلى الرغم من التطور الذي وصل اليه اسلوب اليوت فان اليوت، نفسه قد اعتبر نفسه كلاسيكيا واصر على اهمية الماضي.
يختلف الشعراء باختلاف تجاوبهم مع التراث. فبعضهم يحس بان وسائله التكنيكية لا تفي للتعبير عما يريدون، في حين يعتقد البعض الاخر ان بعض التحوير فيه قادر علىايجاد النتائج الجديدة المؤثرة. ولعل بعض الشعراء يشعرون بالحاجة اليه في بعض الاحيان بينما يرفضونه في احيان اخرى كما فعل رفائيل البيرتي. فقد الف البيرتي اغنياته الاولى وفقا للمقاييس المروروثة ثم كتب “عالم الملائكة بطريقة حديثة كل الحداثة. فالعامل الرئيس في هذا الاختيار هو المزاج والتجربة التي يخوضها الشاعر،  فهل تراه يرغب في ربط تجربته بالتراث ام بالحداثة ولعله يحس بان الشكل القديم قادر على ان يمنحه رشاقة جديدة او انه يشكل عقبة محتملة في التعبير عن  الضمير المعاصر. ان تقرير ذلك يعتمد على معطيات الحالة نفسها بحيث تكون النتيجة شعرا تتنافس فيه العوامل الموروثة والحديثة في محاولة لكسب الشاعر الى جهة ما.
تلك هي بعض المشاكل التي يواجهها المفهوم الحديث للشعر. انها قضايا عملية لا يمكن تقريرها نظريا وانما من خلال حالات فردية على ضوء الظروف. فلو اراد الشعر الحديث ان يحقق النقاوة التامة والمعاصرة الممكنة ضمن هذه النقاوة فان هذا الهدف لابد وان يظل غامضا من حيث ايجاد السبل المختلفة لتحقيقه. وليس غريبا ان الشعراء قد اضطروا الى اجراء التجارب على وسائلهم التقنية. ولعل الملفت للنظر في هذه التجارب انها اختلفت اختلافا كبيرا بين شاعر واخر حيث لم يوجد اي عامل مشترك بينهم باستثناء الاهداف الرئيسة والنظرة الكلية. وقد فاق هذا تباين الرمزين. هناك اختلافات كبيرة في الاسلوب والاثر ولعل ذلك يعود الى غياب الاعلام البارزين كالذين وجدوا في القرن التاسع عشر والذين استطاعوا فرض شكل معين على الشعر الاوروبي، حيث لم يكن من السهل تجاهل تأثير بايرون مثلا او هيوغو او مالارمية. غير ان الأهم من ذلك ان الشعر الحديث، وهو يواجه مشكلة اساسية في الشعر قد توصل الى عدة تطبيقات مختلفة لنظرية عامة واحدة. فالتركيز على ماهية الشعر قد سمح بمجال واسع للامزجة المختلفة وفلسفات الحياة المختلفة وسوف تكون دراسته اجل فائدة من حيث القاء الضوء على هذا التنوع المدهش للعقل الخلاق وتجاوبه المختلف مع الحياة.

 

الفصل الثاني

قسطنطين كافافي والماضي الإغريقي

1868 – 1933

يشكل قسطنطين كافافي، الشاعر اليوناني الذي ولد في عام 1868 وعاش معظم حياته في الاسكندرية ومات فيها في نهاية عام 1933،  ظاهرة خاصة كانسان وشاعر دفعته ظروف حياته الخاصة الى شبه الانقطاع التام عن الحياة المعاصرة والاتصال المباشر مع ماضية الحضارى. وهذه الحالة ليست فريدة في نوعها،  فلقد أثبتت الولايات الأميركية لاكثر من مرة عدم قدرتها على توفير الشعور بالاطمئنان كأرضية راسخة بالنسبة للكثيرين من كتابها، الأمر الذي دفعهم الى الاستقرار في اوروبا بحثا عن الموطن الذي يستطيعون من خلاله اعادة راوبطهم المنفصلة مع تراتهم الانتمائي واللغوي. ان ما فعله هنري جيمس وت. اس. اليوت في انجلترا وكذلك ستيورات ميريل وفرانسس فييل غريفين في فرنسا هي حالات نموذجية لما حدث للكثيرين من الذين تركوا بلدانهم لعدم شعورهم بالانتماء الوطني في محاولة للبحث عن التمركز التراثي والانفتاح النفسي في باريس ولندن. يقف كافافي الى جانب هؤلاء. فهو يوناني يتكلم اللغة الام ولكنه لم يعش في وطنه الام ابدا بل قضى حياته في الاسكندرية،  تلك المدينة التي تعددت فيها اللغات،  دون ان يتأثر بتقاليدها المصرية والاسلامية. لقد افتقد كافافي المرتكز التراثي اكثر مما افتقده هنري جيمس في نيويورك. كانت كتابة الشعر هي الرد الذي عبر به كافافي عن هذا الفقدان. وعلى العكس من امثاله الاميركيين او زميلة في المواطنة جون باباديامانتوبولس الذي اشتهر كشاعر فرنسي باسم جان موريا، فهو لبم يحاول البحث عن وطن اخر في اوروبا وبقي في الاسكندرية وبذل كل جهده من اجل تكوين مرتكز لفنه. لم يربط نفسه بالحاضر بل اتجه نحو الماضي، الى عالم لم يعرف عنه شيئا الا من خلال الكتب. ولكن ذلك العالم بدا له حقيقيا الى درجة احس بها نفسه وكأنه وسط قومه. فهو باصراره الفذ على تحقيق هدفه،  قد جد ووجد ضالته المنشودة، ليس في ذلك العالم الذي مازال التراث الاوروبي فيه ناشطا بل في ماض شبه ضائع،  شبه متحطم اعاد اكفافي احياءه بفضل عبقريته.
ان عدم توفر ذلك المرتكز يجعل مهمة كافافي اعظم جدارة لاكثر من سبب. فكونه اكثر اصالة في بعض النواحي من شعراء جيله الاخرين، لم يكن مدينا بشئ لتلك النهضة الشعرية اليونانية التي ابتدأت بديونايسى سولوموس (1798 – 1857) واستمرت بقوتها الابداعية واندفاعتها الغنائية بكوستوس بالاماس (1859 – 1942) ففي حين ابدع هؤلاء شعرا جديدا هو خلاصة المزج بين الاغاني الشعبية والاوزان اليونانية والموضوعات والاشكال الجديدة المقتبسة من فرنسا وانجلترا، لم يلجأ كافافي الى تلك النماذج اليونانية او الاوروبية الغربية ولم يخضع كذلك لاى تأثير شرقي. لقد اتخذ لنفسه نهجا خاصا هو نتاج مزاجه الخاص وظروف حياته، تحدده موهبة طبيعية نحو الكلمة. استقل استقلالا تاما حتى في لغته،  فهو لم يكتب اليونانية المنقحة التي ورثها المثقفون اليونانيون من البيزنطين،  وهي التي شكلت نتيجة عدم تفاعلها مع اللغة الحية عقبة في طريق الشعر الجيد،  كما انه لم يكتب باللغة اليونانية الشعبية العامية التي استغلها بالاماسي بنجاح فائق. لقد كتب كفافي باللغة التي يتكلم بها. انها لغة تشترك في بعض معالمها مع الشكلين السابقين والتي هي في الواقع لغة المثقفين اليونانيين الذين يعيشون في الاسكندرية وهي تتسم ببعض الشكلية القديمة وهي حية رغم تزمتها وقلة مفرداتها. لم يواجه كفافي مشكلة التخلص من تعبيرات مستنفدة،  فقد تمكن من تطويع اللغة التي يتكلم بها لخدمة اغراض مختلفة لم يسبق تطويعها لها. ومع ذلك فقد واجهته بعض الصعوبات. فالحقل الذي خاضه كافافي كان حقلا بكرا تنعدم فيه المقاييس المسبقة التي تصلح كدليل وكان بعيداً كل البعد عن اي موروث ادبي مما جعله امام مهمة القيام ببداية جديدة كل الجدة. ففي الوقت الذي كان فيه شعراء البلدان الاخرى منهمكين في مهمة ابداع لغة جديدة تحل محل بقايا اللغة الرومانتيكية المستهلكة، وجد كافافي المجال مفتوحا امامه دون غيره. لم يكن الفشل مستبعدا كذلك، وذلك بسبب السهولة الظاهرة لمهمته وفقدان الرواد الذين يمكنه الاهتداء بخطواتهم،  غير ان احساسه بالكلمة وروحه النقادة انقذاه من الفشل وقاداه الى الطريق الصحيح. فهو على الرغم من وقوفه خارج نطاق التراث الاوروبي، لا بل خارج اي نطاق،  انما يشكل واحدا من اهم ممثلي الروح الحديثة في الشعر لاكثر من سبب. فهو بالدرجة الاولى شاعر واقعي النزعة تأسره مظاهر الحياة الواقعية. حقا ان الحياة التي مارسها ضيقة الافق غير انها واقعية دون ادنى ريب وقد قام باستعراضها بعين العالم الثاقب النظر دقق الملاحظة. انها حياة ذات اثارة خاصة بالنسبة له،  حياة يقف نفسه كجزء منها ويعانيها معاناة المجرب. ذلك هو مصدر قوته الخلاقة والدافع الذي يقوده الى نقل ما يراه ويحس به الى مرسى الكلمات الاخير. لم يشعر باي دافع لاستقصاء عالم الاخيلة والاحلام بل انغمس في الماضي بواقعية الحاضر وتنويعاته التي لمسها في محيطه المعاصر. ومن جهة اخرى فان شاعرية كافافي طبيعية وتلقائية. فهو كمثقف درس مؤلفات الماضي العظيمة لكن ذلك لم يؤد به الى طمس رؤياه لما يجب ان يكون عليه الشعر الحديث. فقد قام يدرس اسسها غير المتغيرة ورأى ضرورة الوصول الى الحد الاقصى من التأثير بواسطة الكلمة وان يكون هذا الاثر العنصر الرئيس الذي لابد من اخضاع كافة وسائل التكنيك لمتطلباته. وقد وجد ان الشعر اذا اريد له الصدق لابد له من التصدي للحقيقة الكامنة في الشئ ذاته وعدم تشويهها في سبيل قولبتها لصالح نمودج عام معين. انه انسان حديث بتحفظه ونظامه الفكري الخاصين. كما ان الهامه لم يتدفق بانطلاق وسهولة. اذ كان عليه ان يصارع في سبيل احكامه النقدية وذلك لعدم ثقته بالفورات العاطفية،  ولم يسمح لعواطفه بالتسرب الى شعره الا من خلال معيار عقلي يؤكد له مدى قيمتها باستثناء تلك الحالات التي يكون الدافع الوجداني فيها قويا الى درجة يتغلب فيه على تلك المحافظة. يبدو شعره لاول وهلة جافا،  غير اننا بالتالي لابد ان نحس بذلك الزخم المتوافر فيه. لقد حالت طبيعة قابلياته دون تحليقه الى افاق الاغنية العفوية وتراوحت قصائدة ضمن نطاق المجال المدروس المتعمد،  وهو في  مجاله هذا يتمتع باصالة خاصة.
يتطلب ذلك التزاوج غير المألوف مجاله التعبيري الخاص. وقد وجد كفافي  هذا المجال في دنيا الحانات في الاسكندرية وما تشكله هذه الحياة من اهمية خاصة له وقد كتب عدداً من القصائد حوله، غير ان ذلك لم يكن مجاله الوحيد حيث لم يكن كافيا لتحديد مواهبه. كان يبحث عن مجال يمكنه من تجذير دلالات الحاضر عن طريق ايجاد بعض الصلة بينها وبين شئ آخر. لقد تحدد مجاله الابداعي ضمن الافق الضيق لحياته وكان من المحتمل ان يؤدى به ذلك الى البقاء شاعرا ثانويا لو لم تسفعه عبقريته في الوصول الى تلك الابعاد التي كان بحاجة لها. فافتقاده للمرتكز التراثي دفعه الى خلقه،  وبحكمة فائقة استطاع تلمس طريقه اليه في الموروثات الاغريقية في منطقة البحر الابيض المتوسط. هكذا تحول ذلك العالم الى حقيقة ماثلة امام كافافي في حين كان يعتبره كل من سولوموس وبالاماس ماضيا لا يمكن استرجاعه. لقد تعدى ذلك العالم دنيا مخيلته ودمه وعظامه وشعر بالالفة معه نتيجة احساسه بانه انما ينتمي في النهاية اليه،  يتكلم بلغته،  يشارك في شمسه وهوائه،  ومعدنه نفس معدنه. لم يتركز اهتمامه الرئيسي على العصر اليوناني الكلاسيكي العظيم ولم يشارك هيلاس في روءاه الرومانسية حيث عالم الآلهة والابطال وموائل الحرية ومهد الحضارة، ولم يمتلك الحب البارناسي للتماثيل والجوانب التصويرية للحياة اليونانية بطوقسها وحرماتها المحلية. ان ما شغل باله بالدرجة الاولى وامده بالشعور بالطمأنينة هو ذلك العالم اليوناني المتنوع الذي امتد في يوم ما من سيسيلي الى اواسط اسيا الذي ضم اناسا غير يونانيين كانو يتكلمون اليونانية بالسنتهم الاسيوية واخطائهم النحوية. وذلك هو موضوع اهتمامه ومحور شعره الاكثر دلالة. لقد استوعب ذلك العالم بدقة المثقف الكبير ولكن بدون تحيزه. فهو اهتم بذلك العالم ليس كعالم منقطع وانما كعالم له صلة مع الحاضر وامتداد دائم لقضاياه المتضاربة وسحر حي لتناقضاته الدرامية. واذ اصبح كافافي شاعر العالم الهلليني باسره فذلك لانه وجد فيه تلك الجذور التي افتقدها في الاسكندرية المعاصرة وتلك الخلفية التي اضاءت وفسرت له جوانب كثيرة من التجربة الانسانية.
ساعد ذلك الاكتشاف كافافي على حل مشكلة طالما اقلقت الشعراء المحدثين. فالشاعر يحتاج للرموز والاساطير كي يوجد الشكل المتميز لافكاره الحائرة. فاذا ما احجم عن التجريد الذي يكون في النهاية شديد الغموض والزيف، لابد له من اللجوء الى الرمز لكي ينقل معانيه بكل دفقها. لم تكن تلك مشكلة جدية دائما فالشعراء اليونانيون القدماء وقد أوجدوا في اساطيرهم التي لا تضاهي صورا ورموز لكل مناسبة. كذلك دانتي الذي وجد معينه في لاهوت مسيحية القرون الوسطى، كذلك عصر النهضة والقرن الثامن عشر وجدا رموزهما في احياء الاساطير الكلاسيكية. غير ان العالم الحديث لا يمتلك مثل ذلك العالم المتماسك القوى. فحين تصدى مالارمية لكتابة الشعر الرمزي وجد رموزه في قلب تجربته الخاصة مما ادي بالكثير من قرائه الى عدم استيعاب المعنى الحقيقي الذي كان يرمي الية والنبرة المعينة التي يقصدها. ادرك بعض الشعراء هذه الصعوبة فحاولوا تفاديها عن طريق ايجاد او اقتباس الاساطير حيث لجأ ييتس الى الاساطير الارلندية القديمة وت. اس. اليوت الى عالم الانثروبولوجيا. كذلك لجأ كافافي وبسهولة اكثر الى الماضي الهلليني فامتلك بذلك ميزات لم تتوفر لييتس او اليوت. فذلك العالم الهلليني عالم متجانس التكوين ومالوف لمعظم المثقفين تؤدي رموزه معانيها بسهولة ووضوح. فكافافي لم يكن بحاجة لتفسير رموزه انما يستمد مادته التي يريدها من احد جوانب ذلك الماضي ويطوعها لغاياته الجديدة دون اية صعوبات سواء بالنسبة اليه او لقرائه. لقد توفرت له بذلك تلقائية وواقعية  لم تتوافر في ابطال ييتس ولا في شخصيات اليوت المستمدة من اسطورة الكأس المقدسة،. فنحن نتفهم شخصيات كافافي بسهولة ونستمتع بهم كأشخاص لهم طباعهم المتميزة الواضحة وتأثيرهم المباشر. فكما استخدم شعراء عصر النهضة الالهة الاغريقية لاغراض يدركها الجميع كذلك يستخدم كافافي الشخصيات التاريخية الاغريقية لغرض لا يقل وضوحا ولكن بطريقة اقل مجازية وقياسية. فهم بشر يتمتعون ببعض اللمسات الشمولية سواء في طبائعهم او ظروفهم ويمتلكون وضوح الرموز الفردية وواقعية الاشخاص الاحياء. وهم كيانات مادية من حيث كونهم افراداً متميزين وصوراً لنماذج ازلية. هكذا استطاع بلجوئة لهذا النوع من الاساطير اعطاء شعره قوة ووحدة متميزتين.
لم يكن اكتشاف كافافي لهذا العالم سهلا. فاشعاره الاولى التي كتبها قبل عام 1911 تبين انه كان يقوم بتجاربه في هذا المجال بتردد، حيث لم تكن افكاره متسقة تمام الاتساق مع صوره لا بل ان تلك الاشعار تعطي انطباعا بانه كان يبدأ برؤية مجردة ثم يختار لها صورة تظهر دلالتها دون ان يمزج المجرد والصورة في وحدة واحدة. ففي قصيدة “ترميبولي” اهتم بنوع معين من النبل الانساني. يشكل هذا المثال اهمية فائقة بالنسبة له ولكنه يتعامل معه من زاوية اخلاقية وليس من زاوية تخيلية. ومع ذلك فهو يحس بمتطلباته التخيلية ولاجل ايضاح معانيها،  يقارن هؤلاء الذين يعجب بشجاعتهم باولئك الذين ماتوا في ترميبولي. غير ان النتيجة لا تشكل حلا اسطوريا واحدا بل حالة يستدل عليها بمثيلها،  وذلك شئ جيد وواضح تمام الوضوح، فهؤلاء الرجال يثيرون الاعجاب، وهذا ما يحققه كافافي ولكن بلغة تجريدية اخلاقية تخلو خلو تاماً من اية لمسة صميمية او ذاتية.
تتسم هذه القصيدة باسلوبها التقليدي القديم اذ تتعامل مع هذه المواضيع النبيلة :
المجد لهؤلاء الرجال الذين يكرسون حياتهم
ويحرسون ترميبولي
الذين لايحيدون عن واجبهم ابدا
شريفة ومستقيمة كل اعمالهم
رقيقة قلوبهم وهم رحماء
وهم كرماء ان أثروا،  واذا عدموا
فهم كرماء بالاشياء الصغيرة
يمنحون كل معونة يملكون منحها
ولا ينطقون الا بالصدق
بدون مرارة الكذب
المجد الاعظم لهؤلاء الذين يتنبأون
(كثيرون على ذلك قادرون )
ان العملاق سوف ينهض في النهاية
وبأن الفرس في النهاية سوف يمضون
تتصف البداية والنهاية بتصوير شعري حي لذلك الدفاع البطولي امام المصير اليائس. انها لمسة شعرية حقيقية غير ان بقية الوصف انما يتم بالتجريد الذي يحول دون اداء ما يحسه كافافي بالفعل وبصورة صادقة حيث يتم افتقاد ذلك التوتر الشعري في ذلك الجزء الذي يكرسه كافافي لبيان وجهة نظره بشأن الصورة التي يقترن اسم القصيدة بها.
فكافافي باستخدامه للماضي من اجل الحصول على مثل هذا الأثر انما كان يشق طريقة نحو شئ اكثر مهارة وعمقا. فاهتمامه بالتاريخ كان اهتماما واسعا قاده الى تعلم تلك الدروس بدقة بالغة مما جعله قادرا على تلمس العلائق بين العديد من تلك الاحداث الشهيرة والقضايا الانسانية المتوترة. وكان رد فعله الاول هو الخروج من الحادثة بما يمكن ان يكون كما يبدو له،  الحقيقة الدائمة،  ويقدمها بطريقته الخاصة. فهو يرى في “الطرواديون” قصة الطرواديين المحاصرين وكأنهم تلك الحالة النفسية التي يدرك الانسان فيها حتمية هلاكه ولكنه يواصل الصراع بحيث يؤمن في لحظة ما انه قادر على الانتصار. وفي قصيدة “منتصف آذار” يلتقط قصة النبوءة التي تقولها العرافة لقيصر ان احذر منتصف اذار، ويجعل منها درسا لكل الرجال الذين يتوصلون الى ذروة السلطة. ان مثل هذه النبوءة، كما يقول لها اهميتها البالغة ويجب ان لا يغفل عنها احد مهما كان منصبه. وفي قصيدة “الله يخذل انطونيو” يقدم تصوره الشخصي للقصة التي رواها بلوترخ ونقلها عنه شكسبير حول تخلي هرقل عن انطونيو. يعتقد كافافي ان ذلك يمكن ان يحدث لاي انسان غارق في السلطة والملذات. انها ليست مناسبة للندم بل دعوة للشجاعة والامتنان لذلك الماضي العظيم :
فلتصغ،  تلك هي بهجتك الاخيرة،  الى الاصوات،
 آلات الفرقة السرية المدهشة
وقل وداعاً، وداعا للاسكندرية التي انت فاقدها.
وفي “ايثاكا” تصبح قصة غياب اوديسيوس الطويلة عن وطنه عظة لكل محاولات الاستقصاء الطويل حيث يخلص للقول ان البحث والاستقصاء اهم من الهدف نفسه وما يترتب على ذلك من تجربة لا تضاهيها قيمة. تتسم هذه القصائد بلهجة الوعظ لذلك فهي جافة ورسمية. ومع ذلك فهي تمثل بداية احساس كافافي بان موضوعات الماضي يمكن ان تنسحب على الحاضر وان تنطبق عليه. مثل هذه القصائد اكثر حبكة وخصوصية.
وفي خضم هذا العمل استطاع كافافي ان يبلور اسلوبا فنيا يناسب موهبته الخاصة انتج به اعماله المميزة. ففي هذه الاعمال يقدم حدثا ماضيا بطريقة تبدو وكانها موضوعية بحتة حيث لا يعلق عليها ولا يستخلص منها اي مغزي اخلاقي. انه يبدو وكأنه معني كلياً بالحالة ذاتها فقط. وهو فعلا كذلك رغم انه من الطبيعي ان تتم هذه المعالجة بذوق ذاتي شديد. ففي قصيدة “الخطوة الاولى” يروى كيف يقوم الشاعر ثيوقريطس بتوبيخ الشاعر الشاب ايمنيس لتخاذله عن بلوغه العظمة حيث يخبره بان مجرد اتجاهه نحو الشعر هو انجاز بحد ذاته. لابد ان تعكس هذه آراء كافافي الخاصة التي لا يشكل زيها القديم شيئا اساسيا بالنسبة لها. ولكنه في “وقع الخطى” اكثر اتقانا حيث تصور القصيدة قلق الالهة التي تحرس نيرون بسبب سماعها اصواتا مرعبة على السلالم فتقع فوق بعضها البعض.
انها تفهم معنى ذلك الصوت
وتعرف الان وقع خطى المنتقمين
تبدو الحالة هنا شيئا مستقلا وتظل اللمسة الذاتية تحت السيطرة. فالمقصود هنا هو تلك اللحظة من حياة نيرون حيث يأخذ القدر المحتوم بالتصدي له. لا تقل قصيدة “الملك ديميتريوس” القصيرة موضوعية ونحاجا. فالملك ديميتريوس،  بعد اان خذله المكدونيون،  ينزع اروابه ويلبس ملابس بسيطة ويهرب :
 
شأنه شان اي ممثل
فحين تنتهي المسرحية
يغير ملابسه ثم يرحل
يتم تقديم هذه الاحداث بحس تاريخي ودرامي فائقين،  ولكنها تستمد قوتها الخاصة من الحقيقة الواقعة وهي ان هذه الاحداث دائمة التكرار وان مثلا واحد منها يستدعي للذهن سلسلة من الاحداث المشابهة. هكذا بدأ كافافي باستخدام الماضي كوسيلة لتحليل الحاضر وطرائق البشر التي لا تتغير.
سرعان ما اكتسب هذا الفن العمق والتعقيد. ففي قصيدة “في انتظار البرابرة” التي كتبها عام 1911 يعرض اسطورة فعلية تشكل بحد ذاتها قصة متكاملة. ومع ذلك فهي غنية بمدلولاتها الكونية.
يبدأ المشهد في فترة زمنية هي نهاية العالم القديم في مدينة تنتظر هجوم البرابرة. ولابد من ان يسيطر الخوف على السكان. ينهمكون بالتهيوءلاستقبال المحتلين. المجلس الاعلى لم ينعقد حيث لا حاجة لسن القوانين فالبرابرة القادمون سوف يسنونها. يجلس الامبراطور على عرشه عند بوابة المدينة لا بسا تاجه منتظراً قائد البرابرة لكي يرحب به ترحيبا لائقا وقد لبس الموظفون احسن حللهم :
فلماذا يخرج الان حاكمانا الاثنان وكل القضاة
بملابسهم الفضفاضة المزركشة
ولماذا يلبسون قلائدهم وجواهرهم الارجوانية
وكل تلك الخواتم باحجارها الزمردية البراقة في اصابعهم
ولما يحملون اليوم عصيهم الثمينة 
ذات المقابض الفضية والرؤوس المطعمة 
بالذهب،  بكل بهاء ؟
لان البرابرة قاتدمون اليوم
وهذه الاشياء تبهر البرابرة
الخطباء غير موجودين فالبرابرة يضجرون من الخطابات. هكذا يرتسم المشهد بكل تناقضاته والوانه الزاهية. ولكن الشاعر لا يقنع بذلك اذ عليه ان يتم الذروة بدفعة غير متوقعة :
ما الذي يدعو الى البلبلة على حين غرة
وتلك الفوضى ؟ ولماذا اكتست وجوه الناس بالصرامة ؟
ولماذا خلت الساحات والشوارع سريعا
وكل واحد يستدير نحو بيته غارقا بالافكار ؟
لان الليل قد خيم والبرابرة لم يأتوا
وقد جاء البعض من الحدود
وقالو بانه لم يعد هناك برابرة
والان ما الذي سيحل بنا من غير برابرة
لقد كان هؤلاء الناس يشكلون نوعا من الحل
هكذا ينتهي المشهد بهذه النهاية المسطحة المتعمدة، وبذلك الهبوط المفاجئ المحكم التدبير. لقد انتهت الدراما البشرية وليس هناك تعليق على ذلك. هناك تعمد شديد في وضع الكلمات الختامية بصيغة الحديث العادي جدا وهي تعكس الفراغ الذي يحسه كل انسان ازاء مثل هذه النهاية التي يؤول اليها الحدث المثير.
يتعرض كافافي في هذه القصيدة لموضوع له شعبية واسعة في زمنه. فالكاتب الروسي فاليري بريوسوف كتب قصيدة بعنوان “الهون القادمون” رحب فيها بتدفق المحتلين البرابرة على عالم متعب يحتاج لدم جديد وحياة جديدة. وبروحية متشابهة، كتب ستيفان جورج “احراق الهيكل” صور فيها بطريقة مسرحية ذلك الاعجاب الكبير الذي يحمله الناس للمحتل المتجبر الذي يدمر اقداس مقدساتهم. تتحدث القصيدتان بلغة الماضي ولكنها تعكسان هموم وآمال الحاضر. فقد احس بريوسوف وجورج بان العصر مريض ولا يمكن شفاءه الا بكارثة تلتهم حضارة القرون العديدة.
يتعامل كافافي مع هذا الموضوع بنظرة مختلفة. انه يدرك سبب خضوع الناس لمثل هذا الاحساس ويخلق حالة يمكن فيها التعرف على مشاعره وهي في حالتها المتقدمة. ولكنه يقف خارج تلك التجربة. فهي ليست انعكاسا لرغباته بل هي شئ يعرف انه موجود عند الاخرين ويجد متعة فيه. انه ساخر ومرح في معالجته. انه يعرض الطبيعة الغريبة للناس. قدرتهم على زج انفسهم في قضايا غالبا ما تكون بابعادها الواسعة ضد مصالحهم، وكذلك انغمارهم وحبهم للمشاهد المرحة البراقة. هناك بعض المكر الناعم في وصفه لملابس الحكام والقضاة،  جواهرهم والعصي التي يتكئون عليها. فذلك العرض التهكمي لما يمكن ان يكون حالة مألوفة في عصر غزوات البرابرة انما ينتهي بضربة مناقضة خاصة. من الغريب حقا ان يرغب البشر بحدوث مثل هذا الشئ ولكن الاغرب من ذلك هو فشل ذلك الحدث وشعور الناس بالخيبة والفراغ ازاء ذلك،  فهو لا يثير هنا فقط الى الرغبة الحاضرة في اعادة تكوين العالم من خلال تبدل رهيب ما، بل الى تعنت التاريخ الذي يخيب رغبات البشر ويكشف غرابة عواطف البشر السياسية.
يمكن التعرف على سمات وابعاد هذا الفن بصورة أوضح من خلال القصيدة التي كتبها في عام 1912 بعنوان “ملوك اسكندريون”. فهي تصور احتفالا في زمن كليوباترا يذهب فيه ابناؤها الى ساحة الالعاب. انه احتفال شعبي كبير،  الجنود يملؤون الشوارع والاطفال ينصبون ملوكا. تبدو من خلال هذا الوصف شدة احساس كافافي بالحدث التاريخي القديم :
الاسكندر – وقد سموه
ملك ارمينيا وميديا والبارثيين
بطليموس – وقد سموه
ملك سيليسيا وسوريا وفينيقيا، 
والى الامام قليلا وقف سيزاريون
مسربلا بالحرير الوردي
وعلى صدره باقة من زهور الليلك
حزامه مربوط بالاشرطة البيضاء
مطرز باللآلئ الوردية الالوان، 
لقد صفقوا له اكثر مما صفقوا للصغار
نصبوه ملك الملوك
ذلك هو الموضوع الرئيس وما يحمل من مقارنات وتعليقات. فالشعب الاسكندري يبتهج ابتهاجا كبيراً بذلك الاستعراض. فالجو دافئ والملاعب تشهد الانتصارات الفنية ورجال الحاشية يلبسون ابهى حللهم. ولا عجب ان الاسكندريين يهرعون للاحتفال وهم يهتفون باليونانية والعربية. لقد سحرهم المشهد ولكنهم لا يخدعون به :
لقد ادرك الاسكندريون بالطبع
ان ذلك لم يكن غير كلمات وتمثيل
هذا هو الموضوع بتأثيره البالغ الكمال. انه استدعاء رائع لمرحلة زمنية سحيقة تم تصويرها بالشكل الذي لا بد وان كانت عليه، دون احكام او استنتاجات. تقف القصيدة دون عثرة لتشكل مثالا لذلك الفن الخالص الذي ابتكره كافافي.
يكمن سحر هذا الصفة في طابع الصدق الغريب الذي يطبعها. فنحن نحس بان ما حدث قد حدث بالفعل وترغب في ان يكون كذلك. والموضوع هو احد هذه الموضوعات التي تشد انتباهنا.
وجد كافافي في تاريخ الاسكندرية القديم عصرا له اهمية بالغة. فكيلوباترا هي تلك الملكة التي يمكن لاي احد ان يفخر بها. ولكن كافافي لا يقول عنها الا القليل ويركز اهتمامه على ابنائها الصغار، سيزاريون الذي انجبته من يوليوس قيصر، والاسكندر وبطليموس اللذين انجبتهما من انطونيو. يكتسب الموضوع اهميته، بالاضافة الى اهميته الخاصة، من خلال الابناء وما يثيرون من اشجان ليس فقط لان اكتافيوس يقتل بعد ذلك سيزاريون ويجبر الاسكندر على السير في موكب نصره، بل لان هناك ما هو مؤلم حقا في استخدام الابناء لتعزيز المارب السياسية للآباء. ومن خلف ذلك الاسى يرى كافافي التناقض التهكمي، فالاسكندريون الذين يبتهجون كثيرا بالمشاهد، لا يخدعون بها، فهي في النهاية عديمة الفائدة رغم كل المحاولات التي تبذل من اجل انجاحها. تلك هي تناقضات وتقلبات القلب البشرى. فالمشهد يقف امامنا بكل أبعاده، ولانه يحمل تلك الصفة المعقدة فهو يتعدى حدود المشهد التاريخي. فالحالة الانسانية التي يصورها واقعية وتنطبق على الحاضر كما تنطبق على عصر كليوباترا، واستدعاء كافافي الماهر للماضي انما يكشف عن نطرته الثاقبة ازاء الحاضر وادراكه الواعي للتيارات المتضاربة في صميم النفس البشرية .
ولاجل ادراك البراعة الفنية في “ملوك اسكندريون” يمكننا الرجوع الى نصوص  بلوتارخ الذي لم يكن مجرد راوية عادي لحكايات تاريخية: فقد ذكر ان انطونيو وكليبوباترا قد اقاما احتفالا كبيراً في ساحة الالعاب وجلسا على عرش ذهبي فوق منصة من الفضة وقد توجت كليوباترة ملكة على مصر وقبرص وليديا وسوريا الجنوبية كما تم منح أولادها القابا مدوية، وبأن الاسكندر قد ظهر بزي ملك فارسي بينما ظهر بطليموس بزي مكدوني. احتفظ كافافي بالخطوط العريضة الرئيسة للمشاهد ولكنه سلط اضواءه على نواح مختلفة. ففي حين يبرز بلوتارخ انطونيو وكليوباترا كأهم شخصيتين في المشهد، لايذكر كافافي انطونيو ويمر مرورا عابرا بكليوباترا. وفي حين يروى بلوتارخ كيف افسد الشرق انطونيو واشربه كل عادته المتعجرفة،  فان كافافي لا يهتم بذلك وانما يركز اهتمامه على دور الأطفال والشعب. يصف بلوتارخ ثياب الأطفال لكي يؤكد على أطماع انطونيو في الممالك الشرقية ولكن كافافي يغير التفاصيل ويجعلها أحد عناصر المشهد المتألق المشحون بالشجن. يوحي بلوتارخ بان انطونيو قد اجبر أهل الإسكندرية على الذهاب الى ساحة الالعاب ولكن كافافي يوحي بانهم قد توجهوا اليها بمحض انفسهم طلبا للبهجة والفرح، فالقصة التي يرويها بلوتارخ مصورا بها عملا سلوكيا معينا تتقمص وضعا مخالفا جديدا عند كافافي وذلك بتركيزه على ايجاد الترابط بين عنصري الرثاء والتهكم والتعامل مع المناسبة تعاملا موضوعيا.
تظهر في هذه القصيدة بعض المعالم المهمة في فن كافافي الناضج وخصوصا قابليته لاستخلاص المغزى الشمولي لاحداث التاريخ. فهو قد استوعب ذلك العالم المختلط للبطالسة المتأخرين، وبنصفه اليوناني ونصفه المصري ورأي فيه صورة للمجتمع الذي يعيش فيه. لقد استقى معظم مواد اشعاره الاولى من روائع الادب اليوناني ووضع تحليلاته الشخصية لسقوط طروادة وموت ساربيدون، ولكنه سرعان ما تخلى عن ذلك النهج الذي احسن التعامل به وتحول نحو التركيز على العصور الهلينية والاغريقية – الرومانية والبيزنطية وبما في ذلك العصور من قضايا مشوشة وشخصيات غريبة. دفعه حب الاستطلاع الممزوج بالخيال الخصب نحو اناس ومجتمعات لعبت فيها عوامل العنصر والدين والسياسة دورا هاما وخلقت فيها تناقضات غير عادية وقد ادى به ذلك الى الكتابة عن شخصيات غامضة مثل نيرون وجوليان والبطالسة والسلوقيين ويهود العصر الهلليني والمسيحيين الاوائل والنحاتين والرسامين في الامبراطورية الرومانية المتأخرة والحكام البيزنطيين مثل كوميني وكانتاكوزين وكذلك امراء نهاية العصر الهلليني. لم يكن معنيا بعصر هيلاس العظيم ومابه من بساطة ومباشرة عظيمتين. فقد عني بالصراعات الاكثر حدة في أعماقها والأزمات غير المتوقعة وهي ذروة فعلها، وجد فيها تجاوبا مع وضعه المرتكز على خلفية غير مستقرة وعلاقاته وصلاته المختلطة واندفع للتعبير عنها شعرا. لم يجد تجاوبا مع الأحداث التاريخية الضخمة بل مع تلك الأحداث الصغيرة التي وجد فيها أهمية إنسانية تفوق انتصارات الأبطال العظيمة. لابد ان يعود الماضي حيا،  هكذا قصر نفسه على تلك الأحداث التي يمكن ترجمتها للحاضر والتي يمكن ان تساعد في تحليل الحاضر القائم.
يتميز شعره هذا بالاقتصاد الفذ والخلو من التزويق. لا تخلو بعض قصائده الاولى من محاولات احداث الاثر البلاغي، لكنه سرعان ما اكتشف ان كل ما يحتاج اليه هو تلك الرموز الخاصة المستمدة من الماضي، فهدف الى جعل مشاهدة ذات دلالة وايجاز بقدر الممكن. تمتاز هذه القصائد بالعنصر الدرامي والموضوعية ويتناسب اسلوبها مع ذلك تماما، وهي شديدة التركيز تكاد تكون جافة، تروى الوقائع والاحداث باقل قدر من الكلمات ودون اية محاولة للتاكيد على اي معنى داخلي. غير ان ذلك التحفظ يمنح الشعر صفة متميزة. وهو ليس غنائيا البته ولكنه درامي دائما. يبذل كافافي مجهودا كبيرا من اجل جعل كل حالة قادرة على التأثير السريع من خلال معطياتها الخاصة دون ان يسمح للكلمات باعتراض سبيل القارئ في استيعابه الموضوع المعطى. هكذا يتلاشى الاسلوب امام المعاني.  رغم اننا لا نكاد نحس بالاسلوب او الايقاع فهما محبوكان بمهارة فائقة.  فكافافي انما يضع في كلماتها القوة التي تجعلها قادرة على تأدية مهامها بطريقة لا يمكن تحقيقها الا شعرا.  فهي تعكس العواطف والترددات والغرور والتوتر والشكوك التي تعامل كلها في نفوس شخصياته.  تتسرب الكلمات البسيطة محملة بالمشاعر التي تمثلها مشكلة ببساطتها انتصاراً للفن المتجرد من المظاهر السطحية والاضفاءات الفائضة ،لكي تعبر عن الحقائق الرئيسة فقط بكل ما تحمل من ظلال والوان.  يزداد الاحساس بسطوة هذا النوع من الشعور بممارسة قراءته حيث تنتصب الاحداث معبرة عن نفسها ليس كحدث من احداث التاريخ المثيرة فحسب ،وانما بولوجها الى اعماق المشاعر البشرية. فتلك الشخصيات المنبثقة من الماضي المختلط انما تجسد الاحاسيس البشرية البسيطة والمتحولة بواسطة الفن الرفيع الى صفات اساسية. 
تثير هذه اللغة التي تختفي بكل تواضع في قلب موضوعاتها اهتمام المثقف. فمع ان كافافي كتب بطريقته اللغوية والخاصة ، الا انه لم يجشم نفسه  عناء الاستفادة من الامكانيات المتنوعة التي توفرها اللغة اليونانية الحديثة للكتاب. واذا ما اعتبره انصار الاسلوب القديم المتجردين من كل زينة بانه يتمادى في تبسيط لغته فان انصار اللغة الشعبية يعتقدون بانه قد اهان اللغة الحية بقلة استخدامه لمفرداتها الوفيرة.  هكذا يقف كافافي موفقا خطرا بين خطين متطرفين في تناقضهما وقد اساء ذلك الى سمعته بعض الشئ في اليونان. ومع ذلك ،فقد استطاع بطريقته الخاصة ان يوجه مناوراته بمهارة عبر ذلك الخط المتعرج للغة اليونانية.  فهو يلجأ احيانا الى تقديم مفردة شعبية خالصة من اجل خلق تأثير معين كما فعل في قصيدة “في انتظار البرابرة” اذ يشير الى “العصا” بتعبير يتردد عادة في السوق والشارع ويطلب “نوعا من الحل ” او كما يقول في ” ملوك اسكندريون ” بان الاسكندريين قد “عرفوا بالطبع قيمة الشئ”.  وبلغة الحديث اليومي ،يقدم احيانا ضمن فواصل صغيرة بعض المعايير التي تفوح منها رائحة البلاغة الكلاسيكية او لغة الكنيسة البيزنطية واليونانية.  يقوم هذا التنويع في اللغة بدور يتعدى حدود النبرة المتوخاة من اجل مناسبة معينة بواسطة كلمات تتناسب مع الزمن والمكان ،انه يؤكد على التنويعات المختلفة في احاسيس كافافي نفسه ونظراته الخاصة نحو الموضوع المطروح . وهو يوفر ذلك التجاذب بين الارتفاع والهبوط الذي يمنح الحالة النفسية خصبها ويتيح المجال لردود فعل مختلفة في لحظة ما .
ومع ان كافافي عالج سلسلة واسعة من المواضيع فان اهتمامه كان منصبا بالدرجة الاولى على تلك الاشياء التي تتصف بالتناقض والتباين او تلك التي تظهر التضارب الموجود داخل البشر انفسهم او بين طموحاتهم والظروف المحيطة بهم . وقد اختلفت ردود فعله ازاء هذه الحالات اختلافا كبيرا مع ان العنصر التهكمي موجود في ذلك وكذلك التقبل للصراع الذي لا ينتهي ،فان ذلك لا يشكل الصفة الرئيسة في اعماله . فهو معني بالجانب الملغز للحياة اكثر مما هو معني بجانبها الساخر. فهو يرى ان البشر غير مسؤولين عن افعالهم وهو يرغب في استقصاء تناقضاتهم المستعصية على التفسير، لذلك فهو يخوض في موضوعه بدقة ومهارة حتى يعثر على ذلك الصراع المستعصي على الحل فيشكل منه ازمة درامية فردية . فموضوعه هو الصراع ،وقد جهد في ذلك الموضوع بصورة درامية تتفق تمام الاتفاق والطبيعة البشرية الحقيقية .
قلما يلجأ كافافي الى رواية قصة . فهو يهتم بصلب الحدث والعوامل الانسانية المعتملة فيه والاحاجي التي يثيرها . ولذلك فان الاثارة في عمله لا تتركز حول ما سيحدث بل حول سبب حدوثه ،ولماذا يفكر هؤلاء الاشخاص بهذه الطريقة او تلك . انه يختبر النشاطات الغريبة والمتناقضة والغامضة في النفس البشرية ليس في مجال عظمتها العارمة او خذلانها الرهيب بل قي مجال تلك الصراعات الصغيرة الاقل اثارة ضمن ايمان عميق بان هذه الصراعات الصغيرة جديرة بالاهتمام والتفهم والتقدير وبانها لا تقل اثارة، بطريقتها الخاصة، عن تلك الانبثاقات البطولية الرائعة في النفس البشرية .
تختلف حالات كافافي اختلافا كبيرا في نوع الصراعات التي تكشف عنها، شانها في ذلك شأن التناقضات التي تستثار في النفس باسباب عدة وتبتعث  ردود فعل مختلفة . فهي ربما تنجم عن تنافر اساسي في طبيعة الانسان بين معتقد ومسلكه او بين نوعين من المعتقدات ذات التناقض الحقيقي والتي يمكن ان تتواجد في الانسان الواحد . ففي قصيدته “عن يهود 50 بعد الميلاد” يرسم كافافي شخصية فنان يهودي شاب اثرت فيه الحضارة اليونانية تاثيرا كبير . فهو رسام وشاعر وعداء ورامي قرص و”جميل مثل انديميون” ولكنه ينحدر من عائلة ذات صلة عميقة بالكنيس ويعتقد بأن اسعد ايامه هي تلك التي يترك فيها البحث عن الاطار والرغبات الجسدية الاغريقية .
واغدو ذلك الشيء الذي ارغب ان اكون دائما
ابن العبريين ، العبريين المقدسين
فالرغبة حقيقية تماما ولكنها لا تحقق :
ولكنه لم يبق كذلك دائما
فالاسكندرية قد وجدت فيه
اكثر المنغمسين في فنونها وشهواتها
النموذج الذي يصوره كافافي شائع ويمكن ان يلتقي به المرء في بلدان مثل مصر والهند حيث الاتصال بالغرب وثيق وحيث تم نشوء طبقة مثقفة من الناس الذين وقفوا حائرين بين الشرق والغرب وقد تمزقوا بين الطبائع التي ولدوا ونشأوا عليها والعادات التي اكتسبوها من الخارج . يمكن التعرف على هذا الصراع لدى اي انسان يخضع بصورة مماثلة لنداءات التزمت واللذة ، للروح والجسد . يجد كافافي موضوعاته عند هؤلاء البشر ولا يحاول تفسير ذلك، فهو يجد تجاوبا خاصا وذلك هو الشئ الذي ينشده .
تتخذ هذه الصراعات شكلا خاصا حين تفرض المعتقدات الدينية متطلبات قاسية تتعارض مع المشاعر الانسانية الاخرى . فكما فعل كافافي بالنسبة لذلك اليهودي المتأثر بالهللينية ، حين قام باظهار الصراع القائم بين التوجه الديني واللذة، كذلك في قصيدة “كاهن معبد سيرابيس ” يظهر الصراع القائم بين المعتقدات الدينية التي يعتنقها الكاهن والحب الابوي الطبيعي فيه. لقد فقد المتحدث الشاب اباه وكان متعلقا بها تعلقا شديدا . ومن هنا تنطلق الحالة المعنية :فالابن مسيحي متفان في مسيحيته وهو يطبق كل تعاليم الكنيسة في كل عمل يقوم به او كلمة يفوه بها كما يشيح باشمئزاز عن كل الذين ينكرون المسيح،ولكنه يقع في ذات الوقت فريسه صراع مستبده . فهو احب والده ويبمضه الحزن عليه :
ولكنني الان اتأسى ايها المسيح
واقوم بشعائر حزئي على ابي
الذي كان – اني ارتجف اذ اتحدث عنه –
كاهنا في معبد سيربيوان الملعون اشد اللعنة
تثير هذه الحالة الرثاء ولا يتوفر الحل لها . وذلك هو الثمن الذي يتحتم على البشر غالبا ان يدفعوه حين يعتنقون عقيدة متزمتة بكل اخلاص وهم في ذات الوقت عاجزون عن التضحية من اجلها بالاشياء الاخرى التي ما زالوا يكنون لها في اعماقهم بعض القدسية . ان افدح التضحيات هي تلك التي يضحي فيها الانسان بالروابط التي تحتل مركز القداسة في قلبه . وقد صور كافافي في شخصية المسيحي الشاب تلك القسمات والصراعات التي تتواجد في مثل هذا النموذج الدائم .
وهناك نوع من التناقض . انه التناقض الحاصل بين طموحات الفرد وظروفه القائمة. فهو يخطط ويتأمل ويتصرف كما لو كان حقيقيا بينما يكون الواقع مختلفا جدا لا بل بغيضاً في معظم الاحيان . لقد كانت هذه السخرية الخاصة الكامنة في صميم الظروف القائمة الموضوع المفضل عند توماس هاردى الذي استطاع في معظم الاحيان ان يحولها الى اغراض مأساوية حادة مبينا من خلالها ضآلة الانسان واحلامه امام القدر المحتوم الذي لا يعرف المهانة . في مثل تلك المقارنات غالباما نحس ان الظروف المحيطة انما تتعمد تنفيذ ارادتها ومنع الانسان من رؤية المستقبل. . لقد استغل الاغريق القدمى هذا المغزى اوسع استغلال ، مغزى القدر الذي يحاول الانسان تفاديه تملؤه الثقة بقدرته على تنفيذ اراداته الى ان يفأجا بصفعات القدر فيدرك ان كل محاولاته للهرب من القدر غير مجدية . يطبق كافافي هذه التجربة في قصيدته “حكم نيرون” فبعد ان قام نيرون بقتل امه وزوجته توجه الى اليونان وزار معبد دلفي حيث قالت له العرافة :”احذر ثلاثا وسبعين عاما” وشأن معظم الناس الذين يتقبلون النبوءة على بساطتها الظاهرة ، اعتقد نيرون ان النبوءة انما تشير الى انتهاء اجله في الثالثة والسبعين من عمره ويعتقد بان الحياة ما زالت طويلة امامه حيث انه لم يزل شابا ، فيطرد القلق جانبا ويتجه للتمتع باوقاته :
في المسارح والحدائق والملاعب
في ساعات المساء في مدن أخيا
وأعظم متعة له هي متعة الاجساد العارية
ذلك هو الوهم والجهل بالقدر الذي ينتظره. فبعد عام يهب “جالبا” البالغ من العمر ثلاثة وسبعين عاما للاستيلاء على عرش نيرون ويقوده ال الانتحار:
يجمع جالبا جيشه سرا في اسبانيا
ويهيؤه وهو ابن الثالثة والسبعين
تتضح الفجوة الكامنة خلف نيرون وخلف النبوءة ، تلك الفجوة الكامنة بين الوهم والحقيقة ، والتضارب القائم بين ما يعتقده الناس او يحلمون به والوقائع المرة التي تحول دون ذلك .
ربما لا يحتاج مثل هذا التضارب بين الوهم والحقيقة ان يكون دائما على مستوى جدي او ترجيدي . فهو بالنسبة لكافافي تهكمي حيث يقوم بقلب الوضع من اجل ان يبين كيف يمكن لاوهام البشر ان تضيف الى عظمة وبهاء الوضع  المعني . ففي قصيدة “احد آلهتهم ” يختار موضوعاً من العالم الاغريقي . يكاد هذا الموضوع ان يشبه احد فصول كتاب “اعمال الرسل” بطريقة ممتعة حيث يتم نقل بول وبارناباس من ليسترا الى ميركرى وجوبيتر .
يأتي في المساء شاب جميل الى سلوقيا :
فرح الطهارة في عينيه
وشعره أسود يفوح بالعطر
ينظر المارة اليه ويتساءلون من هو ذلك الشاب ومن اين جاء . قليلون هم الذين يلاحظون اختفاءه في احد احياء المدينة حيث تدب الحياة بكل طقوسها السرية في الليل :
يتساءلون اى اله هو هذا
ولأية متعة مشينة
جاء الى شوارع سلوقيا
من تلك القصور الفخمة المقدسة
هكذا يقدم كافافي تصوره لما يمكن ان يعنيه الاغريقيون حين يعتقدون بوجود اله بينهم . ولا شك ان تحليله صائب ،ولكنه يتعدى ذلك بالطبع . ان تفهمه لجاذبية الجمال الجسدي يضعه امام سخريات الوهم البشري . ولكنه يعرف ان اصل ذلك هو الاعجاب بذلك النموذج الجسدي الجميل . وقد يمنح هذاالوهم بعض الجلال للغريب المجهول ولجماله .
يتجاوز اهتمام كافافي بدخائل النفس البشرية نطاق الاهتمام الفكري فهو يتخطى مجال الاكتشاف نحو التأثر والانغمار ويشحن كل قصيدة بروحها الخاصة التي تستطيع ايجاد التجاوب مع العديد من الانفعالات. ومجاله ليس ضيقا. بل يكاد يغطي سلسلة طويلة من التأثيرات من المرح الخفيف الى الجد المأساوي . فهو اذ يدرس الماضي وعلاقته بالحاضر ،يعالجه من خلال ردود الفعل المختلفة التي نطلقها عادة على منظر حي . وهو كثيراً ما يظهر مرحه الهادئ وتقبله للهنات البشرية الصغيرة وخاصة حين يراها في مجموعة من البشر او لدى مراقبته للانفعالات التي تصدر من جمع محتشد. فكما يحلل في قصيدة “ملوك اسكندريون” ما تحس به الجموع المحتشدة ازاء تلك المناسبة الباهرة الاضواء ،كذلك في قصيدة “في احدى مقاطعات اسيا الصغرى” يبين الاختلاف الجوهري بين الحاكم والمحكوم . لا شك انه شاهد ذلك في مصر ولكنه يستدل عليه ايضا لدى رجوعه الى الشرق الهلليني . لقد اعتبرت هزيمة انطونيو على يد اوكتافيوس في اكثيوم احدى المعارك الحاسمة في تاريخ العالم وكانت بالنسبة لفرجيل وهوراس بمثابة انتصار عدالة روما على مؤثرات الشرق المتمثلة بالسكير الشهواني انطونيو “والمرأة المصرية” كليوباترا . ولكن كافافي يدرك ان الكثيرين لم يشاركوهما هذا الاعتقاد انذاك ،وهو يصور في قصيدته صورة مختلفة تكاد تكون ساخرة . فهو يصور ما بعد المعركة مباشرة حين تدهش انباء انطونيو بعض اليونانيين في اسيا الصغرى ،هؤلاء الذين كانوا واثقين من انتصاره الى درجة دفعتهم الى تهئية الخطب التبجيلية له . ولكنهم رغم انصعاقهم للخبر فهم لا يحزنون . ان انطونيو لا يعنيهم شيئا وكل همهم هو استرضاء الحاكم الجديد ايا كان . وهكذا يرون انهم قادرون عل تحوير هذه الخطب بشكل يجعلها مناسبة لاوكتافيوس ،فكل ما يتحتم عليهم فعله هو ان يبدلوا :
الذي انقذ الرومانيين
من المخرب اوكتافيوس
الى :
الذي انقذ الرومانيين
من المخرب انطونيو
اما بقية شطحات التبجيل والمديح فهي تلائم الحاكم الجديد ملائمة تامة . يعرض كافافي كل المديح المتذلل بصرامة تامة ويؤكد ان اليونانيين يعتبرون المنتصر بطلهم الذي يحترم تقاليدهم ويتكلم بلغتهم . تنتهي القصيدة فجأة بشكل يفضح تفاهة تلك الكلمات البلاغية :
وهكذا .. الخ .. الخ .. كل شئ مناسب تماما
يروى ان كافافي علق على هذه القصيدة بقوله ان مثل تلك المدن “لم يكن يعنيها اذا كان اسم الحاكم انطونيو او اوكتافيوس” . ولذلك فهذه القصيدة هي تحليل لتلك الظاهرة . انه يبتسم ازاء البساطة الساخرة لتلك المناورة وهو لا يتهم ولا يحتقر. فهو يرى من ورائها الغرائز الطبيعية في البشر التي تدفعهم للحفاظ على انفسهم والى اعتبار حكامهم مصدر ازعاج لابد من التكيف معه .
لا يتساهل كافافي مثل هذا التساهل مع شخصياته بصورة مستمرة. فهناك بعض الرجال والنساء الذين يبدو وكأنه يكرههم وهو يحتفظ لهم باسلحة اشد حدة بينما يقوم بعرض مصادر ضعفهم وزيفهم بكل مهارة . وهو يسيطر على بغضائه هذه ولكنها مع ذلك تبدو واضحة وتمنح قصائده حدة اشد مما في غيرها . فقد كان عظيم الاهتمام بالامبراطور جوليان ويبدو جليا انه لم يكن معجبا به . ولذلك ،مع استحالة تلمس اية صفة جذابة في البطل العقيم من سلالة الالهة الوثنية ، صوب كافافي منظاره عليه من خلال عيون المسيحيين الذين عارضوه وبذلوا كل جهد في سبيل التقليل من ذكره . ففي قصيدة “جوليان يلاقي الاهمال” يبرز احدى شخصياته وهي توجه الاتهام للفكرة التي ابداها جوليان بشأن انشاء كنيسة جديدة وفي “جوليان نيكوميديا” يصور جوليا بانه عدو المستقبل الاول للمسيحيين ، فهو يتطاهر قبل ان يصبح امبراطورا بحضور الصلوات المسيحية وابداء التفاني الديني وذلك في سبيل مصلحته . وفي “جوليان ومواطن انتيوخ” يصور رفض الشعب لاوامر جوليان:
الى ثرثرته المتعجرفة عن الالهة الزائفة
الى ثرثرته المزعجة عن نفسه
الى مخاوفه الصبيانية عن المسرح
الى تحذلقة السمج ولحيته المضحكة
وفي “شئ غير مفهوم” يلتزم كافافي جانب الكهنة في صراعهم ضد الامبراطور حول الاداب الكلاسيكة المحولة الى ادب مسيحي ،والنسخة الهومرية للتراتيل . وفي “ضواحي انتيوخ” يوضح ثانية من وجهة نظر مسيحية قصة مشاجرة بين جوليان ومسيحيي انتيوخ حول دفن القديس بابيلوس في ارباض ابوللو وتمثاله بينما ينغمر جوليان بالحزن . هناك شئ ما دفع بكافافي الى ان يكرة جوليان . فقصائده هذه لا تتمتع بروح التسامح المعهودة في قصائده الاخرى التي تدور حول شخصيات اقل ضخامة . يبدو ان كافافي قد احس بان جوليان انما انكر مباهج الحياة بسبب تزمته وغروره ولذلك فلا بد من تجريمه.
موقف كافافي الإنتقادي غير حدي، فهو لا يستخدم كلمات الاتهام المباشر ولكنه يختار موضوعاته ويطرحها بطريقة لا تترك اي شك حول حقيقة مشاعره. من ضحاياه الاخرين الاميرة البيزنطية ” انا كومينا” التي كتبت قصة حياة ابيها الامبراطور اليكسيوس كومينوس الاول والحقتها بتقرير عن احزانها على زوجها نيسيفوراس برينيوس الذي مات في عام 1137 . هكذا تبدا قصيدة كافافي بوصف الحزن الفائق الذي تدعيه انا كومينا وكيف “تعمي عينيها بانهار من الدموع” وكيف يحرقها حزنها حتى العظام والنخاع ويفطر روحها” ولكن ذلك العرض ليس بسيطا وطبيعيا على النحو الذي يبدو فيه. فزوج أنا قد انضم اليها في تمردها ضد اخيها بعد موت ابيها ومحاولتها السيطرة على العرش من بعده ، فحزنها العميق ليس بسبب فقدانها لزوجها وانما لفشلها في تحقيق طموحها :
فلعله اقرب للحقيقة ان حزنا واحداً
حزنا قاتلا واحد ، قد عرفته تلك المرأة
الما عميقا واحدا ذاقته
رغم عدم اعترافها ، تلك اليونانية المتكبرة
وهو انها لم تستطع ابدا ، رغم كل ذكائها
ان تستولي على الإمبراطورية
التي انتزعت منها ، من بين يديها
من قبل جون الواقح
ان جون هذا هو الذي كانت تسميه امه بالوقح منذ قام فعلا بالاستيلاء على الامبراطورية وذلك بعد ان نزع الخاتم من يد ابيه الميت واعلن حقه في وراثته. لا يحتفظ كافافي باية رحمة لامرأة طموحة مثل أنا ، انه لا يتهمها ولكن مهارته في ارداف الكلمات البلاغية عن حزنها وعن مشاعرها الحقيقية انما تكسب القصيدة حدة بالغة . هو لا يتعرف بقابليتها ولكنه يعرف ان الطموح هو العاطفة الوحيدة المسيطرة عليها .
كثيرا ما يظهر كافافي في استعراضه للافعال البشرية تعاطفا ومشاركة. انه لا يشترط ان تكون شخصياته ذات مستوى رفيع، بل انه لا يتعاطف في كثير من الاحيان مع ابسط الحالات .ففي قصيدته ذات العنوان الغريب “احزان جيسون، ابن كلياندر، شاعر في سوريا، 595 بعد الميلاد “يلتقط موضوعا بسيطا ومغمورا جدا ويبين مدى اهميته بالنسبة له . القصيدة قصيرة جداً:
ان شيخوخة جسمي وجمالي
هي جرح سكين رهيبة
ليس لدى من الصبر شئ
انني اطير اليك ، ايها الشعر ، ناشدا العون
انت يامن تعرف شيئا عن الدواء
اي شئ يهدئ الحزن بالخيالي والكلام
انه جرح سكين رهيبة
فاجلب ادويتك ايها الشعر
فلعّلي لا أحس بجرحي لبعض الوقت
لعنوان القصيدة اهمية لا تقل عن اهمية النص نفسه ،حيث ان كافافي يصور في قصيدته زمنا فيه السيطرة البيزنطية على اسيا الصغرى تتزعزع نتيجة غزوات الافاريين وحيث انتفت امكانية وجود ادب جيد .ولكن الشعر رغم ذلك العالم المتزعزع والمهدد ، اقدر على مداواة الجراح. فالمغزى الشمولي انما يستند بدقة على خلفية معينة بهدف تأكيد أهميته ،وهكذا تنبع قوة القصيدة من ذلك التجاوب الرقيق الذي يحسه الشاعر مع الحالة القائمة وتناوله لها بمزيج من الدفء والانسانية.
يكبح كافافي جماح عواطفه بحيث يؤدي ذلك الى فقدان نصف الاثر. فهو يكبحها بمزجها او ربطها ببعض المشاعر الاخرى جاعلا منها احد عناصر التركيب المعقد. وفي “صانع الاواني” يستهل قصيدته بموضوع محبب الى قلبه وهو الثقة التي يجدها الفنان في عمله . فالصانع قد صنع إناءً من الفضة الخالصة وزينها برسوم الزهور والزعتر والنهيرات يتوسطها شاب جميل عاري الجسد . وقد ركز الصانع كل جهده من اجل اظهار الشكل حقيقيا ودقيقا الى اقصى حد . غير ان الشباب لا يشكل الا ذكرى :
يا لمحنتي ما اعظمها
لقد انقضى خمسة عشر عام على ذلك اليوم
الذي سقط فيه ، جنديا  ، على طريق ماغفزيا
فصانع الفضة انسان وفنان وهذان الجانبان في شخصيته يكادان يصطرعان. فهو كفنان يجد صعوبة في تصوير شاب مضى على موته خمسة عشر عاما ولكنه كانسان يصر على ذلك ويتثبت به. هكذا يعكس كافافي الصعوبات التي تواجه الفنان الذي لا يقنع بغير الاداء المتقن تمام الاتقان وذلك بدوره يلجم التدفق العاطفي ويؤدي بالتالي الى فقدان جزء من تأثيره.
يستثمر كافافي الاحساس بالتعاطف بصورة اكثر مهارة في قصيدته اريستوبولوس. تبدأ القصيدة بمشهد بكاء في بيت هيرود. ليس هناك  ما يعزي الملك على وفاة اريستوبولوس الذي غرق بينما كان يلعب مع اصدقائه . سوف يحزن النبأ كل اليونانيين في سوريا وخاصة الشعراء والنحاتين بسبب اعجابهم بجمال اريستوبولوس. في خضم هذه الاحزان يسمع صوت مشؤوم وتشترك ام اريستوبولوس في البكاء ولكنها حين تخلو لنفسها تتبدل حالتها:
تبكي وتهذي وتشتم وتلعن
كيف خدعوها كيف غشوها
كيف نالوا في النهاية مأربهم
لقد دمروا بيت اسمونيان
كيف نجح الملك اللعين
الملك الخائن، الدنىء المجرم
الحقيقة هي ان الملك هيرود قد اغتال اريستوبولوس وان معظم البكاء الذي في  القصر بكاء مصطنع، كما ان حزن الام على ولدها اقل من بغضها له ولاعدائه، وهي لا تستطيع ان تتحمل الفرح الذي سوف تحس به ام هيرود سابيروس واخته سالومي
آه كيف ستنتصران وتبتهجان في السر
تلكما المرأتان اللعينتان سابيروس وسالومي
المرأتان المنحطتان، سابيروس وسالومي
تدرك اليكساندرا جيدا بانها لم تعد تملك اية سلطة وبانه يتحتم عليها ان تذعن للاكذوبة الشائعة حول موت اريستوبولوس. انها لا تستطيع اطلاع احد على الحقيقة. وتلك هي الضربة القاصمة. هكذا تبدأ القصيدة بجو من الحزن الزائف ثم تنتقل الى اعماق جديدة يتحول فيها الحزن الى كراهية والتعاطف الى مسرحية. يرفض كافافي اغراء الوصول الى التأثير السهل ويبين مدى تعقيد مثل تلك الحالة والاحاسيس المختلفة التي توقظها في نفوس المشاركين فيها. لا تقل قصيدة ” مرض كلايتوس ” مهارة في مزج بواعثها . فهي كذلك تبدأ بمشهد محزن حيث يصاب الشاب المرفه والذي يتقن اللغة اليونانية، كلايتوس، بمرض خطير. تزداد حالته سوءا وخطورة نظرا لاصابته بهذا المرض في وقت كان يعاني فيه من  الارهاق والالم بسبب فشله في مغامرة عاطفية. لا عجب ان ابويه قلقان اشد القلق.
تلك هي البداية ونحن لا نتوقع حدوث شيء اخر لعلمنا بالاهتمام الكبير الذي يعيره كافاني لمصير الشاب. ولكنه ما يلبث ان يطور هذا الحدث الى مفاجأة. فاذ ترتجف ممرضة كلايتوس قلقا عليه تتذكر صنما كانت تؤدي له الشعائر الدينية في طفولتها قبل ان تتحول الى المسيحية. فتأخذ الكعك والخمر والعسل للصنم وتغني له التراتيل التي تستطيع تذكرها. ثم تأتي الخاتمة :
غير ان المراة البلهاء
لا تفهم  ان الاله الاسود،
لا يعنيه شعائر مسيحي او موته
هكذا يتراجع الحزن على الشاب المريض الى الخلف لكي يحل محله احساس مختلف اكثر تعقيدا وعمقا ، ذلك هو احساس الممرضة العجوز التي تدفعها رغبتها الشديدة في انقاذ المريض الى التخلي عن دينها الذي اعتنقته، ولكن دون جدوى. تتسع التجربة  وتتطور دافعة باستجابات مختلفة تفوق  تلك التي طرحها الشاعر في مستهل قصيدته.
ان المشاركة الوجدانية التي يكنها كافافي للضعف والاخفاق المتواجدين في شخصية الانسان لم تمنعه من تلمس مصادر القوة الانسانية. ففي حين انه كان يكيل الثناء في قصائده الاولى لفضائل الصبر والثقة بالنفس، فقد استطاع بعد ذلك ان يحتفظ بذلك الاحترام ويطور رؤيته ويمنحها نصيبا اكبر من الاحترام. فهو، مثل العديد من اليونانيين ، يحمل الحب والاعجاب بالشجاعة التي تتقبل الحقائق الصعبة دون تذمر  وتتصدى للتغلب على الوضع السيء. فقد ادرك ان احدى اقبح العقبات التي يتعرض لها الرجال العظام هي خيانة الوضعاء والمتملقين الذين يعملون على اخفاء الحقائق عنهم. وقد اعجب بالانسان الذي يستطيع ان يكتشف ذلك وان يرتفع الى مستوى الاحداث. ذلك هو الموضوع الذي يشكل خلفية قصيدته القصيرة “مانويل كومينوس” وهو الامبراطور الروماني الذي حكم بين عامي 1146 و1180 وكان احد اعظم جنود عصره وقد شبهه جيبون بريتشارد قلب الاسد. يتقبل كافافي هذا الصيت كحقيقة حيث يروي في قصيدته قصة هذا الامبراطور في اخر سنوات حياته، ها هو يستهل القصيدة بطريقة جذابة :
الملك الامبراطور مانويل كومينوس
في ذات صباح حزين من ايام سبتمبر
رأى ان موته قد دنا
يستدعي مانويل الفلكيين الذين يعملون تحت امرته حيث يخبرونه انه سوف يحيا عمرا مديدا، ولكنه يدرك انهم يقولون ذلك دائما ولذلك فهو يتخذ قراره الخاص:
في صومعة الدير
يطلب ثيابه الكنسية
يلبسها فيتملكه شعور بالفرح
حيث يبدو عليه وقار الكاهن او  القديس
لا يكتفي كافافي بذلك، فلكي يزيد من اهمية تلك البادرة التي اتخذها الامبراطور، يصدر تعليقا من صميم ذلك الزمن الذي عاش فيه الامبراطور:
ممجدون هؤلاء الذين يؤمنون
ومثل الملك مانويل يختمون حياتهم
مسربلين بثياب ايمانهم،
هكذا يتم التطابق بين الفعل والخلفية حيث يتضح معنى الاختيار الذي اختاره الامبراطور بالنسبة لمعاصريه. فالتعليق انما يكمل القصيدة وذلك بالايحاء بان الامبراطور الذي كان شجاعا بتحديه للفلكيين مازال جنديا فهو يتسربل بملابسه الدينية كما لو انه كان ينتقي سلاحه من اجل المعركة.
ربما يكون الاحترام لخلق وشجاعة الانسان هو الصفة المميزة لكافافي. ويتأكد تثمينه لقوة الانسان بسبب معرفته لكل النقائص التي تتعرض لها النفس البشرية. ولذلك ، ليس من المدهش ان تدور قصائده الاكثر نضجا واكتمالا حول انتصار الانسان على الظروف التي تحيق به. وهو لم يسمح للاعجاب ان يقلل او يبسط رؤيته الفعلية التي يكتب عنها ولكنه يبين من خلال تشابكها كيف يمكن للارادة والنزعة الخلاقة ان ترتفع فوق التيارات المتناقضة. لقد رأى امكانية حدوث ذلك في مجالات كثيرة غير متوقعة او مهملة وأن الادباء انفسهم يمكن ان يشكلوا مثالا على ذلك. وقد تعامل مع هذه الامكانية باسلوب روائي في قصيدة ” داريوس “. المشهد في بوتنوس ابان حكم ميثريداتس العظيم السادس وذلك قبل قيام الرومان باعلان الحرب عليه مباشرة. ها هو شاعر الملك، فيزنازيز، يكتب قصيدة بطولية في مدح داريوس الذي يدعي ميثرايداتس بأنه سلالته. يتبع الشاعر عمله باخلاص محاولا التعبير عن اخلاق درايوس ودوافعه:
ولكنه يحتاج هنا للفلسفة
لابد من تحليل المشاعر التي يمكن لداريوس
ان يكون قد احسها
هل هي الغرور والنشوة ؟
كلا. بل هي ادراك لنزوة العظمة
في تلك اللحظة يدخل خادم فجأة لكي يدلي بنبأ قيام الرومان باعلان الحرب وعبور جيش ميثرايداتس الحدود. يدب الروع في قلب الشاعر، هل الملك بحاجة لهذه القصيدة بعد الان ؟
في خضم الحرب، تصور شعرا يونانيا
انه قلق، فقد كان يأمل ان ينجز انجازا عظيما يخرس فيه نقاده الحاسدين:
اي تأخير ، اي تأخير لخططه
ولكن هذا التأخير ليس اسوأ شيء. فالخطر جدي حقا، فمدينة اميسوس ليست محصنة والرومان عدد ضخم. فهل يمكن للكابادوشيين ان يهزموهم؟ انه لا يملك الا ان يتضرع للالهة ان تنقذ اسيا. ومع ذلك وفي خضم هذه الازمة الكبيرة، لا تعدم النفس البشرية القوة لفرض وجودها. وها هو الشاعر يواصل تتبع سيل افكاره بشأن قصيدته ويحل  مشكلته الخاصة:
ومع ذلك وفي خضم كل هذه المشاكل والفوضى
تروح الفكرة الشعرية وتجيء باستمرار
لابد ان يكون الغرور والنشوة
هما اللذان سيطرا على داريوس
انها التفاتة تنم عن النبل وتدعو للاعجاب. فالشاعر رغم كل ذلك، لم تزعزعه الاحداث  القائمة ويستمر في عمله.
قضي كافافي حياته في مصر وكان حماسه الوطني ضئيلا ولكنه كان فخورا بتقاليده اليونانية وبالدور الذي لعبه اجداده القدامى الذين اوصلوا الحضارة الهللينية الى كل ارجاء المعمورة. يظهر هذا الاحساس جليا في قصيدة ” 200 قبل الميلاد ” فهو يختار تلك الفترة الزمنية حين كان خلفاء الاسكندر يبسطون نفوذهم من مقدونيا وحتى هندكوش، وحين كانت شعوب اسيوية كثيرة تتطلع باعجاب الى الحضارة الهللينية. ها هو ثانية يختار موضوعه من بلوتارخ الذي يروي كيف ان الاسكندر بعد ان احرز انتصاره على الفرس في غرانيكوس عام 334 ق . م ، بعث بغنائمه الى اليونان وقد كتب عليها ” الاسكندر ابن فيليب واليونانيين بدون اللاسيدمونيين ” وذلك لان اللاسيدمونيين كانوا قد رفضوا التحالف معه وبذلك فقدوا حق المشاركة في انتصاره. يعبر كافافي عن ذلك بواسطة رجل من جيل متأخر يدرك دلالة هذه الكلمات من الناحية التاريخية. انه يتخيل مشاعر اللاسيدمونيين حين قرأوا تلك العبارة، لاشك انهم لم يأبهوا لها فقد كانوا يكرهون ان يكونوا اتباعا لاحد ولا يقبلون بملك ليس من ملوكهم. انه يقدر وضعهم ويدرك ان موقفهم هذا هو موقف محتمل، ولكنه يعود ليذكر بمدى الخسارة التي خسروها ومدى الانجاز الذي حققه الاسكندر والمقدونيين بدونهم، تلك الانجازات التي حققها الجيش في غراينكوس وايسوس وارابيلا حيث تم سحق الجحافل الفارسية. ها هو يروي النتائج الباهرة التي اعقبت ذلك:
ومنذ تلك الحملة العظيمة حملة جميع اليونانيين
المنتصرين، المشهورين، المتألقين
هذه الحملة التي ليس لها مثيل ولا قرين
هكذا نهضنا، عالما هللينيا جديدا وعظيما
انه فخور بذلك الانجاز الضخم خصوصا وانه لم يكن انتصار اليونانيين القاطنين في الوطن الام بل انتصار جميع اليونانيين المنتشرين في بلدان اسيا وافريقيا :
نحن، من الاسكندرية، من انتيوخ
من سلوقيا، كل اليونانيين الذين لا حصر لهم
في مصر وسوريا، في ميديا وفارس
وكل الاخرين، حيث تمتد سيطرتنا بعيدا
بالنفوذ المتنوع والمكيف بحكمة
لغتنا الهللينية المشتركة،
قد اوصلناهم الى قلب باكثريا، الى الهنود
فدعونا نتكلم الان عن اللاسيدمونيين
تلك هي اسطورة ايمان كافافي باليونانيين. ان ذلك العالم الذي خلقته الجيوش وكذلك خلفاء الاسكندر هو بالنسبة له اعظم اهمية بدرجة كبيرة من ذلك المجتمع المحدود المتكبر في سبارطة. ويجد بهجة في التعبير عن افتخاره بالانتماء الى تلك الرفقة وذلك التراث. انه يرى، وبحق. ان تطعيم الشرق بالهللينية هو اعظم من اي انجاز قامت به الدولة السبارطية على امتداد التاريخ، وهو يقدم اجلاله لهؤلاء الرجال الوافدين من مختلف البلدان، والذين يشك في كونهم من سلالة يونانية، الذين نفذوا تلك المعجزة الباهرة.
وعلى مستوى لا يقل عن مستوى السياسة، يشكل الدين مجالا لأمثلة عن الروح البطولية المنتصرة. واذا كان كافافي قد عبر في بعض الاحيان عن تفهمه العميق للايمان الاولمبي القديم، فقد عبر في احيان اخرى عن احترامه للمسيحية. فقد اسر خياله ذلك الدفق من الثقة والقوة الذي توفره المسيحية وقد عبر في اكثر من قصيدة عن مرحلة المسيحية الاولى وكيف كان الناس، على الرغم من تناقضاتهم الداخلية، يلتزمون بالاخلاص لهذه الفكرة. ففي قصيدة ” موكب عظيم للقساوسة وعامة الناس ” يقدم وصفا دقيقا لتلك الروح الدائبة وقوتها الغريبة. المكان انتيوخ والزمن في اعقاب موت جوليان المرتد . لقد تم السماح للمسيحيين بالعودة الى ممارسة طقوسهم حيث يقوم موكب كبير باختراق الشوارع. يحمل شاب بملابس بيضاء الصليب مرفوعا الى اعلى :
قوتنا واملنا ، الصليب المقدس
لقد اختفى الوثني الذي كان قبل فترة ممتلئا بالغرور، وها هو الصليب يعبر الى الامام :
الى كل جهة حيث المسيحيون يقيمون بكل ورع
يجلب الراحة والبهجة
ها هم يتقدمون ، الاتقياء ، الى ابواب مساكنهم
تملؤهم البهجة وهم يعبدونه
القوة، خلاص العالم، الصليب
تلك هي روح ولغة العصر، وهي ترن بالصدق. انها حقا مناسبة خاصة، فالطاغية قد مات والعقيدة المسيحية انتصرت :
القذر الكريه جوليان
لم يعد يحكم
فلنصلي للتقي جوفيان
لقد تم اختبار المناسبة التاريخية بدقة، تلك هي مناسبة الخلاص من الطاغية وانتعاش الامل بخليفته الذي منح حرية العبادة. فالقصيدة تروي قصة انتصار الايمان، وبصراحة تامة، تصف ذلك الايمان بكل كبريائه وتعصبه وثقته الكبيرة وادراكه لرسالته الخاصة. لقد انجذب كافافي الى مثل هذا العرض للقوة فتصدى للتعبير عنه باخلاص وقوة.
يعيد كافافي خلق الماضي برؤية خاصة، ولعل ما يدعو للدهشة هو مدى تجاوبه وعدم تكلفه. يمكن للمرء ان يتوقع منه، على ضوء شخصيته وخلقه، ان يلجأ الى الحالات الاكثر انهزامية ومرضية وان يشحن ذلك بتعليقات تشاؤمية حول جدب الوجود. لقد وجهت له مثل هذه الاتهامات بشأن القصائد التي كتبها حول الحياة المعاصرة والتي سلط الضوء فيها على مباذل الشهوة الجنسية. ولكنه وجد في عالم الماضي المجال الرحب لتحقيق ذاته. لقد أعتقه جلال التاريخ من هموم الحاضر وساعده على ممارسة موهبته. لم يكن ذلك  الاهتمام بالماضي هروبا من الحياة، بل هو تعبير اخر عن اهتمامه وطريقة اخرى لرؤية القضايا الدائمة بكل ابعادها واهميتها. فهو بمحاولته تمثل الشخصيات التاريخية والنفاذ الى حياتها الخاصة بقدر المستطاع والتعبير عنها من الداخل قد حقق شيئين هما توسيع مدى شخصيته واحراز النظر الثاقب القادر على التغلغل الى داخل الاخرين. وبالتعامل مع الماضي كمصدر للتدليل على الحاضر فقد توصل الى الايمان بان الماضي والحاضر انما يمتلكان نفس الخصائص الثابتة وبان النفس البشرية قد تخضع لنفس المشاكل والتناقضات في كل الازمنة. لقد اخترق جدار المظاهر الزائلة نحو الصفات الاساسية وكون من خلال ذلك ليس تسجيلا للتاريخ بل نقدا تصويريا للحياة. لا يقتصر مجاله على حدود معينه. فهو على الرغم من حصر نفسه في اطار العالم اليوناني – الروماني والبيزنطي في منطقة البحر الابيض المتوسط، فان ذلك لم يحد من مواهبه او مداه، بل على العكس كان حكيما في حصر نفسه في ذلك المجال وذلك لاكثر من سبب. فبالدرجة الاولى، ذلك هو العالم الذي احس بالانتماء اليه، فهو ابن ذلك العالم الذي استوعب طبيعته من خلال الناس الذين عرفهم والهواء الذي استنشقه. لذلك اصبح قادرا على ولوج ذلك العالم بنظرة واعية لا يمكن بدونها امتلاك القدرة على التعبير عنها  شعرا. ولم يكن ذلك العالم منظرا بهيا بعيدا بل واقعا ملموسا، واقع اناس عرف طبائعهم وفهم لغتهم. ومن ناحية اخرى فقد شكل عالم كافافي هذا وحدة واحدة ذات تناسق كامل. فلو تعدى ذلك المجال الى مجالات او حضارات اخرى لفقد قدرته على الاقناع. ان ذلك العالم رغم تعدد اشكال شخصياته ومواقفه يختص بواقع متجانس له تأثيره الخاص الذي لا يتجاوز دائرة معينة من دوائر التجربة التي تخضع لتحليل عقل خلاق واحد. القصائد المختلفة تساعد وتكمل بعضها البعض وتنجح في خلق حياة خاصة لتلك الفترة من التاريخ.
وتزداد اهمية هذا الانجاز لانه في التحليل الاخير، انتصار شعري  ليس فيه زلات ولا تشويه ولا تردد. تقوم كل قصيدة باداء مهمتها على اتم وجه ممكن. لاشك ان هذا الشعر ذو  نوعية خاصة، وهنا يكمن ابداع كافافي. يمكن لاي شاعر اخر من ذلك الجيل السابق ان يستحضر ذلك العالم البعيد بتنميق اكثر وان يحقق نجاحا يتعدى ما حققه كافافي. فنحن نستطيع ان نتخيل كيف يمكن لشاعر روماتيكي مثلا ان يعامل سيزاريون او نيرون او جوليان او اية شخصية من شخصيات كافافي. لكن الكسب الذي يحققه  لا يعدو ان يكون اندفاعة عاطفية خيالية بعيدة عن التقديم الواقعي الذي يشكل صفة اساسية عند كافافي. فلاجل الحفاظ على هذه الواقعية، فهو لا يتورط في وضع مثل تلك التأثيرات. إن شعره شعر هادئ، صادق  ، يلتزم بالظرف القائم التزاما صادقا وواقعيا. وهو معني بتقديم الطبيعة البشرية العادية بشكل قادر على اقناع الخيال والمنطق. ان ذلك الجو الهادئ الذي يبدو لاول وهلة سهل التحقيق والذي يحتاج في الواقع الى الكثير من ضبط النفس والحكم الصائب هو الانجاز الذي حققه كافافي. انه شعر خالص لانه يبهج النفس ويبقى عالقا في الذاكرة، فكل كلمة من كلماته بسيطة وكل تفصيل فيه انما يضيف الى الاثر الدرامي والنفسي. لقد استطاع كافافي ان يحصر اسلوبه في نطاق واحد وان يحصل على تنويع متمايز في النبرات حيث منح كل فترة نبرة خاصة قادرة على التعبير عن الجو العام المسيطر وكذلك عن الظلال والتعقيدات المختلفة التي تكتنفها. ان اي اسلوب اخر اكثر احكاما واوسع خيالا لابد وان يدمر سحر كافافي الخاص. فنسيج قصائده، ذلك النسيح المصنوع بدقة وتفكير، هو الوسيلة الملاءمة تمام الملائمة للغاية التي رغب الشاعر في تحقيقها، وقد استطاع ان يخلص نفسه من الاسلوب البلاغي بسرعة، وان يتوصل الى القناعة بامكانية كتابة الشعر بضبط واعتدال دون ان يفقد قدرته على التحرك اللازم في مجال موضوعه . لاشك انه واجه بعض الصعوبات في تحقيق ذلك حيث نجد في قصائده الاولى اثارا واضحة للاسلوب الخطابي والبلاغي، ولكنه استطاع بعد ذلك تنقية اسلوبه والعثور على نظير خاص لتلك الاساليب التي كان شعراء البلدان الاخرى يعملون على تطويرها لاغراضهم.
اذا كانت احدى المشاكل الرئيسة التي واجهت الشعر الحديث هي كيفية الربط بين الاثارية الشعرية الخالصة والاحساس الكامل بتعيد الوعي الحديث، فلا شك ان كافافي الذي بدأ العمل قبل نضوج هذه المشكلة في كثير من اجزاء اوروبا، قد وجد الحل الناجح لها. لاشك ان الاثارية التي عند كافافي ليست تلك الاثارية الديناميكية التي عند ابو لينير او لوركا، كما لا يصل تعقيده الى مصاف باسترناك او اليوت، فمهمته اسهل في بعض وجوهها من تلك المهمات التي واجهت الشعراء الذين وجدوا انفسهم في خضم الموروث الاوروبي الراسخ. فالتقاليد التي كان عليه تخطيها والرؤية الشعرية التي كان عليه ان يدافع عنها كانتا اقل واصغر بكثير مما ترتب على الشعراء الاخرين. وهو لم يتوغل في سبيل استكشاف حالات شبه الوعي التي وجد الشعراء الاخرون فيها مجالات خصبة لتجاربهم وآرائهم، انما هو قد ادرك حدوده واتقن فنه ضمن هذه الحدود. وهو بمعالجته مادته باسلوب درامي قد استطاع ان يسبر اغوار الكثير من الزوايا الغريبة في النفس البشرية، كما احكم قبضته على الحقائق الاساسية بحيث بدا وكأنه دائم التعامل مع اشياء ذات اهمية اساسية. كان يمكن لكافافي ان يستخدم العبارة الموهمة بالتناقض وان يركز على الغرابة المسلية ولكنه  لم يفعل ذلك . لقد كان دائم السيطرة على طاقاته العقلية وله صلة بالحياة الواقعية فهو لم يكن معنيا باهواء الطبيعة البشرية بقدر ما كان مهتما باسرارها.

الفصل الثالث

الرتابة والمخاطرة عند غيوم أبولينير

1880 – 1918

يقدر لبعض الشعراء ان تتجمع حول حياتهم وشخصياتهم اشكال من الاساطير التي تؤدي الى ابعاد الاهتمام بالانجازات الحقيقية التي انجزوها والى التعتيم على قيمهم الفعلية. وليسوا هم المسؤولين دائما عن مثل هذه النتيجة. بل هم باطاعتهم لغرائزهم المسيطرة وتجاهلهم للتقاليد التي تؤطر سلوك الناس العاديين، انما ينطلقون على هواهم لكي يجدوا ان الاهتمام الذي تثيره تصرفاتهم الشاذة والسطحية قد فاق ذلك الذي يثيره انجازهم الحقيقي، واساء الى تقدير مواهبهم . وليام ابوليناريس  كوستروفتسكي، المشهور باسم غيوم ابولينير، احد هؤلاء. فلقد كان في حياته شخصية اسطورية، ولا يزال الكثيرون حتى هذا اليوم يهتمون به كأسطورة اكثر من اهتمامهم باعماله. فهو غامض المنشأ، امه روسية او بولونية من الطبقة الوسطى وقد كانت غير راغبة او غير قادرة على التصريح باسم والده رغم تلميحها بانه كان اميرا من امراء الكنيسة. وقد تقبل اصدقاء ابولينير في السنوات اللاحقة هذه القصة الوهمية وصاروا يصورونه في رسومهم على شكل كاردينال. كما تعرضت هذه القداسة الى شكوك كثيرة نتيجة الانتقادات الجدية التي وجهت اليها. وقد بقي الاصل المجهول لابولينير واحدا من صفاته المميزة حيث تلقت الاسطورة التي كان اصل ابولينير نواتها فصولا جديدة بعدما اتخذ لنفسه طريقه المستقل في الحياة. وهناك قصص كثيرة تروى عن ملابسه الشاذة وسلوكه الغريب ونكاته العملية، ونزواته الطارئة والولع الشديد في جمع الاشياء النادرة، وكذلك حجمه الضخم وجشعه الخيالي. وقد شاءت الصدف ان تتفق وطبيعة سيرته التهمة التي اتهم بها بسرقة الموناليزا حين اختفت في عام 1911 من معرض اللوفر. فقد كان احد معارفه وهو بوهيمي واسمه غابي بيرنيه، مولعا بسرقة التماثيل الصغيرة من المتاحف وكان قد اعطى واحدا منها لابولينير الذي وضعها بدوره فوق منصة مدفئته. ولذلك فان القاء القبض عليه من قبل الشرطة لم يكن بدون مبرر رغم انه لم يتوقع ابدا ان يحدث له مثل ذلك وقد تألم الما شديدا بسببه. كما توافقت  بصورة مأساوية تلك الصيحات التي اطلقتها الجماهير الباريسية ضد القيصر ” يسقط غيوم ” مع موت ابولينير الذي كان مسجى في الحين على فراش الموت، ولم يستطع اصدقاؤه الذين جاءوا لالقاء النظرة الاخيرة عليه ان يتجاهلوا الاحساس بان صرخات الانتقام الموجهة ضد القيصر انما كانت موجهة بشكل او باخر ضد صديقهم الميت. هكذا اكتنفت الاسطورة حياة ابولينير من ميلاده الى مماته، وقد تقبلها بمرح ولم يشعر بالحاجة الى دحضها لابل ساهم في تعزيزها في بعض الاحيان.
لقد اثر ذلك حتى على انتاج ابولينير. ولعل اي قارئ محافظ لابد وان يحس لدى القاء اول نظرة على مجموعتي ابولينير الشعريتين ” كحول ” التي كتبها عام 1913 و “رسوم ” التي كتبها عام 1918 بانهما تحملان الكثير جدا من سمات الحداثة البارعة والمرح المديني الرفيع الذي غزا الشعر حوالي عام 1910. كان ابولينير في زمنه طفلا من اطفال الطبيعة بما في الكفاية لكي يتمتع بنشوة بث الروع في نفوس المحترمين، لابل انه في بعض الاحيان كان يتمادى في ذلك ويتظاهر بأنه غاضب اكثر مما عليه فعلا. ورغم التباين الكبير بين مواهبه ومواهب مارينتي، فقد تسلى لفترة من الزمن  بالمستقبلية الايطالية وقلد بعض تصنعاتها.فكما رغب مارينتي بتحطيم قواعد اللغة للتخلص من النعوت ” لان العنصر العادي يحتفظ بلونه الاساسي ” واستبدال النقط والفواصل باشارات رياضية وموسيقية، كذلك اكد ابولينير على “حرية الكلمة” وعلى فضيلة استعمال الكلمات التي يوحي لفظها بمعناها، والتلاعب اللفظي، كما ادان النعوت والفواصل واشكال الشعر واساليب الطباعة وذلك في مجموعته “المستقبلي المعادي للموروث ” في عام 1913. كما تقمص احيانا الكراهية التي حملها مارينتي للعاطفة والماضي وذلك حين رفض ” الحزن الشعري ” واحتقر التقاليد الادبية التي يمثلها ” الراهبان سياموا دانازي وروستاند” ودانتي ، شكسبير وغوتيه.
احرز بيانه صيتا سيئا جدا مما حدا بمارينتي ان يحسده عليه لانه احتوى على ” كلمة الكامبرون ” التي كان محظورا قولها في دنيا الطباعة وليس مدهشا ان لا ينظر الجيل الاكبر لذلك نظرة جدية.
اعتمد ابولينير بادانته للنقط والفواصل نظرية ممكنة. فهو لم يدع الى استخدام الرموز الموسيقية او الرياضية، بل توقف لفترة من الزمن عن استعمال النقط والفواصل ولم يكن في نيته العودة اليها. بنى حجته على سابقة واردة، وهي النصوص الدينية القديمة، لكي يتوصل الى القول بأن قصائده غير المحددة بالفواصل سوف تجبر القارئ على قراءتها بمستوى صوتي رتيب شأن قراءة الاناشيد والتراتيل الدينية. كذلك جاءت حجته اكثر اقناعا حين قال ان وضع الفواصل في القصيدة لا يغني شيئا بالنسبة للقارئ المستغرق في معناها وايقاعها وهو لا يحتاج الى مساعدة خارجية لاجل فهمها، واذا كانت لديه نقطة ضعف فمما لا شك فيه انه لم يقصد من وراء ذلك خلق جو من الغموض والالغاز حيث انه قد عبر عن اكثر افكاره غرابة بجمل واضحة وقواعد لغوية صحيحة، ولو اردنا وضع الفواصل لجاءت في اماكنها الصحيحة تماما. ربما كان الغاء الفواصل مدعاة لبعض الازعاج، غير ان غيابها لا يسئ ابدا الى الوضوح اللازم في شعره.
في قصيدة ” رسوم ” اعتمد ابولينير مصدرا جديدا للالتباس وذلك بتقديم قصائده على شكل رسوم طبعت كلماتها على شكل دخان سيجار او ربطة عنق او ساعة او نافورة ماء او مطر. وهي اشبه بتلك القصائد التي كتبها الشعراء اليونانيون في الاسكندرية على شكل معبد او بيضة او شبابة راعي. انتهج ابولينير هذا الاسلوب لانه كتب هذه القصائد على البطاقات البريدية التي كان يرسلها من الجبهة ابان الحرب العالمية الاولى وذلك بغية تسلية واضحاك اصدقائه، وقد احتفظ بها على هذا الشكل حين طبعها بعد ذلك لاحساسه بان هذه الاشكال تتمتع بجاذبية واناقة خصوصيتين كما انها تعيد للذاكرة الظروف التي كتبت فيها. هناك اناقة كبيرة في هطول المطر بخمسة خطوط عمودية متموجة وكذلك في الخط المنحني لتدفق الماء من النافورة وتلافيف الدخان المتصاعد من الغليون وهي توضح ايضا مدى ادراك ابولينير لصفاء الخط. ولو جشمنا انفسنا عناء تحويل هذه الاشكال الى كتابة عادية ووضعنا الفواصل اللازمة لبدت النتيجة طبيعية بشكل يثير الدهشة. تلك هي ” نافورة الماء ” وقد تم ترتيبها بأبيات منتظمة ومقفاة :
فكل ذكريات الزمن القريب
يا اصدقائي الذاهبين للحرب
تتدفق نحو الافق
ونظراتكم الى المياه الغافية
تبكي بكآبة
تحتفظ هذه القصيدة بسلاسة وشفافية الشعر الفرنسي الكلاسيكي، ونحن لا نستطيع ان نرفض ابولينير على النحو الذي رفض درايدن به ماك فلبكنو :
فاختر لسلطانك
منطقة هادئة في الارض القطبية
حيث تستطيع مد جناحيك وتشييد معابدك
وتعذيب الكلمة المسكينة بالاف الوسائل
لقد كانت لابولينير نزواته وشطحاته ولكنها صفات سطحية يسهل الولوج فيها والعثور على ماهية الشعر الحقيقية. يمكن تفسير اصالة ابولينير بالرجوع الى فن الرسم الذي كانت له به علاقة وطيدة. فكما كان الرمزيون مدينين كثيرا في بهاء عالمهم الذي تكتنفه الاسرار للموسيقى وحاولوا خلق التأثير الذي تحدثه الموسيقى بالكلمات، كذلك وجد ابولينير مصدر وحيه ومثاله في عالم الرسم. ان التغيير من فن الى فن اخر ما هو الا دلالة على الاختلاف بين مفاهيم جيلين. فقد اعجب الرمزيون بالموسيقى لانها اوحت لهم بتلك القوى غير الملموسة التي امنوا بوجودها في العالم المثالي. لكن ابولينير فضل العالم المرئي كما يراه الرسامون. اشتد حبه للرسم نتيجة لبعض العلاقات الشخصية . فقد عقد في اوائل القرن صداقة حميمة مع بيكاسو وبيكابيا وتلاءم بسهولة مع وسائل تفكيرهما وتشرب نظرياتهما. بل انه قام بتفسير وتضخيم هذه النظريات. وحين اقام التكعيبيون اول معرض لهم في عام 1911، عرف ابولينير الجمهور باعمالهم بمقال بعنوان ” رسوم تكعيبية ” شرح فيه بتعمق مغموس بالاعجاب وبقدرة  جدلية اهداف ومناقب بيكاسو وبراك وميتزينجر وماري لورينسان وبيكابيا والاخرين. يبدو واضحا من نقده عمق تفهمه للحركة العامة للفنون في عصره، حيث قد رأى ان الفن قد اتجه في محاولة لان يكون اكثر نقاوة، ولكنه رغم تفهمه لذلك ” المنطق المثالي ” والطريق الذي يقود اليه، فهو لم يكن داعيا من دعاة الفن التجريدي وحده. لقد حمل احتراما كافيا للماضي جعله يؤمن بضرورة ارتباط الفن بالاشياء الواقعية. وقد نسب مثل هذه الصفة الى هؤلاء الرسامين حين قال ” ان معظم الرسوم الحديثة قد اعتمدت الرياضيات ولكنها لم تتخلى عن الطبيعة وقد بحث الرسامون فيها بصور عن تلك المؤشرات التي  تعين طريق الحياة ” .
لقد شجعته علاقاته مع الرسامين ومعرفته الاولية بالحركات الجديدة كالتكعيبية على التصرف بالشعر على النحو الذي تصرف فيه هؤلاء بالخطوط والالوان، وعلى جعل فن الكلمة اكثر نقاوة من ذلك الفن الذي نهج عليه معاصروه. كان احساسه بالكلمة مرهفا يضاهي رهافة احساس الرسام بالالوان والاشكال، وبدون ان يخلط بين شروط وظروف هذين الفنين فقد حاول منح الشعر، بالاضافة الى تلك النقاوة التي استقاها من التكعيبيين شيئا جديدا هو ” البعد الرابع ” وهو تلك الصفة الروحية او الميتافيزيقية التي وجدها عند بيكاسو. شجب تقييدات الفن الواقعي الموضوعي الذي اعتمده البارناسيون والذي كان وما يزال منتشرا ابان المرحلة الاولى من نتاجه. لم يكن غيبيا ولا علميا، ان ما يستشيره هو تلك الفتنة التخيلية الكامنة في الحياة، ذلك الانبهار الذي تفرضه عليه والتلميحات التي تمنحها للاعماق المجهولة والاسرار غير المكتشفة. احس بان الشعر الذي يكتب في عصره شديد الحذر، شديد الدقة، يطيع القواعد والتقاليد طاعة عمياء. تمسك ابولينير بهذا المبدأ باستمرار وقد عبر في اخر حياته عن هذا الرأي بكل وضوح في ” الشقراء الحلوة ” انها المعركة القديمة بين الموروث والابتداع ، بين الرتابة والمجازفة :
فلنقل ذلك بيننا ولاجلنا ايها الاصدقاء
انني اصدر حكمي ازاء تلك المعركة القديمة
بين الموروث والمبتدع
بين الرتابة والمجازفة
انه يطلب الصفح لنفسه ولامثاله ويقدم تبريرا لمعتقده بأن هناك مجالا كبيرا للتجربة، ذلك المجال الذي لم يدخله الشعر ابدا وحيث قرر هو الدخول والوصول الى اكتشافات مذهلة :
فنحن نود ان نمنحكم عوالم غريبة وشاسعة
حيث تقدم وردة الاسرار نفسها
لكل من يريد ان يقطفها
ذلك هو البعد الذي امن به، انه ذلك العنصر الذي طالما افتقده حتى في ادب الاغريق. هكذا امن بأنه يتحتم على الشعر، كما الرسم، ان يقوم بمهمته الخاصة وان يبرر الثقة الموضوعة فيه . فوظيفة الشعراء والفنانين الكبار الاجتماعية هي العمل باستمرار على تجديد المظاهر التي من شأنها تجديد الحياة في عيون الناس.
واذا اراد ابولينير ان يفرض على الناس رؤيا جديدة للعالم، فقد رأى ضرورة اعتماد بداية جديدة كل الجدة وذلك بهجر بعض الاساليب الموروثة في التعامل مع التجربة. ولدى احساسه بان كل الفرضيات القديمة التي اعتمدها الرسامون والشعراء خاطئة، فقد اتجه للبحث عن النضارة والرؤية المبسطة، تلك التي تبدو لاول وهلة في تناقض مع ذكائه الحاد وميله للتكنيك المتقدم. ولكنه كان في عمله هذا صادقا كل الصدق. لقد دفعه ذكاؤه الحاد الى النظر الى الفنانين برؤية جديدة كل الجدة، تلك الرؤية التي افادته شخصيا. وذلك يفسر اعجابه ببعض انواع الفنون البدائية كالنحت الزنجي ورسوم ثيودور روسو ” الجمركي ” . فقد وجد في المنحوتات الزنجية كيف يمكن للرؤى ذات الاخلاص الكبير والطبيعة البعيدة عن الشك والتساؤل ان تنتج نوعا من الفن الذي يكون، رغم كل قصوره بالنسبة للمقاييس الحديثة، قادرا على احداث التوصيل المباشر الخاص به، كما وجد في رسوم روسو كيف يمكن لعين الانسان غير المدربة تدريبا اكاديميا ان ترى مظاهر الاشياء التي تخفى على قادة المذاهب الفنية. لم يكن ذلك الميل فنيا خالصا بل ان هناك في طبيعة ابولينير عنصرا قويا من البساطة والتلقائية، شيئا من ذلك الصبي الابدي، التلميذ الذي لم تقهره الايام، والذي يفرح برؤية الاشياء لاول مرة ويراها مختلفة عما يراها الكبار. ففي تكنيكه ونظرياته، امتلك ابولينير فكرا نقديا ناضجا، ولكنه امتلك موهبة الصبا الدائم في تعامله مع التجربة. ذلك هو المزيج الغريب الذي يفسر الكثير من معاني اعماله.
يمكن التعرف على قدرة ابولينير في ايجاد السبل الصحيحة للوصول الى الهدف المطلوب من خلال استخدامه للاوزان. ففي الوقت الذي ركب فيه الشعر موجة الشعر الحر، لم يفقد ابولينير رأسه واستخدم الموازين القديمة الحديثة تاركا لموضوعه حرية اختيار  الايقاع المناسب له. لذلك سيطر ابولينير على معظم الاشكال الشعرية من الوزن السداسي الكلاسيكي الى الابيات الطويلة غير الموزونة المختلفة الايقاع.
يمكننا في كل قصيدة ان تتعرف على السبب الذي دفع بابولينير الى استعمال وزن ما ولماذا انتقل الى وزن اخر في  نفس القصيدة. فهو حين يستخدم السداسية الصارمة يتحدث بصرامة ووقار ويلتفت الى الوراء بحثا على المصادر الموثوقة. وحين يستخدم الاوزان القصيرة وخصوصا المقاطع الخماسية المنتظمة حيث تتفق قافية البيتين الثالث والخامس مع الاول، فهو ينقل تنقلات فكره حول الموضوع ونظرته الى ذلك الموضوع في مختلف الزوايا، لابل انه احيانا ينطلق بالشعر الغنائي كما فعل في قصيدته ذات الحزن الفاتن ” جسر ميرابو ” وبمهارة اكبر في قصيدة “الفصول ” حيث تحطم اللازمة المتكررة صرامة وواقعية الابيات الاخرى. واذا ما احس بالحاجة الى الشعر الحر، فهو ينخرط فيه بابداع. لقد بدأ، مثل بقية معاصريه، بالابيات القصيرة الهادفة الى تحقيق الاثر المهدئ للنفس ويبدو السحر الخاص لهذه الطريقة في قصيدة ” بيت الموتى ” حيث تتفق الابيات المنضبطة كل الضبط وتخيله للرجال الموتى العائدين للحياة وتساعد في تأكيد الاحساس بواقعية تصرفاتهم. لكن ابولينير وجد وهو في خضم المعركة استخداما جديدا للشعر الحر اذ رأى ضرورة استخدامه لغاية مختلفة وهي نقل الاحساس بالفوضى التي تعم ساحة المعركة بكل روائعها ومخزياتها، بروتينها العادي وخطر الموت المحدق. هنا ينطلق ابولينير بابيات طويلة عارمة نحو الفضاء ولكنه يحتفظ في هذه الابيات بالمرونة والرشاقة ويعكس من خلالها الكثير من مظاهر الحرب المختلفة، فاسلوب الاستطراد المتكسر يعكس مفاجآتها وصدماتها كما تشكل فهارسه فهارس حقيقية لمواد لا صلة للواحدة بالاخرى، وبهذا تنتفي امكانية اخضاعها الى شكل منتظم. يعكس شعر ابولينير الحر تنوع تجربته ويمنحها ثقلها اللائق بها وبخط مسيرتها. ذلك هو انتصاره الفني المتمثل في رهافة اذنيه وسيطرته على المؤثرات الايقاعية. فالحرب ذات طبيعة متشنجة وليس انسب من ذلك الشعر المجازف للتعبير عنها.
تشكل مفردات ابولينير مثالا اخر للدقة والمهارة التي تم بها اختيار الايقاع. فهو لم يخترع مفردات جديدة ولم يبعث الحياة في المفردات المهجورة. وهي حالات استثنائية تلك التي استخدم فيها الكلمات ذات الاصل اليوناني وهي تنبع بلا شك من حبه للمصادر المبهجة. تتسم كتابته بصورة عامة بالسهولة الفائقة الوضوح. وهو يصل الى غايته بدقة تامة ويمتلك موهبة نادرة للتعبير عما يريد قوله بمهارة بحيث يبدو وكأنه يستحيل التعبير عنه بطريقة اخرى. ولعل اعجب ما في هذه السهولة انها تفيض شعرا. فالتعميمات البسيطة محتشدة بالمعاني المكثفة وبساطتها ليست بساطة مصطنعة. يمكن لابولينير ان يقدم حالة معينة بأهدأ اسلوب ممكن ولكنه يجعلها مثيرة اثارة مدهشة كما يبدو ذلك بعد رحيل احدى حبيباته الى امريكا :
على ساحل تكساس
بين موبايل وكالفستون
هناك حديقة كبيرة مليئة بالزهور
وهي تضم ايضا منزلا
وهذا المنزل وردة كبيرة
لا يمكن لاي شعر ان يكون ابسط من ذلك. فالكلمات عادية، انها كلمات الحديث اليومي، ولكنها مع ذلك نضرة ومشرقة بحيث تستطيع حالا ان تأسر الانتباه. هكذا تقوم عين ابولينير بتحويل كل ما تراه الى كلمات دون اي تكلف او تصنع فكل كلمة تؤدي الدور الموكل اليها بقوة وسلاسة. كذلك اذ يصف ابولينير دخوله السجن في قصيدته ” نخب الصحة ” :
وقبل ان ادخل زنزانتي
يتحتم على ان اكون عاريا
اي صوت مشؤوم هذا الذي ينعب
ما الذي حل بك يا غيوم
يتجسد في هذه الابيات الاحساس المدهش بالبساطة لقد تم استدعاء الفعل باقل ما يمكن من الابيات حيث تنقل كلمة مشؤوم ” و ” ينعب ، الاحساس بالفزع والايحاء بنبؤة قاسية مرعبة بينما تنتصب صيغة السؤال المجدد في البيت الرابع في مكانها المناسب تماما لكي تعبر عن حالة انسان وجد نفسه في وضع مخيف غير متوقع وقد سيطر الهلع على نفسه.
تلك هي العدة من المفردات والموازين التي احتاجها ابولينير للعمل الذي تصدى له. لقد تبنى وطور الوسائل الموروثة في الشعر الفرنسي بشكل يتلاءم ونظرته الخاصة تجاه الحياة. فهو الخليفة الطبيعي لرامبو في تقبله الكلي للشعر كقوة واهبة للحياة وفي ايمانه بان النجاح الفني لابد وان يعتمد على الاستخدام الجرئ للحواس. اما وقد حظي بموهبة الرؤية التي لا تخطئ شيئا فهو لم يكن مجرد مسجل لانطباعاته عن المرئيات. فبهجته بالاشياء التي يراها توقظ في نفسه الافكار والاخيلة وتدفعه في انطلاقه الى عالم الخيال الذي يمنحه معاني جديدة وعميقة بالنسبة للاشياء والاحداث العادية. وهذا ما يقول في قصيدة ” الخطوبات ” :
الزهور تتحول في عيني الى لهيب
انني اتأمل بتعبد
وابتسم للمخلوقات التي لم اخلقها
فموهبته انما تتركز في التداعي البصري حيث  تتحول الافكار الى صور وتنمو المعاني الجديدة في الصور لكي تشكل كلا غنيا بالعطاء. في قصيدته ” منطقة ارضية ” يكشف ابولينير بانه قد احتفظ بموهبته التصويرية من عالم الطفولة، وهو يستدعي فترة صباه وحماسه الديني الساذج وعلى الاخص ايمانه الحرفي بفكرة “الصعود ” . وبعد ان يعبر بكلمات صادقة عما يعنيه المسيح بالنسبة له، يطور موضوعه حول الصعود مبينا ما يعنيه ذلك في العالم المادي من خلال رؤيا طفل بسيط. فالمسيح بالنسبة لابولينير الصبي هو طيار او عصفور تحدق به الشياطين الحاسدة بينما يطير حوله الملائكة والانبياء:
ايكاروس اينوخ الياس وابولونياس وتيينا
يرفرفون حول الطيار الاول
ترافق هذا المخلوق الغريب في الهواء جميع طيور السماء، من العقبان والغربان الى الكوليبري والرخ الاسطوري. فالمنظر الذي يصوره وهو في ذروة طاقاته الثرة له صفة حكايات الجن، مشرق في صورته وطريقة عرضه. ولكننا سوف نتعرف من وراء تلك الصورة الى تجربة الطفولة التي تكون الرؤى من المواد البسيطة بثقة مطلقة  فيها. لقد احتفظ ابولينير بهذه الهبة وانطلق بها في مجالات واسعة.
لم يجد ابولينير اية صعوبة في التعبير عن افكاره ومشاعره بالصورة الملائمة وكان سريعا في ملاحظة التشابه بين شيء واخر والاستفادة السريعة من تلك العلاقات. فالصبي الذي رأى المسيح الصاعد عصفورا او طائرة  قد اصبح رجلا دون ان يجد صعوبة في الافصاح عن معانيه بمقارنات مفاجئة ومتوافقة في ذات الوقت. ادت هذه الموهبة في قصائده الاولى الى نتائج غريبة حيث يبدو ان ابولينير لم يهتم بطبيعة الصورة طالما وجد فيها عنصر المفاجأة والموافقة . وبدافع الرغبة في احداث صدمة ما، فقد سمح لنفسه الغرق في بعض المتاهات التي ربما ادت الى الابتعاد عن الجدية التي يتصف بها عمله . تقول ميرلين وهي تنظر الى السماء :
الضوء امي، اه ايها الضوء المدمى
والغيوم تجري مثل نزيف شهري
اما الناسك فيقول وهو يصلي :
فلتجلد ايها الرب غيوم المغيب
تلك التي تنشرها على سماء من الورود المكممة الجميلة
اما مساء باريس ففيه:
تبول مناقير الغاز لهيبها على صفاء القمر
كما يصف هدوءه النفسي :
وفي النهاية لم تعد الاكاذيب ترعبني
ذاك هو القمر المطبوخ مثل بيضة في المقلاة
لم يعتد الجمهور على مثل هذه الصور سواء عند البارناسيين او الرمزيين. ومن السهل نفيها كظاهرة من ظواهر تطرف الشباب. ومع ذلك فنحن نرى من خلالها مدى التزام ابولينير بانطباعاته وكيف يستعمل المقارنات الغريبة للتعبير عن احاسيسه الغريبة او وجهات نظره. فهو المثال الاول ، ساحر فاسد يجد لذة شريرة في الغيوم الحمراء كالدم، ويعكس في المثال الثاني الحركة الخفية المظلمة في عقل الناسك حيث تتحول بسهولة الى افكار لها صفة الضرب بالسياط. اما  المثال الثالث فهو ينقل الصورة والصوت واللون لقاذفات الغاز، والرابع لا يوحي فقط بحالة ابولينير الهادئة بل بازدرائه الخفي لذلك. لا تتمتع الصور باي جمال بالمعنى التقليدي لهذه الكلمة ولكنها منتقاة بدقة وببصيرة نافذة ولا يجدر الحكم عليها بأنها لفتات شاذة وضعت بقصد ماكر.
لابل ان ابولينير كثيرا ما يختار الصور التي تبعث السرور في النفس وتضيف الى رصيد شعره. هناك شيء مضحك او ما يتجاوز نطاق الضحك في عرضه للاراء المبتذلة :
ذهب الافكار الميتة منذ الاف السنين
له طعم باهت كطعم ” الماموث ” المتجمد
فالطعم الفاسد للماموث المتجمد يتفق مباشرة والاقوال الفارغة المنتفخة بالادعاء، والخوف من الزمن المتقدم يثير فيه لمسات من الاسى الجديد الرقيق:
ايها الصبا وداعا يا ياسمين الزمن
وهو بكل دقة ومهارة يلتقط الضوء الداخل من النافذة :
تتفتح النافذة مثل برتقالة
فاكهة الضوء الجميلة
وهو يعبر عن العودة الى ذكريات الحب الاول وما يحمله من احساس بالامان والتوحد بقوله :
انني اخلد للسبات في قلب ماضيّ
ويغدو الليل في الخنادق قبل بدء الهجوم قرينا مرعبا لذلك الليل الذي يقف فيه الزوج منتظرا مولودا جديدا :
الليل الذي يصرخ مثل زوجة في المخاض
ليل الرجال المستوحدين
وبينما هو ينتظر قدوم حبيبته، تصبح روحه سفينة ترافقها الغواصات في زمن الحرب وكأنها شيء لا يقدر بثمن :
الغواصات المبحرة في روحي
ستذهب لانتظار تلك السفينة الرائعة،
حيث تتعالى نظراتك الحادة مثل نشيد الكورس
اما محاولاته لتذكر حبيبته بعد ان يفترق عنها فهي اشبه بجهد الجاسوس الذي يحاول اكتشاف اسرار قلعة ما في اقل وقت ممكن :
متلصصة الحب الشاحبة
ذاكرتي التي تملك بعض الاخلاص
ليس لديها الا بعض ساعة في اليوم
لتأمل تلك القلعة الجميلة
ان هذه الصورة مبهجة بحد ذاتها وهي تضيف بصدقها ودقتها الى ثراء التجربة وترتفع باحاسيس وافكار ابولينير الى عالم الاشراق الشعري.
تتميز مثل هذه الموهبة بقدرتها على توفير الفرصة للشاعر لكي يوضح العلاقات التي يكتشفها بين الاشياء المختلفة وحقيقة تأثيرها المباشر عليه . وتتجاوب صور ابولينير تجاوبا مباشرا مع احاسيسه الحقيقية ومع الافكار التي تبتعثها. تتضح مهارة ابولينير هذه في قصيدته الفذة ” الثلج الابيض “
الملائكة الملائكة في السماء
واحد ببزة ضابط
وواحد ببزة طباخ
والاخرون يغنون
ايها الضابط الجميل بلون السماء
الربيع البعيد بعد  ” نويل “
سوف يعطيك ميدالية من الشمس الجميلة
من الشمس الجميلة
الطباخ ينتف الاوزات
آه ايها الثلج تساقط
تساقط بينما حبيبتي
ليست بين ذراعي
يمكننا بسهولة اعادة بناء الهيكل غير الاساسي في هذه القصيدة. فالوقت شتاء وفي السماء بقايا زرقة ثم يبدأ الثلج بالتساقط. من هنا ينسج ابولينير قصته الوهمية، فهو يتخيل الملائكة في السماء حيث اللون الازرق ضابط والابيض طباخ ينتف اوزاته والثلج المتساقط ريشها المتناثر. الصور دقيقة ومتناسقة وتتعدى في فعلها مجرد القاء الضوء على الاثر المرئي. تتجسد فكرة الربيع القادم بصورة مبهجة هي الميدالية، ولحظة سقوط الثلج المفاجئ تصبح اكثر الفة من خلال صورة الاوزة المنتوفة. واذ يسقط الثلج، تتغير اللهجة وينسى الشاعر حكايته الخيالية ويتمنى لو ان حبيبته بين ذراعيه ثانية.
يمكن الاستفادة من الخيال في تطوير موضوع ما تطويرا كبيرا. فيتتبع
ابولينير احيانا الصور على امتداد قصيدة كاملة ويستفيد منها في تفسير الشيء الذي اسر مخيلته. فهو يخلد اشجار التنوب  المنتشرة على الراين في قصيدته ” اشجار التنوب ” ان تلك الاشجار تمتلك حياة انسانية خاصة بها رغم تبدل حياتها مع تبدل الفصول وما يؤدي اليه ذلك من استدعاء مقارنات مختلفة. فالاشجار، اذ يراها لاول مرة، تمتلك جوا قدسيا غامضا يتفق تمام الاتفاق واجواء قصص الجنيات الالمانية:
تلبس التنوبات قبعاتها المدببة الرؤوس
واثوابها الطويلة المتجددة
مثل المنجمين
تحيي اخواتها الحزينات
تلك القوارب المرتحلة فوق الراين
ضمن الفنون السبعة المعتنقة
للتنوبات الجدات القديمات
اللواتي هن شاعرات كبيرات
فهن يعرفن انهن مختارات منذ الازل
لكي يتوهجن اكثر من الكواكب
وبينما يراقب الشاعر اشجار التنوب ويلاحظ علائم الحكمة والتجارب المرتسمة عليها، يفكر في المستقبل الذي ينتظرها، المستقبل البهي الملئ بالنجوم حين تغدو اشجارا لعيد الميلاد ولكنها تتمتع قبل ذلك بحياة مثل المغنين والسحرة:
التنوبات ساحرات جميلات
يغنين لاعياد ميلاد قديمة
في رياح الليالي الخريفية
تتسربل التنوبات في الشتاء بالملائكة بينما تبدو في الصيف وكأنها ارانب او سيدات عجائز. وحين يكون الجبل في حالة مخاض تهيئ التنوبات له الاعشاب  الشافية:
وبين حين واخر وتحت العاصفة
ترتجف تنوبة عجوز وتنام
 يجد ابولينير مادة خصبة للتفكير في المظهر المتغير لاشجار التنوب، فتثير بهجته بهن خياله وينطلق للتعبير عما تعنيه تلك التحولات له والعلاقات التي يقيمها معها.
انها لخطوة صغيرة تلك التي تفصل بين الصورة والقصة الخيالية، بين استخدام مظهر واحد من مظاهر حاله ما لتصوير الحالة العامة في قصة خيالية لتؤكد على صفتها الاساسية. واذ يدخل ابولينير في القصة الموضوعية شيئا يعرفه في داخل نفسه، فهو يعطي الانطباع بانها ذات مدلول واسع. فهو يصبغ القصة الخيالية حيث يجدها بصفة خاصة تؤدي بالقصة الاساسية لان تصبح ثانوية الاهمية. وكمثال على ذلك، استقى ابولينير في ذات مرة اسطورته من العصر الارتوري وكتب قصيدته ” ميرلين والمرأة العجوز ” حيث يدور الموضوع الظاهر حول حب ميرلين لنيفيان والاثر الذي يتركه ذلك الحب في نفسه حين يتذكره بالصدفة بعد ان يتقدم به العمر. تتحول التجربة الى حكاية خيالية عن الحياة الخلاقة. نحن ربما نحتاج للحب ونستطيع الحصول عليه ولكن هناك قوة اقوى من هذا الحب وهي هجوم الذكرى المفاجئة لذلك الحب، تلك الذكرى التي تنتصب فجأة بكل بهائها وايمائها في وقت بدت فيه وكأنها قد انتهت في عالم النسيان. وفي ” سالومي ” يلتقط ابولينير حكاية شائعة في القرن التاسع عشر ويمنحها معنى جديدا. ان حب سالومي للمعمداني يتعدى نطاق القسوة والفساد، غير ان لحظة مقتل المعمدان تتحول الى مناسبة للفرح العارم حيث تنتهي القصيدة بالرقص المحموم. تلك هي حكاية خيالية ذات خلق فني. فالفنان يحب موضوعه ويقوم بتدميره بطريقة ما حين يمنحه شكلا دائما، ولكن عامل التدمير هنا يتحول الى مناسبة للبهجة والانتصار. هناك شيء قاس وجرئ ولا عقلاني في عمليات الخلق الحقيقية، شيء يتم التعبير عنه برقصة سالومي الجنونية. في قصيدة ” بيت الموتى ” يصف ابولينير بهدوء متعمد كيف يعود الموتى للحياة ويمارسون الحياة بصورة اعتيادية. انهم يغنون ويرقصون ويمارسون الحب والعبادة ثم يلقون تحية الوداع ويعودون الى قبورهم. من خلف ذلك تتضح الفكرة التي تقول ان ما يجعل الموتى اعزاء علينا هي تلك الاشياء البسيطة واللحظات العادية والاهواء والآمال التي يشاركوننا اياها. فالحب يبقى بعد فراق الموت وان حب الموتى هو حب خالص بنقائه وسموه لانه قائم على الوشائج الاساسية. يترجم ابولينير هذه الحقائق العميقة الى شعر، وبنبرة وحركة هادئتين، وبالتأكيد الذي يضيفه على سحر تلك المشاغل العادية، يصل الى هدفه المرجو. هكذا تمنح حكايته معنى ومغزى جديدين لافكاره، حقا ان كل حكايا ابولينير الخيالية تتصف بكيانها الخاص وقوتها التوصيلية كقصص مليئة بالملاحظات الحياتية الدقيقة ولكن  قوتها الخاصة انما تكمن في قدرتها على اثارة الاحساس بالاشياء الصغيرة الخفية والتي هي في الاساس مركز اهتمام  ابولينير.
هناك تأثيرات مفاجئة في تلك القصائد حيث يبدو وكأنه قد كتبها في حالة من القوة المشحونة بالحمى، ولاول وهلة، يبدو وكأن ابولينير لم يعر اهتماما كافيا للتركيب. لا يحتاج المرء لجهد كبير من اجل فهمه ولكن تفاصيله الدقيقة تتسم بفعل التحريض الى درجة نكاد نعتقد بان ابولينير مهندس ماهر في بناء القصيدة، انه في الحقيقة اكثر دقة مما يمكن ملاحظته. فهو يقسم ابياته الى وحدات صغيرة ثم ينطلق لبناء قصائده الطويلة حول كل وحدة من هذه الوحدات. ولذلك فهو قادر على السيطرة التامة على شكل القصيدة حتى في اقصى حالات انطلاقته. ولعل احسن مثال على ذلك هو قصيدته ” اغنية المحبوب الذي لا يستحق الحب ” المؤلفة من سبعة اقسام ذات اطوال مختلفة. تضم تسعا وخمسين مقطعا خماسيا منتظم الوزن. انها اكثر من بكائية على حب ضائع. انها تغطي كل تطورات احاسيس الشاعر خلال ازمته، وكل جزء يطور مظهرا مختلفا من الحالة المعقدة. ولكن ابولينير يستخدم اسلوبا خاصا جديدا. فبينما يسرد القسم الاول والثالث والخامس والسابع القصة المباشرة لحبه، يشكل القسم الثاني والرابع والسادس التعليق التخيلي عليها وترتبط مدلولاتها بقضايا اكثر اتساعا وذلك بتطوير هذه المدلولات الى حد يؤدي بتكوين قصائد منفصلة داخل  القصيدة الواحدة من خلال انتقال الشاعر من مأساته الراهنة الى عالم الاخيلة المشرقة التي تشكل عزاء لخسارته.
تبدأ المقاطع التي تروي قصة حب الشاعر بادراكه للمعنى الحقيقي لخسارته، ويرى اهمية ذلك بالنسبة له حين يستعيد رباطة جأشه بعد الصدمة الاولى. هكذا يروي كيف تبدت له تلك الحقيقة وهو في لندن ويقارن بين حالته وهو الحبيب المهجور بحالة بعض الشخصيات البارزة الذين عرفوا باخلاص النساء اللواتي احببنهم. فشعره  هو شعر ذلك الرجل الذي يريد التخلص من ذكرى ممضة، من حب ما زال يلزم بخناقه :
الوداع لذلك الحب الزائف
المختلط بين المرأة الراحلة
وبين تلك التي فقدتها
قبل عام في المانيا
فانا لن اراها بعد الان
يبدو الشاعر في المقطع الثالث وقد اخذ يتخلص للحظة ما من كابوس الهزيمة ويبدي بعض المقاومة . ولكنه يجد بانه ما زال مخلصا لحبه الضائع لا يملك القدرة على التخلي عنه فهو لذلك سوف يجد بعض العزاء في الغناء له ويتحدى القدر الذي سلبه اياه. انه يقارن نفسه بهؤلاء الذين يعبدون الالهة المندثرة والبشر الذين يستمرون في تكريس انفسهم لاحبتهم بعد موتهم:
 
الحب ميت وانا ارتجف عليه
فأنا اعبد معبوداتي
والذكريات التي يمثلنها
وانا كأمرأة موسول
سوف ابقى على اخلاصي وكآبتي
لن يطول هذا الاحساس بالتحدي، فسرعان ما يعود ابولينير في المقطع الخامس الى حسراته التي تغدو اكثر حدة وشفافية بينما هو يتذكر بوضوح اكثر ذلك الزمن الذي استعاد فيه حبه:
تخلف نظراتها شريطا
من النجوم في الليالي المرتجفة
لابل انه يأمل في عودة حبيبته اليه وهو على استعداد للترحيب بها، فهو لا يرغب ان ينساها واشتياقه لها يجعله اكثر ندما على الزمن الذي نسيها فيه. انه ممتلئ بالحسرات والذكريات ولا يستطيع الكلام عن نفسه الا بالازدراء المقيت :
وانا لي قلبي الذي هو اكبر،
من ردف امرأة دمشقية
يعود ابولينير في القسم السابع والاخير الى رشده ويواجه الحقيقة المرة. ها هو يحس وكأنه  امير يود لو يغرق نفسه فيفشل وهو الان في شوارع باريس وليست لديه رغبة في الموت. ان جرحه لم يلتئم ولكنه يحس بدبيب الحياة ثانية من حوله وهو يتقبل النداء :
مساء باريس مشبع بالخمر
ملتهب بالكهرباء
الحافلات تحمل على ظهرها اضواءها الخضراء
عازفة على قضبان سككها
جنون ماكناتها
يصور كل قسم من هذه الاقسام حالة مختلفة من حالات الشاعر في زمن فجيعته حيث يتميز كل قسم بشعر خاص بالحالة النفسية المعينة ويلتزم بها التزاما صادقا وينجح في القاء الضوء الخاص عليها.
تتخلل هذه الاقسام اقسام اخرى يحاول ابولينير من خلالها تصوير رؤياه الشمولية بالنسبة لموضوعه. يتم تقديم كل منها بعناية تامة. تتحول ذاكرته في نهاية القسم الاول الى يوم من ايام نيسان حيث غنى الشاعر اغنية حبه. ثم ينتقل الى القسم الثاني كي يستعيد فيه حالة السعادة النفسية الربيعية وينادي تلك الايام المبهجة التي كان يبدو الانتصار فيها اكيدا :
تعال وانظر محبوبتي ملكة على
كل الزهرات التي تبدو
الطبيعة مليئة بالحب والحنان
وفي الغابة ينفخ ” بان ” في بوقه
والضفادع المبتلة تغني
يوضح ذلك الانتقال مدى احساس الشاعر بخسارته ومدى الفرح الذي يجده في ذكرى ذلك الحب. هكذا تعود بنا تلك الابيات المشرقة الى الفرح العارم المتمثل بذلك الربيع المنصرم وتشكل نقيضا للحسرات التي سبقتها والتي ستليها. واذ يعلن في القسم الثالث عن تحديه وتمسكه باخلاصه، يقارن ابولينير نفسه بالقوزاق المتعصبين في اخلاصهم لوطنهم وديانتهم، ويطور في القسم الرابع موضوع القوزاق حيث يصف طبيعتهم من خلال  رسالة وهمية يبعثها القوزاق للسلطان بعد ان طالبهم بالطاعة. يبدو ان ابولينير كان يفكر انذاك بصورة لريبان صور فيها القوزاق المتفجرين بالحياة  والخمرة وهم يستقبلون بالقهقهات الصاخبة الرسالة الوقحة الاسلوب الموجهة الى رئيسهم الذي عينوه هم انفسهم. فهم شخصيات تتمثل فيها روح المقاومة المتعالية المتحدية، فابولينير يشبه نفسه بهم في تحديه للقدر الذي حاول ان يرغمه على طأطأة رأسه. ها هو الان متمرد وجرئ مثلهم وهو يحول حسراته الى سيل من الشتائم العدائية. ينتهي القسم الخامس بالاشارة الى السيوف السبعة التي اخترقت قلبه. ويعود في القسم السادس الى احزانه ثانية فكل حزن من تلك الاحزان سيف من هذه السيوف، وبرشاقة تماثل رشاقة وغرابة العصور الوسطى يضع لكل سيف اسمه وصفاته. لقد تعدى مرحلة احزانه الى عالم من التداعيات الصوتية وكأن السيوف قد سبكتها طاقات تكاد تكون الهية. انها ترمز للذكريات التي يحبها ولمختلف الوان البهجة والسحر التي وجدها في محبوبته، ولهذا فهو يقارن تلك اللحظات بمختلف الاشياء كالسماء وقوس قزح والكأس والجدول الاخضر والذهبي وشجرة الصنوبر والقّبرة والمعدن الثمين والوردة الميتة. في ذلك القسم كما في القسمين الثاني والرابع يتعدى ابولينير نطاق وضعه المباشر الى عالم اوسع واخصب دلالة. تلك هي طريقته في تصوير مدى خسارته.
بهذه الموازنة والمقارنة بين الاقسام يمنح ابولينير قصيدته ثراء عظيما وجمالا هندسيا. انه يبذل اقصى جهده لو ضع عواطفه المعقدة ضمن نطاق معين ولاظهار تفهمه لتناقضاتها وصراعاتها. فهو يرى الحالة من عدة زوايا ويعرفها عن قرب وعن بعد، وكانت النتيجة ان القصيدة قد تجاوزت حدود الحسرة على حب ضائع في مداها وفي تنوع امزجتها. انها تنتقل برشاقة بين اليأس الداكن ولحظات الذكريات المفعمة بالبهجة بين الوصف الواقعي لمساء ضبابي في لندن والانطلاقة الخيالية المحلقة. ومع ذلك ، وعلى الرغم من هذا التنوع، فهي تشكل وحدة واحدة مبنية بكل مهارة ليس فقط من خلال التوازن والتداخل بين اجزائها، بل من خلال المغازي المعينة التي تتسرب فيها وتقرر حركتها. هناك مغزيان رئيسان يؤكد ابولينير على اهميتهما بتكرار المغزى الاول ثلاث مرات والثاني مرتين ويقوم بابراز معانيها في اماكن معينة. الاول هو ايمانه بالحب :
ايتها المجرة يا اختا مشرقةً
على أنهار الارض الموعودة الطبشوريه
على أجساد الفتيات العاشقات البيضاء
اننا نتبعك باصرار ، فمدي يدك الينا
قودينا الى السديم الابعد
ان ابولينير لا يستطيع ان يحرم نفسه بهاء الحب المتلألئ بالنجوم ولذلك فلابد له من التريث امام خسرانه واكتناه معنى تلك الخسارة. اما المغزى الثاني، للاغنية، فلا يقل اهمية :
انا الذي اعرف الاغنيات التي تليق بالملكات
والمراثي لكل عمري
والاناشيد الحزينة للعبيد اذ يلقى بهم الى الكواسج
وهذه الاغنية للذي لا يستحق الحب
وتراتيل الساحرات الغاويات وكل ما تعنيه
فهو في امس الحاجة للاغنية لمجابهة احزانه، فهي صوت تأففاته وادراكه للدمار واحساسه بأنه قد خدع خديعة قادته الى الكارثة . هكذا يترافق هذان المغزيان في القصيدة ويتعاونان على تقرير مزاجها الخاص وتثبيت تماسكها.
تجد مواهب ابولينير الشابة انسب شكل لها في قصيدة ” اغنية المحبوب الي لا يستحق الحب ” فكل بيت في هذه القصيدة مشحون بالشعر المتألق تألقا خاصا. ورغم ان ابولينير لا يوضح الحالة وكثيرا ما ينتقل بصورة مفاجئة من صورة او فكرة لاخرى فليس في القصيدة اي غموض. فالصور والافكار تنتصب واضحة تمام الوضوح ونحن ندرك حالا ماذا تعنيه هذه بالنسبة للشاعر. اما مفرداته فتكاد تكون كلها مألوفة الا حين يكون في نيته وضع مفردة غير مألوفة دون ان يتسبب في مشكلة ما . هناك تركيز قوي في الجمل القصيرة وكل جملة تقوم بأثرها الملائم. يبدو احيانا ان هناك بعض التأثيرات التي يعجز ابولينير عن ايفائها حقها ولكنه ماهر مهارة مماثلة في الجمل  التقريرية البسيطة مثل :
ذات مساء عند منتصف الغسق في لندن
او حين يصف احساسا ما مثل :
قلبي ورأسي خاويان
تتسرب السماوات فيهما
او :
اذ تتفتح سماء النسيان امام امنيتي
او:
في عينيها تسبح الساحرات
او :
المصيبة اله شاحب ذو عيون عاجية
فهو ينتقل بشكل خفي من الواقع الى الخيار، من الاحساس التقريري البسيط الى الصورة الجريئة المفعمة بجملة من الاحاسيس :
تبعت ذلك الولد الشرير الذي
يصفر ويداه في جيبيه
وكنا نشبه بين المنازل
الموج المنشق في البحر الاحمر
هو العبريون وانا الفرعون
او :
وانني حقا على انتظار
بكل قلبي وكل روحي
ولو صدف انني، فوق جسر اليأس،
رأيت هذه المرأة ثانية
فسوف اقول لها بانني سعيد
وهو اذ يقارن نفسه بشخصيات متنوعة مثل سكان مدن كاليه او ولي عهد بفاريا، فلربما يبعث فينا الدهشة. ولكن هذه المقارنات تأتي في سياق مناسب مع الشكل المتنوع المسترسل للقصيدة. لقد شحن ابولينير قصيدته بكل ثروته التي جمعها من القراءة والاطلاع وهكذا تغدو القصيدة قطعة فذة متكاملة تم فيها حشد التجربة المعاشة بعمق شديد، هذه التجربة التي تمت رؤيتها من خلال كل مصادر الخيال الجارف، وذلك ضمن شكل منتظم ومنتقى بكل دقة.
استطاع ابولينير بمثل هذا التكنيك المناسب والخاضع لسيطرته تمام الخضوع ان يفضي بكل ما يريد دون الحاجة الى التضحية بأي من المتطلبات الاساسية. فالمادة وافرة لديه وهو لا يحجم عن بعثرتها على وسائل التواصل القابلة للتلف كالرسائل والبطاقات البريدية المرسلة لاصدقائه. فهو الذي استطاع ان يبعث من الجبهة في عام 1915 بما يلي :
انني اكتب اليك تحت هذه الخيمة
بينما يخلد نهار الصيف للموت
وحيث ابنثاقات المدافع المذهلة
ترصع شحوب السماء الزرقاء
وتختفي قبل ان تكاد تولد
فهو لم يعر اهتماما للاحتفاظ بكل افضل نتاجه لاجل طباعته ونشره. فالشعر هو رد الفعل الطبيعي والاني للحياة كما يراه ابولينير . وقد حظي بموهبة عجيبة في الاستفادة من الظروف المستجدة الى اقصى حد واستخراج بعض الفوائد منها. فكل ما تقع عليه عينه انما يترك اثرا في نفسه. وهو اخر من يتأثر بالآراء المتعارف عليها حول ما هو جدير بالملاحظة او المعرفة. ولذلك تبدو قصائده شديدة التباين والغرابة وهي صورة حقيقية لحياته. ان ابولينير لم يستق الهامه حين زار المانيا من الماضي الجرماني الرومانتيكي او من غرابة الطبيعة الالمانية المعهودة بل من حزن عاهرة في كولون ومن حيوانات البحر على ضفاف الراين ومن مشادة بين يهوديين عجوزين وهما في طريقهما الى الكنيس ومن الاطفال الذين يلعبون بين المقابر او نعيب البوم في الريح فوق المياه.
وتتسم معظم اشاراته لفرنسا وباريس بالذات بالاخلاص المماثل للاحاسيس والذكريات. فهو يسجل تلك اللحظات والمظاهر التي تعنيه اكثر من اي شيء اخر بدقة حاذقة، العمال وكتاب الطابعة وهم في طريقهم الى اعمالهم في الصباح، المرجان المتمدد في اعماق البحر المتوسط، اصوات الاجراس المدوية في محطات القطارات، الفلاح الذي يسوق ثوره ببطء في قلب الضباب ويغني اغنية لحب لم يكافأ بالاخلاص، ازيز النفاثات تحت ضوء القمر، جمال الليالي الباريسية في ايلول على الارصفة المهجورة، لاعبي الالعاب البهلوانية وهم يمارسون العابهم في شارع 14 تموز. يضج شعر ابولينير بالملاحظات التي لفتت انتباهه واستقرت في نفسه لما تتمتع به من جمال وانسانية. اننا نتمتع من خلال هذه الشعر بوضوح الوعي الحياتي والموهبة الفذة التي استطاعت العثور على الميزات التي تغيب عادة عن معظم الناس.
لا يتم تقديم تلك التجارب بطريقة موضوعية كملاحظات مثيرة للانتباه والاهتمام بالمعرفة وانما باظهار ما تتمتع به من تجاوب خاص في نفسه وبما تفتحه من مجالات غير متوقعة. ان اية حادثة تافهة سوف تغدو مشحونة بالعاطفة والتميز. ففي قصيدة ” تذكارات ” يبين ابولينير كيف استوعب ادراكه للحياة المحيطة به فاختار المناظر الصغيرة العادية محطة لتسليط انتباهه عليها. انه يحس بالتناقضات التي تفتح المجال امام الفعاليات المألوفة ويلاحظ كيف يغدو الرجال والنساء المنهمكون عادة في الحياة الدائرة حولهم رموزا لغموض الحياة وتناقضاتها. فهذا الرجل يغني بينما هو يحلق ذقنه :
هناك رجل يلبس كما واحدا من قميصه
يحلق وجهه قرب النافذة
وهو يغني اغنية صغيرة لا يحفظها جيدا
تلك هي اوبرا تامة
كذلك يجد ابولينير في الظروف الواقعية علامات ورموزا لوقائع اكثر شمولا. ففي قصيدة ” مهاجر على طريق لاندرو ” يصف الزيارة التي يقوم بها رجل لدكان خياط حيث يشاهد الملابس معروضة على الدمى في نوافذ المخزن، يشتري احدى البدلات التي يتم نزعها من الدمية. وهكذا تصبح هذه العملية الهادئة البسيطة وسيلة لاقتناص الحزن والاسى الكبيرين في قلب رجل ترك وطنه متجها نحو بلاد غريبة. فالدمى رموز لما خلف وراءه وهي ترمز الى فشل وخواء حياته:
هناك في الخارج
تنظر الاعوام الى نوافذ المخازن
 الى الدمى الضحايا
ثم تمضي بقيودها
ازاء هذه الخلفية يضع ابولينير رحلة المهاجر عبر البحار الغريبة والنهاية التافهة التي تنتظره. هكذا تضيء لحظات الرؤية معان اكبر بكثير من المعنى الرئيس في القصيدة وتربطها باحداث شمولية كثيرة الغرابة.
يمنح هذا الاحساس بالغموض وبالافاق غير المكتشفة قوة خاصة للعديد من اللحظات الصغيرة والقليلة الاهمية نسبيا. وبوضوح خدّاع، يضع ابولينير الجمل التقريرية السهلة والمباشرة والتي هي في الواقع مليئة بالاحاسيس والمعاني. فلغته بقوتها الاستدعائية انما تختلف اختلافا كبيرا عن الاوصاف الدقيقة التي مارسها البارناسيون، ولعل المقارنة بين ما كتبه لوكونت دوليل في قصيدته ” كلب صيد ماجنوس ” حيث يقول :
فلتصغ، انها الريح في قلب القلعة المتهدمة
حيث البوم ينعب وحيث يسكن وحيدا
وذاك هو الراين يهمس ثم يهرب بين الوديان
تستدعي هذه الابيات السمع والبصر ولكنها تفتقد العنصر الايحائي السريع الذي نجده في بيت واحد من ابيات ابولينير علما بأن ابولينير مدين لدوليل ببضع الشيء:
تلك ريح الراين تنعب مع جموع البوم
فاحدى مهمات ابولينير هي حشد ابياته بالدلالات دون ان ينتقص ذلك من وضوحها. انه يعبر عن غموض واحزان الخريف من خلال شخصين يتمشيان في الغروب :
آه ، انه الخريف،
 الخريف الذي  قتل الصيف
وفي الضباب يتمشى ظلان رماديان
اما المداعبات الفظة للريح المحيطية فهي تبدو من خلال اثرها على المهاجر المسافر في البحر :
رياح المحيط اذ تصفر بوعيدها
تخلف في شعره قبلات مبتلة مديدة
والاغاني التي يسمعها في الريف انما تذكره باغنية اخرى اعظم منها، انها اغنية باريس غير المسموعة :
ولقد سمعت طويلا كل تلك الاغنيات والصيحات
المستيقظة في ليل اغنية باريس
لقد عرف ابولينير كيف يجعل من كلماته مصدرا لايحاءات تتجاوز معانيها الحقيقية واصداء الكثير من الاسئلة التي لا تجد الجواب .
كان ابولينير ابان فورته الابداعية يترجم مواهبه من غير مشقة او تدبير سابق، فقد كان مسيطرا على اداته تمام  السيطرة بشكل جعله قادرا على الاستجابة لاي موضوع يثيره. يمكن تلمس هذا التجاوب السريع في ما كتبه حين القي القبض عليه بتهمة سرقة الموناليزا. ففي صباح السابع من سبتمبر 1911 ، داهمت الشرطة مسكن ابولينير والقت القبض عليه  واحتجزته، لقد عصف به الم كبير ولم يستطع ان يدرك كنه هذا الاعتقال كما المته بشكل شديد الاهانات التي تعرض لها، فقد نزعت عنه ملابسه والقي به في زنزانة لا يمكن اطفاء الكهرباء فيها مما جعله غير قادر على النوم. كان اسم النزيل السابق مكتوبا على الجدار وبأنه كان متهما بالقتل. احس ابولينير بأنه قد استثير استثارة من قلب عالمه الودي المألوف نحو عالم من الجحيم الذي لا يمكنه الفرار منه وحيث لا يتوقع منطقا ولا عدالة. في مثل هذه الظروف ينغمر الفنان الاكثر صرامة باحزانه الى حد لا يستطيع فيه الكتابة. ولكن ابولينير كتب ” لاجل الصحة ” ضمنها ست قصائد يتحسر فيها على مصيره برشاقة تامة. ولو قارنا بين هذه القصائد وما كتبه فيرلين في السجن لوجدنا ابولينير اشد قربا من الحياة العادية ولمسنا مدى التأثير الحميم الذي تركته فيه الاشياء المحيطة به والدلائل التي وجدها في حياة السجن اليومية. فانتزاع ملابسه عنه وضوء النهار المتسرب من بين القضبان ووقع الخطى فوق رأسه والمشي اليومي في باحة السجن والذبابة الواقفة على الجدران والاصوات المنطلقة من العالم الخارجي كلها تؤثر فيه بألفة صميمية وتزيد من بشاعة وحدته. ليست هناك اية خطابية في مثل هذا الشعر. انه يسجل ما يحدث ويبين معاني هذه الاحداث بالنسبة له.
ورغم حدة الاسى الذي يسيطر عليه فان ذلك لم يمنعه من الكتابة باتزانه المعهود واكتشاف لحظات الاشراق في خضم مصيبته. فالتمشي اليومي للسجناء يؤكد له ضعفه وها هو يرى نفسه وكأنه دب مقيد :
وكالدب في حفرة
اتمشى كل صباح
ندور ندور يوما بعد يوم
السماء زرقاء مثل السلسلة
كالدب في حفرة
اتمشى كل صباح
لقد لاحظ فيرلين ايضا السماء الزرقاء من زنزانته ولكنه كان مسكونا باحساس الذنب والحزن فرأى السماء بعين مختلفة، فهي بالنسبة له ملجأ للسلام والهدوء كنقيض لروحه المضطربة. لكن ابولينير الذي يحس بأنه ضحية عذابات لا يمكن تفسيرها يرى السماء وكأنها قيد ازرق، وهي رمز ملائم للاضطهاد الذي يتعرض له. كذلك لجأ الشاعران للصلاة بحثا عن العزاء ولكن فيرلين اعتبر السجن تكفيرا عن ذنوبه بينما يصرخ ابولينير بكل سذاجة وحزن طالبا العون:
ما الذي سيحل بي يا الهي
يا من تعرف حزني
فأنت الذي اعطيتني اياه
هب شفقتك لعيني اللتين بلا دموع، ولشحوبي
والحركة لهذا المقعد المقيد
لكل القلوب المسكينة الخافقة في السجن
للحب الذي يلازمني
هب شفقتك لفكري الواهن
ولليأس الذي يسيطر عليه
احاسيس ابولينير طبيعية وحادة في انسانيتها. لقد تلقى صدمة رهيبة وهو يناضل للحفاظ على اتزانه، وهو لا يفكر بنفسه فقط بل بكل هؤلاء الذين يتعذبون مثله. تنضح هذه القصائد بالالم الذي لا يعطي مجالا للاخيلة الواسعة ولكنها تتميز بتركيز عجيب في طريقتها العجيبة في عرض المشاعر. هناك تركيز مؤثر في تلك الابيات التي يعبر فيها عن مرور الزمن البطىء في زنزانته:
ما اشد بطء مرور الساعات
مثل بطء عملية الدفن
وكذلك في انتصاره في النهاية على الخوف من الجنون حين يجمع ابولينير شتات نفسه ويثق بقوته العقلية :
هنا نحن وحدنا في زنزانتي
ايها السطوع الجميل
ايها العقل العزيز
تتضح في هذه القصائد سيطرة ابولينير التامة على ادواته الفنية وسرعة  تفاعلها مع المعاناة التي غالبا ما تقود الاخرين للصمت او للهستيريا.
شكلت فترة السجن فصلا قصيرا من فصول حياة زاخرة بالعنفوان استنفذ فيها ابولينير كل ما منحته اياه باريس. ولعله الشاعر الوحيد الذي خرج من عالم عام 1914 المندثر دون ان يفقد الاحساس بالمباهج والامال التي حملتها له الحياة. فهو لم يكن على خصام مع المجتمع او العالم ولم يكن لديه اي احساس بالذنب او النقص، فحيويته العارمة وطبيعته الودية الاليفة الى اقصى الحدود ربما قادته في كثير من الاحيان الى الوقوع في حب نساء لم يكن ملائمات له، ولكنه بعد ان يعبر المراحل التقليدية للفرح العارم او عدم الوثوق بالنفس والكآبة والفشل النهائي، ان ما يلبث يعود ذلك الشاعر المرح المبهج الساحر المصمم على التمتع بآخر قطرة من قطرات الحياة. لقد تطور فنه ولم تظهر اية ملامح للتدهور في موهبته. واذا لم يكن دائما حسن الطالع في مغامراته العاطفية فقد كان دائما محظوظا باصدقائه الذين الهموه طاقاته الخلاقة وعواطفه المستمرة. حين بلغ سن الرابعة والثلاثين زج به في آتون الحرب. لم يكن ابولينير مواطنا فرنسيا ولكن فرنسا كانت وطنه الوحيد وقد احبها بتفان كبير. لقد واجه التحدي بشجاعة زاد منها عدم خوفه من الاخطار المنتظرة وقال :” يا اصدقائي،انني احس بالزمن الزاحف .. فلننهض ايها الاصدقاء امام الموت الذي ينادينا ” . تحمل بمرحه المعهود كل ارهاقات واهانات الحياة العسكرية واحب رفاقه وكان فخورا بحصانه وبنادقه، حارب على الجبهة الغربية واستلهم منها عددا من القصائد البارزة التي كشفت جوانب جديدة من جوانب عبقريته. لقد تمتع بتلك التجربة وكان صادقا حين قال :
يا الهي ما اجمل الحرب
باغانيها وفترات الراحة الطويلة فيها
يرجع احساس ابولينير بالسعادة في معظمه لايمانه بانه انما كان يتصرف التصرف الصحيح فهناك الان هدف واضح لحياته له مسيرته وغايته. لقد امده حبه لفرنسا برسالة اسبغت الاهمية على كل شيء يفعله. وها هو يحس بأن الجنود الذين وقفوا مثله للدفاع عن فرنسا انما هم علامة الهية من علامات مصيرها :
نحن على الارض قوس
انصع من قوس قزح
كما تدفقت الحياة فجأة بالنقوش البارزة في اسفل قوس النصر وبكل الرموز الوطنية القديمة وتسربلت كلها بالجمال والهيبة. لقد آمن بان الشاعر يتمتع بدور خاص في هذه القضية وبأنه من خلال شعره، يتحتم عليه ان يبشر بالعالم الاجمل الذي سوف ينبثق من تحت الاشلاء، وان يرتفع بالصلاة التي سوف تخلق مثل هذا العالم:
امنحي يا فرنساي مستقبل الجموع
غني تلك الاغنية التي افتتح بها الغناء
الغناء المقدس،
فبهاء زماننا
سوف يلهمك المزيد من القوة والانبثاق
هذا الغناء الذي اناضل كي اجمل به المساء
لأمجد مجد جمال الواجب
كان ابولينير طيلة الشهور التي قضاها في الجبهة مشدودا برؤى داخلية الى فرنسا، تلك هي المثل التي حارب من اجلها والحياة التي عرفها واحبها وتمنى ان يزيد من عطائها وثرائها.
لم يحزنه الاضطراب والفوضى في سوح المعارك، بل رأى بنظرته المرحة الكثير من التفاصيل الدقيقة غير الملحوظة والكفيلة باسعاده وابهاجه. فهو يحس بالتناغم مع الصواريخ وهي تحيل الجبهة الى منظر من الالعاب النارية، والقذائف وهي تصفر في الهواء حاملة الوعيد المشؤوم بالموت، وحياة الخنادق والاشجار المسودة بدخان القصف. وهو يبتهج لتناقض ذلك مع غناء الطيور وانبثاق الزهور المفاجئ ومجيء الفجر والغروب وتسلق النجوم. هكذا عرف كيف يعبر عن احاسيسه بايجاز مميز ودقيق اشبه ما يكون برعشة قذيفة نارية:
الهواء ممتلئ بكحول مرعبة
او بعلامات الصواريخ في السماء :
تلك هن الغواني يرقصن باعينهن واذرعهن وقلوبهن
او الصدى البليد للقذائف :
المدافع  تدوي في الليل
كأنها عاصفة بعيدة
او كأنها قلوب يستبد بها السأم
السأم الذي استعيده كل يوم
او الفئران وهي تنهش الجثث:
غير ان الفأر  ينسل في الجثة ثم يمكث فيها
او العصفور وهو يغني :
الا اصغ ! انه يغني بحنان
لا ادري فوق اي غصن
فهو يسحرني في كل مكان
في الليل والنهار، اسابيع وآحاد
فابولينير لم يكد يترك شيئا في  ذلك المسرح الغريب المدهش، الحرب، دون ان يلفت انتباهه او يجد فيه مصدرا للانبهار والاثارة. وقد ساعدته تجربته في الجبهة على تطوير تكنيكه واستخدام الصور بشكل جديد يتلاءم ومحيطه الجديد. فالحرب انما تخلق شخصية مزدوجة لهؤلاء الذين يشاركون فيها.  فهي دائمة الحضور وليس هناك اي خلاص من تلك الاحوال الشاذة التي تفرضها على ضحاياها. ومن جهة ثانية، فان افكار الجندي تتحول تلقائيا نحو ما هو مألوف وطبيعي، نحو علاقاته الخاصة وغرامياته في وطنه وفي مثل هذه الحالة المزدوجة، تصاب افكاره بذكريات الوطن وباحساس لا يقل حضورا هو الاحساس بالحاضر القائم. هكذا لا محالة من عدم اختلاط معاني الحياة الاولى بالثانية .
ادرك ابولينير هذا الوضع المزدوج الذي هو وضعه بالذات. لم يكن هناك من يفوق ابولينير في تقديره للحياة التي خلفها وراءه في باريس او لذلك التواجد الغريب اللاطبيعي الذي فرضته عليه الحرب. وهو يصور ذلك في كثير من الاحيان ببساطة متناهية كما فعل في ” توافقات ” حيث يدخل اسير الماني الخطوط الفرنسية بينما هو في حالة ذهول يفكر بعشيقته، او كما فعل في ” عصفور يغني ” حيث يسمع الشاعر طيرا يغني فيتصور ان حبيبته مادلين قد اخذت تستيقظ. ينتقل ابولينير من تلك المؤثرات البسيطة الى مؤثرات اكثر تعقيدا، حيث يقوده منظر الاسير الى التفكير بحبيبته ويتحدث عن ذلك بلغة الحرب :
حبنا اشعاع
يوجهه بروجكتور القلب
نحو حرارة القلب المماثلة
المنتصبة فوق فنار مرتفع
ويتحول العصفور الى رمز للحب الذي يحمله كل جندي، واولهم الشاعر نفسه.
ايها العصفور الازرق الذي مثل القلب الازرق
قلب حبيبتي السماوي
اعد اغنيتك الهادئة
اعدها امام الرشاش القاتل
الذي يفرقع في الافق..
وبعد .. هاهي النجوم تنتشر
وها هي الايام والليالي تمر
بمثل هذه الطريقة في استعمال الصور يربط ابولينير بين نوعين من التجارب المتواجدة في نفسه الموزعة مبينا كيف يتغلغل مشهد الحرب في افكاره المنشغلة بالحب ويتحول من خلالها الى شيء اكبر دلالة.
لقد فتح هذا الاسلوب الطريق امام نجاحات جديدة، اذ يقترن عنف الحب بعنف الحرب. ففي ” رئيس الفرقة ” يستخدم ابولينير لغة الهجوم للدلالة على عنف عاطفته:
سوف يمتلك فمي حرارة جهنم
سيكون فمي لك جحيما من الحلاوة والاغراء
ملائكة فمي سوف تجلس على عرش قلبيا ك
ولسوف يبادر جنود فمي بالهجوم
هكذا يحول الشاعر، الذي هو جندي في ذات الوقت، تجاربه الى مادة خاصة تتجاوز حدود المجاز عاكسة حالة فكرية مزدوجة. وتتضح في قصيدة ” زارع الكرمة ” الحالة التي يصبح فيها البشر بفعل الحرب جزءا من الطبيعة ويتشربون بعض طاقاتها الى صميم اعماقهم. يرى ابولينير الاعناب وهي تنمو ويستبد به الخيال  فاذا بالجنود وكأنهم قناني الخمر وهو نفسه زارع الكرمة .
صباح الخير ايها الجنود يا قناني الشمبانيا او الدم المختمر
سوف تخلدون للراحة بضعة ايام
و تتسلقون ثانية جذوع الكرمة،
وانتم تترنحون
هكذا ابعث بقناني كلها
 مثل قذائف مدفعية ساحرة.
ففي ذلك الجو المشبع بالكرمة، هكذا يحس الشاعر بانه هو ورجاله وما حوله متحدون جميعا في تناسق خفي. فهو يرى في تلك الحياة والقوة المحصورتين في حدود قنينة الخمر صوراً ملائمة للجنود الذين يندفعون بمثل تلك الحياة والقوة الى اداء واجبهم. وفي قصيدة ” محيط الارض ” يفرغ ابولينير ذلك الاحساس المألوف لدى الجنود بقالب مسرحي. انه الاحساس بالضياع ضمن عوالم غريبة وشاسعة. يقارنه بالبحر وينغمر في عالم الخيال فيبني بيتا تحت الامواج بين مخلوقات الاعماق. غير ان ذلك المسكن لا يوفر الطمأنينة نظرا لوجود الوحوش الغريبة التي يمكن ان تهدده.
الطائرات تضع بيضها
انتبه !هناك من سيلقي المرساة
فالاحساس بذلك الوجود المزدوج انما يستمر حتى في ابعد اغوار الاحلام، والصورة توحي بصعوبة الهرب من ويلات الحرب التي لا يمكن درؤها.
ان البهجة التي يجنيها ابولينير من المناظر المرئية التي تمنحه الفرص لتطوير اخيلته لم تستطع ان تحول دون احساسه بعنف التواجد في ساحة المعركة، او المشاركة في احزان البشر الخاضعين للعذاب والموت. فهو رغم وصفه لرفاقه بأنهم ” القلادة التي تحيط بعنق فرنسا “، لم يغفل ماهيتهم الانسانية، فهو يستثار بتلك المهزلة الخاطفة، الموت ، وهو ينقض على اربعة من الجنود بينما هم جالسون يتبادلون الذكريات. وهو يرى الدورة اليومية في الخنادق وما تحمل من مآس انسانية: الرجل الذي افقده الغاز بصره والقبطان الذي يترقب اخبار امريكا من الراديو والجندي الذي يقوم بنشر اخشاب التوابيت والاسير الالماني الذي يحمل خوذته بين يديه والاغنيات التي ترتفع قبل بدء الهجوم.
لقد حمل ابولينير احساسا عميقا بالوجود متمثلا بلحظات طفولية بهيجة وانغمار عميق في اللحظة الراهنة وضعف امام الخذلان والموت المحتم. جنوده جزء لا يتجزأ منه وقد شاركهم الامهم بين الوحول وفي البرد القارص. ولعل اكثر القصائد تأثيرا هي قصيدة ” اهة جندي من داكار ” التي يروى فيها قصة جندي افريقي يجد نفسه في خضم عالم مفرغ من كل الفة ومعنى، الجبهة الغربية. انه يفكر ببيته في قريته الافريقية باغانيها ورقصاتها وممارسات الحب والاحاديث الطويلة، بوالده الذي حارب ضد الاشانتي،  بامه العرافة، بأخته ذات النهدين الصلبين مثل قنبلتين ” ، بكل تلك الاحداث الغامضة التي جعلت منه جنديا، بالصحراء وسماواتها الرائعة. لغة القصة بسيطة بساطة الموضوع نفسه. هكذا نحس بتلك البلبلة التي اصابت الافريقي وهو يتساءل:
فلماذا لا نرقص ونركض
ونأكل، ثم نحلم
 لقد تجاوبت رقة ابولينير مع احزان الحرب وقادته الى تصويرها بشفافية مؤثرة. لقد كان هو نفسه احد ضحايا تلك الحرب. ففي 17 اذار 1916 اصيب
ابولينير بشظية جرحته في رأسه وفطرت جمجمته. وقد بدا بعد العملية الاولى التي اجريت له انه سيظل مشلولا غير ان العملية الثانية اعطته فرصة جديدة للحياة لمدة سنتين. لا شك ان ذلك الجرح قد اتلف صحته العامة وجعله فريسة سهلة للانفلونزا الحادة التي قتلته قبل يومين من عقد الهدنة في عام 1918. لقد احس وهو في ذلك الوضع الصحي المتردي بالاسى والتوحد وبايمان خفي بعجزه عن تحقيق اماله وتجسيد مواهبه وطموحه للانتاج الخلاق. ها هو  في قصيدته ” احزان المغيب ” يصور هذا الاحساس :
فمصائبي ليست اسوأ المصائب
انه ذلك الفراغ القاتل، الغروب
غير ان السر الحزين الذي يزيد من هذياني
اكبر من ان تخبئه روح
ها انذا احمل معي ذلك العذاب اللاهب
مثل كأس مشعة تحمل جسدها المشتعل
مثل قلب جندي يهزج لفرنسا
مثل قلب ليلكة معطرة باللقاح
تشبت ابولينير بالامة لما منحته من عمق جديد في رؤية الوجود واحساس بقيمته، غير انه احس بان الموت في انتظاره ولن يكون في مقدوره ان يحقق الاشياء التي كانت في متناول يده في السابق وبأن الكثير مما انجزه في حياته ليس له اية قيمة حقة.
لقد اعتبره الكثيرون من معاصريه كوميديا او دجالا، ” متسكع الاحلام العشرة” ولم يدركوا بأن مزاجه انما كان انعكاسا طبيعيا لصبيانيته الدافقة. اعتبره الاخرون الاكثر قربا من الحقيقة فنانا ثوريا متمردا وداعية من دعاة القضايا الهزلية ونصير الشعر الساخر. غير ان الصفة المميزة  لابولينير انما تكمن في قدرته على الاحتفاظ بتوازنه واستخلاصه النواحي التي تفيده في الوقت الذي تتعرض فيه مثله للتحديات. تدل اعماله المتأخرة على امتلاكه تكنيكا اكثر نضجا وجرأة مما في اعماله السابقة، وربما يقودنا هذا الى الافتراض بأنه كان بطيئا في استيعاب الاساليب الجديدة وبأنه لو عاش حياة اطول لكان في مقدمة الشعراء التجريبيين. ولكن ذلك الافتراض معرض للشك. فلغة قصيدة ” الرو سية المرحة ” التي كتبها في الشهور الاخيرة من حياته تتمتع بشفافية وخفة مبهجة كما تشكل قصيدة ” احزان المغيب ” انتصارا للاسلوب الكلاسيكي. ولعل ما يتميز به ابولينير هو ان تكنيكه قد تطور دون ان يتغير اساسيا. لقد بدأ بكتابة الشعر وهو واع لمقدار حاجته من الاساليب الجديدة وقد طبق مبدأه هذا على امتداد عمله الشعري. جذبته الافكار الجديدة بالقدر الذي يلائم التعبير عن تلك اللحظات ذات البهجة الغامرة التي عرفها. ولكن تلك اللحظات لم تكن لحظاته الوحيدة، فقد لجأ الى استخدام اشكال مختلفة اخرى بالنسبة لتلك الحالات. لذلك فان اعماله تشكل نقدا عمليا لبعض الافكار التي بدأت ابان الفترة التي بلغ فيها مرحلة النضج والتي بلغت اوجها بعد موته. وقد استطاع ابولينير ان يتخطى شعراء جيله في ادراك ان التكنيك الشعري لا يمكن فصله عن الموضوع وبأن الشاعر لابد وان يكون حذرا في انتقاء الشكل القادر على التعبير عن المعنى الذي يبغيه بكل ابعاده ودقائقه.
ان العطاء الذي يمنحه ابولينير من خلال شعره ليس بالعطاء المحدود المعقد الذي يستعصي على اكثرية القراء. فلربما هو الوحيد بين شعراء هذا القرن الذي استطاع ان يكون شديد القرب من الانسان البسيط وذلك بسبب حبه الصريح للاشياء  البسيطة وتقبله لكل ما تقدمه الحياة. لقد شارك الناس اذواقهم من خلال كل ما كتب سواء كان ذلك عن الحب او الحرب او الحياة الباريسية، كما يكمن تأثيره الخاص في تحليله لمشاعرهم بتركيز فذو، وتحويل التجربة الى شيء جديد ومثير بشكل غير عادي. هكذا تكمن فلسفته الموجهة ورؤاه الموحية خلف تلك التوجهات المتطرفة. لقد آمن بامكانية اغناء الحياة وانمائها وتثويرها من خلال الاستخدام الجديد للكلمات وقد بذل مجهودا كبيرا في هذا المجال خلال السنوات الاخيرة حيث رأى ان بمقدور الشعراء تنوير اكثر الحالات الفكرية تبلداً وتحريك المشاعر نحو وعي اكثر دفقا وحيوية واثارة. هذا ما فعله ابولينير. فهو لم يجمع تجاربه وفق خطة مسبقة ولم يزيف في تقديمه لها باخضاعها للقوالب الفكرية التقليدية. لقد قال ما كان يحس به تماما وعبر عن كل ما يجول بين احاسيسه وعقله المبدع المتلقي لهذه الاحاسيس. لقد ادرك ان الروح الانسانية غنية وذات امكانيات غير مكتشفة وبأنه ليس هنالك من حدود للشعر الحديث خاصة اذا عرف الشاعر كيف يعبر عن احاسيسه واخيلته بحيث يكون قادرا على شمول كل ابعادها. ولقد كان قادرا على ذلك نظرا لسيطرته وتمكنه من الكلمة ولما يمتلكه من احساس بقيمة الكلمات وترابطها وامكانية اخضاعها للايقاعات المختلفة المبهجة. ولهذا فان شعر ابولينير قد عكس بكل صدق وقوة مقنعة نفس ابولينير الفواره والشجاعة، الرقيقة والخيالية .


الفصل الرابع

فلاديمير مايكوفسكي والمستقبلية

حمل الليالى المقفرة

ويدور فزعاً

رغم ما يبدو عليه من هدوء

قائلا لا حد ما :

افلا يعنيك هذا

الست فزعا حقا

اسمع1893-1930
مع اقتراب عام 1914 بدأت معالم انهيار الحركة الرمزية الروسية بالظهور رغم كل المحاولات التي قامت بها هذه الحركة منذ مطلع القرن لإعادة الحياة الى أوصالها. ومع ان الكسندر بلوك، ابرز ممثلي هذه الحركة، قد استطاع ان يكتب فيما بعد بعض احسن شعره، فهو لم يسلم في تلك الفترة من الوقوع فريسة اليأس المشتت. لقد تبدلت المعطيات التي أوجدت ورعرعت الرمزية، تلك الحركة التي كانت قد وجدت تربتها الخصبة لدى اشخاص تحطمت آمالهم خلال سنوات الردة التي تلت ثورة عام 1905 فتوجهوا نتيجة احتقارهم لعالم الواقع الى نوع من التصوف الجمالي. غير ان جيل الشباب الناشئ الذي رفض الاعتراف بالهزيمة، رفض هذا الشعر كما رفض ان يكون التصوف الجمالي بديلا للاهتمام بمشاكل الحياة الواقعية. هكذا انطلق هؤلاء في محاولة للبحث عن نوع جديد من الفن تحدوهم الرغبة في التحرر من القيود الفكرية والروحية والتعبير عما يدور في نفوسهم بكل صدق وصراحة ونقل تجاربهم للأخرين بإيجابية وديناميكية وحداثة. ظهرت نواة هذه الثورة عام 1908 حين قامت مجموعة من الشباب المتأثر بالإنجازات التي حققتها الحركتان الانطباعية والتكعيبية في ميدان الرسم دون التمييز بين سيزان وماتيس او بين فان كوخ وبيكاسو بمحاولة لتثوير الشعر بطريقة مشابهة وجعله اكثر حيوية ومعاصرة. لقد كان شعارهم “الفن الحر كأساس للحياة” الا انهم لم يكونوا دقيقين في تحديد أهدافهم العملية في حين كان هدفهم الأساسي هو التخلص من القوانين والقواعد السابقة متذرعين بأن الفن هو شكل من اشكال الحياة الاكثر دفقا وحيوية، واذا ما تم تخليص الكلمات من مدلولاتها المبتذلة تصبح ذات قوة فذة. وبما ان معظم هؤلاء مارسوا الرسم قبل توجههم للشعر فقد طبقوا على الكلمات مبدأ الفن غير التمثيلي الذي كان قد طبق بطريقة مثيرة على الخط واللون. لا شك ان مارينتي قد ترك اثره على هذه المجموعة وهو يبقى مسؤولا عن جزء كبير من السمعة السيئة التي اقترنت بها المستقبلية الروسية. ولكن مارينتي لم يكن خالق هذه المدرسة. لقد ظهرت الى الوجود قبل صدور بيانه الاول وكان بمقدورها ان تستمر حتى لو لم تسمع باسم مارينتي. غير انه بلا شك هو الذي وسم الحركة باسمها وقدم بعض الافكار والتعبيرات التي افادت منها ودعم رغبة أعضائها في التخلص من الماضي وعلمهم بعض حيل الدعاية والجدل.
جذبت هذه الحركة في بدايتها بعض الشباب من مختلف المواهب وتلقب بها اكثر من شاعر ممن فقدوا قناعتهم بالمثل الادبية السائدة. ولعل ما هدف اليه المستقبليون هو ايجاد شعر متخصص بالحياة الواقعية المعاصرة. في كانون الاول 1912 ظهر بيان يحمل تواقيع دافيد بيرليوك، الكسندر كروتشينيك، فلاديمير ما يكوفسكي وفيكتور خليبنيكوف وكان عنوان هذا البيان “صفعة في وجه الذوق العام” لقد وجد هؤلاء الاربعة انذاك برنامجا مشتركا فأعلنوه، تحدوهم ثقتهم بانفسهم الشابة ورغبتهم في صدم الكبار. ما زال هذا البيان يحمل اهميته :
“الى القراء اول جديدنا واول ما هو غير متوقع. نحن وحدنا وجه عصرنا. ان بوق العصر يدوي من خلال كلماتنا. الماضي خانق. الأكاديمية وبوشكين اشد غموضا من الهيروغلوفية. اقذفوا ببوشكين، بدوستويفسكي ،بتولستوى.. الخ من فوق باخرة الحداثة. ان من لا ينسى حبه الاول لا يتعرف على حبه الاخير .من هو ذلك المجنون الذي يمنح حبه الاخير لعاهرة بالمونت ذات الرائحة النتنة ،هل يعكس ذلك الروح الرجولية لهذه الزمن ؟ من هو ذلك الجبان الذي يخشى تمزيق ذلك السلاح الورقي عن بزة الضفدع التي يلبسها المقاتل بريوسون ؟ هل فيها اي بزوغ لجمال مجهول ؟ اغسلوا أيديكم المتسخة بوحل الكتب التي نقشها عدد لا يحصى من امثال ليونيد اندرييف. كل هؤلاء المكسيم غوركيين، البلوكيين، السولوغيين، الريميزوفيين الاميزشيكوزيين، الشيرينيين الكوزمنيين.. الخ كل ما يريده هؤلاء هو بيت جميل مظل على النهر.. هكذا يجازى القدر الخياطين . من قمم ناطحات السحاب ننظر باحتقار الى تفاهاتهم . نطالب باحترام حقوق الشاعر:
اولاً :    توسيع المفردات بكلمات تلقائية واشتقاقية – تعبير جديدة.
ثانياً:    الكراهية التي لا تسمح بالمهادنة للغة المستعملة حتى الان.
ثالثاً:     اجتناب كل تلك الاكاليل ذات الشهرة الزائفة المصنوعة من فراش الحمامات على رؤوس الناس.
رابعاً:    الوقوف على صخرة الكلمة “نحن” في بحر صيحات القطط وصيحات  الغضب.
واذا كان في كلماتنا هذه ما يعرى الاثارة القذرة “لادراككم الصائب وذوقكم السليم” فان تباشير بزوغ فجر الجمال الجديد في الكلمة المكتفية ذاتيا قد اخذت تهتز فوقها”.
تبدو اثار مارينتي واضحة. فالنداء يرفض ويدعي بانه الصوت الحقيقي للحداثة ويجهر باعلى صوته مؤكدا حقيقتها. فهو يتهم المواضيع “العااطفية” القديمة كالحب والخيال بانه تعامل بالشكل الذي تعامل به بالمونت وبريوسوف، ويشير الى تمجيد المخترعات المكانيكية كالبواخر وناطحات السحاب، فوق كل ذلك يستدعي مارينتي بكل صلاته الواثقة وادعاءاته المغرورة بان اتباعه هم الوحيدون الذين لهم الحق ان يلقبوا بالشعراء.
رغم ما رتكز عليه هذه الدعاءات من تصنع وتبجح فهي تمتلك شيئا من الحقيقة. فلقد بلغ تذمر المستقبليين الروس بعصرهم درجة حادة وخاصة بأدبة الخيالي. لقد وجودا ان الشعر الذي يفترض به ان يجعل الحياة اكثر اشراقا وتنوعا، لم يكن غير اداة تخدير. فخلف انتقادهم هذا للفنون انما يكمن نقدهم للمجتمع. وعلى العكس من مارينتي الذي كان يرى في المستقبلية شوقا للاحاسيس العارمة التي تتنفس من خلال العنف، تمرد الروس على نظامهم الاجتماعي الذ يمتص الروح ويذيبها. وفهم يتسترون بالسخرية للتعبير عن ذلك القلق العظيم الذي يحسون به حين يقارنون بين تصورهم لحياة حرة خصبة الخيال وبين ما تقدمه الاحوال القائمة. فالمستقبلية الروسية ثورية في اكثر من مجال. فهم يعبرون عن كرههم للدين بكرههم للشعر الصوفي، هذه الكراهية التي عبر عنها لينين على خطى ماركس، حين قال “الدين افيون الشعوب” وعدم احترامهم للماضي ليس الا مظهرا من مظاهر الاحتقار الثوري لتلك المحافظة الرومانتيكية التي قدمها النظام القيصري كبديل للاصلاح. هكذا كان الإحساس بالطاقة الكامنة والرغبة في إطلاق هذه الطاقة الى العالم طبيعة الجيل الجديد الذي أرهقته القيود والاحباطات حتى كاد صبره ان ينفد.
حين زار مارينتي روسيا وجد نفسه عرضة لهجمات واستنكار المستقبليين الروس الذين كان يعتبرهم تلامذته. قد قززتهم اراؤه ورفضوا ان يكونوا مدينين بشيء لإنسان يحمل مثل تلك الاراء. لقد تجسدت فيهم الروح الثورية التي كانت قد أخمدتها الردة الروسية عام 1905 فعبروا عنها بنظرياتهم وممارستهم الفنية، فهم فنانون والفن هدفهم الاول. ومع ذلك فان أفكارهم لم تكن بعيدة عن عالم السياسة لابل ان آراءاهم السياسية هي التي كانت توجه عملهم الشعري.
من بين الاربعة الذين وقعوا على بيان “صفعة في الوجه” كان هدف كل من بيرليوك وكروتشينيك وخليبنيكوف الاول خلق المفردات الشعرية الجديدة التي صبوا عليها جل اهتمامهم. أما رابعهم، فلاديمير مايكوفسكي فلم تكن تعنيه هذه الاعتبارات النظرية كثيرا. فقد جذبته المستقبلية لاكثر من سبب. احب طبيعتها الثورية لانه متمرد بالاصل : التحق بالحزب البلشفي عام 1908 حين كان لا يتجاوز الخامسة عشرة، وقبل العشرين كان قد اعتقل ثلاث مرات “لنشاطات تخريبية”، وفي عام 1909 التقي مع بيرليوك الذي جعل منه شاعرا. فهوا يقول: “قرأت ما كتبت امام بيرليوك، قلت له ان صديقا كتبها، توقف دافيد ونظر الى من اعلى الى اسفل وتثاءب ثم قال: هل كتبتها انت؟ انت عبقري.. طرت فرحا بهذا اللقب الفخم اللاموهوب.. انغمرت في كتابة الشعر.. في ذلك المساء وفجأة صرت شاعرا”.
وجد مايكوفسكي في المستقبلية مجاله الفني، فهي تبحث عن الخلاص من الماضي وخلق نوع جديد من الحياة. لعل مشاعره الثورية عاطفية وغريزية ومع ذلك فهي الباعث الوحيد لوجوده. لقد امتلك تجاوبا حقيقيا مع جموع المضطهدين وعمل بينهم تحت اسمه المستعار الرفيق كونستانتين. استحوذت ثورة 1905 على سنوات صباه واقتنع من خلالها بقدرة الاشتراكية على ابراز الحقائق وتنظيم العالم. وتردت احواله وخاصة بعد موت ابيه عام 1906 وعرف في تلك الفترة معنى الاضطهاد ومعاناة المحرومين. غير ان شيئا يصعب تعريفه كان اقوى من كل هذه العوامل. ففي مطلع شبابه كان مايكوفسكي يطمح الى نوع من الحرية الشخصية اقرب ما تكون الى الحرية التي نادى بها بوشكين. انها رغبة الفنان في تحقيق ذاته باي ثمن كان، رغبته في ان ينفلت من كل القيود والضوابط الخارجية والداخلية التي تعترض تطوير وتحقيق شخصيته. رغب في تحقيق ذلك للاخرين ايضا، فقد عرف عنه وهو تلميذ مدرسة الفنون نصرته للتلاميذ الذين يخضعون للمضايقات. وانه في الاصل، متمرد يحب الحرية ويحس بان هذه الرغبة هي رغبة ديناميكية تبتعث الالهام. كان في شخصيته القوية تصميم اكيد على تحقيق كل محاولاته والتعامل مع العالم بأسلوبه الخاص. فالعنصر الخلاق الذي جعل من مايكوفسكي شاعرا كان نابعاً من تلك الطاقات الضخمة التي احس بها في كيانه ورغب في ممارستها.
مايكوفسكي شخصية غير عادية في عالم الادب الروسي لاكثر من سبب واحد. فرغم انه عاش طفولته في القوقاز، الا انه كان مدينيا بشكل بارز . استمد إلهامه من موسكو وبطرسبرغ، ومن البشر الذين لقيهم هناك من الطبقة المعدمة التي ينتمي اليها. وهو لم يكن مثقفا ثقافة عالية ولكم يكن مهذبا بالمعنى الضيق للكلمة. وهو غير مدين بنظرته الشعرية لاي من كبار الشعراء السابقين، ويبدو انه لم يمر باية مرحلة تجريبية ادبية. هذه العوامل ميزته عن غيره منذ البداية، فقد امتلك نظريته الخاصة وفكرته الخاصة حول ما يجب ان يكون عليه الشعر. كمنت موهبته الخلاقة في ذلك الاحساس المتميز بالنسبة للكلمة، وقد ساعدته اذنه المرهفة على ايجاد ايقاعات جديده خاصة به خلصته من الايقاعات التقليدية. وكان نافذ الرؤية للحياة المدينية التي زودته بنوع جديد من الصور كما جعلت منه عواطفه التي كبتتها واغنتها سنوات الاضطهاد أنسانا عملاقا حتى بين أصدقائه ومنحته القدرة على التدفق بالشعر تدفقا. ولم يكن المزاج الثوري وحده هو الذي دفعه الى نبذ القيود التي يفرضها “الذوق السليم” فطبيعته كانت تفتقد الكياسة والرقة بالأصل ولم يكن معنيا بالأثر الهارب او الظلال الرقيقة بل استعاض عنها بالقوة والحيوية. واذا كان يبدو في كثير من الأحيان فظا ووحشيا فلانه لم يكن يتردد ابدا في مواجهة الحقائق والتعبير التام عما يجول بنفسه. وان ذلك العنصر البدائي، بكل مثالبه ومناقبه، قد جعل منه شاعر التغيرات الكبيرة التي ستحدث في روسيا، تلك التغيرات التي عاشها ودعا اليها، وكان تلك الطاقات الحبيسة في الشعب الروسي قد وجدت فيه صوتها المعبر بما يمتلك من عنفوان ونظرة بسيطة للحياة.
قام المستقبليون بين عامي 1913 و1914 بجولة في المدن الروسية قرأوا خلالها نتاجاتهم لجمهور كبير من الناس الذين توزعوا بين محب وغير متفهم لهذا النوع من الشعر. لقد حظي مايكوفسكي في هذه الجولة بالفرح العظيم واستطاع بقامته الطويلة ووجهه الوسيم وصوته الرخيم وبديهته الحاضرة ان يثبت جدارته كخطيب جماهيري. وقد اثرت هذه الجولة وهذا النجاح في مسيرته الفنية، فهو بالاصل ذو قدرة خطابية ساعدته على استخدام اللغة العنيفة القوية، كما ساعدته هذه الجولة على تطويع لغته وأوزانه بما يتلاءم ومتطلبات الالقاء حيث ان اللغة التي يستخدمها كشاعر مستقبلي لغة تجريبية غير عادية، ولكنه تميز عن بقية زملائه بعدم لجوئه الى اللغة التجريدية واعتماد لغة الحديث العادي وحتى العامي منه، وهي لغة اشد قوة وحدة من التي يمتلكها الأناس العاديون. استغل مايكوفسكي كل الإمكانيات التي تسمح بها اللغة المتداولة للتعامل مع التركيب اللغوي وتكوين المفردات. حذف حروف الجر حين رأى ضرورة لذلك، استخدمها احيانا بدلا من كلمات الحال والظروف كما اخترع العديد من الكلمات والتركيبات الجديدة. ونظرا لان اللغة الروسية اسمح بكثير من اللغة الانجليزية فان اختراعات مايكوفسكي لم تكن كثيرا من الاحيان ملفتة للنظر او مستعصية على الادراك استغل طريقته الخاصة في الكلام واستخدام المقتبسات الشعرية الشعبية وقلب بعض الاشعار المعروفة الى صيغة تهكمية، بدل الكلمات وقلد الاصوات وكانت نتيجة كل ذلك لغة متفجرة خاصة به. وكان يبذل جهدا كبيرا في سبك قصائده ولا ينتهي من كتابتها الا بعد عدة مسودات تظهر القصائد بعدها خالية من كل تكلف او تصنع. وهكذا يبدو كل شئ سهلا للغاية وكأن مايكوفسكي يتكلم بطريقة تلقائية.
يحتل الوزن اهمية في القصائد المخصصة للالقاء. تخلى مارينتي عن الوزن بينما تبنى خليبنيكوف، زميل مايكوفسكي، اوزانا وقوافي منتظمة ادت في كثير من الاحيان الى عرقلة التدفق الطبيعي. ولكن مايكوفسكي اوجد حلا وسطا بين الاسلوبين. فقد احتفظ بالوزن والقافية ولكنه جانسهما مع التدفق الطبيعي للكلمات. وابتكر في مستهل عمله الشعرى شكلا يزاوج بين الشعر الحر والقافية حيث اتخذ من الجملة الواحدة وحدة له واستخدم القوافي للتأكيد على نهايات الجمل. يوضح المثال الاتي هذه الطريقة :
ليس هناك شعرة رمادية واحدة في روحي
وليس لي شأن مع الرجال الكبار المهذبين
العالم يهتز بصوتي الجهوري
وها انا امضي وسيما
وفي الثانية والعشرين
أدرك مايكوفسكي قيمة المناجاة في الشعر وأحرز تأثيرات هامة من خلال استخدام بعض القوافي المعينة. ومهد له الرمزيون هذا الطريق ولكنه تخطاهم في ذلك. لقد استطاع ان يحقق باللغة الروسية ما حققه براوننغ باللغة الانجليزية، بشكل اوسع وباهتمام اقل بالنسبة للتأثير الصوتي، فهو تارة يستخدم القافية الغنية وتارة السجع وتارة اخرى التكرار، ولا تعطي هذه القوافي معنى السخرية الا اذا قصد ذلك، لا بل هي تساعده على نقل نبرة الحديث العادي وتشد المستمع في انتظار ما سيأتي. فالقوا في ادوات خطابية تمنح شعر مايكوفسكي جوا مشحونا بالحدة.
اتسم شعر مايكوفسكي قبل عام 1917 بالتطور الطبيعي المتناسق حيث كان الشاعر يعمل على استثمار وتحسين تلك الادوات التي ابتكرها عندما اكتشف نفسه شاعرا. وشعره في تلك المرحلة ذاتي تظهر فيه كل التناقضات التي يمكن ان تتوقعها من انسان متمتع بتلك الحيوية المحصورة ضمن مجال محدود. ومن الطبيعي والحالة هذه ان يكون في بعض الاحيان شديد الثقة بنفسه وان ينحدر في احيانا اخرى الى حالة من السخرية والاتضاع. فثقته بطاقاته انما كانت تخضع لمعرفته بان العصر كريه جدا بالنسبة له وبان فرص تغييره ضئيلة. وكما حاول اصدقاءوه المستقبليون ان يلفتوا الانتباه لا نفسهم بنقش الرسوم على وجوههم، كذلك اعتاد مايكوفسكي على ارتداء ربطة عنق ضخمة اعتقاداً منه بانها تترك اثرا مميزا. وكذلك كان شعره. فقد سمى احدى قصائده المبكرة في عام 1913 “أنا” وتحدث فيها عن نفسه بصراحة. كما لعب الدور الرئيس في مسرحيته المسماة “فلاديمير مايكوفسكي” التي مثلت على مسرح لونا بارك عام 1913 والتي حاول فيها تصوير نفسه كبطل خيالي يخوض صراعا مع الاشخاص التقليديين في عصره.
كذلك كونت مشاعره الذاتية الموضوع الرئيس في “سباين فلوت” المنشورة عام 1915. وفي عام 1916 الف عن نفسه مسرحية على غرار القصة الانجيلية بعنوان “الرجل”وقد قسمها على النحو التالي : ميلاد مايكوفسكي، حياة مايكوفسكي، عذابات مايكوفسكي، صعود مايكوفسكي، مايكوفسكي في الجنة، مايكوفسكي في الازل. واذا كان تحقيق الذات في هذه القصائد هو من ناحية ما محاولة تكتيكية الا انه في الواقع حاجة روحية. لقد شعر بالحاجة للتخفيف من اعباء نفسه والتعبير عن عواطفه المتضاربة وتوفير الثقة بالعالم. كان انسانا بدائيا قويا احس احساسا قويا بطاقاته غير الاعتيادية الناشطة في داخله والتي هي بحاجة ماسة للانبثاق.
مزج مايكوفسكي كل تلك العناصر في وحدة واحدة، ثقته بنفسه، اشفاقه على ذاته، سخريته الحادة، قابليته الغنائية، تلك العناصر التي تشابكت وتمازجت ليس في القصيدة الواحدة فحسب وانما في البيت الواحد ايضا تتضح طبيعة مواهبه وترابطاتها في قصيدة “سحابة في بنطلون” التي كتبها عام 1915. القصيدة مقسمة الى اربعة اقسام تتعامل بالتعاقب مع الحب والفن والمجتمع والدين وفق اسلوب مايكوفسكي الخاص المتميز باللمسات الذاتية الواضحة.
يبدأ مايكوفسكي قصيدته بقصة حب تعيس موجها هجومه ضد معظم مظاهر العالم المعني من خلال نوع خاص من الشعر المكتظ بالصور المتميز بالتعبير العنيف وبموسيقية ملفتة للانتباه ومؤثرة في بعض الاحيان. هكذا تتضح احاسيس مايكوفسكي وهو في قمة ازمته. فاندلاع الحرب وفشله في حبه قد استقطبا تلك الطاقة التي دفعت باهم اشعاره المبكرة واكثرها دلالة. لذلك لم يكن غريبا ذلك الاعجاب الذي ابداه غوركي حين قرأ مايكوفسكي القصيدة امامه اذا قال له ” لقد كتبت بكلمات صادقة”. حقق مايكوفسكي من خلال هذه القصيدة اول طموح له بشأن طبيعة الشعر التي يتصورها. “فسحابه في بنطلون” انما تمتاز بالدرجة الاولى بالصراحة والالفة. لم يعرف مايكوفسكي الصراحة الزائفة فتعبيره عن عواطفه قد اتسم على الدوام بالصدق والدقة وهذا ما اضاف الى ميزات فنه. فهو مخلص في التعبير عما يحسه حتى في استخدامه للاستعارات والمبالغات وما العنف الا تعبير حقيقي عن نفسه وليس اسلوبا من اساليب الخطابة. انه يلمس التناقض المضحك بين قوته الجسدية وضعفه المحزن امام الحب فيعبر عن هذه الحقيقة بكل تناقضاتها قائلاً:
ليس هناك من يلاحظ
تلك الكتلة العضلية التي بي
والتي تئن،
عند اول لمسة
ما الذي يمكن ان تبغيه هذه الكتلة
وبمثل هذه الرغبة ؟
آه، ولكن رب كتلة تطلب الكثير الكثير
وهو يصف آلام الانتظار، انتظار مجيء حبيبته وتأثير دقات الساعة عليه :
الثانية عشرة تدق
كرأس يتدحرج فوق المقصلة
تتوتر اعصابه وتتقافز، ويطفح الليل في الغرفة تم تجئ الحبيبة :
فجأة صر الباب أسنانه في الظلمة
كأن اسنان كسارة البندق نفسها لم تتطابق
وحين يسرد ما دار من حديث، ويدرك ان المرأة ستتزوج من شخص اخر ولا شان لها، معه يتقبل ذلك كحقيقة واقعة ويصور احساسه بكل عنفه انه يتقبل هزيمته بطريقة معقولة الى حد الغرابة :
رأيت شيئا واحداً فقط
فقد كنت أنت الجيوكاندا
التي لابد أن تسرق 
وهاهم قد سرقوك
يحاول ان يكون هادئا، غير ان هدؤءه سرعان ما ينهار وينفجر في حالة هستيرية اذ يتصل بأمة بالتلفون محاولا ان يشرح لها ما حدث .
يتميز القسم الاول من سحابة في بنطلون “بواقعيته وصراحته المؤلمة. يعبر مايكوفسكي عن هذه العواطف من خلال مؤثرات متنوعة ومختلفة يبدو بعضها لاول وهلة مدهشا الى درجة تجعلنا لا نحس بفعلها الحقيقي وذلك بما تعكس من عقل مضطرب مشوش نشط الخيال فيه للتعبير عن جملة من العواطف المنفلته من عقالها. ففي الجزء الثالث مثلا يرى الشاعر في السماء المنذرة بالعواصف بوادر وعلامات لاعمال سياسية دموية فيعبر عنها بمقارنة بين السماء والقوى الرجعية :
من خلف الغيوم العاصفة، انطلق الرعد بضراوة
مخط انفخ العملاق بنباح يتردد صداه
تم تقلص وجه السماء بجشع للحظة واحدة
عابسا عبوس بسمارك حديدي
ليس ثمة افتعال في هذا الوصف. اذ من الطبيعي جدا ان تتقمص السماء مثل هذه الشخصية في مخيلة شاعر مسكون برهبة الظلم والاضطهاد. غير ان مايكوفسكي يضع آماله في الثورة لا بل يعتقد لاول وهلة انها هي ايضا غير مجدية، فيستمر في ربطه بين السماء والاحداث السياسية :
وفي السماء، حمراء كالمارسيلييز
يختلج الغروب، ثم يموت
تتوالى الصور. يجي الليل وكأنه الفاتح التترى ماماى أو عميل الشرطة ازيف والعيون لا تستطيع ان ترى من خلاله شيئا لشدة كثافته. تتواتر الصور باحساس مطابق لاندلاع وخمود الاثر العاطفي حيث يتبين من خلالها كيف يستقي الشاعر صوره من تجاربه الفعلية، هذه الصور التي استطاع بطاقته التخيلية وتدفقه العاطفي ان يجعلها وثيقة الصلة بنفسه هو الانسان المحروم من الحب.
لعل ابرز صفة في “سحابة في بنطلون” هي تلك الطريقة التي ينتزع فيها مايكوفسكي اكثر التجارب تهورا. فهو يطلق العنان لتخيلاته باتجاه موضوع يبدو في بادئ الامر وكأنه غير ذى صلة بموضوعه المباشر لكي ينتهي به وقد اصبح جزءا لا يتجزاء من الموضوع المباشر. وهو لا يتوانى عن استخدام اشد الصور قسوة للتدليل على عنف مشاعره، فطبيعته الخاصة بدائية الى درجة لا يمكن مقارنتها الا بالقوى الطبيعية العنيفة. هكذا يرى قلبه الملتهب بالحب. اللهب حريق هائل، وهو يعبر عنه بالمقارن. الكلمات تتدفق منه “تدفق العاهرات من مبغى محترق”. انه يحاول القفز الى الخارج طالبا النجاة :
دعوني افر من ضلوعي كبداية
اقفز، اقفز اقفز
عدت محطما
انت لا تستطيع القفز خارج قلبك
ان ذلك مجاز بالطبع، ولكنه مجاز مرئي بكل صدق ويؤدي مهمته بشكل تام. هكذا نحس وكأن مايكوفسكي قد بلغ حافة الهستيريا وبان الصورة المتكونة في ذهنه قد أثرت عليه الى حد جعلته يؤمن بمعطياتها. ها هو يصف ما يحدث، لقد تمردت الكلمات على ارادته تلك هي حالة حتمية :
وكالاطفال اذ يهربون من المبنى المحترق
كذلك الصور والكلمات المحترقة
تتدفق من جمجمتي
هكذا بخوف
قابضة على السماء
ممتدة
أيادي لوزيتانيا المحترقة
يمثل هذا النوع من الشعر عالما جديدا كل الجدة بالنسبة لعام 1913 وهو بغرابته صادق وشديد الإخلاص. ها هو إحساس مايكوفسكي وقد طوع اداته الفنية للتعبير عن هذه الأحاسيس.
“سحابة في بنطلون” صورة للعذاب الهستيري الذي يعذب الانسان الذي تسيطر عليه مثل هذه الطاقة الهائلة. هكذا يجد  الانسان نفسه اسير ظروف تفوقه طاقة وتصارعه في كل مجالاته. انها قصيدة الروح الثورية الغاضبة.
غير ان الغضب لم يكن سلاح ماكوفسكي الوحيد. فهو ماهر في المناظرة باكثر من اسلوب. ولعل ابرز اساليبه في هذا المجال المبالغة الساخرة التي تزج بخصمه في موقف مضحك وتشوه صورة خصمه تشويها كبيرا من خلال التظاهر بمعاملته بآداب جم. لقد رفض مايكوفسكي بتقزز الفكرة الاورثوذكسية الدينية السائدة في زمنه، غير انه لم يسمح لتقززه ان يسيطر عليه او يثقل يديه. ويبدو هذا واضحا في قصيدته “اسمع” التي يرفض فيها المقولة الدينية التي ترى في نجوم السماء دليلا على وجود الخالق :
اسمع
ألأن النجوم تشع انوارها
هل يعنى ان احداً يصر على ذلك
وهل حقا انها تستجيب لرغبات احد ما
هل يعني ان أحدا وهب اسم اللؤلؤ
لتلك البصقة
وهل هناك من يشق طريقه صعودا الى الله
بعد الكد والكدح في غمار أتربة الظهيرة
خائفا أن يكون قد تأخر عن الوقت
يعتذر
يقبل يد الله الجبارة
ويطلب
إرغام نجمة أن توجد
هل يقسم
انه لا يستطيع 

ألأن النجوم تضيء بذاتها

هل يعني ان احداً يصر على ذلك

هل يعني انها موجودة بمشيئة احد

وبأنها في هذا المساء بالذات

وفوق اسطح المنازل

لابد لنجمة واحدة على الاقل ان تتقد وتلتمع

تلك قصيدة ضد النزوع وضد الدين ولكنها مغلفة ببعض السخرية المرحة. فهو يتعمد التقليد الساخر للاطروحة المضادة، ويعتمد نجاح القصيدة بالدرجة الرئيسة على تلك المقارنة بين تخيلات المتدين ذات المظهر السخيف والطريقة الواقعية التي تعامل بها مايكوفسكي. فهو يحتفظ بروحه الخيالية المسلية في الوقت الذي يؤكد فيه عقلانيته واتزانه. يظهر في هذه القصيدة عنصر الكاريكاتير. لقد كان مايكوفسكي رساما كاريكاتيريا ماهراً رسم العديد من الرسوم المسلية حيث كان يركز على ظاهرة معينة من ظواهر شكل ما ثم يضخمها ويبالغ فيها حتى تستحود على الشكل كله او يبحث عن صفه معينة ملائمة للشخص المعني، صفة تجعل منه شخصا مضحكا. هكذا كانت الرسوم التي رسمها عام 1916. لقد سخر من الاحتكار الإمبراطوري للفودكا فرسم الإمبراطور والإمبراطورة جالسين على عرشهما ممسكين بزجاجتي فودكا بدلا من الكرة السلطانية والصولجان.
يكمن سر نجاح هذه الصورة في المبالغة الخيالية التي تلفت الانتباه الى حقائق يصعب التعبير عنها بالوسائل الاخرى. هناك تناقضات ومفارقات في الطبيعة البشرية ليس من السهل التعرف عليها اللهم الا من خلال بعض اللاواقعية الرمزية. غير ان الكاريكاتير مايكوفسكي اللغوي يتميز بصفة خاصة، هي صفة الشعر فهو يبتكر خلفياته المتفقة وملابسات الموضوع، كما تتعدى كلماته نطاق الكاريكاتير الى مجالات افسح في نقده للحياة. فهو اذ يتدفق بالكلمات لا يقف عند كشف الاخطاء التي يهاجمها بل يتعدى ذلك بحيث يجعلنا نشاركه احتقاره لها وغضبه عليها.
يمكن لعنصر الكاريكاتير ان يقترن بعدد من الشاعر الدافقة الاخرى، وقد نجح مايكوفسكي في ان يكون ناقدا لاذعا للمؤسسات الاجتماعية التي تجترئ على حقوق الإنسان، تلك الحقوق التي ميزها بنفسه وادرك ماهيتها. تبين قصيدة “ترنيمة للقاضي” التي نشرت عام 1915 مدى قدرته على استخدام الخلفيات الخيالية لتثبيت هجومه العنيف على انماط معينة من الناس. هنا يتغنى عبيد المراكب بجنات غابات البيرو التي كانت في يوم ما وطن الانسان البدائي، حيث أشجار الموز والتفاح وحيث الخمر والطيور والرقصات :
وكانت عينا القاضي علبتا صفيح
تلتمعان في صندوق قمامة
وعين القاضي “كالحة كيوم الصوم الكبير” يخبو أمامها ذيل الطاووس الملون بالأزرق والبرتقالي، بينما يقوم بقتناص الطيور المحلقة فوق السهول ثم ينتف ريشها عنها. لقد خبت نار البراكين الصاعدة من الوديان لان القاضي قد علق انذارا يقول فيه “يمنع دخول المدخنين الى الوادي”. بالطبع تبقى اشعار مايكوفسكي محظورة ” كالمشروبات المخدرة” وثم تفقد البيرو طيورها وبشرها. لقد غدت ارضا جرداء:
حيث يعيش القضاة الجالبون للغم
في سرداب القوانين المسورة المشؤومة
لقد شحنت القصيدة بإحساس دافق من البغضاء لهؤلاء الذين يدمرون فرحة الحياة في ظل نظام لا أنساني. غير ان مايكوفسكي لا يفقد ضبط نفسه ونقده مشحوذ وصوره كبيرة الفعالية.
استخدم مايكوفسكي الكاريكتير حتى ضد نفسه وظروفه معبرا بذلك عن التناقض القائم بين اماله وطموحاته السياسية من جهة والعالم المتواجد من جهة اخرى. وقد وجد في ذلك مجالا رحبا للهزء والسخرية. ومع استمرار  الحرب، مالبث ان اكتشف الهوة المتنامية التي تفصله عن ابناء شعبه وشعر بانه انسان مضحك غير متجانس مع هذا العالم. عبر عن مشاعره هذه في قصيدته “روسيا” :
هكذا امضي
كنعامة قادمة من البحار البعيدة
الشعر والقوافي والاوزان ريشي
ها هو لم يزل غير قادر علي الانتماء لذلك البلد المكبل بالثلوج وهو يحلم بالارض المحترقة ذات الرمال والواحات. وذلك هو نصيبه من الحياة وهو يستدير بحزن طفولي الى امه التي تقف عاجزة عن مساعدته. ويواصل حياته في الشمال دون الفة او مودة : في الشوارع الطويلة حيث البرد والمطر وحيث يتحتم عليه ان يمضي بطوله الفارع، وينتهي متأوها :
ربما سوف اختفي
غريبا قادما من البحار البعيدة
في غضب أشهر ديسمبر كلها..
فهو يجد في النعامة انسب صورة لنفسه، ويفصح عن مشاعره بذلك التصور المفعم بالخيال وروح المرح والرثاء للنفس.
يضج هذا الشعر بالاخيلة والتصورات. وتلك ميزة مايكوفسكي بما يمتلكه من موهبة في رؤية العلاقات التي تربط الاشياء ببعضها، هذه العلاقات التي يتعذر تمييزها في الحالات الاعتيادية. وان طريقته في تحليل التجربة طريقة خاصة به وهو يعبر عنها بقوة خاصة وببداهة تامة الحداثة.
فهو يزدرى التشبيه والمجاز القديمين ويستمد صوره الجديدة من الشوارع والحانات حيث ملاذة الحقيقي. فالصورة لابد وان يكون لها تأثير مباشر وسريع مذهل، ان تحقق هدفها بسرعة فائقة، ان تستحوذ على القارئ وتجعله كحقيقة واقعة. ولشد ما يحرجه الكلام الغبي :
على رصيف نفسي المثقلة بدوس الاقدام
خطوات المجانين
توزع كعوبا من الكلمات الجارحة
واشعاره حادة وضرورية مثل “نكاشة اسنان”، وهو لا يحترم الجمهور الذي يطلب منه غير ذلك :
افكارك
تحلم فوق العقل المتبلد
كخادم مخمور فوق عربة ملطخة بالدهن
بهذه الروح، قذف مايكوفسكي بصورة المتنوعة الغريبة الى قلب قصائده. واذا كانت استعاراته لا تتمتع بالطاقة فهي دقيقة وجارفة. تتضح قوة صورة بالأمثلة التالية : فهو يصف نفسه “وحيداً كالعين الواحدة لرجل يعيش بين العميان” وعن اللغة الشعرية التي هي “كنبض الجسد”وذوبان الثلوج في المدينة “هكذا يتساقط تلج الشارع كأنف المصاب بالسفلس”. لشد ما يعجبه التعبير عن الاشياء التي تثير الاشمئزاز ولكنه في ذات الوقت يمتلك القدرة على التعبير عن المشاعر غير الراعبة فيصف الحب قائلا:
انني انما ارتجي جسدك فقط
كما يرتجي المسيحي :
“اعطنا هذا اليوم
كفاف خبزنا”
او :
سوف أرعي جسدك أحبه
كما يرع الجندي الذي خذلته الحرب،
ساقه الوحيدة
لم يسبق ان استخدم شاعر مثل هذه الصور التي استخدمها مايكوفسكي، ومع ذلك فقد استطاعت ان تنقل الأثر الذي أراده لها وان تولد الانطباع الدقيق عن مشاعره.
يدور شعر مايكوفسكي حول نفس الشاعر. وليس من السهل لشاعر مثله ان يفعل غير ذلك، فهو انما كان يدافع عن موهبته الشعرية الثرة وما تعنيه هذه الموهبة له في عالم لم يكن له ما يكن من عداء. فهو حين يكتب عن الحب، انما يتحدث عن عذابه ونادرا ما تتغلب الرقة والهيام على رغباته في التملك وانتزاع النصر. فالشعر لدى مايكوفسكي انما ينطلق من ايمانه العميق بامتلاك طاقات متميزة تدفعه للخلق. غير ان الانغمار بالذات لا تقابله ثقة مماثلة بالنفس. انه يوحي في كثير من الاحيان بانه ليس سيد نفسه وبانه لعبة في يد القوى التي لا يمكنه السيطرة عليها والتي من شأنها ان تحطمه اذا ما اغفلها. يراوده مثل هذا الشعور في حالة الحب، فيساوره قلق شديد ازاء هذه العاطفة التي تنخر في ثقته بنفسه وتجعله فريسة لقوى مجهولة. وتبدو هذه المشاعر في قمة وضوحها في قصيدته الرائعة “الى نفسي المحبوبة أهدى هذه السطور من المؤلف”. تدور قصة القصيدة حول أربع نساء وقعن في حبه وهو يرفض هذا الحب لأسباب ليست كالتي يمكن ان تتوقعها، فهو يشعر بأن الخضوع عمل ضخم ورهيب ويجب ان لا يحدث. تدفق القصيدة عبر سيل من المبالغات الخيالية المتألقة مخفية وراءها عاطفة صادقة هي رغبة الشاعر في عدم الاستسلام، وذلك لان الاستسلام سوف يجعله فريسة لقوى غريبة لابد وان تنطلق من عقالها لكي تهز العالم. ولاجل ان يبعد صفة الصرامة والجدية عن نفسه، يتخذ شكل المبالغات المرحة والمفارقات الغريبة :
لو كنت صغيرا 
مثل المحيط الكبير
لوقفت على رؤوس أصابعي فوق الموج
وغازلت القمر بأمواجي
ولكنني وقد أصبحت محبوبا هكذا
اين أستطيع ان اذهب
وأنا كبير على هذا النحو
فتحت هذه السماء الصغيرة
لا يمكن لهذا الحب ان يختبئ
ويخشى اذا استسلم لهذا الحب ان يقضي على نظام حياته غير انه يحس بانه يقف خارج الطبيعة ولا يمكنه ان يستسلم :
لو اطلقت فقط
صوتي الجبار، بكل عنفوان
لمدت الشهب اياديها الملتهبة
وتهاوت من الشهوة
لو كنت فقط
معتما كالشمس
لقضمت الليالي بضوء عيني
يتحتم على ان لا اعانق بابهائي الماء
صدر الماء الذابل
يتحتم على ان امضي
ساحبا حبيبي معي
اية ليال من العذاب والهذيان
تلك التي  سانجب فيها
جولياثات ضخمة
لا تجدى شيئا
تستمر القصيدة بمثل هذه المفارقات المرحة مخفية تحت ردائها خوفاً حقيقيا، تلك هي طريقة مايكوفسكي في الهروب من الخوف.
تدفقت كل قصائد مايكوفسكي المبكرة انطلاقا من الاحساس بتلك القوى العظيمة المتواجدة في نفسه المتصارعة مع العالم. فالمبدأ الخلاق هو تلك القوة المركزية البدائية التي اكتشفها مايكوفسكي في نفسه. وقد منعه ايمانه بضرورة الحفاظ عليها وممارستها مهما كلفه ذلك من ثمن من الخضوع لكل ما يتطلب منه التضحية بادارته وفكره. سبب له هذا الموقف مشاق كثيرة وجعل منه انساناً متمردا في عالم الادب. لم تكن موهبته كمواهب الاخرين ولكي يكون مخلصا لغريزته الشعرية الشاذة لابد وان يكون مخلصا لذاته، وهكذا رفض تقبل المقاييس الادبية التي تبعها الاخرون ولم يستطع اخفاء احتقاره لهم ولاسلوبهم الحياتي. هاجم مايكوفسكي شعراء عصره التقليديين في قصيدته “اخواني الكتاب” التي نشرها عام 1916 وقد استهل هذه القصيدة بالتعبير عن ازدرائه لاسلوب حياتهم وعاداتهم.
من الواضح انني لن اعتاد الجلوس في البريستول
اشرب الشاي
واقول الأكاذيب المنمقة
سوف اقلب الكؤوس
واتسلق المائدة
واستمعوا إلى استمعوا إلي
ياإخواني الادباء
انتم تجلسون
لقد عريت اكواعكم من طول الخربشة
ارفعوا عيونكم عن الكؤوس التي لا تفرغ، وانظروا
انفضوا خصلات شعركم عن اذانكم
يتطور احتقار مايكوفسكي لزملائه الشعراء الى موقف اشبه ما يكون احتقاراً للحياة الادبية بكل صورها، ويذكرهم بفيلون الذي تحول الى لص بعد ان انتهى من الكتابة، كما يذكرهم بمباهج الحياة. فهو يرفض مواضيعهم القديمة العاطفية، تلك المواضيع التي تدور حول الخدم والقصور والحب والزنابق ويقول بانه لو كان هؤلاء شعراء حقا لبصق على الفن كله :
افضل ان افتح دكانا
ان اذهب الى البورصة
انفخ جيوبي بالمحافظ السمينة
بأغنية سكرى في مرحاض حانة
سوف أتقيأ روحي
ذلك هو الازدراء الطبيعي الذي يحمله شاعر شاب ازاء المحترفين من ذوى التقاليد الذين لا يدركون خطورة المجال الفني الذي يخوضونه. غير اننا نلمس في ذات الوقت ان هذا الدفق الجبار قد قاد مايكوفسكي الى خارج نطاق الشعر، الى شئ آخر، وذلك لان رغبته في خلق شئ ما لم يحددها هدف معين واضح، وهذا ما دفعه بعض الاحيان الى التشكيك في ما يدعو اليه هو نفسه. كان لابد لهذا المعقل الخاص الذي طالما دافع عنه ان يتصالح مع العالم. وقد رغب هو نفسه في تحقيق هذه المصالحة شرط ان تحقق له ما يطمح اليه.
كان واعيا تمام الوعي انه ليس الوحيد في احزانه وخيبته وان الكثيرين يشاركونه هذا الاسى  والخيبة كلاً بطريقته الخاصة. فهو يحس بالرابطة التي تشده الى هؤلاء المضطهدين المنفيين من المجتمع كما يحس بانه واياهم انما يشكلون الابناء الابرياء حقا في هذا العالم :
نحن
المنفيين في مستعمرة المنبوذين
حيث الذهب والقاذورات تتدفق دفقا
نحن انصع من سماء فينيسيا اللازوردية
المغسولة بالشمس والبحر
لقد وجد مايكوفسكي ضالته في تباشير الثورة ولم يكن ذلك من اجل تحقيق ذاته فحسب وانما لعلاج تلك الاوضاع الفاسدة السائدة في مجتمعه. ها هو في قصيدته “سحابة في بنطلون” يجد العزاء لاضطرابه العاطفي في فكرة الغضب القادم ولم تكن نبوءته خاطئة حين قال :
هناك، حيث رؤى الانسان
تقطعها رؤوس جائعة مكللة باشواك الثورة
أتنبأ بعام 1916
هكذا يندفع مايكوفسكي مشحونا برغبة التحرر من واقعة الخاص والكرية وبتعاطف حقيقي مع الجماهير الروسية، وقد جعله إعجابه المستقبلي بالالة، نبى عصر الالة :
نحن أنبياء التراتيل الملتهبة
ضجيج المعامل والمصانع
اتجه في رؤاه الخاصة نحو التماثل الواضح مع الايحاءات السحرية التي ابتكرها مفستوفاليس من اجل فاوست او الاخلية الغريبة الخاصة بزرادشت ونيتشه. لم يبين التفاصيل، بل كان يعتقد ان مهمته الخاصة انما تنحصر في الهاب الجماهير كي تصبح اشد غليانا من الجماهير التي اكتسحت الباستيل. هكذا اتجه به احساسه بطاقاته الخلاقة وبصورة تلقائية نحو الاندفاع الثوري. غير ان الثورة في مفهومه، هي تلك الثورة الي يحتل فيها هو نفسه دورا بارزا والتي من شانها ان تحقق رؤيته الديناميكية بالنسبة للحياة.
أحس مايكوفسكي لفترة ما ان نشوب الحرب العالمية الاولى قد وقف حائلا دون تحقيق ذلك الحلم، وانجز خلال السنوات الاولى من الحرب بعض اعظم اشعاره الذاتية. غير ان ذلك لم يكن بدون عناء، فقد كان حسب اعترافه قد فقد لفترة ما كل اهتمام بالفن ورغم انه اعتبر الحرب في البدء “كمصدر للاثارة” ونظر اليها ” من خلال مظاهرها الاكثر تنوعا وضجيجا”الا انه ما لبث ان احس”بالغثيان والبغضاء لها”. لقد اخذ الغضب يستولي على ادق أحاسيسه وتملكه شعور عظيم بالتعاطف مع الشعب الروسي ولم يجد مبرراً لكل تلك المذابح القائمة. هكذا انطلق تعاطفه لكي يكتنف ملايين البشر من الشعوب الاخرى الذين يقاسون من ويلات هذه الحرب :
هكذا يموت الناس
على حجر في حفرة ما
ان نصف العالم مخمور والنصف الاخر يصرخ من العذاب، ومن خلف اناشيد الجنود العسكرية، سمع مايكوفكسي بكاء الاطفال والامهات. تصور قصيدة “الحروب والعالم” التي كتبها عام 1916 مدى المه. ها هو مايكوفسكي الذي امن بوحدة العالم يرى امم العالم تتصارع لاسباب لا تعنيها ابداً ان لم تكن خارجه عن نطاق ادراكها. وبذعر متوتر يقف مايكوفسكي امام حلبة المصارعة هذه التي تنتظر نيرون جديد لكي يتمتع بها :
اليوم
يتحول العالم كله
الى كوليسيوم
حيث أمواج كل البحار
أعلام قطيفة معلقة فوقه
لقد آمن بان الحرب فعل رأسمالي امبريالي وحذر بلدان اوروبا بان هذه الحرب ستدمر كل شي عزيز، وتحدث بسخرية مريرة عن ذلك السرور الذي يجده هؤلاء في الحرب :
حسن ان تحرق وان تنهب
على موسيقى البنادق
لقد اختفى الحب وكذلك السعادة بالنسبة له وتساءل بمرارة فيما اذا كان هناك ثمة انسان سعيد في هذا العالم. وسيطرت الحرب على اعمق المشاعر الانسانية وارقها في قلبه، ومن خلف تلك السخرية والتبجح الذي يظهره انما كان يخبئ حبا عظيما للانسانية. وعلى الرغم من الذعر الذي اصابة بسبب المجازر والرياء والنفاق السائد فهو لم يستسلم لليأس، بل  توجه للبحث عن حل ما، ذلك الحل الذي وجده في تلك الروح الرفاقية التي نمت من خلال العذابات المشتركة لضحايا الحرب والتي وجد من خلالها ان الوقت لن يطول على اندلاع الثورة. ها هو يحس قوى عظيمة تقف الى جانبه وبأن الراين والدانوب والصين وايران سوف يهبون جميعا لدعم ثورته ويكتشف ان طاقاته الخلاقة لاتعدو ان تكون بالفعل طاقات ابسط الناس في كل البلدان وتتملكه الرغبة الجارفة في ان يشترك العالم كله معا لنبذ الحرب وبناء الاخوة الانسانية. لقد ادت هذه الشاعر العارمة الى تحطيم عزلة مايكوفسكي والانطلاق به الى رحاب الجماهير. لقد توفر له الهدف الذي يتفق وايمانه بضرورة انخراط الشاعر في العمل واخذ يحس بانه لم يعد ذلك الشاعر الغريب الغامض وانما هو انسان يحس بما يحس به كل الناس. هاهي الحرب تبرر وتؤكد قناعته برؤياه الثورية وتمنحه فيضا جديدا من التعاطف وعمق الرؤية. فالانسان نفسه قد بدأ يتغير:
ها هو الشعب يولد
الشعب في هذه الايام
ارق وافضل من القدر نفسه
لقد توحدت مواهبه واستنارت له الطريق بالعقيدة والأمل، وتبلورت شعلة نفسه ونشرت أشعتها على امل الوصول الى عالم متحرر نابض بالحركة، عالم أشبه ما يكون مايكوفسكي نفسه في لحظات ابداعه. وكما رأي بلوك ان الثورة هي عملية تحويل الناس العاديين الى امة من الفنانين، كذلك رأى مايكوفسكي انطلاق الطاقات الرائعة التي ستخلق الإنسانية الجديدة.
تحققت احلام مايكوفسكي عام 1917، وكلبشفي قديم لم يقتنع بحكومة كيرنسكي وقال “بالنسبة لي، كان من الواضح ان الاشتراكيين لابد وان يحلوا محلها. فحين قامت ثورة اكتوبر تحرر مايكوفسكي من كل شكوكه ومخاوفه : “ان تقبل ام لا تقبل لم يرد مثل هذا السؤال بالنسبة لي او بالنسبة لكل مستقبليي موسكو.. انها ثورتي “. وفي حين كان الرمزيون ينادون بتطهير العالم من خلال الدم رأى المستقبليون خليبنيكوف ومايكوفسكي ان بابا عظيما قد انفتح امام اماكانيات الخلق الشاسعة. لقد انطلقت تلك القوة المبدعة التي هي محور حياتهم من عقالها لكي تبتدع الرؤى للملايين الذين افلتوا من قبضة القرون الطويلة. وفي حين كانت اشعار هذين الشاعرين تتسم بالتعقيد والصعوبة عاكسة قلقهما وإضرابهما، ها هي ألان تتسرب بسهولة متدفقة  بعد ان حلت كل صراعاتها. يغني خليبنبكوف في قصيدته الحرية للجميع ” انتصار البروليتاريا :
في قلب عاصفة فريدة لا تخمد
هناك هناك الجميع للحرية
على اجنحة البجع ها هم الناس يطيرون
لكي يرفعوا اعلام العمل في الهواء
تقدم الحرية على وجوههم
النار ملتهبة مع البرد
من ذا الذي يكترث لأشكال الارض القديمة
فالكلمات الجديدة سوف تقضي على جوعهم
نتقدم باغانينا الملتهبة
معا نحو الحرية، للامام
لو متنا، ننهض، ثم نعود والحياة تجدد كل ماذهب
نمضي في رحلة مسحورة
تتبع ايقاع المسيرة المرتفع
واذا  وجدنا ارواح الطبيعة مكبلة فبدون يأس
سوف نعمل على فك إسارها
تلك هي روح عام 1917. ومن خلفها تتلمس ايمان خليبنكوف الخاص بان الشعب الروسي قد وجد قوة جديدة لان الثورة قد عادت به الى بساطته الطبيعية، ولهذا فهو يتقبل تحطيم الكثير من الأشياء القائمة ايمانا منه بأن العوائق الحضارية سوف يتم استعاضتها بشكل حياتي اكثر دفقا وحيوية. وهو لا يلجأ للاسطورة والخيال حين يتكلم عن تحرير الالهة. فالالهة بالنسبة له هي تلك القوى الطبيعية، الالهة السلافية التي تعاد ثانية لتسنم السلطة.
شارك مايكوفسكي خليبنكوف هذه الثقة وعبر عنها في قصيدته “مسيرتنا” التي رأي بها تدفق الجماهير المحتشدة وأحس بالنداء الذي تتطلبه المخاطرة الضخمة الجديدة. ها هو يتدفق بحماس مفعم بالسرور :
فلتقرع الساحات بالخطى المتمردة
ولترتفع الرؤوس، مرئية كالقمم الشامخة
ها نحن ننتشر في الطوفان الثاني
وكل مدينة فوق الأرض تغدو ناصعة
ايام الفوضى تجر خطاها
عربات الاعوام تأتي مبطئة
السرعة آلهتنا
القلوب تدق الطبل
اى ذهب اقدس من ذهبنا
افتستطيع الطلقات الزنبورية ان تلدغ
ليس هناك اجمل من سلاح اغانينا
ذهبنا هو القلوب التي تدوى
دع العشب ينمو اخضرا
فوق الايام الماضية
وأنت يا قوس قزح، التمع وتوهج
دع السنوات المتقافزة تعدو مسرعة
النجوم لا تحتمل الهموم
فبدونها سوف تهب أغانينا
الا أسال يا نجم القطب امنا
ان نصعد احياء للنجوم
فلنشرب، للفرح
فلنشرب، للفرح
العروق تنبض بطوفان الربيع
وانت أيتها القلوب، هيا اعزفي
صدورنا صنوج نحاسية تقرع
لا تعكس قصيدة مايكوفسكي فكرة وحدة الوجود المتمثلة بقصيدة خليبنيكوف، ولكنها تحلم بمعنى مماثل للنبوءة باحداث عظيمة قادمة، بتحرر قوى كبيرة وبمستقبل قريب مشرق. لقد ولد احتقاره القديم للماضي رغبة جامحة في نفسه لتغيير الحاضر الى شئ رائع وعظيم، كما تحول حبه المستقبلي للاله الى حب للإنسان، وإلحاده الى قوة تدفع البشرية للانتصار على الطبيعة. تشكل قصيدة “مسيرتنا” قمة اعمال مايكوفسكي حيث تتوحد فيها بتجانس عظيم روحه الغنائية. انها اعظم، لا بل الكلمة الأخيرة التي يطلقها مايكوفسكي تعبيرا عن الحتمية الديناميكية التي احسها في اعماق نفسه وفي البشرية جمعاء، كما انها التعبير الاشد صفاء عن تلك الطاقة المبدعة التي جعلت منه مشاعرا وثائرا.
وجد مايكوفسكي في تلك المرحلة حقلا خصبا لمواهبه المتنوعة، لقدرته الجديدة على الغناء، لمرحه الفانتازي، لسخريته وكاريكاتيريته. فالعالم الجديد انما يحتاج لمساعدة مايكوفسكي كي يتغلب على اعدائه وقد بذل هذه المساعدة بسخاء. ولعل ابرز نتاجه في تلك الفترة “الرواية الهزلية” التي كتبها عام 1918 ثم أضاف اليها عام 1921. وقد وصفها مايكوفسكي بانها ” عرض بطولي ملحمي ساخر لعصرنا” وهي على شكل رواية مثلت على المسرح دون ان تلقى نجاحا بينما استقبلتها الأوساط الأدبية بالإعجاب على أساس انها تشكل تحولا جديدا في الأدب الروسي. وهي في الواقع أشبه بالفانتازيه الارستوفانية رغم ان مايكوفسكي لم يكن ليقبل مثل هذا التشبيه. انها الارستوفانية في مزجها بين الهزل الشديد والرقة الغنائية، في شخصياتها المتعددة التي تجمع بين شخصيات العمل وشخصيات معاصرة مثل كلمنصو ولويد جورج بالإضافة للآلات ومختلف الأدوات، وفي تصنيفها الجازم للشخصيات الطيبة والشخصيات الشريرة، بين العمال والرأسمالين. وتدور أحداثها في مكان غريب، تبدأ في القطب الشمالي بعد أن يدمر الطوفان الارض لكي تتحول بعد ذلك الى سفينة بناها الناجون من الطوفان. هنا تتواجد الجنة والجحيم والكون المختلط الذي يقوم البشر باخضاعه للنظام ويحولونه الى جنة ارضية، جنة الشيوعيين حيث الوفرة المادية. الاحداث خيالية ايضا، فبعد ان يقوم “المطهرون” بخداع العمال واقناعهم باقامة نظام ملكي، يلتهم نجاشي الحبشة كل الطعام الموجود في السفينة. بعد ذلك يؤسسون ديمقراطية ولكن الاغنياء يستولون على كل شئ ولا يتركون للعمال سوى اوراق الوصولات. يقرر العمال زيارة الجحيم ويتركون “المطهرون” هناك ثم يزورون الجنة فلا يجدون فيها ما ياكلون سوى الغيوم. هكذا يعبرون الكون المختلط ويدخلون حيث الالات توفر الطعام للجميع. انها عرض اسطوري لنضال وانتصار الشيوعية ولا تمت بصلة للواقع الا بمقدار ما تمت اليه رواية “الطيور” لارستوفان”، غير انها ملحمة رائعة للخيال الخلاق من اول مشهد فيها حيث الاسكيمو يصطادون السمك في ثقوب الثلوج وقد أزعجهم قدوم الأوروبيين والاخرين حتى اخر مشهد فيها حيث المدينة بناطحات السحاب والمعامل والقطارات والسيارات والحدائق المزروعة بالنجوم والأقمار وقد كللتها الشمس.
ليست ” الرواية الهزلية” مجرد مجموعة من الأفكار الفانتازية، فهي تتمتع بصفة درامية متميزة بما تضم من مقاطع حوار هزلي وملابسات : يظن اهل القطب لويد جورج فقمه، يقذف النجاشي من على ظهر السفينة، ولا يرتاح سكان الجنة لمجيء ضيوف جدد غير متوقعين، ويتذمر الشياطين من بلادة حياتهم، هكذا تمتلك الشخصيات رغم سطحيتها حيوية هزلية : يهيئ متوسالح وجبة غير مادية لضيوفه ويحاول المنشفي المهادن تهدئة الخلافات عن طريق اظهار ان المتخاصمين هم في الحقيقة متفقون، والمرأة التي تقدم محاسنها لكل فريق تبدو في لحظة ما انها انتصرت تم تستقر في الحجيم. انها شخصيات ارستوفانية في تطابقها تماما  مع النموذج المطروح. ورغم وجود خيط رفيع من الرمزية في المغزى المتكرر للجوع الذي يحث “القذرين”، فهو لا يشكل اية اساءة بل انه يمنح تأكيدا إضافيا للكفاح الذي يخوضه “القذرون” للحصول على نوع من السعادة والحرية. يتمتع المشهد الأخير بحيوية وتنوع عظيمين. انها للحظة مبهجة تلك التي يرفض فيها العمال الأيمان بان الأرض لهم لكي يتمتعوا بها ويصرون على دفع ثمن كل ما يأخذون الى ان تقوم الأشياء بالاعتذار عن المتاعب التي سببتها بسبب سيطرة السادة الطغاة عليها في الماضي وتعدهم بنظام جديد افضل :
نضجّ في المعامل، تتحرك فوق العجلات
نتدفق فوق السكك، نجوب الحقول
الان العالم في عيد
الان الليل مضئ كالنهار
الان وحتى  نهاية الزمان
نحن لكم، يا ايها العمال
انها لمسات بهيجة تلك التي يضع فيها الفلاح يده على الارض فيثمل او يطرد الحداد رجل الاعمال الذي يحاول إدارة أمور الدولة لصالحة الخاص، ولكن الميزة الرئيسة هي تلك البهجة الغنائية التي تمثل مايكوفسكي في اوج تعبيره عن الايمان بان قوى الطبيعة لابد وان تصبح في خدمة الانسان واضعة الكون تحت قدميه. هكذا يغني مهندس القاطرة في الخاتمة :
نحن المهندسون لهذه الارض
نحن الذين نزوق الكواكب
ونصنع العجائب
سوف نجعل من اشعة الشمس
مكانس مشرقة
ونكنس الغيوم من السماء
بالكهرباء
سوف نجعل انهار العالم حلوة كالعسل
ونرصف شوارع الارض بالنجوم المتلألئة
وكأرستوفان ثانية، يختم مايكوفسكي هذه الفانتازية الصاخبة بأغنية جماعية، شبيهة “بالانترناسيونال” يعلن فيها “القذرون” ميلاد البشرية الجديدة واخاء العالم.
لقد اطلق مايكوفسكي كل مواهبه الذاتيه في اجواء الخيال والهزل جاعلا منها كلا متجانسا ضمن خطة جريئة وشجاعة. وجد في تصوره للعالم الجديد ما يشبع تطلعاته القديمة العميقة. فهو المنبوذ الذي عانى صنوف االحرمان والبؤس انما ينطلق ليغني تلك الامال الجديدة. وبما انه كان عظيم الاندفاع في مهمته فقد تجاوز احيانا موضوعه الهزلي واتجه للحديث الجاد عن الانسان الذي سيكون في هذا العالم الجديد. مثل مايكوفسكي في اول عرض للرواية الهزلية دور رجل المستقبل الذي يظهر فوق الماء للمسافرين بلا هدف ” القذرين” ذلك هو الدور الذي تصوره مايكوفسكي لنفسه في الثورة. وتلك صفة تنبؤية غير متوقعة منه. وهو يستعمل لغة الانجيل بمفاهيم مخالفه :
جنتي لكل الناس
إلا ضعاف النفوس
ويقول ان موعظته تختلف عن الانجيل :
انني لا احدثكم عن جنة المسيح
حيث يشرب التائبون الشاي من غير سكر
انني اعلنها جنة حقيقية فوق الارض
وكبديل للمفهوم الديني القديم يطرح مايكوفسكي ايمانه الجديد بالبشرية حيث لا تقسيمات طبقية ولا دولية وحيث البهجة كلها في العمل. فهو يطرح عالمه الجديد المليء بالخيرات والجمال كبديل للوعود الغيبية التي طالما اقتاتت عليها البشرية.
في تلك المرحلة من انتاجه، اي في السنوات التي تلت عام 1917  أطلق مايكوفسكي كل طاقاته الشعرية. لقد كان دائما الابن البار للطبيعة وها هو قد صار حليفا للطبيعة ووسيطا ينقل خيراتها للبشرية المتحررة. تتضح أهمية هذا الايمان له في قصيدته “مخاطرة عجيبة” التي كتبها في عام 1920. ففي يوم صيفي تشتد فيه حرارة الشمس، يدعو مايكوفسكي الشمس لزيارته، تجئ الشمس ويعقد معها صداقة ويكتشف انه والشمس متشابهان الى درجة كبيرة :
تألقي في كل مكان
تألقي كل يوم
تألقي حتى النهاية
ان نتالق –
أنا والشمس –
ذلك هو شعارنا
تتداخل في الأسطورة الجميلة لحظات خيالية مضحكة. فالشمس تشتغل ساعات عمل اضافية وتصفع الشاعر على قفاه بمودة. الأسطورة صادقة كل الصدق. فمايكوفسكي انما يشعر حقا بانه على صلة وثيقة بالطبيعة، لا بل انه يشبهها. لقد شعر بثقة مطلقة في نفسه، وبواجبه وبمكانته في المجتمع الجديد الي درجة لم يجد فيها خيرا بمقارنة نفسه بالشمس ولم يدر في باله ابداً ان المقارنة مضحكة. وما يمتلكه من مواهب انما هو مثال لمواهب كل الناس الذين تم القضاء على عبوديتهم. واهم شئ هو امتلاك الثقة بالنفس، تلك الثقة التي وجدها مايكوفسكي واعتقد بان الاخرين قد وجدوها. ليس هناك شئ مستحيل بالنسبة للانسان الحر، وذلك هو انجيله واذ هو منهمك اشد الانهماك بهذه الحرية التي اكتشفها، ونتيجة للتناقض الغريب في اعماق ذاته، وجد مايكوفسكي نفسه غير قانع بدوره كشاعر يتبع اخيلته دون ان يسهم اسهاما مباشرا في الدعوة للمبادئ السياسية والاجتماعية الملحة. فهو رجل الثورة ويتحتم عليه ان يقوم بدور فعال فيها وان يجند كل مواهبه لخدمتها. والشعر الملائم للمجتمع الجديد هو ذلك الشعر الذي يقوله هو نفسه. وهو مخلص حتما حين يقول:” البروليتاريا وحدها تخلق الاشياء الجديدة. ونحن المستقبليون، الوحيدون الذين نسير على خطاها..” المستقبلية فن بروليتارى”. هكذا عبر مايكوفسكي عما امن به، فطاقته المبدعة الذاتية هي طاقة قوى الثورة. غير ان بعض الشك كان يعتلج في نفسه. يتحتم عليه ان يكون شاعراً حقا، ولكن، هل يحول ذلك دون اخضاع مواهبه الجانبية لمتطلبات العالم الجديدة الصاخبة ؟ في قصيدة “أمر الى جيش الفن” التي كتبها عام 1918 يوضح مايكوفسكي تفسيره للفن وها هو يطلق كل احتقاره القديم للكتاب التقليديين ويدعو المستقبليين للعمل :
العساكر الطاعنة الملتاثة
تنسج الهراء القديم
وانتم ايها الرفاق
هيا الى المتاريس
الى متاريس القلوب والنفوس
وهو يناقش قائلا ان الحاجة للشعراء ما زالت قائمة، فالشعراء هم الذين يمنحون الحياة للاخرين وعليهم واجبات اجتماعية تحدد مكانهم في خضم التطورات الجديدة وتمركز نشاطهم بين عامة الناس :
الى الشوارع ايها المستقبليون
ياقارعي الطبول، ايها الشعراء
لم يحس مايكوفسكي لاول وهلة بان هناك تناقضا بين هذا المفهوم وبين طبيعته الغنائية الخاصة وما يتطلبه هذا المفهوم من نظرة وتكنيك مختلفين. فهو ما زال يعتقد بقدرته على التأليف بين مواهبه القديمة ونظريته الاجتماعية الجديدة، وقد نجح لفترة قصيرة في ايجاد مثل هذا التوافق.
غير انه مالبث ان احس بضغط المسؤولية الاجتماعية والعوامل الاجتماعية الاخرى. ففي عام 1921 اصدرت النخبة البروليتارية التي كانت تعتبر نفسها ممثلة للفن البروليتارى قرارا جاء فيه :”بما اننا نعتبر المستقبلية اتجاها ايديولوجيا ممثلا للثقافة البورجوازية الامبريالية التي تمت للعهد السابق، فهي في نظرنا معادية للبروليتارية كطبقة”. لم يستطع مايكوفسكي تجاهل الصعوبات التي تواجهه في جعل شعره فاعلا بين الجماهير. فالرواية الهزلية لم تلاق نجاحا كبيرا في صيغتها الاولى عام 1918 او في صيغتها المعدلة عام 1921. واذا كان الفشل نصيب الرواية الهزلية فما الذي يحدث ياتري ؟ هكذا وبينما كان مايكوفسكي في ذروة توتره الابداعي من اجل الثورة ومستقبلها، وجد نفسه مضطرا للجوء الى السهولة لكي يجعل فنه اكثر تلاحما مع الحاجات الانية الملحة. فحين طلب منه ذات يوم عام 1918 ان ينشد الشعر امام بحارة أسطول البلطيق اكراما لبطولتهم في الثورة، القي مايكوفسكي قصيدة “المسيرة اليسارية” تلك التي سنلمس فيها الى أي مدى ابتعد عن عالم قصيدة “مسيرتنا” التي كان قد كتبها قبل اشهر قليلة فقط :
اصطفوا وتهيأوا للمسيرة
ليس هناك الان وقت للكلام او المزاح
الصمت، ايها الخطباء
الكلمة لك، ايتها البندقية الرفيقة
لقد عشنا طويلا مع القوانين التي
وضع مسودتها آدم وحواء
التاريخ الثابت حصان عجوز هزيل
يسارا
يسارا
يسارا
التحية يا اصحاب الستر الزرقاء
الذين في الاعالي
ام ترى فقدت بوارجكم في الموانيء
حوافيها التي كانت من قبل
انظروا
كيف تبرز اسنان مقدمتها
فيهزم الاسد البريطاني
الكومونة لن تهزم
يسارا
يسارا
يسارا
انظروا الى هناك
تقدموا عبر القمم الملتهبة
نحو الارض المشمسة المجهولة
عبر الجوع
عبر بحار الطاعون
دعوا الملايين تتقدم
رغم ان المأجورين يتجمعون لتحطيمنا
وحمم الحديد تتدفق
فالتحالف لن يستطيع قهر الروس
يسارا
يسارا
يسارا
هل غامت عين النسر
بينما هو يتلكأ في الاعالي
تقدمي
نحو عنق العالم
يا اصابع البروليتاريا
انشروا صدوركم العالية
ودعوا الاعلام ترف في السماء
من ذا الذي يمشي الى اليمين
يسارا
يسارا
يسارا
ما زالت هناك بعض الرؤى والاخيلة المايكوفسكية في هذا القصيدة فالامل في قهر العوالم الكبيرة ما زال يوحي لمايكوفسكي بصور القوى الكونية والانجازات التي لا مثيل لها. غير ان عالمه قد تضاءل، ورويته الثورية قد تأطرت بظروف معينة في وقت اصبحت فيه روسيا مهددة بالتحالف الدولى الذي تألف ضدها. لقد حل الشعور القومي المحارب محل مشاعر الاخوة الإنسانية، أصبحت كلمة “يسارا” التي طالما اوحت لمايكوفسكي بالاخيلة المبدعة تفوح برائحة  التحزب التام. ها هو مايكوفسكي يتعامل مع واجباته بكل اخلاص جعله يلجأ الى الحد من انبثاقاته وملاءمة نفسه مع الواقع الجديد.
ان تلك الحاجة التي اوجدت “مسيرة اليسار” قد وجدت تعبيرها الاوسع في قصيدته التالية، “150.000.000” التي كتبها عام 1922، في وقت وجدت فيه السوفييتات الناشئة نفسها وقد عزلها ما سمي “بالعزل الصحي” عن بقية اوروبا التي قامت بتمويل وتشجيع جيوش الثورة المضادة في الداخل. فالثورة التي اعتقدت عند اول انطلاقتها بانها ستجد كل الاذرع مفتوحة لها، ما لبثت ان وجدت نفسها ضحية العنف والعدوان. في قصيدة “150.000.000” يبرر مايكوفسكي النظام الروسي ويؤكد حتمية الانتصار على الاعداء. يرمز عنوان القصيدة الى شعوب الاتحاد السوفياتي. فمايكوفسكي وهذه الملايين كل واحد :
150.000.000 يتكلمون من خلال شفتي
لقد كتبت القصيدة بقوة دافقة وبالكثير من اشراقات مايكوفسكي القديمة. وتقسم الى قسمين : يتناول القسم الاول الدفاع العام عن السوفييات بينما يتناول القسم الثاني اسطورة تصور النصر المقبل على قوى الامبريالية. في القسم الاول، يبلور مايكوفسكي افكاره ويجسدها ويجعلها متناسقة مع الفكر المعاصر جاعلا مكان الالحاد الهزلي الذي كان يقوله سابقا فكرا الحاديا ملتزما وواعيا ها هو يعلن عن إلهه الجديد:
لا تنشد
من تلك السدة المريحة فوق النجوم
إلها حديديا
إلها من نار
ليس الله في مارس
او فيفا او نبتيون
الله في الشعوب
الله في الانسان
فالإنسانية الجديدة سوف تجد كل ثروات الطبيعة بين يديها وها هو مايكوفسكي يحول اعجابه بالاله واحتقاره للعواطف المائعة الى رومانسية جديدة هي مكننة الحياة: ستحل القطارات محل الارجل والبواخر محل الحراشف والطائرات محل الاجنحة وستزداد سرعة العصر الجديد ومداه، وسوف لا يتحاج الى الزهور اذ سوف يكون لديه ”  زهور من جموع الناس في كؤوس الساحات”ز
وسوف يجب جميع الناس بعضهم بعضا :
 
أفهم ان الناس
سيكونون لطفاء
كالحب
الذي يتدفق بالنور ليشعل نجمة
هكذا اوجد مايكوفسكي الشعر الذي يحتاجه عصره. ان هذه الحشود التي تحررت من دينها القديم ووضعت كل امالها بمستقبل العلم، قد آمنت بعد عناء بانها ستكون قادرة على تحقيق احلام جول فيرن وهـ.ج ويلز. وقد اتفق  مايكوفسكي معها وامن بها كقوة لا يمكن دحرها.
تدور الاسطورة التي تشكل بقية القصيدة حول قوى الشيوعية المتمثلة في شخص ايفان العملاق، وهي تتصدى لقوى الرأسمالية المتمثلة بطريقة غير ملائمة بعض الشئ، بشخص ودرو ويلسون. فالأسطورة على كل حال لا تمت للواقع بصلة ولذلك فلا يمكننا الاعتراض كأن نقول بأن دورو ويلسون كان في فراش الموت حين كتب مايكوفسكي اسطورته. فمايكوفسكي لا يهتم بالواقع بالقدر الذي يهتم فيه بالافكار الغريبة المجردة. وعمله هذا انما يشبه القصص الشعبية الروسية القديمة حيث الابطال الذين يتمتعون بالقوة الجبارة والتصميم الحديدي، مثل فولغا وميكولا، يتصارعون مع اشخاص لا يقلون عنهم قوة. يدور الصراع في قصيدة مايكوفسكي في مدينة شيكاغو، المدينة الحلم التي تحتوى عل كل المخترعات الميكانيكية وحيث الانسان فيها عبد.
يتصدى مايكوفسكي لموضوعه بحماس وابتكار. يتمثل ظهور ايفان في الولايات المتحدة وكأنه اندلاع للقوى الطبيعية. ينقسم ايفان العملاق الى عدد لا يحصى من العمالقة الصغار ويلتحمون في معركة مع ويلسون ويهزمونه. وتشترك قوى الطبيعة في هذا الصراع : الرياح والمياه وكل مبتكرات الانسان كأعمدة التلفونات وناطحات السحاب والجسور والسكك الحديدية والمستشفيات والكراسي والطاولات. تتمخض المعركة عن انتصار الشيوعية في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من اعتمادها الكلي على الفانتازية والأجواء الأسطورية، فان قصيدة 150.000.000 تقوم على الأيمان العقائدي بأن النظام الشيوعي لابد وان ينتصر لانه افضل نظام بالنسبة للطبيعة البشرية والموارد الطبيعية. هكذا يجسد مايكوفسكي تلك الطاقة الكامنة وراء المكننة المتمثلة في الشعب العظيم المنطلق في مسيرته، وبأيفان الجبار المنبثق كفوهة بركان أو كموجة المد الكاسحة. فالقصيدة انما هي استعراض كامل للمبدأ الثوري وتمجيد له. لقد تحولت الثورة الى قصيدة زج فيها مايكوفسكي بأعظم مواهبه الشعرية المميزة له.
تشكل قصيدة “150.000.000” المحاولة الأخيرة لمايكوفسكي في الربط بين المستقبلية والشعر السياسي. فهي آخر قصيدة يطلق فيها مايكوفسكي العنان لكل أخيلته المتدفقة. فكل قصائده التي كتبها بعد ذلك لاتصل الى هذا المستوى. لقد تحول تدريجيا الى شخصية شعبية، الى عمود من أعمدة الثورة، واستطاع بقصائده الخطابية ان يقنع البروليتاريا بأنها تعيش عصرا عظيما وبان واجبها هو الحفاظ عليه وتطويره. ولاجل ان يؤدى هذه الرسالة على اكمل وجه، اضطر الى تشذيب قصائده وجعلها اكثر سهولة ونبذ الكثير من الرؤى الغريبة. وقد ترافق هذا التغيير في اسلوبه مع التغير الحادث في المرحلة نفسها. فلقد انقضت سنوات التفاؤل الثورى المذهل وبدأت مرحلة وضع الامور في نصابها. ولم يعد لمستقبلية مايكوفسكي اي صدى، وقد اتخذ قرار تغيير أسلوبه بنفسه. غير ان ما أنتجه مايكوفسكي في الفترة الواقعة بين عامي 1912 و1922 يكفي لكي يكون نتاجا عظيما. فقد استطاع ان يوجد نوعا خاصا من الشعر الذي لا يقتصر على تدفق الكلمات المتقدمة بالحماس والحيوية بل يتعداها الى تصوير العناصر الهامة التي تمثل الضمير المعاصر. تصدى اكثر من اي شاعر آخر لتحطيم الوقار التقليدي المتوارث في الشعر الروسي، وأقام مكان ذلك شعر التجربة الحية. استطاع بتكنيكة الخاص الذي لم يستقه من أحد، ان يحقق قمة الحداثة بالدقة والصدق. وقد ساعدته موهبته الشعرية في ولوج عوالم لم يجرؤ الا القليل النادر على ولوجها، عوالم وجد نفسه على وفاق تام معها. فموهبته موهبة خاصة خلاقة، بعضها غنائي وبعضها ساخر، موهبة عبرت احسن تعبير عن تلك السنوات الحافلة بالتغيير. واذا كان هناك من لا يرتاح لمثل هذه الموهبة فان أحدا لا يستطيع نكران قوتها وأصالتها.


الفصل الخامس

بوريس باسترناك

1890    -1960  

كان التيار المتميز الذي رفد به مايكوفسكي الحركة الشعرية بين عامي 1913 و1922 واحدا من التيارات العديدة في خضم حركة شعرية كبرى. فانهيار الرمزية كان قد مهد الطريق لاشكال شعرية جديدة احتد الصراع بينها في سبيل الوصول الى مركز القيادة لعدة سنوات. كان لكل جماعة اسمها وبرنامجها. ورغم التغيير والتبدل السريع الذي كان يطرأ على الاعضاء والبرامج  فمن الممكن استخلاص الاتجاهات   العامة الرئيسة التي يتضح من خلالها كيف كان الشعراء الروس يواكبون حركة شعراء الدول الاوروبية الاخرى ويهضمون الافكار الاجنبية هضما يتلاءم    ومتطلباتهم الوطنية الخاصة. لقد اطلقت ثورة 1917 زخما عظيما دفع باشكال عديدة من الشعر الثوري الحقيقي الوحيد في الميدان. غير ان فئات اخرى كانت تدعي مثل هذا الادعاء. وقد ظهرت خلال تلك السنوات تجارب عديدة مختلفة  حيث شكل هذا الشعر الجديد بمجمله رفضا تاما للماضي ورغبة في المعاصرة والواقعية والثورية. غير ان المجموعات المختلفة لم تتفق بأي حال على الصيغ التي يمكن الوصول من خلالها الى تلك الاهداف. ففي حين اتصف المستقبلون بالعنف والخشونة التي لا تستسيغها بعض الاذواق، اكدت جماعة ” الكمال المطلق ” بقيادة نيكولاي غيرميليف وأنا أخماتوفا على اهمية الواقع والتجربة الفعلية بينما كانت الافكار السياسية لهذه الجماعة غير ملائمة للمرحلة مما ادى الى انهيارها على اثر مقتل زعيمها غوميليف عام 1921 ولجوء أنا أخماتوفا الى الصمت بعد نشر قصيدتها انو دوميني عام 1922. ظهر التصويريون عام 1917 وكانوا قليلي التدخل في السياسة رغم ترحيبهم الحاد بالثورة ، استقوا افكارهم بطريقة غير مباشرة من بعض الشعراء الامريكيين امثال آمي لويل وازرا باوند، كما اهتموا بالتكنيك على حساب الموضوع وركزوا جل اهتمامهم على الصورة باعتبارها الشيء الوحيد المهم. وقد ارتفع شأن التصويريين بعض الشيء بعد ان انضم اليهم لفترة ما الشاعر سيرجي يسينين، وهو فلاح ذو عبقرية فذة ملك موهبة خاصة في اقتناص الصورة، وكانت موهبته تفوق مواهب كل افراد المجموعة. لقد تنازعت هذه الجماعات وجماعات اخرى متعددة على كسب الشعراء  الشباب. لكن عمر هذه الجماعات لم يطل فقد اتجه المستقبليون تدريجيا الى الشعر السياسي وتخلوا عمليا ان لم يكن نظريا عن معظم مبادئهم السابقة. كما انهارت  جماعة ” الكمال المطلق ” بصفتها مناهضة للثورة ولم ينتج التصويريون اي عمل مهم باستثناء ما قدمه يسينين الذي دام انتاجه لفترة محمومة قصيرة انتهت به الى الانتحار عام 1925، قدم خلالها شعرا فاتنا يتمتع بالجموح الرائع لعبت فيه الصورة دورا مساعدا.
ورغم ذلك، فقد استطاعت هذه الجماعات التوصل الى بعض الاستنتاجات ذات الاهمية. فقد اسهم المستقبليون وجماعة الكمال المطلق والتصويريون، كل من زاويته، في خلق شيء ما. ففي بحين ركز المستقبليون جل اهتمامهم على تجديد اللغة والاهتمام بالحياة الواقعية، اصرت جماعة الكمال المطلق على اهمية الشكل والحاجة الى احداث اكبر قسط من التأثير بأقل ما يمكن من الكلمات ، كما هدف التصويريون الى تحقيق الصدق والسحر بالتعامل الجريء مع الصور . لقد تمادت كل مجموعة في مطالبها . فقد ادى حب المستقبليين للعنف الى استبعاد الكثير من المؤثرات المقبولة، وافسد التصويريون عملهم بتحويل الشعر من وسيلة الى غاية. هكذا برزت الحاجة الى شاعر يستطيع ان يلم شتات هؤلاء جميعا، ان يصحح تجاوزات المبادئ المختلفة وان يحيل الحركات الحديثة الى شيء يتلاءم والمتطلبات الحديثة دونما تحيز الى فئة من الفئات المتنازعة. وقد تجسدت هذه الحاجة في شخص بوريس باسترناك الذي استطاع منذ انطلاقته ان يجمع بين الاصالة الكامنة في كل هذه الفئات وان يترجم ما نادت به كل جماعة في سبيل حل معضلة التأليف الشعري الى مساهمة ايجابية فعالة. انشأ باسترناك في اول مرحلته الشعرية بعض العلاقة مع جماعة المستقبليين وكان عضوا في تجمع صغير في موسكو يدعى “المنبوذون “. اعجب اعجابا كبيرا  بشعر ما يكوفسكي المبكر. تدل بواكير اشعاره على تأثره بعض الشيء بعنف المستقبليين ومبالغاتهم وانتقالاتهم السريعة. غير ان ذلك  لم يطل . فما ان يصل باسترناك السابعة والعشرين من عمره حتى تكون كل المؤثرات السابقة قد تفاعلت في نفسه واستطاع من خلالها تكوين اسلوبه الخاص ونظرته الخاصة.
اتفق باسترناك اتفاقا تاما مع الشعراء الجدد في رفض المثل الغيبية التي كان ينادي بها الرمزيون وركز اهتمامه على الحياة الواقعية التي يحياها. ولكنه لم يتقبل الرفض الثوري للماضي الشعري. فهو قد انحدر من عائلة اشتهرت بتمجيدها للفنون التي مارسها المثقفون الروس بمهارة فائقة. كان ابوه رساما منتميا للمدرسة الانطباعية، وكانت امه عازفة بارعة. تعلم منذ صغره الرسم ودرس الموسيقى على يد سكريابين . توسعت ثقافته خارج وطنه، فبعد ان درس الفلسفة في ماربورغ زار ايطاليا  وشاهد اثار الماضي الاوروبي العظيمة. امتلك اضافة لليد المدربة على الرسم والاذن المرهفة للموسيقى قدرة على التقاط المسائل المجردة وموهبة طبيعية في الاحساس بالكلمة ازدادت ونمت نتيجة دراسته للغات الاجنبية. توفرت لدى هذا الشاعر الذي قام فيما بعد بترجمة شكسبير وكلايست والشعراء الجورجيين ثروة كبيرة من المفردات واحساسا عميقا بقيمة الكلمة. اعجب اعجابا كبيرا بشكسبير وليرمينتوف وصقل مواهبه على مؤلفاتهما وتعلم منها كيف يكون الشعر صادقا امام التجربة ومعبرا عنها اعمق تعبير. استوعب الكثير من الماضي وكون مقاييسه استنادا اليه . ولكنه لم يكن اسيرا للماضي ابدا بل آمن بان الشاعر الحق هو الذي يستطيع  تكوين اسلوبه الخاص ومخلصا لنظرته الخاصة.
ان ذلك الاحساس بالحاجة الى اسلوب جديد هو الذي دفع باسترناك الى اللقاء مع المستقبليين. وقد اعجب فعلا بالقيمة الجديدة التي منحها مايكوفسكي للكملة ، غير ان هذا الاعجاب كان منصبا على ذلك التدفق  البركاني والقوة البدائية التي وضعها مايكوفسكي في الكلمة. وعندما مات مايكوفسكي عام 1930 شبهه باسترناك بالبركان اتنا . أحس باسترناك بأنه يملك مثل تلك الطاقة، ولكن طاقته تتدفق منه بطريقة مختلفة، فصمم على الاستفادة من هذه الطاقة الى اقصى الحدود وشحن شعره بأكبر طاقة ممكنة. تختلف طبيعة موهبة باسترناك عن مواهب مايكوفسكي وقد تخلى باسترناك عن الاعجاب بمايكوفسكي بعد تخليه عن عالم النشوة الغامرة الذي ميز اشعاره الاولى، كما اختط لنفسه هدفا يتلخص في جعل الشعر تعبيريا الى اقصى درجات التعبير دون الابتعاد الكلي عن التقاليد الروسية. ولذلك فهو لم ينطلق مع المستقبليين الى المدى الذي انطلقوا اليه ولكنه رأى ان هؤلاء الشعراء انما يتمتعون بشيء لا يملكه جيل الشعراء السابق، فهم يتناولون الحياة بطريقة اعنف ويتمتعون بقدرة اكبر على منح التجربة كل ابعادها، كما وانهم اسرع واكثر اخلاصا في الاستجابة للالهامات المبدعة. هكذا احتفظ باسترناك بهذا المبدأ طيلة صراعه الفني وبقى مختلفا عن المستقبليين في الوسائل التي يعتمدها ونوع التجربة التي يصورها.
اما صلته بالتصويريين فقد بقيت صلة ذاتية اكثر منها فكرية فهو لم يحسب في عدادهم ومهارته المتقدمة لم تسمح له بقبول منطلقاتهم المتطرفة. ولكنه، كأي من الشعراء المحدثين رأى ان للصورة دورا خاصا لا يمكن اهماله وبأنه يكاد يكون من المستحيل التعبير عن حالات الفكر المعقدة دون استعمال الصورة استعمالا جريئا وموسعا. قيل بأن استخدام باسترناك للصورة هو انعكاس لجو الرسم الذي نشأ فيه، ولكن حساسية باسترناك البصرية المرهفة لا تقوم فقط بدور الملاحظة والتسجيل، انها تحمل في طياتها شيئا اشد عمقا من عالم الرؤية. ويجوز القول ايضا ان تربيته الموسيقية لا تقل اهمية عن خبرته في الرسم حيث ساعدته هذه التربية على اكتناه المعاني الحسية الدقيقة الكامنة في الاحاسيس الغائمة وادراك مدى القوة التي يمنحها ترابط الاصوات للكلمة. توقظ الاشياء التي يراها باسترناك مسارات فكرية وحسية كثيرة ومثيرة وتجعل اشعاره مرصوصة ومعقدة. فهو يتعامل مع الحالات الغامضة التي يمكن ان تشكل مادة للموسيقار ولكنها تفوق حدود الرسام. فالاشياء التي يلاحظها انما تشكل بالنسبة له عوالم مشحونة بالغموض والمعاني. فهو يعيش عالما واقعيا ويلاحظ بكل دقة، غير ان ملاحظاته المفعمة بالفرح تكشف الكثير من الخبايا التي تكمن وراء الرؤية النظرية. فمن خلال التأليف التام بين حواسه وعواطفه يرى ويحلل الطبيعة، يسجل مظاهرها ويتفهم معانيها ويلمس العلاقة التي توحي بها من خلف معطياتها الظاهرة. لقد رغب التصويريون في التوصل الى شيء شبيه بذلك، ولكن تعريفهم لماهية ذلك بقى محدودا، بينما التقط باسترناك، سواء عن قصد او غير قصد، ذلك المفهوم واستغله اعظم استغلال.
تأخر باسترناك في انطلاقته الشعرية. فالقصائد التي كتبها في اوائل شبابه قليلة وتجريبية ، بعضها ينبئ باسلوبه القادم وبعضها لا يعدو ان يكون محاولة في تقليد الاخرين. وما ان جاء عام 1917 حتى انطلق انطلاقة تثير الدهشة. فمجموعته “شقيقتي الحياة” التي نشرها عام 1922 كان قد كتب معظمها عام 1917 وهي تدل على اكتشاف باسترناك لنفسه. استمر ذلك التدفق الشعري لبعض سنوات فانتج عام 1923 ” افكار وتنويعات ” التي لا تقل روعة. تشكل هاتان المجموعتان نخبة نتاجه وذروة محاولاته الخلاقة الشابة. لقد تم التفاعل الذي ادى الى ابداع نوع جديد من الشعر يمثل اعظم ما يمكن ان تمنحه نفس الشاعر، وما يحتاج اليه عصره تماما. تحفل اعماله المتأخرة بالجمال والصدق والاصالة ولكنها تصطبغ في الكثير من الاحيان بالصبغة التجريبية والاحتراب مع الظروف المحيطة بحيث تعجز عن امتلاك ذلك التناسق الهارموني المتواجد في المجموعتين الاوليتين الفريدتين في عصرهما.
تتطلب نظرة باسترناك الخاصة تكنيكا خاصا استطاع الشاعر ايجاده من خلال الشكل المركز المتماسك. ففي الوقت الذي كان فيه العصر يشهد تجارب مختلفة للموازين، تبنى باسترناك المقاطع ذات الطول الثابت والتفعيلة المنتظمة، استعمل القافية وتجاوزها احيانا الى انصاف القوافي والسجع. تتجه الخطة الاساسية في القصيدة الى ربط العناصر المختلفة مع بعضها واخضاعها للنظام بينما تدل قوافيه الغريبة على الطبيعة الغريبة للمضمون. هكذا تحاشى باسترناك انفراط الشكل الذي كان صفة مميزة للمستقبليين والذي لا يلائم شاعرا ينحو نحو منح قصيدته التوازن والنمط الذي للرسم او التأليف الموسيقي. يجعلنا باسترناك نحس بأن اعقد المواضيع انما تمتلك تناسقا ونظاما وان اكثر الاشياء مدعاة للدهشة لابد وان يكون لها شكلها المتحكم بها. فصرامة الشكل الذي يتبعه باسترناك انما تضيف الى قيمة المفردات الغريبة التي تتراوح بين الايحاء والحديث العادي والفخامة بالاضافة الى التعبيرات الموجزة والكلمات المستحدثة كما تخضع له الصور المبتكرة والمذهلة احيانا. فالشكل التقليدي يلم شتات التمرد المتمثل في مضامين باسترناك وبدون ذلك يتعذر دمج المواضيع المعقدة في وحدة ما وتكون النتيجة اقل اقناعا.
يصر باسترناك من خلال ادراكه الغريزي لماهية الشعر على ضرورة نقاوة الشعر نقاوة خالصة. ولاشك انه مدين بمقاييسه هذه الى الكتاب الروس الكبار، بلوك مثلا، الذين اعادوا للشعر اصالته في الحقبة الاولى من هذا القرن. ولكنه مدين بذلك ايضا لجوه العائلي المكرس للفن الانتقائي وفي شخص والده بصورة خاصة. ولعل رفضه التخلي عن ذلك المستوى او اضاعة وقته في نتاج لا يعتبره جديرا هو الذي قاده  الى الكتابة الصعبة الغامضة في بعض الاحيان. تشكل البنية المتداخلة التي تكاد تكون عسيرة على الفهم صفة مميزة لقصائده. فذلك الاسلوب هو مرآة صادقة لمزاجه المتنوع ويساعده على  نقل تجربته المتوترة. انه لا ينظر الى الاشياء كأشياء مجردة ، بل يعتبرها جزءا من كل اوسع واشمل، يتتبع علاقاتها المتشابهة ويهتم بكل عناصرها الثانوية اهتمامه بالعنصر الرئيس. لذلك فقد تميزت اعماله بذاتية كبيرة ولكن هذه الذاتية لا تصل الى حد الانغلاق على الاخرين. انه يفترض ضرورة تعرف الاخرين على حقيقة رؤياه ومشاركتهم فيها، وهو يعتقد بانه لا يقدم تسجيلا علميا تصويريا لواقع خارجي موضوعي وانما يقدم تجربة انسانية . ان اي شيء لا يمكنه اكتساب صفة الحقيقة الا بعد تفهمنا وتقديرنا له واستيعابه في مداركنا. فالانسان هو مركز الكون. والادراك الانساني هو العامل الذي يوحد الانسان مع الكون. هاهو يقول بكل صدق:
الحدائق البرك الاسيجة المخلوقات
المنقطة بزبد بكائنا الابيض
انما هي اشكال من العاطفة
المختزنة في القلب البشري
فهو شاعر الادراك الفكري والحسي القادر على امتلاك الحقيقة كلها. وليس هناك ما يعنيه سوى تلك اللحظات التي يستطيع فيها وضع يده على الحدث داخل نفسه وخارجها. ولاجل ان ينقل هذا الادراك فلابد له من تكنيك خاص، لابد من نقل ما تمنحه الحواس نقلا كاملا من غير نقصان، ولا يمكن هنا استخدام وسائل الوصف التقليدية التي تفترض مسبقا الترتيب المصطنع للتجربة. لابد للشاعر ان ينقل احاسيسه بالشكل الذي يتلقاها، لذلك يصور باسترناك المنظر المرئي بطريقة تبدو لاول وهلة غامضة ثم سرعان ما تفصح عن حقيقتها ودقتها. هاهو يصف طريقا صقلتها عجلات العربات في الصيف حتى غدت النجوم تنعكس عليها في الليل:
ينتصب الليل السرمدي على الطريق
يتمدد هو ونجومه عليها
انت لا تستطيع ان تعبر الطريق
من غير ان تدوس على الكون
تبدو هذه الابيات لاول وهلة وكأنها مجاز خيالي ولكنها تمثل في الواقع تسجيلا حقيقيا لاحساس الشاعر. فهو حين يعبر الطريق يلاحظ النجوم المنعكسة على صفحتها ويعتقد للوهلة الاولى انه انما يدوس على النجوم. تلك هي التجربة التي تستثيره وهو يصف ما يحس به تماما. وكذلك فهو حين يصف رحلة ليلية بالقطار، يخيل اليه وهو جالس في مكانه انه مركز الحقيقة الثابتة وان ظواهر الحياة هي التي تمر امامه. كل انسان يستطيع ان يدرك ما يعنيه ويرى الدقة التي عبر بها باسترناك عن حالته :
ومع غوصته الثالثة، ينطلق الجرس سابحا
وهو مازال يقدم اعتذاره :” آسف ، ليس هنا “
ومن خلف الستائر ، يمر الليل ملتهباً
وتتقلص السهول الى نجمات
بين الدرجات .
ها قد غادر القطار المحطة بعد اطلاق الاشارة الروسية المعتادة المكونة من ثلاث صفارات. واذ تبدأ الرحلة يبدو القطار ثابتا بينما يتحرك الليل خلف الستائر كما تختفي السهولة تدريجيا من بين درجات عربة القطار لكي تبدو مثل نجمة ثابتة نسبيا. الوصف دقيق وواضح ، وهذا هو احساس الشاعر الجالس في القطار، ولو اراد تفسير تجربته بشكل اخر لأفسدها. ولأن باسترناك يرى ويحس هذه التجربة بكل دقة، فقد استطاع ابتعاث الاعجاب والمتعة من خلال صدقه ودقته.
يعتمد باسترناك نفس الاسلوب في التصدي لموضوعاته الفكرية التي تبدأ بالرؤية البصرية او السمعية. فهو يقول عن الرعد في اخر الصيف:
ثم قال الصيف للمحطة
وداعا. في تلك الليلة
نزع الرعد قبعته، وكتذكار
اطلق مئة طلقة مدوية
هنا يمتزج صوت الرعد ومنظره مع فكرة انتهاء الصيف بشكل مبتكر ومتماسك. فالصورة والفكرة قد امتزجتا وهو لا يرغب في التمييز بينهما. انه يصف اي منظر من خلال الانطباع الذي يخلقه:
العقل مختنق
والافق كالافكار، بلون التبغ
فالشيء المرئي والفكرة شيء واحد والموضوعة الاساسية انما تكمن في عقل الشاعر وهي التي تمنح الظاهرة وحدتها ومقوماتها في ذات الوقت الذي يتم فيه الاحساس بالرعشات الحية بينما يقوم العقل بالمراقبة والتعرف على مدلولاتها وتتخذ الحقائق الواقعية اهميتها الرمزية. تعمق الصور التي يستعملها باسترناك الاحساس بالمعنى، ليس فقط باعطاء المعنى المطلوب قدرا كبيرا من الدقة وانما باظهار العلاقة بين الحدث المعطى والاحداث الاخرى غير المباشرة والتي تحمل مدلولا مشابها، فلا يمكن التعامل مع اي  حدث بصورة منفصلة وان اي تفهم كامل لذلك لابد وان يتم عن طريق تفهم كافة مدلولاته ومعطياته الكونية.
يتصف مثل هذا الشعر بالصعوبة لانه يعكس مشاعر الشاعر بدقة صارمة وخاصة عندما ينتقل من المؤثرات المرئية الى المدلولات التي توقظها هذه المؤثرات والتي ترتبط بها ارتباطا وثيقا. فباسترناك انما يتمتع بموهبة كبيرة في اضفاء اللون والشكل على تلك الحالات الفكرية المشوشة في لحظاتها المتوترة كما يستخدم الصور الملموسة للاشياء التي يتركها الشعراء عادة دون تعريف. انه يلتقط صفة معينة في الشيء المرئي ويستخلص العلاقة التي تربطها بأشياء اخرى اوسع منها بواسطة الصور المختارة فهو يقول :
الناس ذوو الساعات المعلقة بالسلاسل
يتذمرون بكل شموخ
ويلدغونك . بكل ادب ، مثل افعى حقل الشوفان
التأثير الاولي بصري. ولكن المشهد المصور يعكس طبيعة وعادات طبقة من الناس الذين يتمتعون بالادب والبرود ويستخدمون السلوك المؤدب وسيلة لجرح الاخرين. وكذلك، وبشكل ادق، ينتقل باسترناك في قصيدة ” الربيع ” من المرئي الى اللامرئي، من المكان الحقيقي الى معناه :
انه الربيع. انني اترك شارعا حيث الحور مندهش
وحيث البعد مرتعب، والبيت يخشى الانهيار
حيث الهواء ازرق
كحزمة ملابس المريض الخارج من المستشفى
حيث الغروب اجوف
كقصة مبتورة هجرتها النجمة
وليس لها نهاية
وبدون تعبير، ولا قرار
الاف العيون المصطخبة يلفها الاضطراب
المكان حقيقي ببيوته واشجار الحور، وسماؤه كأنها حزمة ملابس زرقاء. لقد تم تعميق الصورة المرئية بذلك الاحساس العاطفي التخيلي المستمد من الصور. هاهو الشاعر يغادر المكان لانه محبط وغير مكتمل وبه حزن مضطرب اشبه بقصة لم تكتمل، وهو الشعور الذي ينسحب على كل الذين يهمهم امره. كلنا ندرك كيف يمكن لمنظر ان يثير الاحاسيس ويبتعث الحزن والشفقة. ذلك ما يفعله باسترناك دون ان يبالغ في مشاعره وانما ينتقل بمهارة من حالة الى حالة حتى تكتمل الصورة التي جلبت اهتمامه.
يجد باسترناك في الاسلوب التصويري وسيلة تساعده على التعبير عن المشاعر الغامضة بمساعدة اللون والشكل. فهو يستخرج صوره مما تشاهده عينه او تسمعه اذنه. وهي اداته في التعبير عن مجاهل النفس البشرية. وهو حين يعرض حادثة ما ويرغب في تفسير كل اهميتها، يستخدم صفاتها الحقيقية بشكل رمزي. فالرموز انما تكتسب اهميتها لصفاتها الذاتية وللاشياء التي ترمز اليها. تستدعي القصيدة القائمة على هذا النحو الفهم على المستويين الحرفي والرمزي. هذه القصيدة من اكثر قصائد باسترناك تداولا، وهي توضح الطريقة التي يتصدى بها باسترناك لهذا التكنيك بكل ما فيه من صعوبة :
تسابقت النجوم قدما
الارض الجرداء ارغت وازبدت نحو البحر
رذاذ الملح اعمى العيون
والعيون جفت دموعها
عم الظلام غرف النوم
تسابقت الافكار قدما
نحو صحارى ابي الهول
توجهت الاذان الصابرة
حفرت الشموع اخاديد
هكذا بدا الدم مجمدا في ذلك التمثال العملاق
والشفاه المنتفخة تمخضت عن بسمة الصحراء الزرقاء
في تلك الساعة من المد، انحسر الليل
البحار ايقظتها النسائم القادمة من مراكش
هبت ريح السموم
اركينجل غطت في نومها بين الثلوج
حفرت الشموع اخاديد
جفت مسودة ” النبي ” الاولى
وعلى ضفاف الجانجز طلع الفجر
يوضح المقطع الاخير معنى القصيدة. ” فالنبي ” قصيدة شهيرة لبوشكين، وهنا يتناول باسترناك مكوناتها. تبدأ القصيدة بالليل وتنتهي بالفجر. غرف النوم المظلمة والشموع المخددة والنجوم المتسابقة تترافق كلها مع التكوين الكلي. الارضية الجغرافية الممتدة من افريقيا الى اركينجل من الجانجز الى مراكش تضع القصيدة ضمن علاقة كونية واسعة وتحدد مولدها على مسرح العالم. تلعب كل هذه التفاصيل دورا اخر. فهي رموز التكوين المنطلقة من قلب الشاعر. ان عاصفة البحر طاقته العاصفة، والتمثال العملاق المتجمد حالته النفسية، وابا الهول المصغي ضميره المترقب على اهبة الانطلاق والشفاه المتفتحة فرحته المنطلقة من اجل الخلق، ومدينة اركينجل التي تغط في نوم جليدي مبالاته بالعالم المحيط به والفجر انتصاره الاخير. واذا كنا نتعامل مع القصيدة على مستوييها المختلفين : الحرفي والرمزي فاننا سنجد ايضا انهما يمتزجان امتزاجا سوف يؤدي الى نتيجة واحدة .فالظروف الحقيقية تلقي الضوء على اهمية الحدث وتشكل رموزه. هكذا يشكل بناء ” النبي ” عرضا يتقمص فيه الهام الشاعر قوة الطاقات الطبيعية ويتمثلها تمثلا تاما.
يستخدم باسترناك الصور من اجل اضفاء صفة الدقة والذاتية على شعره. لقد كتب كثيرا عن المطر ولكنه فرق بين مظاهره المختلفة. ففي مساء صيفي يتقدم المطر نحو الارض كما يتقدم المهندس المساح اليها مع مساعده. والمطر احيانا طبقة صلدة مثل فحم الرسم. وفي قصيدة  ” المطر المنفعل ” يقول :
يبتلع التراب المطر على جرعات
كالحديد في المسحوق الناعم
وهو مرة رذاذ ناعم ومرة اخرى عنيف التدفق كما يختفي احيانا اخرى في الارض المجدبة. وقد يؤدي هذا التعامل الى اضفاء الوضوح والاهمية عند تطبيقه على الحالات الفكرية والعاطفية. فهو يعبر عن الزمن المتسرب دون اية اهمية لأنه “ساعة تعدو كالخنفساء “. ويصف حالة الرضى الهادئ بقوله :
في معطف من الفرو ومقعد مريح
تكركر الروح المسرورة
هكذا الى ما لا نهاية
ويقول عن ضياع الزمن :
لقد احترق العام في الزيت
كفراشة منجذبة الى المصباح
اما الساعة التي تنذرنا بالجنون فهي اشد سوادا من الرهبان،فهي:
خانقة اكثر من رجال الكهنوت
هنا يتضح كيف منح باسترناك اساليب التصويريين ابعادا جديدة اكثر تأثيرا ، فصورة نادرة ومدهشة ولكنها لا تحتل المركز الاول في القصيدة بل تتقمص موضوع القصيدة وتفسر التعقيد الذي بها.
كثيرا ما قادته رغبته في الدقة الى نتائج غريبة. نكاد نحس احيانا انه مثل ابولينير، يتمتع بمفاجأة القارئ بالمؤثرات غير المتوقعة كأن يقول مثلا ” الليل الصقيعي كلب صغير اعمى يلعق حليبه ” او ان الندى ” يركض مرتعدا مثل القنفذ ” غير اننا اذا تمعنا في هذه الصور فاننا سنكتشف مدى انسجامها. فالليل الصقيعي انما يوحي بالجشع الفطري وارتعاش الندى انما يشبه ارتعاش القنفذ حقا. هناك خطر ما في هذا الاسلوب حيث يمكن ان تؤدي رغبة الشاعر في التأكيد على دقة صورته الى تحميلها اكثر من طاقتها مما يؤدي الى نتيجة عكسية. وقد انزلق باسترناك الى مثل ذلك حين وصف العشب المحترق بأنه ” كالوبر على  الطفح الجلدي ” . الصورة البصرية بحد ذاتها صحيحة تماما وربما تكون قادرة على اداء مهمتها الاثارية، غير ان المفاجأة الحادثة كبيرة الى حد يؤدي الى تشويه الانطباع المستقي من بقية القصيدة والابتعاد بالمتلقي عن تأثيره. تلك غلطة ثانوية وقلما تتكرر غير انها تري الصعوبة الناجمة عن استعمال الصور الدقيقة والمدهشة في ان واحد.
يستخدم باسترناك تكنيكه لنقل تصوره الخاص للواقع . انه يشعر بالراحة التامة في العالم الحقيقي الفيزيائي ولكنه يرى هذا العالم بمنظاره الخاص ويمنحه تفسيره الخاص. فهو يرى ان ما في العالم من طاقات وقوى خاصة تحتم عليه تفهمها وتقريبها الى نفسه. وكما ان الشاعر المستقبلي خليبنيكوف يعتقد بان الارض مليئة بالقوى المهملة المجهولة، تلك القوى التي قرنها بالالهة السلافية، كذلك راى باسترناتك في الطبيعة قوة حقيقية حية بطريقة اشد واقعية ومنطقا. فالاشجار والازهار والسماوات والرياح والغيوم والبروق كلها ذوات حية لها طاقاتها وطباعها الخاصة، وهو يتحدث عنها بلغة الافعال والعلاقات الانسانية، ولكن تصوره للطبيعة يتعدى كونها شيئا مماثلا للانسان. فهي تتصرف بطريقة مغايرة وهو يقنع بمراقبتها ويبين كيف يمكنها ان تؤثر فيه وفي البشر الاخرين. انه يستطيع تسجيل الملاحظات الطبيعية بدقة تماثل دقة تينسون ولكنه يفعل اكثر من ذلك بالانتقال من الملاحظة الممتعة لهذه المظاهر الى تحليل معانيها والادوار الدرامية التي يمكن ان تلعبها والمؤثرات التي تحدثها والقوى التي تسيرها والتي تبدو لاول وهلة بسيطة ومألوفة. فالعالم الطبيعي عالم يعج بالحركة والفعل، ملئ بالطاقة والقوى الغريبة التي كثيرا ما تكون مستعصية على الادراك ولكنها مثيرة ومقلقة. هكذا يحس بأن هناك ما يربطه اليها ويحاول جهده تفسير ذلك. قليلون هم الشعراء الذين حاولوا فهم الطبيعة بمثل هذا الايمان. فباسترناك انما يحس بالغبطة العارمة اذ يتعامل معها ويحس بأنها تنبض بالحياة والقوة ولكنه لا يجعل منها الهه ولا يتوقع منها ان تمنحه النبؤات.
انه على وئام تام مع الطبيعة، يعاملها ببساطة ومودة تجعلنا نغفل عن خصوصية رؤياه لابل نكاد نعتقد ان معالجته لها لا تتعدى المعالجة التقليدية. هذا هو الحكم الذي يمكن ان نطلقه على القصيدة التالية:
من فوق الغصون المعطرة
السكرى بنعيم الليل
انزلقت قطرة مطر سكرى بالرعد
وانسربت هاربة من زهرة لزهرة
من زهرة لزهرة تنقلت
انسلت فوق زهرتين
ومكثت على الزهرتين
عقيقة كبيرة معلقة
والتمعت ، وكانت خائفة
قد تأتي الريح القادمة من المروج
فتمسح وتداعب تلك القطرة
غير ان الزوجين لن يفترقا
ولا عن القبلات والسقيا يكفان
يتضاحكان ويحاولان الافتراق
يقفان ثم من جديد يبدآن
غير ان القطرة لن تسقط عن مدقّيهما
وحتى لو قطعتهما فهما لن يفترقا
لا تتمتع هذه القصيدة بأهمية عظيمة، ولكنها توضح دقة الملاحظة التي يتمتع بها باسترناك وكيف يتعامل مع الازهار وكأنها حيوانات بشرية. لقد استثاره حادث عرضي في حديقة ما الى درجة دفعته الى استنتاج شيء يتعدى ملاحظة المراقب العادي. هذه هي نظرته للاشياء الطبيعية، فالازهار لديه انما تمتع بالحياة بطريقة ما ولذلك لابد من التحدث عنها بلغة العلاقات الانسانية والشخصية. تنبع مثل هذه القصيدة من حدسة الذاتي وادراكه الخاص للاشياء الطبيعية وهي تتعدى كونها اداة للزينة. هكذا تستثار فيه الرغبة في استطلاع الازهار وتسجيل اثر ذلك.
يتحول هذا التآلف مع الطبيعة الى شعر متميز ذي ابعاد. يبدو ذلك واضحا في قصيدة ” تلال العصافير ” التي تتلخص بأنها تنويع لموضوع قديم : بما ان اي سرور لا يمكن ان يدوم طويلا، فلنتمتع بما نستطيع التمتع به وعلى الاخص دعونا نتمتع بشبابنا. هذا هو المغزى الرئيس الظاهر غير ان التنويعات هي التي تتمتع بالاهمية وتمنح القصيدة صفتها الفريدة. يتحدث باسترناك عن حالة واقعية وخلفية واقعية اطلق على جزء منها عنوان ” اغنيات لانقاذها من الملل “.  يبدأ بالاشارة الى حب متقد سرعان ما تتسرب اليه الشكوك بكل مخاوفها المقلقة التي توحي بأن هذا الحب سوف لا يدوم الى الابد. ان لذات الحب نفسها سوف تصبح رتيبة ومملة وهو ينشد الهروب الذي يقود الى شيء اكثر اقناعا واثارة:
القبلات على الصدر، كالماء المنسكب من الابريق
البئر الصيفية لا تدفق الماء دوما او دون توقف
ونحن سوف لا نصعد ضجيج الغناء كل ليلة
من التراب الذي تثيره ضربات ارجلنا
لقد سمعت بالشيخوخة – تلك النذر المشؤومة
اذ ليس من موجة ترفع كفيها الى النجوم
لو تكلموا شككت في كلامهم
فليس في السهل وجه
وليس في الجداول قلب
ولا الله قائم في شجر التنوب
سعر روحك تسعيرا
دعها ترغي وتزبد كل النهار
تلك هي ظهيرة العالم
افلا ترى ذلك بعينيك
انظر كيف تنور الافكار في الاعالي وتتحول
الى فقاعات بيضاء
تلك هي قمم التنوب ومناقير الطيور والغيوم وابر الصنوبر
والقيظ
هنا تنتهي سكك حديد المدينة
ثم يبدأ الصنوبر
حيث لا معبر للقطار بعد الان
حيث يوم الاحد
حيث قطف الغصون
التقافز فوق الارض الممتدة
الانزلاق فوق الاعشاب
نعتصر ضوء الظهيرة وأحد العنصرة ونمضي
فالغابات هكذا تريدنا ان نعتقد
ان العالم كله هكذا
فهي منظومة من الاحراج
ملهمة بالمدى الشاسع
تتقاطر علينا من الغيوم
كتقاطر قماش الكتان
تلك هي ” دعوة لرحلة ” التي يقدمها باسترناك. فهو لا يدعو حبيبته الى جنة خيالية بل الى غابة حقيقية في ايام صيفية حقيقية وتجدد الحياة الذي يبحث عنه سوف لا يـأتي من المسرات الفكرية  او الفنية وانما من خلال التواجد في حضن الطبيعة. ان ذلك التعبير عن وحدة الوجود المتمثل في المقطع الثاني وما يتضمنه من خوف ان تحيل الاعوام ايمان الشاعر الى اوهام، يمهد الطريق الى شحذ الاحاسيس من خلال التواجد في الغابة، الى ذلك الهيجان والفوارن الذي يعتقد بأنه سيكون طوع امره. فالقوة الدافعة في مثل هذه الرحلة الاستكشافية هي الايمان بقدرة الطبيعة على توفير ذلك الاسترخاء المنشط الذي لا يشكل عملا خارقا وانما هو مجرد عامل اغناء واثراء لطاقات المحبين الشباب.
فالانسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة التي تتغلغل في كيانه وتسيطر عليه بطريقة تكاد توحي بأنه مخلوق من مخلوقاتها، تعصف به الاهواء وتخضعه للمؤثرات المحيطة. تثير هذه العلاقة المتداخلة اسئلة عديدة في نفس باسترناك . ولكنه ينظر الى الانسان ضمن خلفيته الطبيعية نظرة جديدة. تدور احداث ” الغابة ” في يوم صيفي حيث يغفو الحبيبان بينما يتقدم الغروب تدريجيا، تلعب الطبيعة دور الساعة رغم ان الحبيبين لا يحسان بمرور الزمن، يتم التعبير عن هروب الزمن من خلال المكان الذي ينام فيه الحبيبان الذي يشكل معهما كلا واحدا.
السهول مثقلة بالقيظ البنفسجي
وفي قلب الغابة تمدد الليل الكاتدرائي
ما الذي بقي في هذا العالم لقبلاتهما ؟
كان كل شيء ملكا لهما، شمعا طريا تحمله الاصابع
ذلك هو الحلم : – فانت لا تنام
بل تحلم انك عطشان للنوم
ان احدا يستلقي نائما
ومن خلال الحلم الكامن خلف جفنيه
تسفع شمسان سوداوان رموش عينيه
تدفقت الاشعة، ومع الجزر تدفقت الخنافس
على خديه يتحرك اليعسوب الاسود البراق
كانت الغابة ممتلئة بالالتماعات الدقيقة
مثل البريق المنبعث من كماشة صانع الساعات
يبدو انه اغفى على دقات الارقام
بينما فوق رأسه وفي الغسق الفاقع
كانوا يضعون  ساعات محكمة الدقة في الاثير
يضبطونها ويغيرونها مع تغير القيظ
يديرونها ويهزون مؤشراتها
يبعثرون الظلال
يؤرجحون ويثقبون مكانا
للظلام المنتصب كالصارية
المتسلق على النهار المنهار
فوق وجه الساعة الزرقاء
يبدو ان السعادة القديمة ترفرف عاليا
يبدو ان النوم يعانق الغابة
الناس السعداء لا يرقبون تكتكة الساعات
يبدو ان هذين الزوجين لا يفعلان غير النوم
تبدأ القصيدة بتصوير الحب المكتمل، فالحبيبان مستلقيان على وشك النوم في حالة لا يكاد الرجل يحس بوجود المرأة الى جانبه. تبدأ الطبيعة عملها ناصبة في السماء ساعتها الخاصة. غير انهما لا يحسان بمرور الوقت، لقد اغفيا ، تهتم القصيدة حتى هذه المرحلة بالحالة التي تعقب اكتمال الحب، وفي حين يضع الشعراء الاخرون الحب قرينا للخوف من مرور الزمن، يحول باسترناك الزمن الى عنصر من عناصر الحدث الكلي. فالطبيعة نفسها هي التي تسجل الوقت والبشر لا يحسون بالزمن المنحسر.
ان الطبيعة التي تتجلى امام البشر باشكال متعددة، انما تحتاج الى رمز او اسطورة لكل شكل من هذه الاشكال. وبما ان باسترناك لا يعتنق ميثولوجيا معينة، فهو يلجأ الى خلق الاساطير المختلفة لكل مظهر من هذه المظاهر. فالطبيعة حية بموجودات لا يمكن اكتناه طبيعتها وانما يمكن فقط رصد افعالها. فالارواح المنطلقة ليست ارواحا مألوفة ولا تتمتع بصفات معروفة، يمكنها احيانا ان تكون مؤذية وان تجلب القلق والحزن. وهي تتصف احيانا ببعض المكرالذي تتمتع به جنيات شكسبير ولكنها تنتقل في عالم مألوف مما يؤدي الى امكانية التعرف عليها. يكاد كل انسان يدرك ويحس بتلك التيارات المقلقة التي تهب في اواخر الشتاء. ولعل اقصى تبدل للفصول هو ذلك الذي يحدث في روسيا اثناء فترة ذوبان الجليد. في ذلك الوقت تنطلق الارواح المقلقة فيقول باسترناك:
الهواء تصفعه قطرات المطر بين آن وآن
الثلج اجرب ورمادي
ها انت تنتظر خيط الافق كي تستيقظ وتنطلق
ها انت تنتظر انتشار الزنابير
وكالعادة ، بمعطفه المفتوح الازرار
وبشال منفلتٍ فوق الصدر
يلاحق الطيور البليدة التي لا تنام
ويطاردها
ها هو جاء مشعث الشعر، كي يراك
يحاول اطفاء الشموع الذائبة
يتثاءب ويتذكر ان الوقت قد حان
كي ينزع عن الليلك قبعاته الليلية
واذ يفقد سيطرته على نفسه
ينفش شعره الكث
غارقا في فوضى الافكار
يتركك، منصعقا بحكاية شريرة تافهة
رواها عني
الشخص الرئيس غير واضح المعالم، وانما يمكن التعرف عليه فقط من خلال اعماله. تنمو شخصيته في جو مفعم بالقلق. طبيعته واعماله يجسدان الروح المشوشة المسببة للازعاج والقلق. انه يرعب الطيور ويجعل الشموع ترتجف ويسبب الازعاج للبشر ايضا. هكذا يمتد قلق الشاعر الى رفيقه وتتمخض النتيجة عن قصة مروية ضد نفسه. يحمل الفصل معه حضورا مزعجا ومثيرا،  شيئا اشبه بشخصية ” باك ” ولكن هذا الحضور ينبجس في وقت معين من السنة ويمكن التعرف عليه من خلال النكات الماكرة المنافية للادب.
يمكن لهذا الاحساس بالقوى الطبيعية الفاعلة في العالم ان يكون حادا الى درجة تشارف المأساة. لقد تغنى الكثير من الشعراء الروس بالخريف. وكما اكد نيوتشيف اكثر من مرة على طبيعة الخريف الحزينة، كذلك يفعل باسترناك في قصيدته، ولكن بحدة اشد وبنبرة ذاتية اكثر خصوصية. انه يختار الفترة التي تفصل بين الصيف والخريف حين تتساقط الاوراق وتنكسر الاشجار وينتشر الضباب ممهدا لقدوم الشتاء مثيرا الاحساس الحاد بالتفسخ والموت، بفقدان الحيوية وقسوة  الفراق. تسهم صوره اسهاما كبيرا في تجذير الاثر العاطفي حيث تضيف كل واحدة تحليلا جديدا وتنمي الاحساس بالمرض والموت. غير انه من خلف هذه الصور والصفات يكمن شيء لا يقدر على توفيره الا باسترناك، انه ذلك الوضع الذي ينخرط فيه الانسان في قلب الطبيعة التي تتحكم في حالاته النفسية محيلة اياه الى جزء من اجزائها:
يتناثر نوفمبر الدائم في البال، فوق سباسكوى
افلا يمكننا هذا اليوم ان نخرج من هذا الكوخ
يصيح الصدى خلف السياج مع الرعاة
ويجعل ضربة الفأس في الغابات ترن صافية
امس، في الليل خلف الحديقة، ارتعشت المستنقعات الراجفة
واختفت الشمس ثانية في اللحظة التي ظهرت فيها
سوف لا تشرب ازهار الجريس من الندى الراشح
وعلى اشجار البتولا تنتفخ الليلكات القذرة
الغابة مكتئبة. كل ما تريد هو الهدوء
تحت الثلوج في جحور الدببة نوم لا صحوة منه
وهناك بين بقايا الجذوع خلف الاسيجة المعتمة
فغرت الحديقة المشجرة فكيها مثل قائمة باسماء الموتى
ما زالت غابة البتولا تغيم وتفقد الوانها
تقلص ظلالها المائية وتتشتت وتعتم
وهو ما زال يتمتم: ها انت ثانية في الخامسة عشرة من عمرك
وها  نحن ثانية تتساءل ما الذي نفعله بهذه الاعوام ؟
لقد تكاثرت الاعوام الان وعليك ان تكف عن اللعب
فهي كالطيور في الاكام وكالفطر في الاسيجة
لقد بدأنا نغطي افقنا بها
وبضبابها نخبئ ابعاد افق اخر
في ليلة موته، سمع المهرج المصاب بالتيفوس ضجة ما
ضحكات الالهة الهومرية في الرواق
والان في الطريق، في سباسكوى، وعلى ذلك الكوخ الخشبي
يطلق العذاب نظرات مفعمة بالهذيان
يقوم بناء القصيدة على اساس متناسق. فالمقاطع الثلاثة الاولى تعرض المنظر بكابته وتفسخه. الممثلون هم انفسهم المناظر الطبيعية. الصدى ، المستنقعات ، ازهار الجريس، الاشجار وكلها تخضع للعذاب والمعاناة. يبلغ الاحساس بالمصير المنتظر ذروته حين تقارن الاشجار بقائمة عليها اسماء الموتى. يتضح الهدف من تلك الخلفية المفصلة بشكل غامض وايحائي في المقطع الرابع. فالشخص غير الموصوف لابد وان يكون واحدا من القوى الطبيعية الباسترناكية، انه عبقرية المكان المذكور في ذلك الفصل من السنة الذي يسيطر على الغابة. هكذا يحس الشاعر انه قد اصبح ثانية في الخامسة عشرة من عمره وها هو يعاني من الكآبة والتردد الطفولي ثانية، هذا الاحساس الذي ينتاب الانسان في هذا العمر حيث يشعر بأن الحياة قد فقدت مداها وتقلصت افاقها. يسيطر هذا الاحساس على اللحظة الراهنة مانحا الكوخ والمنطقة المحيطة به جوا مأساويا وكأن هناك قوى طبيعية تسخر به كما تسخر جموع المشاهدين في قاعة المسرح بالبطل حين يعلن عن موته. تحتد النهاية اذ يتولد الاحساس بان الشاعر قد قذف ثانية الى ايام الطفولة وقد استبد به اليأس بتأثير الهواء الخريفي. يقتحمه هذا الاحساس اقتحاما من خلال القوى الطبيعية الناشطة في سباسكوى فهو ضحيتها وهي تظهر ازاءه لا مبالاة فظة اشبه بمعاملة الالهة القديمة للبشر . لا تغفل اذناه وعيناه عن اية لمحة في المنظر العام. ان كل مظهر من مظاهر الطبيعة قادرة على منحه فكرة جديدة، رمزا او صورة او تشبيهاً، وكلها تتفاعل وتصب في المغزى العام للقصيدة. فالطبيعة هي المصدر الاساسي لقصائده وهي تستولد اعظم قابلياته.
تشكل هذه النظرة للطبيعة بؤرة رئيسة في اعمال باسترناك حيث تشكل قصائده تجسيدا لايمانه بان قوة خلاقة ما تقوم بممارسة عملها داخل كل شيء وان العناصر التي تكون اي منظر طبيعي لها قوة تضاهي العناصر الفاعلة في قلب الانسان وذات صلة قوية بها. يركز اهتمامه على علاقته او صراعه مع تلك القوى. يرى نفسه والاخرين خاضعين لمؤثرات غريبة غامضة يتعذر التعرف عليها الا من خلال نظرة ثابتة خاصة ولا يمكن التعبير عنها الا بالرمز والاسطورة. وهو يحتفظ بهذا النظرة حتى في كتاباته عن نفسه وعن مشاعره الخاصة. تمنح هذه النظرة قصائده الغزلية صفة مميزة. فالحب عند باسترناك قوة تحطم القوانين العادية للحياة وتخلق عالما جديدا. ففي قصيدته  ” من الخرافة ” يغير الحب كل الاحوال ويمنح كل شيء معاني جديدة. انه لا يحتاج كبيت له اكثر من ” صندوق فيه برتقالة حمراء “، ويتحول ورق الجدران المرقط الى شجرة بلوط وهو حين يقبل حبيبته انما “يذوق طعم البنفسج ” فستان حبيبته قطرة ثلج تزقزق مرحبة بنيسان. يتقمص اللقاء كل سحر الطبيعة، في الربيع لا يبدو غريبا ان يحس الشاعر بأن حبيبته قد انزلت روحه عن الرف ومسحت عنها الغبار. يفرض الحب قوانينه على الواقع ويجعل الحبيب يتمتع بحالة اكثر اصالة مما في الواقع الفعلي. استطاع باسترناك التعبير عن مثل هذا التحول بطريقة ارفع واشد حبكة في قصيدته ” لا تلمس ” حيث يبدو كأن حيلة مجازية تتحكم بالقصيدة وتمنحها قوة فائقة:
” لا تلمس . الصبغ طري ” تقول اللافتة
لم تعر الروح التفاتا
واصطبغت الذكرى بما فعلته الخدود،
السيقان ، الايدي، الشفاه والعيون.
تجاوزا لكل حسن الحظ او سوءه
فقد احببتك
لان كل البياض والصفرة في هذا العالم
قد بدت انصع بياضا من خلالك.
واقسم يا صديقتي ان كآبتي
سوف تغدو انصع بياضا
من الحمى، ومظلة المصباح، والضمادة البيضاء فوق الجبين ‍‍‍
تبدو قوة الحب الفاعلة في صورة ضوء ابيض منبعث من الحبيب مغيرا معالم الشاعر، فارضا نفسه  على كآبته محيلا اجواءه الى حالة من الاشراق.
واذا كان الحب كذلك فهو مع ذلك يحمل بعض القلق حيث لا يمكن تلقي هذه الطاقة العارمة دونما خوف. فهي تنطلق من اعماق الطبيعة التي لا يمكن سبر غورها والتي يحتمل ان تسبب الدمار. يعبر باسترناك احيانا عن خوفه من هذه القوة حيث يعرض في احدى قصائده ذلك التناقض بين النظرة المألوفة للحب ونظرته هو. فبينما يعتبر الناس الزواج مناسبة ” للسكر والثمل ” ” ولكبح ” تلك الحياة التي مثل حلم لؤلؤي في علبة عطوس، يرى باسترناك فيه اطلاقا للطاقات البدائية الداخلية :
تزحف الهيولة على العالم
كتلك العصور حيث عاشت المتحجرات.
يغار الناس من العريس ولا يروق لهم ان ” ينهض الفتاة من التراب كما ينهض باخوس من القارورة ” .تذوب جبال الانديز في قبلاته التي هي اشبه بالفجر على السهول حيث تسقط النجوم على التراب. ينتج عن ذلك ان قوة غريبة تنطلق من المكان الذي تجري فيه مراسم الزواج. فالحب، كما يراه باسترناك وحشي، لاعقلاني ولا يمكن السيطرة عليه. انه يقتحم الحياة ويقلب كل شيء رأسا على عقب. ولذلك يمكننا اعتبار مسلسلته ” انقطاعات ” من اكثر قصائده الغزلية تأثيرا وذلك بمعالجتها لموضوع الحب كحالة مرضية يصاب العقل فيها بنوع من المرض ويكون الاحبة مسكونين بشعور الذنب والعار:
ايها الحزن، المصاب بالكذب في جذوره
ايها الاسى، يا حزن المجذومين
يمكن لباسترناك ان يتقبل اوهام الحب ويتصور انه يستطيع  الهروب مع محبوبته مثل اكتيون واتلانتا الى الغابات. غير ان هذه الحالة لا تدوم ولا يلبث الواقع ان يفرض نفسه حيث يتم الفراق بهدوء مخلفا جرحا ما :
انني لا امسك بك. انشري سحرك ثانية
اذهبي للاخرين . الان تم تأليف فيرتر
ان روائح الموت تهب على نهاراتنا
وكل نافذة مفتوحة هي شريان مفتوح.
انه يتقبل الحب ونتائجه لانه تطور حتمي ولكنه لا يغفل ما يستتبع ذلك من قلق وأسى.
كتب باسترناك معظم شعره الذاتي والغنائي في زمن كانت فيه بلاده في قمة الاضطراب. فقد كتب ” شقيقتي الحياة ” في صيف عام 1917 بين ثورة شباط وثورة اكتوبر. كما كتب ” افكار وتنويعات ” في فترة لا تقل حشدا بالاحداث التاريخية ما بين انتصار البلشفية ونهاية الحرب الاهلية. في تلك السنوات، وفي الوقت الذي كان يستلهم مايكوفسكي وخليبنيكوف قصائدهما من العواطف الشعبية والاهداف الثورية، يبدو باسترناك وكأنه قد عزل نفسه بعيدا عن المعركة. ربما يخيل لنا ان ذلك الزمن لم يخلف في نفسه اثارا حادة وبأن تمسكه برؤاه ومواضيعه الذاتية قد جعله في عزلة عما يدور حوله. لكننا نخطئ لو اطلقنا عليه مثل هذا الحكم. فباسترناك لم يكن رجعيا ولم يكن بعيدا عن السياسة. حين قامت ثورة 1905 كان في الخامسة عشرة من عمره وقد اتجه بكل مشاعره نحوها كما شارك المستقبليين  اهدافهم وطموحاتهم. فالثورة في نظره، كما في نظر المستقبليين ان هي الا تمثل عظيم للقوى الطبيعية الكامنة انذاك في روسيا وقد ادرك مدى تجاوب هذه القوى مع مفهومه الديناميكي للحياة. لذلك فهو يتجاوب مع الثورة بطريقته الخاصة وهو مدين بالالهام الذي تمنحه اياه الى روح العصر ذاته. غير انه يعبر عن ذلك بطريقة خاصة به. فاسلوب باسترناك الحساس الذاتي الغنائي مختلف كثيرا عن ملاحم خليبنيكوف الناقصة او خطابيه مايكوفسكي الحماسية. فعبقريته تفرض عليه تمثل التجربة السياسية حتى تصبح جزءا من نفسه ويتم التعبير عنها بالنحو الذي يحس به. لقد فهم الثورة من خلال تغلغله في قلب القوى التي تحرك الطبيعة والانسان. وذلك هو الذي اثر في طاقاته الخلاقة وجعله يتعامل معها كما يتعامل مع الطبيعة او الحب فكتب عنها بالطريقة ذاتها معتبرا اياها عنصرا من تلك العناصر التي تؤثر فيه بعمق وتمس جذور كيانه وكأنها مظهر اخر من مظاهر القوى الغريبة الفاعلة في العالم.
تبدو طريقة تمثل باسترناك لتجاربه السياسية وكأنها تقليل من اهميتها وتقليص لها الى مجرد مظاهر طبيعية. وتلك هي بالضبط الاهمية التي يجدها فيها. فهي بالفعل قوة طبيعية ولذلك فهي مليئة بالغرابة والبهاء. انها مظاهر خاصة لتلك القوى الغريبة التي  يمكن رؤيتها في الطبيعة المادية وهي تنبع بصورة طبيعية من المدى المتواجد وترتبط به ارتباطا وثيقا شأنها شأن الافعال البشرية الاخرى. الثورة حدث طبيعي في حد ذاتها وهي تنبثق من الارض الروسية كما تنبثق من الروح الروسية. يمكن التعرف على هذا الموقف بشكل اوضح في قصيدة ” صيف ” التي كتبها عام 1917، خلال فترة الهدوء التي سبقت العاصفة :
متعطش للحشرات، للفراشات
والبقع التي طالما انتظرنا
وحولنا كانت الذكريات
مضفورة بالحر والنعناع والعسل.
لم تكن الساعات تدق، بل صوت المدارس يرن صافيا
من الفجر حتى المساء
زارعا احلامه عن اللدغات في الهواء،
كان الهواء مسحورا.
تجولت الشمس على هواها
ثم اسلمت لزيز الحصاد
وللنجوم والاشجار
سلطتها على الحدائق والعنابر
القمر المختفي بعيدا عن الانظار
لم يكن يبعث الاشعاع وانما روافداً
وثم رويدا رويدا، تدفق الليل الخجول
من غيمة فغيمة
من الاحلام قبل الاسطحة
وقد تملكه النسيان اكثر مما تملكه الوهن
كان المطر الناعم يراوح عند الباب
بينما اندفعت الرائحة من سدادات الخمر
هكذا كانت رائحة التراب، ورائحة العشب
ولو صدف واصغينا
لشممنا في كلام الارستقراطيين
رائحة الاخاء والحرية
اجتمعت المجالس في القرى
الم تكن ضمن هؤلاء الذين عقدوها
لقد انتشرت الايام مشرقة بحميٌض الغابة
وعبقت برائحة سدادات الخمر.
تتسم المقاطع الخمسة الاولى باسلوب مرهف رقيق يمهد ويهييء للاحداث السياسية القادمة بينما يشير المقطع السادس الى ما يدور من حديث في تلك الفترة حول القيم التي استطاعت التأثير حتى على طبقة الملاكين .اما المقطع الاخير فيشير مباشرة الى السوفييت، تلك المجالس القروية التي عكست امال وطموحات عامة الشعب. تشكل تلك الاحداث السياسية المليئة بأمل العطاء المقبل جزءا من المنظر الصيفي العام، جزءا متجانسا مع الجمال الذي يعم الجو لا بل انها قمة هذا الجمال وكماله. هكذا تنبع اخوة البشر من الخلفية الطبيعية وتبين مدى ترابطها معها.
فباسترناك واع تمام الوعي لوجه الثورة الانساني وهو يرى كذلك انه رغم العطاء الذي يعد به فهو يجلب في ذات الوقت القلق والاضطراب. تتضح المعاناة التي مر بها ابان الاشهر الاولى من الثورة كما يتضح الجواب الذي توصل اليه من خلال هذه المعاناة في قصيدته ” يناير 1918 ” التي يحيي فيها بثقة تامة مجيء العالم الجديد وما يحمل من امل في حياة افضل :
طالما قرب نافذتي همس العام المنصرم العجوز
” هيا اقذف بنفسك خارجا “
ها هو العام الجديد يصنع نهاية لكل شيء
حاملا معه حكايات ديكنز الميلادية
انه يهمس ” قائلا ” انتفض وانس ما فات
لقد نهضت عطارد مع الشمس في الخارج
وها هو العام العجوز القاتل يسقط
في كاس من سم السيانيد.
وها هو السلام يمر عبر النافذة
مسحوبا بيديه ، بفجره
بشعره المتناثر بدلال
من الطيور والاسطحة ومن الفلاسفة
ها هو الان يجيء، يستلقي في الضوء
المشع من زجاج النوافذ ومن الثلج في الخارج
انه صاخب وقليل الادب
يصرخ، يطلب مشروبا ،
ذلك اكثر مما يحتمل ‍
لقد طار صوابه
انه يجلب معه ضجيج الساحات
ما الذي نستطيع ان نفعله ؟
فليس في العالم اسى لا يمكن شفاؤه بالثلج
هنا، وكما هي الحال دائما مع باسترناك، يوفر الواقع الرموز للاشياء الاكثر تجريدية. فبعد الاهوال الانتحارية والرعشة المميتة بالسنة المنصرمة، تجيء السنة الجديدة واعدة بالضوء والراحة والسلام . يجيء السلام من الطبيعة ومن الناس، وكلاهما بطرقهما المختلفة فلاسفة يدركون مغزاه. ومع ذلك فالسنة الجديدة ليست تماما على النحو المتوقع، فهي صاخبة وسوقية ومربكة، فبعد كل العذابات والتضحيات، بعد كل الامال اليوتوبية، يشكل الواقع صدمة. ولكن باسترناك يتقبلها بحكمة الفيلسوف ومرحه وتفاؤله. ففي الشطر الاخير تتأكد ثقته بالمستقبل حيث يرمز الثلج الى القوى المطهرة المنتشرة التي سوف توفر الدواء في النهاية لكل قلق الحاضر. تبين هذه القصيدة موقع باسترناك المنفصل، فهو يرى الاحداث من زاويته الخاصة ولا يخشى قول ما يحس به، ولكنه في ذات الوقت يقدر اهميتها ويتنبأ بالخير الكامن في المستقبل.
توضح النبرة التفاؤلية التي تنتهي بها القصيدة مشاعر باسترناك ازاء عصره. فهو على ثقة بأن ذلك الانطلاق للقوى الطبيعية لابد وان يكون في النهاية صحيحا، ولابد له ان ينتصر. انه لا يتبنى تفاصيل القضية، انه شاعر حركة تهدف التحرير الشامل وبناء الحياة الجديدة بكل ابعادها. ولذلك فهو لا يقسو كثيرا على خصومه، فهو يشعر بأنهم قد خسروا معركتهم وهم لذلك لا يستحقون الكثير من الاهتمام. انه ينبذهم بكل سخرية واحتقار، وهو يدرك ان هناك اختلافا كبيرا بين ثقته العارمة وتلك النظرة المتوترة لدى خصومه وبأنه انما يمتلك شيئا لا يمكنهم ان يأملوا في امتلاكه. يبدو ذلك واضحا في قصيدته ” امنيه ” التي كتبها عام 1919 :
يهز الفجر الشمعة، يطلق لهبا
لكي يضيء جناح العصفور الصغير، فلا يخطئه
ابحث بين ذكرياتي ، واعلن قائلا
“فلتدم الحياة نضيرة كما هي الان “
مثل طلقة، رن الفجر خلال الليل
بم، بم، هكذا انطلق
في نشوة الطيران
هاهي اغلفة الرصاص تئز وتلتهب.
فلتدم الحياة نضرة كما هي الان
النسيم خلف الباب ثانية
ارتعش في الليل، يريدنا
تجمد حين جاء الصباح بالمطر
فلتدم الحياة نضيرة كما هي الان.
انه غريب الاطوار بشكل عجيب
لماذا يقحم نفسه عبر الباب بكل وقاحة
افلم يشاهد “ممنوع المرور “
فلتدم الحياة نضيرة كما هي الان
بينما لا يزال هناك منديل يرف
بينما انت لا تزالين سيدة
هيا انطلقي في كل مكان
قبل ان يحل الظلام
قبل ان تختفي السنة اللهيب.
يرمز الفجر هنا الى مجيء النظام الجديد، وهو ينبثق مثل طلقة من بندقية . يرحب الشاعر بالوضع الجديد ويدرك ان كل شيء سيكون حسنا.في المقطع الاخير، ترمز المرأة التي يخاطبها الى الطبقة الحاكمة القديمة التي ما زالت امامها فرصة لمواصلة افعالها السلطوية والعاطفية قبل ان تضطر لتغييرها. لقد كتبت القصيدة باسلوب مرح وبثقة تامة بالنفس. هكذا يجد باسترناك في الاشياء التي يعتبرها الاخرون مخيفة مصدرا للالهام والاثارة.
لقد كتب باسترناك شعره السياسي، وخاصة في السنوات الاولى من الثورة، بطريقة خاصة به. فهو يحكي كيف تؤثر فيه الاحداث واي دور تلعبه بالنسبة لنظرته نحو الاشياء. غير ان متطلبات الثورة كانت اعمق من ذلك ولم يكن بامكان باسترناك ان يكون اصما ازاء هذه المتطلبات. فكما كتب خليبنيكوف في تلك السنوات قصائده البطولية مصورا الابطال الروس الذين ناضلوا في سبيل الحرية مثل ستيفان رازين والخياطة المجهولة في عام 1917، كذلك شعر الاخرون بالحاجة الماسة لتمجيد احداث تلك الفترة، ومنهم نيكولاي يتخذنوف الذي حول تجربته في الجيش الاحمرالى قصائد قوية مصورا فيها الطبيعة حليفا لقضيته، وبتوافق تام مع روح عصره ، لم يحجم عن تصوير اشد جوانب الحياة قسوة لكي يبين نتائجها الجيدة. يبين المثال الاتي مثل ذلك الاسلوب الذي يمزج بين الواقعية والروحية :
النار والحبل والطلقات والفأس
القت الينا بالتحية وتبعت خطواتنا.
في كل قطرة نام الطوفان
ومن خلال الاحجار الصغيرة خرجت التلال الى الوجود
الاقدام داست في الخلنج
عاليا كان صوت الغابات ذات الاذرع السوداء.
الزيف شاركنا طعامنا وشرابنا
دقت الاجراس نوباتها كالمعتاد
فقدت قطع النقود وزنها وصوت رنينها
والاطفال لم ترعبهم جثث الموتى
في ذلك الوقت، كنا اول من تعلم
كيف نستعمل الكلمات المرة الجميلة القاسية.
تلك هي البطولة الثورية المرئية من الداخل. انها لا تمت بصلة الى عالم باسترناك التأملي المستقل النظرة وخاصة في ذلك الوقت بالذات. ولكن باسترناك استطاع ان يكتب شيئا قريبا منها مثبتا مدى تفهمه لذلك الحب الغامر الخلاق الواقعي:
نحن قليلون ، ربما لسنا اكثر من ثلاثة
ملتهبون، جهنميون ، آتون من الدون
تحت سماء متسارعة ورمادية
من الغيوم والامطار
من الجنود المصممين على السوفييتات
على الاشعار، والمناقشات
حول المواصلات والاعمال الفنية
كنا يوما رجالا، نحن الان ازمنة
تقذفنا، تحملنا دوامة مستمرة
كأننا سهل التندرا تحت زفرات المراكب
بينما المكابس، العربات تستمر في قعقعتها
سوف نواصل طيراننا، نقتحم، نحط
ندور بسرعة دوامة العقبان
هكذا الى الامام ، سوف ندرك ذلك غدا
فحين تعصف الريح بأكوام القش عند الفجر
قاذفة بكل شيء الى مختلف الجهات
تصبح الريح ازلية
وتلتقي الاشجار في قلب الريح
وتتحدث من فوق السقف المنهار
هنا استطاع باسترناك ان يوفق بين اسلوبه وموضوعه البطولي. فجنوده الثوريون هم قوى الطبيعة كالغربان والريح. انهم جزء لا يتجزأ من الطبيعة في خضم الثورة. وتساعد الجمل القصيرة المركزة في خلق الانطباع الخاص عن تلك الحيوات المفعمة بالاحداث الكبيرة. لقد استطاع ان يخلق جوا ملحميا ضمن حدود لا تتعدى ثلاثة مقاطع.
يجد باسترناك موضوعات قصائده في الطبيعة، في الحب ، في الاحداث السياسية، تلك الموضوعات التي تحتوي على العنصر البدائي القوي الذي يتفاعل تفاعلا تاما في قرارة نفسه. انها تلك الروح التي يؤلف بها الشعر. انه يجد نفسه في الفة تامة مع هذه المواضيع لما يرى بها من قوة فاعلة ذات علاقة وثيقة  بالقوى المتفاعلة داخل نفسه وهو في ذروة الاندفاع نحو الكتابة. واذ تثير هذه الموضوعات انتباهه واهتمامه، تتحول طاقاته الابداعية الى سؤال ملتهب في اعماق نفسه ما يلبث ان يكتب عنه باستمرار ويراه من عدة زوايا، حسب اختلاف الزمن. انه شديد التواضع وكبير الصدق بحيث لا يمكنه ان يكتب كتابة ميتافيزيكية متسمة بطابع المبالغة. ولكن نتاجه يبين مدى اهمية ذلك بالنسبة له وكيف يعبر عنه حتى في نطاق تعبيره عن الاشياء الاخرى . فهو حين يتكلم عن الشعر يبدو احيانا وكأنه يتقمص حالة تهكمية متناقضة العبارة متخذا من نفسه موقف المدافع غير الراغب في عرض قضيته كلها. فهو يرفض التحدث بطريقة جازمة عن أي موضوع يجد فيه اهمية كبيرة ويعجز عن اكتناه سره او تفسيره. لذلك فهو يلجأ في تعريف الشعر الى سلسلة من الصور التي تصف الشعر ولكنها لا تعرفه:
انه انطلاق الصافرة المفاجئ
انه عناقيد الثلج وهي تنكسر مرنة
وهو الليل اذ يحط الصقيع على العشب
وهو مبارزة بين العنادل الصادحة
وهو غير مستعد لقذف الادعاءات حول الحالة التي يمر بها وهو في لحظة كتابة الشعر. انه لا يشبه ” فنان ” بلوك حين يتكلم عن اعماله، فهو لا يعبر عن الرعشة المطلقة او الجنة. يقول في احدى قصائده ان الصور انما تتدفق عليه بشكل متواتر:
تتدفق الصور كالسيل المنحدر
تتجمع في ايقاع من كل مشجب وحائط
من الطرقات التي انطفأت شموعها
انني لا امنع تدفقها المنتظم
لا بل انه ينكر الاحساس بأية متعة في كتابة الشعر :
انت الصيف المسافر ببطاقة الدرجة الثالثة
انت الضاحية، ولكنك لست القرار
انه خانق كشهر ايار او كمنطقة مزدحمة  في مدينة او قلعة تمر فيها الغيوم :
الشعر، حقيقة بدهية فارغة
تقف منتظرة، كسطل من الزنك
تحت الحنفية التي لابد ان تنبثق
ها هو الدفتر مفتوح، فاندفق
تلك هي طريقة باسترناك المتواضعة في عدم التبجح بنفسه، فالفن بالنسبة له، لا يعدو ان يكون نتاجا طبيعيا تلقائيا، وليس هناك ما يدعو الى التبجح او التظاهر بأنه اكثر من ذلك. على الرغم من الصعوبة التي يجدها في تفسير فنه او تبرير مكانته في المجتمع فهو يتمتع بالثقة والوضوح. في احدى قصائده، يعترف بأن الشاعر انسان متميز، ولكنه يصر بأنه يتبع مصيرا خاصا ويحصل على جزاء خاص. انه يعود بالذاكرة الى ايام الطفولة ويروى كيف عرف سحر الكلمات ووجد احلى تجاربه من خلالها :
هكذا يبدأون. في العام الثاني
حين ينطلقون من بين ذراعي الام
وينغمرون في عدد لا يحصى من السقسقات
في العام الثالث، تنطلق الثرثرات
هكذا يتلمسون المعرفة
وسط ضجيج الالات
الام لا تغدو اما بعد الان
وانت لست انت، والبيت يبدو غريبا
ما الذي يعينه ذلك الجمال الجالس تحت الليلك ؟
لم يعد ممكنا ان تشرق لغة الاطفال
هكذا يبدأون بالخوف من الخداع
هكذا ينضج الخوف
افهل يستطيع احتمال صفعات النجمة المتتالية له
وهو الذي يعتبر نفسه فاوستا او مشعوذا
هكذا تبدأ حياته الغجرية بالنمو
من السياج حيث يقبع البيت
ترفرف هاربة
بحار غير متوقعة مثل آهه
هكذا يكتشفون الاوزان
هكذا تركع ليالي الصيف وتصلي
حيث ينمو البلوط ” تلك هي نهايتك “
وانت ترعب النهار بعينيك
هكذا يبدأون المعركة مع الشمس
هكذا تدفعهم الابيات في الطريق
ذلك هو اعتذار باسترناك. انه يجد في الاكتشافات الرائعة جزاءه بسبب الاحساس بالغرابة وباختلافه عن البشر الاخرين. فهو يتبع ايقاعا محتما عليه منذ البداية. واذا كانت صدماته الاولى اشد عنفا من تلك التي تصيب الاخرين فجزاؤه اعظم من جزائهم. انه يملك احلامه، لحظات سعادته وسموه، اعتقاده بأنه جزء لا يتجزأ من الطبيعة التي يشاركها قوتها. تلك عي ادواته في الدفاع عن نفسه ضد الافكار النفعية الميكانيكية. وهو لا يستطيع ان يكون ملحقا مصطنعا في المجتمع. انه ساحر يعمل على اطلاق قوى الطبيعة بواسطة فنه.
يتجاوب باسترناك مع طبيعة الهامه الخاصة باحساس خاص بالمسؤولية الملقاة على عاتقه. فكل عمل فني يقوم به لابد وان يكون كاملا ومستقلا واداة نهائية يمكن من خلالها اختيار التجربة وتنظيمها وتحويلها الى شكلها النهائي. وهو يعتقد ايضا بأن أي عمل فني لا يمكنه ان يكون ذا قيمة الا اذا كان صادقا بالمعنى الدقيق الجازم للكلمة، صادقا ليس فقط بالنسبة للحقيقة وانما للتجربة ذاتها، لكل ما يراه الشاعر ويحس به. ربما يكون ذلك المثل الاعلى المزدوج سببا في تعقيد اسلوبه ووعورته، ومع ذلك فهو في المحصلة النهائية السبب في ذلك النجاح النهائي والاهمية الخاصة التي تتمتع بها كتاباته. لقد نفذ باسترناك ابان ذلك العصر المضطرب الى ما تحت السطح لكي يجد في القوى الكامنة تفسيرا للاشياء التي تتمتع باهمية حقه في هذا العالم. فمن خلال حدسه الشعري النافذ استطاع هذا الشاعر ان يتوصل الى القضايا الواسعة وان يبرهن بان العمل الخلاق بكل ما يحمل من جهد وخيبة وانتصار انما هو رغم كل شيء، طبيعي جدا وذو علاقة وثيقة بمصادر الحياة.


الفصل السادس

ت. إس . إليوت والارض الخراب
1888 – 1965
في عام 1922، نشر أحد الأمريكيين المقيمين في إنجلترا، توماس سيترنز إليوت، بينما كان له من العمر اربعة وثلاثين عاما، قصيدة ” الارض الخراب ” . كان اليوت انذاك معروفا بين قلة من المثقفين من خلال مجموعتين شعريتين صغيرتين بدت فيهما واضحة قدرة اليوت الفنية على المزج بين اسلوب جول لافورغ وبلاغة العصر الاليزابيثي بشكل يتلاءم واللغة الانجليزية. لاقت ” الارض الخراب ” نجاحا باهرا بين قطاعات واسعة من الناس وجرى ترديد مقاطعها على كل لسان. فقد وجد الجيل الناشئ فيها مرآة لتطلعاته، كما لجأ الشعراء الى تقليد اسلوبها ونزعتها. اليوم ما تزال ” الارض الخراب “، تحتل مكانتها، وان نظرة الى الوراء سوف تبين ان ظهورها كان بمثابة نقطة تحول في الشعر الانجليزي الحديث حيث استطاع الاسلوب الجديد ان يحتل مكانا في قلوب محبي الشعر وكاد ان يكون الاقرار به تماما. كانت الحرب العالمية الاولى قد ادت الى ولادة بعض الشعر الجيد في انجلترا اتجه بعضه نحو الاساليب الجديدة، غير انه نادرا ما تجاوز التعبير عن اهتمامات القلة من المهتمين بشؤون الادب. غير ان اليوت قد جعل الاسلوب الجديد مقبولا على اوسع نطاق. بدا الاسلوب الجديد بين يديه وكأنه الاسلوب الصحيح  الوحيد اعلان الهدنة في عام 1918 . لقد وجد الشعراء الشباب الذين ارهقتهم حذلقات العصر الجورجي قناعتهم لدى اليوت الذي جاء رسولا ورائدا ومرشدا الى افاق النفس الجديدة. ومع ان اليوت كان قد كتب شعرا جيدا قبل “الارض الخراب ” كما كتب شعرا لا يقل جودة ولكنه ذو نوع مختلف بعدها، فان هذه القصيدة ، كما يبدو، هي اكثر شعره دلالة، وبالتأكيد اكثر المجموعات الشعرية تأثيرا بين كل ما نشر في العشرينات من القرن الحاضر. يظهر الاسلوب الجديد فيها من خلال رجل لم يدخر وسعا في جعل كل كلمة ذات معنى وفي اخضاع كل ما يريد قوله الى النقد الدقيق الحاد.
تجاوب جيل 1922، نساء ورجالا، تجاوبا مزدوجا مع الارض الخراب شمل اللغة والموضوع. ان نقاد اليوت، رغم كل ما يقولون فيه،  لا يسعهم الا الاعتراف بتلك اللغة المكتنزة بالصفاء والتألق الفائقين وبقدرته على التخلص من مفردات الفيكتوريين المتأخرين والجورجيين المهترئة، وباكتشافه التعبير الجديد المتسم بالسلاسة والمعاصرة في آن واحد. وبطريقته الخاصة، كان ثوريا مرموقا في مجال اللغة. فقد استطاع اليوت، وقد تدرب على مؤلفات عمالقة الادب، اكتساب الدقة المتناهية في معرفة قيمة  الكلمة والحذر الشديد في اختيارها والتوصل الى تكوين اسلوب خاص به خصوصية تامة، دائم الحيوية والتميز. وشأن كل الاساليب الشعرية الناشئة من حيث التعامل مع الاصوات اللفظية، فان وعي اليوت بالمزالق التي تعاني منها اللغة الانجليزية بسبب صمت حروف العلة وغموض الاحرف الساكنة، قد دفعه الى اختيار الكلمات ذات الاصوات الصافية الواضحة. انه ينقل مثلا حركة انسلال الفأر بواسطة الاحرف النطعية والشفوية، وما توحي به هذه الحركة من شؤم. ولو قدر للناقد اليوناني ديونايسس ان يسمع هذين البيتين لا عجب بما فيهما من تأثير صوتي. فقد كان يرى ان جزءا كبيرا من جمال الشعر يعتمد على تجاور الاحرف النطعية والشفوية وما ينجم عن ذلك من تنقل بين الدقة والخشونة في الصوت. كما ادرك اليوت قيمة حروف العلة المختلفة التي لم يطرأ عليها التشويه. فقد نفذ اليوت الى قلوب الناس من خلال كلماته قبل كل شيء، تلك الكلمات التي استعملها بمهارة استاذ وبادراك تام لقيمة اصواتها واثرها الشعري.
توجه اليوت الى روح العصر بالتعبير الشعري عن الخيبة والفوضى.  يمكن تحليل ” الارض الخراب ” تحليلات مختلفة، كما يمكن اقتطاع ابيات منها للتدليل على عدد من المعاني المختلفة. غير ان الحافز الاساسي والفكرة المسيطرة التي تجعل منها كلا واحدا، اضافة الى النغم والمزاج الشعري، انما هي كلها نتاج روح عميقة التذمر بالاوضاع السائدة التي لو تم اخضاعها الى مقاييس رفيعة، لبدت هزيلة الى حد يرثى له. يقدم اليوت قصيدته بابيات للشاعر اليوناني بترونيوس تشكل بحد ذاتها مدخلا للقصيدة:  “فلقد  شاهدت العرافة بنفسي وبعيني معلقة في قفص في كوميه، وحين كان يسألها الاولاد: سيبيل، ماذا تريدين؟ كانت تجيب: أريد أن أموت”.
 
فبعد كل تلك الامال الكبيرة والطموحات الجامحة التي رافقت الحرب العالمية الاولى، خيم الشك وعمت الخيبة، وبدأ الجيل الناشئ يشعر بأن شعارات الكبار قد خدعته وتولد لديه احساس نقدي حاد يهدف الى اظهار عجز التطبيق عن اللحاق بالنظرية وعلى اية قاعدة من الخديعة والزيف تنتصب الحضارة الحديثة. لم تكن الثورة الروسية بروحها العقائدية قد طرقت ابواب اوروبا الغربية، حيث ادى الاحساس بعقم كافة القيم القديمة الى ظهور ادب ساخر زاخر بالشك. ورغم اختلاف اليوت عن معاصريه في بعض الوجوه الا انه قد اتفق معهم في ايمانه بأن خللا رهيبا انما يعتور الحضارة وبأن الحياة قد فقدت كرامتها وطعمها. وفي الوقت الذي اتجه في كتاب مثل د.هـ. لورنس للدعوة من اجل الرجوع الى السذاجة البدائية والغريزية كدواء للهموم الحديثة، فان اليوت، رغم شعوره الحاد بالحاجة الى شيء ما، لم يستطع ان يجد الدواء. لقد اكتفى بالتأمل في خواء العصر لكي يوقظ رد الفعل في الكثيرين من حوله. تعكس الارض الخراب تاريخيا روح التراجع والهزيمة التي اعقبت تلك الامال الكبار التي كانت قد بنيت على مثالية ودرو ويلسون، حيث اتضح وفي وقت مبكر جدا ان العالم الجديد سوف لا يكون افضل من القديم وان الخراب الذي احدثته الحرب في الكثير من البلدان والمناطق خراب لا يمكن اصلاحه.
اختار اليوت لقصيدته شكلا مختلفا عن اشعاره السابقة. ها هو قد هجر لافورغ واتجه نحو إزرا باوند مهديا اليه القصيدة بنفس الكلمات المعبرة التي قالها دانتي من خلال غويدو غونزيللي عن الشاعر ارنوث دانيال. كان دانتي يعتبر ارنوت شاعر الحب والخيال، ومع ان اليوت لم يكن بالتأكيد يقصد نفس المعنى بالنسبة لباوند، فمن الواضح انه حمل له بعض الاحترام الذي حمله دانتي للشاعر المجهول والمعقد ارنوت. كان ارنوت ابرز الذين كتبوا الشعر التلميحي المختص بطقوس السحر التي كانت سائدة في اقليم بروفنس ، وتميز برفض الاسلوب الغنائي السلس الذي اتصف به جيرودى بونيل الذي اعتبره دانتي اقل مرتبة من ارنوت. يعبر اليوت باهدافه هذه عن حبه للاسلوب الجديد الجاف المبطن. وكما اعجب دانتي بارنوت لاسلوبه هذا، فقد اعجب اليوت بباوند لنفس السبب. يحتل باوند مركزا غريبا في تاريخ الشعر الانجليزي والامريكي الحديث. فقد استطاع ان يحظى باعجاب الكثير من الكتاب البارزين مثل ييتس واليوت واديث سيتويل الذين اعتبروه من اكبر المؤثرين في العصر الحديث، غير ان القارئ العادي لا يبدو قادرا على مشاركتهم حماسهم هذا. هناك شيء منفر لا يمكن نكرانه في شخصية باوند. فكتاباته لا تعكس المعرفة الواسعة  التي طالما تبجح بها، وشخصيته المرتسمة من خلال شعره عديمة التناسق وحركة شعره متنافرة. كل كتاباته تحمل جزا بغيضا من الذكاء المصطنع ، بالمعرفة الزائدة عن الحاجة، اراءه السياسية شرسة وغاضبة ادت به الى ان يوسم بالخيانة. ولكن على الرغم من كل هذه المساوئ فليس هناك شك في مدى التأثير الذي تركه وراءه. لقد كان احد اوائل شعراء الانجليزية الذين حاولوا التعبير عن مشاعر وافكار الانسان المديني المثقف من خلال العبارة الحديثة. ولاجل ان يبرر هذه الممارسة، فقد استحضر امثلة وسوابق من الماضي. تبين الاهمية التي اولاها للبروفنسال والشعر الصيني عمق ايمانه بأن المثل الفيكتورية قد حرفت الادب عن مسيرته وبان هناك مجالات واسعة لانطلاقه الادب اذا ما استطاع تخليص نفسه من قيم القرن السابق. اخترع باوند بصورة خاصة نوعا من الشعر يتجه من ناحية نحو التعبير عن وعي الانسان الحديث ومن ناحية اخرى نحو استحضار الاصداء من الماضي عن طريق التضمين، مؤكدا بذلك على تناقض الماضي مع الحاضر المظلم. اعجب اليوت بذلك وركز في مجموعتيه الاولتين على التناقض بين الادب والحياة، بين الروائع التي قرأها والظروف الفعلية التي تعيشها المجتمعات. وحين قرر اليوت ان يكتب قصيدة حول عجز وفشل العالم الحديث، وجد في اسلوب باوند ضالته المنشودة.
الارض الخراب قصيدة صعبة يحتاج فهمها الكامل الى معرفة لا تتوفر دائما في هوامش المؤلف التوضيحية. وهي تتعامل مع الفواصل بلا مبالاة على طريقة المستقبليين. ليس من السهل التعرف على موضوعها وخطها الرئيس . تحمل رموزا جديدة ومتغايرة. وهي رمزية بمجملها. اخذ اليوت عن باوند طريقة التضمين حيث ضمن قصيدته مقتبسات وتحويرات لخمسة وثلاثين كاتبا مختلفا كما ضمنها ايضا مقاطع من ست لغات اخرى من بينها السانسكريتيه.
اخذ اليوت عن باوند ايضا الطريقة الفجائية في الاستطراد غير المفسر في الشرح المساعد والذي تتركز اهميته فيما يخلفه من تواتر عاطفي وفي الاثر الذي تتركه الرموز المتعاقبة في نفوسنا. يتحتم علينا لو رغبنا في استخلاص البناء الفكري بذل جهد كبير ربما يؤدي بنا الى استنتاجات خاطئة. ان ما يعنينا بصورة رئيسة هو التواتر العاطفي. فالمشاهد والصور المتلاحقة التي تتلاشى في بعضها وتبدو وكأنها لا تخضع لاي رابط منطقي تجبرنا على الانشداد وتنقلنا من عالم الى اخر. فلو تتبعنا تلك الصور وافسحنا المجال لانفسنا كي نستجيب لها لوجدنا انفسنا في خضم التجربة التي ارادت القصيدة ان تحققها. هكذا تحقق ” الارض الخراب ” بطريقتها ما حققته قصيدة فاليرى قبلها، اضافة الى ان اليوت قد اعتمد على التلميح غير المباشر اكثر من فاليرى وولد استجابات اكثر تنوعا. تخلق رموز ” الارض الخراب ” حالات فكرية وحسية غير واضحة المعالم ولابد ان تفقد ميزتها الاساسية فيما لو تم تحديدها بوضوح، بل انه يمكن للقارئ الاستغناء عن شرح المؤلف في البدء. لقد احب الكثيرون ” الارض الخراب ” دون ان ينفذوا نصيحة اليوت بقراءة كتاب ” من الطقوس الى الرومانس ” لجيسى وستون ومن غير ان يعرفوا ما الذي تعنيه بالضبط تلك الاشارة الى ” حزمة ورق لعب تاروت ” مثلا. تلك هي قوة اليوت. فالصور المجموعة من عدة مصادر تتمتع بوجود مستقل وتروق مباشرة للكثيرين الذين لا يعنيهم مصادرها او دلالتها الاصلية.
ومع ذلك، فان العثور على هيكل ” الارض الخراب ” لابد وان يضيف متعة الى متعة. فالتحليل الفكري للقصيدة انما يضاعف من تقديرنا لشاعريتها وذلك بتوفير الخلفية الفكرية للمتعة الوجدانية البحتة كما وسنجد ان القصيدة ليست كما تبدو للوهلة الاولى عشوائية التركيب نتيجة سلسلة من الانفعالات الحماسية، وانما هي خاضعة لهندسة فعلية. يعتمد معظم الهيكل على علم الانسان ( الانثروبولوجيا ) . فكرتها الاساسية ارض خراب اشبه ما تكون بأرض اساطير ” الكأس المقدسة ” تلك الارض التي يعتمد ازدهارها اعتمادا كليا على طاقة ملكها الجسدية، والتي تعاني من القحط بسبب عجز هذا الملك الجسدي. لا يمكن ان يتم علاج هذه الحالة الا بواسطة عمل سحري معين يمارسه شخص اخر بحيث يستطيع كسر طوق هذا العقم عن طريق الممارسة الجنسية. يبدو في طقوس هذه الاساطير ان الملك المسمى عادة بالملك الصياد يموت لكي يعود للحياة ثانية مثل ملك الفصول ادونيس او اوزوريس، او ان يخلفه شخص اخر قادر على ممارسة ما لم يستطع ان يمارسه الملك الاول. استوعب اليوت بعض هذه الرموز الطقسية واستخرج منها رموزه الرئيسة. فأرضه ارض محروقة تحتاج للانتعاش والحياة الجديدة، عقمها ليس عقما جسديا بالطبع بل هو عقم روحي. هذه الارض اشد خرابا من ارض اوروبا بعد الحرب، انها ارض ذراها الجفاف واعوزها الانعاش ولا يمكن وصفها بدقة اكثر. من الممكن بالطبع ان نشبهها بأي بلد او فرد ما، غير ان اية اشارة لمثل ذلك غير متوفرة. تتحلق التشويشات الظاهرة في القصيدة وكذلك الشخصيات العديدة حول معنى مركزي يتم من خلاله التوصل الى معانيها واغراضها. لا تمت هذه القصيدة بأية صلة للمدرسة المستقبلية وهي ليست، باي مفهوم ازدرائي انطباعية. ان جهدا عقليا ضخما قد صرف في بنائها وقد انبت هذا الجهد احسن ثمره.
يتم التعبير عن عطش الارض الخراب من خلال صور وشخصيات مختلفة تذوب الصورة في الصورة والشخصية في الشخصية بحيث لا يبقى في النهاية الا منظر واحد وثلاث شخصيات. تتواجد الصورة وشخصياتها في اطار حالة عقلية وخيالية لا تمت بصلة الى المكان والزمان المعهودين ولا يمكن التعرف اليها من خلال صفاتها الاساسية. فالصورة الاولى المستمدة من سفر حزقيال تتحول حالا الى مدينة كبيرة حديثة، فهناك ارتباط جذري بين :
فأنت لا تعرف الا كومة من الرؤى المحطمة
حيث تضرب الشمس
وحيث لا تمنح الشجرة الميتة مأوى
ولا الزرزور راحة
والحجر الصادي أي ماء
وكذلك:
ايتها المدينة الوهمية
تحت الضباب البني في فجر شتائي
وهو لا يلبث ان ينتقل انتقالا مفاجئا الى مخدع امرأة تصفر الريح فيه تحت الباب، ثم الى نهر التيمز الخريفي المهجور والى الساقية التي تمر خلف بيت الغاز، ثم الى الشقة القذرة المعتمة التي تسكنها كاتبة الطابعة لكي ينتقل ثانية الى الصورة الاولى حيث تحتل الارض العطشى مسرح القصيدة وحيث يتكرر المغزى الاول وينمو :
ليس هنا ماء وليس الا الصخر
الصخر واللا ماء والدرب الرمل
يلتف الدرب الى الاعلى بين الجبال
بين جبال من الصخر ليس فيها ماء
يربط بين هذه الصور المختلفة اكثر من شبه واحد. انها وجوه مختلفة للعقم والخيبة، وتلك هي المهمة الرئيسة للقصيدة. يصور اليوت هذا الوضع الاساسي بأمزجة مختلفة حيث يلجأ للسخرية والاثارة الدرامية واليأس المأساوي والفشل الهستيري. تضيف هذه الامزجة المختلفة الصدق والترابط الموضوعي للقصيدة، فالناس كثيرا ما يرون مشاكلهم من زوايا مختلفة حسب اختلاف الوقت وليس هناك تصور واحد ثابت لاية مشكلة.
كذلك تذوب الشخصيات ببعضها لكي تتلخص في النهاية في الشخصية الرئيسة لاسطورة الكأس المقدسة، الملك الصياد الذي يرمز لعقم الارض والمنقذ الذي يتحتم عليه ان يقضي على هذه اللعنة، والمرأة التي يتم بمساعدتها القضاء على هذه اللعنة. لا يعلن الملك الصياد عن وجوده ولكنه مع ذلك موجود ويمكن ان يكون هو المتكلم في كافة الابيات الواردة بضمير المتكلم. انه هو المراقب العاجز، الرجل الذي يعرف ما يحدث ومدى ارتباط مصيره بذلك، غير انه عاجز عن القيام بأي فعل لتغيير الوضع القائم. انه يظهر في نهاية القصيدة بوضوح تام :
جلست على الشاطئ اصطاد
والسهل الاجرد من خلفي
تراني هل اقوم على الاقل بتنظيم ممتلكاتي؟
هنا نستطيع العودة الى الوراء لكي نتتبع وجوده. ها هو يظهر في مشهد الحزن الخريفي :
بينما كنت اصطاد في القناة الراكدة
ذات مساء خلف بيت الغاز
افكر في حطام اخي الملك
وفي موت والدي الملك من قبله
انه يحتفظ بهذا الدور السلبي على امتداد القصيدة. انه يرى في المقطع الاول تدفق الاموات على جسر لندن، يتعجب من كثرة عددهم ويرى بينهم واحدا يشبهه تماما. وفي المقطع الثالث يتقمص الدور المميز لتيريسياس الذي هو ليس نبيا فقط:
انا تيريسياس العجوز ذو النهدين المترهلين
رأيت المشهد وتنبأت بالبقية
بل انه يمتلك صفات الرجولة والانوثة وبذلك يبين الطبيعة الخاصة لادراكه والتي تفوق ادراك الرجل العادي او المرأة العادية. يعود الملك الصياد في المقطع الخامس لمتابعة هوايته السابقة، الصيد. ان شيئا لم يحدث له وهو غير قادر على القيام بأي عمل حاسم. انه رمز الوعي السلبي الذي يجمع  بين الادراك والمعرفة الواسعة من جهة، والقصور الذاتي عن احراز اي عمل ذي جدوى من جهة اخرى. فأزمته انما هي ازمة الروح المعاصرة كما يشخصها اليوت، وحياته التي هي حياة شعبه قد انحدرت الى درجة رهيبة من الضعف والوهن، وهو بحاجة الى عمل جبار لانقاذ نفسه وانقاذهم.
الانقاذ مهمة من مهمات المنقذ الذي يتمثل في اساطير الكأس المقدسة عادة بالفارس مثل جودين وبيرسيفال، غير ان اليوت يمنحه بعدا جديدا غير متوقع. يتمثل وجود المنقذ بمختلف النشاطات والافكار التي يحاول بها الانسان عبثا ان يمنح الحياة غنى اعظم. تتنبأ العرافة بشخصيته حين ترسل تحذيرها من الموت في الماء. يظهر في المقطع الثاني اولا كجندي مسرح يشك في اخلاصه لزوجته التي لم تعد قادرة على اجتذابه وابهاجه. يعكس الجندي المسرح خلال الحديث الذي يدور بين الزوجة وصديقتها مدى التذمر العائلي والفشل الكبير.انه ضحية نموذجية لنظام فقد قدسية الزواج دون ان يوفر البديل له، وهو يعكس بذلك القلق الذي ساد سنوات ما بعد الحرب. يظهر المنقذ في المقطع الثالث بشكل اخر، انه
المستر اوجينايديس ، التاجر السميرني
اشعث الذقن، ينتفخ جيبه بالزبيب
” سي. أي  . إف ” لندن، والوثائق عند التسليم.
ثم يتحول إلى شخصية ريفية مألوفة:
ثم يتحول الى شخصية ريفية مألوفة:
ها قد وصل الشاب ذو الدمامل
كاتب دلالية الاملاك الصغيرة
احد العامة الذين تتربع الثقة عليهم
كما تتربع قبعة حريرية على رأس مليونير براد فوردى
 
انه يغازل كاتبة الطابعة ويقنع باستجابتها الميكانيكية. يصور اليوت في شخصيات المنقذ جانبين من مظاهر الحياة العامة : الركض وراء المال وممارسة الحب، مبينا مدى خوائهما وعدم امكانية الحصول على القناعة بواسطتهما. ان عصرا يضع ثقته بمثل هذه الممارسات لا يمكن ان يوفر القناعة.
لابل هناك صورة اخرى للمنقذ وهي تثير مشاعر اخرى وهي بالنسبة للملك الصياد اكثر جاذبية من غيرها. انها شخصية فيرديناند امير نابولي واحد ابطال رواية العاصفة لشكسبير. وهو شاب يسيطر عليه هاجس الخسارة العظمى وينتابه شعور عميق بالحرمان. تتنبأ العرافة في المقطع الاول بمشاعره حين تقول :
تلكما لؤلؤتان كانتا عينيه. انظر
كما يتردد عليه الندم الدائب حيث نراه في المقطع الثالث وقد جمد الحزن على موت والده كل قابلياته وجعله جزءا يكاد لا يتجزأ من الملك الصياد في خموله المشلول. غير ان اطياف احلامه تنتصر لكي يصبح رمزا لحنين الشباب التواق الى الماضي، رمز الشوق الى حياة غير مألوفة او لذكرى تلك اللحظات السحرية التي لا تتفق ابدا والحياة الرتيبة :
” تسللت الي هذه الموسيقى من فوق الماء “
وعبر الشاطئ، صاعدة نحو شارع كوين فيكتوريا
ايتها المدينة المدينة
اكاد اسمع بين حين وحين
وقرب مشرب عام في اللوار تيمس ستريت
انين الماندولين الرخيم
وقرقعة وثرثرة من الداخل
حيث يستلقي الصيادون في الظهيرة
وحيث جدران ماغنوس مارتر
تحمل ما يفوق التعبير بهاء
من رسوم ايونية بيضاء وذهبية
هنا يظهر المنقذ مختلفا تمام الاختلاف عن التاجر او الكاتب، انه يمتلك لحظات تخيلية ومتعة جمالية. لكنه ما يزال عاجزا عن امتلاك قوة الانبعاث لانه قد انفصم نهائيا عن الحياة وهو يعيش في عالم الاحلام والرغبات. فالحياة الروحية للعصر لا يمكن ان يتم احياؤها بمثل تلك الهواجس.
لقد فشل المنقذ وقالت العرافة : ” احذر الموت في الماء ” وها هو الموت يأتي في الماء في المقطع الرابع. لقد التأم التاجر وفيرديناند في شخصية فليباس الفينقي الذي يشكل صفة التاجر وصفة الانسان الحالم في ان واحد. يتسم المقطع الرابع بايجاز كبير حيث يتم التركيز على اهمية دور هذا القسم في القصيدة وما يحمله من عنصر آسر للاحساس.
فليباس الفينقي ، اذ مات منذ اسبوعين
نسي صرخة النوارس
والموج في البحر العميق
والربح والخسارة.
حمل التيار بهمس عظامه من قاع البحر
واذ هو يعلو وينخفض
تخطى مراحل شيخوخته وشبابه
منغمسا في الدوامة
مسيحيا كنت ام يهوديا
انت يا من تدير العجلة
وتنظر الى مهب الريح
فكر بفليباس
الذي كان جميلا وطويل القامة مثلك
يقدم اليوت من خلال صورة الشاب الغريق ذروة الازمة التي تعيشها الروح الضالة في رتابة الرغبات وضحالتها. واذا كان هناك جانب مشرق في فليباس الذي كان يصغي لاصوات النوارس والبحر، فان مبدأه الرئيس هو الربح والخسارة وهنا مكمن دماره. كما ان موته في الماء لا يخلو من مغزى. فالارض الخراب في اشد الحاجة للماء، ولكن ليس بهذه الطريقة، انها بحاجة الى الانعاش الحقيقي، وليس الى تلك الممارسات التي تبتلع من يقوم بها. لقد اراد اليوت ان يبين بموت فليباس فشل المحاولات الزائفة في ايجاد الخلاص.. فليس المال ولا الحب المبتذل ولا التحسر على الماضي بقادر على اغناء الحياة. لقد فشلت كل وسائل العلاج حيث يتضح في القسم التالي ان المنقذ قد فشل وبموته تزداد الحالة سوءا :
من كان حيا قد مات الان
ونحن الذين كنا احياء ها نحن نموت
بصبر قليل
فالارض الخراب ما زالت خربة ولم يستطع احد انقاذها.
هناك في النهاية دور النساء. ولعل هناك في الواقع امرأة واحدة تتخذ اشكالا عدة على ضوء حاجة القصيدة وحالة المنقذ. هناك اشارة اليها في القسم الاول. انها تمثل الحب المثالي، المرأة التي يمكن للانسان ان يتخيلها وهو يستمع الى ” كريستيان وايسولد ” لفاغنر. غير انها تفلت من حبيبها بطريقة ما حين تجده شديد الخجل بحيث انه غير قادر على مبادلتها الحديث :
” اعطيتني زهور الزنبق اول مرة قبل عام
  سموني فتاة الزنابق “
– ولكننا حين عدنا مساء من حديقة الزنبق
وكانت ذراعاك مليئتين وشعرك مبتلا
لم استطع ان اتكلم وعيناي خانتا
لم اكن حيا او ميتا، ولم اعرف شيئا
وانا احدق في قلب الضوء في السكون
وكنقيض لهذا المثال، يرتب اليوت الحقائق التي يراها باشكال متعددة من النساء. فهي في القسم الثاني كليوباترا او ديدو ، انها تعيش حياة باذخة بين الجواهر والعطور ولا تلبث ان تتحول الى امرأة عصابية عصرية تتوقع الشر حين تسمع اصواتا منبعثة من اسفل الباب وتحاول ان تغرق قلقها بافعال عبثية وتساؤلات عما يمكن ابدا ان تقوم به . تتحول بعد ذلك الى امرأة من الطبقة العاملة شغلتها مشاغلها التافهة عن زوجها العائد من الحرب بحيث ان الصلة بينهما تكاد تنقطع وتنغمس هي في حياة لا طعم لها ولا معنى. تتحول مرة اخرى الى ضاربة على الالة الطابعة تشبع رغباتها الجسدية مع موظف في مصرف دون ان تشعر بأية راحة او لذة حقيقية:
تلتفت، ثم تنظر للحظة في المرآة
وهي لا تكاد تحس بالحبيب الراحل
تعبر في مخيلتها  صورة نصف مكتملة:
” الان وقد انتهى كل شيء، انا سعيدة انه انتهى “
ثم تتعمق النغمة.يضع اليوت اغنية بنات التيمز  مقابل صورة اليزابيث وليشستر حيث تحمل كلتاهما حدة مأساوية جارحة بما توحيانه من مشاعر التفسخ والفشل والذنب. تمثل الصورة الاولى تحويرا لمقطع من ” لابيا ” لدانتي حيث تتحول الى قصة حديثة رثة حول انعدام البراءة :
” قطارات واشجار مغبرة “
حملتني هايبورى
اغوتني، ريتشموند وكيو
في ريتشموند رفعت ركبتي
منكفئا على وجهي في قارب ضيق “
اما الثانية فلا تقل قسوة وذلك بانعدام الشعور بالاسى مصورة مدى لا مبالاة المرأة بتصرفات الرجل العاطفية :
” قدماي في مورغيت
قلبي تحت قدمي
بعد الحادثة بكى
وعد ببداية جديدة
لم أقل أي تعليق
ولماذا استاء ؟ “
الصورة الثالثة اشد عتمة وحدة. انها تصور معنى الخيبة التي ترافق ممارسات الحب هذه. انها نوع جديد من الابتذال الذي يتقبل فقدان الفضيلة كجزء من انحدار المصير الانساني :
على رمال مورغيت
لا استطيع ان اربط شيئا بشيء
الأظافر المكسرة في الايدي القذرة
اهلي الفقراء الذين لا يتوقعون شيئا “
تمثل هذه النساء امرأة رئيسة واحدة يتحتم عليها ان تساعد المنقذ لكي يحطم العقم في الارض الخراب، غير ان كل هذه الممارسات تنتهي بالفشل، فهي  اما هستيرية او ميكانيكية او خائبة او مصحوبة بالشعور بالذنب. ان مثل هذا الحب لا يمكن ان يجلب الانبعاث الروحي وهو حب يخيم عليه الشعور بالتهديد والخيبة والاسى ولا بد لنا ان نشعر ان انبعاث الحياة انما يحتاج الى شيء اعظم من ذلك.
الارض الخربة بحاجة للماء. يكون هذا الانعاش مـألوفا في الطفولة او في الزمن المنصرم. تشير الابيات الاولى في القصيدة الى هذه المقارنة بين الماضي حين :
فاجأنا الصيف
وهو يزحف مع رذاذ المطر على شتارنبيرجرسي
والحاضر بتساؤلاته الملحة :
 
أي الجذور تلك التي تتشبت، أي الغصون تنمو
من قلب هذا الركام الحجري ؟
تتكرر الرغبة في الماء على امتداد القصيدة . هناك اشارات كثيرة يبدو فيها وكأن الماء المتوفر يسخر بهؤلاء الذين هم في حاجة اليه والذين يفشلون في ادراك مدى قربه منهم. ليس عبثا ذلك المشهد الاول الذي يعبر فيه الاموات فوق التيمز بموكب لا معنى له :
تدفق جمع غفير فوق جسر لندن
لم اكن اعلم ان الموت قد اخمد كل هؤلاء
يبدو التيمز  في القسم الثالث مخزيا وفارغا وهو لا يستحضر ذكرى تلك الايام الصيفية الخوالي، انه يبعث الشعور بالوحدة  والعتمة حيث ينحدر الجلال الملكي لاليزابيث وليشستر الى اغنيات حزينة لبنات التيمز وحيث تشهد ضفة النهر اماكن انحدارهن. يوحي التكرار المستمر لمغزى الماء ان الانبعاث الذي يحتاجه العالم قريب وممكن ولكن الناس لا يرونه او انهم يستعملونه استعمالا خاطئا او يتلقونه بروحية خاطئة. فكما يفشل المنقذ والمرأة في واجبهما، كذلك يلعب الماء الذي يتحتم عليه ان يتدفق وينعش الارض الخراب دورا مختلفا ويغرق فليباس.
لا يسع المرء بعد كل هذه المحاولات والاخفاقات ان يتوقع نهاية مرضية. وذلك ما لا يحصل بالفعل. يعود اليوت في القسم الاخير الى موضوعه الاول مصورا الارض اليابسة وقد ازداد جفافها بسخرية اشد حدة :
لا يوجد حتى الصمت في الجبال
بل رعد جاف عقيم ليس فيه مطر
لا توجد حتى الوحدة في الجبال
بل وجوه حمراء عابسة
مزدرية مزمجرة
مطلة من ابواب بيوت طينية مشققة
واذ يزداد الهواء جفافا وقسوة ، تولد الاخيلة وتأتي اغنية السمان المستوحده :
دريب دروب دريب دروب دروب دروب دروب
بصوت يشبه صوت الماء الساقط مستهزئة بالحاجة الملحة للماء دون ان تمنح أي عزاء للارض العطشى او لسكانها. في هذا القفر الشاسع تأخذ اسطورة الكأس المقدسة شكلا جديدا، ففي النص القديم يشن المنقذ معركته النهائية وصراعه العظيم ضد قوى الشر ويعبر محنته في قصر الاخطار بشجاعة حيث يتحتم عليه ان يخاطر المخاطرة الكبرى من اجل اثبات شجاعته وتكريس انتصاره. اما في ” الارض الخراب ” فانه يموت ويتحول قصر الاخطار الى ركام :
في ذلك الجحر المتهدم بين الجبال
وفي ضوء القمر الخافت
ها هو العشب يغني فوق القبور المنهارة حول المعبد
ها هو المعبد الخاوي، والباب يتأرجح
العظام اليابسة لا تستطيع ايذاء احد
ان الحياة المعاصرة لا تقدم فرصة للنضال الحاسم، للمحنة الصعبة للقيمة الحقيقية للانسان. يموت المنقذ ويموت معه معنى مهمته اذ تنعدم الحاجة اليها. لن يستطيع المال او الجنس ولا المخاطرة ابتعاث الحياة، هذه الحياة التي لا تشن حربا ضارية على الشر وتستمر كسابق عهدها بعقمها وعدم خلاصها.
ومع ذلك، فهناك نذير بالعاصفة. هناك دليل بأن شيئا ما لابد ان يحدث. انه الرعد العقيم الصادي. ها هو يجئ. وفي ضربة الرعد المكررة ثلاث مرات، يعطى الرعد رسالته من ” الاوبانيشاد ” وهي : ” داتا، دايادفام، دامياتا) أي إمنح، تعاطف، سيطر. لو تمت اطاعة هذه الاوامر، لو استطاع البشر ان يكونوا اكثر عطاءا وتعاطفا وضبطا للنفس لتولد الامل في انقاذ الارض الخراب. لا تقع هذه الضربات على اذان صماء كليا، غير انها تعجز عن التأثير لان الذين يسمعون هذه الصيحات ليسوا الا نساء ورجالا عاديين، شغلتهم مشاغلهم الخاصة  وتقوقعت نفوسهم على عاداتهم الرتيبة وانعدمت فيهم الشجاعة للاقدام على التغيير. تصطدم صيحات الرعد بعقبات نهائية محتومة في قلب البشر. انها تقول : امنحوا ! غير انهم يشعرون انهم قد منحوا ما بوسعهم ولا يستطيعون ان يمنحوا اكثر من ذلك :
الجرأة الرهيبة للحظة من العطاء
تلك التي لا يقدر عصر من الحكمة ان يستعيد
وهي تقول : تعاطفوا ! غير ان كل انسان يعيش داخل نفسه في سجن مغلق وغير قادر على الافلات من عالمه الخاص. ان هذا السجن ليس مطلقا :
فقط عندما يحل الظلام
تبتعث الهمهمات الاثيرية للحظة ما كوريولونسا مقهورا
ولكنه قوى الى حد لا يستطيع الانسان ان يفلت منه. وحين تقول : سيطروا ! فهم لا يستطيعون . انهم يفضلون الخضوع للاخرين وتلقي الاوامر:
كان البحر هادئا
وقلبك على استعداد ان يستجيب بمرح لأية دعوة
خافقا بطواعية للايادي المتحكمة
هكذا تفشل الرسالة وتنتهي القصيدة حيث يجلس الملك الصياد على شاطئ البحر متسائلا عن عودة الحياة الجديدة له. لقد انتهت كل المحاولات بالخيبة والخسارة بينما يستمر كل شيء على حاله.
وما دامت هذه هي العناصر التي تؤلف رموز ” الارض الخراب ” فقد اصبح من السهل شرح تطورها. تتفق الخطوط الرئيسة في القصيدة مع الرموز معينة مراحل مختلفة في خطة العقم والمحاولات الفاشلة للقضاء عليه. تتألف القصيدة من خمسة اقسام او حركات يتميز كل واحد منها بصفة معينة. يعرض القسم الاول المسمى ” دفن الموتى ” الوضع الرئيس للقصيدة . انه انثروبولوجيا الفصل الذي مات اله الفصول فيه واصبح الملك الصياد عقيما. وهو يمثل شعريا الجدب الذي يرقى الى مستوى الجدب الروحي. يحتاج هذا الوضع الى نبوءة فيستخدم اليوت العرافة وحزمة ورق اللعب لكي تتنبأ بالمستقبل وتصدر التحذيرات، فحدة المشهد انما تحتاج لمثل هذه العرافة. كما يرى اليوت في مشهد الحياة الدينية المزدحمة انتصاراً للموت الذي ينعكس بمشهد الموتى وهم يعبرون الجسر مشيعين جوا من التسطح والتخثر الرهيب:
كانت الشهقات تنبعث قصيرة ومتفرقة
وكل رجل ثبت عينيه امام قدميه
تدفقوا نحو التل
وانحدروا الى شارع الملك وليم
حيث تضبط سانت ماري وولنوث الاوقات
بصوت ميت في الدقة الاخيرة للتاسعة
يعكس صوت دقات الساعة الموت الحادث داخل البشر وليس غريبا ان يصاب الشاعر او شخصيته بالهستيرية وهو يخاطب احد الموتى الذي يراه شبيها له. تلك هي الحالة كما يشخصها الشاعر ومن هنا ينطلق الى المحاولات المختلفة لعلاج هذا الوضع.
يدين القسم الثاني ” لعبة الشطرنج ” ببعض معالمه لميدلتون في روايته ” ايتها النساء احذرن النساء ” . يؤكد الطابع الرئيس لهذا القسم خطورة الحالة وضرورة المبادرة الى عمل سريع ما . ينقسم القسم هذا الى جزئين حيث يصور الجزء الاول عذاب النفس البشرية في ترددها ولا هدفيتها، في مظاهرها الكاذبة ومخاوفها، بينما يصور الجزء الثاني نفس العذاب بالنسبة لشخصيات من طبقة ادنى وذلك للتأكيد على انتشار هذه الحالة. يبين ” الشخص ” كيف يقوم النساء والرجال بممارسة اعمال تافهة غير مجدية امام القدر المحتوم وكيف ينهمكون في مثل هذه التفاهات الى حد يعميهم عن رؤية المصير الذي ينتظرهم. هنا تلتقي سيدة المجتمع الثرية والمرأة الشعبية في مجاليهما المختلفين من خلال الانخراط الشامل في اعمال مشوشة لا هدف لها ولا غاية. هكذا تسمع المرأة الثرية اصواتا مرعبة وتلمح بأن حياتها زائفة، كما يقول الصوت المتدخل في السياق :
افكر اننا في زقاق فئران
حيث فقد الموتى عظامهم
كذلك تنقطع ثرثرة المرأة الفقيرة بالخوف من هروب الزمن. ان الزمن يركض.
هيا، هيا ، فالوقت قد حان
كما يرمز اغلاق الحانة بالسرعة والركض الذي يتم فيه الى شيء اكثر من التعبير العابر. هكذا تنتهي كل الافعال التافهة بصورة مفاجئة. ولعل هناك تهكما خاصا في الابيات الختامية:
مساء الخير يابيل، مساء الخير يالو، مساء الخير يامي
مساء الخير . تاتا . مساء الخير . مساء الخير
مساء الخير ايتها السيدات مساء الخير ايتها السيدات الجميلات
مساء الخير ، مساء الخير.
يرسم اليوت الصورة بمهارة تامة ثم يقول ما يحسه نحوها. ها هو يرسم صورة الوداع ثم ينتقل بعد ذلك لكي يضمن وداع اوفيليا حين تصاب بالجنون وذلك لكي يقول بأن هذه الشخصيات كلها على حافة الجنون.
يسمى اليوت القسم الثالث ” موعظة النار ” وذلك اشارة الى كتاب يعتقد بأنه لبوذا يضم فيه وصف الشهوات الجسدية واثرها المفسد على روح الانسان. فالنار هي نار الشهوة التي تلتهم البشر، وهؤلاء هم شخصيات هذا القسم. ومع نمو القصيدة  يتضح اكثر فأكثر كم هي عنيفة وقاتلة تلك الشهوات، فبعد ذلك اللقاء الذي يتم بين موظف المصرف وكاتبة الطابعة، تأتي الاغنيات القاتمة لبنات التيمز ثم تعقبها خاتمة عنيفة:
ثم الى قرطاجة جئت
احترق احترق احترق احترق
يا الهي انت تقتلعني
يا الهي انت تقتلعني ….
احترق
لقد اقتبس البيت الاول من اعترافات سانت اوغستين اذ يصف دخوله الى عالم الفجور بالجنسي بتورية عنيفة التشبيه ” ان قرطاجة هي مرجل الحب الدنس “. يؤدي ذلك الانحطاط الخلقي الذي يبينه هذا المقطع الى تلك النتيجة وكذلك شكل النهاية التي تنتظر من يراهن على الرغبة الجنسية. يلي ذلك مباشرة موضوع مقتطف من عمل منسوب الى بوذا يبين فيه مبادءه الرئيسة حول الطهر والخلاص. لقد التهمت اللذات الروح لكن الامل في انقاذها ما زال قائما. انه مجرد امل وليس فيه اي تأكيد. فالجمل المتقطعة التي يستعملها اليوت بكل حذق انما تضعنا في موضع الشك بما سيحدث. تقف الكلمة الاخيرة معزولة بوعيدها المخيف، موحية بأن النار مستمرة.
واذ ينتهي القسم الرابع ” الموت في الماء ” الذي يخبرنا بموت المنقذ وفشل كل محاولاته، يجيء القسم الخامس ” ماذا قال الرعد “. اللهجة في هذا القسم اقل تهكما واقل واقعية مما في الاقسام السابقة. لابل هي استمرار للجد الرصين الذي ابتدأه في نهاية القسم الثالث. لا يهتم اليوت منذ الان بالتوقع والوعيد وانما يتركز اهتمامه على المخاوف المتحققة والتفسخ الرهيف الذي اخذ مجراه في الروح. فالروح ليست خاضعة فقط للاوهام والامال الكاذبة بل فيها خلل رهيب اشبه ما يكون بذلك الخلل الذي اصاب بلدان اوروبا الجائعة في سنوات ما بعد الحرب. انها ضحية كوابيس مجنونة من الجوع والعطش، وتلك الكوابيس التي تصيب الروح اشد واقوى من تلك التي تصيب الجسد. فالمدن الحقيقة لم تعد مدنا حقيقية :
اية مدينة تلك التي في قمم الجبال
في الهواء البنفسجي حيث الهدم والبناء والاندلاع
قباب متهاوية
القدس اثينا الاسكندرية
فيينا لندن
كلها وهمية
هكذا يبدو نظام الطبيعة كله على حافة الانهيار. وما تلك الاصوات والعلامات الغريبة الا دليل على ذلك التفتت الشامل :
لمت امرأة شعرها الاسود الطويل بقوة
وعزفت لحنا هامسا على اوتاره
والخفافيش التي لها وجوه اطفال
صفرت في الضوء البنفسجي
وصفقت بأجنحتها
وزحفت برؤوسها المتدلية الى اسفل الجدار
والثياب المنقلبة في الهواء
دقت اجراسا حافلة بالذكريات
عند تمام الساعات
والاصوات تغني في الابار التي جف فيها الماء
في مواجهة هذه الهستيرية والفوضى يتم الفشل الذريع في قصر الاخطار وفي صوت الرعد حيث تتضح شدة الحاجة الى الخلاص الذي يصعب تحقيقه. لقد تردت الاحوال الى درجة لا يمكن فيها لنداءات الرعد ان تترك اثرا.
هكذا يتضح ان ” الارض الخراب ” قصيدة معنية بذلك المرض والعجز الذي يصيب روح الانسان. انها لا تتبع خطا سايكولوجيا او عاطفيا. انها تنمو وفق خطة تعتمد اولا على عرض الحالة بكل تعقيداتها ثم تبين مدى تعذر الاصلاح.  وهي تحقق بذلك حالة شعرية تامة. والشعر هو الواسطة التي يتم فيها التعبير عن الكنه الحقيقي للحالة، لذلك فهو يبقى اكثر اغناءا من اي تحليل.
يتسم الموضوع الذي يطرحه اليوت بالتعقيد الى درجة تحتاج الى الوقت قبل ان يستطيع القارئ استيعاب كل معانيه الحقيقية. ومع ذلك فان اليوت لا يترك المجال لافكاره بالتسيب. انه يرتبها بعناية فائقة وهو يملك من الادوات ما يجعل قصيدته متماسكة ومترابطة. لا يقنع اليوت بجعل شخصياته ممثلة لمبادئ او افاق معينة على امتداد مختلف  المشاهد بل يستعين بمعان اخرى لايفاء هذه الغاية حقها. فهو مثلا يستعين بالعندليب وبصورة مكررة لكي يوضح المعنى المقصود من وراء استخدام العندليب . ففي القسم الثاني تزين صورة العندليب غرفة السيدة الثرية :
وعلى الموقد الاثري، وكأن شباكا قد انفتح على غابة
تنتصب صورة تحول العندليب، بكل قسوتها وهمجيتها
على يد الملك البربري،
غير ان العندليب كانت تملأ الصحراء بصوتها القدسي
وهي لم تزل تغني وما زال العالم يصغي
” جغ جغ ” بآذان قذرة
وفي القسم الثالث حيث يستمر التعقيب على قذارة ” الحب ، يلي ظهور المسز بورتر وعشيقها –  وهما نموذجان للانغماس الفردي المبتذل – رجوع اخر لمغزى العندليب :
تويت تويت تويت تويت
جغ جغ جغع جغ
تنطلق بكل وقاحة
تيرووو
يقترن ظهور العندليب دائما بالمرأة المخدوعة او غير  القانعة او المبتذلة، وفي كل مشهد من هذه المشاهد، ينبثق صوت العندليب فجأة وبصوت مأساوي محطما ذلك الجو. لا يمكن للمرء الا ان يربط بين هذه المقارنة وقصيدة اليوت السابقة ” سويني بين العنادل ” حيث يقرن اليوت مشهدا من الفسق الجارف بغناء العندليب الجميل. ففي تلك القصيدة يشكل العندليب، ذلك الطائر الذي خلدته وقدسته اعظم القصائد، تناقضا حادا مع الحياة التي تأخذ مجراها الى جانبه. ولاشك ان اليوت يقصد ذلك في ” الارض الخراب ” . فالعندليب في الاساطير اليونانية هي رمز الجمال الذي ذهب ضحية القتل الشنيع، غير انها تستمر في الحياة من خلال موهبة الغناء، اما في اسطورة اليوت الحديثة فتكمن المقارنة بين الطبيعة الشكلية الزائفة المستهترة بالحب الجنسي وبين الطبيعة المأساوية الجادة التي توفرها قصة العندليب القديمة. ان ما يفعله اليوت هو التأكيد من خلال الاشارة العميقة المؤثرة على حالة شخصياته.
ان هذه المفارقة التي يستعملها اليوت هنا بكل مهارة، يعود لاستكمالها في امكنة اخرى بطريقة اكثر تأثيرا وشمولا. يعتقد اليوت كما يبدو ان افضل طريقة لاظهار حقيقة وضع ما هي تصوير النقيض له. فهو في القسم الاول اذ يصف الارض الخراب واصداء تريستان وما تحمله من شوق مكتوم، يلجأ للابيات التالية لكي يناقض هذين المشهدين :
كل ما هناك ظل تحت هذه الصخرة الحمراء
 تعال الى ظل هذه الصخرة الحمراء
وسوف اريك شيئا
مختلفا عن ظلك الذي يخطو وراءك في الصباح
او ظلك الذي ينهض لملاقاتك في المساء
سوف اريك الخوف في قبضة من تراب
هنا يختلف رمز الصخرة الحمراء عن رمز الارض العطشى او فتاة الزنابق. فمهمتها هنا هي الاشارة الى وجود امل في الخلاص حتى في الارض الخراب وذلك من خلال الخوف والتواضع. فهناك الشعور بالجدب العام من جهة والندم على شيء ضائع من جهة اخرى. ربما يستطيع الانسان ان يجد طريق الخلاص في الخوف.
وهناك مفارقة حادة اخرى في القسم الثالث . فقبل الاغنيات الحزينة والجارحة التي تغنيها بنات التيمز الثلاث، يضع اليوت بيتين غنائين يتسمان بالمرح، يصف فيهما اليزابيث وليشستر على التيمز. لقد كانت تلك مناسبة زواجهما وهو يرسم برشاقة تامة صورة ذلك الحب الرفيع بين شخصين عظيمين. تمنح الاشارة الى لندن القديمة بمائها المتدفق رشاقة وخفة للابيات التالية :
اليزابيث وليتستر
مجاذيف ضاربة
مقدمة المركب
صدفة مموهة
بالاحمر والذهب
الموجة الرشيقة
تدغدغ الشطآن
الريح الجنوبية الغربية
حملتهما مع التيار
دقات الاجراس
وقباب بيضاء
يالالا ليا
لا لا ليا لالا
يبدو حب اليزابيث وليشستر حبا رفيعا مؤكدا بالمشهد الذي يرافقهما والذي يمثل دورا واضحا في القصيدة. فهو يوفر المفارقة اللازمة لما سيتبعه ولكنها مفارقة في الاسلوب والشكل فقط. فالزوجان الشهيران هما في الواقع غير مقتنعين بالحب شأنهما شأن العشاق القذرين المعاصرين. تعكس اللازمة المرحة الخاوية من أي معنى جدب قلبيهما وهي بمثابة تهكم على ذلك الحب الزائف الذي يتظاهران به.
ان تلك الحياة التي تعريها ” الارض الخراب ” بهذه القسوة ليست واهنة وعاجزة فقط، وانما هي عرضة في ذات الوقت للمخاوف والقلق. فذلك الاشتياق الطفولي للعالم الضائع والذي يتمثل في تقمص المنقذ لشخصية فيرديناند، امير نابولي، لا يلبث ان يتحول خلسة الى اوهام ذات طبيعة تهكمية شريرة. انها تلك المخاوف نفسها التي تتعرض لها المرأة الثرية في ” لعبة الشطرنج “. هناك صراع درامي في اسئلتها العصبية التواقة الى جواب ما وتلك الاجابات الباردة التي يفرضها الواقع. ليس هناك من جواب على اسئلتها في البداية، غير ان الشخص الرئيس في القصيدة يتصدى للاجابة باجابات رادعة ومنذرة :
” ما هذه الجلبة ؟ “
الريح تحت الباب
ما هذه الجلبة الان؟ ما الذي تفعله بالريح ؟
لا شيء ثانية ، لا شيء
تزداد توتر المرأة حتى تكاد ان تفقد السيطرة على نفسها ويأتي الجواب قاسيا وملحاً بحيث يوقعها في دوامة الحياة الميكانيكية لكي تكرر في المستقبل ما كانت تفعله في الماضي :
” ما الذي افعله الان ؟ ما الذي افعله ؟
سوف اهرع كما انا واذرع الشارع
وشعري مسترسل هكذا . ما الذي افعله غدا ؟
ما الذي افعله ابدا ؟
الماء الساخن في العاشرة
إن هطل المطر، عربة مغلقة في الرابعة
وسوف نلعب لعبة شطرنج
بينما نضغط عيونا بلا اجفان
وتنتظر نقرة على الباب
تصفعها تلك الاجابات بالرأس صفعا حاملة  في طياتها خيط القدر المحتوم الذي يرصد حياتها اللا هادفة.
يعود اليوت في القسم الاخير وقبل ان يتكلم الرعد لكي يرمز الى هذه الاوهام التي يعاني منها العالم المعاصر. يخلق الجوع والعطش خيالات تتميز احداها بحدة بالغة:
من ذاك الثالث الذي يمشي دوما الى جوارك
كلما عددت لا اجد غيري وغيرك معا
غير اني حينما أصعّد النظر في الطريق البيضاء
فهناك دائما شخص ثالث الى جوارك
منسرب، ملتف برداء بني، مقبع الرأس
لا اعرف هل هو رجل ام امرأة
فمن الثالث الى جانبك الاخر ؟
يتكون الاثر الغريب لهذه الابيات بعنصرين : يستعيد الشاعر ذكرى الحواريين وهم في طريقهم الى عمواس لكي يقابلوا المسيح في قيامته، كما يستعيد قصة بعض المكتشفين في القطب الشمالي الذين حين اعياهم التعب استبد بهم شعور بأن هناك شخصا اخر بينهم. يلتحم هذان العنصران في تجربة واحدة ويغدو الشخص الذي رآه الحواريون وهما من اوهام رجال متعبين ويغدو الاحساس بوجود المسيح احساسا زائفا. يتلاءم هذا التفسير مع الضمير المضطرب. ان وجوده بينهم يؤرقهم دون ان يبدو ذلك مهما بشكل فعلي، حتى اذا ما تعرضوا الى فقدان الثقة بالنفس او الى الشعور بعدم قدرتهم على مواجهة الحياة، يتجسم ذلك الاحساس في داخلهم دون ان يتخذ معنى معينا. لو استطاعوا فقط الايمان به لكان هناك امل في خلاصهم. غير ان العرافة تقول :
انني لا ارى الرجل المصلوب
يتحتم على المسيح في الخطة الانثروبولوجية ان يصبح الرجل المصلوب، الضحية حسب تفسير فريزر، الذي يحمل خطايا الناس عنهم ويقاسي بدلا منهم. غير ان الارض الخراب ليس فيها مخلص ولا يعدو شخص المسيح ان يكون وهما ملازما.
يحاكم اليوت العالم الواقعي بمقاييس عالية ، من خلال المفارقات الواضحة كمفارقة اليزابيث وليشستر لبنات التيمز ومن خلال تحوير ابيات المؤلفين الاخرين. هناك سابقة قديمة لهذه الحيلة، فقد استعمل الاغريق هذه الطريقة، وكثيرا ما ادى ذلك الى خلق الاثر التهكمي. هكذا حول ثيوغنيس بيت صولون الذي قال :
تتخم الكبرياء اذ تملك الثراء الكبير
الى شكل يلائم غرضه بقوله :
تتخم الكبرياء اذ يمتلك الادنياء الثروة
ففي حين كان هدف صولون بيان الاثر الفاسد الذي يتركه الثراء الفاحش في النفس، استغل ثيوغنيس الرجعي الكريه هذا المعنى لكي يهاجم به الثراء لدى الطبقات الدنيا. ولقد كان التحوير احد الاساليب التي استخدمها الاغريق لتكريم ادبائهم الاقدمين وذلك بتحديث اقوالهم المأثورة. تعلم اليوت هذه الطريقة من باوند الذي استخدمها لكي يظهر اشمئزازه من الحاضر بمقارنته ضمنيا مع الماضي الاكثر نبلا. استخدم اليوت في قصائده الاولى طريقة خاصة للمقارنة بين الحياة المعاصرة وعالم روائع الادب، غير ان ذلك الاسلوب اثبت عجزه بينما نجد مقارناته في الارض الخراب اكثر شمولا وهي تتخطى عالم الادب الى مجال القيم الانسانية الشاسع. لقد لجأ الى هذا الاسلوب في التعبير لاجل ابراز طبيعة تلقائية.
يستخدم اليوت التضمين للتدليل على الهوة الكبيرة التي تقوم بين المستوى الروحي الذي يفترض بالانسان ان يعيشه والمستوى الواقعي الذي يحياه فعلا. انها مقارنة بين المثال والواقع يتم فيها حشد مجموعة من المشاعر المختلفة في جملة واحدة محّملة بمشاعر الاحترام والتقدير للمثل العليا الى جانب الاحساس بفقدان هذه المثل مما يؤدي الى توليد النتيجة التهكمية ! وكمثال على ذلك فقد قال داي في ” برلمان النحل ” :
انه صوت البوق والصيد
ذاك الذي سوف يجلب اكتيون الى ديانا في الربيع
وهو تعبير رشيق ساحر يحمل الثقة التامة بتقاليد العصر الكلاسيكي العظيم. غير ان اليوت شعر بحاجة الى شيء مخالف ينقل من خلاله اوضاع المحبين فقال :
انه صوت البوق والسيارات
ذاك الذي سوف يجلب سويني الى المسز بورتر في الربيع
مستبدلا صوت موسيقى الصيد بزعيق ابواق السيارات واكتيون وديانا بسويني والمسز بورتر وهما نموذجان تقليديان من نماذج اليوت. وسويني هو احد شخصيات قصائد اليوت السابقة ويمثل الشخصية الفظة العنيفة الكريهة. انه شخص عريض المؤخرة قرمزي اللون من رأسه الى قدميه، اما المسز بورتر فهي من عالم اخر وهي تأتي كما يقول اليوت كشخصية في احدى الاغنيات الاسترالية، ولكنه لا يضيف بان تلك الاغنية كان يغنيها الجنود الاستراليون حين نزلوا في غاليبولي عام 1915 وان المسز بورتر كانت كما يبدو تدير منزلا للفحش في القاهرة وكانت بالنسبة لهم شخصية اسطورية. يقتبس اليوت الاغنية باسلوبها الفاجر ويبين مدى ملائمة المسز بورتر لشخص مثل سويني. يكتمل الاقتباس ويصدر الماضي حكمه على الحاضر.
يحدث اليوت تأثيرا مختلفا حين يحتفظ بالنصوص الاصلية لتضميناته. انه يربط الحالة الحاضرة بوضع قديم متسم بالنبل محدثا الفجوة اللازمة بين الاثنين. فالاقتباس المتميز بقوة بواسطة الاقواس التي تحيطه لا يمكن ان يؤخذ كسياق طبيعي في القصيدة بل انه يؤكد الشعور بان الحاضر انما يحاول تحقيق شيء بعيد المنال. غير ان هذا التأكيد لا يرتكز هنا بشكل رئيس على التناقض القائم بين المثال والحقيقة، بين الماضي والحاضر وانما يركز على خطورة الازمة الحاضرة. يقوم المقتبس بتمجيد شيء ربما يبدو بدون هذا  الاقتباس محزنا او تافها الى درجة كبيرة. ويمكن ايضاح هذه الوسيلة بالابيات الاخيرة من القصيدة التي تشكل مجموعة من الابيات المقتبسة. ربما لم ينجح اليوت تماما في هذا المقطع وذلك لكون قمة الازمة بحاجة الى شكل اشد اصالة وصدقا، غير ان هذه الابيات تعكس هذه الزاوية من تكنيك اليوت :
جسر لندن ينهار ينهار ينهار
” ثم غطاه بالنيران التي تكفر عن ذنوبهم هناك “
” متى سأغني مثلك ثانية ايها السنونو “
” الامير اكويتين في القلعة المندثرة “
” لقد ارسيت هذه البقايا على حطامي
” حسنا سأجد لك مأوى. لقد جن هيرونيمو ثانية
امنح ، تعاطف . سيطر
السلام. السلام السلام .
كان  الملك الصياد قبل ذلك قد عاد الى ممارسة الصيد وهو يشحذ ذهنه من اجل ترتيب شؤون اراضيه. واذ يتكلم الشاعر الان باسم الوعي الجماعي فهو يلخص الحالة الوجدانية التي قادته الى قصيدته. انه  ينقل احساسه بالعالم المنهار من خلال ايقاع اغنية  طفولية . وكما يفعل دانتي  في ” ارنوت دانيال في المطهر ” يعود اليوت الى النار المطهرة ، وشأنه شأن الشاعر في بيرفيغليوم فينيريس، يتساءل متى يستطيع ان يغني مثل السنونو. والعندليب في ” ايتالوس ” لسوينبرن يندب تعاسته، ومثل احد شخصيات سوناته جيرارد نيرفان المسماة ” ايل ديسديكادو ” يحس انه قد انفصم عن روابطه الانسانية وكذلك مثل احد اشخاص مسرحية ” السبانيش تراجيدي” لكي يحاول ان يوجد لنفسه مأوى ما في الخراب الشامل بينما ترن في اذنية نداءات الاوبانيشاد وما تعد به من امل محتمل في السلام. يهدف اليوت من حشد هذه المقتبسات الى ايجاد الصلة بين الحالة المعاشة والحالات الاخرى كما تصورها هؤلاء الشعراء الاخرون، بين الازمة الحاضرة والماضي.
لقد تبنى اليوت في ” الارض الخراب  ” الاسلوب الشعري الحديث بشكله المطور على يد باوند. انه يحاول ان يحقق غايتين: ان يحتفظ بالشاعرية على  الدوام وان يكون معاصرا في ذات الوقت. يصعب التوفيق بين الاثنين في الكثير من الحالات وربما نعتقد احيانا ان واقعية اليوت تتدخل في شعره. ربما لا يكون لهذا الاعتقاد تبرير تام، ذلك ان اليوت  يخلق حقا نوعا من الشعر حتى في اقصى حالات النثرية. فالمرأة العاملة في القسم الثاني من القصيدة تتكلم بلغتها المحلية العامية ورغم ان الحوار الذي يدور هو حوار الكلام اليومي العادي الى اقصى حد فهو لا يخلو من جبروته الدرامي. هكذا ترن الكلمات  المبتذلة البلهاء بصدق كبير بحيث يتم بها تحقيق الاثر الدرامي وتكمن جاذبيتها في ايجازها البالغ واسلوبها الواقعي. هناك قوة لا يمكن تجاهلها في مثل هذه التعبيرات شديدة الابتذال:
ان كنت لا ترغبين فيمكنك تحمل ذلك، قلت
هناك من يأخذ ويختار ان كنت لا تستطيعين
ولكن اذا هرب البيرت فلن اكون مقصرة في تحذيرك
عليك ان تخجلي بنفسك، قلت ، وانت تبدين انتيكة هكذا
لقد كتب هذا المقطع بكامله باللهجة العامية، ومن الصعب اعتبار اللهجة العامية شعرا اذا لم تكن قد كتبت بصورة تلقائية. غير ان اليوت يبدو وقد ادرك هذه الصعوبة، فركز على وضع انساني معين بشكل يعد بحد ذاته عنصرا مشوقا وهو يغنيه من خلال الطريقة المميزة التي يقدمه بها.
يعود تنوع المزاج الشعري في ” الارض الخراب ” الى  واقعية اليوت. لقد استطاع ان يوجد التأثيرات الغنائية كما في ابيات اليزابيث وليشستر، واستطاع ان يقدم الاسلوب التخيلي الرفيع كما في المقطع الاخير، وقدم اشكالا اخرى تكاد لا تشبه اشكال الشعر المألوفة والتي تتسم بلهجة الكلام العادي اليومي المتعمدة. كما تجنب اليوت الوقوع في الخطأ الذي وقع به باوند حين اعتقد بأن تقديم الكلام الدارج على طبيعته كفيل بتحقيق الحالة الشعرية. فقد امتلك اليوت الموهبة الدرامية الكافية لكي  يصنع شيئا مرموقا حتى من الاشياء التي تبدو لاول وهلة باهتة ومجردة من الحياة. فالمرأة المستهترة في القسم الثاني تتحدث بلغة طبقتها غير ان كلماتها تحتفظ برصيد من العاطفة كفيل باظهار حالتها العصابية وهي تقول :
” اعصابي سيئة الليلة . اجل سيئة امكث معي
حدثني . لماذا لا تنطق ابدا. تكلم
” ما الذي تفكر فيه الان ؟ ماذا تفكر ؟ ماذا
لا اعرف ابدا بماذا تفكر. فكر “
كذلك تمتلك ذكريات الطفولة في مستهل القصيدة بساطة متناهية وربما تقريرية جريئة:
وحينما كنا صغارا
وكنا نقيم عند ابن عمي الامير
كان يصحبني على مركبة الجليد
وكنت اخاف، ويقول
ماري، ماري ، تشبثي جيدا
وثم تنحدر
غير ان هذه التقريرية الجريئة لا تبدو نشازا، فهي تنقل الحالة كما هي  وتمتلك شاعرية خاصة بها، انها تلك الالتفاتة البسيطة لحادثة لها من الاهمية ما يكفي رغم سذاجتها. هناك عنصر درامي كبير في ” الارض الخراب ” وهو بمثابة دليل على اختلاف مزاجها الشعري. لم يهدف اليوت ابدا ان يوجد لغة واحدة متناسقة كما كان يفعل شعراء القرن التاسع عشر. لقد غير اسلوبه مع تغير المواضيع التي طرقها، وقدم مواضيعه من زوايا مختلفة وبأصوات مختلفة.
فالنجاح المتميز الذي احرزته الارض الخراب انما يعود الى مطابقة الاسلوب مع الموضوع بالشكل الذي يشعر به اليوت. فانحلال الحضارة والجدب المدقع لطبيعة الوعي المعاصر ولحظات الخوف الهستيرية وفقدانها للمعتقد والهدف، كل هذه المواضيع انما تتلاءم تلاؤما تاما مع ذلك الاسلوب التلميحي وغير المباشر. انتهج اليوت في اعماله المتأخرة، وخصوصا في ” الرباعيات الاربعة ” اسلوبا مختلفا، اقل تلميحا واكثر مباشرة وذلك بسبب اختلاف موضوعه ولم يكن بمقدور اسلوب ” الارض الخراب ” ان يحقق النجاح لو لم يرسم اليوت مشاعره واحاسيسه على خلفية القصيدة . لقد اصبح هذا الاسلوب ممكنا من خلال العرض الدرامي المسيطر، من خلال المشاهد التي يروي كل منها قصة ويخلق اثره الخاص به دون حاجة الى اي تعليق شخصي من الشاعر. ذلك هو الفن الدرامي الذي انتهجه اليوت لكي يجعل قصيدته معاصرة تمام المعاصرة. كان يمكن للكلمات ان تكون عديمة الاثر لو قيلت على لسان الشاعر بينما اصبحت كبيرة الاثر على لسان الشخصيات التي قدمها. لقد حملنا عبر سلسلة من الحالات الفكرية التي تختلف عن بعضها اختلافا تاما وتتميز كل واحدة منها بصفة خاصة. فالنقاء والصفاء والجبروت هو الذي يوحد اسلوب القصيدة وهو الشعر الكامن حتى في الحالات غير المتوقعة والاشكال غير المألوفة.
غير ان الارض الخراب تمتلك وحدة اعظم من ذلك. فالخطة التي تشدها الى بعضها البعض بمهارة فائقة انما تتبع من صميم القلق والمعاناة الوجدانية التي يمر بها الشاعر. لقد استطاع ان يشحن مشاعره بنصيب كبير من الدفق وهو يعبر عنها بلسان شخصياته. انها مشاعره الذاتية بالدرجة الاولى وهي انعكاس ازمة عارمة داخل نفسه. وليس هناك شك في اهمية وجدية ذلك بالنسبة له. لقد كتب اليوت “الارض الخراب ” وهو في حالة حزن قصوى على العالم .
ان ما يؤرقه بصورة خاصة هو ذلك الفراغ والجدب المتأتي من التمادي في الحياة العصرية. يمكن تلمس هذا الشعور في قصائده المبكرة، غير انه هناك لا يعدو ان يكون مجرد مسألة ذوق خاص، فاشمئزازه لا يرتكز على مبادئ صارمة. لقد تطور هذا الاشمئزاز في الارض الخراب الى معاناة انسانية عميقة. غالبا ما يخفي اليوت حدة مشاعره تحت ستار من التهكم غير ان اي قارئ للارض الخراب لا يسعه الا ان يدرك بان تلك السخرية انما هي عباءة يلبسها الانسان المحتضر لكي يخفي بها عواطفه التي ليس بمقدوره ان يعبر عنها بصراحة. انه نوع من الضبط الذي يمنح الكلمات معينا كبيرا من القوة . انه ، بطريقة خاصة، حديث ومعاصر. وهي الطريقة التي يستخدمها المحتضرون للحديث عن المواضيع التي تقلقهم بشكل حاد.
“الارض الخراب ” قصيدة مكرسة لليأس. انها تحمل املا ضعيفا جدا في الانبعاث والتجدد. ان العقبات النهائية التي تقف في وجه الحياة، كما يمليها الرعد، كامنة في قلوب البشر انفسهم. وهي في ذات الوقت تبث قيما معينة وتتقبلها كشيء ملزم من خلال نقدها الضمني للعالم الحديث. انها لا توحي فقط بأن الادب العظيم قادر على منح مقاييس يمكن من خلالها الحكم على السلوك، بل انها من خلال استخدامها لكلمات بوذا وسانت اوغستين والاوبانيشاد تتبنى التزاما اشبه ما يكون بالنظرة الدينية . ومهما تكن معتقدات اليوت الدينية حين كتب الارض الخراب فهو لم يستطع التخلي عن الدين كله، بل انه قد استخدمه لدعم ارائه بالنسبة لبعض القضايا ذات الاهمية الفائقة. تصور القصيدة القلق العظيم الناجم عن ذلك التباين بين القيم الروحية والسلوك الفعلي، وتوحي ، رغم تلك النبرة الاستسلامية في خاتمتها، ان الشاعر غير مقتنع بتقبل الاشياء على علاتها، وانه يرغب في ايجاد دواء ما، ويفترض امكان ايجاده حتى ولو كان ذلك في الدين. ولكن رغم هذه البارقة من الامل التي تقدمها الارض الخراب فانها، اي هذه البارقة ، قليلة الاهمية بلا شك. ان عظمة وقوة جذب ” الارض الخراب ” هي تلك الرؤية الثقافية للحياة المعاصرة، فمن خلال تلك القوة الفردية الفذة يتم نقل التنافر بين القيم العليا والوقائع البهيمية، بين الرغبة في اثراء الحياة والحواجز القائمة في نفوسنا واجسادنا والتي تحول دون تحقيق ذلك. انها تشخيص شعري لمرض نفسي خطير ومحاولة لتوضيح عجز معظم الرجال والنساء عن ادراك حياة روحية شاملة. ومن خلال تدفق كلماتها يتضح معنى ذلك المرض والوسائل العديدة التي يتم بها الافساد والافشال.
تعتمد ” الارض الخراب ” اساليب حديثة متقدمة لاغراض غير التي هدف اليها ابو لينير ومايكوفسكي وباسترناك. لقد احتاج هؤلاء الشعراء الى الوسائل التعبيرية المكهربة نتيجة احساسهم بأنهم يتدفقون بالطاقة الخلاقة ولاعتقادهم بأن الوسائل الاخرى تقف عاجزة امام ادراكهم لمعنى الحياة. ان اليوت لا يملك مثل ذلك الفوران، فروحه الخلاقة تنسرب بهدوء وحذر وتستمد الهامها من العذاب وليس من الفرح، من اليأس وليس من الثقة. وبينما هم يستمدون قوتهم من الحياة المحيطة بهم ويوسعون مداهم باستمتاعهم بالعلاقات الانسانية، ينكمش اليوت وحيدا، عديم الثقة، متعاليا في بعض  الاحيان. وليس عجبا ان يجد فيه النقاد الثوريون الصوت الاخير لحضارة تدرك انها لابد منتهية وتصارع دون جدوى لاستعادة ذلك البهاء الذي فقدته والى الابد. حقا ان اليوت هو شاعر الاسى والخذلان الحديث ، غير ان اعماله تتسم بالذاتية والخصوصية الى درجة تجعل من الصعب اعتباره، رغم اتساع دائرة قرائه وضخامة تأثيره، ناطقا باسم عصر او بلد او طبقة، وانما باسم نفسه الخاصة فقط. هناك اثر غير اعتيادي للعيوب التي يجدها في الحياة العامة على نفسه وذلك بسبب حساسيته غير الاعتيادية ازاء اي سلوك منقوص. لقد اخفى في قلبه خلقا عنيدا يهدف الى فضح العيوب والاخطاء اكثر مما يهدف الى الاعتراف بالفضائل. وهو يكاد بانهماكه الكبير بالمثل الاخلاقية ان يكون امريكيا اكثر منه اوروبيا. فهو سليل نيو انجلند البيوريتانية المتزمتة. والغريب في ذلك هو ان ذلك الانهماك قد امده بنظرة  ثاقبة نفاذة متميزة الى داخل الحياة الانسانية ، كما امده بالقلق العظيم عليها. انه شاعر، وذلك بسبب ما يتميز به من قلق واخلاقية ناقدة. تنبع معظم عواطفه من تلك الزاوية المعينة التي يطل منها على الحياة، ومع ان ذلك المجال يمنح اعماله خصوصية تختلف عن تلك الروحية الدافقة والخلاقة التي تميز بها ابولينير وباسترناك وتوحي بأن اهتماماته الانسانية اضيق افقا من افقيهما، فهي رغم ذلك تشكل عنصرا ضروريا لفنه وهي التي تمنحه صفة الامانة والقوة . وهو لم يدخر وسعا في ان يكون امينا امانة تامة وان يمنح تجربته ضمن مجالها، فنا لغويا بارعا.

الفصل السابع

 

فيديريكو غارسيا لوركا
الرومانسيرو غيتانو
1899 – 1936

 

على الرغم من ان اسبانيا تقع خارج النطاق الاساسي للتطورات الاوربية وتميل نحو اتخاذ خط يكاد يكون مستقلا بها، فهي تملك موهبة فذة في استيعاب المؤثرات الاجنبية وهضمها بالشكل الذي يلائم خصائصها وتقاليدها الوطنية. فالانبعاث الكبير للادب التخيلي الذي قدمه جيل 1898 كان مدينا بالدرجة الاولى لفرنسا من خلال الشاعر النيكاراغوي روبين داريو. غير ان هذه الحركة التي دشنها داريو وكان مصدر الهامها والتي وجدت ابرز انصارها في ميجويل اونامونو وانطونيو ماخادو قد اصبحت حركة اسبانية المعالم بشكل قاطع وذلك بجزالة اسلوبها ونظامها الفكري، بالإضافة الى قاعدتها الدينية والفلسفية. كان تأثير هذه الحركة كبيرا جدا جعلها تهيمن هيمنة تامة على الساحة الاسبانية حتى ما بعد الحرب العالمية الاولى وذلك بسبب عدم بروز الحاجة في اسبانيا الى المستقبلية او لاي من تلك النزعات الاخرى التي كانت تعتمل في فرنسا وروسيا ابان ايام 1910. غير ان الشعراء الشباب كان لابد لهم، اذا ما ارادوا تجاوز تقليد اسلافهم، بان يوجدوا وسائلهم الجديدة للتعبير. وقد تم لهم ذلك حين اقدموا على تطوير بعض الاتجاهات التي بدت بعض معالمها الاولية عند اسلافهم والتي لم يتم استغلالها استغلالا كاملا. كان خوان رامون خيمينيث قد جهد في كتابة الشعر البعيد عن الانتماء السياسي والعقائدي في حين استطاع انطونيو ماخادو ان يطوع اوزانه بدقة تامة لكي تتفق وقوة شخصيته، فوجد الشعراء الشباب انفسهم امام الحاجة الى خلق شعر يكون اكثر عنفوانا من شعر خيمينيث واكثر موسيقية من شعر ماخادو. ولم يكن ذلك ممكنا دون التخلص من بعض التزمت الذي تطبّع به الجيل السابق. هاهم بحاجة لان يكونوا اكثر جرأة وصراحة  وصميمية، واقدر على الاستجابة للانطباعات المختلفة واشد دقة في رصد اللحظات الهاربة وحالات الفكر المعقد. كانت الحركات التي انبثقت ابان 1920 بمثابة محاولات  لامتلاك كل هذه الصفات ورغم ان هؤلاء الشعراء كانوا قد نهلوا الكثير من النماذج الفرنسية الا انهم استطاعوا ان يكونوا اسبانيين حقا بخلفياتهم ومنطلقاتهم.
وبغض النظر عن الاختلافات التفصيلية بينهم، فقد اتفق الشعراء الجدد على مفاهيم اساسية تهدف الى الجمع بين الصور المجازية الزاهية والمواضيع المعاصرة والاحساس الدافق  بالحياة الحديثة، كما قل اهتمامهم بالقضايا الميتافيريكية والدينية والسياسية، على النقيض من اسلافهم ، وشأن معظم المحدثين، فقد صار جل همهم ان يكونوا شعراء اليوم الحاضر. غير ان اعمالهم اتخذت اتجاها خاصا وذلك بسبب اختلاف الاوضاع الاسبانية عن تلك التي في فرنسا او انجلترا او روسيا، فاسبانيا لم تكن قد خاضت حربا ولم تقم فيها حتى ذلك الحين اية ثورة. كما وان طاقاتها الفكرية لم تكن محصورة  في المدن الكبيرة القليلة، بل موزعة على امتداد البلاد التي  تميزت بالحفاظ على صفاتها وولاءاتها الاقليمية. لم تكن ثورية هؤلاء الشعراء نتيجة دوافع سياسية او عاطفية معينة، وانما بدافع شعورهم بأنهم فنانون يهدفون الى جعل الشعر اكثر دفقا واصالة. انهم ليسوا ميتافيريكيين . تركز اهتمامهم بالوسائل التي تمكنهم من جعل الفن معاصرا كل المعاصرة وشأن شعراء عصرهم الاخرين فقد انطلقوا بفكرة واضحة ومتبلورة حول تجاربهم الخاصة في ميدان الشعر يحدوهم الاخلاص لهذه الفكرة دون الاهتمام بأية اعتبارات خارجية. هكذا ثاروا على أساليب ومقاييس أسلافهم، فقد كان انبعاث الأدب الأسباني قوياً وجارفا الى حد ادى بهذا الجيل الشاب ان يرى فيه  شكلا من اشكال الاضطهاد المجحف. كان ذلك الادب قد استطاع تكوين مقاييسه واخلاقياته ورؤاه الخاصة التي ترى في الشاعر نبيا وقورا يتكلم من برجه المستوحد حول اخطر قضايا الموت والحياة. لم يرد الشعراء الشباب ذلك، لقد فقدوا ثقتهم  بتلك المقاييس والمثل واتجهوا الى الشعر اتجاههم الى مخاطرة كبيرة. ورغم ثقتهم الاكيدة بأن شيئا لابد وان يتم انجازه وبأنهم مدركون تمام الادراك لطبيعة الشيء الذي يريدون انجازه الا انهم لم يكونوا واثقين من النتائج النهائية. كان ذلك وكأنه مغامرة بالظروف كما قال جيراردو دييجو :
الروليت السماوية
بيضاء وخضراء  وحمراء وزرقاء
تدور وئيدا وئيدا
وانا القي بكرتي الخيالية
الالهام المنفلت مرشد خطر، وقد اثار هذا التصدي مشاكل كثيرة. غير انه في تلك اللحظة الراهنة، كان لابد من اعطاء الطاقة الابداعية السلطة المطلقة لشق طريقها بنفسها، وانطلاقا  من الايمان بهذه الوظيفة للشعر فقد رفض الشعراء الشباب الفكرة بأن كتابة الشعر تحتاج الى معين فكري ثر وقالوا بأن الشعر انما ينبع من الطاقات البدائية للانسان وبأنه يزداد جودة كلما اقترب من الطبيعة. استهوتهم اكثر من اي شيء اخر اشد الصفات سذاجة في الشخصية الاسبانية. ومن بين جميع الاقاليم الاسبانية تميزت الاندلس بقلة تأثرها بالحضارة الاوروبية، وعاداتها شرقية اكثر منها لاتينية. تنتصب الطبيعة الاندلسية النضرة بانهارها الدافقة وبساتين برتقالها الشاسعة نقيضا واضحا لجبال قشتالة الجرداء وسهولها التي لا تعرف الماء، كما احتفظ سكان الاندلس بطبيعة خاصة لم تندمج ابدا مع الطبيعة الاسبانية العامة. وقف جيل 1898 امام تلك الروح الاندلسية وقفة حائر، لابل ان كتابا كبارا مثل اونامونو وازورين وفاليه انكلان الذين كانوا يرون في الحضارة الاوروبية مثالا يحتذى، كانوا يشعرون بضرورة قمع تلك الروح الاندلسية بعواطفها البدائية وجهلها، لاجل ان تحتل اسبانيا مركزا مرموقا في اوروبا. ومع ذلك فقد كانت الاندلس وما يتدفق فيها من حياة عارمة، مهد عدد من شعراء الجيل السابق، فمخادو وخيمينيث كلاهما اندلسيان تخليا عن تقاليدهما الاقليمية وانطلقا الى وسط اسبانيا حيث تأقلما على تقاليدها النبيلة الصارمة، غير ان الجيل الاصغر ما لبث ان وجد في الاندلس مهدا للشعر الحقيقي بين اناس طبعوا على الغناء والرقص وعلى العديد من الاحتفالات والطقوس البديعة. لقد ان الوقت كى تحتل الاندلس مكانتها في الشعر الاسباني وقد تحقق ذلك بشخص شاعرها فيديريكو غارسيا لوركا الذي ولد عام 1899 في فينتيفاكيروس في وادي غرناطة.
كان لوركا منذ البداية فنانا خالصا. فبالاضافة الى كونه شاعرا وروائيا، كان رساما انجز رسم العديد من الرسوم التخطيطية المبتكرة والبديعة، وموسيقيا قال عنه دوفالا بانه لو شاء لانتج في مجال الموسيقى ما لا يقل روعه عما انتجه شعرا. ويتفق كل من عرفه بأنه كان ذا شخصية قادرة على تحويل كل ما حوله الى عالم شعري، فحيويته الدافقة وخياله المبدع كانا يأسران الاخرين ويحيلان العالم الى مكان ملاءم لهما. وقد اكتسبت الطبيعة الريفية وبشرها من خلاله صفة سحرية مختلفة كل الاختلاف عما كانت عليه. لم يكن الفن مجرد وجه من وجوه حياته وانما كان يملأ ذاته ويلهمه ذلك الابداع في كل انجازاته، وحساسيته المرهفة قد امتلكت القدرة على كشف حقائق الاشياء للاخرين وعلى ايجاد الخصائص الخبيئة في الاشياء وسربلة كل ذلك بسحر لمساته. لم تكن لديه رسالة معينة. سار على هدي غرائزه وكتب عن كل ما اثار اعماقه ومخيلته. لقد جعلت منه هذه الخصائص الشاعر الذي طالما بحث عنه جيله. ورغم انه لم يعر التأمل العميق اهتماما وانكر دائما ان تكون لديه اية نظرية في الفن، فقد تبلورت لديه من خلال ممارساته العديد من الطموحات كما توصل الى تبرير الكثير من الاراء. شعره شعر خالص . صوره مبتكرة ذات جمال اسر وعالمه الذي يستقي منه صورة هو من صميم المجتمع الواقعي الذي عاش فيه : بيئته الاندلسية وما وجد فيها من صور حياتيه مختلفة.
انطلق لوركا بموهبتين متباينتين : فهو في المكان الاول شاعر غنائي يتمتع بموهبة خاصة في كتابة الاغنية وهو درامي يكن حبا وتفهما عميقين للمسرح. كتب الاغنية والمسرحية في ان واحد وعبر من خلالهما عن مظهرين من مظاهر نبوغه. تتصف اغانيه بالانفلات والشفافية الغريبة وقد ساعدته رهافة حسه على اقتناص تلك اللحظات الهاربة التي لا يحس بها عادة ذوو الاحساس المحدود، وعلى ترجمتها بمهارة فائقة الى شعر هازج اثيري يختصر الوجود كله في انطباعه لحظة معينة. لقد دفع به اصراره على نقل ماهية الشعر الاصيلة الى التركيز على الرعشة المعينة. لقد تلمس لوركا ببصيرته النافذة  تلك العلاقات الخفيفة غير المتوقعة بين شيء واخر ملقيا الضوء على الاشياء التي لم يستطع الاخرون غير رؤية بعض جوانبها، متلمسا بذلك تلك العلاقة الاساسية ، نقطة التماثل او التشابه بين صورة واخرى، مكونا الصورة المعبرة بايجاز محكم. النقطة الاساسية في هذه العملية هي القدرة على اختيار الصورة، او المشهد الذي يستطيع القيام مقام الصورة وذلك من اجل التعبير عن اختلاطات الفكر الواسعة. انه يجند وعيه النافذ في سبيل استحضار ما يكمن وراء الحدث الذي يكون مادة الشعر . ليست هذه الاشعار وصفية بالمعنى الضيق للكلمة، كما انها ليست تجريدية. انها تتحرك عبر مراحل متعددة متسلسلة، عبر سلسلة من الملاحظات الدقيقة الشيقة لكي تبتعث التجربة التخيلية الكاملة. يبدو ان لوركا قد امتلك تلقائيا الاسلوب الجديد في تحويل المشاعر البدائية الى صور محسوسة. هكذا تحول كل ما اختزنه عقله من ذكريات وما التقطته عيناه واذناه من صور واصوات الى مادة شعرية. ها هو يصف نفسه ادق وصف اذ يقول :
قلبي الحريري
تملؤه الانوار
ونواقيس  ضائعة
وزنابق ونحلات
حقا لقد  تدفقت منه الصور والاصوات تدفقا ما كان عليه الا ان يحيلها الى اغنيات.
ولوركا في ذات الوقت روائي شديد الاهتمام بالطبيعة البشرية، بمبادرتها الفطرية وجوانبها العنيفة.  لم يفتش عن مادته الدرامية بين صفوف طبقته وبيئته الخاصة، بل اتجه نحو هؤلاء الناس الذين يترجمون عواطفهم الى افعال درامية متوترة بصورة تلقائية. لم تعوزه المواضيع في عالم موطنه الاصلي الاندلسي حيث مصدر وحيه. وقد استمر لفترة من الزمن في كتابة المسرحيات بمهارة وسلاسة تضاهي مهارته في كتابة الاغنية. غير ان هذين العنصرين لم يستطيعا البقاء منفصمين، وقبل مضي وقت طويل شرع لوركا بشحن اغنياته بالعنصر الدرامي. لقد اوحت له سمة الحزن على وجه حرباوين بأنهما حزينين في غمرة الفرح العام لانهما اضاعا خاتم زواجهما الرصاصي. وهو اذ يرى مصرع اربع حمامات في الجو يروى هذه الحادثة بايجاز بليغ مصورا المأساة التي تكتنفها. وحين يرى الفتاة التي تجمع الزيتون في الريح وترفض دعوات الفرسان لاصطحابها الى قرطبة او اشبيلية او غرناطة، يتخيل الريح حبيبها وقد طوق خصرها بذراعيه. يبدع لوركا تلك اللحظات الدرامية الخيالية بابيات وبمهارة فنية غنائية. تلك هي القصائد التي تحمل بذور روائعه المقبلة.
تحددت ملامح فن لوركا بسرعة  مذهلة. ففي ” الكانتو هوندو ” عام 1927 قدم قصائد الحياة الغجرية. لقد فتنته تلك الطاقات الفطرية وحب الالتصاق بالارض لدى الغجر الاندلسيين. وفي الوقت الذي اتجه فيه الشعراء المعاصرون الاخرون نحو السياسة او الطبيعة المادية او قلق الانسان المتحضر، وجد لوركا معينه في تلك الانفعالات الساذجة والعواطف غير المعقدة عند هؤلاء البسطاء. فهؤلاء الغجر يملكون كل تلك الصفات الاساسية للاسباني الجنوبي غير المتفسخ اضافة الى ما يتميزون به من وجود ذاتي مستقل. استطاع باغنياته القريبة جدا من اغاني الغجر انفسهم وبتكلف اقل بكثير من تكلف الاغاني الاسبانية التقليدية ان يمتلك ناصية الشعر في ذلك المجتمع. لكل قصيدة من هذه القصائد قصتها الدرامية الصغيرة. وغالبا ما تكون القصة العنيفة ذات خلفية ملفتة للنظر ومنبثقة من صميم المجتمع الاندلسي. كان لوركا اول شاعر اوروبي يستخدم وسائل التصوير والايحاء الحديثة في سبيل ان يبدع شعرا للبسطاء. وقد برهنت هذه الاغنيات على قدرته الفائقة في انجاز ذلك. تعطي كل كلمة واشارة في هذه القصائد مدلولا ما ، وكل لمسة تمتلك الى جانب دقة افقها التخيلي صدقا كبيرا في معاملة الموضوع الانساني. وان يكن لوركا قد خبر بنفسه الحياة الغجرية ورأى كل شيء من خلال منظار غجري فقد احتفظ بحقه في وضع لمسته البارعة والسريعة لكي يفسر معنى تلك اللحظة او الحالة المعينة وما تحمل من مدلول تخيلي واثر حاسم في نفسه كشاعر. استوعب لوركا بعض الاكتشافات الحديثة بسهولة فائقة حتى بدا وكأنه ولد في احضانها. وليس في شعره ما يشير الى تصنع مقصود او اي تعثر في استيعاب ذلك الجديد. لقد بدت الوسائل الحديثة في  التعامل مع التجربة طبيعية تماما ليس بالنسبة له فقط وانما بالنسبة للشخصيات التي يقدمها ايضا.
دفع هذا الانغمار بتلك الحياة الغجرية البدائية والمروعة لوركا الى نشر ديوانه ” رومانسيرو غيتانو ” عام 1928 والى جني ذلك النجاح الذي لم يضاهيه نجاح في عصره. لقد شكلت هذه المجموعة تحفة رائعة. وهو رغم ما هو معروف عنه من تواضع كبير  واهمال في نشر نتاجه، لم يتردد في نشر هذه المجموعة. لقد ادرك انه بلغ بها حدا من الكمال ينفي اية حاجة لتحسينها او اضافة شيء لها. في هذه المجموعة تخلى لوركا عن مجال الاغنية الضيق المحدود وانطلق الى شكل اقرب الى القصة . ولعل ميله الفطري الى الاسلوب الروائي قد امده بالحاجة الى مجال اكثر رحابة من مجال الاغنية، فعثر على ضالته في الاساطير الاسبانية، في الاغاني القصصية التي تعود الى القرن الرابع عشر والتي جرى تطويرها وتنقيحها على ايدي الكثير من الشعراء المعروفين والمجهولين، بحيث تحررت من الرتابة والفجاجة التي تتصف بها الاغاني القصصية الانجليزية مثلا، وامتلكت نهجا منتظما يعتمد عددا ثابتا من المقاطع وموسيقية واحدة متجانسة بدلا من القافية. تميزت تلك الاغاني الخيالية التقليدية بالايجاز والتركيز، وكان من السهل على لوركا ان يقلدها دون ان يتخلى عن مؤثراته الخاصة، وربما يمكننا القول ايضا ان لويس دى غونغورا قد مهد الطريق للوركا منذ القرن السابع عشر حين استخدم هذه الرومانسيات في اخضاع مواضيعها الشعبية للاساليب المتطورة وفق عصره. شكل ذلك مجالا خصبا للوركا وهو الذي رغب في ابداع شعر يعكس حياة البشر من خلال منظاره وتكنيكه الخاصين. لقد امدته تلك الرومانسيات بالمادة الملائمة وهي قصص الحب والبطولة. وكما يوحي عنوان المجموعة، فابطال لوركا كلهم من الغجر، ولم يكن سهلا عليه ان يتخلى عن هؤلاء البشر الذين وجد لديهم الكثير من الحب والالهام. فكلمة “غيتانو” او “الغجر” تتردد كثيرا كناية عن القمر والعذارى في القصص الانجيلية، غير ان لوركا قد خفف من مدلولها. ان الغجر الذين اكتشفهم لوركا هم غجر الاندلس البسطاء ذوو الانفعالات الاسبانية المعينة. والرومانسية هي شعر هؤلاء الناس.
استطاع لوركا في الرومانسيرو ان يحقق الانسجام التام المتكامل في عملية المزج بين العناصر البدائية والعناصر المتطورة، ذلك المزج الذي بدأه في قصائده الاولى. ورغم اقتصار مواضيعه على مجال واحد صغير من مجالات الحياة البشرية حيث الانفعالات غريزية تماما، فهو لم يغفل عن وضع بصماته الحسية. تخلو بساطتها من كل تكلف، كل لمسة فيها شعر خالص يتمثل تجربة تم التعبير عنها بأقصى درجات التعبير توترا. ورغم ذلك فقد حظيت باعجاب الكثيرين وجرى تريديها على السنة الذين لا يقرأون ولا يكتبون وذلك لانها لم تعكس فقط تلك الصفات الرئيسة في الروح الاسبانية وانما لان حساسية لوركا الشفافة ، صادقة الى درجة جعلت ابسط الناس الذين لم تصلهم العلوم او مظاهرها قادرين على ادراك ما يعنيه والتعرف على تلك الروابط التي تربطها بتجاربهم الشخصية. يقول ارتوريو باربا ان احد افراد  الجيش  الجمهوري قد علق حين سمع وصف لوركا للحرس الجمهوري بقوله ” انه يجعلك ترى وتشم الحرس الاهلي “:
خيولهم سوداء
سوداء حدوات خيولهم
تلتمع على قبعات الحرس
بقع من الحبر والشمع
جماجمهم من رصاص
لذلك فهم لا يبكون
ذلك هوة ابداع لوركا. انه يقدم الصورة كما يحسها بنفسه، وبوضوح يجعلها سهلة الاستيعاب بالنسبة للاخرين الذين يختلفون عنه اختلافا تاما.  لقد عبر عما يريد قوله بايجاز عظيم. ولكن انجاز لوركا لم يكن على هذا النحو فقط. انه حقق ذلك بما يملك من تفهم كبير لطبيعة الغجر ومن قدرة على النفاذ الى اعماق افكارهم ومشاعرهم. انعكست رؤاهم البدائية في نفسه فجاءت قصائد مشرقة عامرة بالاثارة والشمول وبعمق متأصل في اعماق الطبيعة البشرية.
يتعامل لوركا مع مادته المتداخلة التركيب بشكل عفوي وكأن ما يحدث لا يعدو ان يكون انطباعا اوليا لم يؤثر فيه مرور الزمن او يوهنه التحليل الفكري. انه يستعمل طريقته الحديثة في نقل جوهر المشاعر دون الاشارة الى المقولات الفكرية المصطنعة. فهو يقول :
إن افقا من الكلاب ينبح،
بعيدا عن النهر
ذلك المشهد مطابق تماما لما يمكن ان تدركه الحواس. ولعل الطريقة المنطقية في اداء ذلك الوصف هي ” الكلاب تنبح في الافق البعيد خلف النهر ” غير ان هذا الوصف غير دقيق. فالافق غير مرئي. كل ما هناك صوت نباح من بعيد ولذلك فالتعبير الاكثر صدقا هو ” ان افقا من الكلاب ينبح ” فما يسمع انما هو النباح وهو اهم مما يرى وهو الافق. تتمتع جميع اوصاف لوركا السمعية والبصرية بمثل هذه البداهة وهذا الصدق. فهو احيانا ينقل الاحساس بواسطة الصوت اذ يصف النشاء في  التنورة ” مثل قطعة من الحرير تمزقها السكاكين ” واحيانا اخرى بواسطة الرؤية فيقول ان انطونيو المحارب ” يتقافز مثل دولفينة ملساء ” واحيانا اخرى يتزاوج الصوت واللمس معا فتصف تمارا قبلات اخيها وكأنها ” زنابير ونسائم خفيفة في حشد مزدوج من المزامير ”  وربما تتراكم المؤثرات بشكل معقد حين يصف الفجر:
شجرة التين تفرك الرياح
بسنافر غصونها
والجبل، كقطة متلصصة،
ينفش صباره المر
يمكننا تحليل ذلك بأن نقول : ” ان صوت شجرة التين وهي تتحرك انما يشبه صوت ورق السنفرة المفروك وان الجبل الملئ بالصبار يشبه قطة منتفشة وهي تستعد للسرقة. غير ان لوركا يضع معناه بطريقة موجزة وصادقة كل الصدق. فشجرة التين التي تتمثلها مشاعره، تفرك الريح حقا بورق السنفرة ويتراءى الجبل له منتفشا حقا. هكذا تبدو له الاشياء وتكون اكثر حيوية مما لو حللت منطقياً. لا يستثير تعامل لوركا الحسي مع الاحداث العين المجردة فقط وانما ينقل ظلالا وافكارا متشابكة تتعدى مجال الجملة البسيطة المطروحة. ففي ” بريكوزا والريح ” يصور لوركا فتاة تتبعها ريح شبقة وتقول لها :
سأفتح بأناملي الابدية
زهرة بطنك الزرقاء
حيث تنقل الوردة الزرقاء شهوة الريح للفتاة وبرود الفتاة العذري نحو الريح. وفي ” تمارا وامنون ” تتبدى حرارة الشرق اللافحة في صورة الارض الجريحة:
تتكشف الارض الممتلئة بالجراح المشققة
او المرتجفة باختراق المياسم ذات الوهج الابيض
القيظ شديد ومدمر وذلك يمهد الطريق لافعال كريهة. وصورة الدم المسفوح في ” مشاجرة ” لا يقل رهبة :
يئن الدم المسفوح
أغنية خرساء افعوانيه
يخلف الدم بأغنيته الخرساء الشبيهة باغنية الافعى شعورا ممضا ونذيرا بالانتقام. هكذا تتجسد الصورة المرئية مكونة شتى الايحاءات والاحاسيس الراعبة.
يتم انتقال التجربة العاطفية واخيلتها المعقدة بصورة مباشرة من خلال التقاط المغزى  الاساسي في الحادثة وتجسيده بكل طاقته التخيلية. ولعل حب لوركا للرسم قد ساعده في احداث  هذا التأثير. فهو شديد التجاوب مع الالوان وهو يلجأ اليها في كثير من قصائده لكي يجسد من خلالها المغزى الاساسي  في القصة. انه يفتتح اغنية ” الهائمة في الليل ” بنغمة خضراء :
خضراء ، كم احبك يا خضراء
ايتها الريح الخضراء، ايتها الغصون الخضراء
ثم ينتقل الى الفتاة الهائمة بجسدها الاخضر وشعرها الاخضر، تتكرر هذه النغمة في القصيدة حيث يتولد الاحساس بهيمنة اللون الاخضر. يبتعث اللون احساسا غير واقعي، جوا شجيا يتسق تمام الاتساق والفتاة الهائمة المتأرجحة فوق البئر وكأنها عنقود ثلجي معلق فوق الماء. وفي ” موت انطونيو الكومبوريو ” حيث قصة الدم والموت، يسيطر اللون الاحمر متمثلا في الظلال المختلفة. انه صوت انطونيو “قرنفلة ذكرية ” وهو في ربطة عنقه القرمزية وفي حذائه الذي بلون الزبيب وفي دفقات الدم الثلاثة التي تنبثق منه اذ يموت. كما يسيطر اللون الاسود على قصيدة “الحرس الوطني ” حيث يظهر في اول القصيدة بالخيول السوداء والحدوات السوداء والغبار الاسود الذي تثيره المعركة القائمة بين الحرس الوطني والغجر وينتهي باختفاء الحرس في الليل. تمنح هذه الظلال السوداء شعورا يتعدى الاثر البصري فهجوم الحرس الوطني على الغجر في الليل انما يرمز الى طبيعتهم وهم يتفقون تمام الاتفاق مع تلك الصور الداكنة.
يتجاوب هذا العنصر الفني مع نساء ورجال بدائيين تثيرهم الانفعالات العنيفة غير المكبوحة وهم بأنفسهم انما يعيشون على حافة الدم والموت. يكاد يشكل غجر لوركا طبقة منبوذة ليس لها مكان داخل المجتمع المنظم. وهم غالبا ما يعيشون في صراع دائم مع القوانين المجسدة بالحرس الوطني. يرى لوركا في الحرس الوطني رمزا للاضطهاد والطغيان، لتلك السلطة المجحفة التي تتدخل في مباهج الناس الطبيعية والتي لا هم لها الا الزجر والتدمير. يظهر الحرس الوطني في قصيدة “مشاجرة” خلال معركة دامية ويستمعون بوقار الى قرار القاضي المجرد من الاحساس :
ايها السادة يا رجال الحرس الوطني
هذا ما يحدث دائما
ويلاحقون المهرب الجريح الى مخبئه في قصيدة ” الهائمة في الليل ” ويخبطون على الباب وهم سكارى فيمتلك المهرب شعور بالخوف رغم اختفائه عنهم:
اصبح الليل مألوفا
مثل ساحة صغيرة
والحرس السكارى
يطرقون الباب
وفي قصيدة ” القبض على انطونيو الكمبوريو” يقبضون على انطونيو وهو في طريقه الى اشبيليه ويقتادونه الى  السجن. وفي القصيدة المسماة باسمهم يقتحمون افراح الغجر ويخرسونهم بعنف رهيب وفيما هم يعبرون الليل يحلمون بسفك الدماء:
يمرون متى يرتأون
وهم يخبئون في رؤوسهم
صورا غامضة
لمسدسات بلا اشكال
انهم مخلوقات همجية. يقتحمون مدن الغجر الحالمة بينما الغجر يرقصون في ملابسهم التنكرية متخيلين انهم العذراء والقديس يوسف او سلاطين العجم، فيحطمون احلامهم ويمضون في  سراديب الليل مخلفين وراءهم لعبة الرمال والقمر. تشكل هذه الاغنيات اساطير صراع بين حياة ساذجة بانفعالاتها واخيلتها وحياة شريرة متمثلة بالسلطة الشريرة التي تنقض عليها.
تتألف حياة هؤلاء الغجر من عناصر اولية اساسية هي الدين والحب والموت. ولكل من هذه العناصر شخصياتها المناسبة. يمثل القديسون الجانب المقدس في تلك المنطقة الجنوبية بعاداتها وخرافاتها . فالقديس ميكويل حامي مدينة غرناطة المرفهة وهو يبدو مرفها مثلها في ملابسه المصنوعة من الدانتيل، تتراءى خطوط فخذيه الرشيقين من خلال شكلها الجرسي. ينتصب واقفا في خميلة القلعة بينما تثقل النقود الفضية ملابسه. يتقدم الشيوخ والعجائز نحوه لعيادته وفي مقدمتهم قس فقير يقود القداس. يصور هذا المشهد احد جوانب الكاثوليكية في تلك المناطق التي يلعب الدين فيها دورا رئيسا في حياة النساء. فالقديس ميكويل في حد ذاته تجسيد للاتجاه المناهض لحركة الاصلاح التي انتشرت في البلدان اللاتينية منذ بداية القرن السادس عشر حيث قامت الكنيسة بتشجيع ظاهرة القديسين كوسيلة للتنفيس عن الرغبات الجنسية المكبوتة في اعماق الشخصية الاسبانية المحافظة. والقديس ميكويل بجماله الانثوي انما يعطي صورة واضحة للهوة الشاسعة بين حياة العمل المستمر حيث قوافل البغال تروح وتغدو وبين عامة الناس الذين يمضغون بذور عباد الشمس وهم في طريقهم للصلاة اليه. اما القديس رفائيل فهو رمز مدينة قرطبة وهو يمثل روحا مغايرة تمام المغايرة. انه ينتصب على برج كلاسيكي رمزا لروح النهضة الاسبانية عاكسا بسروره الشامخ وجه المدينة التاريخي بينما ينعكس وجه المدينة الاخر في ذلك الصخب عند النهر الذي يغسل بقايا التماثيل الرومانية فيما تنعكس في مياهه صور العربات المتدفقة على جانبه . يعبر لوركا عن هذا التناقض في قرطبة بقوله:
قرطبة الوديعة ذات القصب
قرطبة العمائر
فكما يمثل القديس الشامخ في القلعة قرطبة العمائر كذلك تتمثل قرطبة الوديعة  بسمكة ساكنة في الماء غير مكترثة بمداعبات الصبية لها. يتم التعبير عن التناقض القائم بين الحياة الواقعية وضجيجها والمدينة الملكوتية المعلقة في التلال بالسمكة الساكنة والقديس الساكن وما يلفها من سحر  أخاذ ورقة متناهية. انه ذلك التناقض الموجود في مدينة مثل قرطبة حيث الابنية الشامخة منذ عصر الازدهار الاسباني وسط كل ما تحويه المدينة من صخب وضجيج ورواح ومجيء وما يرافق ذلك من انسياب هادئ للماء. التأثير بصري، وهو احساس بالمدينة كما يراها اي زائر دقيق الملاحظة، غير ان الانطباع البصري يرمز الى شيء اكثر من ذلك. انه رمز ذلك الانسجام والتناغم، بين ذلك التجرد اللاهوتي المتمثل بالقديس والحياة التي تسير من حوله. انهما قرطبتان مختلفتان ومع ذلك فهما كل واحد :
قرطبة التي تنوء بالانهار
قرطبة، جافة وملكوتيه
يتقبل العقل الغجري هذا التناقض من دون سؤال ويرى في قرطبة كلا واحداً، مدينة واحدة تعج بالحياة والعجائب وترعاها عناية قديسها الخاص.
اما اشبيلية فقديسها غبريال، وتروى الاغنية الخاصة به كيف يتجلى على هيئة شاب انيق وسيم امام فتاة غجرية ويخبرها بانها سوف تحبل بطفل. انها قصة بشارة مستوحاة باسلوب يشبه اسلوب موريللو، غير ان لوركا يصور الحادثة بشكل اكثر بساطة واقرب الى نفسية الغجري الساذجة. تتميز  روايته للبشارة برقة مبهجة، فالقديس كما يمكن ان يتمثله الخيال الحسي الغجري البدائي :
فتى رشيق وسيم
كتفاه عريضتان وخصره نحيل
فم حزين وعينان واسعتان
يلبس حذاء جلديا لامعا، واذ يأتي مخترقا الهواء تسمع اصوات مزامير  سماوية . ليس هناك شجرة نخيل تشبهه ولا امبراطور ولا نجمة صبح.
وبتبادل ساحر، تقوم انانسياسيون، تلك الفتاة التي سوف يكون طفلها زعيم مئة سلالة حاكمة، بتحية القديس بفرح وهي تقول :
آه، ايها القديس المتلألئ غبريال
يا اعز ما في حياتي ايها القديس غبريال
في اعماق ثديي
يجيش اللبن الدافئ
وانانسياسيون هذه فتاة غجرية عادية. ولعل في ذلك التمثل الجرئ لمريم العذراء بفتاة بسيطة ما يوضح مدى العفوية التي يطلق فيها القوم البسطاء صفات آلهتهم على بطلات وابطال قصصهم. فالولد الذي ستنجبه اناسياسيون سوف لا يكون كالاولاد الاخرين، بل ان هناك في صدره ندبة وثلاثة جروح وسوف يكون ذاجاه وسلطان. يحب الخيال الفجري الساذج هذه الامال وهو لا يرى اية غرابة في الدور الذي يلعبه الملاك. انه يحول الاسطورة التاريخية القديمة الى اسطورة خاصة به ويتمنى ان تحظى احدى بناته بهذا المصير المتميز. فالخيال الغجري يرى ويفهم الدين المسيحي بعفوية تامة وهو على استعداد لتحويره كيفما يشاء وان يبتكر اشكالا جديدة لاساطيره. يبدو التمثل الغجري للدين بصورة اوضح في قصة لوركا التاريخية ” استشهاد القديسة أولالا “. فالقصة قديمة وقد جعل منها قبل لوركا الشاعر برودينتياس اغنية باللاتينية كما كتب شاعر فرنسي اخر في القرن التاسع عشر ” ترنيمة الى اولالا “. تتصل ترنيمة لوركا بالماضي وتعامل التاريخ على النحو الذي يحسه الغجري. انه شيء مستمر وقائم فهو يركز تركيزا قاسيا على تفاصيل الاستشهاد مبينا قدرته على ادراك ماهية التعذيب واراقة الدماء. وفي ذلك ما يلقى الضوء على طبيعة الدين الاسباني، فالقنصل الروماني يستلم نهدي اولالا المقطوعتين على طبق. يدا اولالا المقطوعتان تتلويان على الارض والدم يغطي شعرها وكتفيها. تمتزج تلك القسوة بالرعشة الجنسية ذات الروع المثار. واذ يجري تعذيب العذراء:
ترتعش انوثتها المبعثرة
مثل طير بين اشواك الخلنج
ويعامل لوركا القتلة بتمثل شديد لوجودهم الواقعي. فهم حقيقيون كأنهم رجال الحرس الوطني. ها هم القادة يتدافعون بين صليل اسلحتهم البراقة وخيولهم التي تتراجع وتخب بينما الجنود الوقحون يلعبون النرد او نائمون. تنتهي القصيدة ببساطة الروح الدينية التقليدية : جثة اولالا معلقة على الشجرة وقد اسودت بالموت ومن تحتها بياض الثلج الناصع والملائكة تصرخ مقدس، مقدس، مقدس. تعكس قصة الاستشهاد هذه جانبا اخر من جوانب العقيدة الاسبانية، ففي قصائده الخاصة  بقديسي المدن يعكس لوركا الجانب المشرق في حياة الغجر الدينية بينما يضرب في استشهاد اولالا وترا اشد قسوة. غير ان الجانبين حقيقيان واساسيان من حيث تجذر الاحساس الجنسي في كليهما. فالغجر انما يبحثون في دينهم عن تلك الامثلة التي تعكس الجانب العاطفي العنيف الذي هو من صلب حياتهم والذي يتقبلونه كشيء حتمي لا مفر منه. فاستشهاد القديسة اولالا وما يعكسه من الالام والجزاء والعواطف الدموية والسلطة الغاشمة يتفق تمام الاتفاق والتقاليد القديمة الشائعة بين الغجر.
تتمتع العقيدة الغجرية بخصوصية متميزة. فالمشاغل والهموم الحياتية متغلغلة حتى في نفوس  المشرفين على شؤون الدين وهي تجعلهم قادرين على عدم التمسك الصارم بقواعد السلوك الدينية. وقد سارت الحياة في اديرة الرهبان والراهبات بشكل يكاد يكون غريبا، لابل مرفوضا تمام الرفض بالنسبة للمناطق الاسبانية الشمالية بصورة عامة. وقد وجدت  هذه المؤسسات منذ عهد بعيد وانقطعت صلتها الخارجية تمام الانقطاع وتطورت فيها طرائق في السلوك لا يتقبلها الا الذين درجوا عليها. فالراهبات في اديرتهن يوفقن مثلا بين حياة التعبد والنسك وبعض العادات الدنيوية كالتطريز وعمل الحلوى واشتياقهم للمشاركة في فعاليات الحياة الاعتيادية. يلتقط لوركا هذا الجانب في قصيدته ” الراهبة الغجرية ” حيث يصور حياة الراهبة وكأنها حياة امرأة عادية. وهو اكثر واقعية في قصيدته هذه مما هي عليه في قصائده الخاصة بالقديسين. تقيم الراهبة في دير مطلي الجدران ومزين بالزهور. تطرز الراهبة زهرات القرنفل على قماش لبني اللون بينما الاضواء تتراقص في الشمعدان، بينما الراهبات الاخريات في المطبخ يصنعن نوعا من الحلوى يسمى ” جراح المسيح الخمسة”. يقطع وتيرة عملها منظر فارسين قادمين من بعيد فيتملكها الاضطراب:
الصوت المتلاشي الاخير
يثير جلبابها
تحدق في الغيوم والتلال
في المدى الذي بلا حراك
وقلبها يتدفق بالسكر واللبان
تغمرها اخيلة هاربة. تدير عينيها وتستمر في التطريز. يوحى مشهد الراهبة وقد هاجمتها الرغبات الجسدية بأن لوركا ربما كان يعارض فكرة الرهبنة ونكران الجسد وما يؤديان الى النفاق والرياء. غير ان لوركا ليس واعظا اخلاقيا. انه يتمتع باللحظة الدرامية، يحس سحرها وتأثيرها الانساني ويجسدها بطريقة جذابة مؤثرة. واذا كان الدين قد امد لوركا بالمادة المشرقة في حياة الغجر فقد امده الحب بالمادة الاكثر تجهما. فهو حين يكتب عن الحب، يحتفظ بحياده الشخصي ولا يتردد في تصوير جوانبه الاشد قسوة وحيوانية. ” الزوجة الخائنة ” قصيدة فذة تستحق الاعجاب الكبير، وكما اوضح ارتوريوباربا، فهي تتضمن جميع العوامل التي تشكل موقف الرجل الاسباني من المرأة. انها تركز على مفهوم الشرف. فالرجل الاسباني يشعر بالخديعة اذا ما اكتشف عدم عذرية المرأة وهو ينتقم منها بسبب خداعها له ويعاملها معاملة الساقطة. ينسج لوركا قصته ضمن هذا الاطار مركزا على عنصر الاثارة المتوتر والشهوة العارمة. المكان منطقة مهجورة في احدى الضواحي وقد شرع الظلام يدب. وخلف ايكات العليق والحشائش والاشواك، يحفر الرجل حفرة في الارض ثم ينزع ربطة عنقه وحزامه بينما تخلع المرأة قمصانها الاربعة. يتم نقل الارتعاشات الجسدية بصراحة ودون تردد :
في ابعد الزوايا
تلمست نهديها الغافيين
وفجأة تفتحا لي
كسويقات الزنبق
يستمر في وصف بشرتها اللامعة :
فر ردفاها مني
كسمكتين فزعتين
نصفهما ممتلئ بالنار
نصفهما ممتلئ بالبرد
ان شرف هذا الرجل يمنعه من ترديد ما قالته له وها هو يصرفها بعد ان يعطيها سلة خياطة من الحرير ذي اللون التبني. وهو يمتنع عن حبها لان عزة رجولته قد جرحت. تصور هذه القصيدة الصورة الحقيقية للرجولة الاسبانية. فهي تلتقط الحالة النفسية لمغامرة مثيرة وتجسدها بواقعية وصدق درامي .
في ” تمارا وامنون ” يعرض لوركا صورة مخالفة لتلك الصورة الحديثة. انه يستعيض عن الواقعية بالاخيلة الجنسية العنيفة. يتحول حب امنون المحرم لاخته على النحو الذي ورد في القصة التوراتية الى عاطفة هوجاء مدمرة تتفق وطبيعة الخيال  الغجري. الجو خانق والقمر يضيء الليل المتعطش. في مثل هذه الاجواء تنحل كل القيود وتنتصب العواطف الجنسية بكل عنفها المكشوف. ها هو يصف قوام امنون الشاب :
ردفاه يفوران زبدا
لحيته تترجرج
تسيطر الاخيلة عليه وهو مستلق على الفراش
مضجعه يئن
وعيناه تمتلآن اجنحة
واذ تتوسل اليه تمارا ان يتركها بسلام. يقول بلهجة صارمة :
تمارا ان في نهديك المنتصبين
سمكتين تومئان لي
وعلى اطراف اناملك
همسات الورود المكممة
تتداعى صور لوركا بسهولة فائقة وهي تلعب دورا شديد المهارة في ايجاد التفاصيل الملائمة للانفعالات الجنسية الغارقة في اللاشعور. ها هي حرارة الجو نفسها قد خضعت للاثارة المادية :
على الاسطح
تتفرقع اعصاب القصدير
وهناك قبح شديد في الصمت المنتشر :
وعلى طحالب جذوع الشجر
تغني الافاعي المستلقية
لقد تهيأ الجو لكي يمسك امنون باخته من شعرها ويشق ثوبها. تشكل هذه القصيدة مثلا ساطعا على قدرة لوركا في مزج الواقع بالخيال والتقريرية البسيطة بالانفعال الدافق. تتخذ تلك القصة الدينية شكلا اشد ضراوة ورعبا من خلال تلك الطاقة الشبقة المركزة التي يشحن لوركا القصيدة بها والتي تشكل عنصرا هاما بالنسبة للغجري.
يتسم موضوع الموت بالشبه الشديد بموضوع الانفعالات العاطفية عند لوركا. فغجر لوركا يعيشون حياة مليئة بالانفعالات العاطفية العنيفة ولا بد ان تنتهي تلك الحياة نهاية مفجعة. فالدم وسيلتهم الوحيدة اذا ما طعنوا بشرفهم، يتضح ذلك في الاغنيتين الخاصتين بانطونيو الكمبوريو. تحكي القصيدة الاولى كيف تم القبض على انطونيو وهو في طريقه الى اشبيلية: ها هو انطونيو يتقدم بينما تتدلى خصلات شعره الزرقاء على جبينه بمرح ولا مبالاة :
في منتصف الطريق
قطف ليمونات مدورة
واخذ يرشقها في الماء
حتى احاله الى ذهب
ولكن قوامه الجرىء لا يبدي اية مقاومة حين يداهمه الحرس الوطني ويقتادونه الى السجن، وذلك انتهاك شنيع للشرف ويثبت ان انطونيو لم يكن مخلصا لتقاليده. اما القصيدة الثانية فهي تروي كيف استعاد انطونيو شرفه بموت بطولي، حيث يبدي بطولة فائقة في معركته الاخيرة مع اولاد عمه الاربعة. ان شجاعته لا تضاهي، ولكن الحظ يخذله ويدرك انه ميت لا محالة :
لقد انقصم ظهري
كسويقة ذره
ينتهي انطونيو نهاية مفجعة وذلك لانه إنسان جدير ” بامبراطورة ” ولانه ” عمله حية لن يعاد سبكها ” وموته هو اعظم لحظة في حياته حيث يخيم السكون:
سكنت اصوات الموت
قرب ” غوادا الكبير “
لا تقتصر قصائد لوركا على تصوير مشاهد الحياة الغجرية تصويرا مرهفا يبرز العناصر الدرامية فيها، بل انها تقدم الاحداث كما يتصورها الغجر انفسهم. ولذلك يتميز الكثير من هذه القصائد باحساس غريب بالغموض وكأن تلك الاحداث هي في حد ذاتها مستعصية على الادراك. لقد اخلص لوركا اخلاصا كبيرا في تصوير الادراك الغجري مما حدا به الى التركيز على تلك القوى الغيبية التي تتحكم بالغجر من خلف واجهة عقيدتهم الدينية.
يمكن ان تكون الريح التي تطارد بريكوزا هي القديس كريستوفر ولكن القديس كريستوفر يمتلك صفة ” بان ” الشهوانية. وفي ” اغنية الحزن الاسود ” يستولي  رعب جارف على فتاة بينما تقوم باعمالها المنزلية، فتهرع الى الخارج لكي تجد الطمأنينة بين الناس. ليس هناك سبب معقول لهذا الرعب وهو يدفع بها الى بؤس محموم:
اي حزن هذا
لقد استحال ثوبي وجسدي
الى سواد فاحم
آه يا ثوبي القطني
آه يا فخذي الخدرين
ليس هناك دواء غير الهواء والسكون. فهذا الرعب المفاجئ هو رعب غجري عام:
آه يا حزن الغجر
ايها الحزن الصافي والمستوحد ابدا
وفي ” اغنية القمر القمر ” يشكل القمر قوة شريرة ويغتال طفلا هزأ به. لا يخبرنا الشاعر كيف حدث ذلك ولكن المعنى يبدو واضحا اذ يرحل القمر حاملا معه الطفل عبر السماء :
يالغناء بومة الحظيرة
يالغنائها في اعلى الشجرة
ها هو القمر يصعد السماء
ممسكا بيده طفلا
لا يطلب الغجري تفسيرا لذلك، وهذا ما يعرفه لوركا تمام المعرفة. يسيطر هذا القلق الغامض في ” اغنية الهائمة في الليل ” الرائعة حيث تهيم الفتاة النائمة فوق سياج الشرفة وهي تحلم بالبحر. يحطم الصمت مهرب جريح هارب من الشرطة المطاردة. انه يدرك بأنه ميت لا محالة وهو يتمنى ان يموت على فراش مغطى بالشراشف، غير ان مضيفه لا يستطيع مساعدته :
فانا لست الذي كنت من قبل
وبيتي لم يعد بيتي
ليس هناك تفسير لذلك الرفض او الظروف التي ادت اليه. يتسلق الرجل الشرفة حيث الفتاة الهائمة تتأرجح فوق البئر بينما يطرق الحرس الوطني الباب. ترى هل رغب المهرب برؤية بحبيبته قبل موته :
لشد ما طال انتظارها
لشد ما ترغب في انتظارك
الوجه بارد والشعر اسود
فوق سياج الشرفة الخضراء
لكن الغموض يكتنف هذا الحب. فليس هناك ما يشير الى بواعث تسلق المهرب للشرفة . تتطور القصيدة بتدفق مثير مكتسبة صفة الحلم. ما اشد وضوح خطوطها وما اغمض بواعثها. ان مثل هذه البواعث لا تحتاج الى ايضاح. فالعنصر المهم هنا هو الجو العام والاحاسيس الغامضة. تتحول الفتاة الى هدف بعيد المنال، الى حب لا يمكن ان يتحقق ، وهذا ما لن يدركه المهرب قبل موته.
اما تشبع لوركا بالتراث الاسباني فيبدو جليا في قصيدة ” المطلوب للعدالة ” . يروي التاريخ ان الملك فرديناد الخامس قد لقب بعد موته بـ ” المطلوب للعدالة ” وذلك لانه مات دون اية علة وسبب ظاهر بعد ثلاثين يوما من تنفيذه حكم الاعدام بشقيقين ظلما. وقد ساد الاعتقاد ان الله قد استدعاه لكي يعاقبه. تجذر هذا الاعتقاد، كما تقول المؤرخة مارينا، في نفوس الناس بعد سنتين من ذلك الحادث حين مات كل من البابا كليمنت الخامس وفيليب لوبيل ملك فرنسا في نفس اليوم الذي حدده لموتهما رئيس الاساقفة جاك مولوى بعد اكتشافه المكيدة التي دبراها لقتله. لعبت هذه القصة دورا كبيرا في التاريخ الاسباني وها هو لوركا يجسدها بايجازه المعتاد. انه لا يفسر كنه الجريمة المقترفة او من الذي سيعاقب المذنب وانما يركز اهتمامه على ابراز الحدث الفعلي وحالة المذنب وهو ينتظر الموت خلال ايامه المعدودة. لقد نزلت اللعنة عليه في الخامس والعشرين من حزيران، وفي الخامس والعشرين من آب لف في كفنه. هكذا يعرض لوركا الحادثة شاحنا اياها بالمشاعر المتدفقة الغريبة مصورا بها مشاعر انسان يدرك ان الموت قادم اليه لا محالة. هناك قسوة مثلجة في اللعنة التي يصبها عليه اعداؤه :
ارسم صليبا على بابك
وضع اسمك في اسفله
فالشوك والعوسج
سينبتان في خاصرتك
وإبر الزيزفون
سوف تخترق حذاءك
انها حالة المطاردة والاقتناص لرجل هالك لا يقدر ان ينام منتظرا النهاية التي لا يستطيع الافلات منها. وهي ليست بحاجة الى وصف ادق من ذلك. هنا يلعب السحر لعبته ولوركا هو الساحر.
رغم ان القصائد الثماني عشرة التي تؤلف الرومانسيرو غيتانو تختلف باختلاف مواضيعها وامزجتها، فهي تتشابه الى حد كبير في اسلوبها وتعاملها مع الاشياء بالاضافة الى ما يتكرر فيها من معان رئيسة تمثل مفهوم الغجر عند لوركا. انه لا يكف عن الكلام عن السكاكين والشفرات والسيوف، تلك الكلمات التي تعزف الوتر الاساسي في قصيدة  ” مشاجرة ” مثلا:
في منتصف الاخدود
امواس من الباسيت
جميلة بالدم المحترب
تتلألأ كالسمك
ان تخاذل انطونيو امام خناجر اقربائه الاربعة ودخوله السجن جبانا انما يدل على ان انطونيو قد نكث بالتقاليد المتعارفة وان الامور تسير على غير ما يرام :
ترتعش السكاكين القديمة
تحت التراب
وبما ان الغجري لابد وان يلجأ الى سكينة اذا ما ثارت ثائرته هكذا تشكل السكين رمزا لحياته العنيفة. هكذا يبدو النشا في تنورة ” الزوجة الخائنة ” كحرير تمزقه السكاكين، وتتبع الريح بريكوزا ” بسيفها الملتهب ” وتصرخ تمارا عند هجوم اخيها عليها قائلة :
اي ظلام من الخناجر
واية ثياب ممزقة
فالاسلحة هذه بما تمثله من عنف وقسوة رمزا وفعلا انما هي تجسيد لتلك الروح الشرسة التي تسير حياة الغجر.
تشكل الخيول والفرسان معنى اخر من المعاني المحببة لدى الغجر. انهم مألوفون في الساحة الاسبانية وكثيرا ما يضيفون الى الطبيعة لمسة الحياة. غير ان اهميتهم تتعدى ذلك: تتملك الراهبة رغبات خفية اذ تشاهد الفرسان من بعيد، ويمتطي الرجل الذي يغازل الزوجة الخائنة فرسه من غير ركاب او لجام. تعدو الفرس وتخب حين تستشهد اولالا. وقد قضى المهرب حياته على السفن في البحر وفوق الخيول على الجبل، وحين يهزأ الطفل بالقمر يعبر السهل فارس ممتطيا فرسه. هكذا يقضي الغجر حياتهم بين الخيول التي تشكل عنصرا اساسيا في حياتهم. فما اسهل أن تصبح الخيول ذات دلالة رمزية. يوحي الحصان بالقوة الجسدية والصحة والنشاط المتدفق والرشاقة وسرعة الحركة. لذلك يصف سانت غبريال عيني انانسياسيون وكأنها ” المدى الممتد امام الفارس ” ويقترن القبض على انطونيو لمرتين متتاليتين بصورة الخيل : المرة الاولى وهو في طريقه الى اشبيلية حيث تعكس الريح نفسيته:
مثل حصان، يقفز النسيم المتوتر
فوق الجبال الرصاصية
وحين يتم القبض عليه تشع السماء من فوقه :
مثل كفل المهر
وكأن الشاعر يسخر باتضاعه ويحتقره لعدم ارتقائه  الى صف القيم الصحيحة. فلوركا انما يؤكد بتصويره للخيول والفرسان الجانب النبيل في حياة الغجر، قوتهم الجسدية وجمالهم.
يزخر عالم الرومانسيرو الغريب باللحظات المنفلتة الغامضة وكأن هذا العالم تحكمه قوانين مبهمة خاصة ينقلها لوركا من خلال استخدامه للقمر والتنويعات الاخرى. يتسبب القمر في نوبات الجنون ويبدو وكأنه المسؤول عن بعض تلك الافعال الغريبة. انه يسيطر على كل شيء في قصيدة ” القمر القمر ” :
 
عبر الهواء المضطرب
تحرك القمر ذراعيها
وتبدي وهي تشع صافية
نهدين من القصدير الصلب
ودف بريكوزا مثل القمر ليس بالشكل فقط وانما بطبيعته. وفي اغنية ” الهائمة  في الليل ” يسمي لوركا القمر بالغجري لانه متقلب الاهواء  مثل الغجري. يبدو سياج الشرفة وكأنه مصنوع من اشعة القمر ويمسك القمر بالفتاة فوق البئر وكأنه عنقود . وفي ” القديس ميكويل ” يعج القمر بالاصوات والاشكال الخافتة، وفي اغنية ” الحرس الوطني ” يشارك الغجر افراحهم:
وكانت القميرة تحلم
بنشوة اللقالق
مازال هناك جانب اخر من الجوانب التي توحد الرومانسيرو. انه ذلك العالم التخيلي المتماسك الذي يحققه لوركا رغم كل ما يتصف به من موضوعية درامية في رواية قصصه. فهو يختصر الحياة البشرية في عناصر معينة ومحددة.وتلك العناصر هي الاحاسيس والرغبات غير العقلانية المتوافرة في النساء والرجال البسطاء. فالانسانية التي يصورها لوركا انسانية صريحة ومستقيمة، وببضع لمسات ماهرة تنتصب نماذجه شامخة بكل ما تملك من طاقات بدائية ناشطة: بريكوزا وهي تضرب الدف، الرجل الذي اصطحب الزوجة الخائنة وقد ادرك بانه قد تصرف تصرف الرجل الغجري الحقيقي، انانسياسيون المحبوبة رغم ملابسها السيئة، انطونيو بربطة عنقه الارجوانية وشعره الازرق وقسمات وجهه الشامخة. انهم جميعا نماذج درامية ينتمون الى عالم الشعر الخاص او هم رموز لافكاره. انهم جميعا نماذج درامية يلفتون انتباهنا بتكوينهم الشخصي وبالمصائر التي تنتظرهم. وحين ينتقل لوركا من عالمه الحاضر الى عالم التاريخ والاساطير تحتفظ شخصياته بالحياة النابضة وتصبح اولالا وتمارا رفيقتين لبريكوزا من حيث نقاء عواطفهما وطبيعة الظلم الذي يحيق بهما. لقد خلق لوركا بمهارته ومرونة عبقريته عالما متجانسا تتمثل فيه اشكال الحياة الساذجة ومقوماتها الاساسية من خلال هذه الشخصيات الدرامية العفوية. انه عالمه الخاص الذي يفرض نفسه علينا ويجعلنا نتقبل كل قوانينه دون اي تساؤل.
الرومانسيرو اوسع من ان تكون ذات ميزة درامية فقط. انها شعر خالص استطاع به لوركا ان يثري نماذجه الغجرية بما يغدقه عليهم من تعاطف ومشاركة في الاحساس وبما ينسج من اخيلة حول احلامهم ومصائرهم. فمجاورة الصور المتناقضة ودقة التفاصيل والرموز والابتعاد عن الزيف والابتذال والمبالغة، كل ذلك يؤدي الى ذلك المستوى المدهش من الانجاز التخيلي . فلوركا لم ير فقط الخلفية المادية التي تحيط بنماذجه، بل تغلغل في اعماق مفاهيمها، وهو لم يصور فقط الشكل الذي يبدو فيه الغجر بل ازاح اللثام عن ماهيتهم الاصيلة :
من غابة الزيتون جاءوا
جاء البرونز والاحلام والغجر
برؤوسهم المرفوعة
وعيون نصف مغمضة
تلك هي الصورة العامة لكل نماذجه المتسمة بالانفة والعواطف اللاهبة والقوة الجسدية والاحلام المسيطرة : بريكوزا تسير على ” ممر مزدوج من البلور والغار ” وهي تدق على قمرها الجلدي. فالصورة لا تنقل حالة الضرب على الدف وانما تعكس الحالة التي وصلت اليها بريكوزا، حالة ما بين الحلم واليقظة. كذلك يتمتع الاموات بمثل هذا التجسد. فالرجل الميت في قصيدة ” مشاجرة “:
جسده ممتلئ بالزنابق
ورصاصه في صدغه
ودم الحبيب القتيل :
هادئ بزهراته المجرحة
علقم في فخذه اليافع
لا يمت شعر لوركا باية صلة للتقاليد الروماتيكية والتصويرية، فهو لا يلتفت الى ثياب الغجر مثلا وانما الى جذورهم الانسانية التي تتجسد بمختلف الاشكال موفرة له التحليلات التحيلية. يتحرك هؤلاء البشر في ارض مشرقة، فهم حبيناً في قرطبة واشبيلية وغرناطة وغالبا ما يتواجدون في الريف حيث البحر على بعد وحيث الجبال ذات العربات والفرسان:
 
السفينة في البحر
والحصان في الجبل
تتفق هذه المعالم مع نفسية وافعال النماذج البشرية وتبدو وكأنها تقرر مصائرهم. فالرجل يصطحب الزوجة الخائنة تحت جنح الظلام حيث لا ضوء سوى ضوء ذبابة الليل وحيث الظلمة مماثلة لحالة شبقه الجنسي الاسود. تحس الفتاة التي تخشى ” الحزن الاسود ” بشؤم حركة الاعشاب وترغب في الانطلاق الى الهواء  كي تستر نفسها. وحين يغادر القديس غبريال انانسياسيون بعد ان يدلي بالبشارة يصعد الى السماء حيث :
نجوم الليل
صارت خالدة
هكذا تشارك النجوم في فرحة البشارة. ويعكس الليل الذي يرافق احتجاز انطونيو ذلك الجبان المتخاذل بينما يتم موته البطولي في اجواء مختلفة :
بينما تسمر النجوم سهامها
فوق المياه الرمادية
كذلك هناك رعب ملغز حين يموت الرجل من الحب :
الليل ينادي بارتجاف
بلور الشرفات
تتبعه الاف الكلاب
التي لا تعرفها
كذلك تغمر حرارة الصيف المحرقة امنون مثيرة فيه الشهوة :
مياه البئر الحبيسة
تتدفق بصمت في الجرار
إن نماذج لوركا اطفال حقيقيون للطبيعة، يعيشون في احضانها ويتصفون بصفاتها. انهم يمتلكون تلك الصفة الازلية التي تتخطى معالم صفاتهم الانية وتحيلهم الى عناصر دائمة في الحياة الاسبانية: ففي احدى احتفالات تشرين وبينما الغجر في اجمل حللهم التنكرية يقول القاضي الذي رافق الحرس الوطني بعد نشوب معركة في الاحتفال :
لقد مات اربعة رومانيين
وخمسة قرطاجيين
مشيرا بذلك الى الملابس التنكرية التي يلبسها الغجر في حفلاتهم التنكرية تلك  حيث يتقمصون شخصيات مختلفة ويسمون انفسهم يهودا او رومانيين او قرطاجيين او فينيقيين وهم ينهون هذه الاحتفالات عادة في الاقتتال. يجد الغجر في هذا التنكر شيئا حقيقيا حيث يستبد بهم الشعور بتقمص الشخصيات التي ينتحلونها تقمصا حقيقيا. هكذا يحسون بأنهم رومانيون او قرطاجيون حقا ويستعيدون ذكرى الماضي حين كان الرومان والقرطاجيون يتقاتلون من اجل السيطرة على اسبانيا، فيقاتلون. لقد دفن الماضي الاسباني منذ زمن ولكنه ما يزال حيا على الاقل في قرطبة :
حيث تغسل المياه
جذع تمثال روماني عاري
وفي ميريدا يقترن استشهاد اولالا بذكريات الجنود الرومانيين. فالغجر يعتقدون ان تلك التماثيل المهشمة التي تذكر بحكم الرومان لها جبروت يمتد من تحت الارض :
ليل جذوع التماثيل المستلقية
ونجوم الانوف المهشمة
تنتظر انبلاج الصباح
لكي تتهشم نهائيا
ولهذه البقايا الرومانية دلالة تفوق اهميتها التاريخية او اثرها المحلي. انها دليل على قدم الحياة الغجرية وعلى عمق تجذرها في الارض الاسبانية.
الرومانسيرو غييتانو انجاز جهد ابداعي فذ وشاعرية متدفقة تتمثل فيها المهارة التكنيكية الحديثة  وقد اخضعت لمواضيع بدائية قديمة. لقد استوعب لوركا فيها اهم مبادئ المعاصرة وتحاشى التمادي بها. انه بارع التحفظ في لهجته ويجعلنا نرى الاشياء كما يراها الغجر تماما او كما يمكن ان يعبروا عنها لو كان في مقدورهم ذلك. لقد طبق فهمه للحديث على رؤاه البدائية وجعلها في تناغم متكامل. ان ذلك الامتلاك لعنصر الغرابة والافعال اللامعقولة والقوى السحرية في العالم والطريقة التي تسيطر فيها العاطفة على العقل وما تفرض من تخيلات كله حقيقي جدا اذا ما قيس بمقاييس الغجري بالاضافة الى كونه ملتحماً تمام الالتحام مع طريقة الشاعر الانطباعية. فهؤلاء القوم الذين يتمتعون بالسذاجة والعفوية يتقبلون الاشياء بشكلها السافر واللا منطقي ولا ينتظرون حتى يرتبطوا بافكارهم وفق الاصول المنطقية. استطاع لوركا من خلال هذه العقلية اللا منطقية ان يجازف بالكثير من التعبيرات بثقة مطلقة. فهؤلاء الغجر يتعاملون مع الحياة ببداهة غريزية تماثل تلك التي يتعامل بها الشاعر نفسه، وليس من العدل ان نتهم لوركا بانه تخلى عن قضايا العصر الملحة بتركيزه على هذه المواضيع. الغجر اناس متواضعون من الجنوب الاسباني ويختلفون ببعض النقاط الرئيسة عن الاسبانيين الاخرين الذين ينتمون الى نفس المنطقة والطبقة. لقد تعرف لوركا على هؤلاء وكان محقا في اتخاذهم موضوعا له بعد ان شعر بانه يكن لهم حبا خاصا استطاع ان يوقظ في نفسه روح التطلع والخيال وحفز مواهبه على الانطلاق في مجموعة من القصائد احتلت مركزا خاصا بها في عصرنا. فهو لم يبرهن فقط كيف يمكن لشاعر عظيم ان يمتلك الرؤى التي تشكل في مختلف وجوهها رؤى البسطاء من رجال ونساء، وانما اثبت اضافة لذلك كيف يمكن لتلك الوسائل الحديثة التي تم اختراعها للتعبير عن الاحساس بالحداثة ان تتجاوز الحياة المدنية والمواضيع الثقافية وتعبر عن تلك العواطف الداكنة والاخيلة الملغزة الكامنة في الوعي البدائي بنجاح فائق.


الفصل الثامن

رفائيل ألبيرتي وعالم الملائكة
1902-1999*
بينما كان لوركا منغمرا في كتابة الرومانسيرو أنجز صديقه رفائيل ألبيرتي مجموعة ” عالم الملائكة ” الجديرة بالمقارنة مع مجموعة لوركا لاصالتها وقوتها المركزة وتناولها الماهر للتكنيك الحديث. تم نشر هذه المجموعة عام 1929 وهي نتاج شاعر شاب ولد عام 1902 واثبت خلال سنوات شبابه الاولى كفاءته في اكثر من اسلوب من اساليب الشعر. يلتقي ألبيرتي للوهلة الاولى بعدة نقاط تشابه مع لوركا. فهو الاخر اندلسي تشرب عادات واغاني موطنه وامتلك موهبة الرسم التي ساعدته على تدريب حاسته البصرية وبدأ بكتابة الاغنيات التي تمتعت، رغم عدم تمتعها بتلك الشفافية  والموسيقية التي عند لوركا، بحس ثاقب وقدرة على استعمال الاوزان التقليدية بوعي حديث . غير ان اوجه التشابه هذه اقل كثيرا من اوجه الاختلاف بينهما وبخاصة تلك التي تتعلق بالمزاج الشعري. فألبيرتي منذ اول انطلاقته اكثر ميلا للتفكير والتأمل من لوركا. لقد افتقدت اغانيه الممتعة عن البحر والبحارة والتي لمع اسمه بواسطتها عام 1924 انبثاقات لوركا العفوية، كما لابد من الاحساس بالخلفية الفكرية المركزة التي تتواجد فيها. اشتد هذا الاتجاه وضوحا مع مرور الزمن، وفي حين قنع لوركا بعالم الاحاسيس والذوبان في حياة الاخرين بحث ألبيرتي عن موضوعاته في اعماق نفسه، في صراعاته وتنافضاته ومشاكله الخاصة. ومن خلال فكرة الثاقب فقد راقب عواطفه وحللها في محاولة للعثور على الجوانب التي تعنيه واخضاع تكنيكه لهذه المكتشفات. افتقد ألبيرتي فرح وحزن لوركا الغريزي ولكن مواهبه اكثر تنوعاً واشد اصطراعاً . كتب بسهولة واضحة وتميز انتاجه وهو في مرحلة العشرين من عمره بالغزارة  والمتانة، غير ان طبيعته التحليلية المعقدة ما لبثت ان شكلت له مصاعب وعثرات لم يتعرض لها لوركا.
اتسمت مشكلة ألبيرتي في سنواته الاولى بالبحث عن فن قادر على التعبير عن كل ما يدور في نفسه في وقت رفضت فيه العناصر المتصارعة في نفسه ان تتمثل
* توفي ألبيرتي قبل صدور الطبعة الثالثة لهذا الكتاب.
بعضها في شكل واحد. عبر في قصائده الاولى عن مشاعره ازاء البحر بسحر
 وخيال اخاذين وكان نجاحه فيها سريعا وجديرا. ولكن ذلك لم يكن غير جانب  واحد من جوانبه. ورغم ان الشكل الغنائي قد امده بالمجال لابراز حذقه في الصياغة واثار لديه اسئلة ممتعة حول التعامل بالتكنيك، فانه ما لبث ان فقد القناعة به وشعر بان لديه اشياء كثيرة اخرى يود قولها ولا يمكن حصرها في هذا النطاق الضيق.
ولاجل اشباع هذه الرغبة، اتجه نحو الاوزان الاسبانية التقليدية التي استعملها الشعراء في القرنين السادس عشر والسابع عشر. حاول من خلال القصيدة الغنائية الطويلة والسوناتا والقصيدة الغزلية والموشح والقصة الشعرية الاسطورية ان يزاوج بين الجلال التقليدي والمزاج الحديث وان يفرض نوعا  جديدا من الشكل الخارجي لعواطفه الدائمة الاضطراب. وكان انجازه مدهشا. هكذا تنقل من كتابة قصيدة يمجد فيها غونغورا باسلوب مفعم بالجزالة الى كتابة قصيدة غزلية على بطاقة ترام بشكل يتجاوز اسلوب القصائد التي تعتمد البراعة والالمعية في التأليف مثبتا كيف يمكن للشكل القديم ان يخدم الاغراض الجديدة كل الجدة.
غير ان تلك التجارب لم تمنحه القناعة. فقد وجد ان تلك الاشكال التقليدية لا يمكنها ان تتلاءم مع كل طموحاته وبأنها تقيد مجالات انطلاقه وتعطي عواطفه نبرة خاطئة. دفعه حب المخاطرة الى اللجوء الى الاشكال الاكثر حداثة، ففي قصيدته “الانسة اكس وبلانكو ” استخدم الوزن الحر والاسلوب المرح محققا بذلك شعرا ساخرا وحادا في نقده للحياة الواقعية. ورغم انه نجح نجاحا واضحا في كل هذه الاشكال الشعرية فمن الواضح ان موهبته الخلاقة لم تبلغ ذروتها التعبيرية وبأن ذلك التوزع بين الاشكال الشعرية المختلفة لم يكن في الواقع الا اعترافا بعجزه عن الوصول الى الشكل النهائي الواحد الذي يمكنه ان يكون اداة تعبيره المميزة. لقد برهن ألبيرتي في تلك المرحلة على روح المخاطرة الكامنة في طبيعة الشعر الحديث. فالتركيز على الهدف الرئيسي واعتبار التكنيك شيئا ثانويا ومساعدا لا بد وان يوقع الشاعر في حيرة من امره خصوصا حينما تكون مواهبه غير عادية.
وجد ألبيرتي الجواب على كل هذه الحيرة في ” عالم الملائكة “. فقد دفع بكل ما في نفسه من طاقة محققا  من خلالها الوسيلة الملائمة للتعبير عنها، فهي قمة نتاجه كما كانت الرومانسيرو قمة نتاج لوركا. ففي هذه المجموعة ، تتركز طاقة ألبيرتي الفكرية الى جانب تدفقه العاطفي ويتم التفاعل التام بين موهبته التأملية وموهبته الغنائية وقدرته على استعمال الاشكال المختلفة دون اي تصنع او تنافر. لقد تحلت هذه المجموعة بالقدرة التخيلية والبساطة واستطاعت ان توحد بين كل مواهب ألبيرتي محققة نجاحا بدت كل كتابات ألبيرتي التي تلتها باهتة ومخيبة للامال. فعلى الرغم من ان ألبيرتي قد كتب بعض الشعر الجيد بعد هذه المجموعة الا انه لم يستطع ابدا الوصول ثانية الى ذلك المستوى من الكمال والانجاز الذي وصله في “عالم الملائكة “. ويبدو ان ألبيرتي انسان تجريبي لا يكف عن القيام بالمحاولات الجديدة وهو فنان قادر على توليد الشعر الحقيقي غير ان روحه القلقة المضطربة وكذلك المصائب التي دمرت بلاده ونفيه بعيدا عن وطنه الى الارجنتين قد حالت بينه وبين الاستمرار في امتلاك ذلك التوازن والتناسق النفسي الذي كان لديه حين كتب “عالم الملائكة” . انه لا يزال شابا ومن الممكن جدا ان يحقق انجازا اخر، غير ان مجموعته تلك تبقى  حتى الان قمة نتاجه.
تتعدى قيمة عالم الملائكة هذه الحدود، فهي من خلال الصورة العامة للشعر الاوروبي في هذا القرن، انما تحتل  مكانة خاصة من حيث عنف الرؤية التي يعبر بها ألبيرتي عن ازمة الروح التخيلية ومن حيث الدقة المدهشة في تصوير اللحظات المظلمة وحالات النفس المختلفة.
تمثل مجموعة ” عالم الملائكة ” الازمة الرهيبة التي تكتنف ألبيرتي اذ يجد وبدون اي سبب واضح انه قد فقد ثقته بنفسه وبان الاشياء التي طالما حملت اليه شتى المعاني وشدته الى الحياة قد فارقته فجأة. ها هو قد سلب من احلامه ورؤاه ومن كل ما يمنح الحياة طعمها ونكهتها وهو لا يعرف ماذا يفعل. لقد مر الكثيرون بمثل هذه الازمة.
فالحالة التي عرفها كولريدج في قصيدة ” اكتئاب ” والاحساسيس المعذبة التي تملكت تولستوى بعد نشره ” انا كارانينا ” واليأس والخيبة التي تحدث عنهما ميل في قصة حياته ما هي الا امثلة قليلة لتلك الازمة التي يمر بها الانسان حين يضع كل قواه في عمله ويجد بأنه فقد شيئا لا يقدر بثمن. تشترك ازمة ألبيرتي ببعض معالمها مع تلك الازمات . فهو ايضا يجد فجأة ان ثقته بنفسه قد ولت ولم يعد يحس بالبهجة في الاشياء ولا يجد اتجاها لمسيرته ويقع فريسة لانفعالات غريبة وشكوك سوداء. ولكنه يختلف عن غيره من ناحية اخرى. فبينما يواجه تولستوي وميل تلك الازمات في مرحلة متقدمة من عمرهما وبعد قضاء حياة حافلة، فان ألبيرتي لم يزل في العشرين من عمره، وهو يقاوم ازمته ويناضل ضدها بعنف وقوة مما يوضح ان حالته تختلف عن تلك الحالة التي عبر عنها كولريدج بقوله :
فهو حزن دونما غصة، فارغ مظلم وموحش
حزن مختنق خامل ميت العاطفة
ليس له اي منفذ .
ولا يأتيه الخلاص من كلمة واحدة او آهة او دمعة.
فرغم احساس ألبيرتي بالفراغ والتفاهة، الا انه يأمل باشياء افضل ويجند نفسه ضد ظروفه. لقد وجد حقا ان الروح التي دفعته الى كتابة الشعر حتى ذلك الحين قد غادرته دونما انذار وكان يعتقد انها ستظل مرافقة له وانه سيستمر في الحصول على البهجة والمتعة من اسرار الكون وبان اية مشكلة لا يمكنها ان تقف حائلا دون اكتشافه لاعظم الفرص. وها هو ذا فجأة يجد نفسه مسطحا مريرا مسلوبا اعز ما لديه من معرفة. انه لم يفقد القدرة على الخلق وانما فقد الظروف التي تعينه على ممارسة قابلياته. لذلك لم يكن غريبا ان يفتتح ألبيرتي مجموعته بقصيدة ينعي بها فقدانه لذلك النعيم الذي طالما عرفه واحبه، وطنه ومصدر الهامه. ليس من احد يستطيع الاجابة على تساؤلاته او اخباره كيف يستعد ذلك النعيم الذي فقده. وهو لا يملك سوى ان يتطلع الى امل العثور عليه:
الان وعند ونهاية الارض
وفوق الخط الاخير
تتجول عيناي.
الامل ميت في اعماقي
انها تلك البوابة الخضراء
التي ابحث عنها في الخلجان السوداء.
هكذا يستمد ألبيرتي وعيه من عذابات الخسران وتتحول المصيبة الكبيرة التي حلت به الى شعر ناطق بالمصائب التي تحل بالاخرين بشكل او بآخر وهو يعبر عن ذلك الالم تعبيرا شامخا ويتعدى صوته حدود الالم الفردي لكي يعانق من خلاله الام جيل كامل فقد طريقه في الحياة.
القصائد التي تضمها مجموعة عالم الملائكة قصيرة تشكل كل واحدة منها وحدة كاملة بحد ذاتها. غير انها جميعا تنتظم بتسلسل منسق يؤدي بالتالي الى اضفاء الشكل الموحد على المجموعة كلها. وهي تقسم الى ثلاثة اقسام يتمتع كل قسم بشخصياته الرئيسة ومجال موضوعاته. يتناول القسم الاول الازمة الحقيقية بعد حلولها مباشرة والاحساس بالفراغ والخواء الذي تسببه. لا يستطيع في البدء تقدير حجم خسارته ولكنه يدرك معنى الاحساس بالجذب ويلمس تلك العوامل الطافحة باليأس والخيبة التي تتصارع داخل نفسه. ها هو يحس بأنه قد فقد نفسه ووطنه، بأنه اصبح انسانا مسلوبا من الشخصية، مجرد جسد ليس له اية فاعلية ، فريسة سهلة لقوى عنيفة مخادعة وشرسة. فهو يقدم في هذا القسم الشعر النابع من روح  فقدت مقوماتها وعجزت عن مجابهة القوى المخيفة التي تهاجمها.
في القسم الثاني، ينمو احساس ألبيرتي بالفراغ ويتحول الى نوع من القلق والصراع بين الظلام والنور، غير ان الظلام ينتصر في النهاية. هكذا تتحول نفس ألبيرتي الى ساحة للمعركة تصطرع فيها الاحاسيس القبيحة الغاضبة المشحونة بالحسد والانتقام والشراهة. لقد شحذت هذه الحالة المستوحده احساسه بالعواطف البدائية الكامنة في اعماق كيانه والتي ما لبثت ان طفحت  على سطح حياته المقهورة. ولكنه لم يصبح خاويا تمام الخواء فما زالت بعض الاشياء تحيا في قرارة نفسه ولكنها قوى خراب وموت ودمار عدوة للحياة. يحس وهو في تلك الحالة انه اشبه بانسان يسير وهو نائم، فاعماله وحركاته كلها ميكانيكية ليس لها اي معنى وهو معرض لاطياف ذات اصوات مرعبة واشباح منطلقة في الظلام. انه لا يزال يمتلك بعض الرؤى المستمدة من سعادته السابقة ولكن تلك الرؤية تزيد من حدة احساسه ببؤس حالته الحاضرة ومأساويتها.
يبدأ ألبيرتي في القسم الثالث بالتقاط بقايا نفسه المحطمة لكي يواجه ما تبقى منه بعد الكارثة ولكي يتعلم الدروس منها. ها هو يدرك ان جنته وشبابه الواثق قد اختفيا الى الابد ولكنه لا يعجز عن ايجاد شيء ما في زوايا الحاضر في تجاربه وحتى في قبح عذابه. اما وقد فقد الامل المشرق فقد وجد في النهاية قدرته على التصميم لتقبل الواقع. لا تشكل خاتمة ” عالم الملائكة ” اعترافا بالهزيمة المطلقة كما تفعل ” الارض الخراب ” رغم ان التجربة التي مر بها الشاعر لا تقل مرارة وتدميرا عن تلك التي مر بها شاعر ” الارض  الخراب “.
يتناسب موضوع ” عالم الملائكة ” والمعالجة الحديثة للشعر . ان تجربة  مدمرة كتلك التجربة بكل خوفها من الدماء والفوضى لابد وان تجد صورتها الواضحة في حركات الشعر الحر واللغة المقتضبة المركزة التي يجسدها الاسلوب الانطباعي. تبلغ الانفعالات الحادثة درجة من القوة بحيث تستطيع تحويل اي موضوع مهما بلغت بساطته لاول وهلة، الى شعر حقيقي وذلك من خلال الرؤى المعذبة التي تسيطر على الشاعر. لقد انهمك ألبيرتي انهماكا كبيرا بما يجول داخل نفسه، بما يحس ويفكر في خضم هذه الازمة. فالعالم الخارجي واحداثه لا يعينانه كثيرا اذا ما قيس بمشاكله الخاصة. ولذلك فالقصائد بمجموعها خصوصية منغمرة في عالم النفس واغوارها.
يصوب ألبيرتي قوة اندفاعه الفكري نحو فهم وضعه الخاص وتسجيل ذلك الوضع بكل جذبه ورعبه. تتجاوز طاقته الفكرية حالة المراقبة لكي تشكل شاهدا عميق الانفعال والانشغال والقلق بشأن ما يرى كما تشكل هذه المهمة حالة تفوق حدود الفكر العقلاني. هنا تنطلق الاحاسيس السابحة بين عالم الشعور وعالم اللاشعور ، المستعصية على التفسير والتي لا يمكن ملاحظتها الا بالنحو الذي يعرضه ويحسه الشاعر. ينقل هذا الشعر المغرق  في الخصوصية، بكل انفعالاته الغريبة والعنيفة وانطباعاته عن الروح المضطربة المتأزمة بواسطة تكنيك منيع الحداثة مكتمل الاداء قادر على الاستجابة الى مختلف جوانب الموضوع واقتناص ظواهره المتعددة التي تأسر قلب الشاعر. لابد لاي تكنيك اكثر انتظاما وتقليدية ان يدمر الموضوع وذلك بحذف تلك الانطلاقات المضطربة التي تشكل عنصرا مهما في القصائد. هكذا تبرر هذه المجموعة بطريقتها الخاصة، الاسلوب الحديث المستخدم في ” الارض الخراب ” وتؤكد كيف يتحتم على الشاعر ان يؤدي الانطباع الصحيح لحالة التشوش التي تعقب خضوع النفس للانفعالات العاطفية الحديثة.
لقد تدرب ألبيرتي على مختلف الاشكال الشعرية التي جعلت منه فنانا حاذقا في فن التكنيك لا يواجه صعوبة في ايجاد الاوزان المناسبة للانفعالات المختلفة. يتألف القسم الاول من مجموعته من قصائد تعتمد الابيات القصيرة بينما تطول الابيات في القسم الثاني بعض الشيء وتصبح الابيات في القسم الثالث غنية بتدفق  شبيه بذلك التدفق الذي اتسمت به قصائد ابو لينير عن الحرب. هناك تعمد مقصود في هذا التنويع. فالقسم الاول وما يصوره من فراغ وقلق نفسي يحتم على ألبيرتي تفادي الاوزان الطويلة التي تتناسب مع تلك الحالة النفسية. ينشط خياله بصورة اكثر جرأة في القسمين الثاني والثالث وتستجيب الابيات لمحاولاته وتصبح اكثر قدرة على حل عدد اكثر من المفردات. ومع ازدياد طول الابيات تطول الجمل. يستعمل ألبيرتي في ابياته القصيرة اسلوبا انطباعيا مركزا وذلك بوضع الكلمات دون اعتبار لقواعد اللغة كما في هذا المثال :
بدون عيون، بدون صوت، بدون ظل
الان، بدون ظل
غير مرئي من قِبَل العالم
من قِبَل كل انسان
وانت ايها البحر
وانت، ايتها النار
وانت
ايتها الريح المتسارعة
يا ريح احلامي
يبين هذا الاسلوب كيف تشكل كل كلمة بحد ذاتها مهمة شاقة بالنسبة للشاعر وهو في هذه الحالة النفسية المنكسرة. فطرح التفسيرات اسهل من الجمل  التقريرية وان اقصى ما يستطيع فعله هو ان يستجمع قواه ويبدأ بالسيطرة على ظروفه وتأخذ جمله بالامتداد ويصبح ايقاعه اكثر توترا وقوة من خلال تركيب الكلمات :
وفي النهاية جاء النهار ، جاء موعد المجارف والدلاء
لم يتوقع الضوء سقوط الدقائق
لانه كان في البحر يصرف الموتى عن تشوقهم للارض
او قوله :
لان هناك دائما نهاية، حتى بعد انهيار المرتفعات الجرداء الكالحة
حتى بعد ولوج البرد في الاحلام التي تنسى اهدافها
وبعد وطأة الموت على هيكل اللا شيء
يقف كل بيت بقوة ذاتية مسيطرة متناسقة. فتحول الابيات القصيرة المتشنجة الى ابيات طويلة يوضح تحول الشاعر النفسي. لقد استطاع الانتصار على يأسه المدمر وها هو ينتقل الى مرحلة السيطرة على نفسه واوضاعه.
لا يقتصر تكنيك ألبيرتي على استعمال الابيات القصيرة والطويلة. فالخبرة التي اكتسبها بممارسته الحاذقة لفن الاغنية الاسبانية التقليدي قد ساعدته على اخضاع هذه التجربة لاغراضه الحديثة. انه يستغل هذه التجربة في بعض القصائد وذلك حين يمنح عواطفه المشوشة نوعا من السياق المنتظم في محاولة لاخضاع ازمته الى نوع الشكل . لا يشمل ذلك عذاباته المدمرة. ولكنه في بعض الاحيان اذ تفد عليه بعض الذكريات والامال فانه لا يتردد في ادخالها ضمن فلك الشكل المنتظم. يعبر ألبيرتي في قصيدة ” دعوة للهواء ” عن رغبة قوية في الهرب من سوداويته الى عالم ارحب حيث يشكل الهواء الرمز الرئيس وما يستتبعه من تداعيات تشمل المدى الواسع والنظافة والحرية. ها هو ينطلق الى كتابة قصيدة منتظمة الشكل ذات لازمة:
ادعوك، ايها الظل ، الى الهواء
يا ظل القرون العشرين
الى حقيقة الهواء
الهواء ، الهواء ، الهواء
ايها الظل الذي لا تنطلق ابدا من سردابك
ولا تعيد للعالم ذلك الصفير الذي منحك اياه الهواء
يوم ولادتك
الهواء، الهواء، الهواء
ايها الظل الذي بلا ضياء
ايها الحفار في اعماق القبور العشرين
القرون الخاوية  العشرين من غير هواء
هواء، هواء، هواء
ايها الظل الذي في المعاول
 يا ظل حقيقة الهواء
الهواء ، الهواء، الهواء
هكذا تتوحد عواطف ألبيرتي في كلٍ واحد وينسى في لحظة ما عالمه المضطرب منطلقا ببعض الامل في سبيل استعادته، مستخدما الشكل المنتظم الملائم تمام الملاءمة للموضوع وذلك بحركاته المتناسقة الهادئة وترديداته التي تؤكد الفكرة الواحدة المتجانسة التي تسيطر على افكاره.
تشكل هذه القصائد المتناثرة ذات الشكل المتناسق نقيضا للقصائد الاخرى التي يعتمد فيها ألبيرتي على اذنه لكي يوفر الحركة الحرة لافكاره المختلفة. يمكن لنا في هذه القصائد  ان نتلمس بعض الاثار الخفيفة للشكل الغنائي القديم والتي تحولت الى شيء اقل انتظاما واكتنفتها موسيقية اشد حدة واقل تناسقا. فالاشارة الى شكل مفقود مهجور تناسب احساس ألبيرتي بأنه انما استلب شيئا اكثر اهمية وحيوية. هنا تغدو حركة الشعر متكررة ناقصة وكأنها قد فقدت شيئا عزيزا. ففي قصيدة ” الملاك ” يتحدث ألبيرتي عن الفرق الشاسع بين عالمه المفقود وما يحس به الان. في القصيدة بعض ملامح الشكل المنتظم ولكن سطورها القليلة تنم عن شيء منكسر كما تتضح المقارنة بين النظام والفشل في الخلط بين الايقاع المنتظم وغير المنتظم:
ثم كان البحر فأعطاه اسما
والريح لقبا
والغيوم جسدا
واللهيب روحا
الارض لم تعط شيئا
هذه المملكة المتأرجحة
المتدلية من النسور
لا تعرفه
لم يرسم ظلها ابدا
شكل الانسان
تبدأ القصيدة بشيء من الموسيقى ثم لا تلبث ان تبطئ تم تتوقف متفقة والتحول الحادث في عقل الشاعر بينما يتحول هو من الحالة الممكنة الى الحالة الحاضرة، من المثال الى الواقع .
تحقق تجربة الشعر الحر نتائج اكثر جرأة في القسم الثالث حيث تتحرك بتعاطف متوتر مع المتطلبات التي تمليها احاسيس ألبيرتي المحتشدة. واذ تكمن رغبة الشاعر في تحقيق اكبر قسط من التعبير في اصغر حيز ممكن، يتحتم على تلك التجربة ان تقوم بعمل جاد كما يتحتم على الايقاع ان يسمح لكل صورة كي تقوم بفعلها ولكل جملة ان تحقق غايتها. تتضح المهارة التكنيكية في قصيدته ” اللحظة السيئة “. يقترب ألبيرتي في هذه القصيدة من صميم الازمة الحقيقية المقررة في اول المجموعة ولكنه يطل عليها الان اطلالة تأملية لا تخلو من الذعر. ها هو يلخص دلالتها:
 
حين كان القمح بالنسبة لي مسكنا للنجوم والالهة
والصقيع دموع غزال متجمدة
الصق احد ما صدري بظلي
غادرا بي .
تم ذلك في اللحظة التي اطلقت فيها الطلقات التائهة
حين اختطف البحر الرجال الذين ارادوا ان يكونوا طيورا
مع البرقية التي في غير موعدها ومع اكتشاف الدم
مع موت الماء الذي طالما حدق في السماء
اذا كان النظم الشعري في هذه المجموعة يوضح مهارة ألبيرتي في التعامل مع التكنيك الحديث فان صور هذه المجموعة تدل على مهارة لا تقل تفوقا. فاعتماد ألبيرتي الكلي على الحالات النفسية قد ادى به الى اللجوء المستمر للصور دون مقدمة او تبرير. يمكن مقارنته في هذا المجال باليوت الذي لا يقدم اي تفسير لمعاني صوره وانما يعتمد على قوة الصور في فرض نفسها علينا واجبارنا على اكتناه دلالتها. وكما يقوم اليوت باضفاء صفة التواتر والتماثل على صوره باستخدامه لاسطورة الكأس المقدسة وشخصياتها وتنويعها بصور مختلفة اخرى مستوحاة من مصادر مختلفة، كذلك يمنح ألبيرتي مجموعته نمطا متجانسا من صور الملائكة وينوعها بتشكيلة واسعة من الصور التي لا تمت بصلة للملائكة. ومع ذلك فملائكة ألبيرتي تمنح المجموعة تناسقا وتجانسا تصويريا يفوق ما تمنحه شخصيات اليوت الانثروبولوجية في ” الارض الخراب ” وذلك لقدراتها الفائقة على الايصال من خلال بساطة خطوطها الخارجية وشخصياتها. انها سهلة الالتقاط، وتمنح  المجموعة بتقاربها المتواتر شكلا واتجاها واضحي المعالم. لقد عثر ألبيرتي على الميثولوجيا المليئة بالامكانات التخيلية التي لا تحتاج اطلاعا واسعا. فعالم الملائكة كتاب واحد وليس مجموعة قصائد منفصلة وذلك بسبب هذه السلسلة من الصور التي تسيطر على القصائد وتشكل منها وحدة واحدة.
يذكرنا ألبيرتي في استخدامه رمز الملائكة بشعراء اخرين وبخاصة ريلكه الذي منح الملائكة دورا رئيسا في ” مرئيات دونو ”  واستبدل رموزها برموز مستوحاة من مصادر مختلفة اخرى. غير ان الاختلاف بين ألبيرتي وريلكه انما يكمن في نوع الاهمية التي يمنحانها لملائكتهما. فملاك ريكله هو المصدر المطلق للوحي ورمز للفعاليات التي لا يمكن كبحها والتي حاول التوصل اليها والتعبير عنها. ملائكة ألبيرتي قوى من قوى الروح بكل ابعادها. انها ليست شريرة او خيرة، طيبة او سيئة في حدود ذواتها الخاصة، ولا تشكل فكرة او عاطفة وانما هي قوى يمكن لاي انسان ان يتعرف عليها داخل قرارة نفسه. انها طاقات روحية او جسدية تمنح المعاني للاحاسيس والافعال. يمكن للانسان ان يرفض هذه القوى اويرحب بها ولكنها موجودة على اية حال ولا يمكن نكران هذه القوى، اما مصدرها فغامض وقد تم الربط بينها وبين الملائكة المصورة في الفن الكتالوني، غير انها لا تتمتع باية صفات مسيحية وليس لنشاطاتها اية صلة بملائكة الخير والشر. يمكن التعرف على السبب في لجوء ألبيرتي الى استخدامها. فهي رموز لقوى خارج سيطرة الانسان ومتصلة بالقضايا الاساسية المتصلة بقيم الحياة وحالة الانسان المبتلية بالمصائب. فهي تجسد احساسه بالقوى التي خارج نطاق نفسه والتي تنصب في عوالم مجهولة وتقرر مجرى حياته وشخصيته. فهي غريبة وقريبة جدا في ان واحد ولذلك فهي توفر له الوسيلة المتفقة تماما وطبيعة ازمته العنيفة النابعة من مشاكل اساسية ومحيرة الى حد يحتم على اعماله ان تصطبغ بالصبغة الدينية .
  يمكن التعرف على ملائكة ألبيرتي جيدا حين تتم مقارنتها بتلك الازمة وذلك الانهيار الذي عبر عنهما في القصيدة الاولى من مجموعته التي يورد فيها صورة فقدان الجنة. انه فريسة حرمان مخيف ويشتاق الى استعادة اي شيء ممكن وهو قد فقد طعم الحياة والاحساس بأهمية الاشياء كبيرها وصغيرها . هكذا يطرح موضوع ضياعه وحيرته :
ايها الملاك الميت، افق
 اين انت
ألا اقذف بالضوء عبر شعاعك
الى الطريق
الصمت صامت
ولم تزل نبضات الليل الذي لا ينتهي
بلا حراك
 ضاعت الجنة
ضاعت في البحث عنك
وانا بلا ضوء الى الابد
يجد ألبيرتي المنفي من الجنة نفسه العوبة وضحية لقوى غير مألوفة يطلق عليها اسم الملائكة، ويحس بطريقة او بأخرى ان هذه القوى هي نفس تلك القوى التي كان يعرفها قبل  انهياره. هكذا تنتمي ملائكة القسم الاول الى ذلك العالم المفقود. انه يحاول العثور عليها ثانية. وهي تتمثل في الملاك المجهول الذي يستجدي ألبيرتي منه المساعدة، والملاك الطيب الذي عرفه من زمن والهمه كينونته. وملاك الارقام الذي يرمز الى النظام والصفاء والملاك التعيس الذي يتهرب من ندائه. لا يلبث ألبيرتي ان يتخلى عن هذه الرموز. ويستعيض عنها بملائكة اشد اصرارا وحضورا واقل قبولا في النفس. ها هو يحس ان قوى مدمرة تحترب داخل نفسه المتمثلة بالملائكة الحربية. لقد خدع وها هو يصب اللوم على ملاك كاذب. لقد احترق عالمه وتقلصت معالمه وذلك بفعل ملاك الفحم. انه اخذ بالاندثار او التحول الى رماد وذلك بفعل ملائكة الصدأ والرماد وهو يصف عواطفه الشرسة لملاك الغضب. تنمو هذه الانفعالات الجديدة وتنمو معها سطوة الملائكة فتهاجمه بالفحم المتجمر الاحمر. انها قاسية غضوبة وانتقامية. غبية وجشعة. تلك هي القوة التي تعتمل في نفسه، ومع انها لا تمتلك اية صفة الهية فهي مخيفة قوية وغير ارضية،  وهو يدرك انها لا تقل صلة بمصادر الحياة عن الملائكة الطيبة التي فقدها. في القسم الثالث، تفقد ملائكة ألبيرتي شيئا من شراستها وترتبط ببعض الافعال المألوفة. فهناك ملاك الرمل وملاك الخمر وملاك الكليات وملاك الحطام. وكما تتسم بعض العواطف بالعناد والتصلب، كذلك الاماكن والافعال. تلك هي الوسائل التي يبدأ ألبيرتي من خلالها استعادة بعض معالم ثقته المفقودة وشحن اصراره على الحياة. ينطلق في النهاية امل ضئيل تحمله الملائكة المخلصة والملائكة المستمرة في الحياة وهي القوى الباقية والقادرة على انارة الطريق للمستقبل. تنتقل افعال وادوار هذه المجموعة الغريبة من الملائكة من خلال ثروة تصويرية رائعة ومتميزة. فصور ألبيرتي لا تقتصر على توفير الاثارة البصرية المدهشة وانما تحمل في طياتها قوة ايحائية هائلة باقل ما يمكن من الكلمات . فهو،  مثل لوركا، لا يعتمد التناسق في ترتيب صوره وانما يحاول ان يجعلها متطابقة اشد المطابقة مع الصراعات العنيفة التي يمر بها. تتضح حالته المنهارة من خلال تجاور صور الانحلال والاهمال:
في علّيات الاحلام المحطمة
العنكبوت ، العث، الغبار
وحين تكتسحه موجة من الحقد الغاضب يقول :
تلك هي بوابات الدم
احقاد لا تحصى
وابل من الضغائن ، بحار
ثم يتقمص جشعه صفة القسوة واللا مبالاة :
عيناه متوهجتان بالاسيتالين
رطبتان،
عيناه معبران ذهبيان
قلبه
انفجارات حجارة
انبثاقات اغاني
ديناميت.
يتجسد ذلك الحطام المتكلس بذكريات الايام الجميلة وصور الدمار والبهجة والفرح:
هناك ازمنة تفيض فيها خلجان وموانئ من الدم
المتحثر بالنجوم الميتة المنتقمة
غامرة احلامي
وحين يتعرف على الملاك الطيب يشاركه انطلاقته :
خلف الجبال والبحار
والغيوم والقمم والاجنحة
والغروب والشروق
او يستدعي الفرحة الضائعة وثقته بالطفولة :
حين اشتاقت الريح ان تسرح الضفيرة
ان توقد اللهب في القرنفل والخدود
في الماء اللاهب للشرب في الشفاه
او يتأمل في عودة النظام للاشياء وعودة الحياة لمسيرتها :
المدن المهجورة
يعمرها الناس فجأة
والقطارات المنقلبة
تنتظم على خطوطها وتنطلق
من الصعب مقاومة الاثر المباشر الذي تخلفه هذه الصور فينا. هكذا يمسك ألبيرتي بزمام النقطة الرئيسة في حالة ما، ثم يقود مدلوله الى المكمن الرئيس تماما.
يتغير استخدام ألبيرتي للصور بعض الشيء مع تقدم المجموعة. فهو يتحدث  في المراحل الاولى عن الحالة الفوضوية لأزمته بوضوح مرعب، ولكنه اذ يتقدم نحو القضايا المعقدة التي يكتشفها حين يعود للسيطرة على ناصية الحياة، تأخذ صوره بالتعقيد. لم تعد الصورة المفردة او الترتيب الاحادي للصور كافيا فيبدأ بتطوير تكنيك يتحرك من خلاله بسرعة فائقة متنقلا من صورة لاخرى او ان يقرن صورة ما بشيء مختلف عنها تمام الاختلاف. يفقد ألبيرتي بهذا الاسلوب بعض تأثيره المباشر السريع ولكنه يكستب به القدرة على القاء الضوء على ثراء الامكانيات التي تتمتع بها هذه الاحوال. ها هو يصف التعاسة الحتمية للوجود موحيا بان الانسان انما يخضع خضوعا اضطراريا لهذه التعاسة قبل مولده :
ارجحت الريح بطنا من الصرخات قبل ان يكون العالم
امام دهشة الضوء في عيون الذين ولدوا تواً
امام تحدر المجرة الى الحناجر الارضية
فهو يتخيل صرخات الالم وكأنها موجودة قبل الحياة ويراها تتأرجح بفعل الريح في البطن كدليل على لا عقلانيتها وطبيعتها المتشنجة. واذ تبدأ الحياة يدب  الذعر في عيون الاطفال ويهبط الاسى عليهم كما لو كان قادما من المجرة. فهل هذا المصير محتم على طبيعة الكون كما يؤكده وصف البيرتي؟ وحين يتحدث  عن الطريقة التي ينسى بها البشر طبيعة حياتهم المأساوية المضطربة يقول :
هكذا ينسى بشر القار والوحل
ان عين الطير ترى
قواربهم وقطاراتهم
بقعة زيت في وسط العالم
تحدها الصلبان من كل جانب
تتوالى الصور بسرعة فائقة وتتبدل طبيعتها مما يتيح لنا تلمس الطبيعة المعقدة لافكار الشاعر حيث يتمثل كل عنصر فيها بقوة كبيرة من خلال صورته الخاصة. ولكن هذه الصورة لا علاقة لها بالصورة الممثلة للعنصر التالي. ان ما يهم هنا بالدرجة الاولى هو تلك السلسلة من المؤثرات التي تتجانس من خلال حركة الفكر التي يستثيرها.
رغم ان ” عالم الملائكة ” تختص بأزمة روحية واحدة ورغم ان قصائدها مترابطة بشكل موحد، فهناك ثراء كبير في تنوع طبيعة الشعر. يخوض ألبيرتي سلسلة طويلة من التجارب والانفعالات التي تمتد من اشتياقه لجنته المفقودة الى الحزن والاسى الذي بلغه بسبب فقدانه لهذه الجنة. ينتقل شعره بين هذين النقيضين واذ تمر ازمته عبر مراحلها المختلفة يتنوع شعره من قصيدة لاخرى مقدما العديد من الاشكال والتعبيرات. يمكن التعرف على سعة هذه التجربة في قصيدة ” ملاك الارقام ” حيث يتضح التناقض بين ثقته السابقة بالنظام الرياضي المطلق والتشوش الذي يراه الان وذلك من خلال التأكيد الشعري على هذين النقيضين للتجربة : يبدأ برسم النظام المفقود بصورة ملاك ساهر فوق مدرسة يعرض عمليات حسابية فوق لوح :
العذارى بمربعاتهن وبوصلاتهن
يحدقن في الالواح السماوية
وملاك الارقام يفكر
ويطير متنقلا
بين 1 و 2
بين 2 و 3
بين 3 و 4
توضح الحالة الظاهرة مدى الامان والسلام الذي عم العالم في زمن ما. لقد كان العالم محكوما بقوانين واضحة لا تصعب السيطرة عليها. غير ان الوضع قد تبدل:
الطبشور البارد والاسفنجات
شطبت ومسحت
ضوء المسافات
ليس هناك شمس او قمر او نجوم
ولا الخضرة المشتعلة في الاشعاع والبرق
والهواء . لا شيء غير السحاب
وعلى الالواح الميتة
ملاك الارقام مكفن
ليس به حياة
فوق 1 و 2
فوق 3
فوق 4
تنقل صورة الارقام الواضحة صفة التحول من النظام العقلاني المفرح الى الشكل اللا عقلاني حيث الغموض والمصائب. توحي هذه القصيدة الذاتية بأزمة الشاعر.
لم يزل للعالم المفقود تواجد واقعي عند ألبيرتي وذلك من خلال الذكريات والرغبة. لقد كان ذلك العالم مفعما بالتناسق والالهام تعمره القوى الفاعلة بحرية وثقة. هكذا يتحول العالم العامر بالثقة والطاقات الغريزية الخلاقة الى مثال لشيء اوسع واشد اثارة يؤدي فقدانه الى كارثة كبرى. يصبح اشتياق ألبيرتي لذلك العالم اقوى من الرغبة في ” حديقة الليلك ” التي تؤرق اليوت. ورغم انهما يشتركان في حنينهما لرؤى الطفولة الضائعة مع فوجان ووردزورث وريلكه، الا انهما اوسع مدى واشد حدة. فجنة ألبيرتي المفقودة ذات صلة بعالم الطفولة ولكن تلك الصلة لا تشكل الا جانبا من جوانبها. انها جنة يدركها كل البشر بدرجة او باخرى كما يدركها الفنانون المبدعون اكثر من غيرهم. هكذا تتضح رؤاه وتنشط قابلياته بكل ثقة واعتداد بالنفس ازاء ذلك العالم المفقود وهو يتحدث عنه بشكل لا يبعث اي شك فيما يقول :
تتفتح في صدره ممرات
طويلة وواسعة
تشرب كل البحار
نوافذ المخازن التي
تضئ كل الشوارع
والمراصد التي
تقّرب كل القلاع
وهو لا يبحث في ذلك العالم عن الهدوء والطمأنينة بل يرى المجال الذي تتدفق فيه كل طاقاته امام الحواجز والعقبات. انه لا ينشد برود القمر الساطع او رعشة الثلج المقفرة، بل تلك الحيوية الايجابية الانسانية. وهو لا يبحث عن الملاك المثال الذي صوره ريلكه، فالملاك عند ألبيرتي هو الحياة الحقيقية حيث القلب والروح في اوج نشاطهما يمثلان ادوارها الكاملة ويستمدان قوتهما من القوة السماوية . هكذا يتحتم على ملاك ألبيرتي ان يؤدي مهمة خاصة، ومهمته هذه تتعدى نطاق  الانتصار على الموت الى ارغام الحياة على التدفق بحرية اكثر.
دون ان يخدش الرياح
دون ان يجرح الاوراق او يحرك البلورات
هو الذي ربط الصمت الى خصلات شعره
دون ان يؤذيني
افرغ نهرا من الضوء الحلو في صدري
جاعلا روحي مكانا للابحار
لقد منحه العالم المفقود اشعاعا وقوة، وتلك هي الاشياء التي يحاول ألبيرتي العثور عليها.
في القسم الثالث، تتخذ معالم الجنة المفقودة شكلا اكثر وضوحا وتتعدى الاحاسيس التي تقدمها نطاق انفعالات الخسران العنيفة. واذ يبتعد عنها اكثر فاكثر ويحس بأنه لن يستطيع استدراكها ثانية، يدرك ألبيرتي بوضوح وبتفصيل ادق ما الذي كان يعنيه فقدانه لعالم طفولته. فهو لم يكن عالم طفولته فحسب وانما عالم شبابه وتباشير رجولته. انه الزمن الذي لم تداخله الشكوك التي تدمر فرحة الاحساس بالوجود وانما كان يتعاظم بالاحساس الدافق بمعجزة الوجود. في ” ثلاث ذكريات عن الجنة ” يصور ألبيرتي  ثلاث ذكريات من ذلك العالم المفقود، يؤكد في الاولى على الصمت الرائع الذي هو ” قلب القيثار والمطر والكلمات ” . يتحدث في الثانية عن الفترة التي تدفقت فيها اولى احلامه وكلماته، ويصور في الثالثة الرؤى التي ملأت السماء وتمتعت بوجودها المستقل. يهدي ألبيرتي هذه القصائد الى غوستافو بيكير مصدرا كل واحدة منها باقتباسات لبيكير. وبما ان هذه المقتبسات تتحدث عن الوحي الشعري، فمن الواضح ان ألبيرتي كان يعالج معنى مزدوجا او معنى واحدات من زاويتين مختلفتين. فطفولته وإلهامه شيء واحد وقد ادام  الثاني ما اكتسبه من الاول ناقلا اياه الى عالم الرجولة. تجدر المقارنة هنا مع وردزورث ولكنها مقارنة غير كاملة. وردزورث لا يقول بان الهامه هو امتداد لرؤى الطفولة وهو ربما يحيا حياة جزئية على تلك الذكريات، ففترة نضجه انما تقررها عوامل اخرى واهداف مغايرة. تشكل الطفولة وسنوات الابداع الاولى عند ألبيرتي اجزاء اساسية مع التطور الواحد وهي مستوحاة من قوة واحدة. لكأن نموه اخذ مجراه دون اي عائق حتى بلغ الخامسة والعشرين من عمره، حاملا معه كل الانسجام المتمثل في طفولته واوائل مرحلة شبابه. توضح كلماته المعنى المقصود تماما حيث تشكل ” الكلمات والصمت والرؤى ” المكونات الثلاث لحياته المبدعة. فالصمت هو ذلك الانسجام الذي يحس به وهو في خضم تمتعه بقابلية الاستيعاب والادراك، والكلمات وسيلة التعبير التي تتدفق عليه من اللا شيء، والرؤى هى نتاج ذلك الابداع والخلق، وهي رموز اكثر واقعية وتكاملا ذاتيا من اي شيء مألوف في العالم.
وما ان يصبح ألبيرتي  اكثر اقترابا من طبيعة تلك التجربة المفقودة  حتى تزداد قناعته بان ذلك العالم لم يكن حلما. واذ يأسف اسفا شديدا على فقدان ذلك العالم الحلم فانه يصر على الاحتفاظ به كعالم للاحلام. هكذا يستمر هذا العالم محتفظا ببساطته ومفاجآته، باشعاعه واقناعه رغم بعده عن الحقائق المألوفة والافكار المتعارف عليها. في قصيدته ” ملاك المدرسة ” يكرس ألبيرتي اهتمامه للجهل وعدم الادراك الرائعين اللذين يتصف بهما طلبة المدارس:
كلنا لا ندرك شيئا
لماذا اظافرنا خزف مطلي
ولماذا يغلق الليل بوصلاته لكي تتفتح الكتب حتى الصباح
نحن لم نعرف غير ان المستقيم ينحني او ينكسر
اذا ما اراد
وأن النجوم المتجولة اطفال لا يعرفون الرياضيات
هنا يتقمص الشاعر موهبة الاطفال في تحويل الظواهر المألوفة الى اشياء مغايرة وهي الموهبة التي امتلكها الشاعر في يوم ما ويحس بأنه فقدها.
تكاد ازمة ألبيرتي ان تكون شبيهة بأزمة رامبو الذي قرر في وقت ما ان يجعل الظواهر تبدو باشكال مغايرة لحقيقتها وثم عاد ففقد القناعة بذلك الاسلوب ونبذه غاضبا. فالازمة التي خضع لها ألبيرتي هي ازمة الشاعر المبدع الذي يعيش ضمن عالم الاكتفاء الذاتي ليكتشف بعد ذلك وبهلع عدم واقعية ذلك العالم وتبدأ الحقيقة تفرض نفسها عليه حتى ينتهي الى تغيير نظرته وممارسته نهائيا. يكون هذا التحول مؤلما وهو يجلب في مراحله الاولى احساسا قريبا من اليأس.
يبدو التركيز واضحا في ” عالم الملائكة ” على طبيعة هذه الصدمة فألبيرتي الذي يدرك معنى هذا التحول لا يحس بفداحة تأثيره لاول وهلة. انه لا يكاد يصدق بأنه ما زال هو نفسه. فهو يلبس ملابسه القديمة ولكنه لا يتعرف على نفسه. انه يحس بالخواء والانفراط :
بقيت جثتي الفارغة
كيسا اسود ملقى قرب النافذة
فهو لم يفقد عالمه الفكري وانما فقد كل احاسيسه التي خذلته ورفضت الاستجابة لنداءاته ولعل اهم شيء له هو ان فن الكلمات الذي طالما اعتمد عليه قد بدا الان خاويا وخرج عن نطاق سيطرته :
هل تعرف انت الان ان فمي بئر للاسماء
والارقام والاحرف الميتة
وبأن الاصداء قد اتخمت بدون كلماتي
وبان كل ما اقول انما هو احتقار وكراهية للريح
وليس غريبا ان يجد ألبيرتي نفسه وهو في هذه الحالة ضحية ملاك هابط من الاعالي يمارس سلطته في الظلام والفراغ ويحرق روحه :
انت تحرقني حيا
فلتحّلق عني الان بعيدا
يا لوسيفر المظلم يا شيطان الحفر التي بلا صباحات
يا شيطان الابار التي ليس بها ماء
والكهوف التي بلا احلام
يا فحم الروح
والشمس
والقمر
تتدخل قوى اخرى في هذه الحالة المفزعة ويستعيض ألبيرتي عن انسجامه القديم بتناقضات حادة ذات عواطف بدائية. انه في البداية شديد الانهيار الى حد لا يستطيع تقبلها. تبدو اول اشارة لها حين يعبر عن نقمته على الحياة التي قادته الى هذا المصير:
من الذي ينثر على وسادتي
ممالك العلقم والدم
وسماوات الكبريت
وبحار الخل ؟
لقد فقد سيطرته على نفسه وتحول الى ساحة تتصارع فوقها كل القوى المتصارعة. ها هو يتخيل نفسه برجا بين الرياح المتقاذفة التي تحطم مدن الارض وتقذف اليه ببشر بعضهم مألوف والبعض الاخر غرباء، وهو يحس بأنه قد عرفهم في زمن ما ولكنه فقد هذه المعرفة :
دوامات المدن
تنحدر عبر المضائق
مدن الريح الجنوبية
التي رأتني
وعلى الجليد
يتدحرج البشر
بشر لا اعرفهم
مدن الريح الشمالية
التي لم ترني
يظل في خضم هذا الصراع جامدا وخاويا، غير ان الوضع الراهن لا يعارض في دخول القوى الجديدة الى الحلبة، وهذا ما يحدث بالفعل. يظهر الغضب بصورة خفية. يبدو الشاعر وكأنه يتذكر شيئا من غير ان يتعرف تماماً على حقيقة هذا الشيء ، فيتملكه الغضب . ليس هناك معنى واضح لهذه الحالة، فهو لا يستطيع تحليل ذلك الصمت الذي تجلبه الحالة ولكنه يحس ان هناك شيئا قبيحا يتفاعل في دمه. ثم يهجم الحسد :
سماء مخضرة بالحسد
تغمر فمي وتغني
انا السماء
انه يشعر بزيف ذلك ويصارع. ثم يأتي ” الملاك الغبي ” رمز الموت الذي بدأ بالتسرب الى كيانه. يتوجس خيفة من طاقته ويتساءل فيما اذ كان هذا الملاك قوة روحية ام هو مجرد ملاك ارضي. يتلو ذلك شيء اشد رهبة حيث تنطلق العواصف السوداء في داخله وتجرفه الرغبات العنيفة، رغبة التحطيم ورغبة الجشع. ورغم احساسه بالموت فان هذه القوة الجشعة ما زالت ناشطة في كيانه حتى يغدو وكأنه مجرم جرفته رغبة جنونية للحصول على الثروة :
ذلك الرجل ميت
وهو لا يعرف ذلك
انه يرغب في اقتحام مصرف
كي يسرق الغيوم والنجوم والشهب الذهبية
كي يشتري اصعب شيء
السماء
وذلك الرجل ميت
وكنتيجة طبيعية، فان فقدان الثفة يجعل ألبيرتي فريسة سهلة للعواطف البدائية ولكنه رغم ذلك يحتفظ  بنوع من الاستقلال عنها ويحاربها بما لديه من طاقة. يحاول الاحتفاظ بكرامته الانسانية وهي تعجز عن الايقاع بطاقته الفكرية الجبارة، ثم ان احساسه الجارف بالهزيمة يؤدي به الى رفض التسليم كليا لعالم الفوضى الذي يتهدده. هكذا يتحول شعره الى ساحة للصراع بين العقل الجبار والارادة الحازمة ضد قوى تفوق البشر العاديين.
واذ يعبر هذه المحنة، يكتشف ألبيرتي رؤية جديدة بشأن ما حدث ويكتشف ان ذلك لم يكن مفاجئا فعلا او مفرغا من اي معنى كما كان يظن في السابق . ففي قصيدة  “الموت والقضاء ” يطرح موقفه الناضج. لاشك ان شيئا ما قد مات داخل نفسه، ذلك الموت الذي جاء نتيجة حكم صدر عليه من السماء. فالذي مات هو شبابه الذي تحول الى رماد منتشر تحت قدميه. ذلك هو المصير الذي ينتظر كل البشر وهو مقدر عليهم قبل  مولدهم. فالحياة تطور مزدوج، انها تحرق وتصيب بالاثلاج وهي تضم الضحك والبكاء. كلاهما مقدران بصورة متساوية. وهي تفقد سعادتها لدى انتقالها من مرحلة الحرارة القصوى الى مرحلة البرودة القصوى وهي تفعل ذلك لان الروح تعيش في البدء في عالم خاص بها وهو عالم غير واقعي ولا يمكن التوافق معه. يحدث الدمار حين يهجم الواقع على ذلك العالم المعزول :
ضائع بين المعادلات والزوايا والصيغ والاحزان المتسارعة
بين انبثاقه الدم والتيجان المتهافتة المتساقطة
في زمن المتهافتين على الذهب والسطو على البنوك
في تورد المساء على الاسطحة
ها هي اصوات الملائكة تعلن انتهاب وضياع روحك
ايها الطفل
يحاول الرجل الشاب ان يهرب من ذلك، ان يغرق نفسه في خضم موجات المد، ولكن ذلك يزيد في تجذير حدته. فذلك الهروب غير حقيقي ولا يمكن ان يؤدي الى حل مشاكله. هكذا يفقد براءته ويتوقف عن الايمان بفينوس والاحلام ذات الروعة الالهية. انه لا يستطيع الهروب من مصيره ولابد للانسان ان يواجه بها الواقع. ربما يحاول الهرب ولكنه سوف يفشل وسوف تكلفة هذه المحاولة مالا طاقة له به. ان متطلبات الواقع لا تعرف الرحمة والشفقة ولابد له من دفع هذا الثمن مهما كان غاليا. ذلك هو القضاء الصادر من السماء بحق الانسان وليس هناك استئناف لهذا الحكم.
مع موت الروح الشابة تموت الاغنية العفوية وتنطلق روح الانسان في محاولة للعثور على سبيل اخر للتعبير وايجاد الموضوعات المنطلقة من هذا الفهم الجديد للعالم. انها لا تأمل في استرداد ثقتها السابقة او رؤية الكون بروعته المتناسقة الواحدة وهي تراه الان من خلال الحطام والتنافر وعليها ان تستخلص منه شيئا مع ايجاد المبررات لهذا الاشياء. في قصيدته ” دعوة للقيثار ” يوضح ألبيرتي محاولته للوصول الى الرؤية الجديدة. انه يواجه الان واقعا محطما، موطنا للعناكب حيث تنهار الاشياء من غير امل ولكنه رغم ذلك انما يواجه عالما واقعيا غامضا مليئا بالاحزان ويدعو الى الرثاء، والمجال فيه واسع للتفكير الطويل وتجنيد كل المشاعر والاحاسيس. ان ألبيرتي الشاعر ما يزال قادرا على العيش بين اصداء ذلك العالم وذكرياته، تلك التي ترتبط بتكوين الكون المأساوي :
دوما ، دوما ابتعد
حيث الغابات تحفظ الاصداء وظلال الخطوات
حيث العث يجعل الصمت مستيقظا في ربطات العنق
حيث القرن كله قيثار مهجور.
فهذا القرن الحاضر انما هو قيثار مهجور، لحن مكسور ، وعلى الشاعر ان يبحث ويعيد الى اللحن كماله. وكما وجد ألبيرتي في شبابه الوحي من خلال الاحساس بالتناسق والانسجام والتكامل، ها هو يحاول الان العثور على ذلك ثانية بادراكه لطبيعة الفشل وعدم الكمال. وكما كان شعره السابق منطلقا عفويا وسعيدا فهو يامل الان ان يلج في احزان العالم، في فوضاه وفي اللاكمال.
هكذا يتقدم ألبيرتي نحو ما يمكن ان يسمى بالرؤية المأساوية للحياة وها هو يطرحها بقوة فائقة في قصيدته ” العقوبات ” حيث تجتاحه الاحلام المزعجة ويغدو طعم الليل كبريتيا. لقد اخذ يدرك بانه كان يعيش في عالم الجهل الذي لم يدرك فيه واقع الاشياء :
فانا لم اعرف أن الابواب قد غيرت مكانها
وأن الارواح يمكن ان تخجل من اجسادها
وأن الضوء الذي في نهاية النفق يجلب الموت.
ليس هناك اي جدوى من الاستغاثة بالاموات الذين اشبه ما يكونون بجثث مشوهة الوجوه منجرفة في مياه البحر. يتحتم عليه ان يحول افكاره الى المظاهر الاشد صرامة في الحياة، الى العوالم المنهارة والناس الذين لا مأوى لهم والقرون الخرساء. يتحتم عليه ان يدرك ان الاجساد ليست تلك الاجساد التي تصورها في الماضي وبأن ” عويل طفل انما يشوه كل كواكب السماء ” . فالكون ملئ بالعيوب وهو يفسد ويحطم من يحيا فيه :
السماوات العفنة تؤكسد جباهنا المهجورة
حيث تدفن كل دقيقة جثتها المجهولة.
هناك دائما شيء ما خلف الاشياء التي نمتلكها الان، حتى خلف الموت. وان ذلك الاحساس بالاستمرارية اللانهائية، بكل المه وما يجلب من كوارث هو الذي يشغل بال الانسان والشاعر. لم يكن الموت والانحلال يعنيان شيئا في الجنة المفقودة. ولكنهما الان يقرران الشكل الكلي للوجود ويصبغانه بصبغتهما. لابد من التعرف عليهما واحترامهما وان مثل هذا الاعتراف يكلف الانسان جهدا كبيرا خصوصا اذا كان قد عاش في السابق، مثل البيرتي، بمعتقدات مختلفة تمام الاختلاف. ولذلك فليس من المدهش ان يروع الانسان لاضطراره التخلي عن تلك الرؤى السابقة وان يعتقد انه في خضوعه هذا انما يصبح فريسة للقوى المنتقمة الناشطة في الظلام. ذلك هو الشعر المنبثق من انسان ما زال محتربا مع نفسه يعاني من حدة الاحساس بتلك المكاشفة المرعبة ولكنه يواجهها بشجاعة ضارية رافضا كل ما يمكن ان يهدئ من روعه. لقد استثيرت عواطفه من خلال المشاركة في احزان الوضع الانساني وهو يبذل جهدا فائقا كي يتعرف على هذه الاحزان ومعانيها.
لهذه الرؤية المأساوية جانبها الايجابي، فهي تمنح الروح الخلاقة الهاما متفقا مع طبيعتها. يتحدث ألبيرتي عن “ملاك الخرائب “، عن القوى التي تمنح صفة الاهمية حتى للاشياء التي بدت وكأن الدمار قد حل بها بشكل لا يمكن اصلاحه. انه يجد حدوده الجديدة التي يمكن ان ينشط في نطاقها وان يقولب وسائله بالشكل الذي يلائمها بعد ان تم كبح جماح اماله وتقليص افقه. انه يتقبل هذه القيود بفرح:
والان ، ليس هناك من ينتظر القطار السريع
ولا زيارة موظف الفنار للبحار المستلبة
ولا عودة الاصوات الى الاصداء المحترقة رمادا
ان الملائكة لم تهجره، ولكنه يبحث عنها بأشكال جديدة وفي اماكن مختلفة رغم ادعائه بانها ميتة. ففي قصيدة ” الملاك الميت ” يتصدى البحث عن القوى الروحية المختبئة في اماكن متواضعة وغير متوقعة ” من اجل خاتم مكسور او نجمة منسحقة “. لقد راى في السابق مثل هذه الملائكة وهو يجد في البحث عنها:
ابحث، ابحث عنها
تحت بقعة الشمع التي تدفن الكلمة في الكتاب
تحت الامضاء في زوايا الرسائل
التي يجرجرها الغبار هنا وهناك.
لقد تخلى ألبيرتي عن معتقده السابق عن الحياة الرائعة المسحورة وتبين له ضرورة البحث عن اسرارها في مجالات مختلفة حيث يمكن ان تكون اتفه الاشياء ممتلئة بالغموض والعطاء. وكما رضي وردزورث بعد ان فقد عالم البهجة والاحلام ” باصغر زهرة منورة “، كذلك رضي ألبيرتي باصغر الاشياء شرط ان تمنحه بعض السحر المفاجئ، بعض الاثارة الانسانية، بعض التعاطف، والاحساس بالغرابة. لقد اختفت ملائكة  النور والظلام، ملائكة القوة الالهية والدمار الشيطاني، وحلت محلها ملائكة اهدأ طبعا وذات جمال خاص، قادرة على اضفاء المعاني على الاشياء المجردة وبذر الاحساس بالحياة رغم تهشم تلك الحياة وطبيعتها غير المرضية.
في القصيدتين الاخيرتين من هذه المجموعة، يعرض ألبيرتي ما تبقى له بعد ان بين كل شكوكه وقراراته. لم يزل هناك شيء يستحق البحث عنه والحصول عليه وهو الذي يمنحه الثقة بالحياة. لقد رافقته خلال محنته بعض القوى التي لم تتركه وهي الملائكة المخلصة وهي سبب رحلته هذه. لقد علمته كيف يتقبل الرؤية المأساوية للوجود وكيف يمكن ان تندثر اجمل الاحلام في خضم القباحة والقذارة. وقد جاوز اثرها ذلك حين علمته كيف يواجه هذه الاحباطات كواقع له اهمية تضاهي اهمية الاشياء المكتملة وبه مالا يقل بهاء. تلك هي رسالته:
ولكنني اقول لك :
الوردة وردة حين تحط عليها الحشرات
اكثر مما لو بقيت فوق ثلج القمر الخابي خمسة عشر عاما.
وانظر الى ذلك، قبل ان نقوم بدفن الرحلة
حين يتدخل الظل بين المسامير وحواف الابواب
ويصيب الارق الحجري قدم الملاك المتجمدة
تبحث روحي عن كمالها دون ان تدري
لا مفر للحياة من الاحباطات حيث ان روح الانسان تجد طريقها للكمال من خلال هذه الاحباطات. وكما تشحن صور الملائكة وفكرة النفي من الجنة شعر ألبيرتي بالطابع الديني، كذلك تتصف خاتمته بالطابع الديني بطريقة خاصة. فالحقيقة المركزية المنبثة في صلب محنته المدمرة لا تخص العالم وانما تخص روحه. فكارثته كارثة ذاتية محضة. يتوصل ألبيرتي الى خاتمته من خلال اهتماماته الجديدة ومشاركاته المتمتعة بقسط اوفر من الحرارة، من خلال شجاعته وصبره وتحمله واصراره على انجاز اقصى ما يمكن انجازه ضمن المعطيات المتوفرة. ففي قصيدته الاخيرة ” الملاك الذي ما زال حيا ” يرحب بالكارثة القادمة، عملية التشتت والاغتيال البطيء للحياة، ويكتشف شيئا وديا في انهيار السماء. هكذا تموت الاشباح في هذا العالم البارد ، ورغم ان الموت يلتهم الملائكة، فان ملاكا واحدا يستطيع الافلات من الموت رغم اصابته بالجراح وقص جناحيه. انه الملاك الذي يشده ويقوده في هذه الحياة .
تشكل مجموعة ” عالم الملائكة ” بالدرجة الاولى اعترافا من الشاعر بالازمة الطاحنة التي ملكت عليه حياته. ان ذلك الصراع والعذاب الذي يخوضه ألبيرتي في خضم انتقاله من مرحلة احلام الشباب الى مرحلة الاكتشاف المر للواقع قد  عبر عنه شعراء اخرون غيره. ان مثل هذه التجربة هي التي ولدت ذلك الوضع المأساوي في نفس الشاعر جوسيه اسانيون الذي انتقل من شاعر رمزي تخيلي الى ناقد عنيد لكل الاوهام الروماتيكية. هكذا رفض ألبيرتي بصورة غير مباشرة القبول بالاعتراف باي عالم اخر كعالم لائق بعمله كشاعر. كثيرون هم الشعراء الرومانتيكيون الذين عرفوا هذه الاحاسيس واضطروا بعد ذلك للاختيار بين الانطلاق وراء احلامهم او التخلي عنها في سبيل واقع اكثر قربا من التجربة العادية. حل وردزورث هذه المشكلة بتركيز اهتمامه في الطبيعة المادية لكي يكتشف من خلالها الدليل الذي قاده الى اعماله المتأخرة. كما حاول شيللي ان يحول احلامه الى افعال وحين بدأ يدرك في سنواته الاخيرة بوادر فشله وخضوعه لسطوة الكآبة المظلمة فقد مات قبل ان يستطيع الوصول الى قراره الاخير.  كان بعض الشعراء اقل حظا وخاصة اولئك الذين اصروا على التمسك باحلامهم رافضين اخضاعها لعالم البشر الواقعي. فقد بقي عالم الاحلام هو العالم الحقيقي لادغار الن بو وجيرارددو نيرفال اللذين رفضا قبول الظواهر الواقعية التي تشكل مصدرا للقلق والتشوش وكانت نتيجة ذلك انهما اتجها سواء بدافع الشعور او اللاشعور للبحث عن مخدر يمكنهما من الاحتفاظ بعالم الاحلام. لقد انتهى الاثنان نهاية مأساوية قبل ان تسنح لهما الفرصة لاكتشاف مواهبهما الحقيقية. ومهما  تكن السعادة التي يمنحها مثل ذلك العالم الحلم فهو لابد وان يبقى مهدداً بالوقوع في المزالق ما لم يتوصل الى صيغة للمصالحة مع الحياة.  واجه ألبيرتي مثل هذا الواقع ورغم ارادته، غير ان ذكاءه الواسع دفعه الى تقبل هذا الواقع بشجاعة فائقة استطاع بها ان يستخلص نتائجه الكاملة منها.
تصدي ألبيرتي لهذه القضية كشاعر وكأنسان. والجدير بالملاحظة انه بعد نشر مجموعته ” عالم الملائكة ” لم يحاول فقط الاقتراب من عالم الواقع اقترابا مباشرا وانما بدأ بتكريس كل وقته للسياسة. حارب كطيار في الحرب الاهلية الاسبانية وحين انتهت الحرب بنهايتها المفجعة لجأ مع رفاقه الى المنفى في الارجنتين. لقد تعدت الازمة التي واجهها نطاق عالمه الابداعي وكانت بمثابة امتحان عسير استطاع من خلاله التوصل الى رؤية حياتية اكثر نضجا. لقد تحتم على لوركا ايضا ان يمر بمثل هذه التجربة المحنة، وذلك نتيجة ما انتابه من رعب من الواقع الماثل امامه لدى زيارته مدينة نيويورك، وخاصة ما تعلق بتلك الحياة المزرية التي شاهدها في احياء  الزنوج. تركت تلك التجربة في نفسه تأثيراً رهيبا لم يستطع التخلص منه ابدا او انه لم يستطع على الاقل استعادة تلك النظرة المتكاملة المتوازنة التي سطر بها الرومانسيرو. ورغم ان سنوات العشرين قد حملت معها الكثير من الامال والقيم غير ان المثقفين اجمالا ما لبثوا ان تبينوا ان ذلك الهدوء الظاهر على السطح انما كان يخفي وراءه قوى سوداء رهيبة. لذلك فقد اندفع  ألبيرتي الى عالم السياسة غير ان حياته السياسية لم تشكل غير جزء من عالم اوسع واشمل وذلك حين اكتشف ان النظرة  المأساوية للحياة هي الشيء الوحيد الذي يمكن ان يفسر معنى الكون بحالته الحاضرة. بعد سنوات من هدنة عام 1918 استطاعت الحياة الاوروبية استعادة بعض خيوط وحدتها وتميزها. ولكن ذلك لم يكن في الواقع غير استراحة قصيرة اعقبت سنوات من الجهد الرهيب ما لبثت الحياة الجديدة بعدها ان اخذت تظهر بشكلها الجديد محطمة تلك التقاليد التي طالما قنع الناس  في احضانها. لقد اخذ الشعور بالامان بالاندثار وكما صور اليوت في ” الارض الخراب ” ازمة الروح المعاصرة التي فقدت كل طمأنينة وجلال الماضي كذلك اصبح ألبيرتي شاعر الجيل المرغم على تقبل كل نقائص الوجود ولكنه بدلا من التذمر والشكوى فقد قرر المجابهة بشجاعة وصراحة.
يبرهن ألبيرتي في ” عالم الملائكة ” كيف يمكن لتجربة الاحباط والاستلاب ان تتحول الى شعر خالص، ويعود  ذلك بلا شك الى تلك الروح المناضلة التي اثبتت وجودها ابان صراعه مع الظروف التي احاطته رغم ان القسط الاكبر من ذلك النجاح انما يعود الى قدرته الفائقة على استخدام التكنيك الحديث. ذلك انه لو اتبع اسلوبا اكثر تقليدية وتناسقا للتعبير عن هذه التجربة لافتقد الكثير من خصائصه المميزة. فتلك التجربة المسرفة في البلبلة والتدمير قد وجدت مكانها المناسب لدى فن قادر على التجاوب مع تلك الحالات الروحية والفكرية المشوشة. ولعل ما هو اهم من ذلك هو تلك الطريقة  التي يستغل فيها ألبيرتي تكنيكه لاستخلاص اقصى الامكانيات الشعرية من مختلف زوايا هذه التجربة. لقد مكنه ادراكه العميق لطبيعة الشعر واحساسه الفطري بقدرته على اقتناص اية لمحة شاعرية من ولوج عوالم لم تكن مطروقة في مجال الشعر. وبينما ينهار اي انسان اقل شجاعة امام مثل تلك الازمة فقد استجمع ألبيرتي كل طاقاته وكتب شعرا مفعما بالتركيز والتوتر الخارقين. ان القوى التي بدت وكأنها قادرة على تحطيم ثقته بنفسه وسعادته قد تحولت الى طاقة  شعرية نابضة ببهجة خاصة لا يمكن لغيرها ان تمنحها. واذ يتخطى ألبيرتي نطاق ازمته بسحر قابليته الفنية فهو لا يحل مشكلته فقط وانما يساعد الاخرين على مواجهة التجارب المماثلة. لقد تحولت القوى المدمرة التي واجهته الى ادوات قادرة على ايجاد نظرة جديدة خلاقة تستشرف اهم المشاكل ضمن خطة متناسقة في وقت بدت فيه اول الامر غير قابلة لمثل ذلك. يبدو الشعر الحديث عادة وكأنه لا يستوعب الا الانفعالات المحطمة للنفس، غير انه في بعض الاحيان يكون قادرا على تحويل هذه الاحاسيس الى وسيلة في سبيل تحقيق اشكال من التناسق والانسجام اكثر شمولا. فالعنصر الخلاق الناشط هو الذي يفرض النظام والسلطة على الاشياء المستعصية.
يمنح ألبيرتي مجموعته ” عالم الملائكة ” بهاء خاصا باحساسه الفطري بطبيعة الشعر الحقيقي. لا تقل هنا اهمية الاندفاع الفكري والرغبة الجارفة في التوصل الى الحقيقة التي ترافق الغريزة الخلاقة. لقد جعل من شعره مجالا حيا لتجارب الاخرين ومنحه قوة لا يمكن التشكيك بها. هكذا نتعرف في كل قصيدة من قصائده على تلك الحقيقة الصارخة المتمثلة  في الاصرار على تصوير التجربة بشكلها الحقيقي مع الرفض الاكيد للخضوع لاية نظرة روماتيكية. لقد احتل ألبيرتي مكانه بين اعظم شعراء عصره الذين تميزوا واشتهروا بقدرتهم على التركيز الجاد على مشاكل الواقع تركيزا مماثلا لذلك الذي يغدقونه على ادواتهم الفنية، وبذلك استطاعوا نفي التهمة القائلة بان الشعر الحديث قد اصبح مع بداية القرن الحالي زائفا مع نفسه ومع الحياة. يقول  باسترناك : ” لقد نسينا ان في مقدورنا انجاز شيء واحد ، الا وهو عدم تشويه صوت الحياة النابض “. ان صوت الشاعر لابد وان يكون صوت الحياة. انه ذلك الصوت الناطق من خلال الشاعر بقوة تفوق البشر الاخرين والذي يمر من خلاله الى المجتمع باكمله لكي يلقي الضوء على تلك المشاعر غير المكتشفة ويحيلها الى واقع حي. لقد تصدى الشعراء الحديثون لمهمة شاقة هدفها تكوين شعر متمتع بالصفاء والواقعية وقد جاء هذا الشعر جديدا كل الجدة. لقد استطاعوا من خلال مزجهم بين التوتر الابداعي والاهتمام بالواقع اهتماما مشحونا بالعاطفة الى التوصل الى نتاج غني بتلك الرعشة المتميزة التي نطلبها دائما في اية تجربة تخيلية، الى جانب الاحساس بالطمأنينة والديمومة النابعة من الايمان بان هذا الفن انما ينتمي انتماءا اصيلا الى هذا العالم الحقيقي الذي نعيش فيه.
(*) آثرت ان أترجم القصيدة ببعض التصرف من اجل إظهار الهدف المقصود. المترجمة.
(*) ملاحظة : رغم تعذر نقل الايقاع والقافية لايضاح الشرح فقد رايت ترجمة الابيات لعلها تنقل بعض الانطباع عن المقصود. المترجمة.