في التاريخ السياسي لفلسطين

الصفحة

 

في التاريخ السياسي لفلسطين

 

فلسطين المكان

تأليف سلافـــة حجـــاوي 2000

 الطبعة الأولى فلسطي 2000

 مطبعة الحجاوي-نابلس/ فلسطين

حقوق الطبع محفوظة للمؤلفة

فَلَسْطين

     “وقيل إنها سميت بفلسطين بن كلثوم بن ولد فلان بن نوح ”                                                                                                 ياقوت
” فلسطيـن آخـر كور الشام من ناحية مصر، قصبتها بيت المقدس، ومن أشهر مدنها عسقلان والرملة وغزة  وأرسوف وقيسارية ونابلس وأريحا وعمان ويافا وبيت   جبرين. وقيل في تحديدها أنها أول أجناد الشام  من ناحية الغرب وطولها للراكب مسافة ثلاثة أيام وأولها رفح من ناحية مصر وآخرها اللجون من ناحية  الغور، وعرضها من يافا إلى أريحا ثلاثة ايام أيضا.   وزغر وديار قوم لوط وجبال الشراه إلى إيله كله  مضموم إلى جند فلسطين وغير ذلك، وأكثرها جبال  والسهل فيها قليل ”
ياقوت البغدادي , معجم البلـدان

 المحتويات

 المقدمة

  • عهود قوى النيل والرافدين القديمة.
  • عهد القوة الفارسية.
  • عهد القوة المقدونية.
  • عهد القوة الرومانية.
  • عهد القوة العربية الإسلامية.
  • عهد القوة العثمانية.
  • عهد القوتين البريطانية والفرنسية.
  • عهد القوتين الأميركية والسوفييتية.

9- الملامح الأولية للنظام الدولي الجديد 

  • الخلاصة والاستنتاجات.

 – ملحق – السلطات السياسية في فلسطين.

 -المراجع والمصادر.

المقدمة

لماذا لم يتمكن سكان فلسطين التاريخيين عبر العصور من ممارسة السيادة على إقليمهم على الرغم من أنهم أحد أوائل الشعوب التي أقامت إحدى أقدم الحضارات في تاريخ العالم،  هي الحضارة الكنعانية،  وعلى الرغم من أنهم أحد اكثر الشعوب التصاقاً بالأرض وحباً لها ؟
ولماذا كانت فلسطين ومازالت هدفاً لجميع الغزاة والفاتحين ؟
ولماذا حصل معظم السكان في العالم،  منذ انبثاق عصر الدولة القومية، على حق السيادة على أقاليمهم أو غير أقاليمهم التاريخية، ولم يحصل شعب فلسطين العريق على هذا الحق ؟
ولماذا قامت في فلسطين في العصر الحديث دولة، ليست للسكان الأصليين وإنما للمستوطنين ؟
ولماذا تعرض سكان فلسطين للإضطهاد والتنكيل والاقتلاع كلما حاولوا انتزاع حقهم في السيادة على أقليمهم ؟
وهل صحيح أن قيام الدولة اليهودية في فلسطين قد تم نتيجة “حق تاريخي” أم نتيجة عوامل أخرى أشد سطوة وقوة من أي حق تاريخي حقيقي أو مزعوم ؟
كانت هذه الأسئلة وغيرها الدافع هي  وراء هذه الدراسة التي تختص بفلسطين المكان، وذلك بهدف التعرف على الدور الذي يلعبه المكان في مصير السكان.  فمن بين كل ما تحتويه قضية فلسطين من عناصر وعوامل إنسانية ووطنية وقومية وعقائدية، سياسية وتاريخية وجغرافية، تبرز الجغرافيا والجيوبوليتيكا بشكل خاص، على أشد ما تكون حدة.  بل قد يكون عنصر المكان هذا، هو أحد المحددات الرئيسة، إن لم يكن المحدد الأساسي، الذي يضفي على القضية سمات الفرادة الكارثية. 
ففلسطين الإقليم مكان. غير أنها ليست كأي مكان آخر، حيث لم يجتمع في أي مكان آخر في العالم عنصران متناقضان على النحو الذي اجتمع فيها، هما عنصر الغزو الذي أحالها إلى ساحة حرب دائمة، وعنصر القداسة الذي أحالها إلى أقدس مكان للديانات التوحيدية التي يدين بها أكثر من ثلثي البشر، والذي يفترض بأنهم إنما يؤمونها للصلاة وليس للحرب. ولطالما شكل هذان العنصران، بفعل أن الأول يشكل تجسيداً للحرب والثاني تجسيداً للسلام، مادة للجدل بين المؤمنين والعلمانيين حول ما إذا كانت قداسة فلسطين نابغة من أهمية وخصوصية المكان، أم ان القداسة هي التي أضفت هذه الأهمية على المكان. 
ولا يمكن إغفال حقيقة أن فلسطين المكان، تقع في قلب منطقة عرفت منذ العصور القديمة بأنها العالم، تلك هي المنطقة العربية الممتدة من وادي الرافدين إلى وادي النيل، ومع اتساع العالم بفعل ما تم من اكتشافات، لم تفقد هذه المنطقة أهميتها، بل ظلت تعتبر بأنها قلب العالم، كما ظلت فلسطين تعتبر بأنها قلب هذا القلب. 
وانطلاقاً من حقيقة أن المكان ثابت وأن علاقات وسياسات القوة هي التي تتغير، فإن هذه الدراسة، باعتمادها منهج السياسة المقارنة بين سلوك وعلاقات القوة التي عرفها تاريخ فلسطين والمنطقة العربية الممتدة من العراق حتى مصر، إنما تقوم بمقارنة سلوك مختلف القوى إزاء فلسطين والمنطقة، بهدف اكتشاف ما اذا كان ثمة قانون لعلاقات القوة، يحكم سلوك هذه القوى، بغض النظر عن الحقب التاريخية المختلفة التي جرى فيها هذا التعامل، الأمر الذي من شأنه أن يشكل إضافة معرفية قد تسهم في إثراء الفكر السياسي الفلسطيني.

 

الفصل الأول

عهود قوى النيل والرافدين القديمة

تلقي نظرية البيئة الحديثة أضواء هامة على الأسباب والعوامل التي أدت إلى نشوء الدول المركزية في وادي النيل ووادي الرافدين في فجر التاريخ وإلى عدم نشوء مثل تلك الدول في المنطقة الممتدة بينهما على الرغم من وجود المستوطنات البشرية الموازية وتبلور حضارات متقدمة فيها كالحضارة الكنعانية وفرعها الفينيقي والحضارة الآرامية،  وذلك من خلال التمييز بين بيئة تعتمد في ريها على المطر “حيث ليس للحكومة على البلاد ولا على قلوب أهلها كبير تسلط”[1]،  وبيئة تعتمد على الري الصناعي من مياه النهر،  ” حيث يصبح التنظيم الإجتماعي شرطا من شروط الحياة،  ويتحتم على الجميع أن يتنازلوا طواعية عن الكثير من حريتهم،  ليخضعوا لسلطة أعلى توزع العدل والماء بين الجميع “[2]، وهي سلطة “أقوى بكثير مما تتطلبه بيئة لا تعتمد على نهر فيضي في حياتها”[3]
وقد يكون ذلك هو لأاساس الذي حكم مصير النظام الدولي في “العالم القديم”، حيث شكل كل من وادي النيل ووادي الرافدين مهداً لدول مركزية ما لبثت أن تحولت إلى نظم إمبراطورية بفعل تعاظم متطلباتها وبدء  نشاطها التجاري[4].  فقيام الدول الإمبراطورية ما لبث أن أدى إلى تحول المدن – الدول في المنطقة الممتدة بين الرافدين والنيل إلى محطات تجارية،  أو إلى خضوعها إلى نفوذ  أو سيطرة الدول الإمبراطورية، أو إلى القضاء عليها من قبل تلك الإمبراطوريات لدى ظهور أية بوادر إستقلالية  فيها.  كذلك فإن المنطقة الوسطية ما لبثت أن تحولت إلى محطة لمختلف الموجات البشرية المتدفقة من الشمال أو الجنوب، والتي كانت تتحين الفرصة للانقضاض على أحد هذين المستقرين المائيين. 
منذ تلك العصور المبكرة، التي تعود الى الألف الثالثة قبل الميلاد، تعاقب على المنطقة نظامان دوليان إمبراطوريان، حكمتهما أهداف السيطرة على طرق التجارة والحصول على الجزية من سكان المنطقة الوسطية، إلى جانب الأهداف الأمنية.  هذان النظامان هما : نظام القوتين اللتين تتعايشان أو تتصارعان على المنطقة الوسطية، فتقسم المنطقة الوسطية الى منطقتي نفوذ أو مجال سيطرة مباشرة لكليهما، ونظام القوة الواحدة التي تحكم المنطقة بأسرها من وادي الرافدين الى وادي النيل. 
ففي فجر التاريخ ساد المنطقة نظام ثنائي تحولت به المنطقة إلى منطقة نفوذ لكلا القوتين المتمركزتين في النيل والرافدين.  ومنذ القرن الحادي والعشرين حتى القرن السابع عشر قبل الميلاد، “تعايشت حضارتا النيل والرافدين في شكل إمبراطورية سومر – أكد وإمبراطورية المملكة الوسطى جنبا إلى جنب، وتقاسمتا السيطرة على الجسر الواصل بينهما دون أي صدام معروف”[5].  وقد تشكلت منطقة النفوذ السومري – الأكدي من منطقة وسطية تمتد باتجاه الشمال الغربي، بينما تشكلت منطقة النفوذ الفرعوني من منطقة تمتد باتجاه الشمال الشرقي[6].  إن نصوص اللعنة – -Execration Textsوهي الوثائق الفرعونية التي تعود للفترة الواقعة بين عامي 2000 و1800،  تتضمن أدلة على أن منطقة النفوذ المصري قد امتدت خلال القرن التاسع عشر إلى شمالي دمشق ونهر إليثيروس (النهر الكبير) في وسط فينيقيا”[7]، وذلك ضمن تقاسم القوتين للطرق التجارية الممتدة في ذلك الحين على النحو الآتي : “تبدأ من دلتا النيل وتسير بمحاذاة سيناء، ثم تتشعب منها طريقان الى الجنوب، وتتجه الأولى إلى معادن النحاس ومقالع الفيروز في سيناء، بينما تتجه الثانية إلى بلاد البخور في الجزيرة العربية. .  أما الطريق الشمالي فيسير بمحاذاة الشاطئ الفلسطيني إلى جنوب لبنان، حيث تتشعب منه طريقان : واحد يستمر بمحاذاة الشاطئ شمالا ماراً بصور وصيدا، وآخر ينحرف جنوبا في وادي مجرى نهر الليطاني نحو البقاع ودمشق، حيث يلتقي الطريقان ثانية في قادش (قرب بحيرة حمص) بطريق وادي النهر الكبير (إليثيروس). . وفي الشمال تتشعب هذه الطريق الدولية مرة اخرى : فرع يذهب إلى آسيا الصغرى، وفرع ينحرف نحو الشرق إلى الفرات، ثم جنوبا إلى الخليج العربي” [8].
واذ يختلف الباحثون في تحديد شكل العلاقة التي قامت في ذلك التاريخ المبكر بين مركزي القوة ومنطقتي نفوذهما، وهل كانت مجرد علاقات تجارية دبلوماسية أم سيطرة مباشرة[9]، فمن المتفق عليه أن مركزي القوة لم يسمحا، منذ ذلك التاريخ المبكر، بظهور أية استقلالية في منطقتي نفوذهما.  فمع اشتداد قوة المملكة الأكدية منذ القرن الرابع والعشرين، عمدت إلى القضاء على كافة الدويلات العمورية التي كانت قد ظهرت إلى الغرب منها[10]، وكذلك فعلت المملكة البابلية القديمة من بعدها[11]. وتشير الوثائق الفرعونية القديمة إلى سلسلة من الحملات “التأديبية” التي كانت تقوم بها السلالات الحاكمة ضد السكان في منطقة نفوذها.  فمدونات السلالة السادسة التي تعود إلى القرن العشرين قبل الميلاد، تشير إلى حملات لقمع ثورات في بلاد “أنف الغزال”، حيث أرسل الفرعون قائده أوني الذي “أسرع عابراً البحر بسفنه حتى وصل إلى جبال الكرمل، بينما كانت القوات البرية تفتك بالثائرين”[12]،  وأن الفرعون قام بحملة “وصل بها حتى شخم (شكيم/نابلس)، بينما خاض قائده معارك مع عامو”[13]. وإذ يتعذر التعرف على سبب تلك الثورات،  وهل كانت مجرد احتجاج على دفع الجزية أم كانت تصل إلى حد الرغبة في الإستقلال،  فهي تدل على أن النفوذ الفرعوني في تلك الفترة المبكرة،  كان أكثر من مجرد علاقات تجارية دبلوماسية، وبخاصة أن نصوص اللعنة تتضمن أسماء العديد من الكنعانيين – Kinnachni – المتمردين[14].*
ومنذ عام 1710 ق. م، تحولت منطقة النفوذ الفرعونية ودلتا النيل ذاتها إلى دولة هكسوسية.  ويشار إلى أن ارتباط منطقة النفوذ بالدلتا قد زاد خلال حكم الهكسوس الذي استمر لنحو مئتي عام[15].  غير اأ طرد الهكسوس من الدلتا قد أعقبه طردهم من منطقة نفوذ ممتدة في ذلك الحين إلى مدينة مجيدو الكنعانية،  المشرفة على مرج ابن عامر،  وهي المدينة التي دارت فيها المعركة الفاصلة بين الهكسوس و”الفراعنة” في عام 1470 ق.م.[16].
غير أنه من المتفق عليه أن القسم الجنوبي الممتد حتى مدينة مجيدو بشكل خاص،  قد دخل ضمن نطاق السيطرة المصرية المباشرة بعد دحر الهكسوس.  فمنذ ذلك الحين، لم تعد تلك المنطقة مجرد طريق تجاري،  وإنما اكتسبت بعدا ستراتيجيا تحولت بموجبه إلى منطقة دفاع عن دلتا النيل،  “حيث ما لبثت المحطات التجارية ومراكز البريد المنتشرة سابقا، أن تحولت إلى قلاع وحاميات دائمة ونقاط عسكرية قوية التحصين”[17].  فمن الواضح، وفقا لكيلر، أن الفراعنة الجدد قد تعلموا درساً من التجربة المرة السابقة،  تجربة الإحتلال الهكسوسي، “ولم يضيعوا وقتا في خلق منطقة حاجزة متقدمة كثيرا على مواقعهم وتخومهم”[18]، حيث اتضح لهم أن أية قوة تسيطر على هذه المنطقة تكون قادرة على الإنقضاض على الدلتا دون أي رادع. 
لذلك، من المرجح أن الفراعنة قد قسموا منطقة نفوذهم إلى مستويين : خط دفاع أول ينتهي عند مجيدو الستراتيجية، المشرفة على تلال الجليل وعلى تقاطع أهم طريقين، هما الذي يربط دلتا النيل بوادي الرافدين، والطريق الذي يصل الساحل الجنوبي بالساحل الشمالي، وخط دفاع ثاني يمتد إلى الشمال من دمشق وبيروت.  ففي فترات ضعف الدولة المصرية، سعى الفراعنة إلى الاحتفاظ بالقسم الجنوبي،  وفي فترات قوتها، سعوا إلى الوصول إلى الشمال، بينما اتسمت فترات تزايد الضعف وظهور المشاكل الداخلية باتجاههم إلى عقد التحالفات وتقديم المساعدات للمدن – الدول.  أما في حالة انهيار قوة الدولة انهياراً كبيراً،  فإن قوى الوسط المتربصة ما تلبث أن تنحدر جنوباً،  فتحتل منطقة النفوذ الفرعوني بأسرها،  ثم تنقض على الدلتا المصرية ذاتها إذا ما سنحت الفرصة.  وبذلك أرسى الفراعنة منذ فجر التاريخ مبدأ استراتيجيا ثابتا هو مبدأ الدفاع عن مصر في “كنعان” التي قد تمتد في أوج قوة مصر إلي شمالي دمشق وبيروت،  وهو مبدأ سوف تلتزم به كافة القوى اللاحقة المتمركزة في مصر،  سواء كانت هذه القوى محلية أم خارجية.  كما أرسى التاريخ القديم مبدأ آخر هو مبدأ أن أية قوة تستطيع التمركز في فلسطين إنما تشكل خطرا حقيقياً على مصر. 
ففي مثل تلك المراحل من الضعف الشامل، تمكن الحيثيون الذين كانوا قد أقاموا دولة لهم في اسيا الصغرى واتخذوا من كركميش مركزا متقدما لها، من احتلال منطقة النفوذ الفرعوني بأسرها في عام 1350 ق.م.  وكان ذلك بعد فشل محاولاتهم لاحتلال وادي الرافدين، حيث كان العهد الأشوري الوسيط        (1595 – 911) ما زال يتمتع بالقوة.  غير أنهم لم يتمكنوا من احتلال الدلتا،  حيث تمكن الفراعنة بعد نحو ستين عاما من طرد الحيثيين من منطقة النفوذ – كنعان- بأسرها، وعقدوا معهم عند قادش ما يعتقد بأنه أول معاهدة في التاريخ،  وذلك في عام 1280 أو 1268، حيث تختلف المصادر بشأن تاريخ عقدها.  وقد وضعت في تلك المعاهدة تخوم فاصلة بين نفوذ القوتين عند إليثيروس (النهر الكبير) وتمتد من شمالي بيروت الى شمالي دمشق مروراً بقادش[19].
غير أن انهيار مركزي القوة في كل من وادي الرافدين ووادي النيل في أواخر القرن الثالث عشر ق.م قد توافق مع غياب أية قوة خارجية تستطيع السيطرة على أحد مركزي القوة السابقين على النحو الذي فعله الهكسوس وحاوله الحيثيون.  وقد شهد القرنان الثالث عشر والثاني عشر انتعاش الظاهرة الاستقلالية في المنطقة الوسطية، حيث عمدت المدن – الدول الى تعزيز استقلالها.  كما ظهرت بعض الموجات البشرية الاستيطانية الصغيرة، التي لم يكن بمقدور أي منها أن تشكل مركز قوة بديل أو أن تملأ الفراغ السياسي القائم.  بل إن رسائل تل العمارنة، وهي الرسائل المتبادلة بين أمينحوتب الثالث وابنه أخناتون من جهة والأمراء الكنعانيين وملوك وادي الرافداين من جهة أخرى، خلال القرن الرابع عشر، إنما تشير إلى مثل هذه الموجات منذ ذلك الحين.  فرسائل الأمراء الكنعانيين، وهي رسائل كتبت باللغة الكنعانية[20]، تشير إلى تذمرهم من موجات الخابيرو- Khabiro- ” الذين أخذوا ينهبون أراضي الفرعون وممتلكاته” ويطلبون منه أن يضع حدا للأوضاع السائدة “لكي نعيد الأراضي  إلى تخومها القديمة”[21].  إن مؤتمر المستشرقين الذي عقد في عام 1954 في باريس لتحليل ظاهرة الخابيرو قد أورد عدة تفسيرات لمعنى هذا المصطلح وهي : بدو الصحراء” أو المكاريون” أي سواق الحمير، أو “مرتزقة” أو “أجانب” أو الساكنون خارج المدن والذين لا يتبعون أعراف المدن وقوانين الدول[22]،  وهناك من رأى أن هؤلاء الخابيرو هم “العبريون”[23].
ومنذ القرن الثاني عشر، عززت المدن – الدول الكنعانية إستقلالها،  كما ظهرت العديد من المدن – الدول الآرامية في الوسط،  وظهر “الفلسطينيون”         -Philistines- في الجزء الجنوبي من الساحل ومدنه الخمسة : غزة،  أشدود،  عسقلان، جت، عقرون.  وقد أصبحت البلاد تعرف في بعض الأحيان بإسم “باليستو” وفقاً للمدونات الفرعونية أو إسم “بوروساتي” وفقاً للمدونات الأشورية[24]. وفي الوقت الذي تختلف فيه المصادر بشأن هوية هؤلاء “الفلسطينيين”، هل هم من أصول يونانية من الشمال، أم من أصول عربية قادمين من الصحراء، فمن المرجح أنهم قد اكتسبوا أهميتهم ليس  بفعل تميزهم الذاتي، حيث أنهم لم يخلّفوا أثراً لغوياً يدل على هويتهم،  بل ذابوا في الحضارة الكنعانية واكتسبوا لغتها، وإنما بفعل أن علاقة سياسية تحالفية قد ربطت تلك الجماعة بالفراعنة، فميزهم الفراعنة، كما عرفهم الأشوريون كحلفاء للفراعنة.  بل إن هناك من يرجح بأن الفراعنة هم الذين أسكنوهم في ذلك الجزء من كنعان،  أو أن السكنى قد تمت بموافقة الفراعنة على أقل تقدير، وأنهم قد عقدوا معهم تحالفات لكي يكونوا بمثابة طوق حاجز للدفاع عن مصر[25].
والجدير بالملاحظة،  أن مصر الفرعونية لم تعمد خلال سيطرتها الطويلة على “بلاد كنعان”أو “باليستو”، إلى دمج السكان ضمن إطارها السياسي الاجتماعي،  كما لم تقم فيها تنظيماً إداريا إقليميا – Territorial -.  فقد كان لهذه المنطقة حضارتها وانتماءاتها الأثنية الخاصة،  والتي تمثلت بالحضارة الكنعانية بشكل رئيس خلال الألف الثانية قبل الميلاد. كما بقيت المدينة – الدولة هي الوحدة الإجتماعية – السياسية، فكان لكل مدينة كنعانية بلاط مماثل لبلاط الملوك، إضافة الى مجلس شيوخ.  غير أنه كان هناك في كل مدينة حاكم فرعوني هو الذي يعين الأمير ويشرف على مجلس الشيوخ ويتسلم الجزية.  وكان هؤلاء الحكام مرتبطين بموظف أعلى، أطلق عليه “حاكم الأقطار الشمالية”[26].  ورغم أن الآثار الحضارية التي خلفها الكنعانيون تشير إلى وجودهم منذ الألف الرابعة،  فإن مصطلح كنعان Kinachni-– لم يرد في المدونات الفرعونية إلا في أواخر القرن الخامس عشر،  حيث أصبحت المنطقة تعرف بأنها “بلاد كنعان”[27].  ويرد في الرسائل المرسلة إلى الفراعنة من ملوك الكاشيين في وادي الرافدين إلى أن “أرض كنعان تابعة لك وملوكها خدمك”[28]
ان حملة الفرعون شيشونك في عام 915 قبل الميلاد على كنعان – باليستو وإحراقة لكافة المدن من الجنوب حتى مجيدو شمالا، والتي خلد انتصاره فيها باقامة نصب له في مجيدو، إنما تشير إلى تعاظم الظاهرة الاستقلالية بين المدن – الدول في تلك الفترة.  وقد خلدت تلك الحملة كذلك على جدران معبد الكرنك، حيث رسم الفرعون شيشونك وهو يقود 156 أسيراً كل أسير يرمز الى مدينة أو قرية. وقد توافقت تلك الظاهرة مع بدء تدهور السلطة الفرعونية منذ القرن الثاني عشر[29]
لقد شكلت حملة الفرعون شيشونك احدى المحاولات الفرعونية الأخيرة للاحتفاظ بسيطرة فعالة على منطقة النفوذ التقليدية. ففي أواسط القرن الثامن، وضع الأشوريون حدا للسيطرة المصرية، وبسطوا سيطرتهم على المنطقة بأسرها بعد إخضاعهم لكافة المدن – الدول المنتشرة فيها، واحدة بعد الأخرى[30]، إلى أن وصلوا غزة في عام 734 ق.م[31]. ثم اندفعوا نحو مصر الفرعونية[32].
دشن الاشوريون مع احتلالهم لدلتا النيل ومدينة ممفيس خلال القرن السابع قبل الميلاد،  أول محاولة لفرض نظام القوة السياسية الواحدة التي تحكم المنطقة بأسرها من وادي الرافداين إلى وادي النيل.  وقد ترافق ذلك التوجه مع ظهور التجارة البحرية التي كان اليونانيون قد نشطوا فيها في البحر المتوسط، حيث كان الدافع وراء ذلك التوجه الأشوري هو السيطرة على كامل طرق التجارة البرية والبحرية وعلى الموانئ، وقمع المحاولات الإستقلالية الوسطية التي من شأنها أن تربك تلك السيطرة.  وعلى الرغم من أن احتلال الأشوريين لمصر لم يدم طويلاً[33]، فقد اتجهوا إلى تعزيز قبضتهم على المنطقة الوسطية بأسرها، وبخاصة في منطقة النفوذ المصري التقليدية، بمستوييها الأول والثاني. فقد أقام الآشوريون نظاما إداريا – عسكريا هو الأول من نوعه في ذلك الحين، حيث عمدوا إلى تقسيم المنطقة الى أربع عشرة وحدة إدارية يرأس كل منها حاكم عسكري أشوري، منها مقاطعة غزة، ثم مقاطعة دور(أو جورو) وضمت مدينة يافا، ثم مقاطعة مجيدو التي امتدت حتى مدينة قادش،  ثم مقاطعة حورينا (حوران) ومقاطعة حمات (في وادي الأردن) ومقاطعة غلازا[34]. وبذلك تمت السيطرة على منطقة النفوذ المصري التقليدية الممتدة حتى قادش، كما تمت إحاطتها بمقاطعات  جديدة عبر نهر الأردن تحسبا لأي تجدد في نمو قوة مصر التي قد يؤدي قيامها إلى محاصرة الأشوريين من المناطق الواقعة شرقي نهر الأردن.  ومن المرجح أن ذلك كان بداية فكرة الترابط الأمني بين كنعان وشرقي نهر الأردن ومصر. 
منذ ذلك الحين،  بدأت حمى التنافس بين القوى على فرض نظام القوة السياسية الواحدة التي تحكم المنطقة بأسرها،  حيث ما لبث الفراعنة أن دحروا الأشوريين في القرن السابع، واندفعوا نحو وادي الرافداين لأول مرة في تاريخهم.  غير أن البابليين ما لبثوا أن دحروهم واندفعوا وراءهم.  ويبدو أن الفراعنة قد تمكنوا من الإحتفاظ بمنطقة نفوذهم الجنوبية،  حيث توقف البابليون عند مجيدو[35].  غير أن هذا التوقف لم يدمَ كذلك طويلاً.  فخلال نحو قرنين من الزمان،  أي على امتداد القرن الثامن والسابع ق.م من حكم الأشوريين ثم خلفائهم البابليين للمنطقة الوسطية الممتدة بين الرافدين والنيل،  ظل الأشوريون والبابليون يكرون ويفرون فيسيطرون أحياناً على المنطقة الوسطية بأسرها حتى تخوم مصر وأحياناً على المناطق الشمالية فقط. 
وعلى العكس من الفراعنة،  فقد اعتمد الأشوريون مبدأ تبديل السكان من أجل ضمان ولاء سكان المنطقة الوسطية لهم،  حيث يبدو أن الكثير من ملوك وأمراء المدن – الدول في كنعان قد قاوموا الاحتلال الأشوري ثم البابلي، الأمر الذي عرض كنعان لعمليات التدمير ونقل السكان.  فخلال حملة تجلاث بلاصر الأشوري في منتصف القرن الثامن، تم نقل السكان من شمال كنعان إلى أشور مع كل ما يملكون[36]. كذلك فعل سرجون إبن تجلاث بلاصر في حملته التالية،  حيث أجرى سرجون ابدالاً سكانياً،  فنقل البعض من بلاد كنعان،  وجلب بدلاً منهم سكاناً من أشور لضمان ولائهم له.  وتشير الكثير من الأسماء التي ذكرت في وثائق الأشوريين إلى أنها أسماء كنعانية،  منها إسم “حنوّن ملك غزة”، الذي يعتقد بأنه كان ملك ما يعرف اليوم بمدينة بيت حانون[37]. وقد شكلت غزة المقاطعة الأشورية الرابعة عشرة في ذلك الحين، كما شكلت كل من عسقلان وأشدود مقاطعتين أشوريتين[38]
وتذكر مدونات عهد سنحاريب أنه هدم 46 مدينة كنعانية في القرن السابع، وقد تضمنت قائمة سنحاريب من الغنائم الكثير من الذهب والفضة والعاج والأحجار الكريمة والأثاث الفاخر، الأمر الذي يدل على ثراء المدن الكنعانية وازدهارها في ذلك الحين[39]. كذلك يذكر بأن الاشوريين قد عمدوا إلى تجنيد الكنعانيين المهزومين في جيوشهم[40]
ويبدو أن حملات الملك البابلي سنحاريب كانت آخر الحملات حيث تلاقت جيوشه مع جيوش الفراعنة في حدود عام 600 ق.ب في كركميش ودارت بينهما معركة حامية هزم فيها الفراعنة وارتدوا لحماية دولتهم،  بينما وصل سنحاريب إلى القدس وحاصرها ونقل سكانها وأسكن جماعات أدومية مكانهم[41]

الفصل الثاني

عهد القوة الفارسية

مع انهيار قوة البابليين والمصريين معاً خلال القرن الخامس ق.م، اندفع الفرس لملئ الفراغ السياسي وفرضوا نظام القوة الواحدة التي تحكم المنطقة بأسرها من وادي الرافدين إلى وادي النيل.
 ففي عام 538 ق.م احتل كورش الفارسي بابل لأول مرة،  حيث ظلت أعمال المقاومة البابلية متواصلة إلى أن تم إخضاعها تماماً في عام 484 ق.م[42].  كذلك  احتل الفرس مصر في عام 522 لأول مرة، واستمر هذا الاحتلال حتى عام 333 ق.م تخللته أعمال مقاومة وثورات مستمرة تمخضت عن تمكن الفراعنة من الاستقلال خلال فترات امتدت من 464 حتى 455 ثم من 395 حتى 343 ق.م حيث أعيد احتلالها ثانية واستمر ذلك الى حين قدوم الإسكندر المقدوني عام 332 ق[43].
أطلق الفرس على المنطقة الوسطية بين بابل ومصر اسم بابيروش وعبر ناري، أي عبر النهر، وقسموها تقسيماً إدارياً الى عشرين مقاطعة[44]، واتبعوا في إدارتهم للمناطق المحتلة سياسة المزج بين نظام الحكم الذاتي للمدينة ونظام المركزية السياسية في آن واحد، فمنحوا المدن الساحلية حكماً ذاتياً لإرضاء التجار البحريين ووضعوا على رأس كل مقاطعة حاكماً محلياً أو فارسياً،  بينما كان هؤلاء الحكام خاضعين لمستوى أعلى من الموظفين والحكام الفرس المسؤولين مباشرة أمام الملك الفارسي[45].  فمثلاً تم منح كل من أرواد وصور وصيدا حكماً ذاتياً واسعاً أطلق عليه إسم “إمبراطورية محلية صغيرة”[46]. ومن المرجح أن الهدف من ذلك كان تقوية هذه المناطق في مواجهة اليونانيين. وقد أعيد التنظيم الإداري خلال فترة الإحتلال الفارسي عدة مرات ، حيث تم في فترة إقامة مقاطعة واحدة من كل من كنعان ودمشق وقبرص وصار حكام كنعان من الفرس[47]. ويذكر أن شعبين فقط قاوما الغزو الفارسي هم البابليون والمصريون[48]، بينما عمدت شعوب الوسط، إلى التعاون مع الحكم الفارسي الذي أطلق يدهم في التجارة البحرية[49]
وعلى الرغم من شحّة المصادر التاريخية الموتوقة عن فترة الإحتلال الفارسي، يبدو أن الفرس تعاملوا مع بلاد كنعان بشكل مختلف عن تعاملهم مع الساحل الفينيقي، وذلك بسبب محاذاتها لمصر. ويكاد العهد القديم يكون المصدر الوحيد الذي يذكر قيام الفرس بإصدار مراسيم تنص على نقل يهود بابل إلى القدس والسماح لهم ببناء هيكل لهم، حيث يقول توينبي إستناداً لذلك أن الفرس قد أصدروا مرسومين نص الأول على نقل يهود بابل إلى أورشليم بينما نص الثاني على تحصين أورشليم[50] . أما سامي سعيد الأحمد، فيؤكد أنه لم توجد في مدونات الفرس أية مراسيم أو إشارات لمثل هذا الإجراء، ويرجح أن انتقال بعض يهود بابل إلى أورشليم قد تم بشكل تلقائي حيث كانت البلاد قد أصبحت مفتوحة لتنقل السكان[51] .
من جهة ثانية، ففي إطار سياسات نقل واستبدال السكان التي اتبعتها بعض القوى، وبخاصة الأشوريين والبابليين، فمن غير المستبعد أن يكون الفرس قد عمدوا إلى نقل يهود موالين لهم من بابل إلى أورشليم وعمدوا إلى تحصين المدينة ذات الموقع الستراتيجي المشرف على الطريق القادمة من مصر والذاهبة اليها. 
ويشار إلى أن الأنباط العرب كانوا هم القوة السكانية الغالبة في القسم الجنوبي بشكل خاص من بلاد كنعان : في غزة والنقب والمناطق الشرقية منها[52] ، كما سكن الأدوميون في مناطق كثيرة من النقب وجنوب كنعان حتى مدينة الخليل، إلى جانب الفلسطينيين[53]. وكان الكنعانيون يشكلون غالبية الفلاحين في البلاد. 
أما اللغة، فيشار إلى أن اللغة الأرامية آخذت في تلك الفترة تحل تدريجيا محل اللغة الكنعانية في مجال المراسلات الرسمية،  بينما بقيت الكنعانية لغة الطقوس الدينية والحياة اليومية[54]. وكانت الأوراق الرسمية للحكم الفارسي تكتب باللغة الأرامية [55]. بل إن الأرامية، قد اعتمدت كلغة رسمية للإمبراطورية الفارسية في ذلك الحين[56] .
ولم يعد لفارس أية قدرة على اجتياح المنطقة بعد عهد الإسكندر المقدوني الذي اجتاح بلادهم ثم عهد الرومان، وذلك إلى حين تحركها ثانيةبعد ظهور بوادر حراك سياسي في الجزيرة العربية في القرن السادس الميلادي، حيث عمدت إلى محاولة استباق العرب في السيطرة على المنطقة الوسطية، فاحتلتها في عام 614 ميلادية، ثم توقفت عند القدس. غير أن هذا الإحتلال لم يدم أكثر من أربعة عشر عاما قامت بعدها بإعادة المنطقة إلى البيزنطيين ضمن إتفاق، وتم ذلك على قاعدة التحالف لمواجهة القوة العربية الإسلامية الصاعدة[57] .

 


الفصل الثالث

     عهد القوة المقدونية

وضع الإسكندر المقدوني، بدءاً من عام 334 ق.م وإلى ما قبل وفاته في بابل في عام 323 ق.م نهاية للإمبراطورية الفارسية واحتل كل ممتلكاتها بما في ذلك بلاد فارس نفسها.  كان الإسكندر، الذي تتلمذ على يد الفيلسوف أرسطوطاليس، يحلم بإقامة الإمبراطورية “العالمية”، على الرغم من أنه “لم يكن لا هو ولا أي من معاصريه يدري مدى الجزء المأهول من بر الكرة الأرضية”. غير أنه قبل وفاته،  كان يخطط للتوجه نحو الجزيرة العربية ثم العودة لإخضاع قرطاجنة والتوجه بعد ذلك لإخضاع أيطاليا[58].  إنطلق الأسكندر عام 334 ق.م نحو آسيا الصغرى وانحدر نحو الساحل الشرقي للبحر المتوسط،  فاُحتل مدنه واحدة بعد الأخرى،  وصولاً الى مصر الفرعونية “إيجبتوس”.  وكان قد عرّج قبيل توجهه نحو مصر الى هيروشيليموس “القدس”.  ويذكر بأن حملات الأسكندر هذه لم تلق أية مقاومة إلا في مدينتين هما مدينتا صور وغزة،  حيث يذكر بأن مدينة غزة ظلت تقاوم لنحو شهرين إلى أن فتحها وذبح الكثير من سكانها الذين كانت غالبيتهم من العرب[59]،  في حين تم استقباله في مصر بالترحاب ابتهاجاً بالتخلص من نير الحكم الفارسي.  ويبدو أن مقاومة سكان صور وغزة للإحتلال المقدوني كان نابعاً من تخوف فقدان الإزدهار التجاري الذي شهدته المدينتان في عهد الإحتلال الفارسي، إضافة إلى فقدان الاستقلال النسبي الذي منحته الإمبراطورية الفارسية للمدن الساحلية. 
لم يخلّف الإسكندر خلال فترة حكمه القصيرة التي لم تتجاوز عشرة أعوام أي نظام إداري في المناطق التي احتلها، ولذلك فإن المنطقة الوسطية الممتدة بين النيل ووادي الرافدين، ما لبثت أن انقسمت من بعده بين سلالتين من سلالات قواده، هما سلالة السلوقيين وسلالة البطالسة، الذين لم يحكموا المنطقة باسم مقدونيا أو اليونان،  وإنما باسميهما كسلالتين تحكمهما العدواة التي أغرقت المنطقة بحروبهما المتواصلة. 
كان محور الحروب التي استعرت بين السلوقيين والبطالسة هو السيطرة على منطقة النفوذ المصرية التقليدية المتمثلة في بلاد كنعان – باليستو. فبعد أن انسحب السلوقيون من وادي الرافدين وحولوه إلى منطقة حاجزة بينهم وبين الفرس، وأقاموا حكمهم في داخل المنطقة الوسطية، سعوا إلى السيطرة على المنطقة الوسطية بأسرها، فألغوا إسم بابيروش وعبر ناري، الذي أطلقه الفرس على المنطقة، وأطلقوا عليها إسم جوف سورية Coele Syrie.  وكانوا قد أطلقوا إسم سورية على وادي الرافدين باعتباره بلاد الأشوريين[60]. وفي عام 312 ق.م، حسمت المعارك لصالح البطالسة حيث طردوا السلوقيين إلى ما وراء نهر إليثيروس[61]. وقد وفرت هذه السيطرة للبطالسة فرصة التحكم بالتجارة الجنوبية وتجارة المناطق الواقعة إلى الشرق من نهر الأردن والمزدهرة في ذلك الحين، كما ضمنت لهم السيطرة على القسم الأعظم من تجارة البحر المتوسط، وذلك بالاضافة إلى العامل الستراتيجي، حيث ضمنوا بذلك درء الخطر السلوقي لأكثر من مئة عام.  غير أن السلوقيين الذين حصروا في القسم الشرقي من جوف سورية، ما لبثوا أن جددوا محاولاتهم لانتزاع “فلسطين” على النحو الذي وردت في وثائقهم، باليستينا سيريا[62]، ونجحوا في ذلك في عام 189 ق.م.  ويبدو أن إهمال البطالسة “لباليستو” وتركيزهم على ميناء  الإسكندرية كمركز رئيس لشحن البضائع من وإلى الأسواق الأجنبية قد أسهم في تدهور الأوضاع الاقتصادية فيها وسهل عملية السيطرة ثانية عليها من قبل السلوقيين[63].
غير أن حكم السلوقيين والبطالة قد تميز بالضعف بشكل عام.  وقد أتاح ذلك للمدن الساحلية بأسرها، وذلك على النحو الذي حدث خلال القرن الثاني عشر قبل الميلاد، أن تمارس نوعا من الإستقلال، وصار لها دساتير تحكم بها ومجالس تدير شؤونها، ولا يعرف فيما إذا كان “مجلس الخمس مئة في غزة مجلسا قديما أم أنه أقيم في تلك الفترة “[64]. وقد تعززت الظاهرة لإاستقلالية مع استمرار تدهور سلطة السلوقيين و البطالسة، فتمكنت العديد من المدن – الدول أن تحصل على استقلالها، وظهرت أربع سلالات حاكمة في مناطق تتجاوز المدينة – الدولة، هي سلالة الإيطوريين في الجليل، وقد وصفتهم المصادر اليونانية بأنهم “عرب” أو “سوريون”[65]، وسلالة العرب الأنباط الذين أقاموا مملكة سماها اليونانيون “أرابيا” – Arabia- وذلك في الطرف الجنوبي الشرقي من نهر الأردن، حيث ما لبثت سيادتها أن امتدت خلال القرن الأول قبل الميلاد “من دمشق الى ديدان”[66]، وسلالة اليهود في أورشليم التي “استولت على يافا وهودت سكانها بالقوة”[67]، ثم استولت على منطقة الأدوميين “وهودت سكانها بالقوة”[68]، ثم أضاف إليها الحاكم السلوقي ديميتريوس في عام 150 ق.م ثلاث مقاطعات من أراضي الإيطوريين[69].  أما السلالة الرابعة،  فهي سلالة “الكوماجين”، التي يعتقد بأنها سلالة أرمنية أقامت مملكتها في شمالي سورية”[70].  وقد تراجعت سلطة السلوقيين في تلك الفترة بحيث لم تعد تشمل غير منطقة صغيرة تضم دمشق وانطاكية، كما تراجع معها مصطلح “جوف سورية” Coele Syrie الذي أصبح يطلق على تلك المنطقة فقط[71].
والجدير بالذكر أن إسم “باليستنا” قد ظهر في المدونات اليونانية قبل عهد السيطرة المقدونية اليونانية حيث بدأ الإهتمام بهذه المنطقة منذ وقت مبكر من التاريخ اليوناني وذلك لاعتقادهم بأن الفلسطينيين” الذين أقاموا في المدن الجنوبية من بلاد كنعان كانوا يونانيي الأصل.  ففي القرن الخامس ق.م أطلق هيرودوتس إسم بالستينا على المدن الكنعانية الجنوبية الخمسة، غزة وأشدود وجت وعقرون وعسقلان، كما ورد الإسم أحياناً للدلالة على منطقة تتجاوز تلك المدن الخمس[72]. وفي القرن الرابع ق.م، أعتبر أرسطوطاليس أن البحر الميت “ضمن باليسستينا”[73]،  وقال فيلو “إن بالستينا هي كنعان”، أما بليني الكبير، فقال إن بالستينا “إسم للمنطقة المحاذية للمملكة العربية أرابيا”[74].

 

الفصل الرابع

عهد القوة الرومانية

حسم نظام القوة الواحدة من جديد، مصير الممالك الأربع والمدن والدول الوسطية، وذلك مع احتلال الرومان للمنطقة بأسرها في القرن الأول قبل الميلاد.  كان الرومان أول من وضع نظرية للدولة الإمبراطورية العالمية التي حلم بها الأسكندر ومات قبل أن يبلورها، كما كانوا أول من استخدم مصطلح إمبراطورية –Imperium-.  فالإمبراطورية،  وفقا للرومان،  هي قوة سياسية تحكم “العالم ذا الأهمية”،  وهو عالم وصفة سترابو في القرن الأول الميلادي بأنه يمتد من أعمدة هرقل (جبل طارق) إلى خليج المحيط الشرقي (خليج البنغال) ومن إيرنا (إرلندة) إلى سينامون (سيريلانكا)[75].   أما ما يقع خارج هذا الإطار،  “فهو غير مسكون. . ولا يهم الجغرافي. . والعالم به لا يعطي أية معلومات يمكن الإفادة منها سياسيا،  وبخاصة إذا كان جزءا لا يستطيع إفادتنا تجاريا أو إعاقتنا”[76]. وقد رسم بليني –Plini- صورة لهذا العالم،  متتبعا طرق الحركة البرية والبحرية حيث تبدو روما وقد مدت نفوذها باتجاهات مختلفة حول البحر المتوسط Mare Nostrum – أي “بحرنا”،  ثم تتوقف عند حواجز نهرية هي الراين والدانيوب في الشمال والنيل والرافدين جنوباً[77]
ضمن هذا التصور الذي حققه الرومان تحت شعار “السلام الروماني”           -–Pax Romana تم احتلال المنطقة بأسرها،  غير أنهم لم يضموا مصر إلى “إمبراطورية الشعب الروماني” وإنما جعلوها مقاطعة خاصة[78]. ثم جعلوا وادي الرافدين منطقة حاجزة بين الفرس وبينهم، وجعلوا المنطقة الوسطية قاعدة عسكرية رئيسة لهم،  ثم عمدوا تدريجيا إلى استيعاب الممالك الأربع، التي ظهرت في ظل ضعف الحكم السلوقي السابق،  ضمن تقسيماتهم الإدارية، فأعادوا بناء المدن التي أخضعتها أو دمرتها السلالات، واعتبروا المنطقة الوسطية بأسرها منطقة واحدة أطلقوا عليها إسم سورية،  وعمدوا إلى تقسيمها الى أربعة فيالق عسكرية – Legions- حيث تم دمج الممالك الأربعة بها نهائيا في عام 72 ق.م [79]
وفي عهد الإمبراطور هادريان (117 – 138م) ظهر مصطلح باليستينا،  للدلالة على مدينة غزة والمنطقة المحيطة بها، حيث كانت ترابط وحدة عسكرية رومانية، وأصبحت هذه المنطقة تعرف بإسم باليستينا سالوتاري، أي فلسطين الفيحاء[80].
في المرحلة التالية من عمر الإمبراطورية الرومانية، فإن ظهور موجات “البرابرة” الأوروبيين، الذي أخذوا يتدفقون في تلك الفترة من شمالي أوروبا نحو الجنوب، قد أدى إلى تخوف الإمبراطورية من اتجاه تلك الموجات إلى مصر.  ففي ذلك الحين، كانت طلائع القوط الشرقيين والقوط الغربيين قد ظهرت في آسيا الصغرى وإيطاليا والجزر اليونانية – وهي الطلائع التي ما لبثت أن اكتسحت روما وقضت في القرن الرابع الميلادي علي الإمبراطورية الرومانية الغربية.  ويبدو أن هذا هو السبب الرئيسي الذي دفع الإمبراطورية الرومانية الشرقية التي اتخذت من القسطنطينية عاصمة لها، إلى تقوية “باليستينا”، وذلك بانشاء فلسطين الأولى وفلسطين الثانية وفلسطين الثالثة،  ونقل مركز إدارتهم العسكرية من أنطاكية إليها حيث أصبح ينظر إلى فلسطين بأقسامها الثلاث كوحدة واحدة من حيث أهميتها الستراتيجية حيث أصبحت  تشكل مركزاً لأمن وسلامة الإمبراطورية نظراً لصعوبة الدفاع عن مصر. 
وقد ضمت فلسطين الأولى كلاً من القدس ونابلس ويافا وغزة وعسقلان وأصبحت قيسارية عاصمة لها[81]، وامتدت حتى رفح [82]. أما فلسطين الثانية فضمت سهل مرج بن عامر والجليل والقسم الشمالي من شرق الأردن ومنطقة الجولان وأصبحت بيسان عاصمة لها.  في الأن ذاته تم تغيير اسم فلسطين الفيحاء إلى اسم فلسطين الثالثة وضمت القسم الجنوبي من شرقي الأردن واصبحت البتراء عاصمة لها[83].
أدخل الرومان، ولأول مرة في التاريخ،  نظام المواطنية -Citizenship-إلى أراضي الإمبراطورية بهدف كسب ولاء السكان في الاقاليم المترامية، وبخاصة النبلاء، حيث تم منحهم حق التمثيل في مجلس الشيوخ،  كما شهدت مصر وفلسطين تطويراً لنظرية المواطنية،  تم فيها تحويل العبيد إلى مواطنين، وأًصبحوا موظفين في الدولة[84]. وبذلك أًصبح كافة سكان المنطقة “مواطنين” رومانين  – Roman Citizens –.  غير أن تلك “المواطنية” كانت في حقيقتها شكلية فقط،   وذلك لأن تلك القوانين،  وفقا لارنولد توينبي،  قد قامت على المواطنية الثنائية” التي تقسم ولاء المواطن بين المدينة أو القرية المحلية التي ولد فيها،  وبين الكيان السياسي الأوسع الذي أوجدته روما،  ولم تؤخذ تلك المواطنة في أقاليم الإمبراطورية على نحو جدي إلا من قبل بعض الفئات المنتفعة،  مثل هيرود الأدومي[85].  إضافة لذلك،  فإن مفهوم هذه “المواطنة” كان  مفهوماً قائماً على اعتبار “روما” هي الوطن وذلك بمعني الإنتماء  للحضارة الرومانية كمفهوم مجرد وليس بمعني الانتماء للإقليم الإمبراطوري.  على الرغم من هشاشة هذه السابقة التاريخية،  فهي قد دشنت مرحلة جديدة تمثلت في تكوين وحدانية الولاء السكاني،  وشكلت  مقدمة للدولة العقائدية الدينية،  حيث ما لبث الدين أن أصبح العامل الموحد للسكان على قاعدة الولاء للإلة الواحد والسلطة الواحدة. 
فمع انتقال مركز الإمبراطورية الرومانية إلى القسطنطينية خلال القرن الرابع الميلادي، أصبحت المسيحية دينا رسميا للإمبراطورية وعامل توحيد لها ولكنيستها في مواجهة “برابرة” أوروبا من جهة،  وإمبراطورية فارس من جهة اخرى[86]. ضمن إطار هذه التطورات، اكتسبت “فلسطين” أهمية خاصة، حيث تحولت إلى رمز لوحدة الإمبراطورية البيزنطية العقائدية، وبدأت في عهد الإمبراطور قسطنطين ظاهرة تقديس الأماكن المقدسة[87]، حيث تم بناء كنيسة المهد وكنيسة القيامة في بيت لحم والقدس، إضافة إلى كنائس أخرى ما لبثت أن أحالت “فلسطين” إلى مركز ديني للمسيحية التي كانت قد عمت المنطقة في أوائل القرن الخامس الميلادي[88]


الفصل الخامس

عهد القوة العربية الإسلامية

بعد أن تم توحيد الجزيرة العربية بأسرها من الجنوب الغربي إلى البحرين في الشمال الشرقي تحت راية الإسلام، إتجه العرب شمالاً نحو المنطقة الوسطية، فكانت أولى معاركهم ضد الروم البيزنطيين في فلسطين، ثم فتحوا دمشق فمصر فالعراق، وذلك ضمن إطار تفهم الضعف المتمثل في مقومات دولة محصورة في نطاق الجزيرة العربية، وتحيط بها إمبراطوريتا بيزنطية وفارس، اللتان كانتا تسيطران على كامل شبكة الخطوط التجارية.  وقد تم فتح مصر بناء على توصية عمرو بن العاص بأن استيلاء المسلمين علي مصر “معناه تثبيت فتوحهم في بلاد الشام وفلسطين،  وتأمينها من ناحية الجنوب،  وأن بقاءها في يد الروم يعرض سيادة العرب في بلاد الشام”[89]. وقد اندرجت هذه التوصية في إطار التفهم الستراتيجي للحفاظ على الإمبراطورية الفتية وضمان ديمومتها،  حيث لم يكن أمام القيادة العربية الإسلامية إلا أن تحيل فلسطين إلى قلعة عسكرية،  أو أن تفتح مصر. 
وقد جاء فتح مصر تجسيدا لمبدأ أن من يحكم في مصر لابد وأن يحكم فلسطين، والعكس بالعكس. وقد أدى فتح العراق إلى انهاء وظيفته كمنطقة حاجزه بين بيزنطة وفارس، وهي وظيفة لازمت العراق في فترات انحلال القوة السياسية فيه عدة فترات، حيث ما لبث أن اندمج في إطار السيادة العربية الاسلامية، وحما بقوته سلامة المنطقة الوسطية. 
اتجهت دولة العرب الإسلامية في مراحلها الأولى، إلى تقوية منطقة الوسط والموانئ الساحلية الشمالية المحاذية للبيزنطيين، فألغت إسم سورية وأطلقت على المنطقة الوسطية إسم بلاد الشام.  ويعزو البعض هذه التسمية إلى كثرة القرى التي شبهت بالشامات، واتخذت من دمشق عاصمة لها نظراً لموقعها الوسطي ومواجهتها المباشرة لبيزنطة، وعمدت إلى إنشاء أسطول بحري يهدف إلى السيطرة على تجارة البحر المتوسط. كما عمدت اإى تقسيم المنطقة الوسطية إلى أربعة أجناد هي جند فلسطين وجند الأردن وجند حمص وجند دمشق، ثم أضيف اليها جند قنسرين، وهي تقسيمات شبيهة بالتقسيمات الرومانية مع فوارق طفيفة. ويلاحظ أن إسم “فلسطين” بقي قائماً ومعتمدا، الأمر الذي يرجح أن هذه التسمية لم تكن مستمدة من القوى السابقة، بل تسمية عربية. فقد جاء في تعريف ياقوت لفلسطين بقوله: “وقيل إنها سميت بفلسطين بن كلثوم بن ولد فلان بن نوح”[90]. كما عّرفها ياقوت البغدادي في معجم البلدان بقوله :” فلسطين آخر كور الشام من ناحية مصر، قصبتها بيت المقدس، ومن أشهر مدنها عسقلان والرملة وغزة وأرسوف وقيسارية ونابلس وأريحا وعّمان ويافا وبيت جبرين، وقيل في تحديدها أنها أول أجناد الشام من ناحية الغرب وطولها للراكب مسافة ثلاثة أيام وأولها رفح من ناحية مصر وآخرها اللجون من ناحية الغور، وعرضها من يافا الى أريحا ثلاثة أيام أيضاً، وزغر وديار قوم لوط وجبال الشراه إلى أيلة، كله مضموم إلى جند فلسطين وغير ذلك، وأكثرها جبال والسهل فيها قليل[91]
لقد أدى فتح مصر إلى تضاؤل أهمية فلسطين لاستراتيجية، غير أن أهميتها الدينية ما لبثت أن تعاظمت في صدر الإسلام “حيث ظل الرسول يصلي قبل بيت المقدس إلى شهر شعبان من السنة الهجرية الثانية”[92]. وبذلك تحولت فلسطين إلى رمز للدولة الاسلامية ولوحدتها، غير أن الرسول ما لبث أن تحول نحو الكعبة “بيت ابراهيم”، وكانت القدس، إيلياء آنذاك مركزا للمسيحية.  ففي عام 638 م –17هـ، عقد الخليفة عمر بن الخطاب معاهدة مع بطريرك القدس أعطى المسيحيين فيها الأمان “لأنفسهم وكنائسهم وصلبانهم. .أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من خيرها، ولا من صليبهم ولا شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار منهم أحد ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود..”[93]. وبذلك تم اعتبار فلسطين دار إسلام يدفع الذميون فيها الجزية ويكونون رعايا الخليفة[94]
وقد تجسدت أهمية فلسطين السياسية لدى القيادة العربية الإسلامية في الاتجاه نحو إعمارها وبناء المساجد فيها، حيث عمد عبد الملك بن مروان إلى بناء قبة الصخرة في عام 690 م، وذلك قبل بناء مسجد المدينة ومسجد دمشق، اللذين بنيا مع المسجد الأقصى بين عامي 705 و712 م[95]. ويورد المقدسي رواية تقول بأن ما دفع عبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك إلى بناء قبة الصخرة ثم المسجد الأموي في دمشق هو “خوفهما على المسلمين من أن تردهم عن دينهم روعة كنيسة القيامة والمباني المسيحية الأخرى في الشام”، حيث عمدا الى بنائهما على نحو ضخم كما تم تزيينهما بالفسيفساء[96].  من جهة ثانية، لا يمكن إغفال أن أهمية فلسطين قد تركزت خلال تلك المرحلة في الجانب الديني – السياسي بدرجة رئيسة. فمن الناحية الستراتيجية، كانت أهمية فلسطين قد قلّت بعد فتح مصر.
تمسكت الإمبراطورية العربية الإسلامية بمبـدأ القوة الواحدة التي تحكم المنطقة بأسرها من العراق حتى مصر. وقد ظل هذا المبدأ قائما بعد ضعف الإمبراطورية وانسلاخ الأقاليم البعيدة عنها وتمزقها بين السلالات المختلفة وانقسامها بين محوري بغداد والقاهرة. وقد شكلت نظرية “الضرورة” التي صاغها المارودي (991-1031) محاولة لرأب تلك الصدوع من خلال القول بخليفة “الضرورة” الواحد للدفاع عن تخوم الإسلام” و”حراسة الدين وسياسة الدنيا”[97]. وكان الهدف من ذلك هو الجمع بين بغداد  والقاهرة تحت راية خليفة واحد يضمن  السيادة على المنطقة بأسرها. وقد ظل مبدأ وحدة المنطقة في إطار سيادة واحدة هدفا لكل خليفة ومن وراءه من القوى في كل من بغداد والقاهرة، حيث كان أي خليفة يعتبر نفسه الخليفة الشرعي الذي يحق له السيادة على “دار الإسلام” التي عنت فعليا تلك المنطقة الممتدة من مصر الى العراق. ففي أواخر القرن التاسع، احتل الطولونيون (768 – 905) القسم الأكبر من المنطقة الوسطية، ثم تبعهم الأخشيديون   (935 – 965) الذين فرضوا سيطرتهم على المنطقة الوسطية بأسرها إلى أن ردهم ولاة بغداد، حيث ما لبث الطرفان أن اتفقا على تقاسم المنطقة، فسيطر الأخشيديون على فلسطين حتى طبريا[98].  تم تلاهم الفاطميون (965 – 974)، فسعى العباسيون بقيادة هتفكين التركي إلى طردهم من المنطقة الوسطية، فطاردهم حتى فلسطين. ثم عاد الفاطميون وطردوهم منها[99].
لقد توافقت الحملات الأوروبية “الصليبية”[100] في القرن الحادي عشر الميلادي،  مع انقسام المنطقة بين محوري بغداد والقاهرة وضعف السلطتين فيهما، مما أتاح الفرصة للقوى الأوروبية الناشئة أن تتطلع إلى السيطرة على طرق التجارة الخارجية. وكان من الطبيعي لمثل هذه الحملات المنحدرة من آسيا الصغرى أن تتخذ من فلسطين محوراً لهذه التطلعات، حيث شنت الحملات تحت شعار تخليص “الأراضي المقدسة من يد الكفار”، واتخذت الصليب شعارا لها.  فقد كان الإستيلاء على فلسطين يعني السعي للسيطرة على مصر من جهة وعلى العراق من جهة ثانية بهدف تحقيق السيطرة على المنطقة بأسرها. ففي عام 1099 احتل “الصليبيون” القدس، وأقاموا عددا من الدويلات في مختلف أنحاء المنطقة الوسطية المنقسمة قبل مجيئهم إلى منطقة نفوذ سجلوقي قاعدته بغداد، ومنطقة نفوذ فاطمي قاعدته القاهرة. وقد أقام “الصليبيون” “مملكة أورشليم” المشرفة على الطريق الستراتيجي، حيث ما لبثت أن توسعت لتشمل منطقة تمتد من شمالي بيروت إلى صحراء سيناء، وعلى ضفتي نهر الأردن[101]. وإذ استطاعت مصر أ تحتفظ بادئ الأمر بقطاع عسقلان،  وتشن منه الغارات على مملكة أورشليم، فإن الصليبيين ما لبثوا أن تمكنوا من احتلاله وأخذوا يشنون منه الغارات على مصر[102]. وقد تطلب القضاء على الصليبيين مرور قرنين قبل أن تبدأ مصر عملية مطاردتهم عبر سلسلة من الحملات والمعارك التي بدأها الفاطميون ثم أكملها المماليك[103]. ويبدو واضحا أن ضعف القوة في مصر وفي بغداد قد أتاح للصليبيين فرصة التمدد في المنطقة  الوسطية. غير أن الصليبيين قد فشلوا في الآن ذاته في السيطرة على المنطقة بأسرها، وذلك بسبب عدم تمكنهم من اقتحام مصر والعراق والتمركز فيهما، وهو عجز ناجم عن ضعفهم الذاتي، المتمثل في عدم وجود قيادة واحدة لهم، إضافة إلى مكمن الضعف الرئيس، المتمثل في انحدارهم من آسيا وتمركزهم في الوسط فقط.  فعلى الرغم من بقاء الصليبيين في المنطقة لنحو قرنين، فهم لم يحكموا المنطقة بأسرها، وبقيت سيطرتهم سيطرة هامشية على صعيد تاريخ القوى،  وهو أمر يبين أن أية قوة تتخذ من المنطقة الوسطية  محوراً لها تظل هامشية طالما أنها فشلت في السيطرة على الأطراف،  فهدف أية قوة حقيقية متمركزة في الوسط هو السيطرة على الأطراف كذلك. 
بعد انتصارها على الصليبيين،  سيطرت مصر المملوكية على المنطقة الوسطية، حيث تمكنت من البقاء في الحكم ثلاثة قرون بفضل تمركزها في مصر وسيطرتها على المنطقة، إضافة إلى  غياب مركز قوة منافس لها في العراق.  قسم المماليك المنطقة الوسطية الى ست مناطق إدارية تبدأ من الجنوب على ضفتي نهر الأردن، وهي مناطق تمت إدارتها من المراكز التالية: غزة، اللد، قاقون، القدس،  الخليل، نابلس، وربطوها جميعا بدمشق كمركز رئيس[104].   وقد ظهرت اللد وقاقون وغزة في بعض الأحيان كمناطق مستقلة عن مركز الإدارة الرئيس[105].  وقد تصاعد اهتمام المماليك في أواخر حكمهم بجنوب فلسطين.  ويبدو أن هذا الاهتمام قد جاء مع بداية ظهور قوة جديدة في آسيا الصغرى، فقسموا المنطقة إلى نيابتين هما نيابة غزة ونيابة صفد، فربطوا غزة بمركزهم الرئيس في القاهرة، بينما تمكنت نيابة صفد من انتزاع قدر من الاستقلال بفعل موقعها الحصين في الجبال، وقد امتدت نيابة صفد من الأطراف الجنوبية لمرج ابن عامر إلى الحوض الجنوبي لنهر الزهراني الذي يصب جنوبي صيدا ومرجعيون ونهر الحاصباني وانحداراً في مجرى نهر الاردن حتى جسر الصنبرة، ومن الغرب حتى البحر المتوسط[106].  ويبدو واضحاً أن تركيز المماليك على نيابة غزة  قد ترافق مع بدء انهيار قوتهم.


الفصل السادس

عهد القوة العثمانية

مع انهيار قوة المماليك، خضعت المنطقة بأسرها لقوة جديدة منحدرة من أصول تركية في آسيا الصغرى، هي الإمبراطورية العثمانية (1517-1919)،  وهي دولة كانت قد تشكلت على مفترق طرق التجارة الدولية البرية الجديدة،  والواصلة بين أوروبا وآسيا، تم توسعت فاحتلت المنطقة العربية واتجهت شمالاً فاحتلت مناطق اخرى.  غير أن ظهور هذه الإمبراطورية قد ترافق مع انحسار التجارة الدولية البحرية عن سواحل المتوسط الشرقية وطرق المنطقة العربية البرية مع اكتشاف رأس الرجاء الصالح والأميريكتين. وقد زاد من سوء طالع هذه الإمبراطورية أنها لم تعمد إلى الإستفادة من الموانىء الجنوبية في الجزيرة العربية،  حيث ما لبثت المنطقة أن غرقت في ظلام دامس لعدة قرون لم تعر الإمبراطورية خلالها أي اهتمام خاص بفلسطين نظراً لسيطرتها على مصر من جهة، وعدم وجود من ينازعها السلطة بفعل تدهور الأوضاع الإقتصادية في المنطقة بشكل عام. غير أنها أعارت اهتماما أكثر بوسط المنطقة وذلك تخوفا من القوة الفارسية،  فشكلت في دمشق وحلب وطرابلس ثلاث إيالات رئيسية، وربطت سناجق صفد واللجون ونابلس والقدس وغزة بإيالة دمشق. وكانت التقسيمات المتتالية ذات طبيعة إدارية داخلية محضة، باستثناء استمرارها في تقوية دمشق،  وذلك باعتبارها مركزا متقدما في مواجهة فارس من جهة،  وكونها مركز الحجيج القادم من أطراف الإمبراطورية الى الحجاز. 
ساعد ضعف السلطة العثمانية في فلسطين على بروز الظاهرة الإستقلالية منذ القرن الثاني عشر، حيث استطاعت العديد من المناطق على امتداد المنطقة العربية أن تمارس إستقلالا ذاتيا، في مقدمتها إستقلالية الشيخ ظاهر العمر الذي اتخذ من عكا مركزاً لمنطقة  نفوذ خاصة به شملت صيدا وطبريا وصفد وإربد ونابلس وحيفا الرملة، وحاول ضم دمشق إليه، وحول ميناء عكا إلى ميناء تجاري مزدهر مما أدى بعد ذلك إلى تحول مركز الولاية من صيدا إلى عكا. وقد امتدت فترة نفوذه الواسعة من العام 1733 حتى 1775[107]
     تضافرت جملة من العوامل على بروز أهمية فلسطين مجددا في الساحة العثمانية منذ أواخر القرن الثامن عشر. فمنذ أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، برزت أربعة تحديات كبيرة للإمبراطورية العثمانية،  تجلى الأول منها في الحملة الفرنسية بقيادة نابوليون بونابرت الذي تمكن بدءاً من عام 1798 من احتلال مصر تم الإنطلاق نحو غزة ويافا وحيفا وصولاً إلى عكا حيث ما لبث أن هزم على أبوابها بفعل تدّخل الأسطول الانجليزي الذي دخل عام 1799 ميناء عكا وقضى على القوة الفرنسية بعد أن كان قد حاصر الأسطول الفرنسي وهزمه في مصر في معركة أبو قير. وبهذا انتهى حلم نابوليون في المضي قدماً نحو انتزاع المنطقة العربية من العثمانيين ثم الانطلاق إلى آسيا الصغرى للقضاء على مقر الإمبراطورية العثمانية[108]. أما التحدي الثاني، فتمثل في ظهور الحركة الوهابية في الجزيرة العربية، تلك الحركة التي انطلقت من نجد وتمكنت في عام 1808 من توحيد الجزيرة العربية باستثناء عُمان، وانطلقت في حملتها نحو الشمال إلى بغداد، فهزمت، ثم الى دمشق فهزمت مرة أخرى،  حيث ما لبثت السلطات العثمانية أن أرسلت حملة كبيرة بقيادة الضابط المقدوني الأصل محمد على – الذي سيلعب دوراً مميزاً في تاريخ المنطقة ومصر لاحقاً – حيث تمكن محمد على من هزيمة الوهابيين.  وقد يكون سبب هزيمة الوهابيين، هو عدم توجههم لاحتلال فلسطين قبل توجههم نحو بغداد ودمشق. 
أما التحدي الثالث، فهو انقلاب محمد علي على الإمبراطورية العثمانية،  التي خاض حروبه السابقة في إطار خدمة أهدافها،  والعمل على خدمة أهدافه الخاصة كمصري، والتي تمثلت في السيطرة على أراضي الإمبراطورية العثمانية، فأعلن العصيان على الإمبراطورية وثبت أركان حكمه في مصر ثم أطلق حملته بقيادة ابنه ابراهيم في عام 1831 نحو فلسطين فاُحتلها وانطلق نحو المنطقة الوسطية فاُحتل مدنها واحدة بعد الأخرى واتجه نحو آسيا الصغرى نفسها. غير أن التدخل الدولي الأوروبي، وفي مقدمته التدخل البريطاني ما لبث أن حسم الوضع في عام 1840 لصالح وحدة أراضي الإمبراطورية العثمانية[109].
وكان تدخل القوى الأوروبية والتنافس الدائر بين من كل بريطانيا وفرنسا وروسيا للسيطرة على أراضي الإمبراطورية العثمانية، أكبر هذه التحديات. ولأجل تحييد هذا التنافس وإضعاف تأثيره، تبنت بريطانيا، وهي الأقوى بين القوى المتنافسة، سياسة  الحفاظ على وحدة الأراضي العثمانية وعملت من خلال التدخل المباشر وغير المباشر على تنفيذ هذه السياسة بهدف إبعاد القوى الأخرى عن تلك الأراضي كما سيرد لاحقاً. 
تجلى الإهتمام العثماني خلال القرن التاسع عشر في التقسيمات الإدارية التي تم أجراؤها. فقبل حملة ابراهيم باشا إبن محمد علي على بلاد الشام، عمدت السلطة العثمانية إلى ضم سناجق غزة ويافا والقدس إلى عكا وتحويلها إلى ولاية. وبذلك أصبحت فلسطين موحده برئاسة عكا[110]، غير أن تلك التقوية الطارئة لم تقف في وجه إبراهيم باشا، فاكتسحها دون مقاومة تذكر. 
أما ابراهيم باشا فقد ألغى جميع التقسميات الإدارية العثمانية في عام 1832،  وحول بلاد الشام إلى وحدة إدارية واحدة يديرها حاكم عام حكمدار مرتبط به مباشرة ومركزه دمشق، وذلك باستثناء جبل لبنان[111]، الذي شكل قاعدة النفوذ الفرنسي المتعاطف مع محمد علي. غير أنه ما لبث أن اضطر إلى العودة الى التقسيمات العثمانية السابقة مع إحداث بعض التعديلات، في مقدمتها تشكيل إيالة يافا وفصل عكا عن صيدا[112]. وإن دل هذا على شئ فهو يدل على توجه إبراهيم باشا إلى ترتيب أولوياته والتركيز على ما هو أقرب إلى مصر وأكثر أهمية بالنسبة لها أمنيا وتجاريا.
إن التدخل البريطاني المنطلق من مبدأ رفض ظهور قوة محلية تهدد وحدة أراضي الإمبراطورية العثمانية، ما لبث أن فرض تسوية تم التوصل إليها في اتفاقية لندن عام 1840 التي عقدت بين بريطانيا وبروسيا والنمسا وروسيا وتركية، ونصت على تسلم محمد على مقاليد حكم مصر كملك وراثي،  وإناطته إدارة ولاية عكا كملك مدى حياته فقط، وإعادة جميع الممتلكات الأخرى الى السلطان[113].  وقد حددت الإتفاقية المذكورة حدود ولاية عكا في بند منفصل على النحو الأتي : “تبدأ من رأس الناقورة على شاطئ البحر المتوسط.  ويمتد الخط من هناك حتى مصب سيسبان عند الطرف الشمالي لبحرية طبرية، ثم يسير بمحاذاة الشاطئ الغربي للبحيرة، وسائراً على طول الضفة اليمني لنهر الأردن والشاطئ الغربي للبحر الميت، ويمضي مستقيما من هناك إلى البحر الاحمر، فيتوقف عند النقطة الشمالية لخليج العقبة لكي يسير منها على الشاطئ الغربي من خليج العقبة، والشاطئ الشرقي لخليج السويس حتى يبلغ مدينة السويس”[114].  كما جاء في الاتفاقية المذكورة فرمان خاص جاء فيه: “منحك ولاية الحكم على مصر ضمن حدودها التاريخية”. ويبدو من الحدود التي وضعت لولاية عكا أن المقصود بالحدود التاريخية هو حائط الأمراء الذي بناه الفراعنة منذ الألف الثالثة قبل الميلاد لصد هجمات البدو الأسيويين،  والذي حفرت قناة السويس في موقعه[115]. غير أنه يذكر بأن هذا الفرمان قد أرفق بخريطة فقدت ثم ظهرت ثانية في عام 1925 وتم تزويد مصر بها،  وتضمنت حدود مصر الشرقية على نحو خط يمتد من نقطة إلى الشمال من العريش حتى مدينة السويس[116]. ويبدو واضحا من تلك الرسوم الخرائطية أن هدف بريطانيا قد تمثل في ذلك الحين بتقليص حدود مصر وتجريدها من سيناء، وذلك بجعل سيناء ضمن إطار الإمبراطورية العثمانية، وذلك في إطار سياستها الرامية الى إضعاف مصر. إن رفض محمد علي لشروط تلك الاتفاقية،  أي حكم ولاية عكا مدى حياته فقط، قد حرمه من ممارسة الحكم في منطقة النفوذ المصري التقليدية. وكان من شأن ذلك أن يؤدي إلى إجراء تفاعلات تحديثية في فلسطين على النحو الذي حدث في مصر إبان حكمه. كما كان من شأن ذلك أن يبقي على اهتمام مصر بفلسطين. 
ما لبث قيام سلالة حاكمه قوية في مصر، هي سلالة محمد علي، أن عزز من اهتمام السلطة العثمانية بفلسطين، حيث اتجهت إلى تقوية الإقليم سياسيا. ففي عام 1841، تم تحويل مدينة القدس إلى مركز إداري لسنجق كبير واحد يضم غزة ويافا ونابلس بكافة الأٌقضية والنواحي.  كما تم فصل هذا السنجق الكبير الذي ضم ثلثي فلسطين، عن ولاية الشام وربطة باستنبول مباشرة[117]. غير أن هذا الوضع لم يستمر طويلاً.  فمع اندلاع حرب القرم في عام 1854،  وهي الحرب التي اندلعت بين الإمبراطورية الروسية من جهة وبريطانيا وفرنسا وتركيا من جهة أخرى، بذريعة فلسطينية هي التنافس على حماية الأماكن المقدسة،  عمدت السلطة العثمانية الى فصل سنجق القدس ثانية عن ولاية الشام، ووضعته تحت اشراف اسطنبول مباشرة بعد رفعة إلى مرتبة الولاية[118].  وإزاء التطورات العديدة التي شهدها النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفي مقدمتها شق قناة السويس، بدا أن السلطة العثمانية قد وقفت حائرة بين تقوية وسط المنطقة الوسطية أم جناحها الغربي.  ففي عام 1864، سعت إلى مركزة السلطة بإنشاء ولاية الشام التي شملت المنطقة الوسطية بأسرها من حلب حتى العقبة،  ومن البحر الى الصحراء[119].  غير أنها ما لبثت بعد افتتاح قناة السويس في عام 1869 أن اتجهت إلى تغيير هذه السياسة،  فعمدت في نحو عام 1871 او 1872 إلى منح الأولوية السياسية للجناح الغربي، ففصلت سنجق القدس عن ولاية الشام وحولته الى ولاية مستقلة ذاتيا ومرتبطة مباشرة باستنبول.  وقد شملت ولاية القدس الشريف لواء نابلس ولواء عكا لمدة شهرين فقط،  حيث أعيد هذان اللواءان إلى ولاية دمشق،  وظلت كل من يافا وغزة ضمن ولاية القدس[120].وقد أعادت السلطة العثمانية النظر في ولاية دمشق في عام 1888 , فعمدت إلى اقتطاع عدة مناطق منها، حيث ضمت لواءي نابلس وعكا إلى ولاية بيروت الجديدة،  بينما ظل سنجق القدس مرتبطا بأسطنبول إلى حين اندلاع الحرب العالمية الأولى. وإن دلت كل هذه التغييرات الإدارية على شيء، فهي تدل على بلبلة وضعف  القيادة السياسية العثمانية إزاء طبيعة التحديات الكبيرة التي أخذت تواجهها .
ولعل الحدث الكبير الهام، الذي حدث خلال تلك الفترة هو احتلال بريطانيا لمصر في عام 1882،  حيث لا يمكن إغفال ارتباط إقامة ولاية بيروت بذلك الحدث وذلك لما عنته إقامة هذه الولاية من تقوية سياسية أمنية لمنطقة طالما اعتبرت امتداداً لجنوب فلسطين ومنطقة دفاع ثانية عن مصر أو دفاع أولى في مواجهة مصر.  كما أدى احتلال مصر إلى وضع إتفاقية الحدود بين الإمبراطورية العثمانية ومصر البريطانية في عام 1906،  وهي الحدود التي امتدت “من تل الخرائب في رفح وتنتهي في طابا على خليج العقبة وخط الحدود يكاد يكون في امتداده مستقيماً”[121].  ويذكر أنه خلال المفاوضات، سعت بريطانيا لدفع حدود مصر إلى أقصى حد ممكن بينما كان المصريون يسعون إلى تقليص هذه الحدود لكراهيتهم للإنجليز وحبهم للإمبراطورية العثمانية[122].
لقد شكلت اتفاقية الحدود المذكورة أول تحديد لحدود سنجق القدس الجنوبية وبالتالي للحدود الدولية الجنوبية لفلسطين الانتدابية.

(أنظر الخريطة أدناه) :

خريطة رقم (1)

بريطانيا وسياسة الحفاظ  على الإمبراطورية العثمانية

إن ما أسفر عنه العصر الحديث من تعددية لمراكز القوى الأوروبية واتجاه تلك القوى نحو الإستعمار الإمبريالي، ما لبث أن أخضع معظم أجزاء العالم خارج أوروبا للإستعمار المباشر، وذلك باستثناء مناطق قليلة في مقدمتها أراضي الإمبراطورية العثمانية. إن تعددية مراكز القوى في القرن التاسع عشر دفعت باتجاه التزام تلك القوى خلال القرن التاسع عشر وحتى العقد الأول من القرن العشرين بمبدأ وحدة وسلامة أراضي الإمبراطورية العثمانية والحفاظ على الإستقلال الظاهري لها.  فمنذ إتفاقية فيينا في عام 1815،  تم إرساء الحدود الاقليمية بين مراكز القوى في أوروبا كما تم إرساء مبدأ الإجماع الأوروبي إزاء الخارج[123].  وأصبح من المتفق عليه أن لا تتم السيطرة على أراضي الإمبراطورية العثمانية أو على أي جزء منها من قبل أية قوة واحدة.  لذلك اضطرت القوى الأوروبية أن تمارس ضغوطها بطرق غير مباشرة،  وأن تتنافس عليها تنافسا سلميا، فتترك للعثمانيين السلطة،  وتقيم علاقات قوية مع السلطان،  وذلك على أساس عدم تدخله بحرية المرور التجاري وعدم إتاحة الفرصة لأية قوة أن تعرقل مصالح القوى الأخرى في أراضيه[124]
كان الدافع وراء اعتماد تلك السياسة هو محاولة نابليون في عام 1798،  فرض نظام القوة السياسية الواحدة التي تحكم المنطقة من مصر إلى العراق، بهدف محاصرة بريطانيا والوصول إلى الهند.  فعلى الرغم من أن نابليون قد برز من قلب الدولة – الأمة والعصر القومي الحديث،  فإن تطلعاته التي شكلت تجسيدا لتطلعات فرنسا في ذلك الحين،  كانت تتجاوز نطاق الدولة – الأمة الميركانيتلية بكثير،  وتتجسد في إقامة إمبراطورية عالمية على غرار روما القديمة التي ما لبث أن توج إبنه ملكا عليها.
ضمن هذا الإطار،  أكتسبت المنطقة العربية خلال القرن التاسع عشر أهمية جديدة مزدوجة تمثلت في عودة أهمية وظيفتها التجارية سواء كمنطقة عبور تجاري نحو الشرق الأقصى، أو كسوق للمواد الأولية والمصنعة الأوروبية،  إضافة إلى الأهمية الستراتيجية المتمثلة في تحكمها بمصير الإمبراطورية الهندية البريطانية ومناطق الشرق الأقصى الأخرى، وهي أهمية ما لبثت أن تعاظمت على نحو فائق مع شق قناة السويس التي قصرت المسافة بين لندن وبومباي بنحو أربعة آلاف وخمسمائة ميل، حيث أخذت القوى الأوروبية تنظر إلى المنطقة من زاويتين : زاوية أوروبا وزاوية الشرق الاسيوي[125]
وكما لم يكن بمستطاع نابليون أن يحقق أهدافه نتيجة تصدي القوى الأخرى له وبخاصة بريطانيا،  كذلك أدركت بريطانيا عدم قدرتها على أحالة المنطقة إلى إمبراطورية بريطانية للسبب ذاته.  لذلك أثارت حملة نابليون إهتماماً بريطانيا حقيقيا بشأن ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي الإمبراطورية العثمانية،  وعقدت مع تركيا في العام ذاته،  أي عام 1799،  معاهدة دفاع جاء فيها أن بريطانيا “تضمن كافة الممتلكات العثمانية،  دون أي استثناء، على النحو الذي كانت عليه قبل الغزو الفرنسي لمصر” [126]. كما أثارات الحملة ذاتها قلق روسيا التي سبقت بريطانيا في عقد معاهدة دفاع مع تركيا في العام ذاته،  متجاوزة بذلك سلسلة طويلة من المشاحنات والحروب بين الطرفين بشأن المضائق وهي معاهدة وافقت عليها بريطانيا[127].  وفي عام 1802 عقدت فرنسا،  بعد هزيمتها،  معاهدة مماثلة جاء فيها ” أن أراضي وممتلكات وحقوق الباب العالي تظل سليمة بمجملها على النحو الذي كانت عليه قبل الحرب “[128].  
وقد تكررت تلك المواقف في عام 1839 حيث تم التصدي من قبل بريطانيا لتوسعات محمد علي وابنه ابراهيم في المنطقة العربية من الأراضي  العثمانية.  فأصدر وزير الخارجية البريطانية بياناً سياسياً اعتبر فيه أن ما حدث ” يهدد مصالح القوى الأوروبية الأخرى والسلام في أوروبا “،  وذلك انطلاقاً من أن فرنسا وقفت موقف  المتعاطف والداعم لحركة محمد علي،  ولذلك “فإن لدى القوى الكبرى ما يبرر تدخلها ” لأن الحفاظ على المصالح الأوروبية والسلام الأوروبي ” يتطلب الحفاظ على الإمبراطورية التركية، وبذلك تتخلص أوروبا من خطر ماثل “[129].  كما شاركت كل من بريطانيا وبروسيا وروسيا والنمسا في مؤتمر لندن عام 1840 الذي قرر حصر سلطة محمد على في مصر على أساس الحكم الذاتي ضمن إطار الإمبراطورية العثمانية[130].  
وقد حافظت بريطانيا بشكل خاص على تلك السياسة لمدة أربعين عاما،  حيث عمدت في عام 1882 إلى احتلال مصر احتلالا “واقعياً” – defacto -.  وظلت متمسكة بحجة أنه احتلال مؤقت ولا يمس السيادة التركية،  وذلك حتى عام 1914 حين قامت بتحويل مصر إلى محمية بريطانية. 
فخلال حرب القرم في عام 1854،  اشتركت كل من بريطانيا وفرنسا والنمسا في اتفاقية المساعدة العسكرية لتركيا ضد روسيا.  ونصت الاتفاقية على أن هدف هذه المساعدة هو توفير الحماية للاراضي التركية والسيادة التركية[131].   وفي عام 1860 عمدت بريطانيا إلى تحشيد موقف أوروبي موحد ضد احتمال قيام فرنسا بضم جبل لبنان. فعقدت إتفاقية مع روسيا وبروسيا والنمسا وكذلك مع فرنسا،  تضمنت إرسال قوات أوروبية إلى “سورية” من أجل إعادة الاستقرار.  واشترطت الإتفاقية أن لا يتجاوز وجود القوات، التي كانت في الواقع فرنسية، ستة أشهر فقط. كما نصت على أن القوى الأوروبية لن تسعى إلى الحصول على مكاسب إقليمية[132]. كذلك تم التأكيد في مؤتمر لندن في عام 1871 عل عدم تغيير الأوضاع القائمة قبل التشاور، وأنه لا يحق لأية قوة أن تخرق إلتزامات أية إتفاقية أو أن تعدل شروطها إلا بالاتفاق مع الأطراف الأخرى وبطريقة ودية[133]
كانت ثورة عرابي في مصر في عام 1881 احد الأسباب الرئيسة التي دفعت بريطانيا إلى التفكير باحتلال مصر،  فعمدت إلى تهدئة فرنسا وذلك بالموافقة على احتلال الأخيرة لتونس في العام ذاته[134].  وإزاء نمو قوة ألمانيا كمنافس جديد في الساحة الدولية،  وذلك خلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر،  أخذت الساحة الأوروبية بالانقسام إلى محورين : محور ألمانيا – النمسا – إيطاليا،  ومحور بريطانيا – فرنسا – روسيا.  ففي عام 1904 عقد اتفاق بريطاني – فرنسي اعترفت فيه بريطانيا باحتلال فرنسا للمغرب (مراكش) لقاء اعتراف الأخيرة باحتلال بريطانيا لمصر. كما عقد في عام 1907 اتفاق بريطاني – روسي واتفاق فرنسي – روسي[135]. وقد تضمن الإتفاق البريطاني – الروسي تسوية المشاكل بين الطرفين إزاء إيران وأفغانستان والتبت، وتم تقسيم إيران إلى منطقتي نفوذ بريطاني – روسي، وبذلك أصبح الاهتمام الروسي منصبا على البلقان ومضائق الدردنيل والبسفور[136].  وكانت تلك التطورات نتيجة توجه ألمانيا إلى مد خط حديد برلين –بغداد – البصرة،  ضمن إطار سياسة رامية إلى تشكيل منطقة نفوذ اأماني صلدة من البلطيق حتى الخليج العربي[137]
ضمن هذا الإطار، واصلت بريطانيا تمسكها بعدم السماح للأية قوة منافسة أن تسيطر على داخل المنطقة العربية حتى الخليج العربي، سواء كانت تلك القوة هي ألمانيا أم فرنسا، وبخاصة أن فرنسا كانت قد عمدت منذ احتلال بريطانيا لمصر، إلى الترويج لفكرة “سورية الطبيعية” ولفكرة حقوق فرنسا “التاريخية” في “سورية”[138]. ففي عام 1912، نفي وزير خارجية بريطانيا، إدوارد غراى، أن تكون لبريطانيا “أية مطالب وتطلعات في “لبنان” و”سورية”[139]. وكان ذلك بمثابة تأكيد على رفض أن تكون لفرنسا أية تطلعات مماثلة. 
من جهة ثانية،  وفي إطار مبدأ المحافظة على سلامة وسيادة الإمبراطورية العثمانية حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، فقد عمدت مراكز القوى منذ حملة نابليون على مصر وفلسطين (1798- 1801)،  إلى التنافس السلمي حول مواقع النفوذ داخل الإمبراطورية.  وقد شمل ذلك التنافس كافة المجالات التجارية والمالية والثقافية والسكانية.  فإلى جانب الإتفاقيات التجارية العديدة والمشاريع الإقتصادية وإقامة المؤسسات التعليمية والثقافية، برز نظام الإمتيازات كغطاء لعملية تنافس القوى حول السكان وولاءاتهم. دشنت فرنسا نظام الامتيازات حين حصلت على حق حماية التجار الفرنسيين في الأراضي  العثمانية، وتم توسيع ذلك ليشمل حمايتها لكافة المسيحيين[140]. غير أن روسيا ما لبثت أن اعترضت مطالبة بحقها في حماية المسيحيين الاورثوذكس، فاقتصر حق فرنسا على الكاثوليك، إضافة إلى حماية القوتين للأماكن المقدسة المتمركزة بدرجة رئيسة في القدس. 
كان نابليون أول من أدخل عنصراً جديدا من مجال التنافس القوى على ولاء السكان في الإمبراطورية التركية،  وذلك حين وجه نداء إلى “يهود آسيا وافريقيا ” يحثهم فيه على السير وراء القيادة الفرنسية ” حتى يتسنى استعادة العظمة الأصلية لأورشليم القديمة” وذلك شرط أن يقدموا المساعدة لقواته[141].  وبعد أن تم دحر محمد علي في عام 1840، وجد وزير الخارجية البريطاني اللورد بالمرستون، أن جلب اليهود وإسكانهم في “ولاية – عكا” التي خصصت في مؤتمر لندن لمحمد على لكي يحكمها مدى الحياة ورفض ذلك، من شأنه ان يشكل عنصر ردع لمخططات محمد علي أو غيره إزاء سلامة أراضي الإمبراطورية العثمانية، وبخاصة أن اليهود سيكونون رعايا بريطانيين،  وسيكون من حق بريطانيا أن تتدخل لحمايتهم في حالة تعرضهم لأي اعتداء. ويرجح بأن فكرة بالمرستون قد تمثلت في تحويل اليهود إلى مسيحيين بروستانت على غرار مذهب إنجلترا غير المنتشر في الأراضي  العثمانية، وبذلك يكون لبريطانيا رعايا فيها،  حيث عمدت القنصلية البريطانية التي تم فتحها في القدس في عام 1839،  وبتوجيهات رسمية، إلى وضع يهود الإمبراطورية تحت حمايتها،  ثم قامت بانشاء أسقفية في القدس  ووضعت على رأس تلك الاسقفية قسا كان يهوديا ثم اعتنق البروتستانتية[142].  وكما يلاحظ وولف في كتابة الصادر في عام 1919 :”لم يكن مستقبل فلسطين في عام 1840 مطروحا للمناقشة. . لم يرتفع أي صوت بين اليهود لاستعادة الأرض لهم[143]، فإن بريطانيا  لم تكن تفكر في ذلك الحين بأكثر من إيجاد مبرر يتيح لها حق التدخل في الأراضي  العثمانية لدى تعرض الإمبراطورية للخطر. 
غير أن اهتمام بريطانيا بفلسطين  كان قد بدأ منذ ذلك الحين،  وذلك بصفتها منطقة رادعة لأي اعتداء من جانب مصر على أراضي الإمبراطورية العثمانية وبذلك فقد بدأت تشغل اهتمام البريطانيين بصفتها إقليما له أهمية ستراتيجية. 
ففي عام 1856، صدر في بريطانيا كتاب ” سيناء وفلسطين” لستانلي فيشر، ضمنه خريطتين “لسيناء” و”فلسطين”،  غير أنه لم يضع حدودا فاصلة بين المنطقتين، الامر الذي يدل  على أن ” فلسطين” قد اعتبرت منذ ذلك الحين إقليما متميزا ومتصلا بسيناء في آن واحد من الناحية الستراتيجية.  وقد امتدت “فلسطين” في الخريطة المذكورة من راس محمد جنوبي شرم الشيخ وخليج السويس حتى صيدا ودمشق[144]،  وهي مساحة تكاد تكون متماثلة مع منطقة النفوذ الفرعونية القديمة،  وأوسع من فلسطين “الرومانية”.  وفي أواسط الستينات، تشكل “صندوق استكشاف فلسطين ” وأرسلت بعثة قامت بمسح الإقليم وأصدرت له خريطة في عام 1871[145].
وقد تزايد الإهتمام في عام 1881،  وذلك في إثر ثورة عرابي،  حيث عمدت الحكومة البريطانية إلى تنفيذ فكرتها الرامية إلى إسكان “يهود” في الأراضي  التركية – أي في “فلسطين”، حيث تم إرسال لورانس اوليفانت وهو سياسي بريطاني متخصص بشؤون الهند وعضو في البرلمان، إلى روسيا وذلك بهدف بث فكرة الهجرة إلى فلسطين بين أوساط اليهود فيها.  وبالفعل فقد كان لورانس وراء هجرة يهودية منظمة إلى فلسطين في ذلك الحين هي هجرة “البيلو”، ووراء بداية ظهور الفكر الصهيوني بين اليهود في روسيا[146]. غير أن اهتمام بريطانيا بفلسطين ما لبث أن تراجع بعد احتلالها لمصر، حيث لم تعد تخشى أى خطر من مصر أو على مصر. وقد ظل الموقف البريطاني على حاله إلى ما بعد عام 1908. فعلى الرغم من موجات الهجرة اليهودية التي تدفقت من روسيا في عام 1905، فإن بريطانيا لم تعمد إلى استغلال ذلك الظرف، ولم تعر إهتماما يذكر  بتحويل هجرة أولئك اليهود المتدفقين اإى أميريكا بدرجة رئيسة، نحو فلسطين[147].  وحين أثيرت مسالة حدود مصر بين بريطانيا والسلطان في عام 1906،  سارع كرومر إلى التصرح بأن بريطانيا تعتبر أن خط الحدود يبدأ من نقطة شرقي العريش إلى خليج العقبة[148]. ولم تعمد إلى مد حدود مصر إلى داخل فلسطين في الوقت الذى كان بمقدورها أن تملي على السلطة العثمانية ما تريد. 
من جهة ثانية، كان مصطلح فلسطين – Palestine – قد أخذ في الظهور في أوروبا مع بداية الإهتمام بالمؤلفات اليونانية والرومانية القديمة، وهو اهتمام ترافق مع بداية النهضة الأوروبية وبداية التطلع نحو الخارج.  هكذا حلّ تدريجياً محل مصطلح ” الأراضي المقدسة” – Holyland -.  كذلك ظهر مصطلح سورية        -Syria   –في الآن ذاته.  ومع تصاعد التطلعات الأوروبية الإمبريالية، اكتسب مصطلحا “فلسطين” و “سورية ” أبعاداً سياسية جديدة.  فبرز مصطلح سورية في المخططات الفرنسية منذ حملة نابليون  في عام 1798، حيث صدرت خريطة جاكوتين – Jacotin – التي أعدها الخبراء المرافقون له وسميت “خريطة مصر وسورية” وتضمنت مسحا لمصر ومدن العريش وغزة والقدس ويافا وقيسارية وعكا والناصرة وشرقي الاردن وصور وصيدا[149]. ومن المرجح أن مصطلح “سورية” قد عنى في المخططات الفرنسية منذ ذلك الحين بلاد الشام، بل قد يمتد ليشمل العراق،  وهي المنطقة التي كان نابليون قد خطط للسيطرة عليها إضافة لمصر، والتي لم يتح لمهندسيه استكمال مسحها نظرا لانهزام حملته.  أما مصطلح “فلسطين” فبرز في المخططات البريطانية بعد اندحار محمد علي في عام 1840، حيث دعا وزير الخارجية البريطانية بالمرستون إلى توطين اليهود في “فلسطين”  بهدف إيجاد منطقة حاجزة في مواجهة أي خطر يهدد الإمبراطورية العثمانية من جانب مصر، وكان ذلك بداية تجدد أهمية فلسطين كأقليم متميز عن بقية المنطقة الوسطية. ففي عام 1856، صدر في بريطانيا كتاب بعنوان “سيناء وفلسطين” وتضمن خريطتين لهما، فامتدت فلسطين من رأس محمد جنوبي شرم الشيخ وخليج السويس حتى صيدا ودمشق شمالاً[150]، وتبع ذلك تأسيس “صندوق استكشاف فلسطين”، وفي عام 1871،  ثم ارسال بعثة مدنية – عسكرية برئاسة اللورد كيتشنر لإجراء مسح شامل “لفلسطين” وصدرت خريطة خاصة بها[151].
وفي خضم التنافس البريطاني – الفرنسي على المنطقة العربية الممتدة من العراق حتى مصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وإلى نهاية الحرب العالمية الأولى وانعقاد مؤتمر الصلح في عام 1919، تمسكت فرنسا بمصطلح “سورية” كمرادف لبلاد الشام، واطلقت مصطلح “سورية الجنوبية” على فلسطين،  بينما اختلف تعامل بريطانيا مع المصطلحين وفقا لتطور سياساتها إزاء المنطقة،  حيث كان مصطلح فلسطين يبرز كلما كانت مسألة الدفاع عن قناة السويس في أولوية اهتماماتها،  بينما كان يتراجع في سياق أهدافها الرامية إلى السيطرة على المنطقة بأسرها، فيجري الحديث عن “سورية”، التي عنت لبريطانيا كل بلاد الشام والعراق. 
ضمن هذا السياق،  لم يكن لمصطلح فلسطين مفهوم واضح لدى الصهاينة حين بدأوا باستخدامه بعد مؤتمر بازل في عام 1897.  فقد تحدث هيرتزل في يومياته عن “فلسطين” أحيانا، وعن “سورية” في أحيان  اخرى، ووضع احتمال أن تكون القدس “خارج فلسطين”، ووصف فلسطين تارة بأنها “لأاماكن المقدسة” وتصل الى بيروت “تارة اخرى، “وتضم أراضي آل سرسق الروم التي تشكل 30% من أراضي فلسطين” تارة ثالثة. كما تحدث عن “فلسطين الكبرى” الممتدة من وادى النيل إلى وادي الرافدين. وفي حديثه مع السلطان عبد الحميد، سألة السلطان قائلا :”إن فلسطين كبيرة، ففي أي جزء منها تفكرون؟”[152]
وفي الوقت الذي سعت فيه الدوائر السياسية البريطانية إلى وضع تصور ” لفلسطين” وفقا للمتطلبات الستراتيجية التي أصبحت تتمثل منذ احتلال بريطانيا لمصر في عام 1882 بوظيفة الدفاع عن مصر، وذلك على العكس من وظيفتها في عام 1840، فقد ظل مفهوم “فلسطين” غير واضح على الصعيد البريطاني العام. ففي عام 1911 ظهر مصطلح “فلسطين” في الإنسايكلوبيديا البريطانية التي أوردت التعريف الاتي :
“فلسطين إسم جغرافي غير واضح المعالم. إن الدقة في تحديد تاريخ الكلمة تقتضي القول بأنها تعني حصراً ذلك الشريط الساحلي الضيق الذي احتله الفلسطينيون – Philistines – في يوم ما، والذي اشتق إسمه منهم. ومع ذلك، فقد جرى التقليد على استخدامه كإسم لتلك المنطقة التي ادعى العهد القديم بأنها إرث العبرانيين السابقين على عهد النفي.  بهذا يمكن القول بأنها تعني بشكل عام الولاية الجنوبية من سورية، باستثناء الجانب الغربي،  حيث يحد البلد البحر المتوسط،  فإن حدود ذلك الإقليم لا يمكن وضعها على خريطة كحدود مؤكدة.  فالتقسيمات الحديثة التي جرت وفقاً لقوانين الإمبراطورية العثمانية لا تتفق بأي حال من الأحوال مع التاريخ القديم،  ولذلك فهي لا توفر حدودا يمكن بموجبها فصل فلسطين بدقة عن سورية في الشمال أو عن صحراء سيناء والصحراء العربية في الجنوب والشرق.  كما إن المعلومات المتوفرة عن حدودها القديمة ليست كافية لتوفير إمكانية رسم تحديد كامل للبلاد،  بل إن العهد القديم المشار إليه غير دقيق : فهو يتضمن منطقة الفلسطينيين التي ادعى العبرانيون بحقهم فيها رغم أنهم لم يقيمون فيها ابداً، وتستثنى الأجزاء الخارجية من المساحة الكبيرة التي يدعي عدد 24 من العهد القديم بأنها ملك للعبرانيين.  إن الإستناد إلى المعالم الطبيعية الأكثر قربا من تلك النقاط الممتدة إلى الخارج،  يمكن أن يؤدي إلى وصف فلسطين بأنها ذلك الشريط من الأرض عبر الساحل الشرقي للبحر المتوسط،  وذلك من فم الليطاني أو القاسمية شمالا حتى فم وادى غوزه الذي يلتقي بالبحر الى الجنوب قليلاً من غزة، ويسير باتجاه الجنوب بحيث يضم في جانبه الشمالي موقع بئر السبع. أما من الشرق، فلا توجد مثل تلك الحدود. فعلى الرغم من أن نهر الاردن يشكل فاصلا بين فلسطين الغربية والشرقية، فإنه من المستحيل عمليا القول أين تنتهي الأولى وتبدأ الصحراء العربية “[153].
 ويبدو واضحاً أن هذا التعريف قد تجاهل كافة التقسيمات الإدارية الرومانية والعربية الإسلامية التي حملت إسم فلسطين، والتي لا يمكن أن تكون مجهولة بالنسبة لهيئة الموسوعة.الفصل السادس
[1] حول الشيخ ظاهر العمر، أنظر :عمر عبد العزيز عمر، “دراسات في تاريخ العرب الحديث”،    دار النهضة العربية، بيروت، 1978، ص981-191. 
[1] لوتسكى, تاريخ الأفكار العربية الحديث، دار التقدم، موسكو، بلا تاريخ، ص 43-56.
[1] نفس المصدر، ص 141.
[1]  Abu Manneh, B., TheRise of the Sanjak of Jerusalem in the 19 in Century, in , The Palestinians and the Middle East Conflict, London, 1979, p.25.
[1]  Ibid.
 [1] Ibid.
[1] ا سعد رزوق، مصدر سابق، ص 106. 
[1] نفس المصدر. 
[1] يبدو ان مصطلح “تاريخية” هو مصطلح سياسي يخضع لمتطلبات السياسة القائمة في اي وقت من الاوقات، فمن المرجح ان هذه الاشارة كان الهدف منها تقليص واضعاف مصر. حول حائط الامراء، انظر Keller , op. cit , pp.75,87.
[1]  Lewis ,op. Cit. ,p.8.
[1]  Abu Manneh , op. cit., p.23.
[1]  Ibid.
[1]  Ibid., p.24.
[1]  Ibid.
[1] عادل محمود رياض،  “الفكر الاسرائيلي وحدود الدولة “، معهد البحوث والدراسات العربية،  القاهرة، 1977، ص49. 
[1] Lewis , op. Cit. , p.9
[1] Calvoeoressi , p. “Britain and the Middle East Conflict”, in Hammond, (Ed.), ”Political Dynamics in the Middle East”, Elsevier Publishing Company , U.S.A. 1972, p.427.   
[1] Ibid.
[1] Ibid. , p.426.
[1] Hurewitz, J.C. ,Diplomacy in The Middle East”, a Documentary Record : 1535-1914, Otegon Books, U.S.A. 1972 , Document No.25.
[1] Ibid. ,
[1] Ibid. , Document No 28
[1] Ibid. , Document No 46
[1] Ibid. , Document No 49
[1] Ibid. , Document No 62
[1] Ibid. , Document No 71
[1] Ensor , R. ,”England 1870 – 1914” Oxford, U.K., 1960, p.410.
[1] Ibid. , p. 53.
[1] Ibid. , p. 402 and Hurewitz , op. Cit. , Documents Nos.104 , 105 
[1] Ensor, op. Cit., p.402.
[1] Ibid. , p.258 ,465. 
[1] ضمن إطار التنافس بين بريطانيا وفرنسا، قال آرثر بلفور في عام 1919 : “لم استطع في يوم ما ان افهم على اي اساس يقوم ادعاء فرنسا بحقوق تاريخية في سورية. .هل هو مشاركتهم في الحرب الصليبية ام هي اتفاقات مازارين مع الاتراك في القرن السابع عشر او حملة 1861.  ضمن هذا المعيار، يكون من الأولى لبريطانيا ان تدعي مثل هذا الحق، وهي التي هزمت نابليون ثم قضت علي الإمبراطورية العثمانية. . “.انظر:
 Khalidi , W.,(ed.) ,”From Haven to Conquest”, Institute for Palestine Studies , Beirut, 1971, P.201
[1] Stein , L. ,”The Balfour Declaration”, London,1961p.47
[1] حول نظام الامتيازات انظر : مصدر سابق.
[1] Sokolov, “History of Zionism” U.S.A, p,p.63.
 [1] Stein , op. Cit. , P.8
[1] Ibid.P.9.
[1] اسعد رزوق، مصدر سابق، ص110. 
[1]  نفس المصدر. 
[1] Bardin, Sh., Pioneer Youth in Palestine”, U.S.A. 1932, p.14. 
[1] بين عامي 1882 –1914 خرج من روسيا القيصرية نحو مليون ونصف مليون من اليهود لم يتوجه منهم الى فلسطين سوى عدد ضئيل جداً وذلك لجملة من الاسباب في مقدمتها :
1- عدم رغبة اليهود في التوجه الى فلسطين.  2- بعض القوانين العثمانية رغم عدم فاعليتها. 
3- عدم وقوف بريطانيا وراء دفع اليهود الى فلسطين وعدم ممارستها ضغوطاً على السلطة العثمانية في ذلك الحين. 
[1] عادل محمود رياض، مصدر سابق، صد 49. 
[1] Atlas of Israel.
[1] “اسعد رزق،  “إسرائيل الكبرى”،  م.ت.ف.،  مركز الابحاث،  بيروت 1968، ص 110.
[1] نفس المصدر
[1] “يوميات هيرتزل”، ترجمة هليدا شعبان صايغ. م.ت.ف.، مركز الابحاث، بيروت،1968، ص :27، 29، 33، 70،71،72،74،75،82،98،113
[1] Encyclopedia Britannica, edition 1910,in Lewis, op. cit., p.4

 

الفصل السابع

عهد القوتين البريطانية والفرنسية
سياسة تجزئة الامبراطورية العثمانية :
ازدادت أزمة الإمبراطورية العثمانية تفاقماً منذ أوائل القرن العشرين بفعل تكالب القوى الأوروبية وتدخلاتها في شؤونها من جهة وبفعل ضعفها الذاتي الذي سهّل على القوى الأوروبية تدخلها فيها. فمن جهة، أدى تسلّم حزب تركيا الفتاة الحكم في عام 1908 إلى تصاعد تغلغل النفوذ الألماني في الأراضي العثمانية،  الأمر الذي دفع بريطانيا الى إعادة التفكير بالأهمية الستراتيجية للأقليم الذي أصبح يعرف رسمياً منذ الآن في الأدبيات البريطانية باسم فلسطين،  وإنماً بدون هوية اقليمية واضحة المعالم إلا من جهة مصر*.
وقد جاء ذلك في سياق تبلور سياسة تجزئة أراضي الأمبراطورية لدى بريطانيا وفرنسا بشكل خاص،  وبخاصة بعد اندلاع حرب البلقان في عام 1912.  وكانت بريطانيا تعد لمثل هذا الإحتمال حيث أبدى المعتمد البريطاني في مصر اللورد كيتشر اهتماماً متزايدا في هذا الأمر وبدأ يفكر منذ عام 1911 باحتمالين : إما اقتطاع فلسطين من الإمبراطورية العثمانية،  التي عنت له في ذلك الحين ذلك الإقليم الممتد من حدود مصر حتى خليج حيفا – عكا،  وضمها إلى نطاق السيطرة البريطانية المباشرة مثل مصر، أو إقامة إمبراطورية عربية موالية لبريطانيا تمتد من الخليج العربي حتى حدود مصر[154].  وفي عام 1913 أمر كيتشر باستكمال المسح الذي كان قد بدأه في عام 1871، “وذلك من خليج العقبة حتى خليج حيفا – عكا”[155]
وما إن جاء عام 1914 الذي اندلعت فيه الحرب العالمية الأولى، حتى كانت السياسة البريطانية قد استقرت على هدف القضاء على الإمبراطورية العثمانية، وصرح إدوارد غراي في 6/11/1914 قائلاً إنه “في ضوء الوضع الجديد،  فقد تخلت بريطانيا نهائياً عن سياستها الشرقية التقليدية، وضمت إلى أهدافها الحربية هدف تقطيع الإمبراطورية التركية”[156]. ومع موافقة بريطانيا وفرنسا على مطالب روسيا المتمثلة في السيطرة على إسطنبول والمضائق في حالة انتصار الحلفاء في الحرب، وفقاً لما جاء في إتفاقية القسطنطينية لعام 1915[157]، فقد بات واضحاً أن تقسيم الإمبراطورية العثمانية أصبح أمراً لا مفر منه في  حالة انتصار الحلفاء – بريطانيا، فرنسا، روسيا -، ذلك أن سيطرة روسيا على اسطنبول  والمضائق كان يعني تحويل تركيا إلى منطقة نفوذ روسي، وكان لابد لبريطانيا وفرنسا من الإحتياط للأمر بتجريد تركيا من ممتلكاتها الجنوبية. 
وإزاء تلك التطورات، أصبح التنافس في المنطقة العربية محصورا بين بريطانيا وفرنسا، فأجرت بريطانيا مراسلات حسين – مكماهون في عام 1915، وذلك ضمن تصور بريطاني هو تحويل المنطقة بأسرها إلى منطقة نفوذ بريطاني، ووافقت على الخريطة المقدمة من شريف مكة،  “باستثناء بعض المناطق الداخلة في الحدود التي تشعر بريطانيا بأنها ليست حرة التصرف بها دون أن تمس مصالح حليفتها فرنسا “،  وهي “ولايتا مرسين واسكندورنة وأجزاء من بلاد الشام الواقعة في الجهة الغربية لولايات دمشق وحماة وحلب “. كما إن ” ولايتي حلب وبيروت تحتاجان إلى نظر دقيق. . لأن مصالح حليفتها فرنسا داخلة فيها “[158]. ضمن هذا الإطار، هناك من يرجح أن بريطانيا لم تفكر خلال مراسلات حسين – مكماهون في استثناء فلسطين من الخريطة العربية، فيقول جيفريز “إن ما يمكن تأكيده هو أنه حتى تشرين الأول 1915، لم يدر بخلد الدوائر المسؤولة (في بريطانيا) أية فكرة بشأن فلسطين، غير فكرة أنها جزء من دولة عربية تشرف عليها بريطانيا[159].  ويقول فيفيان غابرييل في رسالة بعث بها إلى جريدة التايمز اللندنية في 12/7/1922:” في عام 1915 وحين طرح كيتشر الاقتراح (التفاوض مع شريف مكة ) أمام مجلس الوزراء الذي كان عضوا فيه،  كنت أنا مساعده الشخصي بشأن الأمور العربية،  وأعرف أن تلك الخطة التي استند إليها تصميم أول رسالة للشريف،  لم تكن لتشير بأي حال إلى فصل فلسطين”[160]،  بينما يقول شتاين “إن لأاساس الذي وضعه كيتشنر لمراسلات حسين – مكماهون قد اعتبر فلسطين ضمن الدولة العربية. . في الوقت الذي كانت فيه فرنسا حين تقول سورية،  فهي تفكر بفلسطين”[161].  فضمن إطار فكرة بريطانيا القائمة على جعل المنطقة بأسرها، باستثناء الشريط الساحلي الشمالي الصغير – ضمن نطاق نفوها المباشر، لم يكن اقتطاع فلسطين أمراً  مجديا بالنسبة لمصالحها. 
غير أن تطورات الحرب وتصاعد التخوف الفرنسي من استفراد بريطانيا بالمنطقة العربية بأسرها في حالة انتصار الحلفاء في الحرب ما لبث أن أدى في عام 1916 إلى دخول بريطانيا وفرنسا في مفاوضات سايكس – بيكو. لقد جرت مفاوضات سايكس – بيكو في اوائل عام 1916 ضمن إطار التعامل الشمولي مع المنطقة بأسرها من قبل الطرفين المتفاوضين، البريطاني والفرنسي، وعلى قاعدة أن حجر الزاوية في أية تسوية لوضع هذه المنطقة، هو التعاون الدائم بين بريطانيا وفرنسا في مواجهة التحالف الألماني – التركي[162].  كما جرى التعامل خلال المفاوضات على أساس عدة اعتبارات في مقدمتها فرضية انتهاء الحرب لصالح الحلفاء، وضمان مصلحة بريطانيا في مصر، بغض النظر عن نتيجة الحرب، ثم ظهور النفط كمتغير جديد في حسابات الطرفين،  إضافة إلى مراسلات حسين – مكماهون. 
غير أن المفاوضات قد جرت بين طرفين غير متماثلين في درجة القوة على صعيد الحرب الدائرة على أقل تقدير. فالبريطانيون هم الذين كانوا يحاربون الاتراك، ورغم أنه في تلك المرحلة المبكرة من الحرب،  أي عام 1916،  لم تكن القوات البريطانية المتمركزة في مصر قد انتقلت إلى مرحلة الهجوم، “فقد بدا واضحا للفرنسيين المنشغلين على الجبهة الأوروبية الغربية، أن الهجوم البريطاني المرتقب قد يؤدى إلى سيطرة بريطانيا على المنطقة بأسرها، لذلك رأت فرنسا أن عقد صفقة مسبقة مع بريطانيا سوف يكون أفضل من الإنتظار إلى وقت تنقلب فيه الموازين ضدها”[163]
ضمن هذا الإطار، حصلت بريطانيا في الاتفاقية المذكورة،  والتي تمت المصادقة عليها برسائل متبادلة بين وزير الخارجية البريطانية إدوارد غراى وسفير فرنسا بول كامبون في 16/5/1916،  على حصة الأسد :
أولا : احتفاظ بريطانيا بسيطرتها التامة على منطقة تمتد من حدود مصر الدولية المقرة في عام 1906 إلى الشمال من مدينة الخليل حتى الطرف الشمالي للبحر الميت.  تتصل منطقة السيطرة البريطانية المباشرة بمنطقة نفوذ بريطاني تمتد من موازاة نهر الأدن حتى بحيرة طبريا ثم تتجه شرقا حتى كركوك شمالا والبصرة جنوبا،  فتكون منطقتا بغداد والبصرة منطقتين خاضعتين للسيطرة البريطانية المباشرة على غرار غزة – الخليل،  بينما تقام في منطقة النفوذ البريطاني الوسطية الممتدة من عمّان حتى كركوك دولة أو اتحاد دول عربية،  وذلك عملاً بمراسلات حسين – مكماهون المعدلة في سياق اتفاقية سايكس بيكو. 
ثانياً : احتفاظ فرنسا بسيطرتها المباشرة على الشريط الساحلى الشمالي الممتد من الإسكندرونة حتى شمالي عكا،  ثم تتصل بمنطقة نفوذ فرنسي تضم حلب وحماة ودمشق،  وتتجه شرقا حتى الموصل،  حيث يقام في منطقة النفوذ الفرنسي دولة أو اتحاد دول عربية. 
ثالثاً : يقام قطاع دولي يخضع لمعالجة خاصة في منطقة يحدها في الجنوب خط يمتد من شمالي غزة وشمالي الخليل وينتهي في نقطة قرب الطرف الشمالي للبحر الميت،  ثم يسير باتجاه الشمال لكي ينتهي بخط يمتد من نقطة قرب رأس بحيرة طبريا إلى شمالي مدينة عكا،  وذلك باستثناء مدينتي عكا وحيفا. 
رابعاً : تخضع مدينتا عكا وحيفا لسيطرة بريطانية مباشرة[164].
ويدل سير المفاوضات التي جرت بين الطرفين البريطاني والفرنسي في ذلك الحين، على أن بريطانيا قد وقفت أمام احتمالين : أولهما وضع المنطقة الممتدة من حدود مصر حتى عكا تحت سيطرتها المباشرة،  وبذلك فقد كانت تميل إلى جعل القطاع الذي سيخضع للتدويل إرضاء لفرنسا وروسيا، وهو جيب القدس             – Jerusalem Enclave-، صغيراً إلى حد يقتصر على مدينة القدس وحدها، مع ممر ضيق لها نحو البحر. أما الإحتمال الثاني فهو لإاكتفاء بفرض سيطرتها المباشرة على منطقة غزة – الخليل والمناطق الموازية الواقعة إلى الشرق من نهر الأردن، وبذلك فقد كانت تميل إلى جعل القطاع الدولي كبيراً قدر المستطاع،  وذلك بهدف جعله منطقة حاجزة بين تخوم مصر ومنطقة السيطرة الفرنسية في الشمال[165]
إن عوامل داخلية وخارجية متعددة قد دفعت بريطانيا إلى ترجيح الإحتمال الثاني في عام 1916،  وذلك استناداً إلى تقرير لجنة بونسين – Bunsen – التي شكلت في أوائل عام 1915 لغرض تقييم أهداف بريطانيا الحربية،  وقدمت تقريرها الذى لم ينشر منه سوى الجزء الخاص بفلسطين،  في حزيران 1915،  وجاء فيه :
أولاً : الرفض القطاع لفرص سيطرة بريطانية على “فلسطين” أي ولاية عكا الممتدة من حدود مصر حتى نهاية الولاية المذكورة . 
ثانياً عدم ضم فلسطين الى دائرة النفوذ البريطاني. 
ثالثاً : يجب أن يتم الاعتراف بفلسطين كأقليم يخضع مصيره لمفاوضات خاصة نظرا لأهميتها  بالنسبة للإطراف المتحاربة إضافة إلى الإطراف المحايدة[166]
ويتضح من اتفاقية سايكس – بيكو أنها  قد ضمنت لبريطانيا كافة متطلباتها الإقتصادية والأمنية والستراتيجية.  فقد حصلت بريطانيا على موافقة فرنسا على فرص سيطرة مباشرة على سنجق غزة المتاخم لقناة السويس وعلى سنجق بغداد – البصرة المتاخم للخليج العربي،  إضافة إلى منطقة نفوذ ممتدة بين القطاعين لمد خط نفطي بين بغداد وحيفا[167]، حيث استثنيت عكا من منطقة التدويل لكي تضم الى منطقة السيطرة البريطانية المباشرة.  وقد شكلت اتفاقية سايكس – بيكو تجسيداً لمفهوم الربط بين أمن الخليج العربي وأمن البحر الاحمر وممراته البرية والمائية،  وهو مفهوم شكل أساس سلوك معظم القوى السياسية التي حكمت المنطقة منذ فجر التاريخ، حيث كان احتلال مصر من قبل الأشوريين أول ممارسة في هذا الاتجاه. 
أما جيب القدس الدولي،  فقد ضمن لبريطانيا إرضاء حليفتيها فرنسا وروسيا، كما ضمن لها إبعاد منطقة السيطرة الفرنسية المباشرة إلى أقصى حد ممكن باتجاه الشمال.
غير أن ما استجد من أمور في عام 1917 قد قلب كافة المعادلات.  ذلك هو قيام الثورة الاشتراكية في روسيا وانسحاب روسيا من الحرب.  فانتهاء إدعاء روسيا بأنها حامية للأماكن المقدسة الأورثودكسية في القدس، وانسحابها من الحرب، قد وضع بريطانيا وجها لوجه أمام فرنسا التي أصبحت الطرف الوحيد المطالب بقطاع أو جيب القدس، بكل ما يعنيه ذلك من احتمال استفرادها بهذا الجيب،  وتحويله إلى منطقة خاضعة لسيطرتها المباشرة، وهو أمر أصبحت بريطانيا تقاومه بشدة،  وتبحث عن الوسائل الكفيلة بالغاء فكرة التدويل. 
أما الإحتمال الآخر الذي وضعته بريطانيا في عام 1917 ،  فهو أن انسحاب روسيا من الحرب قد يؤدي إلى تقدم ألمانيا واحتلالها فلسطين  ثم قناة السويس.  ضمن هذا الإطار،  تخلت بريطانيا نهائياً في أواخر 1917 عن فكرة التدويل واتجهت نحو بلورة ستراتيجية فلسطينية جديدة تقوم على احتمالين :
أولاً : احتلال فلسطين عسكرياً في حالة تقدم اي خطر ألماني. 
ثانياً : ايجاد بديل لفكرة التدويل في حالة انتصار بريطانيا وفرنسا،  بهدف إبعاد فرنسا عن فلسطين،  وهو البديل المتمثل في إسكان اليهود في فلسطين والذي شكل إحياء لفكرة بالمرستون منذ منتصف القرن التاسع عشر[168]
فبعد قيام ثورة شباط 1917 في روسيا، استبقت بريطانيا إنسحاب روسيا من الحرب، فشنت حملة العراق في آذار من العام نفسه، واستولت على الكوت ثم بغداد.  وفي 2/4/1917 وافق مجلس الحرب البريطاني على “حملة فلسطين” وكتب رئيس الوزراء لويد جورج،  قائلاً :”لقد أدركنا المزايا الأدبية والسياسية التي يمكن أن يحققها التقدم على هذه الجبهة،  وبشكل خاص إحتلال القدس”.  ومن الواضح أن المقصود هنا هو احتلال المنطقة الممتدة من حدود مصر إلى ما بعد ” جيب القدس المقترح في سايكس – بيكو والتي تشكل منطقة الدفاع الرئيسة عن مصر، وتتماثل مع منطقة النفوذ الفرعونية القديمة الأولى.  فقد كانت مخاوف لويد جورج، وفقا لسكوت “غير مقتصرة على التحالف الألماني – التركي، بل إنه يريد أن يستأصل أية إمكانية لامتداد النفوذ الفرنسي إلى فلسطين في الحاضر أو المستقبل”[169]. وقد عبر لويد جورج ثانية عن ذلك بقوله ” سيكون على الفرنسيين أن يقبلوا الحماية التي سنفرضها على المنطقة. . سنكون هناك عن طريق الغزو،  وسنبقى”[170]
غير ان احتلال الجيش البريطاني لفلسطين ثم بقية المنطقة العربية بأسرها في عام 1917،  لم يكن كافيا بحد ذاته لنقض إتفاقية سايكس- بيكو والتخلي عن حليفة بريطانيا الأساسية في الحرب،  فرنسا.  فقد وجدت بريطانيا أنه إذا ما أرادت الاحتفاظ بفلسطين دون تأزيم علاقاتها بفرنسا،  فلابد لها من إيجاد المبرر الكافي لإسقاط إعتراضات فرنسا  على ضم فلسطين إلى نطاق سيطرتها.  وكان صدور  إعلان بلفور بعد أن شارفت حملة فلسطين على نهايتها، هو ذلك المبرر ،  الذي وصفه لويد جورج بقوله :”إن هدف بريطانيا الأساسي من إصدار إعلان بلفور هو منع فرنسا من مد نفوذها إلى تخوم قناة السويس. .. “فكان لابد من إيجاد مبرر كاف للتحرر من الإلتزامات التي فرضتها بريطانيا على نفسها تجاه حلفائها بموجب إتفاقات سايكس – بيكو،  وإخضاع فلسطين مع انتهاء الحرب لسيطرة بريطانيا وحدها[171]
يقدم هربرت سايدبوثام في مقالة نشرت في لندن في عام 1917 بعنوان “المصالح البريطانية في فلسطين” تحليلاً شاملاً لهذه المصالح ضمن إطار التهيئة لصدور إعلان بلفور.  يقسم سابديوثام تلك المصالح إلى عسكرية إستراتيجية يمليها أساسا الدفاع عن مصر والهند،  ومصالح سياسية تشمل تسوية وضع الأقاليم المحاذية لمصر والهند على نحو يجعل مستقبلها مضمونا،  وأعباءها العسكرية على أخف ما يكون.  أول هذه المصالح هو الدفاع عن مصر،  فيقول إنه حتي لو انتهت الحرب بهزيمة المانيا وتركيا،  فإن مصر ستظل معرضة للخطر من قبل أية قوة تحكم المنطقة الوسطية حتى حدود مصر،  وذلك لأن أي عدو،  سواء كان تركيا أم خليفته الأشد خطرا (والمعتقد باأه يقصد فرنسا) سوف يجد وراءه بلداً له مواصلاته المنظمة ومخزونا ضخما من المواد اللازمة لاختراق الصحراء بين فلسطين وقناة السويس،  قبل أن تكون لدى بريطانيا فرصة لإافاقة من المفاجئة الاولية :” سوف لا يكون من الضروري له أن يعبر القناة لتحقيق أغراضه، بل سيكون كافيا له أن يقيم على الضفة لتدمير مواصلاتنا عبر قناة السويس”[172]. وهنا لا ينطلق سايد بوثام في فرضيته هذه من فراغ، وإنما من التاريخ القديم والحديث،  حيث كان بمقدور أية قوة تسيطر على فلسطين أن تخترق الصحراء وتصل إلى قلب مصر قبل ان يكون بمقدور مصر الإفاقة من المفاجأة الأولية.  وكانت  هذه الحالة ما قبل الأخيرة هي اختراق القوات التركية للصحراء وتهديدها لمصر “البريطانية” خلال الحرب العالمية الأولى،لكي تليها إسرائيل في عام 1967. يناقش سايدبوثام فكرة تحويل سيناء الى ترسانة سلاح، غير أنه يرفض الفكرة نظراً لما تتطلبه من عدد ضخم من القوات والمصروفات،  إضافة إلى خوض حرب يكون ظهر الجيش فيها هو الصحراء.  ثم يعزو هذه المشكلة الأساسية التي تواجهها بريطانيا إلى ” الخطأ الستراتيجي الذي ارتكبته بريطانيا لدى رسم حدود مصر الشرقية في عام 1906،  حيث أنها لم تصر على ضم سنجق غزة إلى مصر،  وأن ذلك كان من شأنه أن يؤدي إلى تضاؤل اهتمامها بفلسطين ويعفيها من تلك الحيرة التي تواجهها [173].  وفي ضوء أن فرنسا بدرجة رئيسة  والقوى الدولية بشكل عام،  لن توافق على تعديل اتفاقية 1906،  فان السياسة بعيدة النظر التي يتحتم على بريطانيا تبنيها، هي أن تقيم في فلسطين دولة حاجزة مثالية على غرار أفغانستان بالنسبة للهند.  أما لماذا يجب أن تكون هذه الدولة الحاجزة “يهودية” وليست عربية أو “أوربية خالصة” على غرار الدول الاستيطانية الأوروبية، فيورد سايد بوثام عدة أسباب، بعضها يتعلق ببريطانيا والآخر بفرنسا.  فعلي الصعيد البريطاني،  يشير سايد بوثام إلى المصاعب التي واجهتها بريطانيا في الهند وأفغانستان، حيث كان سكان الدولة الحاجزة الأفغانية يتحالفون أحيانا مع روسيا ضد بريطانيا:  “أما في “سورية”*، فان الدولة الحاجزة غير موجودة حالياً، بل ستصنع صناعة وربما إنها من صنع أيدينا، فسوف لن يكون هناك شك في وضعها الدولي،  حيث ستكون من البداية معتمدة على التاج البريطاني وجزءا لا يتجزأً من الإمبراطورية البريطانية، ذلك لأن الأسباب التي أدت إلى المشاكل في أفغانستان بسبب كون الدولة الحاجزة دولة سكان أصليين، لن تكون قائمة هنا،  لأن الذين سنشكل منهم هذه الدولة هم اليهود المشربون بأفكارنا السياسية من جهة، والذين سيشكلون لنا حماية ضد الشرق الأجنبي من جهة، كما سيشكلون وسيطا بيننا وبينه من جهة اخرى،  وهي ميزة لا يوفرها المستوطنون الاوروبيون،  نظراً للعلاقات التاريخية الطيبة بين المسلمين العرب واليهود”[174]. أما بالنسبة لفرنسا فان إقامة دولة يهودية حاجزة في “سورية”. سوف يقضي على الكثير من الإعتراضات على توسيع إمكانياتنا العسكرية،  وذلك لأان فصل فلسطين عن سورية من أجل إقامة دولة عربية فيها لن يقنع فرنسا التي سوف تصر على أن تكون هذه الدولة ضمن نفوذها بسبب التجانس السكاني للمنطقة[175]. ثم يجد سايد بوثام أن اقتلاع السكان الأصليين شرط ضروري لذلك،  إضافة إلى أنه “سمة من سمات العصر القومي”[176].
سعت بريطانيا خلال المفاوضات الطويلة بينها وبين فرنسا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، إلى وضع المنطقة العربية بأسرها ضمن نفوذها أو سيطرتها المباشرة،  وذلك بالعمل على إبعاد فرنسا عن المنطقة أو تقليص وجودها فيها ألى أقل حد ممكن.  فطالبت في أوائل عام 1918 بتعديل إتفاقية سايكس – بيكو بحيث يتم ضم الموصل إلى دائرة نفوذها[177].  وسعت خلال مؤتمر السلام في عام 1919 الى إقامة ” دولة عربية مرتبطة بها في المنطقة المخصصة للنفوذ الفرنسي[178].  ورفضت الموافقة على انتداب فرنسي على هذه المنطقة لأن هذه المدن،  أي دمشق وحمص وحماة وحلب ليست ضمن “سورية” وفقا للويد جورج[179].  أما المفهوم البريطاني “لسورية” فهو أنها ” لبنان”. 
وبعد ان تم توزي الإنتدابات في مؤتمر سان ريمو، وتنازلت فرنسا عن الموصل وفلسطين،  أصرت بريطانية على تضمين “إعلان بلفور” في صك الانتداب على فلسطين،  وذلك كضمانة “شرعية” بعد أن أصبح الوجود الفرنسي في المنطقة الوسطية أمراً لا مفر منه.  وكانت فرنسا قد تمسكت خلال عام 1918 باتفاقية سايكس – بيكو، وظلت تطالب بحقوق “تاريخية” في “سورية ولبنان وقليقية وفلسطين”[180]. كما طالبت في عام 1920 “بحقها في حماية الأماكن المقدسة في القدس”، وعارضت تضمين إعلان  بلفور في صك  الإنتداب البريطاني علي فلسطين في عام 1922[181]. كما عارضت قيام دولة عربية واحدة في المنطقة العربية “لأن ذلك من شأنه أن يخلق مصاعب كبيرة وعلى الحكومات  المعنية أن تفكر بلأامر مليا”،  وفقا لكليمنصو[182].  ومن الواضح أن معارضة فرنسا لفكرة الدولة العربية الواحدة كانت معارضة نابعة من واقع أن مثل هذه الدولة سوف تكون مرتبطة ببريطانيا وليس بها،  الأمر الذي كان من شأنه أن يحرمها من السيطرة على جزء من المنطقة على أقل تقدير. 
ففي سياق هذا التنافس البريطاني – الفرنسي، تم وضع الحدود بين مناطق نفوذ الطرفين، وذلك خلال جلسات مؤتمر سان ريمو في عام 1919، ثم في الإتفاق البريطاني – الفرنسي الذي عقد في ايلول 1920.  فاقامت فرنسا في منطقة نفوذها عدة دول هي دولة لبنان،  دولة دمشق،  دولة حلب،  دولة اللاذقية،  دولة الإسكندرونة ودولة الدروز،  ثم عادت ووحدت دولتي دمشق وحلب عام 1922،  ولم يتم ضم دولتي العلويين في اللاذقية ودولة الدروز الى دولة دمشق وحلب الا في عام 1946، وذلك نتيجة لضغوط بريطانية هدفها إخراج فرنسا من المنطقة بعد انهيار جبهتها خلال الحرب العالمية الثانية، وسيطرة بريطانيا على المنطقة بأسرها سيطرة فعلية منذ عام 1941[183]. وبذلك اصبح “لسورية “هوية إقليمية لأول مرة في التاريخ. أما بريطانيا، فبعد أن كانت قد أحالت مصر إلى محمية في عام 1914،  عمدت إلى وضع حدود العراق كحدود فاصلة بين منطقة نفوذها ومنطقة النفود الفرنسي، ثم عمدت إلى وضع حدود فلسطين الشمالية وفقا للمنظور ذاته. 
تمثل هدف بريطانيا لدى وضع حدود فلسطين في إبعاد فرنسا إلى أقصى حد ممكن نحو الشمال،  ثم توفير الفاعلية لإاقتصادية لإقليم فلسطين على نحو لا يظل مرتهناً للإدارة الفرنسية في الشمال،  وبخاصة بالنسبة للمصادر المائية،  ولا يشكل في الآن ذاته عبئا إقتصاديا على بريطانيا.  فعدم توفير مصدر مائي رئيس من مصادر نهر الأردن لفلسطين “سوف يحول تلال اليهودية الجرداء الى صحراء بمجرد قطع هذه المصادر عنها ” وفقا للويد جورج[184].  وبذلك تم الإتفاق بين بريطانيا وفرنسا على جعل رأس نهر الدان، وهو أحد أكبر مصادر مياه نهر الأردن، ضمن حدود فلسطين الشمالية.  أما بقية الخط الشمالي فكان قد تم الإتفاق عليه في اتفاقية سايكس – بيكو.  وقد ظلت الحدود بين العراق وفلسطين غير محددة رسميا.  وفي عام 1922،  عمدت بريطانيا الى تنظيم منطقة نفوذها،  فأقامت حدوداً إدارية بين “فلسطين” “وشرقي الاردن”. 
ومن المرجح أن الإدارة البريطانية كانت تنوي وضع شرقي الاردن تحت نظام خاضع لانتدابها قبل وصول الأمير عبد الله إلى المنطقة في آذار 1921[185]. غير أن إمارة شرقي الاردن ظلت تابعة لحكومة فلسطين الإنتدابية،  وذلك إلى حين تحويل الإمارة إلى مملكة في عام 1946[186].   فلدى انعقاد مؤتمر سان ريمو في 25/4/1920 تقرر فرض الانتداب البريطاني على “العراق وفلسطين” والانتداب الفرنسي على “سورية “، ولم يرد ذكر “لشرقي الأردن”[187]، بينما أشار صك الانتداب الصادر في 24/7/1922 إلى “الأراضي  الواقعة بين نهر الأردن والحد الشرقي لفلسطين”[188] وهو حد العراق، ثم أرفق الصك بمذكرة توضيحية بتاريخ 16/9/1922، نصت على تطبيق الانتداب البريطاني” في فلسطين على شرقي الأردن ” ووضعت المذكرة حدوداً فاصلة بين فلسطين وشرقي الأردن”.  غير أن حكومة الإنتداب ظلت حكومة واحدة في الإقليمين،  بينما عمدت إلى إلغاء المواد التي تتضمن إعلان بلفور من شروط الإنتداب على شرقي الاردن[189].  ومن الواضح أن بريطانيا لم تعد تعتبر “شرقي الاردن ” ضمن فلسطين،  وذلك في إطار ستراتيجيتها الجديدة الخاصة بتنظيم أمور منطقة نفوذها.  كما يبدوا واضحا أن بريطانيا لم تكن معنية بالتسميات،  كما لم تكن معنية بالسكان،  سواء كانوا عربا أم يهوداً، بل كان اهتمامها الرئيس منصبا على عملية تفصيل الأقاليم على مقاس مصالحها العليا.

 

3- سياسة بريطانيا الإقليمية في فلسطين :

بعد أن أنجزت بريطانيا تحديد منطقة نفوذها، أقامت إمارة شرقي الأردن المرتبطة بحكومة فلسطين لإانتدابية.  أما في فلسطين،  فقد تبنت سياسة عدم إقامة دولة.  وقد اختلف صك الإنتداب الخاص بفلسطين عن صكوك الإنتداب الخاصة بالمناطق العربية الاخرى،  حيث نصت تلك الصكوك على إرساء القوانين التي تمهد لتحول الإنتادبات إلى دول مستقلة،  بينما خلا صك الإنتداب على فلسطين من ذلك،  واكتفى بلإاشارة إلى “تطوير مؤسسات الحكم الذاتي”[190]. ففي مذكرة قدمها وزير الخارجية البريطاني حول “سورية وفلسطين وميسوبوتاميا” في أيلول 1919،       قال :”إن التسوية التي سوف تتم، سوف تتخذ شكل التوفيق بين إتفاقية           سايكس – بيكو وعهد عصبة الأمم، حيث سيتم إلغاء المناطق المخصصة للسيطرة المباشرة لكل من فرنسا وبريطانيا، وذلك بضمها إلى المناطق المخصصة لإقامة دولة عربية مرتبطة بالنفوذين البريطاني والفرنسي، وبهذا تصبح ميسويوتاميا – أي العراق – دولة خاضعة لبريطانيا، وتصبح سورية دولة خاضعة لفرنسا،  أما فلسطين فهي ليست دولة – أمة،  ولن تكون كذلك في المستقبل القريب”[191].
من جهة ثانية،  فإن تضمين إعلان بلفور في صك الانتداب على فلسطين لم يتضمن إقامة دولة  يهودية في فلسطين أو التهيئة لإقامة مثل هذه الدولة،  حيث نص الإعلان المذكور على بيت قومي – National Home – وليس دولة  ولم يكن لهذا المصطلح أي مفهوم واضح في أوروبا لدى ابتكاره من قبل واضعي الاعلان.  بذلك يقول جيفريز : “كان مصطلح” بيت قومي” بالنسبة لمعظم الناس في عام 1917 مصطلحا جديداً تماما،  ولم يكن بمستطاع أي أحد أن يعطيه أي معني،  ذلك لأنه لم يكن له أي معني سابق،  وقد تم استخدامه مقترنا بفلسطين دون أن يدل على أي معنى كذلك “[192]. وفي مؤتمر صهيوني عقد في يافا في عام 1918 حاول المستشار العسكري البريطاني أورمسبي غور تعريف مصطلح بيت قومي بقوله :”ما الذي تفهمه من “بيت قومي يهودي؟ نحن نعني أن اليهود الذين ياأون طواعية للاقامة في فلسطين سيعيشون كيهود،  أي أن يتم النظر إليهم كيهود، ولاشئ أكثر من ذلك،  أي أن يكونو احراراً في تطوير ثقافتهم العبرية،  وأن يعملوا على تطوير البلد وأن يعيشوا في فلسطين كما يرتأون،  وكل ذلك بشرط أن يكونوا خاضعين شأنهم شأن كافة السكان الآخرين لقانون هذا البلد[193]،  وفي عام 1921 نفى وزير المستعمرات ونستون تشرشل أن يكون ” البيت القومي” يعني دولة ” وقال بأن الحكومة البريطانية ستظل موجودة في فلسطين للعديد من السنوات، وحين تكون المؤسسات التمثيلية قد قامت،  يكون أولادنا وأولاد أولادنا قد ماتوا”[194]، وكرر تشرتشل ذلك في “الكتاب الأبيض” الذي أصدره في عام 1922 رافضا فكرة أن “إعلان بلفور” يخول اليهود التطلع إلى اقامة دولة”[195].  وفي ضوء أن حكومات الإنتداب، لم تنتظر تطور المؤسسات التمثيلية في المناطق الأخرى، فمن الواضح أن عدم تحول فلسطين إلى دولة عربية يهودية أو فلسطينية قد ظلت سياسة بريطانية حتى عام 1939 وهي سياسة قائمة على الإبقاء على فلسطين بمثابة منطقة سيطرة بريطانيا مباشرة،  وعدم حسم مصيرها إلا في ضوء ما يحدث من تطورات بالنسبة لمصالح بريطانيا العليا،  وبغض النظر عن أية إعتبارات أخرى، بما في ذلك إعلان بلفور.  ففي عام 1937 تجاهلت بريطانيا لجنة التحقيق الأنغلو – أميريكية التي أوصت بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية[196]
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية في عام 1939، أخذت بريطانيا تعيد النظر في سياستها الفلسطينية.  وقد نبعت تلك المراجعة من تقديرات واحتمالات عديدة قد تتمخض عنها الحرب، حيث برزت مجددا مسألة السيطرة على المنطقة العربية بأسرها، من العراق حتى مصر، بعد أن كانت قد خفت خلال الفترة السابقة بعد التفاهم البريطاني- الفرنسي في عام 1920.  فخلال تلك الفترة،  وضعت بريطانيا مقدمات تشكيل دول – أمم في العراق ومصر ثم شرقي الاردن.  فعقدت معاهدة 1930 مع العراق ومعاهدة 1936 مع مصر، وكان قد صدر قانون إمارة شرقي الأردن في عام 1928 وبموجب تلك المعاهدات بوشر بإنشاء المؤسسات،  حيث تضمنت تلك المعاهدات والقوانين تثبيت مواقع تلك الدول ضمن دائرة النفوذ البريطاني. وقد طرح اندلاع الحرب إحتمالات جديدة هي :
1-  إحتمال تمكن بريطانيا من طرد فرنسا وتحويل المنطقة بأسرها الى منطقة نفوذ بريطاني خالص. 
2-    احتمال عودة فرنسا إلى المطالبة بفلسطين أو بجزء منها.
3-    إحتمال إحتلال ألمانيا للمنطقة بأسرها. 
ضمن هذا الإطار،  كان من شأن تحويل فلسطين إلى دولة فلسطينية مرتبطة بمعاهدة مع بريطانيا أن يشكل بديلاً شرعياً لنظام الانتداب المهدد بالانهيار.        ففي عام 1939،  أصدرت بريطانيا ” الكتاب الابيض ” الذي أعلنت فيه أنها قد نفذت تعهداتها بتأسيس “البيت القومي اليهودي” ومن ثم أصبح من واجبها “إقامة الحكم الذاتي  والإعداد لقيام الدولة الفلسطينية “، وبأن تعهداتها السابقة لا تنص على إقامة دولة يهودية أو دولة عربية”[197]. وقد جاء ذلك التبدل في السياسة البريطانية متفقا وهدف بريطانيا الستراتيجي الذي تبلور مع بداية التفكير بتفكيك الإمبراطورية التركية، والمتمثل في إقامة دولة عربية واحدة ترتبط بها مباشرة وتمتد من العراق حتى مصر، أو عدة دول ترتبط بها مباشرة. وكان من شأن إقامة دولة “فلسطينية” تضم العرب واليهود الموجودين في فلسطين حتى ذلك الحين، أن يرضي العرب المتخوفين من قيام “دولة يهودية “.
من جهة ثانية، فإن السياسية البريطانية إزاء عمليات الإستيطان الصهيوني قبل عام 1939 قد اعتمدت توجيه ذلك الإستيطان نحو وسط وشمال فلسطين بعيدأ عن النصف الجنوبي (غزة – الخليل)[198]،   مما يرجح أنها قد حصرت وظيفة الإستيطان الصهيوني في ردع مخططات فرنسا المتطلعة باستمرار نحو فلسطين،  وجعل الدفاع عن قناة السويس مسؤولية بريطانية خالصة،  سواء في جنوب فلسطين أو من شرقي الأردن، حيث أصدرت في عام 1922 قراراً يمنع اليهود من شراء أراض في شرقي الأردن[199]. وفي سياق سياستها الجديدة التى انتهجتها في عام 1939، خدمة لأهدافها الستراتيجية،  اتجهت إلى حصر لإاستيطان الصهيوني في رقعة محددة،  فأصدرت عام 1940 قانونا حصرت فيه حق الإستيطان اليهودي وشراء الأراضي  من قبل اليهود في الشريط الساحلي الممتد من جنوبي حيفا إلى جنوبي يافا،  وذلك في إطار رقعة تشكل 5% من مساحة فلسطين الكلية،  ثم حددت إستيطان اليهود في مناطق طبريا وبيسان بقرار يصدر عن المندوب السامي،  وشمل ذلك التحديد مساحة شكلت 31.6% من مساحة فلسطين “بينما حظرت أي استيطان يهودي في المنطقة الجنوبية التي تشكل 63% من مساحة فلسطين[200].   ويبدو هذا القرار مخالفا تماما للوظيفة الأساسية للإستيطان اليهودي التي ابتكرتها بريطانيا منذ عام 1840،  والمتمثلة في إسكان اليهود في فلسطين الجنوبية لتشكيل منطقة حاجزة أمام مصر،  مع الاخذ بعين الإعتبار أن الإستيطان الصهيوني قد تركز منذ بدء الإنتداب البريطاني على فلسطين،  في المناطق الساحلية الوسطية والمناطق الشمالية، وليس في المناطق الجنوبية.  وكانت وظيفة الإستيطان قد تبدلت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، حيث أصبحت موجهة لردع أية مطالب لفرنسا أو أى تقدم لها نحو شمال فلسطين. 
إن تسارع أحداث الحرب العالمية الثانية،  ما لبث أن طرح متغيرات جديدة في الساحة الدولية، في مقدمتها تقدم الألمان في شمال إفريقيا واختراقهم حدود مصر في عام 1942، ومثول خطر سيطرة ألمانيا على المنطقة بأسرها،  “فاذا سقطت مصر لا يمكن الدفاع عن فلسطين”[201].  أما المتغير الثاني،  والذي لا يقل أهمية،  فهو تعاظم دور الولايات المتحدة الاميريكية في الشؤون الدولية، وتزايد اعتماد بريطانيا عليها في التمويل والتموين العسكري والغذائي،  وبداية التطلع الأميريكي نحو وراثة بريطانيا في المنطقة. 
فمع تقدم رومل على الجبهة المصرية،  بدأت الدعوة في الولايات المتحدة في عام 1942، إلى تشكيل  وحدات  عسكرية يهودية للعمل خلف خطوط الألمان في حالة تقدمهم نحو فلسطين[202].  وقد تمثلت خطورة هذه المطالبة في ما تضمنته من أهداف سياسية ترمي إلى الإعتراف باليهود في فلسطين ككيان سياسي،  من خلال الإعتراف بتنظيمهم العسكري.  غير أن انتصار بريطانيا في معركة العلمين في عام 1943 قد قضى على الخطر الألماني كما قضى على الغرض الظاهر من المطالبة بتشكيل تلك الوحدات اليهودية.  غير أن الدعوة لها ظلت قائمة في الولايات المتحدة حيث طرحت بريطانيا مقابل ذلك،  فكرة تشكيل فرقة عربية – يهودية مشتركة[203]،  وذلك في سياق سياستها الجديدة التي لا يمكن إغفال التخوف من الدور الأميركي الجديد في بلورتها.  وقد رضخت بريطانيا رغم ذلك للضغوط الاميركية وسمحت للفرقة اليهودية بالمشاركة مع قوات الحلفاء في إيطاليا رافعة علما خاصا هو علم “اسرائيل” اليوم. 
واصلت بريطانيا خلال الأعوام التالية التمسك بفكرة دولة فلسطينية تضم العرب واليهود على النحو الذي جاء في الكتاب الأبيض الصادر عام 1939، وذلك في إطار سياستها الرامية إلى توحيد المنطقة العربية في إطار نفوذها،  حيث عمدت في عام 1944 إلى عقد مؤتمر الإسكندرية لوضع أساس تشكيل جامعة الدول العربية.  فقد كان من شأن قيام دولة فلسطينية تضم العرب واليهود أن يحل الورطة التي وجدت بريطانيا بها نفسها، والمتمثلة في “إعلان بلفور” وتشجيع الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين خلال سنوات الإنتداب.  فقد كان من شأن الدولة الفلسطينية أن تصبح عضواً في جامعة الدول العربية الموالية لبريطانيا، ذلك في الوقت الذي تم فيه نقل مقر الحركة الصهيونية إلى الولايات المتحدة،  والذي بدا فيه
بوضوح أن المشروع الصهيوني لم يعد في خدمة أهداف بريطانيا وأنه مرشح لخدمة أهداف الولايات المتحدة المتطلعة إلى طرد بريطانيا من المنطقة. 
وقد توقفت الدعوة البريطانية لدولة فلسطينية خلال النصف الأول من الأربعينات مع مرحلة بدا فيها أن بريطانيا قد فرضت سيطرتها الفعلية على المنطقة بأسرها، وأنها قادرة على تنفيذ أي من السياسات التي تراها، وبخاصة بعد طرد حكومة فيشي من سورية وممارسة السيطرة الفعلية فيها.  ففي تلك الفترة تمثلت رغبة بريطانيا بالنسبة لفلسطين، في استمرار الوضع على حالة من خلال تمديد انتدابها على فلسطين وفقا لما أوصت به لجنة التحقيق الانغلو –اميركية في عام 1946،  وذلك لكي يتسني لها تطبيق حل شبيه بمشروعي بيفن ولجنة موريسون – غريدى،  اللذين تضمنا فكرة إقامة ما يشبه الكانتونات ذات الحكم الذاتي تحت وصاية بريطانية لمدة خمس سنوات، تعد خلالها البلاد للاستقلال كدولة فلسطينية واحدة[204]. غير أنه كان واضحاً منذ عام 1942 أن القرار في المنطقة لم يعد قراراً بريطانيا، حيث أصبح العامل الاميركي عاملاً أساسياً على نحو مستقل عن بريطانيا. هكذا انسحبت بريطانيا من فلسطين قبل الموعد الرسمي لانتهاء إنتدابها،  ثم عمدت في األول 1947 إلى نقل مخازن أسلحتها من فلسطين إلى كينيا[205]. وكان ذلك بداية نهاية الدور البريطاني.  في عام 1946،  تمت إقامة ثلاث عشر مستوطنة صهيونية في النقب وذلك فور إعلان الرئيس،  ترومان عن تأييده لخطة ” الإعلان الأحادي للإستقلال”  – Unilateral Declaration of Independence [206]– الصهيونية، التي شملت 85% من مساحة فلسطين. الهوامش


الفصل الثامن

عهد القوتين الأميركية والسوفييتية

لقد أكد انهيار القوتين البريطانية والفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية على أن المجابهة المقبلة على الصعيد الدولي هي مجابهة بين قوتين جديدتين تختلفان إختلافا شاسعا عن القوى التي سبقتها سواء في عناصر القوة الذاتية أم في الأهداف والستراتيجيات أم في تعاملهما مع المتغيرات الموضوعية التي شهدها عصرنا بعد الحرب العالمية الثانية وفي مقدمتها المتغير النووي. 
فعلى صعيد عناصر القوة الذاتية شكلت كل من القوتين الجديدتين : الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي،  نمطا خاصا من الدولة – الأمة الحديثة،  هو نمط الدولة القارة أو شبه القارة حيث وفر ذلك لكل منهما العديد من مصادر الإكتفاء الذاتي والقوة الذاتية، ماديا وبشريا وإقليميا. ولم تعد هاتان الدولتان بحاجة إلى الاستعمار الإمبريالي المباشر على النحو الذي احتاجته القوى التي سبقتها. 
كذلك فقد دشنت الدولتان العصر النووي بأسبقيتهما في امتلاك السلاح  النووي واستمرار تفوقهما في هذا المجال، الأمر الذي كرسهما كقوتين عظميين يرتبط بهما مصير العالم ومستقبله. 
من جهة ثانية،  مثلت القوتان الجديدتان نظامين سياسيين واقتصاديين – اجتماعيين متباينين إلى حد التناقض وذلك على العكس من القوى السابقة التي انتمت لنظام إقتصادي- إجتماعي واحد، وبذلك فقد اتسمت طبيعة الصراع الجديد بسمة الصراع المصيري الذي يهدف كل طرف فيه إلى القضاء النهائي على نظام الطرف الاخر. 
وقد ارتبط كل نظام من هذين النظامين : الاشتراكي والرأسمالي،  بمنظومة أيديولوجية تطال مختلف جوانب الحياة البشرية، هما الماركسية والليبرالية.  وقد اتسمت كل من هاتين المنظومتين الأيديولوجيتين بسمة العالمية على غرار الأيديولوجيات العقائدية.  وبذلك فقد أصبح التنافس بين القوتين تنافسا مصيريا على نظام إقتصادي- اجتماعي ومنظومة أيديولوجية عالمية.  وقد توافق هذا التنافس مع التطور العلمي في مجال الذرة ثم التكنولوجيا، حيث أصًبح الصراع المسلح بين القوتين، وبخاصة بعد اختراع الصواريخ عابرة القارات، أمرا من شأنه أن يطال مختلف أجزاء المعمورة وسكانها. 
ففي إطار عالمية السلاح وعالمية النظام الاقتصادي- الاجتماعي والأيديولوجي، لم تعد استراتيجيات القوى مقتصرة على هدف الحفاظ على طريق الهند، على النحو الذي كانت عليه استراتيجية بريطانيا.  كما لم يعد هدف النظام الإقتصادي – الأيديولوجي مقتصراً على حدود الدولة – الأمة.  بل أصبح نشر هذا النظام يشكل شرطا لاستمرار كل قوة كقوة. ولم يعد تقلص نفوذ إحدى القوتين يعني مجرد الانكفاء على الذات، وإنما اصبح يعني خلق الشكوك إزاء فاعلية نظامها الاقتصادي – الاجتماعي والأيديولوجي برمته. 
هكذا اكتسب كل إقليم في العالم أهمية لدى القوتين. ولم تعد هناك مناطق خارجة عن اهتماماتهما.  كما لم تعد أهمية أي اقليم منحصرة في الاقليم ذاته فقط. ففي سياق تناقض النظامين الاقتصاديين – الاجتماعيين للقوتين وتصاعد أهمية العامل السكاني مع انتشار ظاهرة التسيس والرغبة في التحرر من الإستعمار المباشر، ارتبطت عملية انتشار هذا النظام أو ذاك باعتناق سكان أي إقليم لأيديولوجية أحدهما، وأصبح كسب سكان أي إقليم لأحد النظامين خسارة استراتيجية للطرف الآخر.  وكانت نتيجة هذه التطورات هي استحالة تقاسم العالم على النحو الذي فعلته القوى الأوروبية السابقة وخضع النظام الدولي لقوتين تعتبر كل منهما نفسها مشروع دولة عالمية على غرار الدولة العقائدية العالمية في العصور الوسطى. 
من جهة ثانية، لعب العامل الجيوبوليتيكي دورا رئيسيا في تكييف الصراع وفي تحديد أولوياته.  فعلى الرغم من أن الإتحاد السوفييتي كان دولة شبه قارة، فهو دولة محصورة غير قادرة على الوصول إلى مختلف مناطق العالم إلا عبر دول أخرى، إضافة إلى أنه لا يملك منفذا مباشرا إلى البحار ولا مرفأ بحريا دائما على مدار السنة.  كذلك فإن إحاطة الإتحاد السوفييتي بدول معادية كفيلة بأن تخنقه.  على العكس من ذلك،  إان الولايات المتحدة دولة مفتوحة على المحيطين الأطلسي والهادي وقادرة على الوصول إلى معظم دول العالم مباشرة باستثناء الدول المحصورة، وفي مقدمتها الإتحاد السوفييتي. وهي غير محاطة إلا بدولتين، بينما تحيط بالاتحاد السوفييتي أكثر من عشر دول.  غير أن الإتحاد السوفييتي قد تميز على الولايات المتحدة بميزة وقوعه في وسط عالم كثيف السكان وباتصال أرضي مع قارتي أوروبا وآسيا، وهي ميزة تضافرت مع جماهيرية الأيديولوجية التي تبناها الإتحاد السوفييتي فمنحته  قوة مضافة، بينما أدى البعد الجغرافي للولايات المتحدة وأحاطتها بالمحيطات غير المأهولة، إضافة إلى أيديولوجيتها النخبوية، إلى تعرضها لخطر الاختناق اذا ما امتد النفوذ السوفيتي في العالم كثيف السكان. 
ضمن هذا الإطار أصبح من المسلم به أن يكون الهدف الستراتيجي الأول للاتحاد السوفييتي هو التغلب على حالة الإنحصار الجغرافي والتصدي لأية عملية حصار سياسي وضمان بقاء دول صديقة وحليفة في جواره وتأسيس منافذ دائمة له إلى البحار، بينما تمثل الهدف الستراتيجي الأول للولايات المتحدة هو تجاوز حالة العزلة البحرية والحيلولة دون تمدد النفوذ السوفييتي وأيدييولوجيته في العالم كثيف السكان وإغلاق المنافذ البحرية في وجهه.  وقد ترتب على هاتين الستراتيجيتين أن دخلت القوتان في سياق تسلح محموم بهدف تحقيق التفوق الستراتيجي للواحدة على الأخرى، وخضعت العلاقات بينهما لواقع ميزان القوة بينهما في أية مرحلة من المراحل. 
ففي مؤتمر يالطا الذي عقد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بتاريخ 4/2/1945. بدا وكأن القوى المنتصرة ستواصل سياسة الوفاق التي حكمت علاقاتها إبان الحرب في مواجهة ألمانيا وحلفائها، حيث تم في المؤتمر المذكور الاتفاق على تقسيم ألمانيا إلى أربع مناطق نفوذ أمريكي وسوفييتي وبريطاني وفرنسي، إضافة إلى احتلال برلين على نحو جماعي، والاتفاق على اقتلاع السكان الألمان من الأراضي المزمع تخصيصها لدولة بولندة[207]
غير أنه مع انعقاد مؤتمر بوتسدام في 17/7/1945، وعلى الرغم مما جاء في وثائق المؤتمر من إعلان عن اتفاق في وجهات النظر بين القوى على جملة من القضايا، في مقدمتها حدود بولندة واقتلاع السكان الألمان من بولندة وهنغاريا وتشيكوسافاكيا وادارة المانيا، فقد تأكد خلال المؤتمر المذكور أن الثقة بين القوى قد تلاشت، وأن العداء والمجابهة هما اللذان سيحكمان كلا من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا من جهة والاتحاد السوفييتي من جهة أخرى. بل إن الولايات المتحدة كانت قد عمدت إلى إجراء أول اختبار لقنبلتها الذرية قبل يوم واحد من انعقاد المؤتمر المذكور. 

الصراع الدولي والمنطقة العربية :

ضمن متغيرات الصراع الدولي المعاصر،  اكتسبت المنطقة العربية أهميتها كوحدة جغرافية واحدة بالنسبة للقوتين الجديدتين بفعل جملة من العوامل.  فمن الناحية الجيوبوليتيكية، تقع المنطقة العربية إلى الجنوب من حدود الاتحاد السوفييتي الجنوبية الطويلة ولا يفصلها عنه غير دولتي تركيا وإيران.  إن قيام نظام سياسي معاد للاتحاد السوفييتي في إحدى هاتين الدولتين أو كليهما، كفيل بمنح المنطقة العربية أهمية ستراتيجية فائقة بالنسبة للإتحاد السوفيتي.  كما أنها تكتسب أهمية مماثلة بالنسبة للولايات المتحدة للسبب ذاته.  فهي كفيلة بأن تشكل منطقة للردع الستراتيجي ضد إغلاق مضائق البوسفور والدردنيل في وجه الاتحاد السوفييتي أو في وجه سيطرته على هذا المضائق. 
كذلك فان إشراف المنطقة على البحر المتوسط واحتوائها لقناة السويس قد منحها أهمية  فائقة بالنسبة إمكانية حصوله على موانئ وتسهيلات لأساطيلة في البحر المتوسط أو كممر إلى شرق إفريقيا والمحيط الهندي.  وتتعاظم هذه الأهمية إزاء احتمال غلق مضيق جبل طارق في وجه الملاحة السوفييتية. 
من جهة ثانية، اكتسبت المنطقة العربية أهمية إضافية بفعل وجود النفط فيها. فعلى الرغم من أن القوتين الجديدتين منتجتان للنفط، فإن اعتماد حلفاء الولايات المتحدة في غرب أوروبا واليابان على النفط العربي والتعاظم المطرد لحاجة الولايات المتحدة لاستيراد النفط قد أحال النفط إلى سلاح ستراتيجي في صراع القوتين.  فوقوع النفط العربي في إطار النفوذ السوفييتي كفيل بأن يضع حلفاء الولايات المتحدة تحت رحمة الإتحاد السوفييتي. 
تصاعدت إهمية المنطقة العربية بالنسبة للقوتين الجديدتين بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة بفعل ثلاثة عوامل مباشرة :
أولا: الفراغ السياسي الذي حدث نتيجة انهيار قوة بريطانيا وفرنسا وتسابق القوتين الجديدتين على ملء ذلك الفراغ. 
ثانيا : تعاظم حاجة القوتين الجديدتين للنفط العربي نتيجة تحطم صناعة النفط في الاتحاد السوفييتي وحاجة الولايات المتحدة للنفط لإعادة إعمار أوروبا الغربية بدرجة رئيسة
ثالثا: إنتهاء إمكانية فرض الإستعمار المباشر واتجاه الدول المقامة في المنطقة نحو ممارسة الاستقلال، حيث حلت سياسة الاستقطاب الإقتصادي – الإجتماعي والأيديولوجي محل الاستعمار المباشر. 
ضمن هذا الإطار، اكتسبت فلسطين أهمية استراتيجية فائقة بالنسبة للقوتين الجديدتين، وذلك في إطار واقع أنها الإقليم الوحيد في المنطقة الذي لم يتحول إلى دولة الى ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.  وكان من شأن تحول فلسطين إلى دولة تابعة لنفوذ هذه القوة أو تلك أن يوفر لتلك القوة كل ميزات الأهمية الستراتيجية التقليدية لفلسطين : السيطرة على قناة السويس وتهديد مصر، السيطرة على البحر المتوسط من جهة وعلى البحر الأحمر.  من جهة أخرى، السيطرة على المشرق العربي  حتى العراق والخليج العربي، هذا بالإضافة الى أن هذه الميزة الستراتيجية لفلسطين إنما توفر للقوة التي تتمتع بالنفوذ فيها فرصة أكبر لنشر نظامها الاقتصادي – الاجتماعي والأيديولوجي في المنطقة.
إن وجود مشكلة في فلسطين، وهي مشكلة زرعتها بريطانيا، ما لبث أن أتاح الفرصة للقوتين الجديدتين كي تتنافسا على فلسطين، لدى قيام بريطانيا برفع المشكلة الى الأمم المتحدة في عام 1947. 

القوتان العظميان وإقامة دولة يهودية في فلسطين

لم تكن القوتان العظميان بعيدتين عما يجري في المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. فبالنسبة للولايات المتحدة، كان التنسيق بينها وبين بريطانيا قائما منذ نهاية تلك الحرب وبهدف مشترك هو إبعاد فرنسا عن المنطقة العربية. فرداً على سؤال فيما اذا كان يدعم فكرة “حقوق تاريخية لليهود في فلسطين” قال الرئيس ويلسون في 16/4/1919 قائلا : “. .. ان كل ما أعنيه هو التأكيد على موافقتنا التامة على الموقف البريطاني بالنسبة لمستقبل فلسطين”[208] وقد ظلت تلك السياسة قائمة طيلة فترة ما بين الحربين العالميتين على الرغم من أن ذلك لم يحل دون أن تفكر الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى في العمل على إضعاف النفوذين البريطاني والفرنسي معا، فتطلعت إلى إنشاء إتحاد كونفدرالي من الدول العربية بحيث يكون تحت حمايتها[209]. وقد جاء تقرير لجنة كينغ- كرين التي أوفدها الرئيس الأميركي إلى المنطقة في العام ذاته متفقا وتلك التطلعات الرامية بالدرجة الأولى إلى إبعاد فرنسا عن المنطقة، حيث أوصت اللجنة المذكورة بضرورة أن تكون سورية وفلسطين تحت وصاية الولايات المتحدة وأنه في حالة رفض الولايات المتحدة لهذه المسؤولية، فيجب أن يعهد بها إلى بريطانيا[210]. ومن المؤكد أن تلك المناورة الأميركية قد نجحت في ذلك الحين في تحقيق هدفين، أولهما إضعاف الموقف الفرنسي إزاء بريطانيا، وثانيهما إشعار بريطانيا بأهمية الدعم الأميريكي. 
وحتى أوائل الأربعينات، ظل الاهتمام الأميركي بالمنطقة العربية وفلسطين قليلا.  ويستدل على ذلك من أن وزارة الخارجية الأميركية كانت تضم قسما خاصا بالشرق الأدنى، غير أن هذا القسم كان يضم الهند وإفريقيا كذلك، بينما كانت فيه شعبة خاصة بمصر وفلسطين العراق[211]، وهي الأجزاء ذات الأهمية الستراتيجية الأساسية في المنطقة والواقعة في إطار السيطرة البريطانية. وفي سياق توافق السياسة الأميريكية والبريطانية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية وعلى الرغم من الضغوط التي مارستها الحركة الصهيونية بعد نقل مقرها من لندن إلى نيويورك، فقد ارتكزت السياسة المعلنة   للإدارة الإميريكية على سياسة “صيغة المشاورات الشاملة –  Full consultation Formula – واتجهت إلى التفكير بإيجاد  نظام وصاية يشمل اليهود والمسلمين والمسيحيين في فلسطين[212], كذلك توضح الوثائق العائدة لتلك الفترة أن الرئيس الأميريكي روزفلت كان قد توصل إلى اتفاق مع رئيس الورزاء البريطاني تشرتشل في عام 1945 حول إعادة توطين اليهود المشردين نتيجة الحرب في البلدان التي طردوا منها ، وبخاصة في بولندة[213].
أما بالنسبة للإتحاد السوفييتي،  ففي ضوء أن البلاشفة قد اعتبروا الكومينترن – الأممية الشيوعية، هو الأصل في السياسة الخارجية ولم يولوا الدبلوماسية إضافية تذكر، فقد كان الكومينترن هو المسؤول على مدى العشرينات عن المنطقة العربية وغيرها من مناطق العالم،  حيث بوشر بالعمل على تشكيل الأحزاب الشيوعية في المنطقة العربية منذ عام 1919.  لقد أتاح انخراط اليهود في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية بشكل خاص في الحركات السياسية الفرصة للكومينترن للاستفادة من اليهود في تشكيل تلك الأحزاب، وبخاصة في فلسطين، مستفيدين من إعلان بلفور لتبرير إرسال اليهود إلى فلسطين.  فقد انحصر الإهتمام السوفييتي خلال تلك المرحلة في تشكيل الأحزاب الشيوعية.  وقد أخذت تقارير سلطات الانتداب البريطانية تشير منذ أوائل العشرينات إلى وصول شيوعيين يهود إلى فلسطين، حيث عمدت إلى اعتقال وطرد بعضهم من فلسطين، وذلك بموجب قانون النفي والإبعاد الذي سن أصلا بقصد التخلص من “البلشفيين المزعجين” الذي دخلوا البلاد، كما جاء في تقرير سري من المندوب السامي في فلسطين إلى وزارة المستعمرات بتاريخ 17/6/1921[214].
وفي عام 1922 تم قبول الحزب الشيوعي الفلسطيني عضوا في الكومينترن، وكان الحزب في ذلك الحين مؤلفا من اليهود. لذا طالبه الكومينترن باقامة صلات وثيقة مع الجماهير العربية والعمل على تعريب نفسه[215].  ومنذ عام 1922 لعب الحزب الشيوعي الفلسطيني دورا هاما في تأسيس الحركة الشيوعية العربية،  كما تولى في العام نفسه مهمة إعادة بناء الحزب الشيوعي المصري بعد الضربة التي تلقاها على يد حكومة سعد زغلول[216].وقد جاء في تقرير صادر عن المندوب السامي البريطاني في فلسطين بتاريخ 21/10/1927 أن “حكومة روسيا السوفييتية مهتمة بتحويل فلسطين إلى مركز للنشاطات الثورية في مصر وسورية أيضا”[217]. كما جاء في تقرير المندوب السامي البريطاني في مصر بتاريخ 5/6/1929 أن الهجرة الصهيونية احتوت حتما على بعض العناصر غير المرغوب فيها من أوروبا الشرقية مما أعطى السوفييت نقطة قفز مثالية للتغلغل في المشرق العربي ومصر”[218].
غير ان الكومينترن واصل اصراره خلال العشرينات على ضرورة تعريب الحزب الشيوعي الفلسطيني واعترض في عام 1929على موقف الحزب المذكور المناهض للانتفاضة العربية الفلسطينية التي حدثت في ذلك العام والتي كانت موجهة بشكل رئيس ضد بريطانيا.  ففي حين نظر الحزب إلى تلك الانتفاضة بأنها من عمل “القيادة العربية الرجعية”، فقد اعتبرها الكومينترن، “حركة تحرر وطني قوامها الفلاحون”[219]. ويبدو أن الكومينترن الذي أدان الصهيونية بجميع أشكالها منذ عام 1922، وذلك بعد مفاوضاته مع الجناح اليساري للحركة الصهيونية الممثل بجماعة العامل الصهيوني “بوعيل زيون”، كان يتطلع إلى نشر الشيوعية في المنطقة بأسرها، وليس في مجرد دولة يهودية صغيرة في فلسطين. لذلك تمسك طيلة العشرينات بمبدأ ضرورة تعريب الحزب واندماج أعضائه اليهود بالعرب. وإذا كان قد استفاد من اليهود كطليعة لنشر الشيوعية في المنطقة، فقد ظل الموقف الذي تبناه الحزب الشيوعي الروسي والماركسيون بشكل عام منذ أواخر القرن التاسع عشر، والمتمثل باندماج اليهود في المجتمعات التي يقيمون فيها، قائماً خلال تلك المرحلة.
أما الثلاثينات،  فقد شهدت تطورات تمثلت في تراجع دور الكومينترن وتصاعد دور الإتحاد السوفييتي كدولة.  ففي عام 1934 انضم الإتحاد السوفييتي إلى عصبة الأمم.  وازاء تصاعد الخطر الألماني بعد تسلم هتلر للسلطة في عام 1933، اتجه الإتحاد السوفييتي إلى تعزيز موقعه في الساحة الدولية والتقرب من الدول الغربية البورجوازية. وقد ترافقت تلك التطورات مع اعتماد سياسة الجبهات الشعبية في المؤتمر السابع للأممية في عام 1935. ففي ذلك المؤتمر، تمت الدعوة إلى تعاون الشيوعيين مع كافة أحزاب وهيئات   الطبقة الوسطى – الليبرالية والراديكالية منها وحتى المحافظة – “شرط أن تفصح عن تأهبها لمعارضة الفاشية”[220]. وقد شكلت تلك السياسة الجديدة إنحرافا أساسيا عن مبادئ الكومينترن والمتمثلة في منع الشيوعيين من التعاون مع الأحزاب البورجوازية[221].
لقد انعكست كل تلك التطورات في فلسطين، حيث لم يصدر أي تأييد من الإتحاد السوفييتي أو الكومنترن للثورة العربية الفلسطينية الكبرى التي اندلعت عام 1936، بل وصف الكومينترن الحاج أمين الحسيني بأنه فاشي[222].  وتبع ذلك إنشقاق الحزب الشيوعي الفلسطيني حيث انضم الأعضاء العرب إلى صفوف الثورة، بينما رفض الأعضاء اليهود ذلك وأخذوا يتعاونون مع المؤسسة الصهيونية.  في الآن ذاته، وبفعل التقارب السوفييتي – البريطاني،  أوقفت سلطات الإنتداب مطاردة الشيوعيين اليهود، وخرج الحزب – الأعضاء اليهود – إلى العلانية. منذ ذلك الحين،  يمكن القول بأن الموقف السوفييتي من المنطقة العربية وفلسطين خاصة، قد خضع لتبدلات جذرية نبعت من النظرة السياسية الجديدة المتمثلة في إمكانية التعاون مع الصهيونية، باعتبارها، وفقا للتقييم الأيديولوجي السوفيتي الماركسي، حركة بورجوازية. وتندرج ضمن هذا الإطار عملية تشكيل “اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية” في الإتحاد السوفييتي في عام 1942، وهي اللجنة التي ظلت مقربة إلى ستالين حتى عام 1948، وكانت على صلة بالصهاينة في فلسطين[223]. بعد انتهاء الحرب العالمية في عام 1945، اتسم الموقف السوفييتي إزاء فلسطين بالغموض. وكان ذلك الغموض، الناجم أساساً من ذلك التبدل السياسي منذ عام 1935 الذي طرح إمكانية التعاون مع البورجوازية، أساس مجمل الملابسات التي حدثت خلال النصف الثاني من الأربعينات،  بدءا بمؤتمر بوتسدام.

 

مؤتمر بوتسدام وفلسطين

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، بد واضحا أن الأهمية الستراتيجية لفلسطين قد فرضت تدخل القوى الكبرى في مصيرها ومصير سكانها، وأصبح مستقبل هذا الاقليم بسكانه أحد القضايا الرئيسة المدرجة في اهتمامات القوتين الجديدتين : الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.  ففي شباط 1945، حمل الرئيس الأميركي روزفلت معه ورقة فلسطينية إلى مؤتمر يالطا، غير أنه أحجم عن طرحها للمناقشة. كذلك حمل الرئيس اللاحق ترومان ورقة فلسطينية إلى مؤتمر بوتسدام في تموز من العام ذاته[224]. غير أن أجواء المؤتمر المكفهرة ما لبثت أن دفعت ترومان إلى الأحجام عن طرحها للمناقشة مع الاتحاد السوفييتي ومناقشتها بصورة منفردة مع بريطانيا حيث طالبها أثناء انعقاد المؤتمر برفع القيود التي كانت قد فرضتها على الهجرة اليهودية إلى فلسطين في الكتاب الأبيض الصادر في عام 1939. وصرح ترومان بأن وجهة النظر الاميركية هي “أننا نريد إدخال أكبر عدد ممكن من اليهود إلى فلسطين”، وأن الأمر يجب أن يتم دبلوماسيا بين البريطانيين والعرب، وأنه يجب أن يتم بسلام “لأننا لا نرغب في إرسال نصف مليون جندي أمريكي لحفظ السلام في فلسطين”[225].
ففي عام 1945،  لم يكن الموقف السوفييتي إزاء فلسطين واضحا.  يقول الفرد ليلينثال أنه خلال انعقاد مؤتمر بوتسدام، وصلت إلى الإدارة الاميركية أنباء متضاربة حول السياسة السوفييتية إزاء فلسطين.  فوزير الخارجية التشيكي في حكومة مازاريك السابقة على الانقلاب الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا قد أكد للإدارة الأميريكية أن الإتحاد السوفييتي يؤيد إقامة دولة يهودية في فلسطين، بينما أعلن خبير شؤون الشرق الاوسط السوفييتي، ايفيجيني كورفين،  أن الإتحاد السوفييتي يساند العرب[226].  ومن المؤكد أن النبأ الأول كان أقرب إلى الصحة في ذلك الحين، وذلك في ضوء واقع أن القسم الأكبر من الشيوعيين اليهود في فلسطين كانوا في عام 1945 قد انضموا إلى الحركة الصهيونية.  كما كان قد تم تعيين رئيس الحزب الشيوعي موشيه سنيه قائد عاما لقوات الهاغاناة التي باشرت اعمال العنف ضد البريطانيين وحكومة الانتداب في فلسطين[227]، وهو ما اتفق مع هدف الاتحاد السوفييتي المتمثل في طرد بريطانيا من المنطقة، وذلك في الوقت الذي كانت فيه العلاقات بين العرب والاتحاد السوفييتي شديدة السوء،  حيث أخذ الزعماء العرب يتطلعون إلى بريطانيا لتوحيد المنطقة في إطار نفوذها. 
كذلك لا يمكن إغفال تطور آخر شهده عام 1945، ذلك هو بداية تدفق أعداد كبيرة من اليهود من الإتحاد السوفييتي إلى غرب أوروبا،  وبخاصة أولئك اليهود الذين كانوا قد لجأوا إلى الإتحاد السوفييتي من بولندة وغيرها خلال الحرب، إضافة إلى يهود مناطق البلطيق التي كان قد تم ضمها إلى الإتحاد السوفييتي :لاتفيا وستونيا وليتوانيا[228]. فمقابل التقارير التي وردت حول عداء هؤلاء اليهود للشيوعية ونشاط الحركة الصهيونية في تهجيرهم إلى فلسطين، وردت تقاير أخرى حول تدفق يهود شيوعيين إلى فلسطين[229]. ولم تكن تصريحات الرئيس الأميركي ترومان حول رفع قيود الهجرة إلى فلسطين معزولة عن تلك التقارير والوقائع التي عززت عملية المراهنة المتضاربة على ولاء اليهود وأهمية وجودهم في فلسطين بالنسبة لتلكما القوتين. 
ضمن هذا السياق،  يمكن القول بأن مؤتمر بوتسدام الذي شكل بداية المجابهة بين القوتين، قد شكل في الآن ذاته نقطة حاسمة في تاريخ فلسطين. فعلى الرغم من غياب فلسطين عن مائدة مؤتمر بوتسدام، فهى كانت شديدة الحضور في أذهان كل من القوتين بصفتها إحدى القضايا الرئيسية في مجال المجابهة المقبلة بينهما. كذلك فقد تأكد منذ ذلك الحين، وفي اطار احتدام التنافس بين القوتين على فلسطين ومن خلال التنافس على طبيعة وولاء مجتمعها السكاني، أنه لا بد من اتفاق الطرفين إذا ما أريد لهذه المشكلة أن لا تتفاقم. ففي 24/8/1945. قدم لوي هندرسون، أحد كبار موظفي وزارة الخارجية الاميركية مذكرة حول فلسطين. طرح فيها أربعة مقترحات هي :
أولاً: كومونولث يهودي مستقل. 
ثانياً: دولة عربية مستقلة. 
ثالثا: تقسيم فلسطين ووضعها تحت نظام وصاية. 
رابعاً: اتفاقية بين الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي حول الوصاية على فلسطين. 
واستبعد هندرسون إمكانية المقترح الأول باعتباره “يشكل خطرا على المصالح الاميركية والنفطية منها بشكل خاص،  إضافة إلى أنه ضد رغبات غالبية السكان المحليين” ويلاحظ هنا أن الإدارة الاميركية كانت مقتنعة بقوة نفوذ الإتحاد السوفييتي بين اليهود. ثم أوصى بالمقترح الرابع، “حيث يؤدي اتفاق كافة القوى إلى جعل فلسطين منطقة دولية يعهد بها إلى بريطانيا لإدارتها”. وقال بأن ذلك سوف يلقى معارضة من جانب العرب واليهود، غير أنها معارضة أخف وطأة من المعارضة التي ستلقاها المقترحات الأخرى[230].  ويبدو واضحا أن فكرة التدويل، وهي فكرة شبيهة  بفكرة سايكس – بيكو، قد هدفت إلى تحييد فلسطين في إطار صراع القوى. وذلك إنطلاقا من أهميتها الستراتيجية بالنسبة لهذه القوى بدرجة رئيسة. غير أن هذه الفكرة ما لبثت أن سقطت كسابقتها، وذلك مع تدهور الدور البريطاني واستقرار النظام الدولي كنظام قائم على قوتين أساسيتين تحكمهما المجابهة الشاملة. 
ضمن هذا السياق، شهد عام 1946 تطورات عززت ذلك الإتجاه، في مقدمتها تصاعد أهمية فلسطين بالنسبة للاتحاد السوفييتي. فقد شهد ذلك العام انسحاب الاتحاد السوفييتي من إيران بفعل الضغوط الأميريكية، كما شهد سقوط الحكومة الشيوعية في أذربيجان وفشل الإتحاد السوفيتي في الحصول على اتفاقية حول الإشراف المشترك على مضائق البوسفور والدردنيل. ومن المرجح أن الأتحاد السوفييتي أخذ ينظر إلى الوجود البريطاني في المنطقة بأنه أهون من شر أن تحل الولايات المتحدة محلها.  فبريطانيا الضعيفة أفضل من الولايات المتحدة القوية. وهو موقف تم التنويه به لبريطانيا في محاولة لإضعاف التحالف الأميركي – البريطاني[231].  من جهة ثانية، تصاعدت عملية هجرة اليهود من الإتحاد السوفييتي ومن شرق أوروبا حتى بلغ عدد هؤلاء اليهود في معسكرات اللاجئين في أوروبا نحو مئة الف، حيث ما لبث الرئيس الأميركي ترومان أن القي بثقلة وراء فكرة دولة يهودية والمطالبة بإدخالهم إلى فلسطين. كما أعلن في 4/10/1946 عن تأييده لفكرة ” الإعلان الأحادي للإستقلال” الصهيونية ولخريطتها المتضمنة دولة يهودية تشمل 85% من مساحة فلسطين[232].

 

ب- قرار تقسيم فلسطين

كان تأييد الرئيس الأميركي ترومان للخطة الصهيونية في الوقت الذي كانت فيه الحركة الصهيونية تشن هجماتها على الجيش البريطاني في فلسطين، أشبه بضربة تاريخية لأمال بريطانيا في الحصول على حق الوصاية على فلسطين بعد انتهاء فترة انتدابها عليها. وبدا واضحاً أن الولايات المتحدة قد قررت تحمل مسؤولية فلسطين بمفردها وبمعزل عن بريطانيا. وهكذا فشلت محاولات بريطانيا خلال عام 1947 للحصول على الوصاية لإعداد فلسطين للإستقلال خلال خمس سنوات[233]. ومع رفعها مشكلة فلسطين إلى الأمم المتحدة في 2/4/1947، خرجت فلسطين من يد بريطانيا نهائيا لكي تصبح بين يدي القوتين الجديدتين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. 
تشير وقائع المناقشات التي تمت في الأمم المتحدة ابتداء من نيسان 1947 الى أن المناورة لاستكشاف مواقف كل طرف لمواقف الطرف الآخر هي التي حكمت سلوك الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. فعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي ترومان كان قد ألقى بثقله وراء المشروع الصهيوني في عام 1946، فإن الإدارة الأميريكية لم تتخذ موقفا مؤيدا رسميا لفكرة دولة يهودية في فلسطين إلا في تشرين الاول 1947[234]، وذلك في سياق التنافس الأميركي – السوفييتي داخل الامم المتحدة. لكن ذاك الموقف ظل قابلا للتغيير وفقا لتطورات ذلك التنافس. فقد كان الهدف الأساسي لكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي هو إقصاء الطرف الآخر بعيداً عن فلسطين. وكانت فكرة الدولة اليهودية أحد الخيارات التي كان يمكن من خلالها تحقيق ذلك وفقا لولاء الحركة الصهيونية لهذه القوة او تلك. لذلك لم تكن القوتان متمسكتين تمسكا مبدئيا بهذه الفكرة.  وكانت كل منهما على استعداد للتخلي عنها اذا ما تبين بأن هناك خيارا أفضل لإبعاد القوة الأخرى عن فلسطين. 
ضمن هذا الاطار، صوت الإتحاد السوفييتي لدى طرح المشروع الذي تقدمت به الدول العربية في 21/4/1947 والذي نص على “إنهاء الإنتداب على فلسطين وإعلان استقلالها ” إلى جانب هذا المشروع[235]. فقد كان الهدف الرئيس للاتحاد السوفييتي هو إنهاء الانتداب البريطاني وعدم تحوله إلى نظام وصاية بريطانية-أميريكية. وفي الوقت الذي صوتت فيه الولايات المتحدة ضد هذا المشروع، فقد عارضت في الجلسة الخاصة في 27/4/1947 حضور وفد صهيوني واقترحت أن يقتصر حضوره على لجنة فرعية[236]. وكان ذلك بمثابة محاولة لإرضاء الجانب العربي مقابل تصويت الاتحاد السوفييتي على المشروع العربي. 
وفي 15/5/1947 صوت كل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة إلى جانب قرار تأليف لجنة خاصة لإعداد تقرير حول المسألة الفلسطينية وهو قرار عارضته الدول العربية واحتج شعب فلسطين عليه[237]
وفي 25/9/1947، شكلت الجمعية العامة لجنة مؤقتة لدراسة تقرير اللجنة الخاصة. وقد ضمت اللجنة المؤقتة ممثلين عن جميع أعضاء الجمعية العامة وجرت فيها مداولات عامة لعدة أيام عمد خلالها كل من ممثلي الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة إلى عدم الإفصاح عن حقيقة مواقفهما.  وفي 11/10/1947، أعلن ممثل الولايات المتحدة عن تأييده لفكرة تقسيم فلسطين،  فتبعه ممثل الاتحاد السوفييتي بعد يومين معلنا عن تأييده لفكرة تقسيم فلسطين[238].
عمدت اللجنة المؤقتة بعد ذلك إلى تشكيل لجنتين فرعيتين.  فانضم ممثلا الإتحاد السوفييتي والولايات المتحدة إلى اللجنة الفرعية الأولى المعنية بمناقشة خطة التقسيم. وكان واضحاً من عضوية اللجنتين المذكورتين أن القوتين العظميين قد دخلتا مرحلة الرهان الأخير على خطة الدولة اليهودية ضد خطة الدولة الفلسطينية الواحدة،  حيث لم ينضم إلى اللجنة الفرعيةالثانية سوى الدول الإسلامية المناهضة للتقسيم. وخلال أعمال اللجنة الفرعية الأولى،  سعت الولايات المتحدة إلى تقليص مساحة الدولة اليهودية – وكان ذلك مناقضا  للدعم الذي أعطاه ترومان لخطة الإستقلال الأحادي اليهودية في عام 1946،  إضافة لما تضمنه من تنوية باحتمال تغير الموقف الأميركي اذا ما رجحت كفة التحالف الصهيوني – السوفييتي على كفة التحالف الأميركي – الصهيوني. 
ولدى التصويت على الخطتين في الجلسة الخاصة ثم في الجلسة العامة في 29/11/1947 صوتت القوتان إلى جانب خطة التقسيم. وكان ذلك الإتفاق بين قويتن متنافستين على موقف واحد نادرا في تاريخ العلاقات الدولية.
 غير أن ذلك التصويت على إقامة الدولة اليهودية لم يكن نهاية مطاف تنافس القوتين. فبعد التوصيت، رمى الاتحاد السوفييتي بثقله وراء عملية دعم الوقائع على الأرض وبدأت عملية شحن الأسلحة التشيكية بعد حدوث الإنقلاب الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا في 25/2/1948[239]. وإزاء تلك التطورات،  أخذت الولايات المتحدة بمراجعة موقفها من اقامة دولة يهودية في فلسطين. ففي 19/2/1948 أبلغت الأمين العام للأمم المتحدة أن التصويت الذي جرى في الجمعية العامة في 29/11/1948 هو “مجرد توصية” وليس قراراً، وطالبت بإدراج مناقشة جديدة حول نظام وصاية مؤقت تتم إقامته في فلسطين بإشراف الأمم المتحدة.  غير أن الاتحاد السوفييتي عارض ذلك بشدة[240]. وقد ظل الموقف الأميريكي ولعدة شهور لاحقه، مترددا في إلقاء ثقلة الكامل وراء الدولة اليهودية.  ففي 15/5/1948 بادرت الولايات المتحدة وفي عملية جس النبض، إلى الإعتراف بالدولة اليهودية إعترافا واقعياً،  غير أن الإتحاد السوفييتي بادر في 17/5/148 الى الإعتراف بها إعترافا قانونيا.

 

القوتان العظميان تعارضان التدخل العربي

وقفت القوتان العظميان ضد قرار الجامعة العربية بالتدخل العسكري في فلسطين، وإنما بدوافع مختلفة.  فقد خشيت الولايات المتحدة أن يؤدي اندلاع القتال إلى وصول قوات سوفييتية لحماية الدولة اليهودية، واذا ما وصلت تلك القوات، ” فليس هناك من قوة على الأرض تستطيع إخراجها منها إلا بالحرب”،  وسيطالب الإتحاد السوفيتي بدور بارز في الإحتلال العسكري،  وبصفته شريكا في إصدار قرار التقسيم، وذلك وفقا للوثائق الأميركية العائدة لتلك الفترة[241]. أما الإتحاد السوفيتي، فقد اعتبر دخول القوات العربية عملية بريطانية – أميريكية هدفها محاصرة الدولة اليهودية بطوق عربي موال لهما[242].
وبالفعل، فقد عمدت بريطانيا إلى تشجيع التدخل العسكري العربي في فلسطين بهدف تحقيق ثلاثة أغراض إقليمية ستراتيجية، بالإضافة إلى هدف سياسي. أما الأغراض الإقليمية فهي : الإبقاء على النقب خارج إطار الدولة اليهودية، بصفتها منطقة دفاع مباشرة عن قناة السويس حيث ما زالت تتواجد فيها قاعدتها العسكرية.  وتقوية شرقي الأردن بصفته منطقة دفاع عن قناة السويس والعراق وتأمين ضم النقب وبقية فلسطين إليه،  ثم الإبقاء على ميناء حيفا خارج إطار الدولة اليهودية وذلك بصفته ميناء النفط الرئيس القادم من العراق[243]. أما الهدف السياسي، فقد تمثل في الحيلولة دون إفساح المجال للفلسطينيين سكان البلاد الأصليين من تسلم زمام المبادرة العسكرية ضد المشروع الصهيوني.  ففي هذا المجال،  اتفقت وجهة النظر البريطانية مع وجهة النظر الأميريكية الرامية إلى عدم تصعيد الموقف العسكري على نحو يؤدي إلى استدعاء قوات أجنبية لدعم هذا الجانب أو ذاك.  فحتى ذلك الحين،  كان الإعتقاد باحتمال قدوم قوات سوفييتية لدعم الدولة اليهودية ما زال قائما. 
في حزيران 1948 طرح برنادوت مشروعة الأول الذي تضمن وجهة النظر الأميريكية – البريطانية في ذلك الحين، والمتمثلة في إفشال قيام الدولة اليهودية.  فنص المشروع على إقامة دولة إتحادية فلسطينية تضم فلسطين وشرقي الأردن ويمارس فيها كل من اليهود والعرب حكما ذاتيا في مناطق مخصصة لكل منها بينما يظل ميناء حيفا حرا[244]. وكان هذا المشروع شبيها بمشروع الأقلية الذي تقدمت به اللجنة الخاصة في عام 1947. هكذا أيدته الولايات المتحدة في هذا المرة[245]. غير أن الاتحاد السوفييتي هاجمه بشدة واعتبره مشروعا إمبرياليا يخدم مصالح بريطانيا والولايات المتحدة[246].
في أيلول 1948، أخذت تلوح بوادر فشل المراهنة السوفييتية على الدولة اليهودية.  فنشر الكاتب المعروف ايليا أهرينبورغ أول مقالة عبر فيها عن موقف القيادة السوفييتية الجديد، وجاء فيها :”ان إسرائيل حقا دولة معادية لبريطانيا.  ولكن الحركة الصهيونية تابعة للإامبريالية الأميركية”. وبدأت في الاتحاد السوفييتي حملة واسعة ضد “اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية” التي تبين أنها اقامت علاقات سرية مع الولايات المتحدة[247].
في الشهر ذاته، طرح برنادوت مشروعه المعدل المتضمن وجهة النظر الأميركية الجديدة.  تضمن المشروع نفس شروط المشروع السابق باستثناء فصل الجزئين العربي واليهودي إلى دولتين مستقلتين[248]. فاذ تعززت قناعة الولايات المتحدة بفشل الإتحاد السوفييتي في كسب الحركة الصهيونية إلى جانبه،  تلاشى خوفها من قيام دولة يهودية مستقلة ودعمت قيام دولة عربية تضم بقية فلسطين وشرقي الأردن،  بحيث تكون الدولتان في إطار نفوذها.  ولذلك هاجم الإتحاد السوفييتي مشروع برنادوت الجديد، وإنما من منطلق جديد. فقد اعتبر المشروع مخالفا لتوصية التقسيم[249]، وصوت في الأمم المتحدة ضد مشروع قرار يطالب بضم القسم العربي من فلسطين إلى شرقي الاردن[250]. ولا يشار إلى أن الإتحاد السوفييتي كان في ذلك الحين يؤيد قيام دولة فلسطينية لئا تشكل جزءاً من شرق الأردن إذ يبدو أن الوضع كان قد فلت من يده ولم يعد قادراً على مراهنة جديدة تتمثل في أن تكون هذه الدولة الفلسطينية تابعة له. ئئ المحاولات الأميريكية لفرض نظام القوة الواحدة
مع انتهاء الدور السوفييتي في معركة التنافس على فلسطين، خضعت المنطقة العربية لنظام القوة الواحدة المزدوجة، الولايات المتحدة – بريطانيا التي حكمت المنطقة خلال النصف الأول من الخمسينات عبر نظام الدولة – الأمة التابعة من خلال معاهدة.  ضمن هذا الإطار، تم عقد إتفاقات الهدنة بين الدولة اليهودية والدول العربية المعنية في عام 1949، وهي الاتفاقات التي رسمت حدودا مؤقتة بين  كل طرفين. وخلال تلك الفترة الممتدة حتى حرب حزيران 1967، مر تنافس القوى على المنطقة العربية بمرحلتين : مرحلة 1949 – 1955 ظلت خلالها المنطقة العربية في إطار النفوذ الأميركي – البريطاني، ومرحلة 1955 – 1967 التي شهدت عودة الإتحاد السوفييتي إلى الساحة السياسة في المنطقة واحتدام التنافس الأميركي – السوفييتي مجددا. 

مرحلة الخمسينات والبيان الثلاثي :

بعد قيام الدولة اليهودية في فلسطين واستيعاب بقية فلسطين من قبل الدول العربية المحيطة: الأردن، مصر، سورية، تراجعت أهمية فلسطين الستراتيجية، وذلك في إطار سعي الولايات المتحدة وحلفائها إلى خلق التقارب بين الدول القائمة في المنطقة باعتبارها دولا تابعة لكتلة نفوذ واحد.  ففي عام 1950 صدر البيان الثلاثي عن كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا،  وتضمن ثلاثة بنود نص الأول منها على اعتراف الدول الثلاث بحاجة الدول العربية وإسرائيل “لرفع مستوى تسليحها بنسبة معينة لتقرير أمنها الداخلي وتأمين دفاعها الشرعي عن الذات والدفاع عن المنطقة بأسرها”.  بينما نص البند الثاني على وجود تعهد مسبق من قبل دول المنطقة بعدم استعمال السلاح المصدر إليها “لأية أغراض عدوانية”. أما البند الثالث، فقد نص على ضرورة تجذير فكرة عدم اللجوء إلى القوة بين بلدان المنطقة، وعلى عزم الدول الثلاث على التصدي لأية محاولة اعتداء على الحدود أو خطوط الهدنة[251]. كما اتبعت الولايات المتحدة سياسة عدم الإلتزام العلني بإسرائيل، واتجهت في عام 1953 إلى محاولة تعميق التقارب بين الدول العربية والدول اليهودية.  فطرح وزير الخارجية الأميركي في جولة قام بها في العام ذاته في المنطقة، فكرة إقامة نظام دفاعي جماعي.  “فالشرق الاوسط” وفقا لدالس،  “يمتلك أهمية ستراتيجية عظيمة بصفته يشكل جسرا بين أوروبا وإفريقيا وآسيا. . إن سادة الكرملين الذين ينهجون نهج الفاتحين العسكريين السابقين، يتطلعون إلى هذا الموقع. . إن المنطقة تحتوي كذلك على مصادر هامة وحيوية بالنسبة لازدهارنا – النفط، المنغنير، الكروم، الميكا، والمعادن الاخرى. . والأهم من ذلك كله، فإن الشرق الأوسط هو مصدر الأديان الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام. . وبالتأكيد فاننا لا يمكن أن نتجاهل مصير الشعوب التي تلقت هذه الديانات وأوصلتها الينا”. واستطرد قائلا “إن الشعوب العربية تخشى اليوم أن تدعم الولايات المتحدة دولة إسرائيل الجديدة باتجاه التوسع العداوني. . وهم يخشون الصهيونية أكثر من خشيتهم من الشيوعية.  ويخشون أن تصبح الولايات المتحدة داعمة للتوسع الصهيوني. . من جهة ثانية،  تخشى إسرائيل أن يتمكن العرب في النهاية من قذفها إلى البحر.  ولأجل تهدئة هذه المخاوف المتناقضة، قامت الولايات المتحدة وبريطانيا بإصدار البيان الثلاثي،  ولأجل ذلك، هناك حاجة للسلام في الشرق الأدنى. يجب أن تصبح إسرائيل جزءا من مجتمع الشرق الأدنى وتكف عن النظر إلى نفسها أو أن ينظر إليها بأنها غريبة عن هذا المجتمع، وذلك ممكن، وهو يتطلب تنازلات من الطرفين.  إن الولايات المتحدة سوف لن تتردد في استخدام نفوذها لتقليص التوتر خطوة فخطوة..[252]. ئ
 
وفي عام 1955،  طرح دالس مشروعا لتسوية الوضع في المنطقة تحدث فيه عن المصير المشترك لدول المنطقة إزاء الخطر المشترك، ويقصد به الخطر السوفييتي ثم عالج المشكلة العربية – الإسرائيلية من ثلاث زوايا أولها “المصير المأساوي لنحو 900 ألف لاجئ كانوا يعيشون في الإقليم الذي تحتله اليوم إسرائيل”.  وقد احتجت القيادة الصهيونية بشدة لدى الولايات المتحدة على هذا التعبير الذي أورده دالس والذي وصف فيه الأرض التي تقوم عليها “إسرائيل” بأنها “محتلة”.  وجاء في الرد الإسرائيلي : ” إن الفقرة التي أثارت أشد إعتراضنا في خطاب المستر دالس هي المتعلقة بالحدود، فقد أشار في خطابه إلى أرض إسرائيل على أنها محتلة من قبل إسرائيل، وهو يوحي وكأن الموضوع لم يبت فيه حتى الآن، وأن حقوق إسرائيل في السيادة على إقليمها ما زالت خاضعة للتساؤل”[253]. ثم تحدث دالس عن تخوف العرب من “إسرائيل” وتخوف “إسرائيل” من العرب.  وعن “عدم وجود حدود ثابته ودائمة بين العرب وإسرائيل”. 
وفي إطار معالجته لهذه المشاكل الثلاث، دعا دالس إلى حل مشكلة اللاجئين بطريقتين هما “العودة إلى الوطن” Repatriation، والتوطين عبر مشروع جونستون لاستغلال مياه الأردن، وطرح فكرة عقد معاهدة تشترك فيها الولايات المتحدة لتأكيد البيان الثلاثي وإزالة الخوف. . أما المشكلة الثالثة المتعلقة بالحدود،  فتحدث بشأنها عن “ضرورة إعادة النظر” و”تقديم تنازلات”[254] وقد جاء الرد الإسرائيلي على ذلك بأن ما تريده الولايات المتحدة من إسرائيل هو “التخلي لمصر عن النقب وميناء ايلات”[255].
وتدل تلك السياسة الأميريكية على أن الإدارة الأميريكية،  وفي إطار ستراتيجيتها الرامية إلى جعل المنطقة العربية بأسرها ضمن دائرة نفوذها كوريثة لبريطانيا وفرنسا معا،  قد نظرت إلى ” إسرائيل” خلال الخمسينات كدولة صغيرة لا تتمتع بوظيفة ستراتيجية متميزة، وكانت على استعداد لتحجيمها إرضاء للعرب،  وبخاصة لمصر. ففي إطار هدف التوظيف الشامل للمنطقة العربية، تضاءلت أهمية الدولة اليهودية في فلسطين بالنسبة للولايات المتحدة.  وقد اتفق ذلك التضاؤل مع السوابق التاريخية التي تضاءلت فيها أهمية فلسطين الستراتيجية لدى تمكن أية قوة دولية من السيطرة على المنطقة بأسرها من النيل إلى الرافدين، وما يعنيه ذلك من سيطرة على البحر الأحمر والخليج العربي.  بل إن أهمية المنطقة بأسرها قد تضاعفت في إطار النظام الدولي المعاصر بفعل قربها من الإتحاد السوفيتي وإشرافها على منافذه وحدوده الجنوبية.  فعلي الرغم من صفقة الأسلحة التشيكية لمصر في عام 1955 – وهي المحاولة السوفييتية الأولى بعد عام 1947 لاختراق المنطقة،  ظلت الولايات المتحدة متمسكة بسياسة عدم استغلال الأهمية الستراتيجية للدولة اليهودية في فلسطين أملا في الإبقاء على مصر في إطار نفوذها.  هكذا بادرت خلال العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 إلى إصدار إنذارها الشهير لإسرائيل، والتهديد بقطع المساعدات الإقتصادية عنها إذا لم تنسحب من قطاع غزة، حيث ما لبثت إسرائيل أن انكفأت إلى ما وراء قطاع غزة الفلسطيني ذي الأهمية الستراتيجية الفائقة بالنسبة لدولة مصرية قوية[256]. وقد تم ذلك في سياق جملة من المبادرات الأميريكية الموجهة نحو المنطقة ككل، في مقدمتها حلف بغداد في عام 1955، ثم مبدأ أيزنهاور في عام 1957، وما تلا ذلك من إنزال أميريكي في لبنان في عام 1958 إثر قيام ثورة 14 تموز في العراق وسقوط حلف بغداد. وكان الدافع الأميريكي الأساسي هو إيقاف الاندفاعة السوفيتية نحو المنطقة خلال النصف الثاني من الخمسينات، تلك الاندفاعة التي حكمها هدف سياسي هو إسقاط الأحلاف الأميريكية الموجهة ضده، والحيلولة دون تمكن الولايات المتحدة من السيطرة على المنطقة بأسرها. وكانت مبادرة الرئيس الأميريكي جون كيندي في عام 1961 آخر تجليات تلك السياسة الأميريكية القائمة على الحفاظ على التوازن بين الدول اليهودية والدول العربية. غير أنها كانت كذلك أضعف تلك التجليات وبدت وكأنها النفس الأخير في تلك السياسة.  فقد اقتصرت تلك المبادرة التي بعث بها الرئيس الأميريكي برسائل إلى كل من رؤساء وملوك مصر والعراق والأردن ولبنان والسعودية على محاولة حل “مشكلة اللاجئين المأساوية” على أساس العودة أو التعويض عن الممتلكات وفقا لقرار الامم المتحدة المرقم 194[257]، إضافة الى إيجاد حل لمشكلة استغلال موارد نهر الاردن لتوطين بقية اللاجئين وتحقيق سلام عربي – اسرائيلي عن طريق السير قدما لحل الجوانب الاخرى.  ولم تتطرق المبادرة الى “أرض محتلة” أو الى “تنازلات” على النحو الذي طرحه دالس من قبل[258].

فشل المحاولات وعودة أهمية فلسطين الستراتيجية

1- فلسطين في اطار حرب حزيران 1967 :
إن طبيعة الصراع الدولي المعاصر التي فرضت إستحالة تقاسم مناطق النفوذ بين القوتين الجديدتين بفعل اختلاف نظمهما الإقتصادية ولاجتماعية ومنظومتيهما الأيديولوجيتين، وذلك على العكس من القوتين اللتين سبقتاهما : بريطانيا.  وفرنسا،  قد فرضت كذلك استحالة تقاسم المنطقة العربية بينهما.  كما فرضت في الآن ذاته استحالة تمكن إحداهما من إلحاق المنطقة في دائرة نفوذها إلحاقا تاما، وذلك بفعل الأهمية القصوى التي تحتلها المنطقة بالنسبة لكليهما.  هكذا انهارت المحاولات الأميريكية لتحقيق ذلك خلال الخمسينات،  كما انهارت معها المحاولات الإستقلالية التي قامت بها شعوب المنطقة العربية تحت شعار عدم الانحياز وخضعت المنطقة لحالة الاستقطاب الثنائي. 
ومع فشل الولايات المتحدة في إلحاق المنطقة بأسرها في دائرة نفوذها،  تخلت عن سياسة الحفاظ على التوازن بين الدولة اليهودية والدول العربية.  وعمدت إلى استغلال الأهمية الستراتيجية للدولة اليهودية في فلسطين، وذلك بالاتجاه نحو الإلتزام الكامل بهدف تحويل الدولة اليهودية إلى دولة قوية قادرة على تحقيق جملة من الوظائف المرتبطة باستراتيجيتها العليا. 
تبلورت تلك السياسة الأميريكية الجديدة التي تم تدشينها بأرسال أول صفقة سلاح أميريكي مباشرة “لإسرائيل” في عام 1963 في إطار جملة من المتغيرات على الصعيدين الإقليمي والعالمي.  حيث ما لبثت الولايات المتحدة أن تخلت في عام 1967 عن سياسة البيان الثلاثي التي ظلت تعلن عن التزامها بها منذ عام 1950.  ويبدو واضحا أن الإلتزام الأميريكي بالبيان الثلاثي لم يكن إلتزاما ثابتا، حيث كانت الولايات المتحدة على استعداد للتخلي عن تلك السياسة لصالح العرب في الخمسينات، وذلك في إطار محاولاتها لوضع المنطقة بأسرها، وفي مقدمتها مصر، في دائرة نفوذها. أما في عام 1967، فقد جاء التخلي عن تلك السياسة في إطار جديد ولصالح الدولة اليهودية، وذلك بعد أن أصبح انقسام المنطقة بين نفوذين أمرا واقعا.  “فإسرائيل” قوية أصبحت تعني بالنسبة للولايات المتحدة،  دولة تسيطر على قطاع غزة الفلسطيني وصحراء سيناء من جهة فتضع مصر تحت رحمتها.  كما تسيطر على بقية فلسطين،  فتضع الأردن ومن ورائه العراق تحت سيطرتها من الجهة الثانية.  وفي ظل طبيعة الصراع المعاصر،  فان بقاء النفوذ السوفييتي في سورية لم يعد يعتبر على قدر من الخطورة، بل ومقبولا اضطرارا. وذلك على النحو الذي قبلت فيه بريطانيا بنفوذ فرنسي في سورية من قبل. 
فبعد الهجوم الكاسح الذي شنته إسرائيل واحتلت فيه كل بقية فلسطين وأراض مصرية وسورية في الخامس من حزيران من عام 1967،  لم تعمد الولايات المتحدة إلى إرغامها على الإنسحاب على النحو الذي فعلته في عام 1956 – 1957.  وفسرت تخليها عن سياسة البيان الثلاثي بأن التأييد الأميريكي لسلامة الأراضي، إنما ينطبق فقط على الحدود الثابتة والمعترف بها، وليس على خطوط الهدنة المقامة وفق اتفاقات نصت بدورها على أنها قابلة للتغيير ضمن إطار سلام شامل[259]. وعلى الرغم من أن القرار 242 الذي تبنته الولايات المتحدة لدى صدوره عن مجلس الأمن في 22/11/1967 قد نص على “عدم القبول ” بالاستيلاء على أراض بواسطة الحرب، فقد كان الشق الثاني من القرار متفقا والسياسة الاميركية وذلك باقتران عدم القبول. . بشرط سلام عادل ودائم وحدود آمنة ومعترف بها وهو ما لم يشترطه الإنذار الأميريكي في عام 1956.  هكذا ارتبط الإنسحاب الإسرائيلي من الأراضي أو أراض احتلتها إسرائيل في عام 1967 بمسألة تحقيق سلام عادل ودائم.  إن اختلاف مفهوم السلام العادل والشامل بالنسبة للقوتين العظميين،  ناهيك عن أطراف النزاع،  قد جعل من الإنسحاب الإسرائيلي مسألة مؤجلة غير قابلة للتحقيق قبل اتفاق القويتن على مفهوم السلام العادل والشامل، أو تمكن إحدى القوتين من فرض نظام القوة الواحدة. 

2– فلسطين في اطار حرب تشرين 1973 ونتائجها

لقد جرت حرب أكتوبر 1973 في إطار دولي سيطرت عليه سياسة الإنفراج في علاقات القوتين العظميين.  فمنذ مجيء نيكسون إلى البيت الأبيض في أواخر عام 1969، اتجهت الإدارة الأميركية إلي تبني سياسة جديدة تحكم العلاقات بين القوتين، وهي سياسة قامت على احلال التفاوض محل المجابهة نتيجة ما حصل من تصعيد في سباق التسلح النووي خلال الستينات وتدهور حالة الإنفراج السابقة منذ منتصف الستينات.  وكانت حرب حزيران 1967 ذروة التصعيد في الحرب الباردة بين القوتين على صعيد المنطقة العربية،  بكل ما مثلته من هزيمة لحلفاء الإتحاد السوفييتي من العرب، وللسلاح الذي امتلكته الدول العربية.  ففي عام 1969 صدر عن القوتين العظميين إعلان مبادئ جاء فيه أنه ليس هناك خيار في العصر النووي إلا بضبط العلاقات المتبادلة وفقا لمبادئ التعايش السلمي،  وأن الطرفين يعلقان أهمية على منع تطور الأوضاع وسيتجنبان المجابهة العسكرية ويعملان على منع نشوب حرب ذرية كما سيمارسان ضبط النفس في علاقاتهما وأن حصول أحدهما على فوائد على حساب الآخر بصورة مباشرة أو غير مباشرة لا يتفق وهذه الأهداف وأن الطرفين مسؤولان دون نشوب نزاعات أو خلافات تزيد من التوتر الدولي وسيعملان على خلق الشروط لكل الدول لكي تعيش في سلام وأمن[260].
إن التهديد الذي حملته حرب تشرين 1973 لحالة الانفراج في علاقات القوتين، وبغض النظر عن موقف ودور كل منهما في هذا الحرب،  قد دفع بهما الى انقاذ تلك الحالة حيث ما لبثت القوتان ان دخلتا في محادثات حول ضبط تلك الحرب. وصرح الرئيس نيكسون في 26/10/1973 أن فرص السلام في الشرق الأوسط قد أصبحت  متوفرة اكثر من أي وقت مضى لأن الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي قد اتفقا على ” أننا سنشارك في محاولة تنشيط المحادثات بين الاطراف المعنية.. وقد اتفقتا أيضا على أنه إذا أردنا تجنب المجابهة النووية فمن الضروري استخدام نفوذنا أكثر مما فعلنا في الماضي”[261].
وفي 15/12/1973 تبني مجلس الامن قراراً تقدمت به القوتان هو القرار 338 الذي دعا الى عقد مؤتمر دولي لتحقيق سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط على قاعدة القرار 242. 
إن ما حدث بعد ذلك سواء في مجال تحديد وظيفة المؤتمر وتقسيمها الى مرحلتين: مرحلة الوصول إلى اتفاقات بشأن فصل القوات على الجبهتين المصرية والسورية، ومرحلة تنفيذ بنود القرار 242 أو في وقائع المؤتمر واقتصاره على المرحلة الأولى فقط، قد أوضح طبيعة الإتفاق الأميريكي – السوفييتي، الذي لم يكن في واقعة اتفاقا على صيغة السلام العادل والشامل بقدر ما كان إتفاقاً على التعاون الثنائي واختبار قدرة كل منهما على إضعاف وجود الآخر في المنطقة.  فمن وجهة النظر الأميريكية، كان من شأن اتفاق القوتين على إلغاء حالة الحرب في المنطقة أن يضع نهاية لمبرر التواجد السوفييتي فيها ويوقف تدفق  الأسلحة السوفيتية اليها.  أما من وجهة نظر الإتحاد السوفيتي، فقد كان من شأن اشتراكه في المفاوضات الخاصة بفصل القوات وما يلي ذلك من مفاوضات بشأن تحقيق سلام أن يعزز تواجده في المنطقة ويحيل الحرب فيها إلى تنافس سلمي بين القوتين. 
إن تمكن الولايات المتحدة من إقصاء الإتحاد السوفييتي عن المشاركة في المفاوضات الخاصة بفصل القوات على الجبهتين المصرية والسورية، وبالتالي الإمتناع عن الخوض في المرحلة الثانية من المؤتمر، قد وضع بداية حرب باردة جديدة في إطار المنطقة العربية.  فقد عمدت الولايات المتحدة وبمفردها، إلى تحويل اتفاق فصل القوات الأول ثم اتفاق فصل القوات الثاني، أو ما عرف باسم اتفاقية سيناء الثانية 1975، إلى تسوية سياسية بين مصر “واسرائيل” وهي تسوية تمخضت عن وضع نهاية لأي احتمال بحدوث تحالف مصري – سوفييتي. 
فوفقا للمنظور الإستراتيجي الأميريكي، كان إبعاد مصر عن الإتحاد السوفييتي هدفاً أسمى في إطار طبيعة الصراع المعاصر. 
أما بالنسبة للإتحاد السوفييتي، الذي ما لبث أن وجد نفسه خارج إطار التسوية فإن عدم تحجيم “إسرائيل” معقل النفوذ الأميركي،  إضافة إلى فقدانه مصر،  قد حرمه من التواجد في الجزء الأهم من المنطقة العربية وأغلق في وجهه ممرا ستراتيجيا أساسيا هو قناة السويس.  ضمن هذا الاطار، عمد منذ عام 1974 إلى تقوية حضوره في سورية من جهة، كما عمد إلى تبني فكرة إقامة دولة فلسطينية في الأرضي الفلسطينية المحتلة عام  1967. ففي 8/9/1974 طالب الإتحاد السوفييتي ولأول مرة بإقامة الدولة الفلسطينية في هذه الاراضي.  وفي 24/11/1974 صدر أول بيان سوفيتي – فلسطيني مشترك أشار فيه الجانب السوفييتي فقط إلى دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة[262]، وذلك في الوقت الذي لم تكن فيه منظمة التحرير الفلسطينية قد تبنت بعد أطروحة الدولة الفلسطينية في برامجها السياسية[263]، وكان الإتحاد السوفييتي قد دعم منذ أيلول 1974 مشروع إدراج بند فلسطين على جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومشروع دعوة منظمة التحرير الفلسطينية لحضور المناقشة.  وواصل منذ ذلك الحين دعم جميع مشاريع القرارات الخاصة بحقوق شعب فلسطين، حيث تحولت الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 الى بؤرة ينصب عليها الأهتمام السوفييتي. 
فلسطين والمرحلة الأخيرة من الحرب الباردة
على الرغم من المحاولات التي جرت خلال النصف الثاني من السبعينات لانقاذ حالة الإنفراج الدولي، والتي انعكست في الشرق الأوسط بإصدار البيان الأميركي – السوفييتي المشترك في 1/10/1977، ثم الدعوة لعقد اجتماع تمهيدي لمؤتمر جنيف في العام ذاته،  فلقد بدا واضحا أن تلك المحاولات لم تكن غير محاولات يائسة،  حيث ما لبث أن تم إلغاء البيان الأميركي – السوفييتي المشترك آنف الذكر بإصدار ورقة العمل الأميريكية – الإسرائيلية في 6/1/1977 التي نسفت البيان السابق، كما تم عقد الاجتماع التمهيدي لمؤتمر جنيف في القاهرة في 14/2/1977 بتغيب الاتحاد السوفييتي وسورية ومنظمة التحرير الفلسطينية. 
فمقابل السلوك الأميريكي منذ مؤتمر جنيف 1972 الذي اتسم بالعمل على إقصاء الاتحاد السوفييتي عن أية إتفاقات تخص عملية التسوية في المنطقة،  بدءا باتفاقية سيناء الأولى عام 1974، ثم اتفاقية سيناء الثانية عام 1975،  اتجه الإتحاد السوفييتي إلى تبني سياسة التدخل الخارجي المباشر التي بدأها بالتدخل في أنغولا وأعقبها بإقامة سلسلة من القواعد التي شكلت طوقا سوفييتيا حول المنطقة، وهو طوق اكتمل في عام 1979 باحتلال افغانستان، وذلك في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة قد أحكمت قبضتها على أحد أهم مفاصل المنطقة العربية، وذلك بعقد اتفاق كامب ديفيد في 17/9/1978، ثم الاسراع في عقد المعاهدة المصرية – الإسرائيلية في 26/2/1979  في أعقاب قيام الثورة الايرانية في 8/2/1979.
في الان ذاته وعلى صعيد سباق التسلح، شهد عام 1977 انتهاء مفعول اتفاقية سالت – وفشل القوتين في التوقيع على اتفاقية سالت 2.  كما مني مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي الذي انعقد في بلغراد خلال 1977 –1978 بفشل ذريع ورفضت الولايات المتحدة التوقيع على الإتفاق النهائي الصادر عنـه. 
ومع مجيء رونالد ريغان الى البيت الأبيض في عام 1980، تعززت قوة الجناح المؤيد لسياسة التصعيد في الحرب الباردة،  وتحدد الموقف الأميريكي بما وصفه ريغان بأن الخصائص الرئيسة للنظام الدولي لم تتغير منذ الحرب العالمية الثانية، وبأن الخاصية الرئيسية لهذا النظام هي الصراع بين الشرق والغرب، وبناء على ذلك،  فان الصراعات والحلفاء والأعداء والقضايا والمصالح إنما يحكم عليها وفقا لعلاقاتها بالصراع الأميريكي – السوفييتي. 
هكذا، وفي سياق تصاعد الحرب الباردة الجديدة وفي سياق ما شهده الشرق الاوسط من تطورات شملت قيام الثورة الإيرانية والتوقيع على اتفاقات كامب ديفيد وإحكام الطوق السوفييتي باحتلال أفغانستان ثم اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية، تصاعدت الأهمية الستراتيجية “لإسرائيل” تصاعدا كبيراً وعمدت إدارة ريغان إلى تبني سياسة الإجماع الستراتيجي كماعمدت إلى تعزيز وجودها العسكري في المنطقة،  فوقعت في عام 1981 مذكرة التعاون الستراتيجي مع اسرائيل وتم الإتفاق على قيام الولايات المتحدة بمساعدتها على بناء صناعاتها العسكرية وتحويل القروض العسكرية إلى منح، وزيادة المساعدات إضافة اإى تشكيل لجنة عسكرية مشتركة لتنسيق التعاون بينهما بشأن التخطيط والمناورات المشتركة وتخزين المعدات العسكرية الأميريكية في اسرائيل.  في الآن ذاته، عمدت الولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها العسكري في المنطقة حيث حصلت على تسهيلات عسكرية في المغرب ومصر وعمان والصومال والبحرين.  ضمن هذا الإطار قامت اسرائيل بضرب المفاعل النووي العراقي في 7/6/1981 ثم شنت هجومها على مقرات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان في 5/6/1982 ولم يقدم الإتحاد السوفييتي  أية مساعدة لمنظمة التحرير الفلسطينية أثناء تلك الحرب التي انتهت بإخراج المنظمة من لبنان بعد تدمير معظم مؤسساتها. 
لقد شكل ضرب منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1982 أحد ابرز تجليات الحرب الباردة في الشرق الأوسط، وبذلك فقد طوي الموضوع الفلسطيني بعد صدور مبادرة ريغان في 22/9/1982 ولم يتم نفض الغبار عنه إلا في عام 1988 وذلك مع بدء التطورات الدراماتيكية التي تمثلت في وضع نهاية للحرب الباردة في عام 1988 وما تلا ذلك من انهيار الإتحاد السوفييتي ذاته.

 

الفصل التاسع

الملامح الأولية للنظام الدولي الجديد

شهدت أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن العشرين تطورات هائلة ومفاجئة، تمثلت في انتهاء الحرب الباردة وانهيار وتفكك الإتحاد السوفييتي مع كل منظومته السياسية والاقتصادية والأيديولوجية، الأمر الذي طرح المجال واسعاً أمام احتمال انبثاق نظام دولي جديد قائم على تعددية القوى أو على القوة الواحدة.  غير أن المعطيات القائمة ما لبثت  أن أكدت على أن نظام القوة الواحدة الذي يهيمن على العالم بأسره، هو النظام الذي سيحكم العالم على المدى القصير على أقل تقدير إن لم يكن على المدى المتوسط، وذلك بفعل التفوق الأميريكي الساحق على القوى الأخرى المتمثلة في مجموعة الدول الأوروبية والصين وروسيا النووية،  في أهم مجالين في العصر الراهن، وهما المجال الاقتصادي والمجال العلمي التكنولوجي. 
لقد نجم انهيار الإتحاد السوفييتي في الأساس عن عجز النظام الإقتصادي السوفييتي عن مجاراة النظام الرأسمالي الأميريكي، وبخاصة في مجال الصرف الهائل على تطوير تكنولوجيا الأسلحة غير التقليدية.  وكان برنامج “حرب النجوم” الذي اعتمده الرئيس الأميريكي رونالد ريغان في أوائل الثمانينات بمثابة الضربة القاضية على آمال الإتحاد السوفييتي في اللحاق بالبرنامج الأميريكي إذا ما أراد الحفاظ على توازن القوى وإدامة الحرب الباردة القائمة على نظام القوتين،  حيث بدأ العد التنازلي للإتحاد السوفييتي منذ ذلك الحين. 
ففي عام 1985، وإذ كانت الحرب الباردة قد وصلت ذروتها، وصلت الى الحكم في الإتحاد السوفييتي نخبة سياسية جديدة تبنت إجراءات جذرية في السياسات الداخلية والخارجية.  فعلى الصعيد الداخلي، طرح الرئيس الجديد، غورباتشيف،  فكرة إنقاذ النظام الإقتصادي السوفييتي عبر الإنفتاح (غلاسنوت) والأصلاح (بريسترويكا). أما على الصعيد الخارجي، فقد شملت التغييرات التخلي عن سباق التسلح والحرب الباردة، واستبعاد الأيديولوجيا كأداة من أدوات السياسة الخارجية وإلغاء مبدأ بريجنيف والسعي للوصول إلى تطورات جديدة لمفهوم الأمن السوفييتي والإنتقال إلى التعاون بدلاُ من التنافس فيما يتعلق بالقضايا والمشاكل الدولية[264]
غير أن الأحداث ما لبثت أن تسارعت على نحو دراماتيكي لم يمهل غورباتشيف حتى تحقيق إصلاحاته، حيث أدت الإنتفاضات الشعبية المتلاحقة في  أوروبا الشرقية بدءاً من عام 1989 إلى انهيار حلف وارسو، الركيزة الأساسية للنظام السوفييتي،  الأمر الذي انعكس على الوضع الداخلي،  والذي ما لبث أن تمخض عن اتخاذ قرار إلغاء إتفاقية إنشاء الإتحاد السوفييتي الموقعة في عام 1922، ووضع نهاية رسمية له في ديسمبر 1991. 
ومع نهاية الإتحاد السوفييتي،  تكرست القوة الأميريكية الواحدة، وكان الشرق الأوسط والمنطقة العربية تحديداً،  أول منطقة يتوجه إليها الإهتمام الأميريكي،  حيث كانت الولايات المتحدة قد استبقت الإنهيار الرسمي للإتحاد السوفييتي بشن حرب الخليج ضد العراق في 16/1/1991 رداً على احتلاله للكويت منذ2/8/1990، وذلك في أول محاولة من نوعها لردع المساس بهيمنتها المطلقة على الشرق الاوسط وفي مقدمته نفط الخليج،  كما استبقت الإنهيار الرسمي للاتحاد السوفييتي بطرح أول مبادرة سياسية جادة لتحقيق تسوية شاملة لقضية فلسطين والصراع العربي –  الإسرائيلي،  وذلك في الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميريكي جورج بوش في 6/3/1991 أمام الأمم المتحدة والذي جاء فيه : ” إن السلام الشامل يجب أن يقوم على قاعدة قراري مجلس الأمن 242 و338 ومبدأ الأرض مقابل السلام…يجب تطوير هذا المبدأ لكي يوفر لإسرائيل الأمن والاعتراف بها، وفي الآن ذاته حقوقاً سياسية فلسطينية مشروعة. . وأي شيء عدا ذلك لن يلبي توأم العدالة والأمن. . لقد حان الوقت لوضع نهاية للنزاع العربي- الأسرائيلي”[265]
حدد بوش أربعة تحديات رئيسة تواجه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهي : أمن الخليج (النفظ)، السيطرة على أسلحة الدمار الشامل،  النزاع العربي – الإسرائيلي،  ثم التنمية الاقتصادية، مضيفاً أن “الجغرافية لا تضمن الأمن”.
وقد شكل هذا الخطاب ركيزة السياسية الأميريكية شرق الأوسطية منذ ذلك الحين، حيث بدأت الولايات المتحدة بعد ذلك بعملية ديبلوماسية ناشطة ما لبثت أن تمخضت عن انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط في 30/10/1991.  إن انهماك الولايات المتحدة منذ ذلك الحين في متابعة أهدافها الأربعة المذكورة أعلاه، قد شكل مؤشراً على أنها ماضية قدماً في متابعة هدف ترسيخ أسس نظام عالمي أحادي القوة تتضاءل فيه أهمية فلسطين الستراتيجية على نحو يتيح تسوية قضية فلسطين، وذلك أمام تصاعد الأهمية الستراتيجية للمنطقة العربية ككل ومركزيتها في إطار النظام العالمي الجديد، القائم على أحادية القوة.  وهذه أمور ما كان لها أن تحدث في إطار نظام قائم على ثنائية القوة كما لا يمكن لها أن تتراجع إلا في ظل انبثاق تهديد جدي لنظام القوة الواحدة.

 

الهوامش

– 10 -الخلاصة والاستنتاجات

لفلسطين المكان أهمية لم يحظ بها أي مكان في العالم سواء كان هذا العالم هو العالم القديم الذي اقتصر في فجر التاريخ على المنطقة الممتدة من وادي الرافدين  إلى وادي والنيل، أم العالم الذي عرفّه سترابو في القرن الأول الميلادي والذي امتد من أعمدة هرقل (جبل طارق) إلى خليج البنغال، ومن إيرلنده إلى سيريلانكا، أو العالم الحديث الذي يغطي كل الكرة الأرضية وما حولها من بحار وفضاء.
وقد نبعت هذه الأهمية في العصور القديمة من كون فلسطين هي المكان الذي يمكن من خلاله الإنقضاض على المستقر المائي الحضاري العظيم، وادي النيل، أو الانطلاق منه للانقضاض على  المستقر المائي العظيم الآخر، وادي الرافدين. 
أما في العصور الوسيطة، والتي شهدت إنتشار الإمبراطوريات العقائدية، فإن تضاؤل أهمية فلسطين كمكان في إطار نظام القوة الواحدة التي تحكم المنطقة الأكثر أهمية، وهي الممتدة من النيل الى الرافدين، ما لبث أن تم تعويضه ببروز أهمية فلسطين كمكان مقدس وكمهد للديانات التوحيدية التي دانت بها تلك الإمبراطوريات. 
وعلى الرغم من التطورات الهائلة التي شهدها العصر الحديث في مجال الإتصالات والمواصلات،  فإن أهمية فلسطين المكان لم تتضاءل، بل تعززت في إطار النظم العالمية القائمة على تعددية أو ثنائية القوة،  وذلك بفعل موقعها الوسطي بالنسبة للقوى الدولية الحديثة المتمركزة في أطراف العالم، هذا الموقع الذي يسهل على أية قوة عظمى مهمة نشر القوة إلى انحاء العالم المترامي ومراقبة الممرات المائية ومواقع النفط الخليجي، الذي أضاف ظهورة أهمية ستراتيجية جديدة للمنطقة العربية. 
لقد تميز التاريخ السياسي للمنطقة العربية الممتدة من العراق حتى مصر، بأنه سلسلة من المحاولات الدؤوبة من قبل مراكز القوى سواء كانت هذه القوى نابعة من المنطقة ذاتها أم من خارجها، لفرض نظام القوة السياسية الواحدة التي تحكم المنطقة بأسرها.
وقد تمكنت تلك القوى من تحقيق هذه المحاولات التي دشنها الأشوريون،  ولفترات زمنية طويلة نسبيا، كالفرس واليونانيون ثم الرومان فالعرب، فالاتراك.  وكانت محاولة محمد علي أولى المحاولات المحلية الجادة بهذا الاتجاه في العصر الحديث، وهي محاولة ما لبثت أن استنفرت مناهضة القوى لأاوروبية، وفي مقدمتها بريطانيا. كذلك فقد شكل تاريخ التعامل البريطاني مع هذه المنطقة، سلسلة من المحاولات الرامية إلى إقامة مثل هذه النظام الذي تجلى في آخر تعبيراته في مشروع سورية الكبرى ومشروع الهلال الخصيب، وذلك إنطلاقا من اعتبار مصر منطقة نفوذ بريطاني، كما تجلى في إقامة جامعة الدول العربية في عام 1945. كما نجد مثل هذا الإتجاه المتمثل في إقامة نظام القوة الواحدة لدى كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، حيث سعى كل منهما إلى إبعاد الآخر وتحقيق التقارب بين دول المنطقة في اطار نفوذه.  كما يتجلى حالياً في محاولات الولايات المتحدة الأميريكية منذ انهيار الإتحاد السوفييتي في تحقيق ذلك. 
وقد تميزت عهود سيطرة القوة الواحدة بشكل عام، بأنها عهود سلام ساد فيها الهدوء واختفت الحروب، وذلك طالما بقيت القوة الواحدة قادرة على الإمساك بزمام سيطرتها، وعدم وجود منافسين أقوياء لها.  هكذا ظهرت شعارات السلام العالمى التى دشنها الرومان بشعار السلام الرومانى – Pax Romana– . ولطالما تطلعت بريطانيا، وريثة الفكر الستراتيجي الروماني، إلى تحقيق السلام البريطاني في المنطقة، كما سعى كل من الإتحاد السوفييتي والولايات المتحدة لتحقيق ذلك، وهاهي الولايات المتحدة تسعى في العصر الراهن إلى إقامة السلام الأميركي. 
وقد انطلقت جميع هذه القوى في سعيها لفرض نظام القوة الواحدة في المنطقة الممتدة من العراق حتى مصر، من واقع ترابط كافة أجزاء هذه المنطقة إقتصاديا وأمنيا واستراتيجيا، وذلك لأن مثل هذه السيطرة من شأنها أن تضمن السيطرة على البحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي،  وعلى كامل شبكة المواصلات والتجارة، إضافة إلى ردع أية قوة محتملة في أوروبا أو آسيا أو إفريقيا. 
أوجد ضعف نظام القوة الواحدة أو انهياره ثلاثة نظم أخرى هى : نظام القوتين اللتين تتقاسمان المنطقة حربا أو سلما، والنظام القائم على تعددية القوى، وحالة الفراغ السياسي. 
لقد اتسم نظام القوتين اللتين تتقاسمان المنطقة حرباً أو سلماً، بالتوتر والحراك السياسي أو بالحروب الدائمة. فمع انتهاء عهد السلام المبكر القديم الذي ساد بين قوى وادى الرافدين ووادي النيل، جرى تقاسم المنطقة حربا، واتسمت فترات التقاسم بقصرها زمنيا، وبالاتفاقات ثم نقض الاتفاقات. 
لقد شملت تلك الحالة فترات زمنية عديدة على مدى التاريخ، وذلك بدءا بالتنافس العسكري بين الأشوريين والبابليين من جهة،  والفراعنة من جهة أخرى،  مرورا بالسلوقيين والبطالسة والبويهيين والسلاجقة والمغول من جهة، والطولونيين والأخشديين والفاطميين والأوروبيين من جهة اخرى.  وقد استطاع المماليك الاستمرار لنحو ثلاثة قرون نظرا لضعف القوة المتمركزة في العراق، وبذلك كانوا أقرب إلى نظام القوة الواحدة. وكان التنافس البريطاني – الفرنسي أحد أبرز تجليات هذا النظام، حيث جرى تقاسم المنطقة بينهما سلما من خلال إتفاقية سايكس – بيكو، حتى الحرب العالمية الثانية. 
غير ان التغير في طبيعة الصراع الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية،  وما رافقة من وضع نهاية لنظام الإستعمار المباشر، قد وضع نهاية لإمكانية تقاسم المنطقة من قبل القوتين الجديدتين : الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وأصبح التنافس على احتواء المنطقة هدفا تسعى إليه القوتان، والسيطرة عليها من خلال الول القومية الحديثة التي اتخذت وظائف الدول العميلة أو الوكيلة،  وانبثق نظام المحاور الإقليمي في إطار تعددية الدول الإقليمية الذي شكل نمطا من الإنقسام بدلا من التقاسم. 
أما النظام الثاني القائم على تعددية القوى فهو نظام لم يحدث في تاريخ العالم سوى مرتين ولفرتين قصيرتين حتى الآن،  الأولى من أواخر القرن التاسع عشر إلى حين اندلاع الحرب العالمية الأولى في أوائل القرن العشرين. ففي الحالة الأولى، سمح فرض هذا النظام باتباع سياسة الإبقاء على وحدة وسلامة أراضي الإمبراطورية العثمانية، فحال بذلك دون تقسيم المنطقة العربية عبر تفتيت الإمبراطورية في ذلك الحين، وذلك بفعل توازن القوى في النظام التعددية. ولم يتم تقسيم المنطقة إلا بعد أن شهد النظام الدولي انتقالا إلى حالة القطبية الثنائية. 
وفي الحالة الثانية،  فإن القوى المتعددة قد دخلت في سباق  إعادة تشكيل النظام الدولي الجديد خلال الحرب العالمية الثانية.  وكانت مقدمة لانبثاق نظام القطبية الثنائية الذي كانت أولى ثماره المرة  إقامة دولة إسرائيل،  كما يشهد عالمنا المعاصر احتمال عدم تمكن الولايات المتحدة من تكريس نظام القوة الواحدة المنبثق بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، وانبثاق نظام تعددي جديد. 
اما النظام الثالث الذي عرفته المنطقة خارج إطار نظام القوة الواحدة،  فهو حالة الفراغ السياسي،  أو نظام اللانظام، حيث تنتشر المدن – الدول والدويلات والممالك المتعددة في المنطقة.  غير أن أيا من تلك الدويلات تظل عاجزة عن التحول إلى قوة قادرة على فرض سيطرتها على المنطقة بأسرها،  وذلك بسبب عدم قابلية وسط المنطقة جغرافيا وجيوبوليتيكا على تشكيل مركز قوة محلى مالم تكن مدعومة من طرفي المنطقة، مصر والعراق، أو من أحدهما أو من قوة خارجية.  هذا ما حدث منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد، حيث أدى انهيار مركز القوة في كل من وادى الرافدين ووادي النيل إلى انتعاش ظاهرة الدويلات.  كما تكررت تلك الظاهرة في أواخر عهد السيطرة السلوقية – البطليسية، حيث ظهرت الدويلات التي ما لبثت القوة الرومانية الواحدة أن قضت عليها واحدة تلو الأخرى. وقد تكررت هذه الظاهرة مع انهيار قوة الدولة العربية – الاسلامية منذ القرن التاسع الميلادي، حيث شهدت المنطقة ظهور العديد من الإمارات الدويلات. وتندرج الغزوات الأوروبية خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر ضمن هذا الاطار، حيث فشلت تلك الغزوات في تحقيق سيطرتها العامة على المنطقة بأسرها. وقد ظل بقاؤها في المنطقة الوسطية على شكل ممالك متناثرة، رهناً بالفراغ السياسي الذي ما لبثت مصر أن شغلته، فطردت الصليبيين الأوروبيين، ثم المغول من معظم أجزاء المنطقة وأقامت دولة المماليك الشبيهة بدولة القوة الواحدة.  كذلك يمكن إدراج عملية إقامة الدولة اليهودية في فلسطين ضمن إطار حالة الفراغ السياسي.  فقد أدى تدهور قوة بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية إلى تسابق القوتين الجديدتين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، من أجل ملء هذا الفراغ الذي سيحدثه تدهور بريطانيا، وذلك بتبني مشروع الدولة اليهودية. 
ولم يخل نظام القوة الواحدة من تلك الظاهرة الإستقلالية في حالات انهيار قوتها، حيث أن مثل هذا التدهور في القوة كثيرا ما رافقته ظاهرة الدويلات والممالك الصغيرة مثل مملكة صفد في زمن المماليك، وإمارة الشيخ ظاهر العمر في عكا والإمارات اللبنانية وغيرها، وذلك في زمن ضعف السيطرة التركية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر.  كما يمكن إدراج بدايات الإستيطان الصهيوني في زمن ضعف السيطرة العثمانية ضمن هذا الاطار. 
إن ما حدث من تغيرات في العصر الحديث، وهي تغيرات شملت معظم جوانب الحياة الاقتصادية – الاجتماعية والسياسية وفي مقدمتها ظهور الدولة القومية كوحدة سياسية لنظام دولي شامل، قد أدى إلى تغير طريقة تعامل مراكز القوى مع المنطقة العربية، وإنما في السياق ذاته.  فاذا كانت عملية الإستيطان الصهويني قد بدأت في إطار ضعف السلطة العثمانية، ونمت في إطار التنافس البريطاني – الفرنسي، فان قيام الدولة اليهودية في فلسطين قد تم في سياق حالة الفراغ السياسي المتأتية من انهيار قوة بريطانيا وفرنسا وعدم وجود قوة محلية تملأ الفراغ، وسعي القوتين العالميتين البازغتين : الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، نحو ملئ هذا الفراغ من خلال إقامة دولة تابعة تكون بمثابة أول موقع قدم نحو السيطرة على المنطقة. 
ضمن هذا الاطار ذاته، أي إطار تنافس القوى، خضع مفهوم فلسطين لعدة تغيرات. ولم يكن مصطلح “فلسطين” في كثير من الحالات معبرا عن الأهمية التي اكتسبها ذلك الجزء من المنطقة الذي اختلفت هويته الإقليمية – Territorial – باختلاف التعامل الدولي وصراع القوى. 
ففي إطار نظام القوة الواحدة التي تحكم المنطقة من النيل إلى الفرات، اتسم تاريخ “فلسطين” باندماج الجزء في الكل. غير أن أهمية فلسطين كثيرا ما كانت تتصاعد ضمن إطار نظام القوة الواحدة، وذلك لدى ظهور أي خطر يهدد القوة الواحدة من جهة مصر.  لقد تجلت هذه الظاهرة في معظم نماذج نظام القوة الواحدة التي عرفتها المنطقة منذ القدم، فقد تصاعدت أهمية فلسطين في زمن الأشوريين الذين عززوا وجودهم فيها بهدف مواجهة أي خطر قادم من مصر، وعمدوا هم والبابليون من بعدهم إلى الإبدال السكاني بهدف القضاء على أية جماعة موالية لمصر فيها.  كذلك عمد الفرس إلى تقوية فلسطين فحصنوا القدس وجلبوا لها سكانا جددا موالين لهم.  كما عمد الرومان إلى تقوية فلسطين تقوية شديدة ، فقسموها إلى ثلاثة أقسام شبيهة بالتقسيمات التي أجراها الأشوريون، ونقلوا إليها مركز إدارتهم وعززوا وجودهم العسكري فيها، وهي تقوية توافقت مع بدء انحدار موجات “البرابرة” من شمال أوروبا نحو الجنوب.  وقد تكرر ذلك في صدر الدولة العربية الإسلامية، حيث كانت السيطرة على فلسطين أولى الاهداف. غير أن هذه الأهمية ما لبثت أن تراجعت في إطار الدولة العربية الاسلامية بعد فتح مصر وتأمين الجناح الغربي للإمبراطورية العربية. وقد تدفقت القبائل العربية منذ ذلك الحين للإقامة في فلسطين.  كذلك عمد الأتراك إلى تقوية فلسطين تخوفا من ظهور قوة معادية في مصر، وتخوفا من أي تقدم أوروبي منها بعد شق قناة السويس. ويندرج تبني بريطانيا لإعلان بلفور بعد الحرب العالمية الأولى، بهدف أبعاد فرنسا عن قناة السويس، في السياق ذاته.  ففي إطار القوة الواحدة، تتصاعد أهمية فلسطين الستراتيجية مع ظهور بوادر أي خطر يهدد النظام من جهة مصر،  غير أنها ما تلبث أن تتراجع لدى انحسار مثل هذا الخطر. 
وكثيرا ما كانت تتصاعد أهميتها كرمز لوحدة الدولة الواحدة الممتدة من مصر إلى العراق، وبخاصة في إطار الدول العقائدية الدينية، كما حدث في عهد بيزنطة المسيحية والدولة العربية الاسلامية، وأواخر عهد الدولة العثمانية.
إن نظام الدولة القومية الحديث  قد وجد تعبيره كذلك في هذا السياق بالنسبة لفلسطين.  ففي إطار سعى بريطانيا للسيطرة على كامل المنطقة وفرض نظام القوة الواحدة فيها، فهي لم تدعم مشروع تقسيم فلسطين في عام 1947، كما أبدت الولايات المتحدة استعدادها للتخلي عن قرار التقسيم حين اعتقدت بأن إسرائيل ستكون موالية للإتحاد السوفييتي. كما أخذت تعمل بعد انهيارالإتحاد السوفييتي من أجل انسحاب إسرائيل من المنطقة التي احتلتها عام 1967 بدعم أميريكي. 
أما في إطار نظام القوتين اللتين تتقاسمان المنطقة سلما أم حربا،  فإن أهمية فلسطين الستراتيجية تبرز على نحو شديد الإلحاح،  كما تتراوح هويتها الإقليمية – Territonal  – وفقا لهذه الأهمية.  لقد اتخذت هوية فلسطين الإقليمية ثلاثة أشكال رئيسة في سياق أهميتها الستراتيجية منذ فجر التاريخ.  ففي حالة تصاعد قوة القوة الحاكمة في مصر،  امتدت “فلسطين” لتشمل إقليما يمتد من تخوم مصر حتى شمالي دمشق وبيروت،  شاملة بذلك عقدة الطرق العسكرية والتجارية ومصادر المياه.  وفي حالة ضعف القوة الحاكمة في مصر تتقلص “فلسطين” لكي تشمل منطقة تمتد حتى مجدو أو حتى مينائي حيفا – عكا فقط. هكذا تشكلت منطقة النفوذ الفرعوني في كل مرحلة من المراحل.  كذلك ظل الصراع قائما بين البطالسة والسلوقين حول”فلسطين” الممتدة الى الشمال من دمشق وبيروت،  واستمر الصراع بين الأخشيديين وولاة بغداد، حيث تمكن ولاة بغداد من السيطرة على كامل المنطقة الوسطية حتى طبريا،  بينما سيطر الأخشيديون على المنطقة الممتدة حتى طبريا.  وقد أحكم المماليك قبضتهم على نيابة غزة، وتمكنوا من إبعاد المغول بعيداً إلى الشرق.  وقد امتدت فلسطين حتى نهاية ولاية عكا في الاتفاقية الخاصة بمحمد علي، والتي تضمنت جعل هذا الإقليم منطقة سيطرة مصرية إرضاء له شرط الإمتثال لمتطلبات المحافظة على سلامة الدولة العثمانية.  أما بريطانيا فقد ترددت في اختيار المساحة الكافية لإبعاد الفرنسيين إلى أقصى حد ممكن نحو الشمال،  غير أنها ما لبثت أن وجدت الحل الذي يمكنها من إلغاء اتفاق سايكس – بيكو الخاص بفلسطين وتامين سيطرتها على فلسطين الممتدة إلى نهاية ولاية عكا وذلك بإصدار إعلان بلفور. وقد أتاحت الحرب العالمية الأولى لبريطانيا أن تكون القوة الأقوى بين القوتين، لذلك تمكنت لدى تقسيم المنطقة العربية بأسرها بينها وبين فرنسا، من الحصول على النصيب الأوفر من المنطقة : فلسطين والعراق،  إضافة لمصر، في محاولة تهديديه لإقامة نظام القوة الواحدة.
كما اختلفت الهوية الإقليمية لفلسطين باختلاف طبيعة النظام الدولي القائم في أية مرحلة من المراحل، فاتسعت أفقيا لتشمل شرقي الأردن في حالة وجود خطر قادم من جهة مصر أو خطر يهدد مصر وتقلصت إلى غربي النهر في حالة عدم وجود مثل ذلك الخطر.  إن متغير الدولة القومية في العصر الحديث قد تمخض ولأول مرة في التاريخ عن استقرار شكل فلسطين ثم تقسيمها تقسيماً رأسيا حيث أعطى مشروع التقسيم صحراء النقب للدولة اليهودية لكي تكون محاذية لمصر ولشرقي الأردن، كما أعطاها جزءاً كبيراً في الشمال لكي تكون محاذية لسورية ولبنان، وذلك انطلاقاً من اعتبار الدولة اليهودية قاعدة لسيطرة القوى على المنطقة.
إن متغيرات الصراع الدولي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية،  وظهور القوتين غير التقليديتين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، قد وضع نهاية، كما تبين سابقا، لإمكانية تقاسم المنطقة ، حيث أصبح هدف كل منهما إبعاد الاخرى عن المنطقة كلها. وقد أصبحت الدولة القومية في المنطقة هي الأداة لهذه القوة أو تلك. وقد انعكس هذا الوضع الجديد على طريقة التعامل مع “فلسطين” حيث دعمت القوتان إقامة الدولة اليهودية في فلسطين. غير أن متغيرات الستينات،  المتمثلة بالثورة التكنولوجية وما تمخضت عنه من سياسة إنفراج أدت إلى نمو القوة السوفيتية وقوة أوروبا، ما لبثت أن دفعت باتجاه تصاعد أهمية فلسطين/ إسرائيل، التي شنت حرب حزيران 1967، وتحولت إسرائيل بفعل الدعم الأميريكي لها، إلى أكبر قوة عسكرية إقليمية تفرض الإرادة الإسرائيلية – الأميريكية على مصر من جهة، وعلى المنطقة الوسطية والعراق من جهة اخرى.
وقد اتفقت هذه التطورات والسياق الجيوبوليتيكي التاريخي لفلسطين،  بمعنى أن من يسيطر على فلسطين إنما يسيطر على مصر من جهة، وعلى شرق المنطقة الوسطية من جهة أخرى. فعلى النحو الذي اندفع فيه الهكسوس والحيثيون والأشوريون والفرس والعرب والأتراك من فلسطين نحو مصر،  اندفعت القوات الإسرائيلية في الطريق الإمبراطوري ذاته، وجلست على الضفة الشرقية لقناة السويس،  إلى أن تم توقيع المعاهدة المصرية – الإسرائيلية بالإشراف الأميركي. أما من الجهة الشمالية الشرقية، فقد اندفعت تلك القوات لكي تصل إلى حدود فلسطين التاريخية الموسعة،  فأشرفت على دمشق وعلى تقاطعات الطرق ومصادر المياه،  وهو توسع تم استكماله في عام 1982، بينما توسعت شرقا فاحتلت كل وسط فلسطين، وجلست على رؤوس الجبال المشرفة على عمان والصحراء الممتدة حتى العراق.  ضمن هذا الإطار، لم يكن جزافا ترديد الساسة الإسرائيليين في ذلك الحين بأنهم انما يسعون للوصول إلى حدود الحيثيين، أي  إلى التخوم التي عقدت فيها اول معاهدة بين فراعنة مصر والحيثيين في أواخر الألف الثانية قبل الميلاد. 
هكذا يمكن الاستنتاج من الدراسة المقارنة لسلوك القوى المختلفة التي تعاقبت على فلسطين أن هناك ثمة قانونا يحكم التعامل الدولي مع فلسطين المكان. 
فإذا كان المكان ثابتاً لا يتغير، فإن علاقات القوة هي التي تتغير، غير أنها تتغير وفق شروط يحكمها المكان الثابت. إن تواصل تمتع المكان بأهميته بالنسبة لمختلف القوى في مختلف العصور، كما هو الحال بالنسبة لفلسطين ومنطقة المشرق العربي بشكل عام،  قد أوجد تشابهاً كبيراً في سلوك القوى القديمة والوسيطة والحديثة، سواء كان ذلك في إطار نظام القوة الواحدة أو نظام القوتين أو النظام القائم على تعددية القوى،  حيث أن لكل من هذه النظم سلوكه الخاص بغض النظر عن العصر أو الحقبة التاريخية التي جرى فيه. 
ولذلك، يمكن الاستنتاج مما سبق أن أسوأ النظم بالنسبة لفلسطين هو نظام القوتين اللتين تتصارعان على الهيمنة على فلسطين والمنطقة الممتدة من وادي الرافدين إلى وادي النيل.  ففي إطار النظم القائمة على ثنائية القوة، عانت فلسطين منذ فجر التاريخ معاناة شديدة الهول،  تمثلت في مختلف أشكال الإحتلال والإبادة والإقتلاع،  كان آخرها ما حدث للشعب الفلسطيني في إطار النظامين الثنائيين الأخيرين : البريطاني – الفرنسي والأميركي – السوفييتي. 
واذا كان النظام القائم على تعددية القوى هو نظام نادر في التاريخ، فلقد أثبت مثل هذا النظام في الحالات القليلة التي تواجد فيها،  أنه نظام قائم على التنافس والمراوغة والتآمر بهدف العبور منه إلى نظام ثنائية القوة على أقل تقدير، اذا ما تبين تعذر الوصول إلى نظام القوة الواحدة.  وفي ضوء
أن نظام تعددية القوى انما يقوم على أرضية المقولة الأورويلية الشهيرة ( نسبة إلى الكاتب الشهير جورج أورويل) بأن الكل متساوون، غير أن هناك من هم متساوون أكثر من الآخرين، فهو نظام لم يشكل في التاريخ بالنسبة لفلسطين، إلا مرحلة تأهب للانقضاض والتدمير. 
على العكس من ذلك، فان نظام القوة الواحدة قد أثبت تاريخياً بأنه أقل النظم شراً وبطشاً، وذلك في ضوء أنه نظام يعتبر السلام والإستقرار ركنين أساسيين من أركان استمراره في التفرد في القوة. ففي إطاره تتراجع أهمية فلسطين المكان تراجعاً نسبياً يتيح إشاعة السلام والاستقرار فيها، وذلك في إطار سلام واستقرار شاملين للمنطقة العربية الممتدة من وادي الرافدين إلى وادي النيل. 
إن الانهماك الأخير للولايات المتحدة الاميركية في محاولة تسوية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي والعربي بشكل عام، والذي بدأ فور انهيار الإتحاد السوفييتي وانتهاء النظام ثنائي القوة، انما يشكل ترجمة لقانون التعامل الدولي المشار إليه أعلاه. غير أنه لا بد من الأخذ في الاعتبار أن متغيرات العصر الراهن، وفي مقدمتها متغيرات العصر القومي والتسلح غير التقليدي، بالإضافة إلى وجود قوى دوليه فاعله على الساحة الدولية، على الرغم من أنها أقل مرتبة من الولايات المتحدة ولا تهدد وضعها كقوة عظمى وحيدة على المدى القريب، كلها تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في طبيعة وشكل القرار الأميريكي في هذا المجال، ومستقبل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.

ملحق

السلطات السياسية في فلسطين عبر التاريخ *
سوف يتضح من الجدول اللاحق ان فلسطين لم تخل من السلطة السياسية في أية مرحلة من مراحل التاريخ. غير ان ايا من هذه السلطات لم تنبع من الإقليم ذاته الا في فترات الفراغ السياسي التي تواجدت فيها عدة سلطات في آن واحد، وهي فترات قصيرة نسبة الى المراحل الاخرى. وان دل هذا على شئ، فهو يدل على الاهمية الفائقة للاقليم الذي ظل باستمرار هدفا القوى الخارجية.

 

التاريخ

السلطة

مدتها 
من الى
؟ ق.م الكنعانيون (مدن – دول)
؟ ؟ مصر الفرعونية
1710 1481 الهكسوس 230
1480 1350 مصر الفرعونية 130
1350 1290 الحيثيون 60
1290 1154 مصر الفرعونية 136
1154 915 حكم محلي متعدد 154
915 ؟ مصر الفرعونية ؟
734 612 أشوريون 122
610 538 كلدانيون بايليون 72
538 330 فرس 208
330 323 الاسكندر المقدوني 7
323 200 مصر البطليسية 123
200 70  سورية السلوقية (مع حكم محلي) 130
70 63 أرمن 8
63 ق.م 614 رومان غربيون وشرقيون 677
614 628 فرس 14
628 638 رومان شرقيون 10
638 868 دولة عربية إسلامية 230
935 965 مصر الطولونية الإسلامية 68
935 965 مصر الأخشيدية الإسلامية 30
965 1085 مصر الفاطمية 120
1085 1099 بغداد السلجوقية لإاسلامية 14
1099 1291 أوروبا المسيحية    (مع سلطات جزئية سلجوقية وأيوبية من بغداد ومصر) 192
1291 1517 مصر المملوكية لإاسلامية 226
1517 1918 تركيا العثمانية الإسلامية 401
1918 1948 بريطانيا /انتداب مؤقت 30
1948 يهود (سيطرة جزئية)
1948 1967 الأردن (سيطرة جزئية)
,, ,, مصر (سيطرة جزئية)
1967 دولة يهودية واحتلال لكامل فلسطين الإنتدابية

 

المصادر والمراجع

 

 المصادر والمراجع باللغة العربية

  1. إبراهيم حسن، “تاريخ الاسلام السياسي”، مكتبة النهضة العربية، القاهرة 1974.
  2. الأحمد، سامي سعيد، “تاريخ فلسطين القديم”، مركز الدراسات الفلسطينية، جامعة بغداد، بغداد 1979.
  3. أمين، حسين أحمد، “الحروب الصليبية في كتابات المؤرخين العرب المعاصرين لها”، مكتبة النهضة العربية القاهرة، 1983.
  4. أنطونيوس، جورج، “يقظة العرب”، دار العلم للملايين، بيروت 1969.
  5. إنغرامز، دورين، “أوراق فلسطينية”، ترجمة دار النهار بيروت.
  6. البستاني، بطرس، “دائرة المعارف”، الجزء العاشر، بيروت.
  7. البغدادي، ياقوت، “معجم البلدان”، طبعة دار احياء التراث العربي، بيروت، بلا تاريخ.
  8. تويبني، أرنولد، “تاريخ البشرية”، ترجمة نقولا زيادة، الاهلية للنشر والتوزيع،  بيروت، 1982.
  9. توما، أميل، “ستون عاما على الحركة القومية العربية”، مركز الابحاث، م.ت.ف، بيروت، 1979.
  10. جامعة الدول العربية، “الوثائق الرئيسة في قضية فلسطين”، المجموعة الاولى 1915 – 1946 والمجموعة الثانية 1947 – 1950.
  11. جيب، هاملتون، “دراسات في حضارة الإسلام”، ترجمة إحسان عباس ومحمد يوسف نجم ومحمد زايد، دار العلم للملايين، بيروت، 1974.
  12. حتي، فيليب، “لبنان في التاريخ”، دار الثقافة، بيروت، 1959.
  13. حجاوي، سلافة، “اليهود السوفييت، دراسة في الواقع الاجتماعي”، مركز الدراسات الفلسطينية، جامعة بغداد، بغداد، 1980.
  14. حمدان، جمال، “شخصية مصر” : دراسة في عبقرية المكان، كتاب الهلال، القاهرة،
  15. خدوري، مجيد، “الحرب والسلم في شرعة الاسلام”، الدار المتحدة للنشر، بيروت 1973.
  16. دويتشر، إسحق، “ستالين”، ترجمة فواز طرابلسي، دار الطليعة، بيروت، 1969.
  17. رزوق،  أسعد، “إسرائيل الكبرى”، مركز الابحاث، م.ت.ف، بيروت 1968.
  18. رياض، عادل محمود، “الفكر الاسرائيلي وحدود الدولة”، معهد البحوث والدراسات العربية، جامعة الدول العربية، القاهرة، 1977.
  19. رياض، محمود، “الجغرافية السياسية والجيوبوليتيكا”، دار النهضة العربية، بيروت، 
  20. سرور، محمد جمال الدين، “سياسة الفاطميين الخارجية”، دار الفكر العربي، القاهرة،
  21. سمارة، سميح، “العمل الشيوعي في فلسطين”، دار الفارابي، بيروت 1979.
  22. سوسه، أحمد، “العرب واليهود في التاريخ”، دمشق، 1975.
  23. الطراونة، طه ثلجي، “مملكة صفد في عهد المماليك”، دار الافاق الجديدة،  بيروت، 1981.
  24. الطهطاوي، رفاعة، “مناهج الالباب المصرية في مباهج الأداب العصرية”، طبعة حديثة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1973.
  25. عمر، عبد العزيزعمر، “دراسات في تاريخ العرب الحديث”، دار النهضة العربية بيروت، 1978.
  26. غورباتشيف، “عملية إعادة البناء والتفكير السياسي الجديد”، ترجمة وطبع، دار الكرمل، عمان، 1988.
  27. قدري، أحمد، “ملاحظات حول تاريخ فلسطين القديم”، مجلة مركز الدراسات الفلسطينية، مركز الدراسات الفلسطينية، جامعة بغداد العدد 34-35، 1979.
  28. لوتسكي، “تاريخ الاقطار العربية الحديث”، دار التقدم، موسكو، بلا تاريخ.
  29. المحافظة، علي، “العلاقات الاردنية – البريطانية”، دار النهار، بيروت، 1973.
  30. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، “قرارات الأمم المتحدة حول فلسطين 1947 –1972” بيروت، 1973.
  31. مؤسسة الدراسات الفلسطينية بيروت، 1973، “الكتاب السنوي للقضية الفلسطينية” العام 1972.
  32. هداوي، سامي، “الحصاد المر”، ترجمة فخري حسين يغمور، عمان –الاردن، 1982.
  33. هيرتزل، ثيودور، “اليوميات”، ترجمة هيلدا شعبان صايغ، مركز الأبحاث: م.ت.ف، بيروت 1986.

 

 

المصادر والمراجع باللغة الإنجليزية :

  1. Abu Manneh, The Rise of the Sanjak of Jerusalem in the 19 C., in “The Palestinians and The Middle East Conflict”, Turtledove Publishing House, London, 1979.
  2. Atlas of Israel.
  3. Bardin, Sh., “Pioneer Youth in Palestine”, Block Publishing House, U.S.A. 1932.
  4. Beautie, I., “The Land of Cana`an”, in Khalidi, W., From Haven to Conquest, Institute for Palestine Studies, Beirut, 1971.
  5. Bhutani, S., “The United Nations and the Middle East Conflict”, Academic Press, India, 1977.
  6. Calvoeressi, P., “Britain and the Middle East Conflict”, in Hammond(ed.), Political Dynamics in the Middle East, Elsevir Publishing company, U.S.A, 1972.
  7. “Encyclopedia Britanica”, Palestine, edition 1910.
  8. Ensor, R., “England 1870-1914”, Oxford, U.K. 1945.
  9. Golan,G., “The Soviet Union and the PLO”, Adelphi Papers, No. 131.
  10. Haddawi, S., “The Palestine Diary”, Palestine Research Center, Beirut, 1970.
  11. Howarth, T., “Twentieth Centurty History” Longman’s, London, 1979.
  12. Hurewitz, J., (Ed), “Diplomacy in the Middle East”, a documentary record, 1535-1914, VOL.I, 1972, vol.2 1914-1956, S.A., 1972.
  13. Jeffries, J., “Palestine the Reality”, London, 1976.
  14. Kadi, L., “A Survey of American- Israel Relations”, Palestine Research Center, PLO, Beirut, 1969.
  15. Keller, W., “The Bible as History”, London, 1956.
  16. Khalidi, W., (Ed), “From Haven to Couquest” Institute for Palestine Studies, Beirut, 1971.
  17. Krammer, A., “Soviet Motives in the Partition of Palestine”, in Journal of Palestine Studies No.2, 1973, Beirut.
  18. Lewis, B., “On the History of a Name”, International History Review, V.2, I, USA, 1980.
  19. Lilenthal, A., “The zionist Connection”, Dodd Mead, S.A., 1978.
  20. Mandel, N., “Turks, Arabs and Jewish Immigration into Palestine”, St. Antony`s Papers, No.13, Middle Eastern Affairs, N.4, 1964.
  21. Manfred, A., “A short History of the World”, Moscow, 1974.
  22. “Merip Reports”, Nos 39, 55, U.S.A
  23. Morgan, F., “A Displaced Person in Post war Germany”, in Khalidi, W., From Haven to Conquest, Institute for Palestine Studies, Beirut. 1971.
  24. “Oxford Classical Dictionary”, K., 1949.
  25. Quandt, W., “United State’s Policy in the Middle East”, in Hammond, Political Dynamics in the Middle East, Elsevir Publishing Company, USA, 1972.
  26. Rondot, “Western Europe and the Middle East”, in Hammond, Political Dynamics in the Middle East, U.S.A, 1972.
  27. Sidebotham, “British Interests in Palestine”, in Khalidi, W., From Haven to Conquest, Institute for Palestine Studies, Beirut, 1971.
  28. Sokolov, M., “History of Zionism”, S.A. 1969.
  29. Stein, L, “The Balfour Declaration”, London, 1961.
  30. Taylor, A., “A prelude to Israel”, Institute for Palestine Studies, Beirut, 1970.
  31. Toynbee, “A Study of History”, abridgement, Oxford, K. 1962.
  32. “United Nation’s Documents”, 1991.
  33. Wilson, E.,”The Origions of S. Evolvement in Palestine”, in Journal of Palestine Studies, No.4., Beirut, 1974.
[1] ان تأثير البيئة في تكوين البشر والمجتمعات موضوع قديم عالجه اليونانيون القدماء، ثم الفلاسفة والمفكرون العرب،  وقد انتعشت عملية متابعة هذا الموضوع في العصر الحديث مع ظهور علوم الطبيعة في أوروبا خلال عهد التنوير،  وكان مونتسيكيو أول من طبق ذلك على المجتمعات السياسية حيث عالج في كتابه “روح القوانين” أثر البيئة في صياغة القوانين التي تحكم المجتمعات السياسية.  تأثر رفاعة الطهطاوي بابن خلدون وبمونتسيكيو وكان أول من بلور هذا الموضوع الي “نظرية” في العصر الحديث وذلك في كتابة “مناهج الألباب المصرية في مباهج الأداب العصرية” الصادر عام 1869. أنظر الكتاب اعلاه، طبعة حديثه صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1973،  ص432.
[2] طور  جمال حمدان، اضافة الى عدد من المفكرين الغربيين، نظرية البيئة، انظر :جمال حمدان :”شخصية مصر، دراسة في عبقرية المكان”، كتاب الهلال، القاهرة، 1967،ص50. 
[3] نفس المصدر
[4] حول تحول المدن –الدول في وادي الرافدين ووادي النيل الى دول مركزية، ثم الى إمبراطوريات، انظر:
آرنولد توينبي :”تاريخ البشرية”، ترجمة نقولا زيادة، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1985، الجزء الأول، ص : 75 – 82. 

 [5] Toynbee ,A., “Astudy of History” Abridgement, Oxford Press, London, 1962 p.768.

[6]  Ibid.

[7] Beatie, I, “The Land of Canaan”, in khalidi, W. ,”From Haven to Conquest” , Institute for Palestine Studies, Beirut:1971,P.20,n.7. 

 

[8] فيليب حتي،  لبنان في التاريخ”، دار الثقافة،  بيروت، 1959، ص86.  
[9] سامي سعيد الاحمد، تاريخ فلسطين القديم،  مركز الدراسات الفلسطينية،  جامعة بغداد،  1979،  101.
[10] أحمد سوسة، “العرب واليهود في التاريخ”، دمشق، 1975، ص93. 
[11] نفس المصدر، ص98. 
[12] سامي الاحمد، مصدر سابق، ص85. 
[13] نفس المصدر، ص 97. 
[14] Beatie, op. cit., P.4. 
[15] سامي الاحمد، مصدر سابق، ص 127. 
[16] Keller, W.,”The Bible as History”, London, 1956, P.109.
[17]  Ibid., p.110.
[18]  Ibid.
[19] يذكر الأحمد بان تلك المعاهدة قد عقدت في عام 1268،  بينما يذكر كيلر – انها عقدت في عام 1280             (انظر سامي الاحمد المصدر السابق، ص 156. 
[20]  Kellar, op. Cit. P.144.
[21]  Ibid., 145.
[22] سامي الاحمد،  مصدر سابق، ص 134. 
[23]  Beatie, op.cit., p.8.
[24] سامي الاحمد،  مصدر سابق، ص 168.
[25] نفس المصدر،  ص 167
[26] سامي الاحمد،  مصدر سابق، ص 167.
[27] نفس المصدر، ص 132.
[28] نفس المصدر.
[29] نفس السابق، ص 135.
[30] ورد في النصوص الاشورية مصطلح”بيت عمرى ” بين المدن – الدول التي تم اخضاعها، وهو ما ادعي بعد ذلك في التوراة،  التي كتبت اقدم نصوص لها في القرن الثاني قبل الميلاد، بأنها احدى دولتي إسرائيل ويهودا”،  رغم عدم وجود اي سند آثارى يعزز ذلك، او وجود مثل هاتين الدولتين ويقول البروفسير مورتكارت :”لايمكن الاعتماد من الناحية العلمية على اساطير التوراة اذ برهنت الابحاث الاثارية على عدم صحة اكثر تلك الاساطير، كما توجد ابحاث تبرهن على عكس هذه الاساطير “. انظر مورتكارت في : احمد سوسة،  “العرب واليهود في التاريخ” مصدر سابق، ص 27.  اما الدكتور احمد قدرى، فيرجح ان سبب انتشار الاعتقاد بوجود تلكما الدولتين في ذلك الحين انما يعود الى ان الذين تصدوا لكتابة التاريخ هم من ذوي الخلفية الدينية الذين اخذوا ما ورد في التوراة كحقيقة مسلم بها.  انظر: احمد قدري محمد،  ملاحظات حول تاريخ فلسطين القديم”، مجلة مركز الدراسات الفلسطينية، جامعة بغداد، 1979،بغداد العدد 34 – 35، ص 109.
[31]  Toynbee, A., op. cit., p.199.
[32]  Ibid. p. 200.
[33] لاجل المزيد من المعلومات حول حملات الاشوريين على مصر،  انظر توبيني اعلاه. 
[34] سامي الاحمد،  مصدر سابق، ص223 – 225. 
[35] نفس المصدر، ص233. 
[36] نفس المصدر ، ص 211.
[37][37]  ,,    ,,      ، ص 225.
[38]  ,,    ,,      ، ص 226.
[39]  ,,    ,,      ، ص 229.
[40]  ,,    ,,      ، ص 230.
[41][41]  ,,    ,,      ، ص 235.
[42]-توينبي،أرنولد،تاريخ البشرية، مصدر سابق، ص. 242
[43] – لانفس المصدرن ص. 243.
[44]– الأحمد، سامي، مصدر سابق، ص. 223.
[45] -حتي، فيليب، مصدر سابق، ص.185.
[46] – توينبي، مصدر سابق، ص. 240.
[47]– الأحمد، سامي، مصدر سابق، ص. 239.
[48]– توينبي، مصدر سابق، ص. 242.
[49] – نفس المصدر، ص. 242.
[50] – نفس المصدر، ص. 241.
[51]– الأحمد، سامي، مصدر سابق، ص. 238.
[52]– نفس المصدلر، صز. 237.  
[53]– نفس المصدر
[54] – نفس المصدر، ص. 241.
[55]– نفس المصدر
[56] – Encyclopedia Britanica, Palestine, P.476.
[57]– Beatie, op.cit., P.16
[58]  توينبي، مصدر سابق، ص 257.
[59] سامي الاحمد، مصدر سابق، ص 286.
[60]  The Oxford Classical Dictionary, Oxford , England, 1949,p.301.
[61]  Ibid.
[62]  Ibid.
[63] سامي الاحمد، مصدر سابق،  ص290. 
[64] نفس المصدر،  ص291.
  [65]The Oxford Classical Dictionary , op. cit., p.463.
[66]  Ibid., p.595.
[67]  Ibid., p.468.
[68]  Ibid.
[69]  Ibid.
[70]  Ibid. p.220.
 [71] Ibid., p. 874.
[72]  Lewis, Bernard, On the History of a Name, International History Review, U.S.A , V.2. N.1, 1980,p.1
[73] Ibid., P.3  
[74] Ibid.
[75] محمود رياض، الجغرافيا السياسية والجبوبوليتكيا، دار النهضة العربية، بيروت 1979.
[76] نفس المصدر. 
[77] نفس المصدر. 
[78]  The Oxford Classical Dictionary,  op, c.t.,p.306.
[79]  Ibid. ,p.874.
 [80] Ibid. ,p.873
[81]  Ibid.
[82]  Lewis, op.cit.
[83]  Ibid.
[84]  Ibid., pp. 195 , 371.
[85]  Toynbee, op. C.t. ,pp.317,318.
[86]  Classical Dictionary , op. ,cit. ,p.227
[87] فيليب حتي، مصدر سابق ص260.
[88] نفس المصدر 761.
[89] حسن ابراهيم، “تاريخ الاسلام السياسي”، الجزء الاول، مكتبة النهضة العربية، 1974، ص237. 
[90] بطرس البستاني، “دائرة المعارف” الجزء العاشر، مادة فلسطين. 
[91] ياقوت البغدادي، معجم البلدان، طبعة دار احياء العلوم، الجزء الرابع، (بلا تاريخ)، مادة فلسطين.
[92] نفس المصدر، ص175.
[93] مجيد خوري، “الحرب والسلم في شرعة الاسلام” الدار المتحدة للنشر، بيروت، 1973. انظر نص المعاهدة، ص285.
[94] نفس المصدر، ص 286.
[95] هاملتون جب،”دراسة في حضارة الإسلام “، ترجمة إحسان عباس ومحمد يوسف النجم ومحمود زايد،  دار العلم للملايين، بيروت 1974، ص 67.  
[96] نفس المصدر. 
[97] احمد مبارك البغدادي، “الفكر السياسي عند ابي الحسن الماوردي”، مؤسسة الشراع،  الكويت،  1984، ص93-112.
[98] محمد جمال الدين سرور، “سياسة الفاطميين الخارجية”، دار الفكر العربي، القاهرة،  1976، ص111. 
[99] كانت الحملات “الصليبية” الأوروبية نتاج جملة من العوامل الذاتية والموضوعية. فعلى الصعيد الموضوعي، كانت نتاج رسوخ النظام الفيودالي في اوروبا وبداية الانتعاش الاقتصادي والتطلع نحو التجارة الخارجية وطرقها. وقد تجسد هذا التطلع في طبقة الفرسان المؤلفة من أبناء الأمراء الذين لا يتمتعون بحصة في الارض التي كانت تعود ضمن نظام الوراثة الى الابن الاكبر فقط. كذلك فان حماس الكنيسة لهذه الحملات واضفائها اسم الصليبية عليها قد نبع من عدة عوامل ذاتية في مقدمتها تعزيز الكنيسة مقابل الأمراء، إضافة الى التخلص من الفرسان ومن الفلاحين الذين أخذت اعدادهم بالتزايد. انظر التحليل القيم في          
       Manfred, A Short History of the World, Moscow, 1974, p.198.  
[100] Ibid.
[101] Lewis , op. cit. , p.5
 [102]Ibid.  
[103] حول الحروب الصليبية انظر: “الحروب الصليبية في كتابات المؤرخين العرب المعاصرين لها “،   أعداد حسين احمد امين، مكتبة النهضة القاهرة، 1983. 
[104] Lewis. op, cit. , p.5
[105] Ibid.
[106] طه ثلجي الطراونة، “مملكة صفد في عهد المماليك”، دار الافاق العربية، بيروت، 1981،  ص 73.
[107] حول الشيخ ظاهر العمر، أنظر :عمر عبد العزيز عمر، “دراسات في تاريخ العرب الحديث”،    دار النهضة العربية، بيروت، 1978، ص981-191. 
[108] لوتسكى, تاريخ الأفكار العربية الحديث، دار التقدم، موسكو، بلا تاريخ، ص 43-56.
[109] نفس المصدر، ص 141.
[110]  Abu Manneh, B., TheRise of the Sanjak of Jerusalem in the 19 in Century, in , The Palestinians and the Middle East Conflict, London, 1979, p.25.
[111]  Ibid.
 [112] Ibid.
[113] ا سعد رزوق، مصدر سابق، ص 106. 
[114] نفس المصدر. 
[115] يبدو ان مصطلح “تاريخية” هو مصطلح سياسي يخضع لمتطلبات السياسة القائمة في اي وقت من الاوقات، فمن المرجح ان هذه الاشارة كان الهدف منها تقليص واضعاف مصر. حول حائط الامراء، انظر Keller , op. cit , pp.75,87.
[116]  Lewis ,op. Cit. ,p.8.
[117]  Abu Manneh , op. cit., p.23.
[118]  Ibid.
[119]  Ibid., p.24.
[120]  Ibid.
[121] عادل محمود رياض،  “الفكر الاسرائيلي وحدود الدولة “، معهد البحوث والدراسات العربية،  القاهرة، 1977، ص49. 
[122] Lewis , op. Cit. , p.9
[123] Calvoeoressi , p. “Britain and the Middle East Conflict”, in Hammond, (Ed.), ”Political Dynamics in the Middle East”, Elsevier Publishing Company , U.S.A. 1972, p.427.   
[124] Ibid.
[125] Ibid. , p.426.
[126] Hurewitz, J.C. ,Diplomacy in The Middle East”, a Documentary Record : 1535-1914, Otegon Books, U.S.A. 1972 , Document No.25.
[127] Ibid. ,
[128] Ibid. , Document No 28
[129] Ibid. , Document No 46
[130] Ibid. , Document No 49
[131] Ibid. , Document No 62
[132] Ibid. , Document No 71
[133] Ensor , R. ,”England 1870 – 1914” Oxford, U.K., 1960, p.410.
[134] Ibid. , p. 53.
[135] Ibid. , p. 402 and Hurewitz , op. Cit. , Documents Nos.104 , 105 
[136] Ensor, op. Cit., p.402.
[137] Ibid. , p.258 ,465. 
[138] ضمن إطار التنافس بين بريطانيا وفرنسا، قال آرثر بلفور في عام 1919 : “لم استطع في يوم ما ان افهم على اي اساس يقوم ادعاء فرنسا بحقوق تاريخية في سورية. .هل هو مشاركتهم في الحرب الصليبية ام هي اتفاقات مازارين مع الاتراك في القرن السابع عشر او حملة 1861.  ضمن هذا المعيار، يكون من الأولى لبريطانيا ان تدعي مثل هذا الحق، وهي التي هزمت نابليون ثم قضت علي الإمبراطورية العثمانية. . “.انظر:
 Khalidi , W.,(ed.) ,”From Haven to Conquest”, Institute for Palestine Studies , Beirut, 1971, P.201
[139] Stein , L. ,”The Balfour Declaration”, London,1961p.47
[140] حول نظام الامتيازات انظر : مصدر سابق.
[141] Sokolov, “History of Zionism” U.S.A, p,p.63.
 [142] Stein , op. Cit. , P.8
[143] Ibid.P.9.
[144] اسعد رزوق، مصدر سابق، ص110. 
[145]  نفس المصدر. 
[146] Bardin, Sh., Pioneer Youth in Palestine”, U.S.A. 1932, p.14. 
[147] بين عامي 1882 –1914 خرج من روسيا القيصرية نحو مليون ونصف مليون من اليهود لم يتوجه منهم الى فلسطين سوى عدد ضئيل جداً وذلك لجملة من الاسباب في مقدمتها :
1- عدم رغبة اليهود في التوجه الى فلسطين.  2- بعض القوانين العثمانية رغم عدم فاعليتها. 
3- عدم وقوف بريطانيا وراء دفع اليهود الى فلسطين وعدم ممارستها ضغوطاً على السلطة العثمانية في ذلك الحين. 
[148] عادل محمود رياض، مصدر سابق، صد 49. 
[149] Atlas of Israel.
[150] “اسعد رزق،  “إسرائيل الكبرى”،  م.ت.ف.،  مركز الابحاث،  بيروت 1968، ص 110.
[151] نفس المصدر
[152] “يوميات هيرتزل”، ترجمة هليدا شعبان صايغ. م.ت.ف.، مركز الابحاث، بيروت،1968، ص :27، 29، 33، 70،71،72،74،75،82،98،113
[153] Encyclopedia Britannica, edition 1910,in Lewis, op. cit., p.4
* إقترن شيوع مصطلح فلسطين في الادبيات السياسية البريطانية بسياسة تجزئة المنطقة العربية التي اضطرت اليها بريطانيا من اجل ارضاء فرنسا، بينما لم يرد مصطلح فلسطين في الادبيات البريطانية الخاصة بوحدة المنطقة العربية،  مثل مراسلات حسين – مكماهون غير أنه تكرس كمصطلح وكمفهوم منذ صدور القرار البريطاني بشان “حملة فلسطين” عام 1917.
[154] جورج انطونيوس، يقظة العرب، ص208.
[155] نفس المصدر
 [156]Stein, op. cit. p.242
[157] Hurewitz, op. cit., p.11, Doc.5
[158] انظر مراسلات حسين – مكماهون في : جورج انطونيوس و”يقظة العرب”، بيروت، 1969،  ص- 543 -577.
[159] Jeffries , J. ,”Palestine, The Reality”, London , 1976, p.78. 
[160] Stein, op. cit. , p.242
[161] Ibid. ,p.45
[162] Stein , op. Cit. , p.253.
[163] Ibid. ,p.259.
[164] انظر نص الاتفاقية، جامعة الدول العربية “الوثائق الرئيسة.  “مصدر سابق”
[165] Stein, op. Cit. 
[166] Ibid.
[167] برز النفط كعامل رئيس في استراتيجات القوى خلال العقد الثاني من القرن الحالي واخذ تشرشل منذ تسلمه الادميرالية في عام 1915 يطالب بالعراق (مع أو بدون الاسكندرونة )، حيث ابعدت بعد ذلك فكرة الاسكندرونة واستعيض عنها بميناء حيفا.  وقد لعب النفط دورا رئيسا في تقرير حدود الدول العربية،  ووقعت الاتفاقية النفطية بين بريطانيا وفرنسا في 23/12/1920.  وهي الاتفاقية التي تنازلت فيها فرنسا عن مدينة الموصل كجزء من سورية لقاء ضمانات بريطانية.  انظر زين الدين : ” الصراع الدولي في الشرق الاو سط وولادة دولتي سورية ولبنان،  دار النهار، بيروت، 1977، ص159 – 160 وكذلك : Stein , op. Cit., p.243. 
[168] جينا شريف، الصهيونية غير اليهودية في انجلترا، مجلة مركز الدراسات الفلسطينية، العدد 23،1977، ص41.
[169] نفس المصدر.
[170] نفس المصدر.
[171] كان العامل الستراتيجي هو العامل الاساسي في صدور “اعلان بلفور” غير ان عوامل اخرى لعبت دورا في دفع بريطانيا الى اصدار الاعلان المذكور، في مقدمتها العامل الدعائي الموجه للساحتين الروسية والألمانية. فبالنسبة لألمانيا، شنت الحركة الصهيونية واصدقاؤها في بريطانيا – جماعة المانشستر غارديان – حملة دعائية واسعة تقول بان المانيا سوف تتبنى اصدار اعلان مؤيد للصهيونية، وذلك بهدف دفع الحكومة البريطانية الى استباق المانيا، اما بالنسبة لروسيا فكان الهدف كسب تأييد اليهود الروس ودفعهم الى دعم حكومة كيرنسكي البوروجوازية وقطع صادرات القمح من اوكرانيا الى المانيا.  هناك ايضا العامل الوظيفي المتمثل في توجيه الهجرة اليهودية من روسيا بعد قيام الثورة بعيدا عن بريطانيا : انظر تفاصيل العاملين الاولين في: Stein, op. Cit., p.213, 302, 317, 570, 560. ودورين انعرامز، “أوراق فلسطين”، ترجمة دار النهار، ص16.
[172] Sidebotham, in Khalidi , op.cit.
[173] Ibid.
* يتضح أن مصطلح سورية قد أخذ يظهر في الأدبيات السياسية البريطانية والفرنسية في نفس الوقت الذي ظهر مصطلح فلسطين في الأدبيات السياسية البريطانية غير أن مصطلح فلسطين لم يظهر في الأدبيات الفرنسية.  وفي عام 1915 أصدرت  غرفة تجارة ليون مذكرة تحدثت فيها عن وحدة “سوريةالطبيعية” وعرفت الحدود الطبيعية بأنها “تمتد في اطار رقعة المصالح الفرنسية على النحو الذي يعرفه تجارنا الذين يطالبون بصورة غير قابلة للجدال بها،  وهي التي تمتد من طوروس الى مصر.  
[174] Ibid.
[175] Ibid.  
[176] Ibid.
[177] انظر المفاوضات في نور الدين زين الدين،  مصدر سابق،  ص95.
[178] نفس المصدر،  ص108، 151.
[179] نفس المصدر، 118.
[180] Haddawi, s. ”The Palestine Diary” Palestine Research Center, Beirut, Vol. I, pp. 140, 144.
[181] Ibid.
[182]  نور الدين زين الدين،  مصدر سابق،  131.
[183] في عام 1941 تقدمت بريطانيا نحو المنطقة الوسطية فاسقطت حكومة فيشي الفرنسية الموالية للالمان ووضعت مكانها حكومة تابعة لفرنسا الحرة. ومنذ ذلك الحين امسكت بريطانيا بزمام الامور في المنطقة بأسرها، فأجبرت فرنسا على منح الاستقلال لسورية الموحدة وذلك تحت طائلة التهديد العسكري، انظر:
Rondot, p., Western Europe and the Middle East, in Political Dynamics, op.cit.,p.465.
[184] Haddawi, op. cit. p.140
 [185] حول دوافع بريطانيا لانشاء امارة شرقي الاردن، انظر على المحافظة: العلاقات الاردنية – البريطانية، دار النهار، بيروت 1973، ص 26-27.
[186] نفس المصدر، ص 130 – 131.
[187] نفس المصدر، ص 42.
[188] نفس المصدر، ص 44.
[189] نفس المصدر.
[190] Haddawi. op. Cit. ,p.63.
[191] Khalidi, op. cit. ,p.201
[192] Jeffries, op. cit. p. 177
[193] Haddawi, op. cit. ,P.103.
 [194]Ibid. P. 169
[195] Ibid. ,p. 182.
[196]  انظر توصيات لجنة التحقيق في جامعة الدول العربية “الوثائق الرئيسة. .” مصدر سابق.
[197] Haddawi.  op. Cit. ,p. 143.
[198]  راجع خرائط الاستيطان في : حبيب قهوجي “استراتيجية الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة”، مؤسسة الارض للدراسات الفلسطينية،  دمشق،  1978.
[199]  جامعة الدول العربية “الوثائق الرئيسة في قضية فلسطين”،  مصادر سابق.
[200] Haddawi. op. Cit. pp.32 , 333.
[201] Ibid. p. p. 338
[202] Ibid. p. P. 345
[203] Taylor, A.Prelude to Israel, “Institute for Palestine Studies, Beirut, 1970, p71.
[204] حول مشروع بيغن ومشروع موريسون، انظر “جامعة الدول العربية “الوثائق الرئيسة. .” مصدر سابق. 
[205] على المحافظة، مصدر سابق، ص 160. 
[206] Khalidi, op. Cit., p. Ixix.
[207] انظر اتفاقية يالطا في :
Howarth, Y., Twentieth Century History” Longmans, London, p45.
[208]  Lilenthal, A., The Zionost Connection”.  Dodd and Mead, York, 1978, p.30.
[209]  انظر : زين الدين نور الدين، مصدر سابق، ص 99.
[210] انظر : الوثائق الرئيسة، مصدر سابق.
[211] حول وثائق وزارة الخارجية الاميركية، أنظر :
 Wilson, E., The Origions of U.S. Involvement in Palestine”, in Journal of Palestine studies, Beirut, vol. 11, No.4, summer, 1974, p.36.
[212] حول سياسة “صيغة المشاورات الكاملة” أنظر:. Wilson, E., op. cit. ,p40.
                               
   وكذلك :
                              Lilenthal., A., op. cit. ,44
[213]  Lilenthal,A., Ibid.
[214] سميح سمارة، العمل الشيوعي في فلسطين،دار الفارابي، بيروت، 1979 وص 70.
[215] نفس المصدر، ص 95.
[216] نفس المصدر، ص133.
[217] نفس المصدر، ص 132.
[218]  نفس المصدر، ص132.
[219] انظر نص قرار الكومينترن في :
Merip reports, Washington D.C., No. 55, p.5.               
[220] دويتشر، اسحق، ستالين، ترجمة فواز طرابلسي، دار الطليعة، بيروت 1969، ص 438.
[221] نفس المصدر. 
[222]  Merip reports, Washington D,C., No.55 p.5.
[223] للمزيد من المعلومات حول اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية في الاتحاد السوفييتي. انظر :
   سلافة حجاوي، اليهود السوفييت، دراسة في الواقع الاجتماعي، مركز الدراسات الفلسطينية.  جامعة بغداد 1980،ص 114 – 115.
[224]  Lilenthal., A., op. cit., pp.48-49.
[225]  Wilson, E., op.cit., 47.
[226]  Lilenthal., E., op. cit., 49.
 [227] Krammer, A., Soviet Motives in the Partition of Palestine”, in, Journal of   Palestine studies, Beirut vol. 11,No2, 1973, p.104. 
[228] حول تدفق اليهود على الاتحاد السوفييتي خلال الحرب، انظر:  
     سلافة حجاوي، اليهود السوفييت…،  مصدر سابق، ص 105.
[229] حول حقيقة معسكرات اللاجئين في اوروبا وتدفق اليهود عليها، أنظر:
Morgan, F., “A Displaced Person in Post – War Germany”, in, Khalidi, (ed.) op, cit. pp. 527-548.
[230]  Lilenthal., A., op. cit., p.49.
[231] Krammer, A., op. cit., p.112..
[232] Khalidi, op. cit, pp. Ixi-Ixli.
[233] حول محاولات بريطانيا بهذا الاتجاه.  انظر :
    سامي هداوي، الحصاد المر،  ترجمة فخري حسين يغمور، عمان، 1982، ص 104. 
    وكذلك :
Khalidi, op. cit, p. Ixvi
[234] Wilson, op. cit, p.46.
[235] انظر: أميل توما، “ستون عاما على الحركة القومية العربية الفلسطينية”، م.ت.ف بيروت، 1979.
[236] Bhutan, s., The U.N. and the Arab-Israeli Conflict”, The Academic Press, India, 1977, pp.12-13.
[237] انظر :
قرارت الأمم المتحدة حول فلسطين 1947 – 1972 مؤسسة الدراسات الفلسطينية نبيروت،  1973، القرار 106، ص 3. 
[238]  Bhutani, S., op. cit., pp.12-13
[239] حول شحن الأسلحة التشيكية لفلسطين،  انظر : 
Krammer, A., “Arms for Independence. ..” in, Khalidi, op. cit, pp 745-754.       Bhutan, S., op. cit., pp.16
 [240]  Bhutan, S., op. cit., pp.16.
[241]  Krammer, A., “Soviet Motives…” in Journal of Palestine studies, op. cit., p. 103.
[242]  Ibid.
[243] حول اتفاقية بيفن – ابو الهدى،  انظر : على المحافظة، مصدر سابق ص173.
[244] انظر : الوثائق الرئيسية في قضية فلسطين
[245] انظر : Bhutani, S., op. cit., pp.26
[246] نفس المصدر السابق. 
[247] حول الحملة السوفييتية ضد يهود الإتحاد السوفييتي بين عامي 1948 – 1952، انظر: سلافة   حجاوي، اليهود السوفييت…، مصدر سابق، ص112 – 119. 
[248] انظر: الوثائق الرئيسية. .. مصدر سابق. 
[249] Bhutani, S., op. cit., pp. 29.
[250]  Ibid., p.30. 
[251] انظر نص البيان الثلاثي،  في : Hurewitz, document 92.
[252] نفس المصدر، وثيقة 100.
[253] نفس المصدر، وثيقة 112.
[254] نفس المصدر، وثيقة 109.
[255] نفس المصدر، وثيقة 112.
[256] حول الموقف الأميركي من الاحتلال الاسرائيلي في عام 1956، انظر :
Kadi, L. “A Survey of American- Israeli Relations”, Palestine Research Center, Beirut, 1969, Palestine Monographs, No. 56, pp. 107-109.
[257]  حول مبادرة كيندي، انظر :
 Lilenthal., A., op., pp.540-550  
[258] نفس المصدر.
[259] انظر :
Quandt, W., “United States Policy in the Middle East”, in, “Political Dynamics in the Dynamics in the Middles East” p.624.
[260] أنظر اعلان المبادئ في :
   الكتاب السنوي للقضية الفلسطينية لعام 1972، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ص343.
[261] الكتاب السنوي للقضية الفلسطينية ص 460.
[262] حول البيان المشترك،  انظر :
Golan, G., “The Soviet Union and the PLO”, Adelphi papers, No. 131.
   وكــذلك
Soviet Policy in the Middle East”, in Merip reports, No. 39.
[263] لم تتضمن البرامج السياسية الفلسطينية المطالبة بدولة فلسطينية، وعلى نحو  واضح، إلا بعد عام 1976. 
[264] انظر خطابي كل من غورباتشيف أمام مجلس أوروبا في يوليو 1989، وخطاب وزير خارجيته ادوارد شيفارندزه أمام البرلمان المصري في فبراير 1989. 
[265] أنظر خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش في وثائق الأمم المتحدة لعام 1991.
* مقتبس من تاريخ أولبرايت مع تعديلات مستمدة من سامي الأحمد تاريخ فلسطين القديم، ومصادر اخرى.