اليهود السوفييت دراسة في الواقع الاجتماعي

الصفحة

 

مركز الدراسات الفلسطينية –جامعة بغداد

 1980

  تأليف  سلافة حجاوي 1980

 

مقدمــــــــة

 

أثارت الهجرة اليهودية التي انطلقت من الإتحاد السوفييتي منذ أوائل السبعينيات جملة تساؤلات حول أسباب ودوافع ونتائج هذه الهجرة ، ونشطت وسائل الإعلام على اختلاف إتجاهاتها في التعليق على هذه الظاهرة التي طغت على سطح الأحداث في مرحلة تعد من أحرج وأدق مراحل قضية فلسطين والنزاع العربي – الصهيوني والصراع العالمي بشكل عام .

 

وتكاد تكون الساحة الفلسطينية أكثر الساحات إهتماما بها وانشغالا بأبعادها.  فحركة التحرير الوطني الفلسطيني  معنية بالنضال في سبيل جملة أهداف أحدها الحيلولة دون هجرة أي يهودي إلى اسرائيل في ضوء أن أي يهودي يهاجر إليها إنما يشكل احتياطيا صهيونيا ، إضافة إلى أنه يحل نظريا محل إنسان عربي فلسطيني  حرمته الصهيونية من العودة إلى أرضه ووطنه ، كذلك فهي معنية بصفتها فصيلا متقدما ضمن فصائل حركة التحرر العربي والعالمي والقوى التقدمية في العالم ، بنجاح وانتصار التحليل المادي للمشكلة اليهودية من حيث انتهاء هذه المشكلة لدى انتفاء هذه المبررات الاقتصادية – الاجتماعية لوجودها ، وبحتمية ذوبان اليهود في المجتمعات الإشتراكية ، نظرا لما يشكله ذلك من نسف لأسس النظرية الصهيونية ومقولة الخصوصية اليهودية .

 

هل هناك حقا مشكلة يهودية في الاتحاد السوفييتي ؟ وإذا لم تكن هناك مشكلة ما ، فلماذا تحدث الهجرة ؟ وماهي العوامل والأسباب التي دفعت إلى هذه الهجرة ونتائجها على قضية فلسطين ؟

دفعتني هذه الأسئلة وغيرها إلى تتبع ماكتبته الصحف بشكل عام حول هذه الأسئلة، وكنت أجد بعد كل قراءة أن أسئلة عديدة لم تتم الإجابة عليها، وبأن الإجابة على بعضها إنما جرت دون وضع بعض القضايا ضمن سياقها التاريخي .

 

وقد قادني ذلك إلى دراسة التاريخ المادي لليهود السوفييت حيث وجدت بأن هنالك حلقات متصلة في ذلك التاريخ لايمكن إدراكها إلا مكتملة . انها حلقات متصلة منذ أول تواجد لليهود في الأراضي الروسية وهي حلقات لايمكن عزلها عن مجمل التطورات أو الأحداث التي تمت فوق الأراضي الروسية سابقا والاتحاد السوفييتي لاحقا ، وبأن استيعاب كافة أبعاد  ظاهرة الهجرة اليهودية هذه، سواء من حيث أثرها على النضال الفلسطيني أو الصراع الأيديولوجي بين الاشتراكية والرأسمالية ، إنما يتطلب دراسة موضوعية بعيدة عن التشنج العاطفي ، وذلك انطلاقا من أن أثر الهجرة اليهودية السوفييتية على قضية فلسطين لايمكن أن ينظر اليه بمعزل عن الآثار والأبعاد الأخرى . فالقلق الفلسطيني المشروع على مايترتب من آثار للهجرة على نضاله وقضيته لا يعفى من القلق ازاء وجود أم عدم وجود مشكلة يهودية في الاتحاد السوفييتي ، ذلك أن نجاح النظام الاشتراكي في حل المشكلة اليهودية وتحقق ذوبان اليهود فيه إنما يشكل انتصارا لقضية فلسطين .

 

 حرصت في دراستي هذه على تتبع الخلفية التاريخية لليهود السوفييت في ضوء ماحملته تلك الخلفية من إرث ثقيل إلى قلب الثورة الاشتراكية ، على الصعيد الاقتصادي –الاجتماعي والسياسي ، كما حرصت على تتبع مسيرة الذوبان اليهودي في المجتمع السوفييتي وما أصاب هذه المسيرة من تعثر نتيجة ظروف مختلفة، وما تبع ذلك من مضاعفات ضمن دائرة الصراع الاشتراكي – الرأسمالي العالمي وموقع الصهيونية من هذا الصراع ومدى علاقة البعد الصهيوني الذاتي والبعد الرأسمالي بالهجرة اليهودية  وأبعاد هذه الهجرة على قضية فلسطين .

 

لا أدعي بأنني قد أحطت بالموضوع من كافة جوانبه ، كما لا أدعي بأن كافة استتنتاجاتي إنما تمثل الحقيقة كاملة . فهناك نقص واضح في الوثائق التي يبدو بأن وقت ظهورها لم يحن بعد . غير أنه يمكنني القول بثقة أنني كنت صادقة وموضوعية في دراستي لهذه المشكلة ووفق ما توفر لدي من  م معلومات .

المؤلفة   

سلافة حجاوي

 1980

  الفصل الأول

  الخلفية البولونية

 اختلف المؤرخون حول أصول تلك الكتلة البشرية اليهودية التي أخذت بالتسرب نحو أوروبا الشرقية منذ القرن الحادي عشر الميلادي ، حيث رأى البعض أنها قد وفدت على شكل هجرات متلاحقة من أوروبا الغربية بينما رأى آخرون ، وفي مقدمتهم آرثر كيسلر أنها تعود في أصولها إلى الخزريين الذين اعتنقوا الدين اليهودي في بداية ازدهار إمبراطورية الخزر في القرن الثامن الميلادي ، ثم أخذوا بالانتشار شمالا بعد انهيار تلك الإمبراطورية في القرن الثاني عشر، في حين رأى سيمون دبنو أنها شكلت مزيجا من الهجرتين .

 

وسواء أتت تلك الكتلة من الشرق أم من الغرب ، فإن مايعنينا في هذا المجال هو أنها قد تميزت تاريخيا بوظيفة إجتماعية محددة هي الوظيفة التجارية التي حددت هويتها وخصائصها الإجتماعية المتمايزة في فترة تاريخية محددة ،وحالت دون ذوبانها في المجتمعات التي تقيم فيها والتي تختلف عنها إختلافا طبقيا كبيرا. فالوثائق المتوافرة لدى المؤرخين تؤكد الوظيفة التجارية لهؤلاء اليهود الذين تدفقو على المجتمعات الإقطاعية الأوروبية الشرقية منذ القرن الحادي عشر وحتى الخامس عشر الميلاديين ، حيث عثر مثلا على نقود بولونية تحمل حروفا عبرية يعود تاريخها إلى القرنين [1]الثاني والثالث عشر الميلاديين(1). كما يشار إلى وثيقة تعود إلى عام 1113، جاء فيها بأن سكان مدينة كييف الروسية يتأهبون لنهب قصور وأموال الأمراء واليهود (2) ، وبأن الفلاحين في إحدى المدن قد شهروا السلاح عام  1431 مطالبين بتسليمهم اليهود ” لأنهم أفقروهم وجردوهم من ثيابهم الأخيرة” (3) .
ويبدو أن الوجود التجاري اليهودي قد انحسر عن الأراضي الروسية مع الغزو التتري الذي دمر مدينة كييف وأخضع المناطق كلها للبربرية ، فيما توجه التجار اليهود بعيدا نحو بولونيا ، حيث كانت المقاطعات البولونية المتناثرة تقوم بأولى محاولاتها للخروج من عزلتها البدائية متنسمة رياح المدنية القادمة إليها من بلدان أوروبا الغربية .
ويشار إلى أن مواقع هؤلاء التجار قد تعززت في الأراضي البولونية بفضل الحماية والرعاية التي منحها الأمراء البولونيون للتجاربشكل عام.  ففي منتصف القرن الثالث عشر، تم منح التجار الألمان واليهود والأرمن والتتر وغيرهم من الأجانب نوعا من الاستقلال الذاتي في الشؤون الإدارية والقضائية والاجتماعية على غرار ما كان يجري في الأراضي الألمانية بالنسبة للمدن الناشئة. وقد عرف ذلك القانون بإسم ” قانون ماغدبورغ”(4).  وكان متفقا تمام الإتفاق مع طبيعة النظام الإقطاعي المقسم تقسيما طبقيا حيث كان للأمراء والنبلاء استقلالهم الذاتي الممثل بمحاكمهم ومدارسهم وحياتهم الإجتماعية  الخاصة، فيما كان للفلاحين الأقنان محاكمهم الخاصة وعالمهم المنفصل تمام الانفصال عن عالم الأمراء والنبلاء .  كما يشار إلى أن هؤلاء التجار قد بلغوا في تلك العصور درجة كبيرة من الثراء، وانتصبت قصورهم إلى جانب قصور الأمراء والنبلاء وسيطروا سيطرة تامة على اقتصاد وتجارة المقاطعات البولونية .
وخلال القرن الخامس عشر، بدأت الأراضي الروسية تلتقط أنفاسها، وكانت دوقية موسكو قد برزت إلى الوجود وبدأت تخطو أولى خطواتها نحو المدنية، مشكلة نويات برجوازيتهاالمحلية . لقد شكل بروز هذه الدوقية مصدر إغراء للتجار اليهود الباحثين عن الفراء الروسي والسوق الجديدة . غير أن القياصرة الروس، وعلى العكس من الأمراء البولونيين ، منعوا دخول هؤلاء التجار إلى أراضيهم ، بل أن القيصر إيفان الرهيب الذي كان من  أشد المناهضين لدخول التجار اليهود إلى موسكو، أمر  بحرق البضائع المهربة التي كان التجار يحملونها إلى موسكو عند أبواب المدينة (5).
يقول دبنو بأن الروس قد وجدوا في التجار اليهود حملة بذور الثقافة الغربية التي يكرهونها في مجتمعهم السلافي المتزمت والمتمسك بالديانة الأرثوذكسية دينا وحيدا للإمبراطورية الروسية المرتقبة ، ويورد رسالة بعث بها إيفان الرهيب عام 1550 ردا على رسالة من ملك بولونيا يرجوه فيها السماح للتجار اليهود بدخول موسكو، يقول فيها :” ليس من الملائم السماح لليهود  بالمجئ ببضائعهم إلى روسيا نظرا لما ينجم عن ذلك من شرور ، فهم يأتون بالأعشاب السامة (الأدوية ) إلى أراضينا ويغرون الروس بعيدا عن المسيحية ، لذلك أرجو من ملك بولونيا أن لا يكتب لنا بهذا الشأن ثانية ”  (6) .
كانت كييف في ذلك الوقت قد وقعت تحت سيطرة الإمبراطورية البولونية ووجد التجار اليهود طريقهم إليها وأقامو فيها ، ويبدو أن مخاوف إيفان الرهيب من هؤلاء التجار لم تكن بعيدة عن طموحاته في استعادة كييف والتوسع الإمبراطوري الإقطاعي، وقناعته بأنهم عناصر تخدم المصالح البولونية وتشق وحدة الصف الروسي في ضوء ماكانوا يتمتعون به من نفوذ في بولونيا. فعلى الرغم من وقوف السلطة الكنسية البولونية منذ القرن الرابع عشر موقف معاديا للتجار ، بصفتهم ممثلين للنظام النقدي ، ومطالبتها بطردهم من المناطق المسيحية وعزلهم في أماكن خاصة في محاولة يائسة منها للحفاظ على النظام الإقطاعي واقتصاده الزراعي ، فإن حماية الأمراء البولونيين للتجار قد قلصت من نفوذ الكنيسة في هذا الشأن.  كما شهد القرن الرابع عشر ظهور أوائل البرجوازية البولونية المحلية وبوادر منافسة تجارية بين هؤلاء التجار الناشئين وأولئك التجار المتمرسين الذين شكل اليهود غالبيتهم.  غير أن السلطة السياسية البولونية الممثلة بالأمراء بادرت إلى منح المزيد من الامتيازات لليهود وربطتهم إليها بشبكة من العلاقات والمراكز المالية لتأمين مواقعها في مواجهة السلطة الكنسية والاقطاعيين من جهة والبرجوازية من جهة أخرى، في ضوء عجز هذه الأخيرة في ذلك الحين عن القيام بالدور الذي يقوم به التجار اليهود في إسناد السلطة وتمويلها. ويذكر بأن الأمر قد بلغ خلال القرن الرابع عشر حد  إصدار السلطة قرارا يمنح اليهود حق التنقل والإقامة في كافة المدن والقرى، ورهن مقاطعات النبلاء وإقراض الأموال بالفائدة، ودخول الحمامات العامة الخاصة بالمسيحيين ( 7).
لم يكن عدد هؤلاء اليهود خلال القرنين الثاني والثالث عشر يتجاوز بضعه الآف. وفيما كانت الأراضي الروسية مغلقة في وجه التجار اليهود ، فقد قفز عدد اليهود في بولونيا خلال القرن السادس عشر إلى نحو نصف مليون، وتوسعت أعمالهم التجارية . ويعزو البعض هذه الزيادة إلى هجرة اليهود الإسبان في تلك الفترة، بينما يرى آخرون ومنهم آرثر روبين، أنها قد نتجت بشكل رئيسي عن الزيادة الطبيعية المرتفعة بين اليهود والتي يمكن أن تكون نتيجة طبيعية لازدهار أوضاعهم الاقتصادية بفضل توسع أعمالهم التجارية وما تلقوه من دعم على يد السلطة البولونية، التي بادرت إلى توسيع مجالات الإستقلال الذاتي لهم، ومنحتهم حق تشكيل مجلس سمي( الكحال ) لادارة شؤونهم الخاصة ، كما تعهدت الدولة بوضع قواها القمعية تحت تصرفهم في الحالات الموجبة (8). وقد اتفقت تلك القرارات مع رغبة السلطة البولونية في تجريد الإقطاعيين من نفوذهم وتقليص ماترتب على خلافاتهم معها من آثار ، وذلك بالاعتماد الكلي في تمويل خزينة الدولة على اليهود ، كما أوكلت إلى (الكحال) مهمة جباية الضرائب من اليهود  إلى خزينة الدولة .

 

وتوصف تلك الفترة وحتى أوائل القرن السابع عشر، بالعصر الذهبي لليهود في بولونيا، بحيث أنه اضافة إلى حماية السلطة لهم، فان الإقطاعيين مالبثوا أن انجرفوا وراء مايوفره لهم التجار من أموال وبضائع كمالية مثيرة ، وأدى تراكم الديون ذات الفوائد الباهظة عليهم إلى قيام اليهود برهن إقطاعيات كاملة ، وكانت محاكم السلطة المسماة بمحاكم التاج، كثيرا ما تحكم لليهود بحق الإستيلاء على تلك الإقطاعيات.  كما وصل الأمر بالملك أحيانا إلى منع التجار المسيحيين من القيام بأعمالهم التجارية في أيام السبت لأجل حماية مصالح التجار اليهود الذين لايمارسون العمل في ذلك اليوم (9) كما تم تعيين المالي اليهودي الكبير يوسيفوفيتش أمينا لخزينة الدولة ووكيلا لأملاك العائلة المالكة، وأول رئيس لمجلس الكحال في مقاطعة التاج .
بدت بعض معالم التدهور في أوضاع اليهود الإقتصدية في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر ، وذلك نتيجة عاملين، أولهما اشتداد المنافسة بين البرجوازية اليهودية والمحلية البولونية الأصل ، وثانيهما تلك الزيادة الكبيرة التي حصلت في عدد اليهود حتى ذلك الحين. غير أن كبار التجار اليهود لم يتأثروا بفعل هذه المنافسة، حيث كانت السلطة الحاكمة مازالت بحاجة إليهم وقادرة على حمايتهم. وقد تم تقسيم  اليهود في تلك الفترة إلى فئتين عرفت الأولى بفئة يهود التاج المرتبطة بالملك والمؤلفة من كبار التجار ، بينما تشكلت الفئة الثانية من صغار التجار القائمين على خدمة الإقطاعيين كوكلاء  لأملاكهم وملتزمين بجباية الضرائب والمحاصيل وكأصحاب خمارات وغير ذلك من المهن المرتبطة بشؤون الاقطاع ، بينما أدى الضغط اليهودي في مجالات تلك المهن المحددة إلى انخراط  فئة أخرى في الأعمال الحرفية المرتبطة أيضا بطبقة الأمراء والنبلاء كحرف الخياطة والتجارة وتصنيع الفرو وصقل المجوهرات وصناعة الأحذية وتقطير الخمور (10) .
وقد أدت المنافسة بين التجار في المدن إلى نشوب العديد من النزاعات، وشهد القرن السابع عشر محاولات عزل اليهود في أماكن سكنية خاصة بهم وبداية نشوء بعض أشكال الغيتو اليهودي ، حيث أخذت البرجوازية المحلية الناشئة بمنع التجار اليهود من الإقامة في المدن الكبيرة . هكذا بقيت مدينة وارسو ، التي أصبحت عاصمة بولونيا في ذلك الحين بدلا من كراكاو، شبه مغلقة أمام التجار اليهود بموجب قرارات حكومية. غير أن التجار اليهود كثيرا ماكانوا يتسللون إليها ويقيمون فيها بين حين وآخر . وقد ذكر أن تجار وارسو كانو يهبون على شكل تظاهرات محتجين بأن اليهود ” قد جعلوا الحياة لاتطاق بالنسبة للخياطين وتجار الفرو المسيحيين ” 11). من جهة أخرى ، فقد أخذ اليهود العاملون  في خدمة الإقطاعيين بالانتشار في كافة أنحاء الإمبراطورية حيث الريف والإقطاعيات والفلاحون الأقنان المضطهدون أشد أشكال الاضطهاد ،  وقد أدى احتكاكهم بالفلاحين من بولونيين وروس وأوكرانيين ممن كانوا خاضعين للإمبراطورية البولونية، إلى نشوء كراهية عارمة لهم بين صفوف هؤلاء الفلاحين المضطهدين. يقول دبنو في ذلك: ” كان هؤلاء الوكلاء اليهود يحاولون استحصال أكبر قدر من الأرباح التي يمكن أن يجنيها الإقطاعي بنفسه فيما لو كان موجودا ، وفي ظروف القنانة السائدة ، لم يكن بالإمكان جني  هذه الأرباح إلا بالاستغلال الفظيع للفلاحين” (12). ومع تردي أوضاع الإمبراطورية البولونية  وتفاقم النقمة والتذمر ، بدأ الفلاحون المضطهدون بتنظيم أنفسهم على شكل عصابات والهجوم على مواقع  الإقطاعيين ووكلائهم اليهود رافعين شعار ( علقوا البولوني واليهودي والكلب على الشجرة “(13).
  ومع مجيء القرن الثامن عشر، توالت الأزمات الداخلية والخارجية على الإمبراطورية البولونية التي مالبثت أن أخذت بالتقلص ، وانعكست هذه الأوضاع على اليهود سواء من حيث علاقاتهم بالبرجوازية المحلية أو الجماهير الفلاحية أو السلطةالحاكمة التي أخذ نفوذها بالتدهور ، كما انعكست على أوضاعهم الداخلية حيث ازدادت الهوة بين اليهود الأغنياء المسيطرين على مجالات التجارة والجماهير اليهودية التي أخذت بالانحدار التدريجي نحو مواقع الفقر . فبينما كان التجار اليهود الكبار يسيطرون في نهاية القرن الثامن عشر على نحو 75%من صادرات بولونيا وعلى 10% من وارداتها ، فقد ظهر الشحاذون والعاطلون في صفوف اليهود الذين قارب عددهم بفعل الزيادة الطبيعية إلى نحو المليون ، وانتشرت الأمية وحلت القبالة* محل دراسة التلمود**، وفقد الكحال سيطرته الأوليغاركية على جموع  اليهود ، وانتشرت البدع والانشقاقات الدينية الداعية للتصدي لسلطة الكحال ، وأخذ اليهود باللجوء الى المحاكم المسيحية لحل مشاكلهم ضد الكحال . وفي عام 1782رفع الحرفيون اليهود في مدينة منسك عريضة إلى مجلس المقاطعة ضد الكحال جاء فيها بأن الكحال  يقوم بتدمير اليهود وبأن  زعماءه  يزورون وصولات الضرائب ويغشون في تقييم المحاصيل لأجل مصالحهم الخاصة ويعتصرون نقود الفقراء التي يجنونها بشق الأنفس” (14) .
وقد ترافق ذلك التردي في أوضاع الإمبراطورية البولونية عامة مع بداية توسع وانتشار دوقية موسكو . فخلال القرن السابع عشر، استعادت السلطة القيصرية بعض الأراضي الخاضعة للإمبراطورية البولونية، ويذكر بأن تلك الأراضي  ضمت عددا من اليهود الذين كانو يقميون فيها .وعلى الرغم مما حملته السلطة القيصرية للتجار اليهود من كراهية، فقد سمح لهم بالبقاء . ويعتقد بأن هؤلاء هم اليهود الذين شكلوا ماعرف فيما بعد بمجموعة يهود موسكو الذين أصبحوا من كبار التجار فيها ، كما أدى ضم أوكرانيا وعاصمتها كييف إلى الامبراطورية الروسية في القرن نفسه إلى تواجد مجموعات يهودية متناثرة وقليلة من حيث العدد حيث بقيت السلطة القيصرية  على موقفها من التجار اليهود رغم مابدر من تشجيع لمختلف الأجانب للعمل في موسكو في عهد بطرس الأكبر . ويصف المؤرخ الروسي سولوفيوف موقف بطرس الأكبر بقوله : ” بينما كان يقوم بدعوة الأجانب المهرة من كافة البقاع ،  فقد استثنى اليهود من ذلك ، وكان يقول بأنه يفضل ألف مرة أن يرى المحمديين والوثنيين في هذه الأراضيعلى أن يرى اليهود لأنهم أنذال وغشاشون ((15)). وتشير كافة الدلائل إلى  أن السطلة الروسية كانت تحول دون اإامة اليهود البولونيين في أراضيها نظرا لوظيفتهم الاجتماعية التجارية دون غير ذلك من الأسباب، حيث ان فئات يهودية عديدة غير تجارية قد تواجدت في الأراضي الروسية منذ أزمان بعيدة كالكريمشاك والكراتيتين والقوقازيين والغيريم دون اعتراض أو تمييز. فقد اقترنت كلمة  “يهودي” في تلك العصور بكلمة “تاجر”، وأصبحت مع الزمن  مرادفا
———————————————-
*القبالة كلمة عبرية تعني (التراث )وقصد بها التراث الشفوي المتناقل غير المكتوب ، وقد شكل انتشار القبالة بين يهود بولولنيا تمردا شعبيا على سلطة الطبقة اليهودية الثرية المسيطرة على الكحال والمتمسكة بالتلمود اساسا (للشريعة).
*التلمود كلمة عبرية تعني ( دراسة ) وهي تمثل الشريعة المكتوبة .
لها، بينما كان يشار مثلا إلى الكريمشاك والقوقازيين  وغيرهم ممن يدنيون باليهودية على أنهم (إسرائيليون ) . ومع ذلك فهناك ما يشير الى أن بطرس الأكبر قد سمح لعدد  من كبار وكلاء المال اليهود بالإقامة في موسكو حين دعت الحاجة لذلك ، ومنهم المالي اليهودي الكبير ليمان الذي أصبح من رجال بلاط القيصر (16) .
ومع تقدم القرن الثامن عشر، وقبل تقسيم الإمبراطورية البولونية ، كانت الامبراطورية الروسية قد اتسعت ، وبرزت الحاجة لديها إلى اللحاق بالدول الغربية والتنافس على مواقع النفوذ في العالم . وقد اتخذت القيصرة كاترين الثانية عام 1763 قرارا بفتح أبواب روسيا أمام التجار الأجانب. وكان اليهود أول القادمين حيث سمح لهم بالاقامة رسميا في منطقة أنشئت حديثا وعرفت باسم روسيا الجديدة (17) . غير أن الأحداث مالبثت أن تسارعت. ومع آخر تقسيم للإمبراطورية البولونية عام 1795 تحول نحو مليون من يهود  بولونيا القاطنين في المناطق الشرقية بين جموع الجماهير الأوكرانية والروسية، الى رعايا الإمبراطورية الروسية .
لقد تشكلت هذه الكتلة اليهودية في غالبيتها من يهود الدرجة الثانية فيما بقي يهود التاج في وارسو والمناطق الأخرى . وقد حملت هذه الكتلة معها إلى الإمبراطورية الروسية مجمل أوضاعها الاقتصادية المتهاوية، وتعطشها إلى مجالات التنفس الاقتصادي الجديد في الأراضي الروسية ، إضافة إلى ذلك الإرث الكبير من الكراهية بينها وبين الجماهير الفلاحية الروسية والأوكرانية ، وإلى ما يفصلها عنهم نتيجة التقسيم الإجتماعي البولوني، من عادات وشعائر دينية ولغة ركيكة هي مزيج من الألمانية والبولونية والعبرية عرفت أولا بالجارغون ثم صارت تعرف بعد تطورها ودخول بعض الكلمات الروسية عليها بإسم  “الييديش”.

 

—————————

الفصل الثاني

الازدهار الطفيلي والتحول الاجتماعي

أ- حظيرة التوطن اليهودية

 

بعد تقسيم الإمبراطورية البولونية للمرة الثالثة عام 1795،أصبحت كل من ليتوانيا وبيلوروسيا  وأوكرانيا وبعض الأراضي البولونية ضمن نطاق الإمبراطورية الروسية. كانت هذه المناطق آهلة بمواطنيها الفلاحين الأقنان الذين قدر عددهم بنحو عشرة ملايين نسمة، إلى جانب نحو مليون يهودي يعملون في مختلف الأعمال ذات الصفة التجارية أو الحرفية المرتبطة بالإقطاعيين ، بينما بقي اليهود الأثرياء المعرفون بيهود التاج في وارسو والمناطق الأخرى التي خضعت وفق تقسيم بولونيا لبروسيا والنمسا .
شكلت الإمبراطورية الروسية عنصر جذب للتجار اليهود، فالنظام الإقطاعي فيها مازال متماسكا ومجالات العمل وفيرة والفلاحون الأقنان كثيرون ، ويشار إلى أن العديد من اليهود القاطنين في المناطق الأخرى قد بدأوا يقدمون الطلبات للقدوم إلى أراضي الإمبراطورية الروسية .
هكذا انفتحت الأراضي والمدن الروسية لأول مرة أمام هذه الطبقة التجارية اليهودية التي كانت قد أخذت بالانتشار والعمل في مختلف المدن ، ويذكر بأن تحديد إقامة اليهود ضمن ماعرف فيما بعد باسم “حظيرة التوطن اليهودية” من قبل السلطة القيصرية كان إستجابة للضغوط التي تعرضت لها من قبل التجار المسكوبيين. ويورد  يوري إيفانوف نقلا عن المؤرخ جيليكمان قوله : “اشتكى التجار المسكوبيون في عريضتهم من أن اليهود يتعاطون بيع البضائع الأجنبية التي جلبوها معهم من الخارج مع تخفيض أسعارها بالنسبة للأسعار الحقيقية ، ملحقين بالتجارة العامة ضررا فادحا للغاية ….وهذا البيع الرخيص للبضائع ضد جمعية التجار الروس يدل بجلاء أن هذه البضائع مهربة ولاتخضع للرسوم الجمركية ..إن التجار المسكوبيين لايرون من الضروري الإختباء بورقة تين الدفاع عن الدين ، بل هم على العكس يشيرون إلى  أنهم يطالبون بمنع اليهود من ممارسة التجارة ونفي الذين سبق وأقاموا، وطرد الذين تسجلوا سرا في سجل تجار موسكو ، ليس بسبب أية كراهية أو ازدراء بسبب الدين بل بسبب مايلحقونه من ضرر كبير”( 1).
كان أول اجراء اتخذته السلطة عام 1769 بهذا الشأن هو حصر تسجيل اليهود في جمعيات التجار الخاصة بالمناطق التي يقيمون فيها إقامة  دائمة . وقد جاء في القرار المذكور أنه ” يحق لليهود أن يسجلوا في جمعيات التجار ضمن منطقة روسيا البيضاء ( البيلوروسيا )ومنطقة إيكاتيرنوسلافيل فقط”(2) . وقد جرت عدة تعديلات على هذا القرار في أوقات لاحقة تم فيها توسيع أو تقليص مجالات التسجيل في مجمعات التجار المختلفة كان آخرها عام 1835.
والجدير بالملاحظة أن تحديد عملية التسجيل اليهود في جمعيات التجار هو الذي حدد مكان إقامة اليهود مما يؤكد على أن الكثير من هذه الكتلة اليهودية كانت تمارس الأعمال التجارية . هكذا نشأ ماعرف باسم حظيرة التوطن اليهودية .
شملت حظيرة التوطن اليهودية هذه خمس عشرة مقاطعة في الأراضي الروسية وعشر مقاطعات في الأراضي البولونية المحتلة ، وذلك من مجموع تسع وثمانين مقاطعة كانت تؤلف الإمبراطورية الروسية. وقد توزعت تلك المقاطعات على النحو التالي : فيلنا وكوفنووغرودنوفي ليتوانيا، بينسك وموهيليف في روسيا البيضاء،  فولهيينا وبود ولي وكييف وشيرنخوف وبولتافا في أوكرانيا – اعتبرت كييف في وقت لاحق خارج حدود الحظيرة – وبيسارابيا وخيرشون وايكاتيرنوسلافيل وتويدا في روسيا الجديدة – باستثناء مدينة يالطا – وذلك إضافة إلى المقاطعات البولونية العشر من الناحية الرسمية. تم الاعتراف باليهود “كرعايا” وليس كمواطنين ، وأطلق عليهم تعريف “رعايا الإمبراطورية الروسية من أتباع الدين اليهودي”. وصدرت بشأنهم سلسلة من القرارات والقوانين التي كانت تخضع باستمرار للتغيير والتعديل وفق تبدل السياسة القيصرية وتطور الأوضاع الإقتصادية. ولعل أهم قرار من هذه القرارات هو تصنيف اليهود ضمن الطبفة الوسطى الدنيا (3)، وذلك في ضوء التقسيم الطبقي السائد في الإمبراطورية الإقطاعية وكون هذه الكتلة اليهودية مؤلفة في مجموعها من التجار المتوسطين والصغار وما يتصل بهم من أعمال كوكلاء للإقطاعيين وملتزمين وخمارين ومرابين وبعض الحرفيين الذين ترتبط حرفهم بحاجات الإقطاعيين ، كما شكل حوض الدنيبر مجال عمل في تجارة الخشب .
 اتفق تصنيف اليهود كرعايا مع تصنيفهم ضمن الطبقة الوسطى الدنيا، حيث أنه لو تم تصنيفهم كمواطنين لتحتم إعطاؤهم حق العمل في كافة الأراضي الروسية ، وذلك هو ما أرادت السلطة أن تحول دونه إرضاء للبرجوازية الروسية النامية . وقد اعتبر الكاتب اليهودي جوزيف ندافا أن التمييز القيصري إزاء اليهود قد انطلق من منطلق ديني حيث يقول: “إن التمييز ضد اليهود رسميا كان على أساس ديني وليس على أسس عنصري أوعرقي  حيث كان يمكن لأي يهودي يعتنق الدين المسيحي أن يتبوأ أعلى المناصب الحكومية” (4) ، بينما تشير القرائن الأخرى إلى نفي ذلك والقول بأن السياسة الإقتصادية هي الأساس الذي حكم قرارات السلطة في هذا الشأن ، فهي قد اعترفت مثلا باليهود غير التجاريين كالكراتيين والكريمشاك والقوزاق والغيريم كمواطنين ولم تورد المصادر المختلفة ذكرا لقيام السلطة بتشجيع اعتناق هؤلاء للديانة الأورثوذكسية ، رغم أن السلطة كانت بالفعل تشجع اعتناق يهود المناطق الغربية لتلك الديانة في محاولة منها لتقليص وظيفتهم الإجتماعية التجارية التي عمدت بعد ذلك إلى محاربتها بشتى الوسائل .
أدت هذه التصنيفات إلى فرض رسوم مضاعفة على اليهود لدى التسجيل في جمعيات التجار عملا بالقوانين السارية على الرعايا ، وإلى فرض ضريبة لقاء إعفائهم من الخدمة العسكرية أسوة بكافة المصنفين ضمن الطبقة الوسطى من مواطنين ورعايا ، كما عمدت في ذات الوقت إلى السماح لليهود بإرسال ممثليهم إلى مجالس البلديات والمشاركة في الشؤون العامة ، وحاولت تقليص سلطة الكحال وحصرها في مجال جمع الضرائب والإشراف على الشؤون الدينية والمدارس الدينية (5) .
 وضعت هذه القرارات والتصنيفات يهود الحظيرة وجها لوجه أمام الجماهير الفلاحية في تلك المناطق حيث استمر اليهود في ممارسة أعمالهم التقليدية كتجارة الجملة والمفرق وتقطير الخمور والوكالة واللزمة وجمع الضرائب والربا، في ظروف أفضل من تلك الظروف التي دهمتهم في المراحل الأخيرة من انحلال الامبراطورية البولونية ، وشكلت أماكن اقامتهم جزرا صغيرة متناثرة ينطلقون منها لممارسة أعمالهم في كافة مناطق الحظيرة . وخلال فترة قصيرة كانت الأموال  قد تراكمت في أيديهم وسيطروا سيطرة شبه كاملة على اقتصاديات الحظيرة بينما ازدادت نقمة الجماهير الفلاحية عليهم ، ويذكر بأنه كان يستحيل شراء شيئ من المخازن في أيام السبت مثلا لأن معظم هذه المخازن كانت بيد اليهود (6) . كذلك ينقل أبراهام ليون رسائل بعض الجنود الفرنسيين الذين شاركوا في الحملة الفرنسية على روسيا عام 1812، يقولون فيها ” إن اليهود هم الوسطاء بين الفلاحين والأسياد …فالأسياد يضمنونهم حاناتهم ويلزمونهم ببيع المشروبات المصنوعة في أملاكهم وعلى الفلاحين في مناسبات الأعياد والعماد أن يشتروا سطلا على الأقل من المشروبات الروحية فيبيعهم اليهود بالدين فارضين عليهم فوائد مرتفعة ، كما يتدخلون في كافة العمليات التجارية في المنطقة إلى جانب كونهم صيارفة” . وتقول رسالة أخرى بأن اليهود “يكتفون بضمان الطواحين ومعامل الجعة والحانات ونادرا ماترى قرية بدون ضامن يهودي ) (7) .
إزاء هذ ه الأوضاع وما تمتع به اليهود من ازدهار خلال العقود الخمسة الأولى من القرن المذكور عل حساب الفلاحين الأقنان ، فقد بقي المجتمع اليهودي شبه مغلق على ذاته إجتماعيا. و تضافرت سلطة الكحال والمصالح التجارية على تعزيز هذه العزلة حيث اتخذ ستار التمايز الديني وسيلة لتعزيز هذه العزلة والحفاظ على المكاسب التي حققتها . فقد تعززت خلال هذه العقود لغة الييديش من خلال مدارس ( الحيدر ) الإبتدائية والثانوية ( واليشيفا ) العليا الدينية ، وعمد الحاخامون إلى ترجمة التوراة من العبرية إلى الييديش ولم يكن يعرف اللغة العبرية “سوى القلة من المتعلمين إلى جانب الحاخامين ” (8) .
وقد شهدت هذه العقود بداية تكون البرجوازية المحلية الأوكرانية والروسية التي مالبثت أن دخلت في منافسة مع البرجوازية التجارية اليهودية ، ووقفت السلطة القيصرية حائرة أمام حل ما أصبح يعرف بالمشكلة اليهودية ، فلقد كانت المشكلة في ذلك الحين هي مشكلة السلطة في التعامل مع وضع يهودي قائم لا يشكل مشكلة بالنسبة لليهود أنفسهم . فازدهار أوضاعهم قد جعلهم يتمسكون بوضعهم القائم ويعززون عزلتهم ويرفضون أية مبادرة تقوم بها السلطة لكسر هذا الطوق الذي ضربوه حول أنفسهم. وقد وقفت السلطة في ذلك الحين متخبطة بين رغبتها في إرضاء برجوازية موسكو من خلال الاستمرار في الحيلولة دون انتشار التجار اليهود خارج حدود الحظيرة ، وبين رغبتها في التخفيف عن البرجوازية الأوكرانية والبيلوروسية وكسبها إلى جانبها،إضافة إلى تخوفها من النقمة المتزايدة التي أخذت بالتبلور على شكل صدامات ومشاحنات بينهم وبين التجار اليهود ، والتي كان من شأنها أن تؤدي إلى تزايد وعي الفلاحين وتوسيع دائرة نقمتهم لكي تشمل النظام الإقطاعي بأكمله .
 أصدرت السلطلة القيصرية خلال العقود الخمسة الأولى سلسلة من القرارات المختلفة التي لم يكتب لها النجاح لأسباب مختلفة . ففي عام 1804 مثلا، أصدرت قرارا يمنع اليهود من الإتجار بالكحول، غير أنه فشل بسبب أن هذه التجارة تتصل بمصالح الإقطاعيين الذين وجدوا في اليهود أفضل من يقوم بها ، ولهذا فقد عارضوا القرارا. كما فشل في ذات الوقت قرار تخصيص مساحات من الأراضي الجنوبية لتوطين ستين ألف عائلة يهودية يعملون بتجارة الكحول رغم كل المغريات التي قدمتها السلطة كمنح الأراضي مجانا والإعفاء من الضرائب لمدة عشر سنوات والإعفاء من الخدمة العسكرية ، حيث لم يتوجه نحو التوطن الزراعي في تلك المناطق سوى ستمائة عائلة بلغ مجموع أفرادها نحو 3850 فردا (9).
كذلك أصدرت السلطة عام 1804 قرارا نص على السماح للتلاميذ اليهود بدخول المدارس الرسمية العلمانية ، غير أن سلطة الكحال وقفت ضد هذا القرار بشدة حيث كان التمسك  بالتعليم الديني في مدارس الحيدر واليشيفا وسيلة للحفاظ على الأوضاع اليهودية المزدهرة بفعل ربط اليهود إلى سلطة الكحال ، إضافة إلى أن التعليم العلماني لم يكن قد تحول إلى وسيلة إقتصادية يحتاجها المجتمع اليهودي. يقول إيفانوف : ” حارب الحاخامون وتجمعات الكحال هذا القرار محاربة شديدة على اعتبار أن التعليم  خطيئة،  ومارسوا سلطتهم في منع الطلاب اليهود من الإلتحاق بالمدارس الروسية” (10) .
وازاء تنامي الكراهية بين اليهود والفلاحين الأقنان في القرى ، فقد أصدرت السلطة عام  1825 قرارا يمنع اليهود من دخول القرى ، كما ألغت في العام نفسه قرار إعفاء اليهود من الخدمة العسكرية، وأصدرت  قرارا جديدا يلزم اليهود بتقديم عشرة أفراد عن كل ألف فرد للخدمة العسكرية الإجبارية التي كانت مدتها خمسا وعشرين عاما (11). لقي هذا القرار معارضة شديدة من قبل اليهود كما خضعت عملية اختيار العدد المطلوب للمساومات والرشاوي ووقع عبء الجندية على العائلات الأقل حظا في الثراء . ويشار إلى أن رجال الكحال  لعبوا دورا كبيرا في ذلك حيث كانوا يأخذون الرشاوي من البعض لقاء عدم اختيار أبنائهم للخدمة العسكرية . ويذكر أن السلطة  عمدت إلى اختطاف الأولاد ممن هم دون سن الجندية في محاولة لدمجهم . يقول ديكي : “.. لأن هؤلاء الأولاد أسرع في تعلم اللغة الروسية ومن ثم اعتناق الدين المسيحي والزواج من روسيات” (12) .
وإزاء فشل كل هذه المحاولات ، بادرت السلطة في الأربعينيات إلى تشكيل لجنة خاص لدراسة المشكلة اليهودية. وقدمت اللجنة تقريرا طالبت فيه بإجراء إصلاحات جذرية في أوضاع اليهود من خلال محاربة مدارس الحيدر واليشيفا وفرض المدارس العلمانية في الحظيرة والغاء سلطة الكحال وعزل كافة الذين لايقومون بعمل إقتصادي عن طريق تجنيدهم أو إخضاعهم للاجراءات البوليسية (13) . وقد صدرت خلال الأربعينات قرارات بفتح المدارس العلمانية في الحظيرة على أمل أن يؤدي ذلك إلى إلغاء مدارس الحيدر واليشيفا . كما صدر قرار بحل سلطة الكحال وتجريده من سلطة الأشراف على تلك المدارس ومن مسؤولية جمع الضرائب (14) . كما بدأت السلطة تتغاضى عن تسلل التجار اليهود نحو المدن الروسية خارج الحظيرة . ويذكر ليون وغيره بأن العديد من هولاء التجار  استطاعوا التسجيل في جمعيات تجار موسكو والمدن الأخرى تحت غطاء بعص الأسماء الروسية  كأسماء بعض النبلاء والاقطاعيين الروس ممن وجدوا الفرصة سانحة للاستفادة من أعمال اليهود التجارية (15) .
في منتصف الخمسينات، كانت رؤوس الأموال قد تكونت لدى العديد من يهود الحظيرة. وقد جلب ذلك انتباه السلطة التي مالبثت أن لجأت إلى إعادة النظر في سياستها اليهودية ضمن إعادة النظر في السياسة الروسية عامة، وبخاصة بعد هزيمة روسيا في حرب القرم .

 

ب- الاصلاحات والردة القيصرية

شكلت هزيمة روسيا في حرب القرم عام 1954 عاملا مباشرا في تعرية معالم الإنهيار الكبير الذي أصاب إقتصاديات الإمبراطورية الروسية وحياتها الإجتماعية والسياسية . فقد شهدت الخمسينات بداية التذمر الجماهيري وتفاقم ذلك التناقض الرهيب القائم بين واقع النظام الاقطاعي بكل مايرافقه من تخلف وظلم اجتماعي من جهة، ومتطلبات التطور الإجتماعي والاقتصادي التي فرضتها روح العصر عامة .
كان أخطر قرار اتخذته السلطة الروسية عام 1861 هو قرار إلغاء القنانة وتفتيت الإقطاع. وقد اتفق هذا القرار مع السياسة الروسية الجديدة التي تزعمها أليكساندر الثاني والرامية إلى تصنيع روسيا بالصناعة الحديثة والثقيلة وإقامة شبكة واسعة من المواصلات الإمبراطورية، حيث تطلب ذلك توفير رؤوس الأموال من جهة والأيدي العاملة لهذه المشاريع من جهة أخرى. كذلك فقد اتفق هذا القرار مع مصالح طبقة النبلاء لإاقطاعيين الذين ضاقوا ذرعا بإقطاعياتهم المترامية الأطراف والمتخلفة،  
وأخذوا يحلمون بالانتقال إلى صفوف البرجوازية الكبيرة سواء من خلال إقامة المزارع الحديثة ورسملة الزراعة أوالتوجه للعمل في المجالات التجارية والصناعية .
يقول  إسحق دويتشر:” كانت دوافع هذا القرار هي الضعوط التي مارسها النبلاء على السلطة مطالبين بإلغاء القنانة بسبب رغبتهم في تبني أساليب الزراعة أو العمل في مجالات التجارة”(16) .
شكل هذاالقرار أخطر منعطف في حياة المجتمع الروسي حيث شهدت تلك الفترة نقلة سريعة وحادة نحو عالم المدنية والصناعة بينما انطلقت الجماهير الفلاحية المحررة باحثة عن المرتكزات الإقتصادية الجديدة في المدن، ” وأدى إحجام السلطة عن توزيع الأرض على الفلاحين إلى تخبط الملايين الفلاحية في ظروف إقتصادية أشد وأقسى مما كانت عليه في عهد الاقطاع”(17)،  إذ يذكر بأن المشاريع الصناعية التي بوشر بتنفيذها لم تكن قادرة على استيعاب الفلاحين المتدفقين على المدن ، كما إن ظروف العمل القاسية والأجور المنخفضة التي صار يتقاضاها هؤلاء العمال الجدد لم تستطع توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة المدينية الجديدة التي لم يعتادوا عليها من قبل . وكان على هذه الجماهير أن تجد في السعي للحصول على أي عمل من شأنه أن يوفر لها لقمة العيش .
كان من شأن هذه التحولات الجديدة أن تمس اليهود بشكل مباشر في حظيرة التوطن اليهودية ، وأن تحيل مدن الحظيرة حيث السيطرة اليهودية شبه كاملة حتى ذلك الحين ، إلى ميدان تنافس حاد بين الجماهير الفلاحية المنطلقة إليها بحثا عن مجالات العمل الجديدة واليهود المتمركزين فيها . أدت هذه الأوضاع المستجدة إلى بداية زعزعة معالم الإزدهار الإقتصادي اليهودي داخل الحظيرة .
غيرأن السياسة القيصرية مالبثت أن شملت اليهود أيضا ، حيث شكلت الأموال المتراكمة في أيدي قطاع كبير من التجار اليهود أحد عناصر الجذب الرئيسة التي أملت على السلطة ضرورة الإستفادة منها وتشغيلها في المشاريع التجارية والصناعية الجديدة. وكان أول قرار صدر بهذا الشأن هو السماح لبعض القطاعات اليهودية بالإقامة في أي مكان من الإمبراطورية . شمل هذا القرار الفئات التالية (18) :
1- كبار التجار الذين دفعوا الرسوم للحصول على إجازات العمل لمدة خمس سنوات متتالية في حظيرة التوطن ، ويتم منحهم حق الإقامة الدائم في الأماكن التي يختارونها لإقامتهم بعد استمرار إقامتهم فيها ودفعهم رسوم إجازة العمل لعشر سنوات متتالية
2- كبار المهنيين كالأطباء والمحاميين والمهندسين وأطباء الأسنان والقابلات .
3- طلاب الجامعات و خريجي الجامعات والمعاهد العالية .
4- كبار الحرفيين ( الأسطوات ) ممن حصلوا على أوراق ثبوتية من أية نقابة .
5- الجنودالمسرحين .
شكل هذا القرار منعطفا جديدا في حياة اليهود أيضا حيث أخذوا بالتدفق على المدن الروسية المختلفة ، وكان كبار التجار الأثرياء أول المستفيدين حيث أخذوا يوظفون أموالهم في مختلف المجالات وبخاصة في مشاريع السكك الحديدية ، كما لجأ بعضهم إلى شراء مساحات من الأراضي التي أصبحت متوفرة بعد تفتيت الإقطاع، وبموجب أحد القرارات الذي سمح لهم بذلك ، حيث حولوها الى مزارع حديثة ساهمت بالتالي في بسط سيطرتهم على تجارة الحبوب والسكر بشكل خاص في الامبراطورية. شهدت تلك الفترة بداية تكون طبقة من كبارالرأسماليين اليهود(19)، وأصبحوا يتمتعون بقسط كبير من النفوذ وبتأييد ورعاية السلطة القيصرية والرأسمالية الروسية الكبيرة التي استفادت من أموالهم في مراكمة رؤوس أموالها . كذلك اتجه الرأسماليون اليهود إلى إشراك رؤوس الأموال الفرنسية والانجليزية في العديد من المشاريع التجارية والصناعية التي امتدت فروعها إلى أوروبا (20) .
فتحت هذه القرارات أبواب الإمبراطورية الروسية للطبقة التي كانت تشكل أكبر نسبة بين اليهود، والمتمثلة بالتجار الكبار والمتوسطين، إضافة إلى المهنيين والحرفيين المتقدمين . وكانت الإنفلاتة اليهودية من الحظيرة سريعة وهائلة ، كما انهارت معها العديد من المسلمات اليهودية السابقة حول تماسك المجتمع اليهودي وخصوصيته ، تلك المسلمات التي بقيت طيلة فترة الإزدهار الإقتصادي اليهودي داخل الحظيرة بفضل سيطرة السلطة الدينية الممثلة بالحاخاميين ورجال الكحال الذين كانو ا يعتاشون على موارد الكنس والمدارس وجباية الضرائب ورشوات التجنيد، وقد شهدت تلك الفترة إنتشار المدارس الرسمية العلمانية داخل الحظيرة وتقلص مدارس الحيدر اليشيفا الدينية أمام تدفق الجماهير اليهودية على تلك المدارس الجديدة التي طالما بقيت قائمة دون استجابة لها في العقود السابقة . وقد وصف الشاعر اليهودي يهودا ليب غوردون هذا التحول في رسالة كتبها لأحد أصدقائه عام 1846 قائلا : ” أذكر أنه لم يكن في المدينة سابقا غير طالب يهودي واحد في الجمنازيوم ( المدرسة الرسمية العلمانية ) . وكان هذا الطالب يتجه لمدرسته خلسة ، ولم يكن يظهر في الشارع بلباس المدرسة الرسمي أبدا، حيث كان يتركها لدى بواب المدرسة وكان يأتي للمدرسة بقفطانة الأورثوذكسي ، وحين يصل المدرسة ، ينزع قفطانه ويلبس اللباس الرسمي ويخفي ضفائره وراء أذنيه ويتحول إلى شخص آخر . اليوم ، ليست هناك مدينة لايشرب فيها الطلاب اليهود من الينابيع الجديدة المنعشة ، وهاهم يقومون بذلك علنا ودون أي خوف” ( 21) .
كذلك تدفق الطلاب على الجامعات تدفقا مثيرا للانتباه حيث قفزت نسبتهم بين مجموع الطلاب الجامعيين عامة بين عامي 1853 و1873 من 1.25% الى 13.2% . و جاء هذا التدفق نتيجة عوامل أهمها بداية تدهور الحياة الإقتصادية التقليدية لليهود وتحول الدراسة الجامعية إلى وسيلة إقتصادية من شأنها توفير مجالات العمل الجديدة المتفقة وروح العصر وحركة التحديث الاجتماعي في روسيا ، وثانيها أن قانون التجنيد الجديد قد أعفى طلاب الجامعات وحملة الشهادات من التجنيد ، مما أدى إلى تدفق الشباب اليهود إلى الجامعات هربا من الجندية، إضافة  إلى أن توفر الأموال لدى العديد من اليهود قد أتاح لهم الفرصة لإرسال أبنائهم إلى الجامعات ، وهي فرصة لم تتوفر لغالبية الجماهيرية الأخرى . ويذكر بأن عدد الطلاب الجامعيين اليهود قد ارتفع بين العامين المذكورين من 159طالبا الى 2362طالبا ( 23). و شهدت هذه الفترة ظاهرة انتشار التوجه اليهودي نحو التمثل والاندماج في المجتمع الروسي حيث اشتدت الدعوة بين أوساط جزء كبير من الإنتلجنسيا اليهودية والجيل الشاب عموما نحو التمثل التام واعتبار روسيا الوطن الأم واعتناق اللغة الروسية لغة قومية ، كذلك فقد انضم إلى هذا التيار الرأسماليون اليهود ، وتشكلت الجمعيات الداعية لهذا الاتجاه وظهرت الصحف باللغات الروسية والييديش والعبرية داعية الجماهير اليهودية إلى تمثل اللغة الروسية والروح الروسية (24) ، وجني ثمار هبة التحرر (25). ويصف أحد الطلاب اليهود شعوره حين تم تسجيله كطالب في جامعة موسكو في الستينيات بقوله : ” بعد أن تم تسجيلي في الجامعة وتسلمت بطاقتي ، خرجت مع صديقي شلوسبيرغ وعبرنا الشارع سوية ثم رفعنا قبعتينا وانحنينا بإجلال أمام ذلك الملجأ العظيم الذي ضمنا إلى صدره، ثم تعانقنا ..هل تعلم، ها نحن قد أصبحنا طلاب جامعة . . لقد انهارت كل عزلتنا عن المسيحيين وشعرنا بأننا قد أصبحنا جزءا من مجتمع جديد حيث لايوجد يهود ولاهيللينيون” (26). وقد تشكلت عام 1867 جمعية في بطرسبرغ باسم ( جمعية نشرالتنوير)  قام بتأسيسها بعض كبار الماليين والإنتلجنسيا اليهودية ودعت إلى نشرالثقافة الروسية بين اليهود وتشجيع التعليم العالي كوسيلة لتشجيع التمثل ، كما افتتحت فرعا لها في مدينة أوديسا ( 27) .
والجدير بالملاحظة أن هذا التيار لم يكن أحادي الجانب فقد وقفت الإنتلجنسيا الروسية داعية إلى تحذيرهذه الروح الجديدة ووقف الكتاب الروس مواقف صلبة في الدفاع عن اليهود أمام مناوئيهم والدعوة لتجذير عملية تحررهم ومساواتهم مساواة كاملة في الحقوق والواجبات مع الروس . ويذكر بأن المثقفين الروس أخذوا يظهرون لأول مرة في المنتديات اليهودية ويدعون اليهود الى منتدياتهم .
يقول دبنو بإن هذه الروح الجديدة قد انطلقت يدا بيد مع السياسة الجديدة التي اعتمدها أليكساندر الثاني والتي عبر عنها في خطابه الذي ألقاه يوم تتويجه معلنا منح المساواة التامة للجميع سواء من حيث العدالة أوالتعليم أو كل ماهو إنساني (28) . ، غير أنه لايمكن اغفال حقيقة أن مثل هذا التطور الإجتماعي لايمكن أن يتحقق بموجب قرار إمبراطوري مالم تكن الظروف الإجتماعية الموضوعية متوفرة لحدوثه .
فقد ظهر في الوسط اليهودي إلى جانب تيار التمثل والاندماج ، تيار آخرأقل حجما وأخفض صوتا ، وقد انطلق هذا التيار من بعض قطاعات الإنتلجنسيا اليهودية المتأثرة بحركة التنوير اليهودية الأوروبية الغربية والداعية إلى العلمانية مع الاحتفاظ  بما يسمى ( بالشخصية اليهودية )  . وقف هذا التيار ضد الدعوة للتمثل وعمل على إحياء اللغة العبرية مشكلا نواة التيار الداعي إلى خلق قومية يهودية ومن ثم نواة الحركة الصهيونية . ولدى البحث عن الدوافع الاساسية لهذين التيارين المتفقين في توجهاتهما  العلمانية والمتناقضين من حيث التمثل أو الخصوصية، لابد من العودة إلى الجذورالإجتماعية والاقتصادية لهذين التيارين .
فلقد تشكل التيار الأول الداعي للتمثل والاندماج التام بالحياة الروسية من ثلاثة روافد مختلفة الأصول، أولها ذلك الجيل الشاب الذي  نشأ في فترة بداية تدهور الأوضاع الإقتصادية اليهودية، والذي أخذ يتحسس مشاكله كجزء من المشاكل التي تعانيها الجماهير الروسية عامة، وقد ترافقت هذه الصحوة مع صحوة هذا الجيل إزاء تعفن الحياة اليهودية الخاصة، ورغبته في التحرر من كل ماتمثله من حاخاميين وكحال وتجار مستغلين ( بكسر الغاء ) ووسطاء وغير ذلك، متأثرين ببعض جوانب أدب الهسكلاه وثم بعمالقة الأدب الروسي الإنساني العالمي الممثل بتلك المجموعة من الأدباء الذين  ظهروا في تلك الفترة مثل تشير نيشفسكي ودبرولوف وبيساريف  وتشيكوف وتيرغينيف ، إضافة إلى ماأخذوا يشهدونه من بوادر تنبئ بولادة حركة ثورية شاملة في أنحاء الامبراطورية .
أما الفرع الثاني من ذلك التيار الإندماجي، فقد تشكل من بعض شرائح الإنتلجنسيا المنتمية للبرجوازية المتوسطة والتواقة إلى مجتمع روسي ليبرالي يستطيعون فيه ممارسة حياتهم بكل حرية، ودون إدراك لطبيعة التحولات ، في حين ضم الفرع الثالث كبار الرأسماليين اليهود الداعين للاندماج لأجل حماية رؤوس أموالهم دون تمييز أو عائق .
أما التيار القومي، فقد تشكل من بعض شرائح البرجوازية المتوسطة التي بدأت بالتفكير الجدي بأهمية رؤوس الأموال اليهودية المتكونة في روسيا ومايمكن أن تلعبه من دور ، إضافة إلى أن بدايات تدهور الأوضاع الإقتصادية للجماهير اليهودية قد حفزت هذه الطبقة على التفكير بأن اليد العاملة اليهودية زائدا رؤوس الأموال يشكلان قاعدة لبناء وطن من شأنه أن يشكل قاعدة لاستقطاب رؤوس الأموال اليهودية ويتفق مع صعود الرأسمالية إلى أعلى مراحلها . لقد تثقف هذا التيار على أدب الهسكلاه واعتنق العلمانية ، وكانت صلاته المستمرة بالغرب والروح الإستعمارية السائدة فيه عاملا رئيسا في بلورة هذه الاتجاهات في العقود اللاحقة.
هذا بالنسبة لليهود الذين شملتهم إصلاحات أليكساندر الثاني. غير أن الأوضاع الإقتصادية قد اختلفت داخل الحظيرة، حيث بقيت قطاعات كبيرة من الجماهير اليهودية غير مشمولة بحق الإقامة الدائمة خارجها. وقد أخذ المجتمع اليهودي داخل الحظيرة بالانقسام التدريجي إلى طبقات في ضوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي خلقها قرار إلغاء القنانة ، حيث ارتفع بعضهم إلى مصاف كبار الرأسماليين بينما انخفض البعض الآخر إلى مستوى برجوازية رثة باضطرارهم إلى اعتماد العديد من اشكال المهن والحرف الدنيا التي لم يلجوها  من قبل ، نتيجة لاشتداد المنافسة في كافة المجالات . ويشيرتدفق جماهير الحظيرة  على المدارس العلمانية الرسمية إلى الرغبة الشديدة لدى هذه  الجماهير في الانفلات من عالم الحظيرة وكسر ذلك الطوق الذي طالما ضربه حولهم الحاخاميون ورجال الكحال ، غير أن محدودية القوانين الإصلاحية قد حالت دون انطلاقهم، ومن ثم استمرارية بعض معالم الحياة اليهودية الخاصة داخل الحظيرة. وقد تعززت هذه المعالم بنمو المنافسة والكراهية التاريخية التي حملها كل من البرجوازي الناشئ والفلاح المحرر لليهود .
فالبرجوازي الأوكراني والبيلوروسي الناشئ بات يخشى ويخاف من ذلك البرجوازي اليهودي المتمرس في ميدانه والذي يقوم ببيع البضائع بسعر رخيص لأجل جني الربح الوفير ، كما لم يكن بمقدور الفلاح المحرر أن ينسى ذلك الماضي القريب حين كان اليهودي ممثلا للإقطاعي وجابي ضرائبه وسوطه المسلط على رؤوسهم،  بل هاهو يجده الآن أمامه محتلا لمعظم مجالات العمل المدينية التي يبحث عنها بضراوة.
لقد لعب عامل آخر دورا كبيرا في تأزيم أوضاع اليهود الإقتصادية داخل الحظيرة ودفعهم للبحث عن مجالات العمل خارجها ، ذلك هو عامل الزيادة الطبيعية الكبيرة التي تمت في الوسط اليهودي منذ تواجدهم في الأراضي الروسية ، فبينما كان عدد اليهود الذين أصبحوا رعايا الإمبراطورية الروسية في أواخر القرن التاسع عشر  لايتجاوز المليون في أقصى احتمالاته ، فقد تضاعف هذا العدد عدة مرات خلال أقل من مائة عام ، وذلك بزيادة طبيعية قدرها  35 بالألف محققا رقما كليا يربو على أربعة ملايين تقريبا.

 

غير أن أواخر الستينات مالبثت أن شهدت بداية ارتداد السلطة القيصرية عن سياستها الرامية إلى منح اليهود حقوقهم الإقتصادية والإجتماعية ودمجهم في المجتمع الروسي، حيث عمدت في عام 1871 إلى تشكيل لجنة لدراسة  المشكلة اليهودية. ان استعراص التقارير التي قدمتها اللجنة إلى السلطة كفيل بإلقاءالضوء على بعض جوانب هذه المشكلة ، ومن ثم القاء الضوء على حقيقة الدوافع التي حملت السلطة على التراجع عن سياستهاالسابقة في ضوء أوضاع روسيا عامة ، فلقد جاء في المذكرة التي قدمها الحاكم العام للمناطق الجنوبية الغربية من الحظيرة قوله :” إن اليهود قد أصبحوا يشكلون قوة إقتصادية كبيرة في هذه المناطق …فهم يشترون ويرهنون المقاطعات ويسيطرون على المعامل والمصانع وعلى تجارة الحبوب والخشب والخمور مثيرين بذلك حقد المسيحيين وبخاصة في المناطق القروية” . وتشيرالارقام الواردة في هذه المذكرة إلى أن عدد اليهود في المقاطعات الجنوبية الغربية الثلاث – فولهينا وبودوليا وكييف – قد بلغ 721 ألفا يعيش 14%  منهم في المناطق القروية و 86% في المدن ، وأنهم  يملكون 27 معملا للسكر من مجموع معامل السكر البالغ  105و619  معمل تقطير للكحول من مجموع 712 معملا و5700مطحنة من مجموع 6353مطحنة …الخ … وبأن قيمة ماتنتجه المؤسسات اليهودية قد بلغ نحو 70مليون روبل (29) .
كذلك جاء في تقرير المسؤول العام عن شؤون الحظيرة قوله : “ليس السؤال هو فيما إذا كان وضع اليهود الإقتصادي سيتحسن فيما لومنحوا حق الإقامة في جميع أنحاء الإمبراطورية ، وإنما علينا أن نتساءل عن الأثر الذي يتركه مثل هذا الإجراء على الأوضاع الإقتصادية للجماهير الروسية” ، ويقترح بأنه من الخطر إطلاق اليهود من الحظيرة ، وذلك لأن “الوباء الذي اقتصرحتى الآن على المناطق الغربية سوف يعم الإمبراطورية”،  بينما وقف بعض أعضاء اللجنة ضد ذلك داعين إلى منح اليهود كافة حقوقهم المدنية لإسباب مغايرة وهي أن الجيل الجديد من اليهود قد بدأ يشارك في الحركة الثورية التي كانوا أغرابا عنها حتى الآن، وأن إلغاء نظام القمع ضد اليهود من شأنه أن يضع حدا لهذه التوجهات ( 30) .
وقد ظهرت منذ عام 1869عدة كتب منها ( كتاب الكحال ) الذي كتبه شخص يدعى جاكوب برافمان الذي كان يهوديا ثم تحول إلى المسيحية ، تحدث فيه عن مؤامرة يعدها الكحال ضد السلطة ، وصدرت طبعته الثانية عام 1871( 31) . كما صدرت عام  1876رسالة دكتوراة لشخص يدعى هيبوليت لوتوستانسكي  بعنوان ( استعمال الدم المسيحي من قبل اليهود ) ، وقد اتبع ذلك بكتاب آخر أصدره عام 1879 بعنوان ( اليهود والتلمود ) أهدى نسخة منه إلى ولي العهد أليكساندر الثالث وإلى رئيس الشرطة الذي قام بطبع كميات منه وزعها على كافة رجال الشرطة السرية ( 32) .
والجدير بالملاحظة هو أن تشكيل اللجنة آنفة الذكر من قبل السلطة قد تم مع قيام ماعرف بمذبحة أوديسا التي وقعت عام 1871، والتي شكلت أول عملية عنف من نوعها منذ عقود ، والتي نجمت بسبب المنافسة التجارية القائمة بين التجار اليهود والتجار اليونانيين في المدينة حول تجارة الحبوب والبقالة ( 33).
اتخذت السلطة من التقارير المناهضة لليهود مستندا لسياستها الجديدة وبدأت منذ أوائل السبعينات بإصدار القرارات، حيث قامت عام  1873 بإغلاق المدارس الحكومية في الحظيرة (34) ، ولاشك أن هذا الإجراء قد شكل تراجعا كاملا عن سياسة الدمج التقليدية التي اعتمدتها السلطات  القيصرية  منذ أوائل القرن، والتي كانت قد قطعت أشواطا في اتساعها ونتائجها الإيجابية خلال الستينيات .
ويبدو أن عوامل ودوافع كثيرة قد أدت بالسلطة إلى الإرتداد عن سياستها السابقة وتدشين عهد جديد من السياسة الرامية إلى إقصاء اليهود عن الأراضي الروسية، تلك السياسة التي لم يوقفها إلا قيام الثورة الاشتراكية في عام 1917 .
فمن العوامل الإقتصادية التي دفعت بالسلطة في ذلك الإتجاه الجديد هو أن البرجوازية اليهودية المتوسطة و الصغيرة مالبثت منذ الستينات أن احتلت معظم المواقع المدينية في الأعمال الإدارية والجامعات وتجارة المفرد والحرف المختلفة،  كما نشأت بين صفوفهم طبقة من المضاربين الزراعيين والمرابين . وكان من شأن هذا الواقع الجديد أن يثير نقمة فئات البرجوازية الروسية الناشئة المتلهفة إلى هذه المواقع المدينية الجديدة ، تلك الفئات التي حرصت السلطة على إرضائها وكسبها إلى جانبها ضمن سياستها الرامية إلى دعم عملية النمو البرجوازي وبهدف الحد من البوادر الثورية التي أخذت بالظهور في الأفق الروسي، والتي سببت قلقا عظيما للسلطة .
لقد ادت إصلاحات الستينيات الجزئية والمشوهة إلى نمو الرأسمالية الطفيلية على نطاق واسع. وتشير كافة الدلائل على أن اليهود قد شاركوا بقسط كبير في هذا المجال في ضوء طبيعة المهن التي اتجهوا اليها والتي شكلت امتدادا لتلك المهن التي كانوا يمارسونها في عهود القطاع ، ولقد وجدت السلطة نفسها أمام مشكلة لم يكن بمقدور حلولها الفوقية أن تحلها، حيث رأت أن إقصاء اليهود من شأنه أن يضمن لها تأييد  الفئات الطفيلية الروسية ، كما إن من شأنه أن يزيد من تأييد الجماهير الفلاحية الروسية لها بحكم طبيعة الكراهية التاريخية القائمة بينهم وبين اليهود ، وبحكم ماحملته هذه الجماهير الفلاحية من حب وتقديس للسلطة القيصرية بعد صدور قرار إلغاء القنانة. فقد كان الفلاحون الروس المحافظون بحكم طبيعتهم الفلاحية ،وبدرجة الجهل المريع الذي يتخبطون فيه ، أعجز من أن يدركوا أسباب تلك الويلات التي جلبهاعليهم قانون إلغاء القنانة وتفتيت الأراضي ، وكان من شأن قرار إقصاء اليهود أن يوهم هؤلاء الفلاحين بأن اليهود هم المسؤولون عن كل بلواهم ومصائبهم ، وبأن السلطة حريصة على مصالحهم كل الحرص بحيث عمدت إلى إقصاء عدوهم التاريخي .
تشكل مقالة فريدريك إنجلز التي نشرها في 16/4/1875 حول مشكلات روسيا الإجتماعية مصدرا واضح الرؤية حول حقيقة الأوضاع التي سادت في روسيا في ذلك الوقت ، حيث جاء فيها : ” يملك الفلاحون سنويا 105 ملايين ديسياتينات من الأراضي بينما يملك كبار الملاكين العقاريين البالغ عددهم 15الفا فقط  نحو 100مليون ديسياتينات ، ويدفع الفلاحون سنويا 195مليونا من الروبلات كضرائب عقارية على نصف أراضي البلاد بينما يدفع كبار الملاك ( النبلاء ) 13مليون روبل فقط ، بينما تزيد خصوبة أراضيهم على خصوبة أراضي الفلاحين بضعفين”. ويستطرد قائلا : “لقد زج إلغاء القنانة بجماهير الفلاحين في وضع من البؤس لايطاق .. وكانت اهم نتيجة لهذا الاصلاح  زيادة العبء الضريبي على الفلاحين ( ضريبة السلف  وضريبة الإدارات المحلية التي تم إنشاؤها إضافة إلى ضريبة الأرض والمحاصيل وغير ذلك ( 35) .أما دويتشر فيقول : ” لقد اعتق الاقنان ، إلا انهم لم يحصلوا على أرض ، وكان عليهم أن يصبحوا شركاء في الحصاد لكي يتمكنوا من زراعة الأرض وبقي نمط الحياة مشوها” (36) .
ويصف إنجلز في مقالته الآنفة الذكر عملية نمو الرأسمالية الطفيلية في القطاعيين الفلاحي والمديني فيقول : ” أدت هذه الأوضاع( الفلاحية ) إلى خلق الإزدهار المرابي ..حيث أتيحت للمرابي فرصة التغلغل في كل مكان وفي استغلال الأوضاع الملائمة للصفقات وفي الاحتيال المرتبط بذلك كله ارتباطا لاينفصم ..حين يحين موعد دفع الضرائب يظهر المرابي إلى الوجود ..”  ويستطرد قائلا : ” ثمة شكل آخر لاستغلال الفلاحين حيث يقوم مضارب من المضاربين باستئجار أرض أميرية من الحكومة لعدد من السنوات، ويزرعها مادامت تدر بلاسماد، ثم يقسمها إلى قطع صغيرة ، ويكري الأرض المنهوكة بربح مرتفع لفلاحي الجوار الذين لايتمكنون من تأمين عيشهم في أرضهم الخاصة”.
أمابالنسبة للمدن فيقول : البرجوازية الكبيرة التي تكونت في بطرسبرغ وموسكو وأوديسا والتي تطورت إبان السنوات العشر الأخيرة بوتيرة خارقة للمألوف ، وعلى الأخص بفضل السكك الحديدية والتي اندفعت بحمية في مضاربات الأعوام الاخيرة ، إلى جانب مصدري الحبوب والقنب والكتان وشحم الامعاء الذين لاتقوم تجارتهم إلا على البؤس الفلاحي ..ناهيك عن ذلك الجيش الذي لايحصى له عدد من الموظفين والذي يغرق روسيا وينهبها ويشكل فيها شريحة اجتماعية حقيقية..” ويختتم ذلك قائلا : “لامجال للشك في أن  روسيا تقف على عتبة ثورة ..فماليتها في إفلاس تام ، ولولب الضرائب فقد فاعليته ، وفوائد ديون الدولة تسدد بقروض جديدة ، وكل قرض جديد يصطدم بعقبات لاتني تتعاظم ، ولم يعد هناك مجال للحصول على المال إلا بذريعة بناء السكك الحديدية ، فالفساد منتشر في الإدارة حتى العظم من زمن طويل والموظفون يعيشون على السرقات والرشوات والابتزاز أكثر ممايعيشون على رواتبهم، ويتخبط الإنتاج الزراعي برمته في حالة من الفوضى الكاملة والفلاحون لم يعد عندهم مايكفي من الأرض، تسحقهم الضرائب ويستنزفهم المرابون ومردود التربة يتضائل سنة بعد سنة” ( 37) .
الى أي مدى كان اليهود مسؤولون عن هذه الاوضاع ؟ إن أي تقييم موضوعي لابد أن يؤدي إلى الاستنتاج بأن الإنتشاراليهودي في كافة تلك المجالات الانفة الذكر  كان ظاهرة من ظواهر النظام القيصري ، وذلك بدليل أن إقصاء اليهود من المدن الروسية وريفها لم يؤد إلى تحسن الأوضاع الروسية ، ولاتقليص سيطرتهم على معظم الأعمال المشار اليها في مقالة انجلز ، كالسكك الحديدية وتجارة الحبوب والمضاربات وأعمال الربا وغيرها ، بل ازدادت الأوضاع سوءا يوما بعد يوم بسبب الخلل القائم في النظام الاجتماعي نفسه .
 جرت عملية إقصاء اليهود من المدن الروسية تحت مظلة الدعوة للوحدة السلافية التي اشتدت مع نموالبرجوازيةالروسية ، كما عمدت السلطة إلى استغلال هذه الدعوة في محاولة لتغييب التناقضات الإجتماعية الرهيبة القائمة في المجتمع الروسي. وقد توالى صدور قرارات  التقييد ضد اليهود منذ أواسط السبعينيات حتى  بلغ عددها في عام 1914 نحو 114 قرارا، منها : منع التجار الصغار والمتوسطين من العمل خارج الحظيرة إلا في حالة كون البضائع التي يبيعونها من صنعهم ، إيقاف تعيين الخريجين في دوائر الدولة ، إلغاء حق الترفيع والعلاوة للموظفين منهم ، إلغاء الترفيع ومنح الرتب للعسكريين منهم ، منع المحاميين من العمل في محاكم الدولة ، منع التدريس في المدارس الرسمية ، منع تملك الأرض ومصادرة بعض الأراضي التي تم تملكها ، منع المشاركة في مجالس البلديات والاجتماعات الإنتخابية ، تحديد قبول الطلاب في الجامعات (ومع ذلك يؤكد سيمون دبنو أن عدد الطلاب اليهود في الجامعات قد فاق بشكل عام النسب المقررة من قبل السلطة – دبنو ، ص 29) ، منع الإقامة في القرى والمناطق الزراعية.
لقد ادت هذه القرارات إلى عودة قسم كبير من اليهود إلى حظيرة التوطن اليهودية وتعثر عملية الاندماج والتمثل الإجتماعي التي كانت قد بدأت منذ الستينات، كما إن المنافسة الحادة على مجالات العمل بين اليهود والفلاحين المحررين قد أدت إلى تدني  أوضاع اليهود الإقتصادية، وظهور ما عرف بالبرجوازية الرثة في صفوفهم.  غير أنه لا بد من القول أن ما حدث من تردي في أوضاع اليهود الإقتصادية، كان كبيرا إذا ما قيس بالأوضاع السابقة التي تمتعوا بها خلال عهد ازدهارهم في النصف الأول من القرن التاسع عشر، بينما بقي مستواهم العام أفضل من مستويات الجماهير الروسية والأوكرانية وغيرها، كما سيتضح في الصفحات التالية .

الفصل الثالث

التأزم وفشل التحول البروليتاري

 

التوزع الوظيفي

جرى في عام 1897 أول إحصاء رسمي في الإمبراطورية الروسية شمل عدد السكان وتوزعهم الإجتماعي وأوضاعهم الإقتصادية في ضوء الأعمال التي كانوا يمارسونها . وقد بلغ عدد أتباع الدين اليهودي من الناطقين بلغة الييديش وفق ذلك الإحصاء 5.054.300 نسمة مشكلين نسبة 4.3 % من مجموع سكان الإمبراطورية البالغ 125.640.021 نسمة ، بينما بلغ عددهم في الحظيرة  ذاتها    4.899.427 نسمة مشكلين نسبة 11.6% من مجموع سكان الحظيرة البالغ 42.383.567 نسمة.
والجدير بالذكر أن الإحصاء المذكور قد ميز بين أتباع الدين اليهودي الناطقين بلغة الييديش، وأتباع الدين اليهودي الناطقين بلغات أخرى، حيث بلغ عدد هؤلاء الأخيرين، الذين كان معترفا بهم كمواطنين أصليين، نحو 161.500نسمة . ومن المرجح أن كافة  الجداول الإحصائية التي صدرت بشأن أتباع الدين اليهودي قد اقتصرت على الناطقين بالييديش ، وهم الذين يشكلون غالبية اليهود في الحظيرة (1).
وعلى الرغم من أن نسبة اليهود السكانية في الحظيرة قد بلغت 11.6%،  فإن هذه النسبة قد اختلفت بين منطقة وأخرى من مناطق الحظيرة، حيث ازدادت  الكثافة السكانية اليهودية في المناطق الشمالية – المناطق البولونية المحتلة وليتوانيا وروسيا البيضاء – بالغة نسبة 14.1% بينما انخفضت في بعض المناطق الجنوبية إلى 9 % – جدول (1) –. ويعود سبب ذلك إلى أن المناطق الشمالية قد شكلت مواطن إقامة اليهود منذ عدة قرون، في حين أخذ اليهود بالهجرة الداخلية نحو المناطق الجنوبية بعد إقامة حظيرة التوطن. وبشكل تدريجي مالبثوا أن أخذوا في التزايد في العقود الأخيرة من القرن المذكور بحثا عن مجالات العمل الأكثر وفرة فيها . وقد تغيرت هذه النسب في أوائل القرن العشرين، حيث كان يهود المناطق الشمالية أول المهاجرينإلى أوروبا وأميريكا بشكل خاص ، بينما استمرت هجرت فئات أخرى نحو الجنوب .

 

جدول رقم (1)

 

المنطقة مجموع السكان الكلي مجموع اليهود نسبتهم الى مجموع السكان% نسبتهم الى مجموع اليهود%
المناطق البولونية

ليتوانيا

 

روسيا البيضاء

 

أوكرانيا

 

 

 روسيا الجديدة

9.402.25

 

4.739.180

 

5,323,631

 

14.643.015

 

 

8.230.488

 

 

1.321.100

 

697.841

 

724.590

 

1.425.618

 

 

730.278

 

14.1

 

14.7

 

13.6

 

9.7

 

 

9

27

 

14.3

 

14.7

 

29

 

 

15

المجموع 42.338.567 4.899.427 11.6 100
من جهة أخرى، كان من شأن طبيعة الوظائف الإجتماعية التي مارسها اليهود وتطور أهمية المدن بالنسبة لهذه الوظائف ، إضافة إلى قرار التقييد الذي حد من إقامتهم في القرى ، أن أدت مجتمعة إلى احتشاد اليهود في مدن الحظيرة احتشادا كبيرا حيث بلغ مجموعهم في كافة تلك المدن نحو 3.809.361 نسمة مشكلين في بعضها نسبة سكانية تزيد على 55% ، وبخاصة في المناطق الشمالية بينما انخفضت هذه النسبة في أوكرانيا مثلا الى 36% .
 طرأت خلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر تغيرات ملحوظة في بنية اليهود الطبقية حيث ازداد عدد الحرفيين على حساب الفئة التجارية ، وهو أمر لم يعهده اليهود الذين طالما اعتادوا على العمل التجاري السهل الذي لايتطلب جهدا جسديا بينما يدر ربحا أكثر وفرة . غير أنه لابد من تصحيح خطأ شائع ذي شقين أولهما مقولة أن اليهود قد وصلوا في نهاية القرن الماضي إلى درجة كبيرة من الفقر ، وثانيهما أنهم  شكلوا نسبة كبيرة  في قطاعا ت البروليتاريا التي هيأت وأنجزت الثورة الإشتراكية فيمابعد.
يشير إحصاء  1897الى أن مجموع عدد اليهود العاملين في مختلف المجالات قد بلغ 1.430.727 ما يعني أن كل فرد كان مسؤولا عن عائلة معدل أفرادها أربعة تقريبا ، ويشير الجدول (2)  إلى التوزع الوظيفي لهؤلاء العاملين حيث يتضح أن عدد اليهود العاملين في مجال التجارة قد بلغ 452.193  فردا في حين بلغ عدد العاملين في الحرف والصناعات المختلفة  542.563فردا ، بينما توزع بقية العاملين بين المهن والزراعة والخدمات المختلفة .

 

 

جدول رقم (2)

توزع اليهود العاملين في الاعمال المختلفة
العمل عدد العاملين نسبتهم لمجموع العاملين اليهود
الحرف والصناعات

التجارة

الخدمات المختلفة

المهن

النقليات

الزراعة

542.563

452.193

277.466

71.950

45.944

40.611

37.9%

31.6%

19.4%

5%

3.2%

2.9%

المجموع 1.430.727 100%

 

ويعطي إحصاء آخر لجمعية الإستعمار اليهودي إلى مجموع اليهود العاملين رقما أكثر بقليل من  السابق، هو 1.500.000.

 

العاملون في التجارة    
يتضح من الجدول السابق أن عدد اليهود العاملين في المجالات التجارية في نهاية القرن الماضي قد بلغ نحو ثلث مجموع العاملين من اليهود في مختلف المجالات . ولدى النظر إلى مختلف الأعمال التجارية التي كانوا يمارسونها حتى ذلك الحين ( عام 1897) – جدول رقم (3) – فسيتضح أن كبار التجار قد شكلوا أكثر من نصف عدد العاملين في التجارة ، فقد كان نحو 95 ألف تاجر يعملون في التجارة العامة ( بيع الجملة ) كما كان نحو 50 ألفا يسيطرون على معظم تجارة الحبوب داخل الحظيرة وخارجها علما بأن الحبوب قد شكلت في ذلك الحين أفضل المجالات التجارية الخارجية لاعتماد أوروبا بشكل رئيس على القمح الروسي ، إضافة إلى السيطرة شبه التامة التي كانت لهم على تجارة السكر والفرو والجلود والماشية ومختلف  المنتوجات الزراعية الأخرى .

 

جدول رقم (3)

 

توزع اليهود في المجلات التجارية المختلفة

 

مجال العمل عدد العاملين أعداد أسراهم المجموع
مؤسسات مالية

وسطاء تجاريون

تجارة عامة

تجارة الماشية

تجارة الحبوب

تجارة مواد البناء والمحروقات

أدوات معدنية والآت وأسلحة

منتوجات زراعية غير الحبوب

تجارة أدوات منزلية

تجارة الأقمشة

تجارة الفرو والجلود

تجارة بضائع مختلفة

تجارة كماليات

تجارة خمور

باعة متجولون

 

2.804

.15.975

96.215

15.917

48.963

27.713

6.849

145.059

5.853

44.183

12.551

7.572

3.065

12.136

19.870

5.376

53.581

302.722

62.669

172.624

94.094

20.899

442.048

15.976

114.700

42.153

19.979

7.695

44.440

49.850

7.784

69.556

389.937

78.586

221.587

121.807

21.820

587.107

121.807

158.883

54.704

27.551

10.760

56.576

69.720

المجموع 464.329 1.448.806 1.947.649

 

 

كما يشير انخفاض عدد الباعة المتجولين البالغ نحو 20 ألفا فقط إلى أن معظم هذه الفئة التجارية لم تتضرر من قوانين التقييد وبقيت محافظة على مستوياتها الإقتصادية العالية ، بل والى تحسن هذه المستويات لدى البعض في ضوء توسع ظروف العمل التجاري بعد الغاء القنانة وتفتت الإقطاع ، بينما ارتفعت مستويات بعض التجار إلى صفوف كبار الرأسماليين كأصحاب المصارف والوكالات العامة وتجار الحبوب والسكر .
وقد أدت عملية تكون رؤوس الأموال في أيدي هؤلاء التجار إلى الإنخراط في بعض المشاريع الصناعية ، غير أن هذه المشاريع قد اتصفت بالطابع الإستهلاكي كالنسيج والتبغ ودبغ الجلود والصابون والمطاحن وأعمال التقطير . ويشار إلى أن حجم هذه المشاريع كان بشكل عام أصغر من حجم مثيلاتها الروسية حيث كان اليهودي يميل إلى توزيع رأسماله بين عدة مشاريع مختلفة في آن واحد بدلا من حصرها في مشروع واحد. وكانت نتيجة ذلك أن امتلك اليهود نحو 51% من المشاريع الصناعية في المناطق الشمالية و 33.9% من مشاريع المناطق الجنوبية الغربية و 23.8% من مشاريع روسيا الجديدة في الجنوب – أنظرجدول رقم 4.
أما خارج الحظيرة، فقد بلغ العديد من رجال المال اليهود مصاف كبار الرأسماليين الدوليين حيث أسهموا مع رؤوس الأموال الإنجليزية والفرنسية في العديد من المشاريع داخل روسيا وخارجها وبخاصة في مجال بناء السكك الحديدية وأعمال الملاحة في حوض الدنيبر ، كما امتدت فروع أعمالهم في أوروبا وكان هؤلاء يلقبون ( بالملوك ) مثل ملك المناجم غينزبرغ وملك السكر ويسوتسكي وآل بولياكوف وآل لوريا وغيرهم (2) .

 

الحرفيون والعمال  
جاء  في احصاء 1897 أن عدد الحرفيين والعمال اليهود قد بلغ نحو 542 الفا مشكلين نسبة 37،9% من مجموع اليهود العاملين في مختلف المجالات . ولايضع الإحصاء حدا فاصلا بين أصحاب الورش الصغيرة أو العاملين بأجر في تلك الورش أو العمال المنخرطين في المؤسسات الإنتاجية الكبيرة والصناعات الثقيلة. غير أن التقديرات تشير إلى أن عدد أصحاب الورش الصغيرة قد بلغ نحو260 ألفا،  مما يعني أن عدد الحرفيين من ذوي الأجر والعمال قد بلغوا نحو 340 ألفا .
وتشير دراسة قامت بها في نفس الفترة المذكورة جمعية تدعى جمعية الإستعمار اليهودي،  إلى أن عدد الحرفيين اليهود قد بلغ نحو  500.986  مشكلين نسبة 13.2% من مجموع اليهود الكلي و 44% من مجموع اليهود العاملين ، ويشار إلى وجود عمال صناعيين في المؤسسات الانتاجية .

 

جدول رقم (4)

ملكية المشاريع الصناعية في الحظيرة

 

المشروع العدد العام المشاريع اليهودية
النسيج

الخشب

التبغ

الجلود

الصابون

الطابوق

التقطير

معامل البيرة

الماه المعدنية

372

329

110

530

139

752

864

381

119

299

199

83

287

122

157

57

110

83

المجموع 3603 1397

 

جدول رقم (5)

توزع اليهود في الحرف المختلفة -1897

 

الحرفة عدد العاملين عدد أفراد أسرهم المجموع
خياطة

التجارة

تحضير المواد الغذائية

أدوات معدنية خفيفة

النسيج

مواد البناء

جلود

الورق والطباعة

صناعة أدوات علمية ولعب

صقل المجوهرات

كيماويات ( حبر وغيره)

الخزف والفخار

مشروبات روحية

مشروبات أخرى

التبغ

التعدين

صناعة السفن ووسائط النقل

مستخدمون في الصناعات

الانتاجية كمنتجين وكتبة

254.384

42.545

46.156

43.449

34.612

39.019

21.476

15.709

7.216

6.511

6.980

5.358

4.088

2.494

7.856

1.381

250

3.062

528.070

96.951

137.160

104.880

85.686

113.659

50.744

25.804

14.245

12.026

13.742

15.333

12.225

7.170

9.690

3.873

723

5.967

 

 

 

 

782.454

139.476

183.316

148.329

93.298

152.678

72.220

41.513

21.461

18.537

20.722

20.691

16.313

9.664

17.546

5.254

973

9.029

المجموع 542.546 1.210.948 1.753.474

 

ويذكر بأن اليهود، خلال الستينات والسبعينات من القرن التاسع عشر، كانوا يحتقرون العمل في المعامل والمصانع الإنتاجية وبأن هذه النظرة  بقيت سائدة بينهم إلى حين اضطرتهم الظروف المستجدة في نهايات القرن إلى التوجه نحو الحرف. ويمكن عزو إحجام اليهود عن التوجه نحو المعامل والمصانع الإنتاجية إلى جملة أسباب لعل أهمها ذلك التاريخ الطويل من التوجه اليهودي نحو العمل التجاري الحر السهل الذي يتناقض مع العمل المنتظم في المؤسسات الإنتاجية لساعات عمل معينة ونظام معين ، وذلك إضافة إلى عدم وجود القابلية الجسدية لديهم لتحمل ماتتطلبه المصانع الإنتاجية من عمل شاق . فقد نشأ اليهودي ضمن ظروفه الإقتصادية الجيدة على العمل السهل الذي
 لا يتطلب جهدا عضليا، وذلك على نقيض الفلاح الروسي الذي جعلت منه نشأته الفلاحية وظروف حياته القاسية أكثر استعدادا لتقبل العمل الشاق في المصانع والمعامل الانتاجية. ويذكر مثلا أن بعض اليهود قد توجهوا نحو هذه المؤسسات خلال السنوات الأولى من القرن العشرين ، غير أنهم توجهوا نحو معامل الكبريت والتبغ مثلا في حين لم يتواجد أي من العمال اليهود في مناجم الدون أو معامل السكر في أوكرانيا رغم أن تلك المناجم والمعامل كانت ملكا لرأسماليين يهود .
 غلب الطابع الحرفي المتميز بانتشار الورش الصغيرة على روسيا المدينية بشكل عام في أواخر القرن التاسع عشر ، غير أن الورش اليهودية  بقيت مرتبطة بالحاجات الإستهلاكية غير القابلة للتطور إلى صناعات إنتاجية ، وذلك على العكس من الورش الروسية – كالحدادة مثلا والتي كانت مهيئة للتحول إلى مصانع ومعامل إنتاجية .
ولدى استعراض التوزع الحرفي اليهودي فسيتضح أن حرف الخياطة قد احتلت الأولوية مستقطبة نحو254.384 حرفي يهودي مشكلين أكثر من نصف مجموع الحرفيين . وإلى جانب الخياطة ، اقتصر المجال الحرفي لليهود على تحضير الأغذية وتجميع الساعات وصناعة بعض المنتوجات الكيماوية كالحبر والشمع وصبغ الأحذية والصابون وكذلك الطابوق والورق والنسيج والمشروبات الروحية وصقل الجواهر وأعمال التقطير . ولعل أهم ظاهرة بالنسبة لهذا القطاع الحرفي هي أن الحرفيين المهرة اليهود كانوا أول المهاجرين إلى الولايات المتحدة في بدايات القرن العشرين، حيث تشير التقارير السنوية الصادرة عن دائرة الهجرة اليهودية الأمريكية أن العمال اليهود المهرة قد شكلوا بين عامي  1901 و  1906نحو 63% من مجموع اليهود الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة، محققين رقما مقداره 208.447عامل حرفي  من مجموع المهاجرين البالغ 581.883 فردا في تلك الفترة. وإن دل هذا على شيئ ،فهو يدل على أن روسيا القيصرية قد أفرغت خلال السنوات المذكورة من نحو نصف حرفييها اليهود بينما عادت فئة التجار الى الرجحان مما يشير الى أن عملية التحول البروليتاري بين صفوف اليهود قد بقيت شبه معدومة وأن القطاعات التجارية هي التي بقيت في روسيا القيصرية بينما كان العمال الحرفيون يهجرونها .

 

المهن ومجالات العمل الأخرى .

أما بالنسبة للمهنيين والعاملين في المجالات الأخرى كالخدمات وغيرها ، فقد شكل المهنيون المتخصصون أو أشباه المتخصصين أصغر القطاعات بعد قطاع الزراعة ، ويضم هذا القطاع الأطباء والمحامين والموظفين في دوائر الدولة والمدرسين في مدارس الحيدر واليشيفا الدينية والعاملين في الكنيس. وقد بلغ عدد هؤلاء المهنيين وفق إحصاء 1897 نحو 71.950شخصا مشكلين نسبة 5% من مجموع العاملين اليهود ، وقد شكل الأطباء أكبر فئة بعد فئة المدرسين حيث بلغ عددهم 9.770  طبيبا وعاملا في المجال الصحي ، وكان هذا الرقم حصيلة تدفق الطلاب اليهود على الجامعات منذ الستينات وحين تحول التعليم العالي إلى وسيلة اقتصادية .
غير أن القطاع الأكبر من هؤلاء المهنيين قد تشكل من المدرسين في المدارس اليهودية الخاصة – الحيدر واليشيفا-  حيث لايشار إلى وجود مدرسين يهود في المدارس الرسمية بعد صدور قوانين التقييد حيث بلغ عدد هؤلاء في المدارس اليهودية الخاصة نحو 35.273مدرسا.
وقد وجد الى جانب هؤلاء المهنيين المتخصصين عدد من العاملين في الأعمال المختلفة ، كالجنود ورجال الدين والعاملين في مجالات الأدب والصحافة إضافة إلى جيش من العاملين في مجال الخدمة المنزلية والفنادق والمطاعم وأعمال النقل وأعمال التنظيف العام ، كما وجد جيش آخر من الذين ثبت أنهم يعيشون على مدخولات رؤوس أموالهم إلى جانب عدد من الذين كانوا يقومون بأعمال سميت بأعمال غير محددة. وقد بلغ عدد هؤلاء الذين يعيشون على مدخولات رؤوس أموالهم وعلى الأعمال غير المحددة مع أسرهم نحو 239.553شخصا ، بينما بلغ عدد العاملين في مجال الخدمة المنزلية مع أسرهم 334.837  شخصا .

 

 

جدول رقم (6)

توزع اليهود في المهن المتخصصة وغير المتخصة

 

أعمال إدارية

محاماة

طب

الجيش والبحرية

علوم وآداب وفنون

تدريس

حاخاميين

وظائف كنسية

خدمات منزلية .

فنادق ومطاعم

أعمال نقل

أعمال غير محددة

مدخولات رؤوس الأموال

أعمال تنظيف

دعارة

أعمال من قبل جمعيات خيرية

2.587

1.037

9.770

53.194

2.780

35.273

6.310

14.103

175.732.

12.136

45.944

 

 

 

 

 

8.453

3.268

16.415

1.083

5.252

90.241

20.896

47.594

159.105

44.440

151.133

 

 

 

 

 

11.040

4.305

26.185

54.277

8.122

125.514

27.206

61.697

334.837

56.576

197.077

42.476

171.905

27.234

1.764

26.134

 

المهنة عدد العاملين

 

عدد افراد أسرهم المجموع
المجموع 1.176.349

 

الزراعة

شكل قطاع الزراعة أصغر قطاعات العمل بين اليهود حيث لم تزد نسبة العاملين في هذا المجال عن 2.9%من مجموع العاملين اليهود. بلغ عدد هؤلاء المزارعين 40 ألفا. وقد ورد سابقا أن اليهود إبان ازدهارهم الإقتصادي في النصف الأول من القرن التاسع عشر قد أحجموا عن التوجه للعمل الزراعي، بينما اشتدت رغبتهم الى ذلك بعد الستينيات حين توفرت إمكانيات شراء الأراضي الواسعة بعد تفتيت الإقطاع، وسنحت الفرص لإقامة الزراعة الرأسمالية الواسعة. وقد جاءت قوانين التقييد الصادرة منذ منتصف السبعينات لتقلص هذا التوجه .
ويشار إلى أن أوضاع المزارعين اليهود  كانت ذات مستوى مرتفع بالنسبة لبعض العائلات وبأنهم كانوا يمارسون أعمالآ أخرى إلى جانب العمل الزراعي مما أدى إلى جعل مستواهم أفضل بكثير من مستوى الفلاح الروسي. ويشير إحصاء جرى في منطقة خيرشون حيث أفضل المستوطنات الزراعية اليهودية، إلى أن 51% من العائلات اليهودية كانت تقوم بمهن أخرى إلى جانب الزراعة ، كالتجارة أو احتراف بعض الحرف المطلوبة في المنطقة ، كما ذكر بأن معظمهم كانوا يقومون بتأجير أراضيهم للفلاحين الروس والأوكرانيين أو يشغلوهم في هذه الأراضي لقاء أجر معين.
وقد أورد ليون ترونسكي في مذكراته أنه كان يصاب بالغثيان  إزاء المعاملة القاسية التي كان يمارسها والده إزاء الفلاحين الأوكرانيين في أرضه ، بينما أشار حاييم وايزمن إلى أن والده كان يعامل الفلاحين والخدم الأوكرانيين معاملة طيبة  (3) . ويقول ندافا الذي قام بدراسة تروتسكي :
 ” كان يكره رؤية أبيه يستغل الفلاحين ويعاملهم بخشونة ويرى في أبيه رمزا للكولاك –الفلاح الثري- و كان في نقاشاته مع أبيه يقول له : سوف يأتي يوم يثورفيه الفلاحون عليكم ويطردونكم جميعا يا ملاك الأرض”.  كذلك يورد تروتسكي في مذكراته صورة امرأة حافية القدميين تقف على باب أبيه لأجل أن تحصل على روبل واحد تستحقه منه (4) .
بلغت مساحة الأراضي العائدة للعائلات اليهودية سواء عن طريق التملك أو الإيجار نحو 6.422.684 أكر( 840 ياردة)،  ثلاثة أرباعها في الحظيرة والباقي في الخارج. وقد توزعت
بين الملك والايجار على النحو التالي :
في المقاطعات الروسية : 32.5% ملك        67.5% ايجار
في المقاطعات البولونية : 86% ملك            14% ايجار
 و جاء في دراسة حول طبيعة هذه الملكيات أن معظمها  تكونت من ملكيات كبيرة كان قد اشتراها بعض الأثرياء اليهود في الستينات بعد تفتت الإقطاع. وقد منعت السلطة الروسية في أوائل الثمانينات إعادة تأجير الأراضي لليهود حيث انخفضت الأراضي المؤجرة انخفاضا ملحوظا ، يوضح الجدول (7) هذه التغيرات .

 

 

جدول رقم (7)

الأراضي التي بيد اليهود

 

الأرض قبل 1880 1900
ملك

الايجار

1.847.879

5.400.374

1.022.418

785.523

ولدى مقارنة التوزع الوظيفي لليهود مع مثيله بين سكان الحظيرة والإمبراطورية بشكل عام، يتضح أن فارقا كبيرا قد بقي قائما. فقد شكل التجار اليهود 72.5%  من مجموع تجار الحظيرة رغم أن نسبتهم السكانية لم تكن تتجاوز 11.6% وفق احصاء 1897. كذلك شكل الحرفيون نسبة 0.6% فقط – أنظر جدول رقم (8)- .

 

كما بلغت نسبة التجار اليهود في بعض مناطق الحظيرة نحو ثلاثة أضعاف التجار الآخرين. فقد بلغت هذه النسبة 88.2% من مجموع تجار ليتوانيا و 89.3% من مجموع تجار بيلوروسيا و 65% من مجموع تجار المناطق الجنوبية ، كما سيطروا على 96.7% من تجارة الحبوب في المناطق الجنوبية وعلى 97.1 %من هذه التجارة في ليتوانيا ، أما بالنسبة للأعمال المصرفية والمؤسسات المالية فقد بلغت نسبتهم 34.9% من مجموع أصحاب هذه المؤسسات. يقول آرثر روبين :” لقد أقام التجار اليهود في الحظيرة شبكة تجارية مالبثت أن غطت معظم أرجاء الامبراطورية” (5).

 

جدول رقم (8)

جدول مقارن بين العاملين من اليهود وغير اليهود في الحظيرة

العمل غير اليهود % اليهود %
الزراعة

المهن

الخدمات المختلفة

الحرف والصناعات

قطاع النقليات

التجارة

6.032.875

250.472

1.889.903

1.068.675

167.806

129.458

63.2

2.6

19.8

11.2

1.8

1.4

38.538

67.238

250.078

504.844

44.177

426.628

2.9

5.1

18.8

37.9

3.3

32

 

لايمكن إغفال مشاعر الكراهية التي حملتها مختلف طبقات السكان من روس وأوكرانيين وبيلوروس وغيرهم لليهود ، تلك الكراهية المنطلقة أساسا من طبيعة تلك الوظيفة الإجتماعية التجارية التي دأبوا على ممارستها بشكل ملفت للنظر. فقد أدت سيطرة التجار اليهود على معظم تجارة المنتوجات الزراعية في الحظيرة إلى وجود احتكاك مباشر ومستمر بين هؤلاء التجار والفلاحين، احتكاكا لايختلف كثيرا عن عهود الاقطاع من حيث طبيعته الاستغلالية. يصف إسحاق دويتشر التطورات الجديدة: “كان وضع اليهود بشكل عام أفضل من وضع الفلاحين الروس ، وكان الروسي ينظر بعين الريبة إلى البقال اليهودي في القرية أو صاحب الحانة الذي كانت تجارته في الغالب تقوم على الاحتيال” (6) . وذلك إضافة إلى ما نشأ من عداء مستحكم بين البرجوازية التجارية الروسية والأوكرانية وغيرها وبين التجار اليهود، ذلك العداء الذي كان أصلا وراء تشكيل حظيرة التوطن اليهودية ، والذي استمر في التصاعد على شكل تنافس تجاري ضار هدفه الاستحواذ على أكبر قسط من الأرباح المستغلة أساسا من أفواه الجماهير الفلاحية المدقعة والتي خلفها قانون الغاء القنانة وتفتيت الاقطاع في مهب الريح .
كذلك  كانت المنافسة على أشدها بين الحرفيين ، أصحاب دكاكين البقالة والخياطين وغيرهم ، بل إن قطاع العمال الصناعيين كان لاينظر بعين الراحة إلى العمال اليهود الذين يتوجهون للصناعات الخفيفة دون أن يقتربوا من الصناعات الثقيلة ويفضلون الحرف الناعمة على الخشنة منها . كما لا شك في أن تيار الهجرة إلى خارج روسيا،  الذي بدأه العمال اليهود المهرة، قد أثار حفيظة العمال الروس الذين كانوا يبلورون حركتهم العمالية الثورية بقيادة الحزب الديموقراطي الإشتراكي وكانوا في أمس الحاجة للعمال الصناعيين المهنيين لدعم الطبقة البروليتارية الناشئة .

 

أعمال العنف والهجرة :

حملت الجماهير الفلاحية الروسية والأوكرانية وغيرها إرثا من الكراهية الطبقية للتجار اليهود، و لعب حزب  النارودنايافوليا  أول دور سياسي في تأجيج هذه الكراهية منذ السبعينيات. نشأ هذا التنظيم في أوائل الستينات ودعا إلى تصفية الحكم الأوتوقراطي بتسليم أراضي الملاكين العقاريين للفلاحين لإقامة المشاعية الريفية على أساس أنها جنين الإشتراكية ، معتبرا الفلاحين القوة الإجتماعية الرئيسة (7). كان الناورودنايافوليا سلافي التوجه من حيث كراهيته للمؤثرات الحضارية الغربية ، غير أنه مالبث أن تلاشي ضمن التطورات الهائلة التي حدثت في المجتمع الروسي نتيجة لتسارع عملية التصنيع .
ومن المرجح أن ظهورهذا الحزب قد جاء بمثابة رد فعل على عملية الاصلاح المبتورة التي حدثت في أوائل الستينيات، وذلك بتفتيت الإقطاع دون توزيع الأراضي على الفلاحين . بدأ هذا الحزب بشن حملة ضد التجار اليهود داعيا إلى الثورة على ( القيصر اليهودي واليهود النبلاء ) ونشر ت صحيفتة مقالة تحريضية عام 1881 جاء فيها : ” ان اهتمام الشعب يتجه الآن نحو التجار وأصحاب الخمارات والمرابين …بكلمة واحدة اليهود) (8) .
غير أن غالبية الدلائل الأخرى تشير إلى أن أعمال العنف التي اندلعت بين عامي 1881و 1883 إثر اغتيال القيصر ألكيساندر الثاني، إنما حدثت ليس بفعل هبة جماهيرية ضد اليهود ، وإنما بتخطيط رسمته السلطة القيصرية في محاولة منها لتحويل النقمة الجماهيرية المتعاظمة ضدها نحو اليهود ، والإيحاء بأن اليهود هم الذين يشكلون غالبية القوى الثورية المناهضة للنظام القيصري ، اذ يشار للتدليل على ذلك مثلا إلى أن أعمال العنف المذكورة لم تبدأ إلا بعد ستة أسابيع من عملية اغتيال القيصر، عمدت خلالها الصحافة القيصرية إلى شن حملة مركزة ضد اليهود متهمة إياهم بأنهم المسؤولون عن اغتياله ، بينما لم يكن بين الشباب الستة الذين نفذوا العملية غير فتاة يهودية واحدة إسمها هيسيا غيلفمان. كما يشار إلى أن هذه المذابح  أخذت تندلع في عدة أماكن في وقت واحد يقودها رجال منظمون قادمون من خارج المناطق المذكورة حيث مايلبث الفلاحون المستثارون أن يتبعوهم (9) .
وقد جاء في تقرير رفعه القنصل النمسوي في كييف عام 1881 إلى حكومته بأن جميع تصرفات الشرطة تؤكد أن الاضطرابات قد حدثت بتحريض من السلطة (10) ، بينما ترى جهات أخرى أن السلطة لم  يكن لها ضلع مباشر في هذه الأحداث استنادا إلى عدم وجود أية وثيقة أو دليل على ذلك في السجلات الحكومية السرية التي فتحت بعد الثورة عام 1917، إلا أنها تميل إلى التاكيد على ضلوع السلطة في هذه العمليات من خلال التحريض غير المباشر ومن خلال الجمعية السرية التي شكلتها في ذلك الحين بإسم ( العصبة المقدسة ) والتي تزعمت عملية التحريض ضد اليهود والتخطيط لأعمال العنف هذه (11).
غير أن أهم مايلفت الإنتباه في أعمال العنف هذه المسماة “البوغرومز”، سواء  تلك
 التي حدثت في الثمانينيات أم في العقد الأول من القرن العشرين ، هو أنها قد حدثت جميعها في المناطق الجنوبية الغربية حيث يكثر التجار اليهود وحيث بدأ اليهود بشراء الأراضي الواسعة وإقامة المزارع الرأسمالية ، في حين لم تحدث أي من هذه المذابح في المناطق الشمالية الغربية حيث الكثافة السكانية اليهودية أكبر، وحيث يغلب الطابع الحرفي لليهود على الطابع التجاري، وحيث كانوا يشكلون نحو ثلاثة أخماس سكان تلك المدن الشمالية – فيليتوانيا بشكل خاص .
فبين عامي 1881-1883 وقعت نحو 215 حادثة عنف لم يتعد بعضها مستوى المناوشات بينما اتسع نطاق البعض الآخر مثل حادثة كييف وبيرديشيف وبالطا ، توقفت تلك الأعمال بعد عام 1884، وخلال نحو عشرين سنة لم تحدث أية حادثة باستثناء مدينة نيكولاييف عام 1899، ثم اندلعت ثانية بين عامي 1903و 1905  وكانت حادثة كيشينيف أكبر وأوسع تلك الحوادث حيث قتل فيها 45 يهوديا بينما أصيب 86 بجراح خطيرة ونحو 500بجراح خفيفة (12) . ويشير ندافا إلى أن وزير الداخلية القيصري فون بليفة هو الذي نظم تلك المذبحة (13).
يمكن تقسيم أعمال العنف التي اندلعت في الإمبراطورية الروسية إلى ثلاثة مراحل:
أولها – تلك التي حدثت في أعوام 1820 و1859 و 1871.  وقعت تلك الأعمال في مدينة واحدة هي مدينة أوديسا وكان ذلك بسبب المنافسة التجارية الكبيرة التي كانت قائمة انذاك في تلك المدينة بين أكبر فئتين تجاريتين هما اليهود والأرمن، حيث كان التجار الأرمن ينتهزون الفرص للقضاء على السيطرة التجارية اليهودية في تلك المدينة . أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة 1881-1883 التي حدثت في عدد من المناطق الجنوبية الغربية حيث ازدادت سيطرة التجار اليهود وحيث لعبت السلطة القيصرية دورا في اندلاعها لأسباب سياسية. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة 1903-1905  التي حدثت في المناطق الجنوبية أيضا و لعبت السلطة القيصرية دورا رئيسا فيها في محاولة لوصم الحركة الثورية بأنها حركة ( يهودية ) وضمن سياستها الشاملة الرامية إلى إثارة القلاقل والمذابح بين مختلف الفئات في عموم الإمبراطورية لاحتواء الحركة الثورية. يقول دويتشر في ذلك: ” لأجل مواجهة خطر الثورة، سلطت وزارة الداخلية القيصرية عصابات “المئة السود” على الإشتراكيين بشتى اتجاهاتهم وعلى اللييراليين واليهود .وبدأت منظمة المئة السود عملها في باكو بعد إضراب عمال النفط مباشرة. ومثلما كان اليهود كبش المحرقة الذي استخدمته القيصرية للتنفيس عن التذمر الشعبي ، كذلك كان الأرمن في القفقاس حيث الفتن العرقية والدينية قائمة باستمرار بين الاتراك والأرمن” (14) .
وقد أولت السلطات القيصرية قسطا من اهتمامها خلال السنوات الأولى من القرن العشرين لاستغلال تلك الخلفية الشعبية من الكراهية لليهود في محاولة لوصم الحركة الثورية المتأججة بأنها حركة يهودية  هدفها تحطيم روسيا والقضاء على العنصر السلافي. وتجدر الإشارة هنا إلى حادثتين في هذا المجال هما ظور كتاب “بروتوكولات حكماء صهيون”  وحادثة ( بيليس ) اللتين شكلتا نموذجا لممارسات السلطة في ذلك الاتجاه .
وتشير كافة الدلائل إلى أن كتاب “بروتوكولات حكماء صهيون” الذي تبنى نشره أحد رجال الكنيسة الأورثوذكسية، القس سيرجي نيلوس، هو كتا ب مزور قصد منه ابتكار وثيقة تبرر للسلطة القيصرية أعمالها القمعية ضد الحركة الثورية، على أساس أنها حركة  يهودية.  كذلك فقد عكست حادثة بيليس مظهرا آخر من مظاهر الإنتقال بالمشاعر الشعبية إلى مستوى الفعل الرسمي وذلك من خلال محاكمة شاب يهودي إسمه بيليس أمام القضاء الروسي بتهمة الاغتيال الطقسي  ، حيث وجدت عام 1911 جثة  طفل مسيحي في كييف وسرت الشائعات أن مندل بيليس قد امتص دم الصبي لأجل الطقس الديني . وقد اضطرت المحكمة للإفراج عن بيليس بعد محاكمة استمرت اكثر من سنتين بعد أن شنت الحركة الثورية حملة واسعة  لأجله وتصد ى للدفاع عنه عدد كبير من المحامين ومنهم كيرنسكي .
وكانت الفترة التالية لعام 1905 قد شهدت حملة مطاردة كاسحة من قبل السلطة القيصرية لكافة العناصر الثورية ،  كما اتخذت هذه الحملة شكلا قوميا شوفينيا  ركزت خلالها السلطة عملياتها ضد كافة الأقليات من يهود وبولونيين نظرا لأن هذه الأقليات وبحكم واقع الاضطهاد الذي تعيشه تحت سطوة الحكم القيصري، كانت تمد الحركة الثورية بالعديد من العناصر الفاعلة والمنظمة .
 توالى بالنسبة لليهود صدور قوانين التقييد والتفنن في ابتكارها . وماإن اندلعت الحرب العالمية الأولى في العام 1914،  حتى وجهت السلطة القيصرية لليهود قاطبة تهمة التجسس لحساب ألمانيا ، وعمدت إلى نقل كافة اليهود المقيمين في المناطق الغربية من حظيرة التوطن اليهودية ودون تمييز إلى أواسط روسيا، وذلك في ظروف شهد أندريه ديكي ، وهو مصدر يميني رجعي من الروس البيض ( المعادين للثورة) ممن يعملون ضمن خطة للدعاية الرامية إلى تصويرالثورة البلشفية على أنها ثورة يهودية، بقوله: “دون اجراء أي تحقيق للحالات المنفردة أو التأكد من ولاء هذا اليهودي أو ذلك في تلك المناطق المتاخمة للعمليات العسكرية ، فقد أجبرتهم القيادة العسكرية على ترك مناطق إقامتهم ونقلتهم الى أواسط روسيا … لقد نقل عشرات الآلاف من اليهود بهذه الطريقة ، في ظروف بالغة القسوة ودون توفر وسائط النقل أو الغذاء أو الخدمات الطبية على الطريق …”(15) .
وازاء ما حدث من تفكك فعلي لحظيرة التوطن اليهودية نتيجة عمليات التهجير المذكورة ، فقد أصدرت السلطة القيصرية في 4/8/1915 قرارا سمح لليهود بالإقامة خارج حدود الحظيرة ودخول الجامعات والمعاهد العليا . كان ذلك أشبه بترضية لامتصاص النقمة التي أثارتها عمليات التهجير، إضافة إلى كونه اجراء عمليا لإبعاد اليهود عن المناطق الغربية .
من جهة ثانية، فقد بدأ التفكير بالهجرة يختمر بين الشرائح اليهودية منذ الثمانينيات نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية واشتداد المنافسة في حظيرة التوطن اليهودية . يعزو روبين سبب الهجرة اليهودية من روسيا منذ أوائل الثمانينات القرن التاسع عشر إلى عاملين متداخلين أولهما تحسن المواصلات وانتشار السكك الحديدية الذي أدى إلى تجريد المدن الصغيرة والقرى من أهميتها التجارية وبالتالي تجريد اليهود من قاعدتهم الاقتصادية، أما السبب الثاني، فهو الزيادة الطبيعية الهائلة التي تحققت للكتلة اليهودية في تلك الفترة (16) .
وفيما يعود روبين ليقول بأن أعمال العنف التي اندلعت في اوائل الثمانينات قد شكلت الدافع المباشر لانطلاق الهجرة اليهودية إلى خارج روسيا، فإن ما يعطيه روبينو  من تحديد للمناطق التي انطلقت منها الهجرة اليهودية للخارج،  يرجح بأن أعمال العنف هذه لم تلعب إلا دورا  ثانويا جدا في دفع اليهود إلى الهجرة ، وبأن العامل الإقتصادي والرغبة في تحسين الأوضاع الإقتصادية كان الدافع الرئيس والمباشر في هذه الهجرة. فقد انطلقت غالبية الهجرة اليهودية منذ الثمانينات من المناطق الشمالية الغربية : ليتوانيا ولاتفيا وستونيا والمناطق البولونية، وهي المناطق التي لم تشهد أيا من أعمال العنف التي تركزت كلها في المناطق الجنوبية، بل يشار إلى أنه منذ أوائل الثمانينيات ، حدث تيار هجرة يهودية داخلي من المناطق الشمالية المذكورة نحو المناطق الجنوبية التي حدثت فيها أعمال العنف (17) . ويؤكد روبينو في هذا على أن عدد اليهود في المناطق الجنوبية قد ازداد بين عامي 1881و1897 بنسبة 60.9% معلقا على ذلك بقوله بأن مثل هذه الزيادة الهائلة لايمكن أن تكون قد تحققت إلا بفعل الهجرة (18) .
يتضح مماسبق أنه فيما شكلت المناطق الشمالية مصدر الهجرة باتجاهيها الداخلي والخارجي ، فقد انطلق التجار نحو الجنوب فيما انطلق الحرفيون المهرة نحو أوروبا واميركا . وعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقة للهجرة اليهودية من الأراضي الروسية للفترة الواقعة بين 1880 و1914، فإن مختلف المصادر تقدرها بعدد يتراوح بين مليون ونصف  المليون  ومليونين . ويذكر بأن أميريكا قد استولت في تلك الفترة على مخيلة اليهود الروس بشكل حاسم . وقد جاء في تقرير بعثت به  لجنة تقصي أسباب الهجرة إلى الولايات المتحدة  التي شكلتها الحكومة الأميريكية عام  1891 لهذا الغرض: “باستثناء قلة قليلة من يهود روسيا الذين يتوقون للهجرة إلى فلسطين، فإن أميريكا هي الهدف  الأول والطموح الأكبر للغالبية الغالبة منهم …إنهم يتطلعون إلى أميريكا بحماس  شديد يشبه حماس أجدادهم الأوائل في التطلع إلى أرض الميعاد” ( 19).
وقد نشأت في الثمانينات  جمعيات عرفت باسم  عام عولام  وتعني  (الشعب الخالد ) مهمتها تشجيع اليهود للهجرة إلى الولايات المتحدة الأميريكية. ويذكر بأن هذه الجمعيات مالبثت أن انتشرت في حظيرة التوطن وكان قادتها يحملون الأفكار الإشتراكية ويحلمون بالهجرة إلى أميريكا والعمل في الزراعة من خلال إقامة مزارع إشتراكية فيها. يقول أحد أعضاء هذه الحركة: ” شعار العمل في الحقول هو هدفنا ، هدفنا إعادة الشباب الروحي والمادي لشعبنا في أميريكا الحرة، في الحقول حيث يعيش الناس من مختلف القوميات بمحبة ، سنجد لنا نحن اليهود زاوية في أميريكا نريح فيها رؤوسنا وسنثبت للعالم بأننا مؤهلون للعمل الجسدي (20) . وقد هاجر عدد كبير من أعضاء هذه الجمعيات وأقاموا مزارعهم في ولايات لويزيانا وساوث وداكوتا وأوريغون، حيث أنشأوا في أوريغون مزارع إشتراكية عرفت باسم أوديسا الجديدة –غير أنهم مالبثوا أن تخلوا عن هذه المزارع وانتهت حركتهم عام 1887، كما انتهت مثيلتها التي توجهت إلى فلسطين بزعامة جماعة ( البيلو).
مع ذلك، بقيت أميريكا حلم المهاجرين اليهود ، وبخاصة  بعد أن بادرت بريطانيا بشكل خاص والدول الأوروبية الغربية بشكل عام ، إلى إصدار القوانين التي تمنع دخول المهاجرين اليهود إليها . ففي عام 1905 أصدرت بريطانيا ( لائحة الغرباء ) التي منعت دخول اليهود إليها، وتبعتها ألمانيا وفرنسا ودول أخرى . وقد شكلت (لائحة الغرباء ) التي صدرت في عهد رئاسة جيمس آرثر بلفور للوزارة ، وهو اللورد بلفور نفسه الذي سيصدر وعد بلفور بعد ثلاثة عشر سنة ، ضربة للعديد من اليهود الذين لم يكونوا قادرين على تحمل نفقات السفر إلى الولايات المتحدة الأميريكية، حيث استغلت التنظيمات الصهيونية صدور اللائحة لتوجيه بعض المهاجرين نحو فلسطين، فدخل فلسطين بين عامي  1882 و 1914 نحو مئة ألف من هؤلاء المهاجرين.
يجدر الوقوف هنا أمام ( لائحة الغرباء )  البريطانية نظرا للدور الذي لعبته في وضع حجر الأساس للمشروع الصهيوني في فلسطين . فمع بداية تدفق المهاجرين اليهود على بريطانيا، مالبثت شوارع لندن أن أخذت تشهد المظاهرات التي قام بها العمال البريطانيون مطالبين بمنع دخول اليهود نظرا لما يشكلونه من ضرر على مصالحهم من خلال توفير العمل الرخيص. وقد تشكلت عام 1902 لجنة حكومية لدراسة هذه المشكلة. وبعد مناقشات ومداولات طويلة شارك فيها العديد من الساسة بينهم هيرتزل ، صدرت اللائحة المذكورة متضمنة سلسلة من القيود الشديدة على دخول اليهود للأراضي البريطانية. وكان هيرتزل قد أدلى بشهادته أمام اللجنة المذكورة في 23/4/1904 وكان مما قاله :
” فليسمح لي المستر تشامبرلين بالقول، إنني أفضل من أجل عزة بريطانيا أن لاتصدروا هذه اللائحة ، بل أفرغوهم ( أي اليهود ) في  مكان آخر أما تشمبرلين ، وزير المستعمرات آنذاك فقال : ” تذكروا أن نفس الأسباب التي أدت إلى دخول عشرة الآف وعشرين ألفا ..سوف تؤدي إلى دخول مئات الآلاف ، لا بل والملايين منهم ، والسياسي هو الذي يستطيع وضع حد لهذه المشكلة منذ بدايتها”، واختتم كلامه بالثناء على هيرتزل ووصف نفسه بأنه نصير للحل الصهيوني . أما رئيس الوزراء بلفور ، فقال : ” يمكن بسهولة تصور الوضع الحالي ، حيث أنه سوف لن يكون في صالح حضارة هذا البلد أن تتواجد فيه كتلة بشرية سوف تبقى رغم وطنيتها وتفانيها في خدمة المصالح الوطنية ، كتلة بشرية منفصلة بفعل ممارستها الذاتية ليس فقط باعتناقها دينا مختلفا عن دين الغالبية السكانية، وإنما أيضا بسبب عدم التزاوج إلا فيما بينها (21) .  كان ذلك بمثابة البداية لما عرف فيما بعد بإسم  وعد بلفور.
     
غير أنه ما إن جاء عام 1914، حتى كان أكثر من نصف اليهود الذين دخلوا فلسطين قد غادروها،  ولم يبق منهم في العام المذكور سوى 43 ألفا، بعضهم من الصهاينة المنظمين . ومن المرجح أن هؤلاء اليهود قد غادروا فلسطين بمحض إرادتهم لعدم وجود أي دافع ذاتي يبقيهم فيها، ولرغبتهم في التوجه إلى أميريكا المزدهرة . فعلى الرغم من القوانين الشكلية التي سنتها السلطات العثمانية في تلك الفترة والتي وصلت إلى حد إصدار قرار بتحريم استيطان اليهود في فلسطين ، فإن تجاوزات هذه القوانين فاقت تطبيقاتها ، حيث استطاع الصهيونيون أن يقيموا مستوطناتهم ويؤسسوا قاعدتهم الإقتصادية على مرأى ومسمع من السلطات العثمانية ، كما إن أحد القرارات العثمانية الذي صدر عام 1900 قد نص على منح كافة اليهود المتواجدين في الأراضي العثمانية حتى ذلك الحين بصورة غير شرعية حق المواطنة الكاملة (22) . ثم ما لبثت البلاد منذ، مجيء حزب الإتحاد والترقي إلى السلطة في عام 1908، أن أصبحت مفتوحة أمام الهجرة اليهودية التي لم تحدث رغم استمرار تدفقها نحو الولايات المتحدة الأمريكية.
يستنتج مما سبق أن العامل الإقتصادي كان الدافع الأساسي والمباشر في حركة الهجرة اليهودية. فبينما اتجهت الهجرة اليهودية في القرون الوسطى من الغرب إلى الشرق بحثا عن المناطق التي تتيح لليهود مجال الازدهار الاقتصادي ، فقد أخذت هذه الحركة بالاتجاه من الشرق إلى الغرب منذ أواخر القرن التاسع عشر للسبب ذاته، حيث ما لبثت المصالح السياسية للدول الأوروبية أن تدخلت لعرقلة ذلك التوجه التلقائي بالعمل على ” إفراغهم” في فلسطين .

 

الفصل الرابع

اليهود والنشاط الثوري

البداية النارودنيه.

للحركة الثورية الروسية تاريخ عريق يعود في أصوله إلى أواسط القرن الثامن عشر حين اندلعت الإنتفاضات الفلاحية في مناطق الفولغا والأورال، وتبلورت خلال الربع الأول من القرن التاسع عشر على شكل حركة واسعة عرف أتباعها باسم” الديسمبريين” الذين نادوا بحكم جمهوري وتوزيع الأراضي على الفلاحين وتحقيق العدالة الإجتماعية والحرية والمساواة للمضطهدين. وقد حفلت الساحة الروسية خلال القرن المذكور بالحركات الثقافية والفلسفية والسياسية ، حيث ظهر العدميون ثم النارودنيك ، أي الشعبيون ، الذين دعوا إلى محاربة عملية التصنيع الآخذة بتحويل روسيا إلى مجتمع صناعي على غرار أوروبا ، وتحقيق لإاشتراكية الزراعية . وقد برز خلال القرن التاسع عشر العديد من عمالقة الأدب  مثل بوشكين وليرمينتوف وتورجينيف ثم تولستوى ودوستويفسكي ، الذين شقوا الطريق إلى الأدب الواقعي ونقلوا الأفكار الثورية من خلال مؤلفاتهم التي أغنت الأدب الإنساني العالمي وتثقفت وما زالت تتثقف على نتاجاتهم أجيال متعاقبة في مختلف أنحاء العالم .
وفيما كانت حظيرة التوطن اليهودية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر تعيش في بحبوحة حلفها الطبيعي مع النظام الاقطاعي ، فقد حملت الإصلاحات التي استنها ألكيسنادر الثاني منذ أوائل الستينيات بذور الوعي والانفتاح في الساحة اليهودية، حيث أدى تدفق الطلاب على الجامعات الروسية إلى احتكاكهم بالتيارات الثقافية والحركات الثورية . وفي أوائل السبعينيات أخذ بعض المثقفين اليهود الذين كانوا قد تخرجوا من الجامعات بالانخراط في الحركات الثورية وفي حركة النارودنيك بالذات، مسجلين بذلك أول موقف تقدمي من حيث اندفاعهم نحو التمثل والانصهار في الطبقة الروسية المعدمة والمضطهدة، التي هي طبقة الفلاحين والتي كانت تضم غالبية الجماهير .
شكل تخلي هؤلاء المثقفين عن خلفيتهم اليهودية عملية تمرد على الواقع اليهودي .وتقول كتابات بعضهم إلى  أنهم  أصبحوا في حالة قرف تام من التاريخ الطبقي لليهود الذي لابد من القضاء عليه، والذي طالما اتسم بالاستغلال والاستنزاف للجماهير الفلاحية. يقول احدهم : ” نحن نارودنيون، الموجيك (الفلاحون الروس) إخوتنا الطبيعيون” (1).  ويقول آخر : ” ليس هناك بالنسبة لنا سوى شعب واحد تعيس ومضطهد ومحروم ، إنه مكون من هؤلاء الذين يحرثون الأرض وبعض عمال المصانع ، وجميعهم يتكلمون اللغة الروسية.أما الحرفيون اليهود، فنحن نعتبرهم مستغلين ( بكسر الغاء ) ، وذلك لأنهم يتشكلون في معظمهم من أصحاب الحرف الذين لايترددون في الانخراط في الأعمال التجارية ….نحن الثوريين نعتبرهم تجارا ” (2). ويقول آخر: ” إن شعار فلنذهب إلى الشعب، وهو شعار النارودنيين، انما يعني بالنسبة للثورى اليهودي هو الذهاب إلى الشعب الروسي المضطهد (3) .
 آمن هؤلاء الثوريون بأن تحرر اليهود إنما يكمن في تحرر الشعب الروسي. فتحرر الشعب الروسي من النير القيصري الإقطاعي والاضطهاد إنما يعني تحرراليهود من جريمة الإستغلال التي يمارسونها ضد الشعب الروسي .
 عبر بول أكسلرود ، أحد أوائل هؤلاء الثوريين والذي كان رفيق بليخانوف في تشكيل أول حلقة ماركسية عام  1883 بعد انتهاء النارودنيك ، عن ذلك الواقع آنذاك بقوله بأن المشكلة اليهودية بالنسبة له ”  تتضائل وتؤول إلى
 التلاشي أمام ذلك العهد من الإخاء والمساواة الذي سيسود حين يسود الفقراء والمضطهدون، وبأنه  قد نذر نفسه لنصرة الفقراء والمضطهدين في روسيا ” (4) .
كان شباب الناردونيك في تلك الفترة يهجرون بيوتهم  ويتجهون للعيش والعمل بين جموع الفلاحين ، وكان بعض الشباب الذين تخلوا عن عالمهم اليهودي بين هؤلاء (5) . ومع انهيار النارودنيك بعد الحملة الكاسحة التي شنتها السلطة القيصرية عليهم في أواخر السبعينيات ، تشكلت مجموعات النارودنايافوليا ، أي (ارادة الشعب ) السرية التي لجأت إلى العمل الارهابي . وفي عام  1878 تم إعدام أهارون غوبيت اليهودي الخلفية ، لمحاولته الفاشلة في اغتيال الإمبراطور أليكساندر الثاني ، وفي عام 1881 صدر الحكم على هيسيا غيلفمان ذات الخلفية اليهودية لتعاونها مع الشباب الروس الذين نفذوا عملية اغتيال القيصر المذكور بالاشغال الشاقة المؤبد ة حيث ماتت في سجنها .
مع تسارع عملية التصنيع وما رافق ذلك من تزايد في عدد العمال الصناعيين وانتشار للمدن والحياة المدينية، انتشر الفكر الماركسي في روسيا واتخذت الحركة الثورية طابعا جديدا هو طابع الثورة البروليتارية. وإذ شارف القرن التاسع عشر على نهايته، كان عدد العمال الصناعيين الروس قد قفز خلال عقد واحد من نحو 270  ألف إلى 1.600.000عامل صناعي (6) ، وأخذت الحركة الثورية بتنظيم صفوفها انطلاقا من القناعة بأن  مصير روسيا يسير باتجاه التطور الرأسمالي وبأن الطبقة العاملة هي القادرة على تحقيق الثورة الاشتراكية. وفي عام 1898 تم تأسيس حزب عمال روسيا الديموقراطي الاشتراكي . غير أنه بينما كانت القوى العاملة الروسية آخذة في التوجه نحو المصانع والمعامل الإنتاجية الضخمة والتحول السريع على الطريق البروليتارية ، اتخذت الأوضاع داخل حظيرة التوطن اليهودية طابعا آخر مالبث أن انعكس على مسيرة العمل الثوري داخلها.
 كان يمكن لعملية التمثل والانصهار العمالي اليهودي أن تستمر في مسارها الصحيح لولم تقم السلطة القيصرية بالردة التي نفذتها والتي تراجعت بموجبها عن الاصلاحات التي بدأتها في الستينيات من القرن التاسع عشر، وهي ردة  أعادت اليهود إلى حظيرة التوطن ثانية. فهناك في حظيرة التوطن ، سارت عملية التصنيع ببطء ، وبقيت الورش الصغيرة هي الغالبة على سمات الحظيرة ، وفيما كان صاحب الورشة اليهودي يطمع في زيادة أمواله والاتجاه نحو التوسع الأفقي ، كان الحرفي أجير الورشة يطمح في جمع أجوره لأجل فتح ورشة خاصة به . ويجمع الكثير من الباحثين على أن الوعي كان شبه معدوم في الحظيرة التوطن حيث سادت البرجوازية الصغيرة والرثة بكل ما تحمله من أحلام في الصعود على سلالم الرقي البرجوازي .

 

البوند يستقطب الجماهير اليهودية

كان ظهور البوند( الاتحاد العام للعمال اليهود  في روسيا وبولونيا وليتوانيا )  نتيجة طبيعية لهذه الظروف . فقد تشكلت قيادة البوند من عدد من المثقفين الماركسيين اليهود الذين بدأوا في أوائل السبعينيات بتشكيل أول تنظيم نقابي في منطقة ليتوانيا التي يحتشد فيها العمال اليهود . وقد انصبت اهتماماتهم في ذلك الحين على المطالبة بزيادة الأجور وتخفيض ساعات العمل، كما بدأوا بشن حملة تثقيفية بين العمال اليهود وتوعيتهم توعية طبقية وتعليمهم مبادئ الماركسية. كانت تلك البدايات سليمة وصحيحة حيث بدأت ولأول مرة في الساحة اليهودية عملية كسر طوق تلك الخصوصية والانعزالية اليهودية وبث روح الأممية في صفوف تلك الشريحة العمالية . وتعكس الخطبة التالية التي ألقاها أحد طلاب اليهود في احتفال أقيم في يوم العمال العالمي تلك الروح الثورية التي بدأت تلوح في الأفق اليهودي ، حيث يقول : ” اننا نحن اليهود ، نتبرأ من أعيادنا القومية وكل خيالاتنا التي لاتفيد المجتمع الإنساني ….اننا نربط أنفسنا بجنود الإشتراكية ونتبنى أعيادهم ……إن أعيادنا التي ورثناها عن اجدادنا سوف تختفي مع النظام القديم ، والمطلوب منا الان هو أن نعمل. إن العديد منا مقتنعون بأن الإمشتراكية بالتأكيد قادمة ، غير أن الإشتراكية لا تأتي عن طريق معجزة غيبية.  فتوراة الإشتراكية سوف لاتهبط من السماء على جبل سيناء  بالبرق والرعد وسوف لن يأتي المسيح ممتطيا جوادا أبيضا ) (7) .
غير أنه يبدو ، وكما تشير وثائق البوند ، أن مداولات ومناقشات طويلة كانت تدور في أواسط العقد المذكور حول مسألة تأسيس الإتحاد، وهل يصر الإتحاد على تمسكه  بالأممية التي تعتنقها معظم القوى الماركسية في الحركة أم يصر على أن هناك خصوصية ما للطبقة العاملة اليهودية تستدعي قيام تنظيم سياسي خاص بها ؟ ويشار إلى أن مارتوف كان أول من دعا إلى قيام حزب يهودي خاص، وذلك في الخطبة التي ألقاها عام  1895 في عيد العمال العالمي بقوله: ” إن مهمة الإشتراكيين العاملين في صفوف اليهود هي العمل على خلق تنظيم عمالي يهودي منفصل من شأنه أن يقود ويثقف البروليتاريا اليهودية للنضال من أجل تحررها الإقتصادي والاجتماعي والسياسي …..إننا لانستطيع القبول بعد الآن بأن يأتينا كل شيئ من خلال البروليتاريا الروسية ) (8) .
والى جانب الواقع العمالي في حظيرة التوطن اليهودية حيث السيادة فيه للبرجوازية بمختلف شرائحها ، فقد لعب عامل آخر دورا هاما في دفع قادة البوند إلى الانحراف عن أهدافهم الأممية نحو الدعوة القومية . فلم تكن مصادفة أن يعقد البوند مؤتمره التأسيسي الأول بعد شهر واحد فقط من انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897-  (عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل في 29- 31آب  1897 وعقد مؤتمر البوند الاول في 25-27ايلول 1897).
فعلى الرغم من التوجه القومي للبوند ، ذلك التوجه الذي انطلق من كون الساحة اليهودية ليست بالساحة البروليتارية ومن توقعاته بأن الثورة القادمة في روسيا ستكون ثورة البرجوازية، حيث الساحة تفتح لتصارع القوميات المختلفة ، فهو قد اختلف مع الصهيونية التي كانت قد اخذت تظهر في الساحة اليهودية على نطاق  محدود إختلافا كبيرا. فقد نادى البوند بروسيا وطنا ليهود روسيا وبالييديش لغة ضد العبرية وكان أحد فصائل  الحركة الثورية الإشتراكية بينما كانت الصهيونية فصيلا من فصائل الرأسمالية الاستعمارية. وتشير العديد من المصادر إلى أن التوجه القومي للبوند قد تعزز بشكل حاسم نتيجة ظهور الصهيونية السياسية ، ويقتطف ندافا قولا نسبة إلى ليون تروتسكي يقول بأن ” مطالب البوند المتطرفة قد أملتها ظروف صراعه مع الصهيونيين من أجل السيطرة على الشارع اليهودي” (9) . وقد عبر تروتسكي في عدة مناسبات لاحقة عن اعتقاده بأن الساحة اليهودية كانت مهيئة للاستجابة للدعوات القومية بحكم طبيعتها البرجوازية، منها قوله : ” إن التوجه البروليتاري لليهود قبل وبعد عام 1905 كان فاشلا ….فقداستطاع اليهودي دائما العودة إلى وضعه السابق كصاحب بقالة ووسيط تجاري …فالطبقة الوسطى  كانت عبر التاريخ أقرب إلى الرأسمالية ، وتلك ليست مسألة اقتصادية فحسب بل تطورت إلى نمط نفسي” (10) . ويقول توبياس إن البوند كان يعتبر الصهيونية  عدوا أيديولوجيا ومفهوما برجوازيا وأداة هدف الرأسماليون اليهود من خلالها إلى تحويل العمال بعيدا عن مصالحهم الطبقية الحقيقية نحو التوجه القومي  (11) .  فالصيغة القومية التي طرحها البوند تختلف عن الصيغة الصهيونية حيث طالب بمنح اليهود شكلا من “الإستقلال الذاتي الثقافي – القومي”، الممثل بلغة الييديش والمدارس الثقافية اليهودية الخاصة . وقد استقى البوند مطلبه هذا من النظرية النمساوية التي طرحها أوتو باور، ودعا فيها إلى تحقيق الإشتراكية على أسس قومية على شكل إستقلال ذاتي ثقافي- قومي دون الحاجة إلى وجود أرض خاصة بكل قومية. غير أن باور كان قد استثنى اليهود من نظريته هذه قائلا إنهم لا يملكون أسسا قومية، ودعا، شأن ماركس، ثم  لينين، إلى ذوبانهم التام في المجتمعات التي يعيشون فيها.
وتشير مقالة نشرها البوند عام 1904 إلى عدائه للصهيونية ومناداته بروسيا وطنا، حيث يتهكم فيها الكاتب على الصهاينة بقوله : ” لو كان أجدادنا قد جاءوا إلى هذه الأرض بالسيوف ، لكانت الارض  ملكا لنا، ولكن بما أن أجدادنا قد جاءوا إليها سكانا مسالمين وقاموا منذ ألف عام بالمساهمة مع السكان الآخرين في بناء وتطوير هذه الأرض وإروائها بالعرق وتغطيتها بعظامهم ، فاليهود الآن ليسوا في وطنهم، إنهم غرباء ….هل يمكن لنا نحن البروليتاريون ان نقبل بهذا المنطق ؟ …كلا إن هذه الأرض التي نحيا فوقها منذ مئات السنين ، والتي تشدنا اليها آلاف الروابط ، هذه هي وطننا، إنها وطننا كما هي وطن البولونيين والليتوانيين وكافة الشعوب التي تقطنها” (12) . وكان موضوع التنافس مع الصهيونية أحد الحجج التي اعتمد عليها البوند في معاركة التنظيمية مع حزب عمال روسيا الديموقراطي – الإشتراكي الذي اعتبر إصرار البوند على تشكيل حزب خاص باليهود بمثابة شق لصفوف الطبقة  العاملة وإضعاف لوحدتها* .
استطاع البوند أن يستقطب الساحة العمالية اليهودية خلال أعوام 1901- 1906 . وجاء في رسالة بعث بها حاييم وايزمن إلى هيرتزل بتاريخ 6/5/1903 قوله : ” هناك إعتقاد عام في أوروبا الغربية أن غالبية الجيل اليهودي الشاب الحالي هم في معسكر الصهيونية، ولكن العكس للأسف هو الصحيح . فغالبية الجيل الشاب معاد للصهيونية ، ليس بسبب الرغبة في الاندماج ، كما هو الحال في أوروبا الغربية وإنما من خلال اعتناقهم لعقيدة ثورية . وليس العمال فقط هم الذين يعتنقون الديموقراطية – الاشتراكية ، بل والعديد من ابناء العائلات الثرية وحتى بعض أبناء العائلات الصهيونية ، إضافة إلى غالبية الطلاب. إنهم يقدمون أنفسهم للتضحية وكأن حمى قد سكنتهم . ولعل أكثر مايحزن النفس ويشقيها هو أن هذه الحركة قد اخذت بابتلاع الطاقة والبطولة اليهودية … إن نظرتهم للصهيونية هي نظرة لامبالاة وكثيرا ما ترقى  إلى مستوى الكراهية العارمة” (13) . وعلى الرغم من هجرة عشرات الآلاف من العمال اليهود من صناعيين وحرفيين مهرة إلى خارج روسيا في تلك الفترة ، فإن التقرير الذي قدمه لينين عام 1906 بعد التوحيد الشكلي الذي تم في ذلك العام ، والذي تمخض عن انضمام البوند بشكل مؤقت الى الحزب الديموقراطي الاشتراكي ، بعنوان ” اتحاد البوند وحزب عمال روسيا الاشتراكي – الديموقراطي” قد أشار بشكل صريح إلى أن عدد أعضاء البوند قد فاق في ذلك العام عدد أعضاء الحزب الديموقراطي الاشتراكي من روس وآخرين ممن لم ينتموا إلى تنظيمات قومية مستقلة . فقد بلغ عدد اعضاء الحزب الموحد وفق ذلك التقرير : 33 ألف يهودي بوندي ، 31 ألف روسي وآخرين ،  26 اأف بولوني ،14 ألف ليتواني (14). غير ان الطبيعة البرجوازية الرثة لأعضاء البوند وما افتقده هؤلاء الأعضاء من تلاحم مصلحي ووعي  طبقي بحكم السمة الحرفية والطلابية السائدة فيه ، ما لبثت أن شكلت أحد العوامل الأساسية في تشتت البوند بعد فشل ثورة 1905 وانتهاء فاعليته على الرغم من استمرار تواجده الشكلي . ويشار إلى أن تقارير
الشرطة القيصرية قد أخذت منذ ذلك الحين تشير إلى  عدم وجود نشاط ملحوظ للبوند  (15) .
ومع قيام السلطة القيصرية عند اندلاع الحرب العالمية الأولى بنقل أعداد ضخمة من اليهود من
________________________________________
* حفلت أدبيات حزب عمال روسيا الديموقراطي – الإشتراكي بمناقشة الوضع التنظيمي للبوند داخل وخارج الحزب المذكور وذلك منذ عام 1903 حين طالب البوند بالاعتراف به ممثلا وحيدا للبروليتاريا اليهودية وبمبدأ الإتحادية بدلا من الوحدة مع الحزب الاشتراكي- الديمواقراطي. وقد ضمت هذه الادبيات سلسلة المقالات التي كتبها لينين ونشرت في صحيفة الحزب المركزية الإيسكرا  وجمعت  فيما بعد ضمن مؤلفات لينين الكاملة. يمكن الرجوع بشأن بعضها إلى “نصوص حول المسالة اليهودية –لينين” منشورات دار الطليعة ، بيروت 1972
المناطق الغربية في الحظيرة إلى وسط روسيا، متهمة إياهم بالتجسس لحساب ألمانيا ، أصبح البوند منتهيا كتنظيم سياسي فاعل، حيث أن عمليات النقل هذه قد شكلت بداية نهاية حظيرة التوطن اليهودية التي كانت بمثابة المبرر الوحيد لوجود البوند .
من جهة ثانية ، فقد وجد التقليد النارودنيكي السابق إمتداده في الحركة الاشتراكية – الديموقراطية حيث انضم العديد من المثقفين من ذوي الخلفية اليهودية إلى صفوف الحزب الاشتراكي الديموقراطي لدى تشكيله عام 1898. ومع انقسام الحزب عام 1903انضم قسم منهم الى الجناح البلشفي الذي تزعمه لينين ، وخاضوا معارك الحزب ضد البوند والمناشفة فيما كان عدد العمال في صفوف الحزب البلشفي ضئيلا .
ورغم الخلافات السياسية والتنظيمية التي نشبت بين البلاشفة والمناشفة ، فإن الجناحين  رفضا فكرة وجود أيه خصوصية للمسالة اليهودية رفضا تاما . وفيما أخذ المناشفة يتعاونون مع البوند على الصعيد السياسي في محاولة لدعم جبهتهم ضد الحزب البلشفي ، فقد التزم البلاشفة التزاما مبدئيا تاما بالتحليل الماركسي للمسألة اليهودية ، وبأن  حل هذه المسألة إنما هوجزء من الحل الشامل الذي سيؤول إلى تحقيق الإشتراكية بقيادة الطبقة العاملة ومن ثمة تمثل وانصهار اليهود في المجتمع الاشتراكي.

 

الفصل الخامس

اليهود والفكرة الصهيونية

على الرغم من المحاولات العديدة التي قامت بها بريطانيا منذ أربعينياات القرن  التاسع عشر لاستقطاب إهتمام يهود روسيا حول فكرة فلسطين، فإن جملة من العوامل الذاتية والموضوعية لم تكن مهيئة في ذلك الوقت المبكر، ولنحو أربعة عقود، لإنجاز أي تقدم ملموس في ذلك الإتجاه .فقد بدأت فكرة فلسطين اليهودية بالاستحواذ على عقول البريطانيين منذ تأزم المسألة الشرقية  تأزما مالبث أن بلغ ذروته باندلاع حرب القرم عام 1853، بين روسيا من جهة وتركيا وبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى ، في وقت دخل فيه التنافس الإستعماري على أراضي الدولة العثمانية مرحلة حاسمة ،  وأصبحت مسألة ضمان طرق المواصلات والأسواق والمواد الأولية أمرا مصيريا بالنسبة لهذه الدول الإستعمارية .
فبينما كانت الأراضي العثمانية خاضعة لسلطة دينية تتحكم فيها الولاءات الدينية التي لم تطلها بعد عدوى الأفكار القومية الأوروبية الحديثة التي انطلقت مع ولادة الثورات البورجوازية في أوروبا الغربية ، فقد كان وضع بريطانيا في تلك المعركة التنافسية أكثر أوضاع هذه الدول حرجا . فقد كان لروسيا في الأراضي العثمانية نحو أحد عشر مليونا من الأوروثوذكس من اتباع الكنيسة الشرقية المؤيدين لها ، كما كان لفرنسا كتلة الكاثوليك ولتركيا كتلة المسلمين . في ذلك الوقت اشتد الحماس البريطاني لتوطين اليهود في فلسطين لكونهم الكتلة الوحيدة المؤهلة لخدمة مصالح بريطانيا، وكان شافتسبري أكبر داعية لهذه الفكرة حيث حاول إيجاد مبرر للتوفيق بين الفكرة الدينية التي تشترط عودة اليهود إلى فلسطين بظهور المسيح المنتظر، والفكرة القومية الحديثة التي أصبحت أكثر إقناعا في عالم أخذ يتجه أكثر فأكثر بعيدا عن الغيبيات ، وذلك بالدعوة إلى أن البشر “يمكن ان يكونوا أداة لتحقيق أغراض الرب ” (1) . حفلت الأدبيات الصادرة عن الساسة والكتاب البريطانيين منذ ذلك الحين في التأكيد على “الأمة اليهودية” . ويقول المؤرخ اليهودي ، سوكولوف : “كان المسيحيون البريطانيون هم الذين علموا اليهود مبادئ القومية …فالصهيونية قد ارتبطت على الدوام بانجلترا وكانت فكرةا لقومية اليهودية تروق كثيرا للبريطانيين (2).
وكأول خطوة عملية ضمن معركة التنافس الإستعماري على فلسطين بصفتها مركزا دينيا لمختلف الأقليات ، ومفتاح المسالة الشرقية ، فقد بادرت بريطانيا عام 1850 الى منح رعويتها لليهود الروس المتدينين المقيمين في بعض مدن فلسطين الدينية كالقدس وصفد وطبريا كمحاولة لتنبيه روسيا بأنها على استعداد لاستخدام يهود روسيا ضدها إذا حاولت المطالبة بامتيازات في الأراضي العثمانية من خلال الروم الأورثوذكس . وكانت حرب القرم التي اندلعت بعد قيام روسيا بالمطالبة بحماية مصانع الروم الأورثوذكس في الأراضي العثمانية ، بداية حرب (صليبية ) محورها فلسطين وعناصر رهانها الروم الأورثوذكس واليهود .
نشطت بريطانيا بعد انتهاء حرب القرم بهزيمة روسيا في تأسيس المشاريع الأنغلو –يهودية في فلسطين ، وكان يهود حظيرة التوطن وما تراكم بين أيديهم من أموال خلال العقد الأول من القرن التاسع عشر، محط أنظار بريطانيا. كما لم تكن تلك الخطوة السريعة التي خطاها إمبراطور روسيا أليكساندر الثاني بدعوته للأموال اليهودية للعمل داخل الأراضي الروسية التي طالما بقيت محظورة عليهم ، غير محاولة روسية لقطع الطريق على محاولات بريطانيا في اجتذاب يهود روسيا نحو فلسطين .
كان الداخل الروسي في ذلك الحين أكثر إغراء ليهود الحظيرة من فلسطين. فقد كان هؤلاء اليهود شديدي التدين من ناحية ، حيث لم تكن فلسطين بالنسبة لهم غير رمز لفكرة دينية منفلتة ، كما كانوا عمليين وواقعيين جد ا من ناحية أخرى، ولم تفد نداءات بريطانيا ولا الحاخاميين المقيمين في فلسطين* في استنفار أحد منهم ، بل ليس هناك مايشير إلى أن أحدا قد حاول السفر إلى فلسطين في ذلك الوقت لمجرد اكتشافها بينما كان الرحالة والجوالون الاوروبيون والامريكيون يتدفقون على فلسطين ويكتبون عنها منذ القرن السابع عشر** .
كانت أوضاع اليهود الإقتصادية خلال العقدين اللذين تليا حرب القرم مازالت تنبئ باستمرار الإزدهار . ولم يكن لتلك المحاولات الأولى التي بدأها سمولنسكين وعدد من المثقفين اليهود الذين قرأوا أدب التنوير والفكرالقومي الأوروبي الإستعماري الذي أصبح سمة أوروبا في عهد مابعد الثورات البورجوازية الوطنية ، أي صدى بين صفوف اليهود . فعلى الرغم من قيام هؤلاء بإصدار صحيفة ( هاميليز) في أوديسا عام 1860 كأول صحيفة ناطقة باللغة العبرية ضمن محاولة تحشيد الفكر القومي من خلال توفير عامل اللغة القومية ، ونشر أولى المناقشات القومية على صفحاتها ، فقد اضطر سمولنسكين عام 1867 إلى الهجرة إلى فيينا خوفا من رجال الدين الذين اتهموه بالهرطقة. ومن هناك أخذ يصدر صحيفة  الفجر كصحيفة مختصة بنشر الفكر القومي بين اليهود ، ويهربها إلى روسيا عبر الحدود إلى الشباب المتعطشين للافكار الجديدة (5) . كانت صحيفة  الفجر  خلال الستينات والسبعينات أشبه ببذرة في أرض جافة .فقد عارضها جميع أطراف وشرائح الساحة اليهودية. فالطلاب الشباب كانوا قد اتجهوا نحو روسيا بكل ماتزخر به من ثقافة وعلم ومجالات عمل وأصبحت لغة بوكشين وتورجينيف قبلة الطلاب المتعطشين للانفلات من ربقة ذلك البؤس الثقافي والروحي الذي فرضته عليهم حظيرة التوطن . أما الشيوخ المتدينون فقد وجدوا في سمولنسكين ودعوته القومية خطرا يهددهم بفقدان امتيازاتهم . هاهو سمولنسكين يقول : ” نحن أمه قبل الدين وبعده ، إذا ما أوجدنا بيننا العاطفة القومية أساس لوجودنا ، فسوف لن يبقى هناك من مبرر للتناحر بشان قوانين وعادات الدين السخيفة … والمنافقون سوف لايجرؤون على استثناء أي فرد من شعبنا بحجة أنه لايلتزم بالدين …إن كل يهودي بغض النظر عن كل إساءاته للدين ، انما ينتمي لهذا الشعب طالما أنه لايخونه ، ذلك هو المبدأ الذي يتحتم علينا أن نقيمه الآن . هناك العديد الذين  لايتمسكون

______________________________________________________

** مثل الرابي يهودا ألكالاي، والحاخام شنيرسون الذي بعث برسالة عام 1866 من فلسطين يحث اليهود  على شراء الأراضي فيها ويقول: ” إن هذا الوقت هو أنسب الأوقات، فقد قام رؤساء ثمانين عائلة من السفارديم والاشكنازيم بشراء حقول على طريق يافا ومن يدرى كم هو قريب الوقت الذي ستصبح فيه هذه الأراضي تساوي ضعف أثمانها ” (3) .
** في عام1610 زار الشاعر الأميريكي جورج سانديز فلسطين وكتب قائلا: ” إنها أرض تفيض لبنا وعسلا وعامرة بالسكان، ذات ينابيع عذبة وأرض في غاية الخصوبة، مليئة بالفاكهة والزيتون والعنب”. وفي عام 1697، وصفها هنري ماندريل بأنها ” ذات سهول خصبة وواسعة، جميعها مزروعة بالقمح والعنب وأشجار الزيتون”. وتتابع تدفق الرحالة خلال القرن اتاسع عشر، الذين وصفوها بصفات مماثلة، ومنهم الكاتب الأميريكي مارك توين الذي قال عنها إنها ” بقعة كلها خضرة” (4).
بالدين …هل يتحتم علينا أن نعتبرهم خارجين علينا ؟ وكم هو عدد اليهود الذين سيبقون فيما لو استثنينا هؤلا ء ؟ إن اتجاه العصر ينذر بتزايد عدد الذين لايتمسكون ولايؤمنون بالدين ، هذا هو مايحدث أمام عيوننا وهذا يعني أننا لو أخذنا بمنطق المتدينين، فإن إسم إسرائيل وذكراه سوف يختفي من الأذهان خلال فترة قصيرة” (6) .
يصف شماريا ليفن في مذكراته ( طفولة في المنفى ) ردود فعل المتدنيين من اليهود والذين كانوا خلال الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات ، يشكلون غالبية المجتمع اليهودي الروسي ، بقوله :” كانت الدوائر الأورثوذكسية ترى في حملة هذه الأفكار روحا خطرة تعمل على إفساد الشباب اليهودي ، كما كانت المدارس التلمودية تمنع صحيفة ( الفجر) من الدخول إليها ، وكان الويل لمن يعثر في حوزته على هذه الصحيفة حيث يتم طرده حالا من المدرسة، وكان المتقدمون في السن من المتدينين اليهود يرتجفون لدى سماع إسم  سمو لنسكين )(7).
بقيت أفكار سمولنسكين وغيره خلال تلك الفترة الممتدة حتى أواخر السبعينيات مجرد أفكار قومية خالصة تنادي بقومية الأمة فوق الإقليمية في عهد ينذر باشتداد ساعد البرجوازية وتحول الرأسمالية إلى عصر الإمبريالية ، حيث يستطيع اليهود أن يكونوا مواطنين صالحين في أوطانهم التي يقيمون فيها ويتعاضدون كأمة على النطاق العالمي. هاهو سمولنسكين يقول في مقالته ( حان وقت الذرع ) التي نشرها في  عام 1875: ” في الواقع العملي إن كل يهودي هو مواطن في البلاد التي يسكنها وواجبه أن يكون مواطنا صالحا …نحن أمة بالمعنى الروحي ، أما في المجال الحياتي العملي ، فنحن مثل كل الناس” (8).
وعلى الرغم من أن أوائل الثمانينات قد شكلت منعطفا في التطور الكمي والنوعي للفكر القومي، حيث أدت قرارات التقييد وأعمال العنف وتزايد تردي الأوضاع الإقتصادية للطبقة اليهودية الوسطى
إلى انحياز العديد من المثقفين الليبراليين إلى المعسكر القومي والتخلي عن النظرة القومية مافوق الاقليمية ، التي روج لها سمولنسكين في العقود السابقة، وبداية التوجه نحو الحل الاقليمي للمشكلة اليهودية ، فإن هذا الفكر الذي ظهر منذ ذلك الحين على شكل فيض من الكتابات والنشاطات المختلفة ،  بقي غائما غير واضح المعالم ولم تكن له أية سمة صهيونية محددة ، حيث بقيت فكرة فلسطين بعيدة عن أذهان قادة ذلك التيار وأتباعه . وقد برز ذلك واضحا على الصعيد العام سواء في كتابات بنسكر أو في نشاطات جمعيات أحباء صهيون أو جماعة البيلو.
فقد شكل كراس  ليوبنسكر (التحرر الذاتي ) الذي صدر عام 1882 نموذجا صارخا للعقلية الليبرالية البراغماتية التي هي نتاج ثقافة العصر العلماني الأوروبي ، والتي قولبت غالبية المثقفين اليهود من أبناء البرجوازية المتوسطة الذين كانوا يراوحون بين الإندماج والخصوصية القومية في ضوء تطور الأحداث والظروف .
كان بنسكر والآخرون الذين نادوا بالقومية اليهودية في تلك الفترة متمردين على الدين اليهودي، متأثرين بعلمانية الهسكلاه من جهة وبعلمانية الفكر القومي الأوروبي من جهة أخرى ، ولذلك فقد نظروا إلى فكرة فلسطين نظرة استخفاف ولامبالاة . كان الدافع الأساسي لتبنيهم الفكر القومي هو التخلص من المشكلة اليهودية التي باتت تهدد مصالحهم.  يقول بنسكر في كراس التحرر الذاتي، الذي قاله عنه هيرتزل حين قرأه بعد خمسة عشر عاما، بأنه لو كان  قرأه في حينه لما اضطر إلى كتابة (الدولة اليهودية ) ، بأن المشكلة اليهودية ماكانت لتنشأ لو قامت السلطات الروسية بتوزيع اليهود في أرجاء الإمبراطورية والسماح لهم بحرية التنقل . أما وأن هذه المشكلة قد نشأت بفعل قوانين التقييد التي فرضتها السلطات القيصرية ، فهو يقول : “يجب أن لا يكون هدف جهادنا الأرض المقدسة، وإنما مجرد أية ارض نملكها ..نحن لسنا بحاجة إلى أكثر من أرض يقيم فيها إخواننا ….يجب علينا أن نرسل اليهود غير المندمجين والفائضين إلى هذه الدولة ، ويجب أن تكون هذه الأرض التي نحن بصدد شرائها ذات مركز جيد ، وخصبة ومساحتها كافية لإسكان عدة ملايين …قد تكون هذه الأرض في الولايات المتحدة الأميركية أو أية ولاية كتلك التي يقيم عليها باشوات آسية التركية ، يعترف بها الباب العالي والقوى الأخرى كبلد محايد”.  وكما لم يشترط بنسكر أن تكون فلسطين مكان هذه الدولة ، فهو لم يفترض أن تكون هذه الدولة وطنا لكافة اليهود . فهو يريد أن يرسل إليها غير المندمجين ، حيث يقول :” من الأفضل لليهود الفرنسيين الذين يكونون نسبة قليلة من السكان ألايهاجروا …غير أن هناك بلدانا بلغ بها اليهود درجة الإشباع ، واذا ما زاد عددهم تعرضوا للاضطهاد كما هو الحال في روسيا ومراكش وأمكنة اخرى ، إن هذه الزيادة التي هي عبء على نفسها وعلى الغير، هي التي تعرض الشعب كله للخطر …لقد حان الوقت لإيجاد مأوى لهذا الفائض ” (9) .
كان بنسكر قبل صدور قوانين التقييد أحد أكثر اليهود إندماجا في المجتمع الروسي . فقد تخرج طبيبا من جامعة موسكو وعين في أحد مستشفيات أوديسا ونال ميدالية شرف من القيصر لإسهامه في القضاء على أحد الأوبئة وكان يعيش عيشة مترفة بعيدا عن حظيرة التوطن اليهودية. غير أن قوانين الثمانينات مالبثت أن طالته حين بادرت السلطة القيصرية إلى مصادرة الأراضي المؤجرة لعائلته منذ الستينات (10) ، حيث انقلب إلى داعية للقومية اليهودية . وقد لمع إسمه بعد صدور كراسة ( التحرر الذاتي ) بين صفوف اليهود القوميين وتم تنصيبه عام 1884 رئيسا للمؤتمر العام الأول الذي عقدته جمعيات  أحباء صهيون – مؤتمر كاتوفيتز-  مما يرجح أن هذه الجمعيات كانت منسجمة تمام الإنسجام مع أفكار بنسكر على الرغم من الإسم الصهيوني الذي اتخذته لها. ويؤكد حاييم وايزمان ذلك بأن إسم (حب صهيون ) الذي اتخذته هذه الجمعيات لم يكن يتعدى الرؤية الغائمة ، وبأنها كانت تضم أناسا من ذوي آراء واتجاهات مختلفة (11). ولعله من الأرجح أن هؤلاء الذين قاموا بتشكيل هذه الجمعيات منذ أواخر الستينات، قد استهوتهم الدعوات البريطانية القومية ومايثيره إسم فلسطين من عواطف تقليدية مستمدة في أصولها من الخلفية الدينية ، حيث مالبث الإسم أن تحول إلى رمز قومي لمختلف الفئات التي انضمت إلى هذه الجمعيات ، وبخاصة أن هذه النزعة القومية كانت منذ الستينات قد اشتدت وانتشرت بين صفوف مختلف برجوازيات الإمبراطورية من روس وبولونيين وأرمن وغيرهم ، وبلغ الصدام أوجه بين القوميين السلافيين والآخرين . ويقول ألان تيلر بأن من المؤكد أن حركة  أحباء صهيون  التي كان أعضاؤها في غالبيتهم من العلمانيين الذين تثقفوا على أدب الهسكلاه والفكر القومي ، لم تكن لديها أيه معرفة بفلسطين كما لم يكن لها أي التزام بالتقليد التاريخي الفلسطيني (12) .
ويشار بأن أحدا من أعضاء جمعيات احباء صهيون  لم يتوجه إلى فلسطين خلال السبعينات . وفي عام 1882 قامت مجموعة من طلاب جامعة خاركوف بأول مغامرة باتجاه فلسطين . عرف هؤلاء الشباب باسم “البيلو” ويذكر بأنهم كانوا من أبناء العائلات الثرية وعلمانيين متاثرين بالفكرالاشتراكي (13). ويبدوا أنهم أرادوا تطبيق هذه الافكار بإقامة مستعمرات زراعية جماعية في فلسطين في ضوء التشجيع والوعود التي قطعها لورانس أوليفانت،  حيث تشير وثائقهم أنه قد اتصل بهم حين زار روسيا عام 1881 لحث اليهود على الهجرة إلى فلسطين (14). فقد كان أوليفانت صحفيا وسياسيا بريطانيا اختص بشؤون الهند وأصبح عضوا في البرلمان البريطاني، وكان صديقا حميما للورد شافتسبري الذي كلفه في عام 1879 بالسفر إلى فلسطين ودراسة مشروع استعمارها  بواسطة اليهود  وبذلك كان أول بريطاني ينشط في هذا المجال. ويشار أيضا إلى أن هؤلاء الشباب طافوا على التجمعات اليهودية لاستقطاب آخرين ، غير أنهم جوبهوا بالرفض ولم ينضم إليهم سوى بعض الشباب بحيث أصبح عددهم الكلي خمسة وعشرين شابا لم يصل منهم إلى فلسطين سوى أربعة عشر ، وبأن معظم هؤلاء مالبثوا  أن عادوا  إلى روسيا بينما بقي  منهم في فلسطين سبعة فقط،  فقاموا بانشاء مستوطنة جديرا ( قطرة) جنوب يافا (15) .
لم تكن تجربة البيلو غير صورة لحقيقة الموقف العام الرافض لفكرة فلسطين الذي ساد بين يهود روسيا في وقت كانت فيه الهجرة اليهودية قد اخذت بالتدفق نحو أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
 تجسد ذلك الرفض على الصعيد الفكري في شخص أشرغينزبرغ –آحادها عام –الذي اشتهر بتزعمه لتيار القومية اليهودية الروحية . تلخص فكر آحادها عام  بأن الدين اليهودي “دين قومي وهو يشكل روح الأمة “، وبأن التراث الديني هو السبب في استمرار الأمة اليهودية، لذلك فإن بقاء الأمة اليهودية لايرتبط بإقامة دولة سياسية سواء في فلسطين أو في أي مكان آخر ، وإنما بالحفاظ على التراث الديني اليهودي من خلال إقامة مراكز دراسية –دينية في الأماكن التي يقيم فيها اليهود .
عارض آحادهاعام فكرة فلسطين معارضة شديدة، وشكل في عام 1889جمعية أبناء موسى –بناى موشيه – التي استقطبت العديد من أعضاء جمعيات أحباء صهيون . وقد جاء في مقالته ( ليست هذه هي الطريق ) التي نشرها عام 1889: ” إن فلسطين لاتصلح لإقامة مثل هذه الدولة، فهي من ناحية تشكل مركزا لعدة أديان ، كما إن موقعها الجغرافي يحول دون قيام دولة طبيعية صغيرة حيث أنها ستصبح كرة قدم في لعبة المصالح الدولية” (16)،  وكان آحادهاعام من أوائل اليهود الروس الذين فكروا بزيارة فلسطين عام 1891 ، حيث عاد ليقول في مقالة بعنوان ( الحقيقة من فلسطين ) : إن فلسطين ليست صغيرة فحسب بحيث أنها لايمكن أن تستوعب كل يهود العالم، بل هي آهلة بالسكان، ومعظم أراضيها مزروعة باستثناء بعض التلال والأراضي الرملية… وأن الصهيونيين يقومون بمعاملة العرب بالكراهية والقسوة ويجردونهم من حقوقهم ويسيئون إليهم بدون سبب . واستطرد قائلا : ” إذا كان هناك من يعتقد بأن العرب متوحشون ويعيشون عيشة البهائم ولايدركون مايجري حولهم فهو في غاية الخطأ” (17).
أما على الصعيد العملي ، فعلى الرغم من أن أواسط الثمانينات قد بدأت في استقطاب عدد من الدعاة الذين مالبثوا أن أصبحوا أعمدة أساسيين في البنيان الصهيوني مثل أوسشكين وموهيليفر وجابوتنسكي وغيرهم ، فإن تلك السنوات التي امتدت حتى عام 1903 لم تشهد أي توجه فعلي نحو فلسطين حتى بين الشباب الذين اعتنقوا الفكرة الصهيونية ، يقول باردان : ” رغم أن بعض الشباب اليهود قد تأثروا بالحركات القومية المنتشرة في الأراضي الروسية كحركات البولونيين والتشيكيين وغيرهم ، فهم فشلوا في إدراك أن عليهم التوطن في فلسطين (18).
ولم تقم بين الجمعيات  الصهيونية التي انبثقت في تلك الفترة ، أية جمعية تدعو دعوة جادة للهجرة
إلى فلسطين والقيام بالعمل الفعلي فيها . وكانوا يعملون من أجل الهدف القومي في فلسطين إلا انهم فشلوا في تمثل فكرة فلسطين أوربط مصائرهم بها . وقد اضطر أوسشكين الذي تزعم الدعوة للهجرة
والعمل في فلسطين، إلى المطالبة عام 1902 بتشكيل نقابة “تفرض على أعضائها القيام بالخدمة
الإجبارية في فلسطين لمدة ثلاث سنوات يحق لهم بعدها أن يعودوا إلى روسيا ) (19)
وفيما تكاثرت الإجتهادات في الساحة اليهودية حول حل المشكلة اليهودية مع تزايد التحول الطبقي بين صفوف اليهود وتزايد الهجرة إلى الغرب، أخذت الفكرة الصهيونية باكتساب الانصار . كان ذلك لأسباب واقعية محضة فرضتها ظروف أوروبا الغربية وما جوبهت به عملية الهجرة اليهودية إليها من معارضة ومحاربة مالبثت أن تبلورت على شكل قوانين تمنع اليهود من دخول البلدان الاوروبية. ويشار الى أن مؤتمرا  تم عقده في مدينة ليمبرغ في أواسط الثمانينات حضره عدد من كبار الرأسماليين اليهود الأوروبيين الغربيين، لتدارس مشكلة الهجرة اليهودية نحو أوروبا الغربية التي أخذت تهدد بخلق تيار عام معاد لليهود. وكان الرابي صموئيل موهيليفر أحد الذبن حضروا ذلك المؤتمر كممثل لجمعيات ( احباء صهيون ) حيث اقترح على المؤتمر دراسة فكرة فلسطين (20) .
كان موهيليفر أول رجل دين يتبنى الفكرة الصهيونية في روسيا ، فقد بدأ حياته تاجر خيوط كتان ، غير أنه مالبث أن انقلب فجأة إلى رجل دين بعد تدهور تجارته في أوائل الثمانينات، وأخذ يدعو، ضمن محاولته لتحفيز الجماهير اليهودية المتدينة للهجرة إلى فلسطين بدلا من أوروبا الغربية، إلى ضرورة ترابط الدين والقومية . فقد وجد موهيليفر، شأنه في ذلك شأن هيرتزل فيمابعد ، حيث أصبح أقرب المقربين إليه ، أن الأطروحة القومية عاجزة عن استقطاب الجماهير اليهودية ، وأن فكرة فلسطين ( كأرض الميعاد ) ستحفزهم إلى الهجرة إليها حيث ستتراجع مقولة المسيح المنتظر في أذهانهم أمام ضغط الظروف الاقتصادية .بدأ موهيليفر بشن هجوم على رجال الدين المعارضين لفكرة فلسطين، وجاء في رسالة وجهها إلى المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897 :” ظهر في الآونة الأخيرة عدد من الحاخامين الذين بلغ بهم الحد إلى القول بأن ظهور المسيح لن يعيد شعب إسرائيل إلى أرض آبائه ويضع حد لتشتته الطويل وآلامة العديدة ، وانما سوف يؤدي إلى إقامة مملكة الرب لجميع البشرية بينما تستمر إسرائيل في تشتتها وتكون بمثابة الضوء للمسيحيين ….كذلك يقول بعضهم بأن القومية هي نقيض إيماننا بظهور المسيح ….يتحتم علي أن أعلن هنا أن مثل هذا الكلام غير صحيح ….لقد كان أملنا وإيماننا أبدا وما زال بأن المسيح سوف يظهر ليجمع شعب إسرائيل المشتت وسنقيم في أرضنا كأمة .. ذلك هو أملنا وإيماننا المستمد من كلمات أنبيائنا وحكمائنا” . غير أن موهيليفر لم يقل كيف يمكن للشعب أن ( يعود) قبل ظهورالمسيح.  ولعله كان يفكر بهرتزل في ذلك الحين . وكان القوميون العلمانيون قد طرحوا خلال تلك الفترة شعارات لم ترق لموهيليفر مثل “المسيح هو روح الأمة، والأمة هي النبي،  والإنسان هو المخلص،  وإسرائيل قبل التوراة” . وكان رجال الدين الاخرون مازالوا حتى بعد مؤتمر بازل ، يشنون الهجمات ضد الصهاينة . فقد كتب الرابي جوزيف حاييم سوننفيلد عام 1898، رسالة جاء فيها: ” ما الذي يمكنني قوله عن هؤلاء الصهاينة ؟ إن التذمر يسود حتى بين أوساط اليهود المقيمين في الأرض المقدسة لأن هؤلاء الرجال الأشرار الذين ينكرون وحدة الرب العالمية وتوراته المقدسة قد أعلنوا بضجة دعائية كبيرة بأن في مقدرتهم تسريع عملية بعث شعب إسرائيل وجمعه من كل أرجاء العالم .كمايقولون بأن الفارق بين شعب إسرائيل والأمم الأخرى إنما يكمن في القومية والدم والعنصر، وبأن الدين والإيمان شيئان سطحيان . ان الدكتور هيرتزل لايأتي من الرب وانما يأتي من جانب الدنس ) (21).
وكان موهيليفر قد انتقل بعد ليمبرغ من روسيا إلى بولونيا حيث قام هناك بتأسيس (مركز روحي  كجزء من جمعيات  أحباء صهيون، وإنما بطابع ديني . وقد أطلق عليه  إسم المزاراحي . كما تطور هذا المركز إلى حزب بعد موت موهيليفر، وأصبح له عام 1903 نحو 210 مركزا في روسيا، وبلغ عدد أعضائه نحو 10-11الفا (22).  كان المزراحي شأن زعيمة موهيليفر ، علمانيا وبراغماتيا تحت غطاء ديني ، هرتزليا خالصا . وتتأكد هذه الحقيقة لدى العلم بأن الحزب المذكور قد أيد عام 1903 مشروع أوغندة وكانت أصواته بين 259 صوتا صوتوا إلى جانب المشروع ، بينما صوت الصهاينة العلمانيون الذين رفضوا الغطاء الديني ضد المشروع (175) صوتا وامتنع مئة عضو عن التصويت (23) .
وكان الصهاينة العلمانيون المكشوفون قد وقفوا ضد المزراحي ونشبت بينهم العديد من المشادات حيث كات العلمانيون يغتقدون بأن مزج الصهيونية بالدين من شأنه أن يفقد الحركة تأييد أوروبا الغربية العلمانية وتأييد الجيل اليهودي الشاب غير المتدين او الملحد. وقد جاء في رسالة وجهها حاييم وايزمن إلى هيرتزل عام 1903 بان اعتماد الحركة المستمر على المزاراحي سيسئ إلى الحركة كما سيؤدي إلى خسارة الشباب اليهود في أوروبا الشرقية ويدفعهم إلى صفوف الثوريين (24) .
كان من بين الشخصيات التي تبنت الحل العملي لمشكلة الهجرة اليهودية في ذلك الحين،  فلاديمير جابوتنسكي، الذي انشق عام 1925عن المنظمة الصهيونية وشكل عام 1935 المنظمةالصهيونية الجديدة، متهما المنظمة ( الام ) بالاعتدال. كان جابوتنسكي علمانيا، وقد وصفه حاييم وايزمن بأنه كان ” لايهوديا في أخلاقه وسلوكه وتصرفاته ” (25). كمايقول عنه ألان تيلر بأنه قد اشترك مع هيرتزل في نظرته اللامبالية بفلسطين ،بل وايد مشروع العريش، ولم يكن يحمل أي احترام للثقافة اليهودية (26) . وكان جابوتنسكي أحد الزعماء الصهاينة الذين حلموا بتطوير حل مشكلة الهجرة اليهودية إلى مشروع إستعماري – إمبريالي ، حيث كان أحد الاشخاص الذين اتصل بهم لورانس أوليفانت عام 1881.
ولعل حاييم وايزمن كان أحد الاشخاص القلائل الذين سعوا الى التوفيق بين جملة الأفكار التي ظهرت بين صفوف اليهود القوميين الروس مثل أفكار آحادهاعام  وبنسكر، وحمل لواء الفكرة الفلسطينية بعد أن مزجها بالهرتزلية والأفكار الإستعمارية البريطانية حيث عمد إلى الباس فكرته الإستعمارية ثوبا تاريخيا ثقافيا .
غير أنه وعلى الرغم من الدور الكبير الذي لعبه وايزمن خلال العقد  الثاني من القرن الحالي ضمن نطاق الصهيونية السياسية على الصعيد العالمي، مستغلا ظروف الحرب العالمية الأولى ، فإن عملية الإنتقال بالصهيونية من فكرة إلى حركة قد تمت على يد القوميين – الاشتراكيين الذين بدأ ظهورهم بالانتشار في روسيا منذ أوائل القرن الحالي . فقد جاء في رسالة كتبها مناحيم أوسشكين عام 1903: ” إن عملنا حتى الآن لم يكسب لنا أي مؤيد جديد . إن الظروف التي نعمل فيها في روسيا  لاتسمح بأية إمكانية لخلق قوة صهيونية ….إن كافة جهودنا تتسم بعدم الإستمرارية وكل شيئ إنما نبنيه على فوهة بركان” ( 27) .

 

فمنذ أوائل التسعينات ، ومع الإنتشار الواسع للفكر الإشتراكي في روسيا، أخذت تظهر في الساحة اليهودية ، الى جانب البوند ، جمعيات عالمية تدعي أنها تشكل مزيجا من الديموقراطية الإشتراكية والقومية . وقد تلخصت النظرية العامة لهؤلاء في أنه بما أن تطور الرأسمالية أخذ في ترجيح كفة البروليتاريا على حساب البورجوازية الصغيرة ، والذي من شأنه أن يؤدي إلى الإشتراكية بالأسلوب الثوري الكلاسيكي، فإنه من المستحيل للبورجوازية اليهودية المطرودة من مواقعها الطبقية أن تتحول إلى بروليتاريا بسبب منافسة العمال غير اليهود لها وبسبب الإضطهاد القومي، لذلك فإن  المصير المؤكد للجماهير اليهودية هو الطرد من مواقعها الطبقية أو الهجرة . وبما أن الهجرة إلى بلدان أخرى هي حل مؤقت ،حيث يمكن أن تتكرر أسبابها في أي مجتمع آخر ، لذلك فإن الحل الأكثر صوابا هو الحل الإقليمي (28).
.
كان بعض هؤلاء يقول بأن فلسطين هي الإقليم،  بينما كان آخرون أقل تحمسا للفكرة الفلسطينية . ومع انعقاد المؤتمر الصهيوني السادس عام  1903 وطرح مشروع أوغنده، انقسم هؤلاء بين مؤيد لمشروع أوغندة ومتمسك بفكرة فلسطين دون إعطاء تفسير لذلك . وقد تشكل بعد المؤتمر الصهيوني السادس جزب سمي ( الحزب الصهيوني الاشتراكي ) . ويقول ابراهام دوكر ان اتباع هذا الحزب قد تعمدوا في اختيار هذه التسمية لإرضاء الصهيونيين العموميين بعدم الانتساب للديموقراطية ، وإرضاء الثوريين بالانتساب إلى الاشتراكية. ويبدومن المرجح أيضا أن تطعيم الصهيونية بالإشتراكية لم يكن غيروسيلة لكسب الجيل اليهودي الشاب الذي رفض الافكار الصهيونية العامة والثقافة اليهودية.
غير أن عدة انشقاقات مالبثت أن حدثت داخل الحزب ، ثم مالبثت أن اشتدت قوته بعد عام 1906 حين عقد مؤتمره العام باسم حزب عمال صهيون ( بوعيل زيون ) ، بزعامة بير بوروخوف الذي كان قد أصدر عام 1905 دراستين بعنوان ( منبرنا ) و ( والقومية والصراع الطبقي ) حاول فيهماأن يفبرك نظرية موازية للنظريةالماركسية حيث استبدل المفهوم الماركسي القائل بأن الصراعات الإجتماعية تحدث نتيجة تطور قوى الإنتاج واصطدامها بعلاقات الانتاج، بمقولة جديدة هي تصادم قوى الانتاج بظروف الانتاج  وقد حدد ظروف الإنتاج هذه بالعوامل الجغرافية والوراثية والتاريخية ، مؤكدا بذلك على أنه لابد للبروليتاريا اليهودية من وطن قومي إذا ماأريد لها أن تتطور،  لكي تستطيع فيه شن نضالها ضد البورجوازية . ولعل أهم مافي نظرية بوروخوف هذه ، هو تأكيده على كون فلسطين هي الحل الحتمي للمشكلة اليهودية . فقدأنكر بوروخوف أن يكون تأكيده على الحل الفلسطيني نابعا من مصادر عاطفية دينية أو حتى رابطة تاريخية، مؤكدا على رفضه لكليهما وقائلا بأن اختياره لفلسطين هو أن فلسطين هي أنسب مكان لإقامة الوطن القومي اليهودي فيها: ” لأنها أرض نصف زراعية قليلة السكان وملائمة لهجرة البورجوازية الصغيرة  برأسماله برأسم لها الصغير، حيث لاتوجد منافسة قومية بين الرأسمالي والعامل ” ، فهناك في الوطن القومي سيتاجل الصراع الطبقي بين القوى العاملة والبورجوازية اليهودية إلى أن يتم بناء الوطن القومي، فتقوم البروليتاريا اليهودية ” بتحرير البورجوازية من رأسمالها) (29) . يقول بوروخوف في ( منبرنا): ” إن هجرة اليهود إلى فلسطين سوف تختلف كثيرا عن غيرها من الهجرات السابقة حين كان اليهود يضطرون لتكييف أنفسهم وفق حاجات السكان المحليين ، لقد كانت وظيفتهم الرئيسية هي توفير الخدمات الإستهلاكية.  أما المهاجرون إلى فلسطين فإنهم ولأول مرة سوف لايعملون فقط لتوفيرحاجات السكان المحليين ، بل سيوفرون المنتوجات للسوق الخارجيةالمتمثلة ببلدان البحرالمتوسط المجاورة ، وربمابعد ذلك للسوق العالمية ….لقد قام  الاقتصاد اليهودي حتى الان على مدى فائدة اليهود للقومية للمسيطرة حيث تحدد ذلك بطبيعة حاجة السكان المحليين وقدرتهم على الدفع والمنافسة بين التجار اليهود وغيراليهود ، وقد أدى ذلك إلى تضييق مجال الإقتصاد اليهودي في الغربة ،إضافة لذلك فقد أخذ اليهود في الآونة الأخيرة يتعرضون للطرد والشرذمة سواء كان ذلك في البلدان التي يقيمون فيها أم التي هاجروا اليها ..ان الحال سيتغير بهجرة اليهود إلى فلسطين .  فازدهار الوظائف اليهودية سوف لايعتمد على السكان المحليين وإنما على السوق الخارجية التي ستبقى لمدة طويلة قادرة على امتصاص منتوجات فلسطين ، وسوف لايجابه الإنتاج اليهودي أيه منافسة لامن قبل السكان المحليين ولا من قبل المهاجرين الجدد . ففي فلسطين سيمارس اليهود مهام الانتقال من مرحلة إنتاج البضائع الإستهلاكية إلى مرحلة إنتاج وسائل الإنتاج، ويضرب بوروخوف مثلا بمصر حيث يقول :” إن عدد  اليهود الذين سيهاجرون إلى فلسطين سيعتمد على  درجة التطور الرأسمالي في البلدان المجاورة …فاذا ماأصبحت مصر مثلا ذات صادرات متزايدة ، فان استيرادات مصر ستزداد كذلك ،وبما أن اليهود في فلسطين لهم مصلحةكبيرة بالسوق الخارجية المجاورة ، فإن ذلك سيؤدي إلى تطوير المشاريع الرأسمالية  على نطاق واسع …ان نسبة الهجرة إلى فلسطين سوف تتأثر بالسوق العالمية بقدر مايتعلق ذلك بالجزء الجنوبي من البحر المتوسط ) ….ويستطرد بورخوف قائلا : ( إن تركيزنا على فلسطين ليس بالمسالة المبدأية ، لأن هذا التركيز ليس له علاقة بالتقاليد القديمة ، كما إنه ليس بالمسألة العملية الصرفة ، لأننا لانعترف بوجود أقاليم ملائمة للإختيار ، إن تفكير الصهيونيين العمليين ينطلق ممايلي :
هناك حاجة لاقليم ما ، فلسطين  إقليم ممكن ، انها أكثر الأقاليم ملائمة في الظروف الحالية،  لذلك سنذهب إلى فلسطين . أما نحن فنقول مايلي : الهجرة عملية مستمرة في الحياة اليهودية ، فلسطين هي أرض المستقبل لموجات الهجرة التلقائية هذه ، لذلك نصر على الإستقلال الذاتي في فلسطين …إننا لاندعي بأن فلسطين هي المكان الوحيد والأفضل،  لكننا نقول بأن فلسطين هي الأرض التي سيتحقق فيها استقلالنا الوطني .
إن فلسطيننا ليست قضية نظرية أو عملية،  إنها قضية استنتاجية” . اما كيف سيتم تحقيق هذا الهدف فيقول بوروخوف : “ستقف تركيا إلى جانب البوجوازية بينما ستتدخل الدول الأوروبية لتحرير فلسطين من الطغيان التركي ، وبذلك تكون البروليتاريا قد حققت هدفهاالقومي ” (30) .

 

هكذا ضاعت االنظرية الإشتراكية في قلب الصهيونية الإستعمارية البوروخوفية التي تأث بها وتتلمذ عليها جيل من الصهاينة الذين أقاموا أسس الدولة اليهودية في فلسطين منذ أوائل القرن العشرين . يقول أبراهام دوكر عن بوروخوف : “كان بوروخوف من الناحية المنطقية ماديا ماركسيا ، ومن الناحية العاطفية صهيونيا ….وكان عليه أن يفبرك نظرية يستطيع بها أن يستقطب الشباب اليهودي المثقف الذي أخذ بالاتجاه نحو المادية الجدلية (31) . وبالفعل، تخلى بوروخوف قبيل موته عن الإشتراكية وكان من أوائل الذين عادوا من الولايات المتحدة الأميريكية إلى روسيا بعد قيام الثورة لأجل الاسهام في تنظيم العمل الصهيوني هناك ، غير أن الموت عاجله في العام 1971.
وكان قد عبر عن وجهة نظره بخصوص الشعب العربي الفلسطيني بقوله : “إن عرب فلسطين ليس لهم إستقلال إقتصادي أوثقافي ، فهم ليسوا أمة، وسوف لايصبحون كذلك لفترة طويلة ، وهم قابلون للذوبان الثقافي لأنهم لايستطيعون تشكيل منافسة إقتصادية على مستوى قومي ، وسوف يذوبون تدريجيا إقتصاديا وثقافيا” (32) .
حدثت إنشقاقات داخل بوعيل زيون بعد قيام الثورة البلشفية* ،حيث أعلن قسم من الأعضاء عن تخليهم عن الصهيونية والالتحاق بالحزب البلشفي . وستظل مسألة انضمام أعضاء بوعيل زيون والبونديين إلى صفوف الثورة مثارا للجدل، حيث تبين فيما بعد أن معظمهم لم يكونوا صادقين في توجههم هذا ، وبأنهم إنما اندسوا في صفوف الحزب للتخريب ليس الا . وقد بقيت فلول بوعيل زيون تعمل سرا بعد عام 1920 إلى أن تم القضاء عليها نهائيا في عام 1928. . ويذكر الدكتور مالاشكو في مقدمة لكتاب ( الصهيونية ثورة مضادة في الخفاء ) أن شباب البوعيل زيون ظلوا يعملون في أوكرانيا خلال العشرينات بحيث سيطروا على كافة قاعات المطالعة والاجتماعات وحولوها إلى مراكز لنشاطهم المعادي للسلطة السوفييتية. كما يشير إلى أنهم كانوا يقومون في بيلوروسيا بنشاط مكثف بين عامي 1924-1925 وأخذوايحرضون الفلاحين على المطالبة بسوفييتات بلاشيوعيين (33) .   
لقي النشاط الصهيوني في روسيا بشكل عام فرصة جديدة للانتعاش منذ أواخر العقد الأول من القرن العشرين،  وبخاصة بعد فشل ثورة 1905. غير أن هذا النشاط بقي محدودا ولم يزد عدد أعضاء الحركة حتى عام 1913 عن 26الفا (34)، وذلك على الرغم من أن السلطة القيصرية كانت قد اتجهت منذعام 1890 الى تاييد نشاطات الحركة طالما أن هذه النشاطات تؤدي إلى هجرة اليهود إلى خارج الأراضي الروسية . ففي عام  1890 أجازت السلطة رسميا جمعيات  أحباء صهيون. ويذكر حاييم وايزمان في رسالة بعث بها إلى هرتزل بتاريخ 6/5/1903 أنه كان قد تم تشكيل لجنة حكومية برئاسة مدير الشرطة لبوخين لدراسة المشكلة اليهودية، ويقول بأن هذه اللجنة تقيم اتصالا وثيقا مع عدد من الصهاينة وبأنه لايتوقع ان تتخذ موقفا غير مرضي من الصهيونية وبأن الحكومة الروسية متجهة لتأييد الصهيونية وأن وزير الداخلية بليفة، يقوم بدراسة مذكرة من سبع صفحات بهذا الشأن . ويستطرد قائلا: ” على الرغم من أن أصعب نضال نخوضه في كل مكان هو نضالنا ضد البوند ، فمن الغريب أن تقارير السلطات الروسية تقرننا به، وقد تم إعداد مذكرة توضيحية بهذا الشأن لرفعها إلى السلطات بواسطة الصهيوني روزينباوم، كما اتخذت خطوات من قبل العديد من الأصدقاء لتصحيح المعلومات المتعلقة بالعصبة* (35)،. وفي عام 1903، أجازت السلطة ولأول مرة ، المؤتمرالصهيوني الذي عقده في بنسك كما أخذت تتعاون مع البارون هيرش بشأن الهجرة، حيث تمت إقامة جمعيات علنية لهذا الغرض في أوديسا وكييف ومناطق اخرى وشارك فيها عدد كبير من الرأسماليين اليهود في أوديسا ( 36) . وقد بدأ بعض هؤلاء الرأسماليين بالاهتمام بالمشروع الفلسطيني كمشروع استعماري بعد عام 1905، حيث اصطحب حاييم وايزمن معه إلى فلسطين عام 1907 الدكتور كلينكر ، أحد كبار الخبراء في صناعة الصابون وقام الرأسمالي ويسوتسكي بتمويل مشروع التكنيون في حيفا (37) .
وعلى الرغم من أن الصهيونية بقيت في روسيا حركة أقلية حتى قيام الثورة البلشفية ا فهي قد أمدت الحركة بمعظم زعمائها وقادتها، حاييم وايزمن ، صموئيل موهيليفر ، مائير باريلان ، جابوتنسكي ، موشيه ليب ليلينبلوم ، جاكوب كلاتزكين ، سمولنسكين ، ابراهام مناحيم أوسيشكين ، جوزيف ترمبلدور ،بورروخوف، اهرون دافيد غوردون ، جوزيف برينر ، حاييم أورلوزوروف ، برل كاتزنلسن ، بيرديشفسكي ، آرثر روبين ، ليفي أشكول ، آرييه الياف، يتسحاق بن زيفي ، بن غوريون، شمعون بيريس ، غولدا مائير ، أهارون ياريف ، وغيرهم .
كما إن الموجتين العقائديتين اللتين وصلتا فلسطين عام 1904 كانتا مؤلفتين من أتباع  بوغيل زيون  في روسيا . و كانت هاتان الموجتان ضئيلتين لدى قياسهم ابحجم الهجرة اليهودية الكلي من روسيا منذ أواخر القرن الماضي . ولم يكن بإمكان الحركة الصهيونية بحد ذاتها أن تحرز أي نجاح حاسم سواء من حيث استقطاب اليهود نحو فلسطين أوتحقيق الهدف السياسي ، لولا ماحدث من تطورات دولية منذ عام 1917 بعد قيام الثورة البلشفية في روسيا وتوالي  صدور قوانين منع اليهود من دخول البلدان الأوروبية والأميريكة.
______________________
* العصبة الديموقراطية ، كان وايزمان قد شكل هذ العصبة عام 1902  إحتجاجا عل ما وصفه بديكتاتورية هرتزل وحصر كل السلطات في يده (38) .

 

الفصل السادس

 مواطنون سوفييت بين الخصوصية والذوبان

مشكلة الخصوصية

حين قامت ثورة شباط البرجوازية عام 1917 كانت حظيرة التوطن اليهودية قد أخذت بالتفكك عمليا نتيجة عملية التهجير القسري التي قامت بها السلطة القيصرية بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، إضافة إلى القرار الذي صدر في عام 1915  وسمح بموجبه لليهود بالإقامة خارج حدود الحظيرة و دخول الجامعات والمعاهد العليا . و قد اكتملت عملية التحرر اليهودي من القوانين التقييدية والإقامة القسرية في المناطق الغربية بفعل القرار الذي اصدرته الحكومة المؤقتة في 22\3\1917، الذي نص على إلغاء كافة القوانين التقييدية السابقة ومساواة اليهود بكافة المواطنين في الحقوق المدنية .
اعتبرت الفترة الممتدة من شباط إلى أكتوبر 1917 بمثابة الفترة الذهبية حيث انفلتت القوى الإجتماعية اليهودية من عقالها ووجدت في الثورة البرجوازية التي ما لبثت أن تزعمها كيرنسكي، فرصة العمر في اقتناص مجالات العمل التجاري في أنحاء البلاد و دخول الجامعات و احتلال المراكز والمناصب الحكومية و السياسية* . و قد بدا  وكأن اليهود هم الذين يديرون دفة البلاد   ويسيرون أمورها بحكم سيطرتهم على أهم مرفقين من مرافق المدينة : السوق التجارية و المراكز الوظيفية ، في وقت كانت فيه مختلف القوى الإجتماعية الأخرى مؤلفة في غالبيتها العظمى من الفلاحين و من القليل من خريجي الجامعات و المعاهد الذين لم تتح ظروفهم الحياتية السابقة فرصة دخول الجامعات بشكل يتناسب مع نسبهم السكانية . كذلك فقد انتشرت الصحف اليهودية باللغتين اليديشية و العبرية و أنشئت المدارس اليهودية و نشطت مختلف الأحزاب.
 و يذكر أن عدد اليهود الكلي كان في تلك الفترة يبلغ نحو خمسة ملايين نسمة، حيث أن الزيادة الطبيعية بين اليهود خلال العقدين الأخيرين قد عوضت عن مجمل الهجرة التي تمت منذ أواخر القرن الماضي إلى خارج الأراضي الروسية (1).

 

* يذكر مثلا أن بنحاس روتنبرغ الذي أنشأ أول شركة صيهونية لكهربة فلسطين في تلك الفترة قد شغل بين شباط و اكتوبر 1917 منصب رئيس سوفييت بتروغراد .
غير أن تحولا تاريخيا كان ينتظر روسيا . فمع قيام ثورة أكتوبر الإشتراكية بقيادة الحزب الاشتراكي – الديمقراطي البلشفي في 24 أكتوبر (7 نوفمبر)، بدأت صفحة جديدة من تاريخ الكتلة اليهودية في الأراضي الروسية .
كان أول إجراء اتخذته الثورة هو تطبيق مبدأ حق تقرير المصير و إنهاء الإحتلال الروسي للإراضي البولونية . و مع منح الاستقلال بموجب حق تقرير المصير لكل من فذلنده و ليتوانيا و ستونيا و لاتفيا و بعض المناطق الأخرى، انحسرت عن الأراضي الروسية كتلة يهودية كبيرة قوامها يهود بولونيا و المناطق الأخرى المذكورة . و لا ترد إحصائيات دقيقة لتلك الفترة، غير أن التقديرات تشير إلى انحسار نحو مليونين من يهود الأراضي البولونية و ليتوانيا و لاتفيا و ستونيا .
غير أن تقلص الكتلة اليهودية المؤلفة في غالبيتها من التجار لم يكن كافيا بحد ذاته لتقليص حجم المشكلة  اليهودية. فعلى الرغم من أن الثورة البلشفية قد منحت اليهود        كافة حقوقهم المدنية، حيث لم يكن قانون مساواة اليهود الذي أصدرته الحكومة المؤقتة في آذار1917 غير تنفيذ لمشروع القرار الذي قدمه الحزب البلشفي منذ عام 1914 باسم  ( قانون تساوي الأمم في الحقوق ) (2)، فإن عملية التطبيق الإشتراكي التي تبنى الحزب تنفيذها مباشرة بعد تسلمه السلطة، والتي شملت تشريك كافة وسائل الانتاج  و القضاء على كافة معالم التجارة الحرة وإلحاق الورش الصغيرة الخاصة بالمعامل  والمصانع الكبيرة ، ما لبثت أن شكلت ضربة قاضية لمصالح الغالبية اليهودية من تجار و حرفيين . و يتضح مدى انعكاس التطبيق الإشتراكي على حياة مجمل القوى الاجتماعية لدى التعرف  على طبيعة التوزع الوظيفي للسكان عامة و مقارنتها بالتوزع الوظيفي لليهود عشية الثورة. فقد كانت جماهير الشعب المختلفة موزعة على النحو التالي : 85% فلاحون ، 6% عمال ، 2% تجار، 7% أعمال أخرى أو بدون أعمال كملاك الأراضي وغيرهم. وقد انحازت الجماهير الفلاحية إلى جانب الثورة مع صدور قرارات توزيع الأراضي على الفلاحين،  كما كان العمال هم صانعوا الثورة، و لم يتجاوز عدد المتضررين من قيام الثورة البلشفية نسبة 6% من المجموع العام للسكان،  و ذلك على العكس من اليهود الذين قدر المتضررون منهم بنحو 90% من مجموع العاملين اليهود، و هم أولئك الذين كانوا في التجارة و الحرف المختلفة (3). و يصف حاييم وايزمن، الذي لم يكن ينظر إلى الأمور إلا بمقدار انعكاساتها على الحركة الصيهونية  تلك الفترة بقوله : ” إن نفس الظروف التي أدت إلى إصدار وعد بلفور ( و يقصد الثورة البلشفية) كانت مسؤولة أيضا عن الضعف المهلك للشعب اليهودي ككل. فالثورة البلشفية قد قضت فعليا على اليهود كعنصر يعتمد عليه في مخططاتنا الخاصة (4) .
 واجهت الثورة ضمن ما واجهت من مهام كبيرة و مشاكل، مشكلة استيعاب تلك الكتلة البشرية البشرية اليهودية الضخمة التي أصبحت عاطلة عن العمل بحكم عدم ارتباطها بالأرض و عدم قابليتها للإلتحاق بالمعامل و المصانع . و في مطلع عام 1918 تم إنشاء شعبة خاصة بشؤون اليهود داخل الحزب الشيوعي، أطلق عليها إسم الإيفسكتسيا، ومهمتها العمل على حل تلك المشاكل الإقتصادية والاجتماعية الخاصة باليهود التي تشكل في مجملها مشاكل  مختلفة عن المشاكل العامة .
تركزت مهام هذه الشعبة في العمل على إلحاق أكبر عدد ممكن من اليهود بالمعامل و المصانع، كما اتخذت على عاتقها مهمة رئيسة هي القضاء على معالم الخصوصية اليهودية المتمثلة بالمدارس الخاصة وأشكال الحياة الإجتماعية الخاصة التي تميز اليهود عن غيرهم . و قد اتفقت هذه الإجراءات مع مواقف الحزب بالنسبة لحل المشكلة اليهودية، والتي تتمثل بفرضية حتمية ذوبان اليهود في المجتمعات المحيطة بهم بعد انتهاء وظيفتهم الإجتماعية الخاصة . و مع صدور قرار فصل الكنيسة عن الدولة و عن المدرسة في 23\1\1918،  نشطت الإيفسكتسيا في مطاردة مدارس الكحال و معالم النشاط الإجتماعي و إقامة المدارس العلمانية في التجمعات اليهودية . و يذكر الصهيونيون بشكل خاص الإيفسكتسيا بالكثير من الحقد و المرارة، وبخاصة  أن معظم أعضاء الشعبة المذكورة كانوا من ذوي الخلفية اليهودية الذين حملوا من الكراهية لمعالم الحياة اليهودية الخاصة ما جعلهم أشد قسوة من غيرهم في مجال تنفيذ إجراءاتهم . ولا يكف الصهيونيون في هذا المجال عن التنديد برئيس سوفييت بتروغراد، زينوفييف ذي الخلفية اليهودية،الذي أصدر حكم الموت على الحاخام اليهودي فينيامين، الذي رفض تسليم أموال كنيسته للدولة لشراء الطعام للجائعين إيام المجاعة التي اجتاحت البلاد لدى اندلاع الحرب الأهلية (5) .
 كان من شأن الإجراءات المذكورة أن تؤدي إلى نتائج ملموسة من حيث توفير العمل للتجار العاطلين  وتسريع عملية ذوبان اليهود فيما لو ساد البلاد عهد من الإستقرار
وأتاح للسلطة الثورية فرص إكمال بنائها الإشتراكي،  غير أن الحرب الاهلية ما لبثت أن اندلعت لكي تصل إلى ذروتها في عام 1919، و لكي تعقبها حرب التدخل الأوروبي الغربي . فقد أوقفت الحرب عملية البناء الإشتراكي وأغرقت البلاد في حالة من الخراب و الدمار و المجاعة، إضافة إلى أن استفحال العداء بين البرجوازية الأوكرانية و البرجوازية اليهودية في أوكرانيا إبان الحرب الاهلية قد تجسد في سلسلة من المذابح التي شنتها القوى المضادة للثورة على أماكن تجمعات اليهود، و التي ذهب ضحيتها وفق تقديرات مصادر مختلفة نحو 70 ألف يهودي . فقد وقف الحلف الأوكراني الإقطاعي – البرجوازي في تلك الفترة ضد الثورة البلشفية من جهة، داعيا إلى استقلال أوكرانيا و إقامة دولة أوكرانية برجوازية،كما وقف من جهة أخرى ضد اليهود الأوكرانيين المؤلفين في غالبيتهم من كبار التجار والمسيطرين على مجمل تجارة الأراضي الروسية مع أوروبا. و قد أدت هذه المذابح إلى هرب العديد من اليهود نحو الداخل الروسي فيما بقي اليهود الذين لازموا مناطقهم في أوكرانيا بعد انتصار السلطة البلشفية مصدرا للعديد من المشاكل إزاء الكراهية التي حملها لهم الأوكرانيون و القوى المضادة للثورة . كما بقيت عملية مطاردة هؤلاء التجار اليهود قائمة في ظل النظام الاشتراكي  وظلوا يشكلون البؤرة الرئيسة التي انطلق منها ما عرف برجال” النيب” لدى تطبيق السياسة الإقتصادية الجديدة بعد انتهاء الحرب .
حققت الثورة البلشفية انتصارها الساحق على كافة القوى المضادة للثورة، و تراجعت الجيوش الأوروبية بعد أن فشلت في تحقيق مهمتها الرامية إلى الاطاحة بالسلطة البلشفية . و مع الإعلان عن قيام إتحاد الجمهوريات السوفيتية عام 1922، كانت البلاد في حالة من الدمار الشامل . يقول دويتشر عن تلك الفترة :-
(( لقد مات  الأكثر اندفاعا و مثالية من العمال . أما الأحياء فمنهكون يجرهم الجوع و البطالة و التضخم المالي ، الذي جعل الروبل بلا قيمة اطلاقا، إلى اليأس .. النشاط الصناعي أصبح أقل من خمس ما كان عليه سابقا، مصانع الصلب لا تنتج أكثر من 5% من حجم إنتاجها قبل الحرب، الطبقة العاملة مقتلعة الجذور – انتزعت من بيئتها الصناعية المنظمة و ألقي بها في خضم السوق السوداء. أما المعامل و المصانع و المواظبة على العمل، فتعمل بمعجزة )) (6) .
إزاء هذا الواقع، اضطرت السلطة السوفيتية الى اعتماد سياسة مرحلية اقتصادية جديدة عرفت باسم النيب – New Economic Policy – تقوم على أساس الاقتصاد المختلط حيث تظل الصناعة الكبيرة و النقل ملكا للدولة بينما يتم افساح المجال للتملك الفردي في مجال الصناعات الصغيرة و المتوسطة و التجارة الحرة . و فيما أخذ اليهود بالانتشار في المدن الرئيسة ، فقد أخذت متاجرهم بالانتشار بشكل ملفت للنظر وانتعشت أعمال المضاربات التجارية في أوساطهم وانعشت هذه الظاهرة مشاعر الكراهية و الحقد في نفوس الجماهير الروسية التي وجدت نفسها في مواجهة عدوين مستغلين رئيسين هما رجال الكولاك و رجال النيب الذين شكل اليهود غالبية في كليهما . يقول ابراهام ليون : ” و هكذا في أثناء السياسة الاقتصادية الجديدة، قدم اليهود باستخدام خبراتهم التقليدية في التجارة أطرا عديدة للطبقة البرجوازية الجديدة ” (7).
من جهة ثانية ، و على الرغم مما حملته سياسة النيب من تعزيز لمواقع البرجوازية و تميز مستوياتها المعيشية عن المستوى العام للجماهير الروسية ، فقد تركت عملية التحول الإشتراكي التي أخذت تشق طريقها ببطء شديد خلال النصف الأول من العشرينات بصماتها على جانب آخر من الواقع اليهودي، حيث أخذت بعض القطاعات الشابة الابتعاد عن الأعمال التجارية والالتحاق بالمعامل و المصانع الكبيرة المؤممة، إضافة إلى اتجاه البعض نحو العمل الزراعي . يتضح هذا التطور لدى النظر الى نتائج احصاء عام 1926 . فقد تم إجراء إحصاء عام للسكان في الاتحاد السوفيتي في كل عام. إلا أن  إحصائي عامي 1920 و 1921 لم يكونا دقيقين و لا شاملين بسبب ظروف الحرب و نتائجها و ما سببته من فوضى عامة، حيث يعتبر إحصاء 1926 أول إحصاء دقيق و شامل . بلغ عدد اليهود السوفييت وفق هذا الاحصاء نحو 2,680,000 نسمة (8) , كما بلغت نسبتهم في مختلف مجالات العمل على النحو التالي : 19,1% تجارة ،34,3% صناعة و حرف يدوية ، 9,2% زراعة ، 10,7% وظائف ادارية (9) .

 

جدول مقارن بين احصاء 1897 و 1926

 للتوزيع الوظيفي لليهود (10)

 

مجال العمل احصاء 1897 احصاء 1926
التجارة 36,2% 19,1%
صناعة و حرف 37,3% حرف غالبة 34,3%
زراعة 2,6% 9,2%
وظائف ادارية و مهن 5,5% 10,2%
اعمال اخرى 18,4% ؟

 

و يلاحظ  في الإحصائية المذكورة أعلاه إرتفاع نسبة العاملين في الزراعة و انخفاض نسبة التجار . غير أن ما يدعو إلى التساؤل هو أن نحو 27% من العاملين اليهود غير مصنفين وظيفيا حيث يرجح أن غالبية هؤلاء كانوا يمارسون التجارة و المضاربات سرا أو تحت ستار أعمال أخرى . و يرجح روبين عدم دقة أرقام الاحصاء حيث يقول بإن بعض التجار اليهود كانوا يمارسون أعمالهم التجارية تحت ستار الزراعة أو الحرف بشكل خاص (11) , مما يقلل من عدد العاملين في الزراعة بشكل فعلي .

 

جدول التوزع السكاني لليهود عام 1926

 

الجمهورية المجموع الكلي للسكان مجموع اليهود نسبتهم لمجموع السكان
اوكرانيا 29,018,187 1,574,428 5,4%
روسيا البيضاء 4,983,240 407,428 8,2%
روسيا 82,045,623 588,843 0.7%
الجمهوريات الاسيوية 30,980,865 109,851 0,4%
المجموع 147,027,915 2,680,550

 

من جهة ثانية، يشير إحصاء عام 1926 إلى أنه على الرغم من السماح لليهود بفتح مدارسهم العلمانية الخاصة التي تدرس بلغة البيديش، فقد برزت ظاهرة توجه الطلاب نحو المدارس الروسية الرسمية حيث انخفضت نسبة طلاب مدارس البيديش الى 51,1% من مجموع الطلاب اليهود (12) . كما يشار إلى انتشار ظاهرة الزواج المختلط لأول مرة و بنسبة بلغت نحو 25% من مجموع الزيجات اليهودية (13) .
في عام 1928 تم إلغاء سياسة النيب و اتجهت السلطة السوفيتية بقيادة ستالين نحو إعادة التجميع الإشتراكي وبوشر بتطبيق أول خطة خمسية .
لقد أدت سياسة النيب إلى انخراط الغالبية اليهودية في الأعمال التجارية المختلفة، و لذلك فإن الانتقال إلى سياسة التجميع الإشتراكي في عام 1928 ما لبث أن أدى إلى توجيه ضربة لمجموع اليهود العاملين في مجالات التجارة و الحرف الحرة، بحيث قدر عدد الذين تحولوا إلى جيش عاطل عن العمل و غير قابل للامتصاص في مجالات العمل الانتاجي بنحو مليوني يهودي , مما انذر بتفشي السوق السوداء و الأعمال السرية المختلفة بينهم .

 

الحل القومي

طرحت مشكلة العاطلين عن العمل تحديا جديدا أمام السلطة السوفيتية , حيث ما لبثت فكرة شدهم إلى الأرض عن طريق توطينهم في منطقة ما بهدف توجيههم نحو العمل الزراعي الإنتاجي أن أخذت بالتبلور على شكل مشروع قومي . و من الواضح أن مشكلة الإعتراف باليهود السوفييت كقومية قد اصبحت مثار نقاش منذ قيام اكتوبر عام 1917 حيث وقف الانتشار اليهودي و عدم تشكيلهم غالبية سكانية في أي من الجمهوريات أو مناطق الحكم الذاتي حائلا دون الإعتراف بهم كقومية أسوة بنحو191 قومية ثم الاعتراف بها رسميا على أساس الانتماء العرقي و التقسيم الإقليمي . غير أنه من جهة ثانية، فقد تم الإعتراف بلغة البيديش كلغة قومية ضمن 151 لغة قومية تم الاعتراف بها رسميا ، و ذلك في ضوء أن البيديش كانت تشكل اللغة الوحيدة لغالبية الجماهير اليهودية في ذلك الحين .
و يذكر بأن الانتماء القومي لمختلف الشعوب القاطنة في الاتحاد السوفيتي قد تم تحديده على أساس الإنتماء العرقي وفق ما يدلي به كل فرد باختياره الخاص، كما تم الإستناد في تحديد الإنتماء القومي أيضا إلى اللغة التي يدلي الفرد بأنها لغته القومية، وذلك  في حالة تعذر تحديد انتمائه القومي . ويشار أيضا إلى أنه قد تم فيما بعد تخفيف التشدد الخاص بالالتزام بالأصل العرقي أو اللغة،  حيث أصبح من الممكن لأي فرد أن يحدد انتماءه القومي وفقا لمشاعره الخاصة ودون الحاجة إلى شهادة ثبوتية (14) .
وفي ضوء توافر عامل اللغة بدون العامل الإقليمي والعرقي لليهود ، وإزاء المشاكل الخاصة التي واجهتها الثورة ومتطلبات إجراء تحول جذري في طبيعة هذه الكتلة البشرية اليهودية ووظائفها الاجتماعية المتعارضة مع طبيعة واهداف الثورة، فقد اضطرت السلطة في مطلع عام   1918 إلى إنشاء شعبة خاصة باليهود في مفوضية القوميات التي رأسها ستالين ، كماسمح لهم بإقامة مدارس علمانية خاصة تدرس بلغة الييديش بينما حظر استعمال اللغة العبرية لاقترانها بالصهيونية (15) . كما  تم الاستمرار بالع مل بالهويات الشخصية القديمة التي تشير إلى أنهم (  يهود) والتي كان قد تم اصدارها منذ عام 1716، حين بدأ أول تواجد لليهود في الأراضي الروسية (16).
كانت هناك قناعة عامة لدى السلطات والحزب باستحالة الإعتراف باليهود كقومية مكتملة المقومات أسوة بالقوميات المختلفة الاخرى التي تم الاعتراف بها، وذلك بسبب عدم توافر العامل الإقليمي لدى اليهود ، وكان من شأن شطب كلمة يهودي من الهويات أن يتنافى مع الإعتراف بعامل اللغة كعامل قومي  رغم عدم توافر العامل الإقليمي ، إضافة إلى أن عاملا كهذا كان من شانه أن يستشير التنظيمات البوندية والصهيونية ويتهم الثورة بفرض الإذابة القسرية على اليهود. ويعطي أحد الباحثين اليهود تفسيرا أخر بهذا الشأن حين يقول :  “إن تسجيل قومية يهودية في الوثائق والأوراق الثبوتية لم يكن بحد ذاته نتيجة نية في التعريف باليهود كقومية ، كمالم يكن له أي منطق لاسامي بالتأكيد ، وإنما كان بسبب أن الاتحاد السوفييتي دولة متعددة القوميات وكان العديد من هذه  القوميات بالغي الحساسية ازاء قوميتهم  ويكرهون حذف قوميتهم من هوياتهم …. فالجورجي مثلا كان شديد الاعتزاز بجورجيته ويرغب دائما في أن يعتبر جورجيا ……كذلك فإن السلطة السوفييتية قد هدفت إلى الحصول على الإحصائيات لأجل التعرف على مدى تخلف معدلات تطور القوميات المتواجدة في الإتحاد ) (17) .
و كانت هناك قناعة عامة من جهة أخرى بأن اليهود مؤهلون للذوبان السريع لدى انتفاء وظيفتهم الإجتماعية الخاصة واندماجهم في الحياة المدنية العامة. ويبدو واضحا أن تشكيل الشعبة اليهودية في مفوضية القوميات، إلى جانب شعبة الإيسفيكتسيا داخل الحزب، كان بمثابة التوفيق بين النظرية والواقع . فقد شكلت الشعبة القومية جهازا مؤقتا مهمته التعامل الآلي مع واقع الخصوصية اليهودية فيما كانت المهمة الرئيسة لشعبة الإيفسيكتسيا داخل الحزب هي العمل على حل مشاكل اليهود الإقتصادية- الإجتماعية وتسريع عملية ذوبانهم . وقد تقلص عمل الشعبة القومية حيث حلت في أوائل العشرينيات بينما  استمر عمل شعبة الإيسفيكتسيا إلى أن تم حلها في عام 1930.
 وكانت قد برزت مسألة التعامل مع اليهود بشكل واضح خلال الحرب الاهلية حين بوشر بتشكيل الجيش الاحمر الذي تولى تروتسكي تشكيلة وقيادته . فقد تم تشكيل الجيش الأحمر على أسس قومية حيث شكلت في   داخله وحدات  خاصة بكل قومية بهدف تسهيل عملية التجنيد في المناطق المختلفة المقسمة تقسيما قوميا ( اقليميا ). ومع تدفق الشباب اليهودي نحو التجنيد تدفقا ملفتا للنظر، برزسؤال فيما إذا كان يتحتم إنشاء فرقة   خاصة بهم على الرغم من انتشارهم السكاني اللاإقليمي، أم  توزيعهم على الفرق المختلفة وفق المناطق التي يقيمون فيها .
برز داخل الإيسفيكتسيا والسلطة رأيان متضاربان. فقد عارضت الإيفسكتسيا  بادئ الأمر فكرة إنشاء فرق يهودية خاصة على أساس أن مثل هذا الإجراء من شأنه أن يعزز الانعزالية ويستثير القوى المضادة للثورة المعروفة ( بالحرس الابيض) وخاصة في المناطق الاوكرانية حيث يتواجد اليهود بكثافة وحيث الصراع على أشده ويدفعها الى ارتكاب مجازر ضد التجمعات اليهودية على النحو الذي كان يجري سابقا ، وذلك في ضوء العداء التاريخي بين الأوكرانيين واليهود .
من جانب آخر ،  برز اتجاه يقول بأن هناك قناعة لدى جماهير الشعوب الروسية والأوكرانية وغيرها بأن اليهود لايحاربون وأنهم يستاثرون بالمناصب والمراكز العالية وبأن إنشاء فرق يهودية خاصة من شأنه أن يرد الإعتبار لليهود بين القوميات الاخرى .ويذكر بأن تلك المشاعر هي التي كانت وراء الرسالة السرية التي بعث بها تروتسكي من الجبهة يطلب فيها سحب اليهود من مكاتبهم ووظائفهم الإدارية الآمنة ونقلهم إلى الجبهات . وقد جاء في رسالة تروتسكي بأن هناك همهمات بين الجنود حول وجود الكثير من اليهود في أماكن منعزلة وآمنة أكثر من خط جبهة القتال. وتقول الرسالة بأنه، وحتى أثناء الحرب الأهلية، وينما كان الجيش الأحمر يحمي اليهود  من مجازر الحرس الابيض، كان  هناك ” ذلك التوتر المفجع ، ولكنه مفهوم وإنساني ، في موقف الروسي العادي تجاه اليهودي المميز بشكل أو بآخر ” (18)
والجدير بالملاحظة هنا هو أن ارتفاع المستوى الإقتصادي لليهود خلال العقود السابقة قياسا بالمستوى الذي كانت عليه الجماهير الأخرى، والذي استمر بالتميز حتى في الفترات التي توصف بأنها كانت أقسى الفترات في حياة الكتلة اليهودية، قد وفرالفرص لهم لدخول الجامعات والمعاهد العالية وتكوين كفاءات أدت حين تم إلغاء قوانين التقييد إلى احتشادهم في المراكز الثقافية والمناصب الحكومية كما ورد سابقا .
كذلك فقد كان التيار المؤيد لفكرة إنشاء فرقة  يهودية خاصة يرى أن معظم هؤلاء الشباب الذين تطوعوا للخدمة في صفوف الجيش الأحمر بصفة فردية،  هم في غالبيتهم غير عقائديين ، وإنما ينتمون إلى البورجوازيةالصغيرة ويحتاجون إلى المزيد من التوعية والتثقيف العقائدي الذي لايمكن أن يتم إلا من خلال برامج تثقيفية خاصة بهم . وقد عبر تروتسكي عن ذلك في رسالة وجهها إلى شعبة الايفسكتسيا قائلا : ( لقد اندفعت هذه الجموع المدنية المؤلفة من إنتلجنسيا البرجوازية اليهودية الصغيرة والعمال اليهود إلى صفوف الثورة نتيجة الأوضاع الرهيبة التي عانوا منها خلال الحكم القيصري…. ……..إن بين هؤلاء الشيوعيين الجدد عددا كبيرا ممن لايعتنقون الشيوعية اطلاقا بسبب أوضاعهم الإجتماعية أو أصولهم الطبقية ، بل من وجهة نظر قومية ( يقصد بذلك شباب بوعيل زيون والبوند ) ….من الواضح أن هؤلاء لايشكلون خيرة الشيوعيين ، إن النظام السوفييتي لايعتمد عليهم ” (19) .
وقد رجحت كفة الرأي الثاني بادئ الأمر حيث اصدر المكتب السباسي في 18\4\ 1919 قرارا بتشكيل وحدات يهودية خاصة ، شرط أن تكون هذه الوحدات تابعة للفرق القومية الأخرى وفق التوزع الاقليمي (20) . وفي 10\5\1919 اقترح تروتسكي على شعبة الإيفسكتسيا مايلي : ” في ضوء أن حزب بوعيل زيون الديموقراطي الإشتراكي (ويقصد به النجاح الذي انضم الى الحزب الشيوعي ) وبعض التنظيمات العمالية اليهودية الأخرى قد اعلنوا عن استعدادهم لتشكيل وحدات يهودية خاصة للدفاع عن الثورة ، فأنااوصي بتشكيل مثل هذه الوحدات تحت رقابة القيادة السياسية العامة ، ومن المقترح أن تكون هذه الوحدات اليهودية تابعة لفرقتنا المؤلفة من فرق خاصة بالقوميات الأخرى … هكذا يتم القضاء على العزلة القومية ونتيجتها الطبيعية – الشوفينية – التي ستنتعش للأسف الشديد فيما لو تم تشكيل فرق مستقلة تمام الإستقلال ( 21) . ويذكر بن حزب بوعيل زيون سرعان ما انتهز هذه الفرصة حيث بادر إلى إرسال وحدة خاصة به إلى مدينة مينسك .
غير أن شعبة الإيفسكتسيا تمسكت بموقفها الرافضل لتشكيل مثل هذه الوحدات رغم توصية تروتسكي ، وانتهت الحرب الأهلية دون أن يتم تشكيلها . ويشار إلى أن تروتسكي لم يتمسك بالتوصية التي كان قد اقترحها ولم يكن في قرارة نفسه متحمسا لها حيث ” كان ضد كل ما من شانه أن يعزز المشاعر القومية بين اليهود ” (22) .غير أن مجموعة الظروف التي تجمعت عن الحرب الاهلية وحرب التدخل ومخلفاتها  دفعت بالسلطة السوفييتية نحو التفكير جديا بإيجاد حل قومي للمشكلة اليهودية . فخلال الحرب الأهلية ، بلغ العداء بين الأوكرانيين واليهود درجة مالبثت أن ظهرت على شكل سلسلة من الاعتداءات والمذابح التي شنها الأوكرانيون على أماكن تجمعات اليهود . وفيما تعزو بعض المصادر سبب هذه المذابح التي قدر عدد ضحاياها من اليهود بنحو 70  الفا فيما هرب نحو 40 الفا باتجاه الداخل الروسي باعتبارهم مؤيدين للثورة الإشتراكية . إلا أن الوقائع تشير إلى أن الصراع بين البرجوازيين الأوكرانيين واليهود وذلك الإرث الطويل من الكراهية التي حملها الفلاح الأوكراني التاجر، كانا وراء هذه المذابح ، خاصة وأن يهود أوكرانيا كانوا يتالفون في غالبيتهم من العناصر التجارية الكبيرة المعادية للثورة والمتراوحة بين مؤيد لألمانيا ومنظم من خلال الحركة الصهيونية ضدها، بينما كان اليمين الأوكراني يسعى لاقامة دولة بورجوازية موالية لألمانيا . ويذكر بأن القوات الأوكرانية المضادة للثورة قد تمركزت في الأراضي البولونية خارج حدود الاتحاد السوفييتي بعد أن طاردتها قوات الجيش الاحمر ، حيث أصبحت تتلقى المساعدات من بريطانيا لإعادة هجومها على الإتحاد السوفييتي . وقد تعاونت هذه القوات مع الحركة الصهيونية وتم الاتفاق بين بتليورا وجابوتنسكي على تشكيل فرق يهودية مسلحة لحماية اليهود  في المناطق الأوكرانية ( 23) .
أماالعامل الآخر الذي دفع بالسلطة السوفييتية للتفكير بالحل القومي، فهو ما أفرزته سياسة النيب من تجاوزات في الساحات اليهودية وما برز بعد إنهاء سياسة النيب من جموع يهودية عاطلة عن العمل . وكان تبرير ذلك هو أن هناك كتلة يهودية لا يستهان بحجمها غير قابلة للتأقلم البروليتاري في المرحلة الراهنة و ستظل هذه الكتلة تبحث عن مجالاتها البرجوازية التجارية بطرق غير شرعية فيما لو بقيت متغلغلة في مسامات المجتمع الإشتراكي مستثيرة نقمة الجماهير العمالية و الفلاحية .
و طالما أن التقسيم القومي للمجتمع السوفيتي الاشتراكي العلمي هو حل مرحلي للمشاكل التي تعترض الوصول إلى الاممية البروليتارية ، فقد لجأت أطروحة الحل القومي للمشكلة اليهودية منسجمة مع الرغبة في استيعاب تلك الكتلة البشرية اليهودية العاطلة عن العمل و توجيهها نحو العمل الزراعي . و بالفعل تم في عام1926  تطبيق المبدأ القومي على اليهود القاطنين في منطقة كالينيندروف في جنوب أوكرانيا حيث كان اليهود يشكلون نحو 75% من سكان تلك المنطقة و تم الاعتراف بهم كقومية مكتملة المقومات و الاعتراف بالبيديش لغة رسمية للإقليم (24) . و في عام 1929 تم الاعتراف باقليم زولاتوبول الجديدة في جنوب أوكرانيا أيضا إقليما قوميا لليهود ،و قد بلغ عددهم في الاقليم الاول نحو 25 الفا بينما بلغ في الثاني نحو 14 الفا الى جانب نحو 5400 أوكراني و 600 ألماني ( 25) .
غير أن حجم المشكلة اليهودية كان أكبر من أن يحلها هذان الإجراءان المحددان خاصة و أن هذه المشكلة قد أخذت تزداد حدتها في أوكرانيا حيث تواجد نحو مليون يهودي بين ما يزيد على ثلاثين مليون أوكراني (26) .
هكذا بوشر في عام 1928 بإنشاء منطقة خاصة قادرة على استيعاب أكبر عدد ممكن من اليهود في إقليم بيروبيجان الواقع في أقصى الشرق . غير أن هذا المشروع ، رغم ما عومل به من جدية و ما بذلت له من مغريات و حوافز مادية و معنوية ، ما لبث أن مني بالفشل، حيث أشار إحصاء عام 1959 فيما بعد إلى أن عدد اليهود الذين استوطنوا فيه لم يزد على نحو 14,229 نسمة (27) .
اتفق طرح مشروع بيروبيجان مع الغاء سياسة النيب و التوجه نحو التشريك التام لوسائل الإنتاج و بدء تنفيذ الخطة الخمسية الأولى  التي نقلت الصناعة السوفيتية إلى أبواب مرحلة نهوض جديد . و قد تضافرت عدة عوامل على فشل مشروع بيروبيجان منها عدم رغبة اليهود المدنيين بالتوجه نحو العمل الزراعي ، إضافة إلى أن بدء تنفيذ الخطة الخمسية الأولى في عام 1929 قد شجع اليهود المتضررين من سياسة التشريك على الانخراط في المصانع و المعامل الكبيرة بدلا من الإبتعاد الى الشرق الاقصى و المغامرة في مشروع لا تعرف نتائجه .
و تشير العديد من المصادر أن اليهود لم يتضرروا من سياسة التجميع الاشتراكي التي حملت الكثير من القسوة و العنف، بالقدر الذي أضر بالجماهير الفلاحية ، و ذلك بسبب طبيعتهم المدينية و توافر العمل المديني في المؤسسات الانتاجية . و قد جاء في إحصاء جرى عام 1932 أن الاندماج الإقتصادي اليهودي قد قطع في ذلك الحين شوطا ملحوظا . فقد بلغ عدد العاملين اليهود نحو 1,300,000 عامل موزعين على النحو التالي (28):
480,000 عامل صناع                                   
450,000 موظف او مستخدم في المؤسسات المختلفة
200,000 حرفي                                             
170,000 عامل زراعي                                   
بينما قدر الذين لم يتم تصنيفهم وظيفيا بنحو مليون و نصف المليون،  و ذلك ضمن النساء والاطفال الذين يعتمدون على معيل . و يعزى ارتفاع نسبة غير العاملين في تلك الفترة إلى الزيادة الطبيعية المرتفعة بين اليهود وإلى العادة التقليدية السائدة بينهم في عدم تشغيل النساء خارج المنزل مع مراعاة أن عدد الذين يعتمدون على معيل في المجتمع المديني هو أكثر مما هو عليه في المجتمع الزراعي في العادة .

 

و يذكر بأن عدد اليهود  عام 1932 قد بلغ 2,870,000 نسمة و ذلك بزيادة قليلة نسبيا عن عام 1926، حيث يذكر بأن سبب ذلك إنما يعود إلى انخفاض الزيادة الطبيعية عما كانت عليه في السابق نتيجة تسارع تدفق اليهود نحو المدن و عدم توافر الزمن الكافي للاستقرار و الزواج ، إضافة إلى ما تحمله الحياة المدينية من تعقيدات حياتية تقلل من فرص الإنجاب. فقد بلغت نسب الزيادة الطبيعية بين اليهود :  % في مدن روسيا و 1,6% في اوكرانيا و 1,8% في روسيا البيضاء بينما ارتفعت بين يهود الجمهوريات الأسيوية إلى 2,5% (29). و يشير المصدر المذكور إلى أن نسبة الوفيات بين اليهود كانت بشكل عام أقل منها بين الجماهير الأخرى حيث امتازت الكتلة اليهودية في الثلاثينات بزيادة عدد الشباب على عدد الاطفال مؤكدا أن المستوى المعاشي لليهود كان أفضل من مستوى الجماهير الاخرى(30).
و قد جرى قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 إحصاء رسمي شامل بلغ عدد اليهود فيه نحو3,020,000 نسمة ، أي بزيادة مقدارها نحو 300 ألف نسمة عما ورد في إحصاء 1926 . و يذكر بأن معظم هذه الزيادة قد حصلت بين يهود المناطق الأسيوية المتخلفة،  فيما أدت عملية الإندماج و الذوبان في المجتمعات المدينية إلى تقلص عدد اليهود علما بأن أية هجرة للخارج لم تحدث خلال الثلاثينات .
  و بانتهاء الخطة الخمسية الثانية في أواخر الثلاثينات، كان الاقتصاد السوفيتي قد قفز قفزات كبيرة إلى الأمام نتيجة نجاح عملية التجميع الإشتراكي الهائلة و السريعة،
 وأصبح العمل متوافرا للجميع، كما سارت عملية الإندماج اليهودي بخطى حثيثة في مختلف المجالات . و كانت تلك التجربة حاسمة كما يصفها ليون ” حيث تحول مئات الالاف من اليهود إلى عمال زراعيين و صناعيين” (32) . كما تقلص عدد طلاب مدارس الييديش إلى 20% من مجموع الطلاب اليهود . يقول شابيرو :  ” بانتهاء الخطة الخمسية الثانية ،كان الاندماج الإقتصادي اليهودي كاملا، واذا كانت الثورة قد قضت في مرحلتها الأولى على نمط الحياة الديني المتمثل بالمدارس التوراتية و التلمود، ففي أواخر الثلاثينات كانت الحياة الاجتماعية اليهودية قد أصبحت على وشك الزوال” (33).  أما سيمون دبنوفكتب في عام 1935: ” يمر اليهودي في روسيا حاليا في أتون الفصل التام عن تاريخه .. فالتاريخ اليهودي لا يدرس هنا و يعتبر ماضينا مخزيا و تافها . إن مليونين و نصف المليون من اليهود سيصبحون مواطنين سوفييت و ليس يهودا، إنهم يتجهون نحو التمثل التام “(34) . و في عام 1936 كتب دافيد بنسكي قائلا : ” إن اليهود آخذون في الغرق التام في بحر الثقافة الروسية الواسعة” (35).
كذلك يجمع كافة الدارسين الموضوعيين لمسيرة المشكلة اليهودية في الاتحاد السوفيتي على أن حملة التطهير المروعة التي شنها ستالين بين عامي 1936 و 1939 ضد كوادر الحزب الشيوعي و قياداته، والتي شملت العديد من ذوي الخلفية اليهودية مثل زينوفييف و كامينيف و راديك و إسترفرومكين و غيرهم  لم تترك أثرا ملحوظا على الصعيد اليهودي العام الذي لم يكن معنيا مباشرة بتلك الصراعات السياسية الدائرة آنذاك بين ستالين و المعارضة، و بأن غالبية اليهود كانوا ينظرون إلى ما يجري بأنه صراع بين الستالينية و التروتسكية ليس إلا .
و إن دلت هذه التطورات الاجتماعية على شيء ،فهي تدل نظريا على سلامة التحليل المادي للمشكلة اليهودية و القائل بأن اليهود سينتهون كيهود مع انتهاء وظيفتهم الإجتماعية الخاصة .

       _________________________

الفصل السابع

النشاط الصهيوني (1917-1939)

بين ثورة شباط البرجوازية و ثورة أكتوبر الإشتراكية، انطلقت التنظيمات المختلفة لتمارس نشاطاتها علنا و بحرية تامة بتأييد من الحكومة المؤقتة التي وجدت في اليهود عامة،  والصهيونيين منهم بشكل خاص، حليفا طبيعيا لتوجهاتها السياسية داخليا و خارجيا . فقد أيد اليهود بغالبيتهم المؤلفة من البرجوازية التجارية والحرفية، الحكومة المؤقتة تأييدا كبيرا، كما وجدت السلطة فيهم قوة لا يستهان بها لمواجهة المعارضة الممثلة في ذلك الحين بالحزب الاشتراكي الديمقراطي البلشفي سواء بالنسبة لسياستها الداخلية القائمة على تجذير التوجه و البناء البرجوازي أم لسياستها الخارجية الرامية إلى الاستمرار في خوض الحرب العالمية الأولى بالتحالف مع انجلترا و فرنسا ضد ألمانيا ، وبخاصة  أن بريطانيا كانت  قد أصبحت منذ اندلاع الحرب المذكورة بمثابة الحليف الطبيعي للحركة الصهيونية .
نشطت الاحزاب الصهيونية و اليهودية عامة بين شباط (آذار) و أوكتوبر (نوفمبر) على شتى المستويات . فصدرت الصحف اليديشية و العبرية و أقيمت المدارس اليهودية التي تدرس باللغتين و عقدت العديد من المجتمعات و المؤتمرات ، و ارتفع عدد اليهود المؤيدين للصهيونية ارتفاعا ملفتا للنظر حيث يذكر أن عدد دافعي رسوم الانتساب للمنظمة الصهيونية العالمية قد قفز خلال تلك الفترة من 36 الفا الى 140 الفا ، كما يذكر بأن مدينة أوديسا قد شهدت في ذلك الحين أكبر مظاهرة صهيونية شارك فيها نحو 150 ألف يهودي رافعين شعارات  الحرية في روسيا و الأرض  والحرية في فلسطين (1) .
 و تورد المصادر الصهيونية العديد من المؤتمرات التي تم عقدها في تلك الفترة، منها مؤتمر في آذار للمؤسسات الصهيونية المركزية و مؤتمر في نيسان تم عقده في موسكو لعموم المنظمات الصهيونية و مؤتمر للتنظيم الصهيوني في تركستان و مؤتمر عام آخر في مدينة بتروغراد في أيار . و يشار بأن عدد الذين حضروا مؤتمر بتروغراد  بلغ 552 مندوبا يمثلون فروع الحركة في 460 مدينة و قرية كما حضر نحو 1500 ضيفا و تسعين صحفيا وأن وزير خارجية الحكومة المؤقتة، بتريشنكو، بعث ببرقية تأييد للمؤتمر(2) . كذلك يشار إلى مؤتمر آخر تم عقده في 12\8\1917 بمشاركة الجناح البوندي الذي انشق عن الحزب العام في تلك الفترة و تحدث فيه ممثل عن البوند و ممثل عن الأحزاب الصهيونية الأخرى  حيث أعلنا تأييدهما لحكومة كيرنسكي (3)

 

وعد بلفور و الثورة الاشتراكية  

اكتسب اليهود السوفييت بين شباط و اكتوبر من عام 1917 أهمية دولية فائقة حيث تحولوا إلى عنصر رهان دولي بالنسبة لمصير الحرب العالمية الأولى ،و برزت أهمية إصدار وعد بلفور في ضوء ما يمكن أن يؤديه مثل هذا الوعد على صعيد الساحة الروسية . فقد ولدت فكرة وعد بلفور مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، حيث رأى الساسة البريطانيون أن مثل هذا الوعد من شأنه أن يوفر لبريطانيا تأييد يهود الولايات المتحدة من جهة و يهود روسيا من جهة ثانية، حيث يمكن استغلال النفوذ المتعاظم لهاتين الكتلتين داخل بلدانهما للضغط على حكومة الولايات المتحدة لدخول الحرب إلى جانب بريطانيا، و الضغط على الحكومة الروسية من أجل الإستمرار في الحرب.
و مع قيام الثورة في روسيا في شباط 1917 و تسلم الحكومة المؤقتة زمام السلطة،أخذت كفة وعد بلفور تزداد رجحانا حيث أصبحت الحاجة أكثر إلحاحا لدعم حكومة كيرنسكي الراغبة في الإستمرار بالحرب من جهة، و للحيلولة دون وصول الحزب الاشتراكي – الديمقراطي البلشفي للسلطة من جهة ثانية . و برز السؤال في الدوائر البريطانية عن طبيعة و مدى النفوذ اليهودي في روسيا و ما يمكن أن تقوم به الحركة الصهيونية من دور في تحقيق هذين الهدفين : الحيلولة دون وصول الحزب البلشفي للسلطة، وهو الذي أعلن عن نيته تنفيذ إنسحاب روسيا من الحرب في حال تسلمه السلطة،  وتعزيز مواقع حكومة كيرنسكي الرامية إلى الإستمرار في الحرب . يقول استاذ التاريخ في جامعة براندايز الأميريكية ، فرانك إيمانويل : ” كان البريطانيون قد جذبتهم فكرة أن منح وطن قومي لليهود في فلسطين سيكون ذا تأثير كبير في تهدئة الدعاية الانهزامية التي سادت روسيا ضد الحرب * ، حيث أن الاطاحة بالحكم القيصري قد خفضت الكثير من المرارة التي حملها اليهود إزاء روسيا ، و كان هناك أناس في وزارة الخارجية البريطانية على درجة كبيرة من السذاجة إلى حد جعلتهم يعتقدون بأن إصدار وعد بلفور من شأنه أن يحول دون انجراف اليهود نحو العناصر الأكثر تطرفا ( و يقصد بها الحزب البلشفي ) التي كانت تخطط لتسلم السلطة ، وأن من شأنه أن يبقى اليهود في صفوف حكومة كيرنسكي المتمسكة باستمرار الحرب ” (4) .
و قد تضاربت الآراء في الدوائر البريطانية حول مدى هذا النفوذ حيث ارتأ ى البعض أن  كافة اليهود صهاينة،  و أنهم يتمتعون بقدرة كبيرة في التأثير في الأحداث، فيما رأى البعض الآخر أن نفوذ اليهود الإشتراكيين أقوى بكثير من نفوذ الصهاينة،  و أن بمستطاعهم إحباط أي أثر ممكن لمثل وعد بلفور (5) .
 و قد نشأت في تلك الفترة بالذات مسألة ملحة تتعلق بتطورات الحرب العالمية الأولى . فبعد احتلال ألمانيا عام 1915 للمناطق البولونية و مناطق البلطيق التي كانت ضمن أراضي الإمبراطورية الروسية حتى ذلك الحين، أصبح نحو ثلاثة ملايين يهودي من رعايا الإمبراطورية الروسية خاضعين للإحتلال الألماني . و قد سعت ألمانيا في ذلك الحين إلى اجتذاب اليهود بمساواتهم مع بقية السكان في الحقوق و السماح لهم باعادة تنظيماتهم الدينية وإجازة النشاط الصهيوني (6)،في محاولة منها لاستمالة يهود جنوب روسيا المسيطرين على مقدرات التجارة و الموارد الأولية في تلك المناطق، والاستمرار في تزويد ألمانيا بها . و قد لعب هذا المموضوع دورا هاما في حث بريطانيا على إصدار وعد بلفور لكي تضمن ولاء هؤلاء التجار إليها و تحول دون قيامهم بتزويد ألمانيا بمستلزماتها الغذائية المستوردة من تلك المناطق، إضافة إلى ممارسة نفوذهم من أجل استمرار روسيا في الحرب . و يورد ليونارد شتاين تقريرا قدمه خبير في وزارة الحربية البريطانية يقول فيه بأن يهود  روسيا يلعبون دورا هاما في الأوضاع الروسية عامة وإن مساعدة يهود جنوب روسيا ذات أهمية سياسية بالنسبة للحلفاء  بالنظر إلى أن العلاقات التي تربط يهود جنوب روسيا بيهود المانيا تجعل من اليهود وسيطا طبيعيا يوفر لدول المحور فرصة استغلال الموا رد الروسية حيث يمكن إيقاف نشاط هذا الوسيط فيما اذا نجحت السياسية البريطانية في كسب تأييد اليهود لها (7).
* عبر لينين عن ذلك بقوله بأن الجنود الروس كانوا يصوتون بأرجلهم ضد الحرب .
من جهة ثانية , فقد كانت الخشية واضحة في الدوائر الصهيوينة و الغربية عامة إزاء احتمال تسلم الحزب الاشتراكي – الديمقراطي البلشفي للسلطة . فإضافة إلى ما يحمله مثل ذلك الحدث من انسحاب روسيا من الحرب، فهو من جهة ثانية سوف يرسي أسس نظام اجتماعي يهدد الغرب الرأسمالي تهديدا حاسما ، و هو من جهة ثالثة ، سوف يؤدي الى القضاء على اليهود السوفييت كرصيد بشري كبير للصهيونية .
ضمن هذه الظروف و التقديرات، رجحت كفة إصدار وعد بلفور، و تم التوقيع عليه في 5 نوفمبر دون الإعلان عنه، حيث تقرر نشره على صفحات الجويش كرونيكل يوم التاسع من نوفمبر . غير أن المفاجأة الكبرى كانت قد حدثت حيث اندلعت الثورة البلشفية و تسلم الحزب البلشفي السلطة يوم 7 أكتوبر (نوفمبر) . و قد أدى الفزع الذي أصاب بريطانيا و الحلفاء الصهاينة إلى الاسراع في نشر وعد بلفور حيث صدرت صحيفة التايمز اللندنية صباح اليوم الثامن من نوفمبر (اكتوبر) حاملة على صفحتها الأولى وعد بلفور، جنبا الى جنب مع أنباء الثورة البلشفية (8) .
بذلت جهود محمومة منذ ذلك الحين لاستنفار الصهاينة و اليهود عامة ضد الثورة البلشفية . يقول مدير الدعاية في وزارة الخارجية البريطانية في ذلك الحين ألبرت هيمسن : ” تركز عملنا الرئيسي في تعميم وعد بلفور على أوسع نطاق .. حيث تم طبع المنشورات بكافة اللغات التي يتكلم اليهود بها .. و قد تم اتخاذ اجراءات خاصة لتأمين وصولها ليهود أوروبا الشرقية و تم إسقاطها على تلك المناطق بواسطة الطائرات” (9). و يعلق ليونارد شتاين على ذلك بقوله : ” كان السؤال الملح على الصعيد الدعائي في ذلك الوقت هو فيما اذا كان يمكن تحويل الوعد إلى عنصر فاعل داخل روسيا .. هل يمكن دفع اليهود إلى الإحساس بضرورة بذل قصارى جهدهم لإجبار روسيا على الاستمرار في الحرب ؟ و فيما إذا كان الأوان قد فات على ذلك، فهل يمكن تركيز  جهودهم على عرقلة استفادة ألمانيا من موارد روسيا و خاصة موارد أوكرانيا ؟ ” (10)
غير أن الإحساس العام الذي ساد بين دول الحلفاء و الحركة الصهيوينية هو أن وعد بلفور قد صدر متأخرا . و قد تضاربت الآراء حول ما إذا كان بإمكان وعد بلفور أن يحقق نتائج هامة داخل روسيا لو صدر قبل قيام الثورة البلشفية، حيث يشير تقرير خبير وزارة الحرب البريطانية السابق الذكر إلى أنه لو صرد قبل ذلك، لكان بالإمكان إحداث تغيير في مسار الثورة، بينما رأى آخرون أن ذلك لم يكن غير مجرد أوهام .
 لقد فشل وعد بلفور في الحيلولة دون وصول الحزب البلشفي للسلطة كما فشل في الحيلولة دون انسحاب روسيا من الحرب العالمية الاولى ، غير أن وعد بلفور بقي محتفظا بأهميته لدى الأوساط البريطانية  الأميركية والغربية عامة بقدر تعلق الأمر باليهود السوفييت، حيث اعتمدته تلك الأوساط كحلقة رئيسة من حلقات الإرتباط الغربي باليهود المذكورين . و قد نقل فيلكس فرانكفورتر، مستشار الرئيس الأميريكي ويلسون في مؤتمر السلام الذي عقد عام 1919 نص حديث جرى بين اللورد بلفور و مستشار الرئيس ويلسون لشؤون فلسطين، برانديس، استعرض فيه الإثنان أوضاع اليهود في الاتحاد السوفيتي و أوروبا الشرقية عامة و خلصا إلى القول :
بلفور : إن المشكلة اليهودية التي لا تشكل المسألة الفلسطينية إلا جزءا منها – رغم كونه جزءا أساسيا – هي من أصعب المشاكل التي تواجه رجال السياسة في أوروبا .. إنها كبيرة التعقيد و ذلك بسبب الظاهرة غير العادية المتمثلة في أن اليهود لا يشاركون فقط في الحركات الثورية و لكنهم بالفعل يشكلون قادة هذه الحركات .
برانديس : إنني أنظر لهذه المشكلة من زاويتي كأميريكي ( علما بأن برانديس يهودي ) و لم تكن لي في حياتي صلة باليهودية و تقاليدها وأني كأميريكي أواجه مشكلة تشرد أعداد كبيرة من اليهود والروس منهم بشكل خاص الذين تدفقوا على الولايات المتحدة سنة بعد سنة…
و يستطرد برانديس قائلا بأن كراسا حول الصهيونية قد وقع صدفة بين يديه و قاده إلى دراسة المشكلة اليهودية و التوصل إلى نتيجة أن الصهيونية هي الحل ” حيث يمكن لهؤلاء الذين يعملون في الحركات الثورية أن يجدوا القنوات الصحيحة للتعبير عن أنفسهم و خدمة الحضارة “. فيرد عليه بلفور قائلا “بالطبع تلك هي الأسباب التي تجعل مني و منك صهيونيين متحمسين” (11) .

 

النشاط الصهيوني بعد ثورة أكتوبر

رغم فشل وعد بلفور في تحقيق غايته الروسية الممثلة في الحيلولة دون وصول الحزب البلشفي للسلطة ،فقد ازداد النشاط الصهيوني بشكل ملحوظ بعد قيام ثورة أكتوبر البلشفية وذلك بفعل عاملين رئيسين و مترابطين أولهما صدور وعد بلفور من جهة، و تردي الأوضاع الاقتصادية للبرجوازية اليهودية نتيجة قيام السلطة البلشفية بتأميم كافة وسائل الإنتاج، و القضاء على أي أثر للتجارة الحرة و ما ارتبط بها من أعمال مختلفة بضمنها الحرف الحرة .
و قد استمرت الأحزاب و التنظيمات الصهيوينة في ممارسة نشاطها السياسي خلال الأشهر القليلة التي تلت تسلم الحزب البلشفي للسلطة، مستغلة ظروف انشغال السلطة بمهام إقرار النظام و حل المشاكل الرئيسة التي واجهتها . و يشار إلى عدد من المؤتمرات و الاجتماعات التي عقدتها الحركة الصهيونية في تلك الفترة تحت غطاء مؤتمرات يهودية، و اتضح في هذه المؤتمرات أن عدد أعضاء الحركة قد ازداد في الساحة اليهودية نتيجة انضمام البرجوازية اليهودية الكبيرة ذات المصالح المضروبة إلى الحركة . ففي مؤتمر يهودي عقد في نوفمبر 1918 في أوكرانيا، حصل الصهاينة على 112,851 صوتا من مجموع الاصوات التي مثلها المندوبون المشاركون و التي قدرت بنحو 209,128 صوتا (12) .
بدأت السلطة البلشفية في محاصرة النشاط الصهيوني في أواسط عام 1918 حيث عهدت بهذه المهمة إلى شعبة الإيفسكتسيا المؤلفة في غالبيتها من يهود أعضاء في الحزب . و في حزيران 1918 تم منع عقد مؤتمر صهيوني دعا إليه جناحا البوند وبوعيل زيون اللذان انضما الى المنظمة الصهيونية العالمية . و في 18\6\1918 صدر بيان رسمي عن السلطة جاء فيه : ”  تقوم العناصر الصهيونية  بدور الثورة المضادة  وتقع على عاتقها مسؤولية إثارة روح التعصب بين الجماهير اليهودية، كما إن الفكرة الصهيونية أداة لتنفيذ الأغراض الإستعمارية التي تتعارض مع الثورة البروليتارية” (13) . و قد جرت في الشهر ذاته محاولة لاغتيال لينين حين أطلقت فتاة يهودية إسمها فاني كابلان النار عليه في اجتماع حاشد و اصابته بجراح بليغة (14).
أدت ظروف الحرب الأهلية إلى تعطيل الحملة التي بوشر بها في أواسط 1918 و بخاصة في أوكرانيا التي شكلت في ذلك الحين معقل النشاط الصهيوني نتيجة انضمام جناح البوند و التجار للحركة الصهيونية. غير أن الحملة قد استؤنفت بعد دحر قوات الثورة المضادة عام 1920 حيث تمت في نيسان 1920 مداهمة المؤتمر العام الذي عقدته اللجنة المركزية للحركة الصهيونية من قبل مجموعة من رجال الإيفسكتسيا بقيادة فتاة يهودية، و قد تم اعتقال 75 عضوا من أعضاء المؤتمر ووجهت إليهم تهمة حيازة منشورات معادية للثورة ووثائق تؤكد اتصالهم ببريطانيا والصهاينة الأميركيين ووثائق تثبت قيام الحركة الصهيونية بتقديم العون المادي للقوات المضادة للثورة المتمركزة خارج الأراضي السوفييتية بقيادة الأدميرال كولشاك.   قد تم الحكم على سبعة من المعتقلين بالأعمال الشاقة لفترات ترواحت بين خمسة أشهر و خمس سنوات (15) .
و إزاء اشتداد المطارد،  نزلت التنظيمات الصهيونية للعمل السري  وأدت سياسة ( النيب ) الإقتصادية التي تبنتها السلطة بعد الحرب إلى فترة من الهدوء النسبي يذكر بأنها استمرت لنحو ثمانية أشهر . و في 13\1\1922 دعت الإيفسكتسيا في  صحيفتها ( الحقيقة ) إلى (( شن حملة لاستئصال الصهيونية من الإتحاد السوفيتي )) (16) حيث استؤنفت مطاردة التنظيمات السرية و بخاصة تنظيمات بوعيل زيون التي شكلت أقوى التنظيمات الصهيونية في أوكرانيا خاصة . و في 22\4\1922،  تمت في كييف مداهمة مؤتمر خاص بالحزب الصهيوني الإشتراكي الذي أسسه جوزيف ترمبلدور عام 1918 بهدف معلن غايته تحويل اليهود عن وظيفتهم الإقتصادية التجارية و تحويلهم إلى مزارعين من  خلال إقامة مزارع جماعية . و تم اعتقال 51 عضوا من المشاركين في المؤتمر المذكور و قدموا للمحاكمة حيث حكم على 12 منهم بالأشغالا الشاقة لسنتين و على 15 آخرين لسنة واحدة (17)
الجدير بالذكر أن منظمة هيحالوتس قد انبثقت عن هذا الحزب ، و كانت المنظمة الصهيونية الوحيدة التي استمرت في العمل العلني بعد نزول المنظمات الصهيونية الأخرى تحت الأرض، وذلك حتى عام 1926  حيث تم القضاء على نشاطها و مصادرة كافة مزارعها .(18). ويمكن تفسير سبب السماح لمنظمة هيحالوتس بالعمل من قبل السلطات السوفيتية  بأن هدفها المعلن و الممثل بتحويل اليهود إلى مزارعين كان منسجما مع سياسة السلطة السوفيتية في ذلك الإتجاه , و يذكر بأن السلطة السوفيتية قد رفضت  طلبا تقدم به زعيم هيحالوتس ترمبلدور عام 1919 للسماح بتهجير مئة الف شاب يهودي إلى فلسطين (19)،  حيث عاد ترمبلدور الى فلسطين بعد ان نظم عملية سرية تم فيها تهجير نحو 1034 عضوا من أعضاء هيحالوتس (30) عن طريق القسطنطينية الى فلسطين (21) .
استمرت حملة الإعتقالات جارية بشكل مكثف منذ عام 1922 . ففي أيلول من العام المذكور تم القاء القبض على ألف صهيوني في أوديسا و كييف و بيرديشيف  و بعض المدن الأخرى في أوكرانيا . و خلال عامي 1923 و 1924 تم اعتقال ثلاثة الاف صهيوني في 150 منطقة و حكم عليهم بعد محاكمتهم بالأعمال الشاقة لفترات تراوحت بين 3-10 سنوات (22) . و في عام 1924، و بينما سمحت السلطات للهستدروت بالاشتراك في المعرض الزراعي الدولي الذي أقيم موسكو، ما لبثت أن داهمت مقره في المعرض حيث تم اعتقال 32 صهيونيا سوفييتيا من الذين احتشدوا فيه و صدرت بحقهم احكام بالسجن تراوحت بين 16 و 17 عاما (23) .
و يذكر بأن النشاط الصهيوني السري بقي مستمرا خلال العشرينات و بأن عدد الصهاينة كان يشكل أضعاف عدد الشيوعيين من اليهود . فقد ورد في صحيفة ( الحقيقة ) الخاصة بشعبة الإيفسكتسيا في 16\6\1922 أنه ” لا يكاد يوجد شيوعيون في العديد من المناطق التي يسكنها اليهود بينما الصهيونيون منظمون جدا ) . و بعد ثلاثة أعوام نشرت الصحيفة ذاتها مقالة جاء فيها : ” إن نفوذ الصهاينة ما زال قويا بين صفوف البرجوازية اليهودية الرثة و لها تاثير كبير على الشباب اليهود ) . و قد قدر عدد الصهاينة المنظمين في تلك الفترة بنحو 30 الفا (24) . بينما يشار إلى أن عدد الشيوعيين اليهود المنظمين عام 1922 لم يتجاوز في أوكرانيا مثلا نحو 8250 عضوا و ذلك بين كتلة يهودية بلغ عددها في أوكرانيا في ذلك الحين نحو 1,773,000 نسمة، و ان عددهم كان أقل من ذلك بكثير في عام 1919 (25) .
استمرت مطاردة النشاط الصهيوني خلال العشرينات وأواسط الثلاثينات حيث تم في عام 1934 القاء القبض على خلية صهيونية في مدينة موسكو و حكم على أعضائها بالسجن لفترات طويلة (26) . و يذكر أنه بين عامي 1936 و 1939 , و هي فترات احتدام الثورة الفلسطينية الأولى، شنت أجهزة الإعلام السوفيتية حملة إعلامية واسعة على مختلف المستويات ضد الصهيونية ( و الصهاينة الإمبرياليين الذين يقومون باضطهاد عرب فلسطين )  و بأن الاجتماعات تعقد في المصانع و المعامل منددة بالصهيونية (27) .  وهذايقود إلى  يقود الاستنتاج بأنه و على الرغم من التحولات الإجتماعية الواضحة التي حدثت في بنية الكتلة اليهودية خلال الثلاثينات فإن التعاطف مع الصهيونية  بقي قائما ضمن بعض القطاعات اليهودية مما حدا بالسلطة السوفيتية إلى شن تلك حملة تثقيفية الواسعة ضد الصهيونية . كذلك يتضح من جهة ثانية فإن العنصر العربي الفلسطيني* قد شكل عنصرا هاما من عناصر الإعلام السوفييتي ضد الصهيوينية. 

الهجرة

انطلقت من الإتحاد السوفيتي منذ عام 1919 و حتى عام 1926 هجرة شملت العديد من القوى المناهضة للنظام الإشتراكي بينهم نسبة كبيرة من اليهود الذين قدر عددهم بنحو 320 ألف مهاجر، اتجه منهم بين عامي 1919 و 1923 نحو 282 الفا إلى الولايات المتحدة الأميركية  ونحو 16 ألفا إلى فلسطين، بينما اتجه إلى فلسطين في عامي 1925 و 1926 نحو 21 الف يهودي آخر. و قد تقلصت الهجرة من الإتحاد السوفيتي بعد عام 1926 تقلصا كبيرا حيث لم يتجاوز عدد اليهود السوفييت الذين غادروا متجهين إلى فلسطين بين عامي 1927 و 1930 عدد 1197 مهاجرا ،كما لم يتجاوز عدد المهاجرين الى فلسطين بين عامي 1931 و 1936 نحو 1848 مهاجرا ثم توقفت الهجرة توقفا شبه تام منذ عام 1936 . في ضوء ذلك يكون عدد اليهود السوفييت الذين وصلوا فلسطين بين عامي 1919 و 1939 نحو أربعين ألفا، وذلك من كتلة يهودية بلغت في ذلك الحين نحو ثلاثة ملايين(29) .

_____________________________

*كانت الثورة الفلسطينية الأولى قد استقطبت الإهتمام الدولي في الثلاثينات و دخلت كعنصر في الإعلام و السياسة السوفيتية ، خاصة أن الثورة الفلسطينية كانت موجهة ضد الصهيونية و الانتداب البريطاني، و هناك ما يشير إلى أن العنصر الفلسطيني قد احتل أهمية في السياسة و الاعلام السوفيتي بعد قيام ثورة اكتوبر مباشرة . ظهر ذلك في مؤتمر باكو لشعوب الشرق الذي عقدته الاممية الثالثة عام 1921 حيث أدانت الوثيقة الصادرة عن المؤتمر ما تمارسه الصهيونية من اضطهاد لعرب فلسطين ، كما برز واضحا في القرار الذي اعتمده المؤتمر الثاني للاممية الثالثة عام 1920 بناء على التوصية التي تقدمت بها إستر فرومكين . و في عام 1929 اعتبر الكومينترن انتفاضة عرب فلسطين بانها انتفاضة وطنية ضد الصهيونية .
و قد تزعمت إستر فرومكين، و هي إحدى عضوات حزب البوند سابقا وانضمت الى الحزب الشيوعي بعد ثورة أكتوبر، عملية إقصاء ممثل البوعيل زيون عن القبول كعضو في الأممية الثالثة . و قد جاء في مداخلتها التي اعتبرت وثيقة من وثائق المؤتمر و اعتمد عليها في اتخاذ قرار إدانة الصهيونية (28).
و من المرجح  أن الموجة اليهودية الأولى التي وصلت فلسطين قد تألفت في غالبيتها من الصهيونيين المنظمين، بينما يعود توجه غالبية الموجة الثانية لفلسطين إلى التغير الذي حصل في السياسة الأميريكية إزاء الهجرة، حيث أصدرت الولايات المتحدة في عام 1924 أول قانون شامل أدى إلى منع دخول المهاجرين اليهود إليها وعرف باسم “خطة الاصول القومية” . و يجدر التوقف هنا أمام هذا القانون في ضوء الدور الذي لعبه في توجيه الهجرة اليهودية نحو فلسطين منذ العشرينيات و إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية .
فمنذ عام 1921 أصدرت الولايات المتحدة الأميركية سلسلة من القوانين للحد من دخول المهاجرين اليها و ذلك بعد أن تصاعدت الإحتجاجات من قبل نقابات العمال الأميريكيين الذين احتجوا بأن المهاجرين يغرقون السوق بالعمل الرخيص . و كانت هذه القوانين موجهة بشكل رئيس ضد اليهود السوفييت . ففي عام 1921 صدر أول قانون بهذا الشأن . واعتمد هذا القانون مبدأ عنصريا انتقائيا في اختيار المهاجرين الذين يسمح لهم بدخول الولايات المتحدة ،حيث اعتمد احصاء عام 1910 للنفوس و حدد النسبة المقررة للسماح بنحو 3% من عدد كل أقلية متواجدة حتى ذلك التاريخ في الولايات المتحدة . غير أنه مع تزايد ضغط هجرة اليهود السوفييت بشكل خاص،  بادرت الحكومة الاميركية عام 1924 إلى تعديل القانون السابق فخفضت النسبة المذكورة إلى  2% ، كما تم اعتماد إحصاء عام 1890 بدلا من إحصاء عام 1910  وذلك في ضوء أن عدد اليهود الذين كانوا في الولايات المتحدة آنذاك كان قليلا  و بهدف حصر قبول المهاجرين بأقليات أوروبا الغربية . و تبدو أغراض هذا التصنيف واضحة في ضوء أن الهجرة من أوروبا الغربية في ذلك الحين كانت ضئيلة . و قد وصفت الدوائر الاميركية هذا القانون في حينه بأنه ” يساعد على الحفاظ على النقاء العنصري والتوازن العرقي و التجانس من أجل الحفاظ على القومية و الديمقراطية في الولايات المتحدة” . و مع تزايد حدة الأزمة الإقتصادية العالمية،  تم في عام 1929 إجراء تعديل جديد على القانون المذكور حيث تم تصنيف السمات بشكل نهائي على النحو الآتي : 81% لأوروبا الغربية و الشمالية، 16% لأوروبا الجنوبية و الشرقية ،21% لغيرالاوروبيين . كما تقرر إصدار 150 ألف سمة في السنة الواحدة (30) . يقول روبين : “شهد عام 1921 أول موجة كبيرة من الهجرة اليهودية منذ عام 1914 حيث بلغ مجموع المهاجرين من الإتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية نحو 141 الفا توجه منهم نحو 119 ألفا إلى الولايات المتحدة و توجه نحو 8517 إلى فلسطين بينما اتجه الباقون نحو كندا و الأرجنتين و بعض البلدان الأخرى”. ثم يستطرد قائلا : ” إلا أن عام 1922 شهد تنفيذ أول قانون للحد من الهجرة إلى الولايات المتحدة حيث توالى تخفيض عدد السمات الممنوحة لليهود بحيث بلغت منذ عام 1924 و حتى عام 1933 معدل عشرة الآف نسمة فقط في العام الواحد” . و يشير روبين كذلك إلى أن الولايات المتحدة لم تسمح في عام 1931 الا بدخول 48 اأف مهاجر بينما كانت السمات المقرر إصدارها نحو 153ألف سمة , و بأن عدد السمات الممنوحة لليهود تقلص أكثر من السابق في عام 1933 ،في الوقت الذي بدأت فيه الهجرة اليهودية من ألمانيا، حيث لم يدخل الولايات المتحدة في ذلك العام سوى 5692 يهوديا، داخل نصفهم بموجب سمات بينما دخل النصف الآخر عن طريق التهريب (31). و قد استمرت الولايات المتحدة الأميركية في منع هجرة اليهود اإيها طيلة فترة الحرب العالمية الثانية و ما بعدها . و في حين بلغ عدد اليهود المشردين و الهاربين من وجه النازية حتى عام 1939 نحو مليونين و نصف المليون، لم يستطع دخول الولايات المتحدة منهم سوى 170 الفا، و كانت أبواب أوروبا الغربية قد اوصدت  في وجوه المهاجرين اليهود السوفييت منذ بداية القرن بفعل قوانين مشابهة، و كذلك في كندا و جنوب افريقيا وأستراليا .(32)

_____________________________

الفصل الثامن

الحرب تهدم ما بناه السلام

كتلة يهودية جديدة في الاتحاد السوفيتي

بدأ الهجوم الألماني على الإتحاد السوفيتي في حزيران 1941 رغم كافة المحاولات التي بذلها ستالين لدرء ذلك الهجوم . فبعد توقيع بريطانيا و فرنسا في عام 1938 على معاهدة ميونيخ مع ألمانيا النازية في محاولة منهما لجعل هجماتها تتوجه نحو الشرق، بادر ستالين عام 1939 إلى عقد معاهدة مولوتوف – روبينثروب في محاولة لردع هتلر عن الهجوم على الإتحاد السوفيتي ،كما قام بعد عقد تلك المعاهدة بالزحف على منطقة البلطيق حيث احتل ليتوانيا ولاتفيا و ستونيا و بعض الأجزاء البولونية الشرقية لتأمين خطوط دفاعه .
كان من جراء ذلك الزحف أن أصبحت لدى الاتحاد السوفيتي كتلة بشرية يهودية جديدة قوامها يهود تلك المناطق . كما اضطر الاتحاد السوفيتي مع الهجوم الذي شنته ألمانيا على الأجزاء الغربية من بولونيا، إلى فتح حدوده لاستقبال مئات الالاف من اليهود البولونيين الذين تدفقوا هربا من عجلة الإبادة الهتلرية .
اختلفت المصادر حول حجم هذه الكتلة اليهودية الجديدة *،حيث تراوحت التقديرات بين 1,800,000 (1) و 1,930,000 نسمة (2) . و فيما كانت المشكلة اليهودية في الاتحاد السوفيتي قد أصبحت على وشك الزوال النهائي،  اذ بهذه المشكلة تبرز مجددا وبعدة جوانب ورؤوس .

 

  • قدر عدد يهود المناطق المختلفة الذين تدفقوا على  الإتحاد السوفيتي بما يلي (3) :

 

1,250,000 من المناطق البولونية الجنوبية الشرقية
  • 277,500 من مقاطعات بيصارابيا و بوكوفينا الرومانية

 

265,000 من ليتوانيا ولاتفيا وستونيا
  • 300,000 من المناطق الأوروبية الأخرى التي احتلتها  الجيوش  النازية
 اضطرت السلطات السوفيتية، إضافة إلى ما استجد من مهمات تحسبا للهجوم الهتلري المرتقب ، إلى تكريس جزء كبير من الجهد لنقل اليهود، المستهدفين ظاهريا في الغزو الهتلري، من المناطق الشرقية نحو الداخل الروسي و تأمين حمايتهم، فمنذ عام 1939 و إلى ما قبل الهجوم ، جرت عملية نقل منتظمة لغالبية يهود المناطق الغربية نحو المناطق الشرقية النائية ضمن ظروف بالغة الصعوبة .
و يؤكد العديد من الكتاب، بل ويعترف بعض الكتاب الصهيونيين أن السلطات السوفيتية قد أعطت الأولوية في عملية النقل هذه لليهود (4) . أما إسحق دويتشر فيقول : “علينا ان نتذكر أنه و بالرغم من كل تلك الجرائم التي ارتكبها ستالين، فانه هو نفسه الذي أمر بتقديم المساعدة لمليونين و نصف المليون من اليهود في المناطق المحتلة في روسيا، و ذلك بنقلهم إلى المناطق الداخلية من البلاد، الامر الذي أنقذهم من معسكرات الإعتقال النازية و من غرف الغاز، و هذه حقيقة يميل القومي اليهودي و الصحافة الصهيوينة إلى تناسيها “(5)  . و يؤكد دويتشر أيضا أن العديد من اليهود قد رفضوا ترك أماكنهم رغم تحذيرات السلطات السوفيتية لهم حيث لم يكونوا مدركين لحقيقة العواقب التي تنتظرهم , و يورد مثلا على ذلك سكان مدينة تاناغاروغ اليهودية (6) . و قد قدر عدد الذين تم نقلهم من اليهود بمئات الالاف . فمن مدينة كييف وحدها تم نقل نحو 115 ألفا من يهود المدينة البالغين  180 الفا.  كما تم نقل 100 ألف يهودي من مدينة أوديسا، وذلك من مجموع 175 ألف يهودي كانوا يقطنونها (7) .
و قد جاء في تصريح للكاتب اليهودي السوفيتي دافيد برغلسون أن نحو 80% من يهود المناطق الغربية التي تعرضت للغزو الهتلري قد تم نقلهم إلى المناطق الداخلية الآمنة،
 وأن مدينة كييف تكاد تكون هي المدينة الوحيدة التي بقي فيها عدد كبير من اليهود دون أن يتم نقلهم بسبب سرعة الهجوم الهتلري (8) . و قد جاء في مجلة الجويش ورلد ــ The Jewish World ـــ في عام 1944 أن الحكومة السوفييتية قد وفرت وسائل النقل اللازمة لإنقاذ اليهود حتى على حساب المجهود الحربي (9) .
و يقول أندريه ديكي بأن وسائل النقل هذه شملت القطارات و اللوريات و السيارات و العربات التي تجرها الخيول , كما كتب أوجين في نشرة (خايازا) عام 1946 : ” ليس هناك من شك في أن السلطات السوفيتية قد اتخذت إجراءات خاصة لإخلاء اليهود و تسريع عملية هربهم التلقائية … فإلى جانب عملية نقل الكوادر الحكومية و عمال المصانع و غيرهم , تم اعطاء الأولوية لكافة اليهود حيث تم تقديم آلاف القطارات لهم في ضوء أنهم كانوا أكثر المستهدفين بين السكان … ” (10) .
وكتب كوليشر عام 1948 دراسة مكثفة عن حركة الهجرة اليهودية تم نشرها من قبل جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة  الأميركية جاء فيها :
” لقد تم نقل كافة معدات المصانع و العاملين في المصانع كما تم نقل الجماهير اليهودية العريضة ” (1). و  نشر موشي كاغانوفيتش مجلدين ضم فيهما مذكراته، صدر الأول منهما في إيطاليا عام 1948 و الثاني في الأرجنتين عام 1956 أكد فيهما أنه بناء على التعليمات التي صدرت عن السلطات السوفيتية ، فقد تم توفير كافة وسائط النقل من أجل إخلاء اليهود و بأن أمرا قد صدر بإخلاء اليهود قبل جميع الآخرين (12) .
 
مع بدء الغزو الألماني والاحتلال الخاطف الذي قامت به الجيوش الهتلرية للأراضي الروسية، و الذي اوصلها إلى أبواب موسكو ، برزت في المناطق الغربية صورة أخرى من صور المشكلة اليهودية , تلك هي مشكلة الحساسية الجماهيرية و الأوكرانية منها بشكل خاص إزاء اليهود . فلقد لعبت أجهزة الدعاية النازية دورا كبيرا إبان عملية الاحتلال في الإيحاء للاوكرانيين بأن اليهود هم المستهدفون من الهجوم و بأن اليهود هم السبب في تعرض أراضيهم للغزو . يقول دويتشر :  ” كانت النداءات الحادة التي يبثها الراديو و الدعاية و الكراسات النازية تعلن للسكان في روسيا أن  “هذه هي مكيدة يهودية ، انكم تخوضون الحرب لمصلحة اليهود و غالبا ما بدت هذه الحجة المغلوطة مقبولة لدى أعداد كبيرة من الروس و الأوكرانيين ” (13)
و بالفعل فقد شكلت أوكرانيا منذ ايام الردة المضادة للثورة في العشرينات تربة خصبة تقليديا لهذه الدعاية، حيث يشار بأن العديد من الأوكرانيين قد اخذوا يتعاونون مع النازيين في الفترة الأولى من الاحتلال و شاركوا في العديد من عمليات الإبادة ضد اليهود، مما حدا بالسلطات السوفيتية المشلولة في ذلك الحين إلى إصدار التهديدات لهؤلاء الاوكرانيين و توجيه تهمة الخيانة العظمى لكل من يتعاون مع النازيين و يشارك في مذابح اليهود (14) . و الجدير بالملاحظة هنا هو أن القوات النازية قد عمدت إلى إبادة القوات و العمال و موظفي الدولة السوفييت إضافة إلى اليهود بينما امتنعت عن التعرض للسكان الأوكرانيين المدنيين ضمن السياسة الألمانية الرامية إلى السيطرة التامة و الدائمة على أوكرانيا . ففي مدينة كييف مثلا ارتكبت القوات النازية اضخم مجزرة حيث تم سوق اليهود الذين مكثوا في المدينة و البالغ عددهم نحو 30 ألفا إلى منطقة بابي يار و إبادتهم جميعا . و أعقبت ذلك بسوق الجنود و البحارة و موظفي السكك و العمال إلى نفس المنطقة و إبادتهم فيها . و قد جاء في تصريح لوزير الخارجية السوفيتية انذاك، مولوتوف  بأن عدد ضحايا كييف قد بلغ 52 ألفا : ألف يهودي و 19 ألف روسي و أوكراني ” (15).

 

المشكلة اليهودية مجددا

تأزمت الأمور بعد انتهاء الحرب بشكل أكثر حدة ، حيث عملت الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية التي خلفتها الحرب على بروز مشكلة يهودية جديدة ما لبثت أن أخذت بالتفاعل مع الحل الصهيوني الذي طغى على سطح  أحداث النصف الثاني من الأربعينيات . فقد كان النصر الذي حققه الإتحاد السوفيتي على ألمانيا الهتلرية باهظ التكاليف.  فإلى جانب ما يزيد على 20 مليون قتيل سوفيتي ،  تدهور الإنتاج الزراعي إلى 60% مما كان عليه قبل الحرب، و تقلص الإستهلاك في المدن إلى نحو 40% ، هذا إلى جانب الدمار و الخراب الذي حل بالمدن و القرى مخلفا الجماهير هائمة على وجوهها . لقد ربح الإتحاد السوفييتي النصر، غير أنه خسر معظم ما كان قد حققه من انجازات اإتصادية و اجتماعية خلال الخطتين الخمسيتين الأولى و الثانية اللتين جرى تطبيقهما في الثلاثينات ، و كان عليه أن يبدأمن جديد . يصف دويتشر حالة الجماهير السوفييتية بعد الحرب قائلا : ” لقد عادوا إلى مدنهم و قراهم واثقين من قدرتهم على التصدي لأية مهمة أو صعوبة … لكن العمل بمقتضى هذا التصميم لم يكن يسيرا، بل و حتى ممكنا ، فنظرة واحدة منهم إلى خراب مدنهم و قراهم المحروقة ، كانت كفيلة بأن تكشف لهم أنهم مضطرون اإى موجهة فقر أشد إدقاعا من الذي اعتادوه و بأن العمل المضني و الشاق هو وحده شرط بناء أسس وجودهم الوطني” (16) . بل إن الأمر لم يقف عند هذا الحد، حيث ما لبث عام 1946 أن شهد كارثة حصاد لم تشهد مثلها البلاد منذ نصف قرن، و انتشرت المجاعة وأخذ الناس يموتون جوعا بعد أن كانوا يموتون من الحرب . و في العام نفسه، و بينما الناس تحصي قتلاها ، قرع ناقوس الحرب الباردة، ووقف تشرشل محذرا من “التصدي المتنامي و الخطر الذي يهدد الحضارة من الطوابير الخامسة الشيوعية ، مهيبا بالولايات المتحدة الأميركية أن تحافظ على تفوقها في مجال الأسلحة النووية . لم تكن القنابل الذرية التي ألقتها الولايات المتحدة الأميركية فوق هيروشيما و ناكازاكي قد خمدت بعد، واذ بالمواطن السوفيتي، كما يعبر دويتشر عن ذلك، يحس ” و كأن القنابل الذرية سوف تبدا بالانهمار عليه قبل منتصف الليل” (17)  .
عاد بعض اليهود البولونيين بعد الحرب الى بولندة * , و بقي البعض منهم في الاتحاد السوفيتي حيث كانت السلطات قد منحتهم جميعا حق المواطنة السوفيتية (18) . كما أصبحت ليتوانيا و لاتفيا وستونيا ضمن جمهوريات الإتحاد السوفيتي . و قد نشات أول مرحلة من هذه المشكلة حين أخذ اليهود الذين تم نقلهم خلال الحرب إلى الداخل بالعودة إلى مواطنهم الأصلية و بخاصة أوكرانيا. فقد وجد هؤلاء اليهود بيوتهم إما أن الحرب قد هدمتها أو أن الأوكرانيين قد احتلوها، إضافة إلى ما ظهر

———————-

* يذكر بانه قد تمت عودة 175 الف يهودي بولوني عام 1945 و 14 الف يهودي بولوني عام 1975 إلى بولونيا وفق اتفاقيات عقدت بين الحكومتين السوفيتية و البولونية (شختمان ص 27 ) .
 واضحا من أن الأوكرانيين لا يرحبون بعودتهم، حيث أدى ذلك إلى توجه عدد من هؤلاء اليهود إلى جمهوريات آسيا الوسطى .
شكل ذلك أول تواجد ليهود المناطق الغربية في المناطق السوفيتية الشرقية ، و ذلك إلى جانب اليهود من السكان الأصليين المختلفين عرقيا عنهم . و قد اتضح من الإحصاء العام الذي جرى عام 1959 أن يهود المناطق الغربية قد انتشروا بنسب متفاوتة في كافة الجمهوريات التي لم يتواجدوا فيها قبلا مثل مولدافيا و أوزبكستان التي تواجد فيها 74 ألف يهودي غربي، إلى جانب نحو عشرة آلاف يهودي أوزبكستاني .
و في ضوء اقتلاع نحو نصف يهود أوكرانيا من مناطقهم و توزعهم في الجمهوريات و المدن المختلفة، أخذت تبرز في صفوفهم شرائح جديدة من الحرفيين و التجار العاملين في السوق السوداء سواء في أوكرانيا أو في تلك المناطق الجديدة. يقول دويتشر : “لقد وجد هؤلاء اليهود أنفسهم في موقف غريب .. فقد أصبحوا بعد إخلائهم السريع و انتقالهم إلى كازاخستان وأوزبكستان و جمهوريات آسيا في حالة ارتباك و يأس ، و القي بهم في أوساط مجاعة حقيقية , و بذلك أصبحوا بارزين في السوق السوداء . لقد عادوا سماسرة .. فهم ليسوا مزارعين و لا فلاحين لكي يظفروا
بقطعة أرض حتى في أسوأ الظروف ، كما لم يكن معظمهم من العمال المهرة . إن شيئا من عقلية التاجر كان يلازمهم .. هكذا أصبح التاجر اليهودي يختزن ما يتيسر من الشاي و السكر و بعض أكياس القمح و البطاطس و يبيعها بأحسن سعر يمكنه الحصول عليه .. أما جميع غير اليهود الذين حولهم فقد كانوا يموتون جوعا ”  (19).
انتعشت ضمن تلك الأجواء مشاعر الكراهية الشعبية القديمة لليهودي للتاجر كما انتعشت مشاعر الخصوصية اليهودية بين بعض القطاعات اليهودية، تلك المشاعر التي ما لبثت أن خضعت لاستغلال القوى الصهيوينة التي أخذت ترسم لهم آمال الازدهار الإقتصادي وأوهام العزة القومية في فلسطين . و مع مجيء الخمسينيات، و على الرغم مما حققه الإتحاد السوفيتي من قفزة هائلة في البناء الاقتصادي و التطور الاجتماعي و الوصول الى عهد الانتاج الذري، فقد حملت التركيبة الإجتماعية – الاقتصادية لليهود السوفييت اتجاها تقليديا بقي متميزا عن التركيبة الاجتماعية – الاقتصادية للشعوب السوفيتية الأخرى.
 ظهر ذلك التمايز بوضوح مع بداية تسريع عملية إعادة البناء الاشتراكي حيث اتضح أن عدد اليهود العاملين في التجارة الحرة في أواخر الخمسينيات قد بلغ نحو نصف مليون فرد ، و ذلك من مجموع عدد العاملين في التجارة البالغ عددهم نحو خمسة ملايين من عموم المواطنين السوفييت(20)، وذلك وفق ما أورده الدليل الإحصائي لعام 1961 في الاتحاد السوفيتي.  و تتضح ضخامة هذا العدد لدى مقارنته بمجموع اليهود السوفييت البالغ نحو مليونين والمجموع العام للموطنين السوفييت البالغ 209 ملايين وفق إحصاء 1959 . و يعني ذلك أنه فيما كان عموم التجار يشكلون نسبة 2,4 % تقريبا من مجموع السكان،  شكل التجار اليهود نسبة 20% من العاملين اليهود و نسبة 19% من مجموع التجار بينما لم تكن النسبة السكانية لليهود تزيد على 1% .

 

و قد اصدرت السلطات اللسوفيتية في أواخر الخمسينيات قرارات تحظر العمل التجاري الحر، و تم في عام 1961 سن قانون تنفيذ حكم الإعدام بمرتكبي الجرائم الاقتصادية و تم بموجبه تنفيذ حكم الاعدام بعدد تراوح بين 111 و 162 تاجرا من السوق السوداء وفق مصادر مختلفة حيث يشار بأن نحو نصفهم كان من اليهود .

 

إن ما يمكن استنتاجه في هذا المجال هو أن عملية إعادة بناء الإشتراكية منذ أواخر الخمسينيات قد أدت إلى ضرب مصالح نحو 20% من اليهود . و يذكر بأن تنفيذ قوانين الجرائم الاقتصادية و ملاحقة العاملين في السوق السوداء قد استمر حتى أواسط الستينيات .
من جهة اخرى، فقد شهدت أواسط الخمسينات و السنوات التي تلتها ارتفاعا بالغا في عدد الطلاب اليهود في المعاهد العليا و الجامعات . و في عام 1960 حقق اليهود النسب التالية من مجموع العاملين في مختلف الاختصاصات في الاتحاد السوفيتي : 37,40% من الاطباء , 40% من المحامين و القضاة , 9% من الفنانين , 9,8% من الكتاب و الصحفيين , 19% من الموسقيين , 11% من العاملين في مجالات البحث العلمي (21).
و إن دلت هذه النسب على شيء فهي تدل على أن اليهود قد أصبحوا خلال السنوات القليلة التي اعقبت الحرب يتمتعون بأوضاع اقتصادية متميزة عن بقية شعوب الإتحاد السوفيتي،و بشكل أدى إلى منح ابناء الفئة التجارية بشكل خاص فرض دخول الجامعات و المعاهد العليا بدلا من أن تضطرهم الحاجة الإقتصادية للتوجه نحو العمل في المعامل و المصانع. كما تدل من جهة ثانية على تمتعهم بالمساواة التامة في الحقوق، و بأن أية قيود لم يتم فرضها للحد من ارتفاع نسبهم في الجامعات و المعاهد العليا . و يذكر بان 102 مهندسا بينهم عشرة مهندسين يهود تلقوا جائزة لينين في عام 1966 . كما توالى منح جائزة الدولة على امتداد السنوات التالية على النحو التالي : عام 1967 : 203 سوفيتيا بينهم 29 يهوديا , عام 1968 : 192 سوفيتيا بينهم 30 يهوديا ،عام 1971 : 228 سوفيتيا بينهم 26 يهوديا، عام 1972 : 185 سوفيتيا بينهم 21 يهوديا * (22).
ومع نمو و تزايد وتيرة التطور السوفييتي و تحسن المستوى المعيشي للشعوب السوفيتية فقد توافرت فرص التعليم الجامعي العالي للعديد من أفراد هذه الشعوب وأدى ذلك بطبيعة الحال إلى انخفاض النسب العامة لليهود في المجالات الآنفة الذكر . ففي عام 1966 مثلا انخفضت النسب العامة للاطباء اليهود من 37,4% عام 1960 إلى 14,7% ، كما انخفضت نسبة المحامين و القضاة الى 10,4% و الموسقيين الى 7,7%  (23) . غير أن هذا لا يعني أن تدهورا قد طرأ على مستوياتهم الاجتماعية و الاقتصادية  بل على العكس، حيث تشير دراسة جرت عام 1968 أن نحو 4% من مجموع اليهود السوفييت قد أصبحوا في عداد الإختصاصيين في المجالات العلمية و الثقافية (24).
_________________________
* تحاول الدعاية الصهيونية باستمرار الطعن في المساواة التامة التي يتمتع بها السوفييت و تبرير هذه الحقائق يعزوها الى ما تسميه بذكاء اليهود و تفوقهم بحيث انهم يفرضون على المجتمع بينما تؤكد الوقائع الموضوعية كم هي واهية هذه الادعاءات و كم هي عنصرية و منافية للعلم فارتفاع هذه النسب انما يعود للظرف الاقتصادي الذي توافر لليهود و هيأ لهم الفرص لدخول الجامعات . و سيلاحظ بان هذه النسب قد اخذت بالتقلص في اواخر الستينات مع تحسن الظروف الاقتصادية لشعوب الاتحاد السوفيتي و تدفق طلاب القوميات المختلفة على الجامعات.
 و لدى النظر إلى هذا الرقم في ضوء العدد الكلي لليهود و البالغ نحو 2,6 مليون في تلك الفترة، فسيتضح بأنه  كان هناك عام 1968 نحو 700 ألف إختصاصي يهودي أو في طريقه الى التخصص، بل يذكر ان عدد الطلاب اليهود في الجامعات و المعاهد العليا السوفيتية تجاوز في أواخر الستينات 110 آلاف طالبا بينما لم يكن عدد الطلاب اليهود في الجامعات و المعاهد الإسرائيلية قد تجاوز 35 الفا غم أن العدد الكلي لليهود السوفييت يقل عن عدد اليهود في اسرائيل . يقول كوشان : ” يشكل اليهود في الاتحاد السوفيتي مجموعة ممتازة و نادرة بين قوميات الإتحاد السوفيتي. فهم في تركيبتهم الاجتماعية – الثقافية يشبهون إلى حد كبير المجموعات اليهودية في بلدان الغرب المتطورة اكثر مما يشبهون اية قومية في الاتحاد السوفيتي او حتى في اسرائيل(25).
    
و تجدر الملاحظة هنا أيضا أن اليهود السوفييت، و في ضوء هذا الواقع ، لم يوجدوا كعمال سواء في المصانع الثقيلة أو الأعمال الزراعية إلا بشكل هامشي لا يكاد يذكر . و يؤكد ذلك أن معظم الإحصائيات التي تورد توزع اليهود الإقتصادي و المهني للعقدين الأخيرين لا تورد أية احصائيات عن عدد اليهود في المعامل و المصانع الثقيلة و الزراعية . و يذكر شيختمان أن أحد الشباب الروس قد بادر مرة بالسؤال لدى زيارته للإتحاد السوفيتي قائلا : ” هل تستطيع أن تفسر لي لماذا لا يوجد إلا القليل جدا من اليهود في مجالات العمل الشاق، و لماذا يحتشدون في مجالات المهن الراقية كالموسيقى و الطب و الشطرنج ؟ ” (26).
و من الواضح أن عاملين رئيسين قد أديا دورهما في الوصول إلى هذه التركيبة الإجتماعية اليهودية وهما : أن نحو 98% من اليهود السوفييت هم سكان مدن بينما لا تزيد نسبة سكان المدن من الشعوب السوفيتية الأخرى على 52%  (27)، حيث أن من طبيعة سكان المدن أن يتوجهوا إلى المجالات العلمية و الثقافية لدى توفر العامل الآخر لديهم و هو المتمثل بالمستوى الاقتصادي المريح على أقل تقدير، وهو الذي تم توفره لليهود بشكل عام بحكم تلك الأموال التي تراكمت بين أيديهم من خلال أعمال التجارة و السوق السوداء خلال خمسينيات  القرن التاسع عشر. و يكاد يكون هذا الوضع الجديد كبير الشبه بذلك الوضع الذي ساد في أوائل الستينات من القرن التاسع عشر حين تدفق الشباب اليهود على الجامعات و المعاهد العليا منطلقين من حظيرة التوطن اليهودية .

 

النشاط لصهيوني خلال و بعد الحرب العالمية الثانية

مع انتقال نحو مليونين من اليهود غلى نطاق الاتحاد السوفيتي بين عامي 1939 و 1941، اتخذ النشاط الصهيوني في أبعادا جديدة  حيث يذكر بأن عددا كبيرا من اليهود اللاجئين والبولونيين منهم بشكل خاص، كانوا أعضاء في التنظيمات الصهيونية المختلفة او مشبعين بالفكرة الصهيوينة بشكل عام، وأخذوا يمارسون نشاطهم مستغلين ظروف الحرب . و قد عمدت السلطات السوفيتية إلى شن حملة واسعة النطاق ضد العناصر الصهيونية النشيطة حيث يذكر بأنه قد تم بين عامي 1939 و 1941 إعتقال بضعة آلاف منهم ، كما يذكر بأنه قد تم الإفراج عن بعضهم في عام 1941 بعد تدخل مباشر من الرئيس البولوني الجنرال سيكورسكي، بصفتهم موطنين بولونيين (28)، و بأن هؤلاء توجهوا بعد الإفراج عنهم إلى جمهوريات أوزبكستان و كازاخستان واسيا الوسطى أملا في الهجرة إلى فلسطين . غير أن مصادر أخرى تشير إلى أن السلطات السوفيتية قد حالت دون هجرتهم رغم أن البعض منهم كانوا يحملون تأشيرات دخول إلى فلسطين قبل مغادرتهم بولونيا.
 ويورد بنجامين ويست حديثا مع بعض هؤلاء يقولون فيه بأن السلطات السوفيتية قد ردت على طلباتهم قائلة [نه يمكن لهؤلاء اليهود أن يظلوا في الاتحاد السوفيتي و ليس هناك ما يمنع من ان تكون روسيا إسرائيلهم” (29).  و جاء في رسالة بعث بها أحد الصهيونيين الذي استطاع الوصول إلى طهران في عام 1944 إلى أصدقاء له في فلسطين : ” ليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل بشأن حدوث تبدل في الموقف السوفيتي من الصهيونية .. فالاضطهاد على أشده، و هوالان أسوأ منه في أي وقت مضى (30). كذلك يشار إلى أن محاكمات قد جرت في عام 1944 لأفراد بتهمة النشاط الصهيوني، منها محاكمة شاب يدعى موشيه لوفغاس في سمرقند، وبأن من بين التهم التي كانت توجه للمتهمين إنشاء تنظيم لتهجير اليهود إلى فلسطين عبر إيران ، و أنه قد جرت في الفترة ذاتها محاكمة أخرى لخمسة أشخاص في مدينة بريست بتهمة التحريض على الهجرة إلى فلسطين، وأن كافة الوسائل المتبادلة بين الاتحاد السوفيتي و فلسطين كانت خاضعة للرقابة (31) . يقول البروفيسور برنارد فاينرب :
” كان يهود بولونيا في الثلاثينات العمود الفقري للحركة الصهيونية .. في عام 1934 شكل الصهيوينون المنظمون في مختلف التنظيمات الصهيونية نحو 43% من مجموع النواب اليهود في بولونيا، حيث وصلوا إلى مناصبهم هذه بقوة 374,398 صوتا صهيونيا، و بأن نحو 243,339 يهوديا قد أفادوا في الإحصاء العام الذي جرى في بولونيا عام 1931، بأن لغتهم الأصلية هي العبرية .. و يستطرد فاينرب قائلا : ” هكذا جوبه الإتحاد السوفيتي في عام 1939 بنحو مليونين من اليهود الصهاينة جدا في غالبيتهم (32).
من جهة ثانية،  أدت سياسة استثارة المشاعر القومية التي تبناها ستالين مع بدء الغزو الهتلري بهدف تحفيز شعوب الإتحاد السوفيتي للدفاع عن الوطن الى إحياء ماض بات شبه منته بالنسبة للسوفييت،  ايجاد نعرات جديدة دونما مبرر حقيقي حيث أن هذه السياسة ما لبثت أن أنعكست على الواقع اليهودي بالسماح بعودة مدارس الييديش و الصحف الييديشية و غيرها من معالم الحياة الإجتماعية الخاصة . و قد جاء في صحيفة الجويش كرونيكل الصادرة في لندن في الأول من نوفمبر 1940 ما يلي : ” لقد افتتحت المدارس الإبتدائية و الثانوية التي تدرس بها لغة الييديش في كل من كورنوفتز و كيشينيف و العديد من المدن الأخرى بهدف تنظيم وإعادة الحياة اليهودية إلى عدد كبير منهم، كما افتتحت المسارح اليهودية و المكتبات، و بذلت الجهود لإيجاد أعمال لليهود الذين لا عمل لهم (33) . و في نيسان 1942 تم تشكيل لجنة يهودية خاصة مهمتها القيام بالإعلام الداخلي بين صفوف اليهود من جهة و استقطاب تأييد العالم الخارجي واليهود الأميركيين بشكل خاص من جهة أخرى .

اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية

ضمت هذه اللجنة عددا من الشخصيات اليهودية البارزة منها الكاتب المعروف إيليا أهرينبورغ و الشاعر إسحق فيفر والممثل الشهير سولومون ميكولس و غيرهم .
نشطت هذه اللجنة نشاطا واسعا وأصدرت مجلة خاصة بها اسمها ” إينكايت” (Enkeit) كما قامت في عام 1943 برحلة إلى الولايات المتحدة لجمع التبرعات .
 و تشير وثائق هذه اللجنة إلى أنها لعبت دورا كبيرا خلال الحرب وبعدها في توريط السلطة السوفيتية الممثلة بشخص ستالين في ذلك الحين نحو تأييد المشروع الصهيوني، و بالتالي التصويت على قرار التقسيم و الاعتراف بدولة اسرائيل . كان معظم أعضاء هذه اللجنة مؤيدين للمشروع الصهيوني و كانوا مقربين جدا الى ستالين حيث يشار إلى أن ميكولس كان يقوم بزيارات مستمرة إلى ستالين شخصيا . فقد تعددت نشاطات هذه اللجنة المهمة التي شكلت أساسا للقيام بها، و هي مهمة كسب تأييد يهود الولايات المتحدة و التأثير على الحكومة الأميركية لمساعدة الاتحاد السوفيتي، حيث ما لبث بعض أعضائها أن أخذوا يقيمون الاتصالات بالحركة الصهيونية و يدعمون نشاطاتها . يذكر مايكل غودري في مذكراته أن ميكولس “كان معتدلا و لم يكن عضوا في الحزب الشيوعي و يقول بأنه كان يجلس معه خلال زيارة وفد اللجنة  للولايات المتحدة عام 1943 ” و نتحدث عن سلبيات النظام السوفيتي” (34). كما يذكر بنجامين ويست أن ميكولس قد توجه إلى فلسطين و هو في طريق عودته من الولايات المتحدة، غير أنه لدى وصوله مطار الل، تلقى من موسكو أمرا بالعودة حالا إلى الإتحاد السوفيتي (35) . و كان عضو اللجنة إبشتاين يراسل صحيفة  مشمار التي كان يصدرها الصهاينة في فلسطين عام 1944
و نشرت له فيها مقالة في 28\11\1944 أشاد فيها بفضائل اليهود بشكل مخالف للتوجه الماركسي و جاء فيها : “يشكل اليهود في الاتحاد السوفيتي سابع كتلة من حيث العدد إلا أنهم يحتلون المرتبة الرابعة في الجيش الأحمر” . و في نوفمبر 1944 نشرت لإبشتاين مقالة أخرى في صحيفة اللجنة (أينكايت )، قال فيها : “إن للشعب اليهودي الحق في الحصول على الإستقلال السياسي في فلسطين، و ليس هناك من إنسان عاقل محب للحرية يعترض على حق اليهود في إقامة و تطوير هذا الوطن” (63). و يذكر جيرار إسرائيل أن ميكولس كان دائم التردد على ستالين وأن ستالين كان في الفترة التي اعقبت الحرب يعرب دائما عن صداقته لميكولس و تقديره لمواهبه (37). كذلك يذكر بأن ميكولس و فيفر قد بعثا في كانون الأول 1944 ببرقية تحية لحاييم وايزمان بمناسبة عيد ميلاده و بأن ميكولس كان يعرب عن إيمانه بأن  الصهيونية “فكرة رائعة غير أنها لا تلائم اليهود السوفييت ذوي الجذور العميقة في التربة الروسية (38) .

 

إن تقييم الدور الذي لعبته هذه اللجنة في دفع السلطة السوفيتية نحو التصويت إلى جانب قرار التقسيم عام 1947 يحتاج إلى الكثير من الإضاءة و الدراسة ، و ذلك في ضوء التبدل الخطير في السياسة السوفيتية في تلك الفترة الحرجة  و في ضوء ما أعقب ذلك من قيام ستالين بشن حملته الحاسمة ضد النفوذ اليهودي و المصير الذي انتهت إليه اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية . ففي عام 13\1\1948 ، أي بعد التصويت على قرار التقسيم بأقل من شهرين، قتل ميكولس في ظروف غامضة. و في أيلول 1948، وبعد وصول غولدا مائير إلى موسكو كأول سفيرة لإسرائيل في الإتحاد السوفيتي، حل ستالين اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية  ووجه إلى أعضائها تهمة كونهم عملاء للصهيونية و الولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى تهمة محاولة إقامة دولة يهودية منفصلة في القرم لكي تشكل قاعدة للنفوذ الغربي ضد الإتحاد السوفيتي ولتسهيل هجرة اليهود الى فلسطين (39).

 

وقد شملت هذه الحملة معظم أعضاء اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية، حيث تم تنفيذ حكم بالاعدام بكل من لوزوفسكي الذي كان يشغل منصب رئيس الإتحاد الدولي للنقابات الحمراء، ودافيد برغسلون وإسحق فيفروبيريتزماركش(40)، كما تم إغلاق مدارس الييديش والمسارح والصحف اليهودية عامة.
 كذلك  شكلت المظاهرات التي قام بها بعض اليهود في موسكو في أيلول1948 ترحيبا بغولدا مائير كأول سفيرة لإسرائيل في الاتحاد السوفيتي إنذارا للسلطة السوفييتية بتفشي وانتعاش الصهيونية بين صفوف اليهود السوفييت . و قد تصدت الشرطة لهذه المظاهرات و تم اعتقال عدد من المشاركين فيها . و تعكس المقالة التي نشرها إيليا أهرينبورغ في صحيفة البرافدا في 21\9\1948 صورة واضحة للموقف السوفيتي الحائر في ذلك الحين بين ما تم من تورط سياسي بشأن دولة اسرائيل والموقف المبدئي من الصهيونية . فقد اعتبر إيليا أهرينبورغ إسرائيل بأنها  “دولة مناهضة لبريطانيا” غير أنه ما لبثت أن أتبع ذلك بشن هجوم كاسح على “الصهيوينة البرجوازية التي لا يمكن أن تجد لها موطئ قدم بين الديمقراطيات الشعبية” و بأن الصهيونية  “حركة رجعية لأنها حركة غبية .. إن دولة إسرائيل لا يقودها ممثلوا الطبقة العاملة وإن هناك حلا واحدا هو انتصار قوى التقدم والانسانية، واذا ما سمح المرء لنفسه للحظة ما  بالتفكير باحتمال إنتصار القوى الرجعية العالمية، فستكون إسرائيل بالتأكيد أوشفيتر أو ميدانيك ثانية .. إن المشكلة اليهودية لا يمكن حلها إلا بالقضاء عليها ” (41) .

مؤامرة الأطباء

غير أن أضخم الإجراءات التي اتخذها ستالين قبيل وفاته في آذار 1953، هي ما عرف بمؤامرة الأطباء . ففي 13\1\1953 تم الإعلان رسميا عن اعتقال تسعة أطباء من العاملين في قصر الكرملين بتهمة العمالة للإستخبارات البريطانية و الأميركية، و كان بين هؤلاء الأطباء التسعة ستة أطباء يهود. و قد جاء في صحيفة البرافدا بتاريخ 23\1\1953  بأن معظم المشاركين في هذه المؤامرة “قد اشترتهم المخابرات الأميريكية و دربتهم في شعبتها جوينت (joint) الخاصة باليهود القوميين البرجوازيين”. و استطردت الصحيفة قائلة : “إن الوجه القذر لمنظمة التجسس الصهيوني يخفي حقيقة أفعاله تحت غطاء العمل الانساني” (42) . أما التهمة المباشرة التي وجهت لهؤلاء الاطباء فهي إعطاء أدوية مخالفة  لأشكال الأمراض بهدف القضاء على عدد من قادة الحزب و الحكومة . و قد جرت محاكمة الأطباء و ذكر في حينه  بأن الأطباء قد أدلوا باعترافاتهم و حكم عليهم بالاعدام .
أثارت هذه الأحداث ضجة هائلة في كافة الأوساط داخليا و عالميا و انقسمت الآراء حول مدى صحة هذه التهمة،حيث أيد البعض ستالين بينما شكك آخرون بصمت في صحتها، و فيما إذا كان ستالين قد بلغ مرحلة من الوهم جعلته يشك في أبسط الأمور ،حتى لقد قيل بأن ستالين ينوي  نقل كافة اليهود السوفييت إلى بيروبيجان . و يذكر بأن الكاتب المعروف مكسيم رودنسون كتب في شباط 1935 مقالة في مجلة النوفيل كريتيك (Nouvelle Critique) الصادرة في باريس أيد فيها موقف ستالين و جاء فيها  :
 ” عشية محاكمة سلانسكي و القبض في الاتحاد السوفيتي على مجموعة من الأطباء المجرمين، تقف الصحافة البرجوازية من الفيغارو إلى الأورور الى الأوبزيرفيتر الى الإيسبري متفقة على القول بأن هناك في الاتحاد السوفيتي و الديمقراطيات الشعبية موجة من  اللاسامية . و كالعادة فمن المفترض أولا أن لا يكون أحد من هؤلاء المتهمين مجرما حقا . و بما أن بعض المتهمين هم من اليهود، فإن أي عقاب لهم على جرائمهم هو عمل لا سامي. كما هو واضح، هناك من يدرك تماما أن هؤلاء الآخرين لم يجر اتهامهم ليهوديتهم، و لكنهم يضيفون بانهم متهمون لانهم صهيونيون و هو نفس الشيء . هكذا يقولون بأنها قضية (( لا سامية )) يجري تغليفها بغلاف مناهضة الصهيونية . إن الجهل و التخبط في الآراء يسيران يدا بيد مع الإيمان السيء .. هناك أضا عملاء صهيونيون ممن يقومون بالتلويح بالأهداف البراقة أمام عيون اليهود . و في الوقت الذي يعملون فيه الى تخفيض مستوى معيشتهم في إسرائيل، فانهم يقودونهم إلى بيت الذبح مثيرين بذلك عداء الإتحاد السوفيتي جاعلين منه شريكا في اللاسامية . ان هؤلاء لا يختلفون عن اعداء الطبقة العاملة  الفرنسية و الأميريكية و السوفييتية . إنهم الحكومة الأميريكية و الاحتكاريون الأميريكيون و البرجوازية العالمية التي باعت نفسها لهم ، و حكومة إسرائيل و عصابة سلانسكي و الاطباء الخونة. و اذا ما استطعنا أن نتحد ضدهم و ضد حلفائهم الطبيعيين، فسيمكن و لا بد من القضاء عليهم . إن هناك دلائل تسمح لنا باعتبار وجهة النظر هذه و كيف ستتطور في المستقبل . إن اتحاد اليهود للمقاومة و التعاون المتبادل   (تنظيم يهودي ) يشجب ما يسميه ( بالحملة الغادرة ) التي ترغب في توجيه حكم الخونة و كأنه حكم ضد اليهود .. هكذا يلتحم أعداء السامية مع المبدأ العنصري و القادة الصهيونيين باسم ( القومية اليهودية ) .. انهم يتكاتفون للتحضير لحرب جديدة و لحملة  صليبية ضد الاتحاد السوفيتي ..” (43).
غير أن آخرين يقولون بأن التهمة كانت ملفقة. و تتضارب الآراء حول من لفقها . أما إسحق دويتشر فيقول : ” لقد جاءت فضيحة مؤامرة الاطباء  لتفقأ دملة خلقية طال تقيحها ، هي الدملة الستالينية بالطبع ، .. لم تكن تلك حادثة بين الحوادث الكثيرة التي عامل فيها ستالين اليهود  بطريقة متناقضة و غامضة ،ذلك أن الرواية القائلة بوجود مؤامرة يهودية عالمية ضد السوفييت يشتم منها رائحة ( بروتوكولات حكماء صهيون )، و تتردد فيها أصداء جعجعات  وزارة الاعلام النازية أيام غويلز” . غير أنه يستطرد قائلا : ” فلو قيض للحبكة ان تتفرج  – و لو قدم الأطباء للمحاكمة – لكانت النتيجة الحتمية مجزرة ضد اليهود تشمل البلد باسره و لا بد من التساؤل هنا: من هو الذي له مصلحة في ذلك ؟” (44) 
 مات ستالين قبل أن يتم تقديم الأطباء للمحاكمة حيث تم إخلاء سبيل الأطباء و تبرئتهم . و بعد ست سنوات، جاء في التقرير الذي قدمه خروتشيف للمؤتمر العشرين للحزب الشيوعي : ” لنعد بذاكرتنا إلى  قضية مؤامرة الاطباء  .. بالواقع لم يكن هناك أية قضية باستثناء الإتهامات المقدمة من قبل الدكتورة تيماتشوك . و يبدو أنها قد تصرفت بوحي أو بتأثير من شخص آخر .. فقد كتبت إلى ستالين مدعية بأن الاطباء المذكورين يقدمون عن عمد أدوية مضادة للحالات المرضية … و كان ذلك كافيا بالنسبة لستالين أن يستنتج بأن هناك مؤامرة قائمة من قبل مجموعة من الأطباء في الاتحاد السوفيتي . فأمر بالقاء القبض على مجموعة من الأطباء الشهيرين و أصدر تعليماته بشأن طرق التحقيق و الاستجواب لهؤلاء المتهمين . أمر بربط الأكاديمي فينوغرادوف بالسلاسل و ضربه . كان الرفيق اغناتييف موجودا .. قال له ستالين : “عليك أن تحصل على اعترافات من هؤلاء الأطباء،وإن لم تفعل فسوف أقطع راسك “.. تسلمنا بعد ذلك نصوص التحقيق متضمنة اعترافات بالجريمة . بعد ذلك خاطبنا ستالين قائلا : انتم عميان كالقطط الصغيرة .. ما الذي سيحدث لكم بدوني؟  البلد سينهار لانكم عاجزون عن التعرف على أعدائكم .. هكذا تم تقديم الوضع بحيث أن أحدا لم يستطع التحقق من وقائع التحقيق . لم يكن هناك امكانية للتحقيق بالاتصال باصحاب الاعترافات .. شعرنا في حينه أن قضية الأطباء الذين تم القبض عليهم مشكوك فيها … فقد كنا نعرف بعضهم شخصيا حيث صدف أن عالجونا . حين تيسر لنا دراسة القضية بعد موت ستالين، وجدنا أن كل الدلائل  كانت مزورة . لقد تمت فبركة هذه القضية من قبل ستالين . لم يمهله الوقت ليضع خاتمتها .. و لهذا السبب فالاطباء ما زالوا على قيد الحياة , لقد أعيد لهم اعتبارهم و يتمتعون بثقتنا و يقدمون أعمالهم بكل أمانة كما كانوا يقومون بها في الماضي ” (45) .
ترى اين هي الحقيقة ؟ هل كانت هناك حقا مؤامرة صهيونية الهدف منها دفع ستالين الى ارتكاب مجزرة يهودية في ذلك الحين الذي شدد فيه حصاره على النشاط الصهيوني و توترت علاقاته مع اسرائيل و اندلعت فيه الحرب الباردة على النطاق الدولي ؟  إن  ستالين قد اصيب بهوس الشك في كل من هو يهودي بعد تجربته مع اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية ؟ .
لقد انتهت بموت ستالين مرحلة جدلية حاسمة من حياة اليهود السوفييت حيث بدأ بعدها فصل جديد . غير اأه لم يكن فصلا جديدا كل الجدة، ذلك أن جملة الظروف و الاوضاع السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية التي ورثها الاتحاد السوفيتي عن الحرب و مخلفاتها و ما خلفه قيام اسرائيل من اثار محلية و دولية ، قد تركت بصماتها الواضحة على العقود التالية . و لم يكن جزافا ذلك المثل الذي تردد على ألسنة المواطنين السوفييت إزاء بعض القطاعات اليهودية ” تأكل خبز الروسي و تحلم بإسرائيلك ” (46) .

 

      _______________________________

الفصل التاسع

مسيرة الذوبان اليهودي

على الرغم مما أفرزته الحرب العالمية الثانية من نتائج سلبية على مسيرة الذوبان اليهودي في المجتمع السوفيتي، فقد انعكست التطورات الإجتماعية والاقتصادية التي تم إنجازها خلال الخمسينيات إنعكاسا إيجابيا على الواقع اليهودي العام، حيث أدى نمو واتساع المدن إلى تسريع عملية الذوبان اليهودي. ظهرت دلائل ذلك التوجه بشكل واضح لدى الإعلان عن نتائج الإحصاء السكاني العام الذي جرى عام 1959، حيث جاء فيه أن عدد اليهود  السوفييت قد بلغ 2,268,000  نسمة . وكان الإتحاد السوفيتي قد قدم تقريرا إلى الأمم المتحدة قبيل ظهور نتائج الإحصاء المذكور قدر فيه عدد اليهود السوفييت بنحو ثلاثة ملايين، وذلك استنادا إلى التقديرات العامة للسكان بعد الحرب في ضوء الخسائر البشرية التي حصلت إبان الحرب والزيادة الطبيعية للسكان في تلك الفترة .
أثارت نتائج إحصاء 1959 زوبعة من الإحتجاج في الأوساط الصهيونية خارج الإتحاد السوفيتي حيث أصرت الأوساط على أن العدد الفعلي لليهود السوفييت يتجاوز ثلاثة ملايين(1)، كما أصرت بعض هذه الأوساط على أن العدد الفعلي لليهود السوفييت  يبلغ في ذلك الحين 000 ,427 ,3 نسمة (2) . وٌد رفعت هذه المنظمات مذكرات إحتجاج مختلفة بهذا الشأن قائلة بإن نحو مليون يهودي لم يسجلوا إنهم يهود , واتهمت السلطات السوفيتية  بتزوير نتائج الإحصاء بهدف إخفاء العدد الفعلي لليهود (3)، فيما ادعت جهات أخرى أن العديد من اليهود قد آثروا إخفاء هوياتهم اليهودية خوفا من الإضطهاد ولإجل ضمان أ مورهم الحياتية في مجتمع وصفته بأنه معاد لهم .
 ويجدر التوقف قليلا هنا أمام ما كان عليه عدد اليهود السوفييت قبل الحرب وما حدث من إضافات وخسائر وزيادة طبيعية منذ ذلك الحين . كان عدد اليهود السوفييت في احصاء 1939 ثلاثة ملايين نسمة أضيف إليهم بين عامي 1939 و1941 من اللاجئين ويهود المناطق التي ضمت للإتحاد السوفييتي نحو مليونين، بينهم نحو 600 ألف من يهود المناضق المضمومة و 1,350,000 يهودي بولوني. ويشار إلى أن معظم اليهود البولونيين الذين ظلو أحياء، قد عادوا بعد الحرب، إما مع القوات البولونيةالتي كانت معسكرة في الأراضي السوفييتية، أو وفق إتفاقيات بين الحكومتين السوفييتية والبولونية بين عامي 1945 و1957 (4)
وقد جرت  عدة تقديرات  لعدد ضحايا الهجوم النازي من اليهود دون التوصل إلى أي رقم حقيقي . غير أن معظم التقديرات ترجح صحة التقدير الذي توصلت اليه اللجنة الانغلو- أميريكية بعد الحرب، والتي  جاء في التقريرالصادرعنها أن الضحايا من اليهود السوفييت قد بلغوا نحو 000,  150 ,1 نسمة (5). وإن صح هذا التقدير فهو يعني أن عدد اليهود السوفييت من أصليين ومنضمين ، الذين نجوا من الحرب، قد بلغ نحو 000, 800, 2 نسمة، يضاف إليهم نحو 200 ألف نسمة من الزيادة الطبيعية خلال السنوات العشرين الممتدة من 1939 إلى 1959 ،إستنادا إلى النسب العامة لهذه الزيادة في الاتحاد السوفيتي (6) ، بحيث يصبح العدد الفعلي لليهود السوفييت في عام 1959 نحو ثلاثة ملايين .
يتضح مما سبق أن الزوبعة التي أثارتها المنظمات الصهيونية حول فقدان نحو مليون يهودي لم تكن بدون أساس. غير أن السؤال هو: أين اختفى هؤلاء المليون الأحياء وما هو سر اختفائهم، وهل حقا أنهم قد آثروا عدم الإفادة في الإحصاء بأنهم يهود لحماية انفسهم ؟
 وجد أحد الصهاينة، هو جوزيف شختمان ، من الجرأة ما دفعه إلى دحض ذلك الادعاء، ليس حبا في الحقيقة، وإنما بهدف تنبيه الحركة الصهيونية إلى خطر قائم هو التوجه التلقائي اليهودي نحو الذوبان، الأمر الذي يهدد (اليهودية ) بالانقراض حسب قوله، داعيا الحركة الصهيونية إلى التحرك السريع لايقاف ذلك التوجه. يقول شخمتان، الذي قدر في عام 1943 عدد الضحايا من اليهود السوفييت خلال الحرب بين 650  و 850 ألفا، ( أما ياكوف كانتور فقد قدرهم بنحو مليون ونصف المليون بضمنهم يهود بولونيا)(7)، أن إحصاء 1959 قد جرى لاغراض إحصائية محضة الغرض منها إجراء الدراسات على التوزع الديمغرافي لسكان الاتحاد السوفيتي، وبأن نتائج ذلك الإحصاء لم تؤثر على الاوضاع القانونية و الاجتماعية للمواطنين، بمعنى أن نتائج الاحصاء المذكور لم تؤد إلى شطب كلمة ( يهودي ) من الهويات الشخصية للافراد الذين افادوا بأنهم غير يهود . فقد جرى إحصاء 1959 وفق تعليمات مشددة تقول بأن لكل فرد الحق في الادلاء بالقومية التي يملي عليه شعوره و ضميره بالانتماء إليها دون الاستناد إلى أية عوامل عرقية أو وراثية ودون اعتبار لما هو مسجل في هويته الشخصية , مما يؤكد أن اليهود الذين أفادوا بأنهم ينتمون إلى القومية الروسية أو الأوكرانية أو غيرها قد كانوا على علم مسبق بأن مثل هذا الإدلاء سوف لا يخلصهم من هوياتهم اليهودية، و أنهم قد فعلوا ذلك بمحض إرادتهم الشخصية . و يعلق شختمان على ذلك بقوله : ” ان الهيئات اليهودية المسؤولة و القادة السياسيين مطالبون بالاعتراف بهذا الواقع القائم و التوقف عن التمسك بمقولة زائلة يسهل دحضها هي مقولة الملايين الثلاثة من اليهود في الاتحاد السوفيتي )) (8).
يتضح مما سبق أن العدد الفعلي لليهود هو العدد الذي تعطيه الاحصائيات الرسمية هذه دون سواها، و ذلك لأسباب موضوعية محضة يقف في مقدمتها ذلك التعامل المبدئي الذي تعتمده تلك الاحصائيات من حيث رفض اعتماد العنصر أو العرق أساسا لتعريف الفرد والاعتماد على ما يدلي به الفرد بمحض إرادته و اختياره . أما السبب الثاني فهو استحالة اعتماد العرق أو الوراثة كأساس لمعرفة حجم أية كتلة بشرية في ضوء انتشار ظاهرة الزواج المختلط و توزع الأبناء بين قوميتي الابوين المختلفتين . أما السبب الثالث فهو استحالة اعتماد الهويات الشخصية كوسيلة احصائية نظرا لأن هذه الهويات الشخصية لا تمنح للعاملين في المدن و ممن هم فوق سن السادسة عشر، مما يعني أن هناك كثيرا من الأفراد كالنساء غير العاملات و الأطفال دون سن السادسة عشرة و الشيوخ و غيرهم لا يحملون هويات شخصية يشار فيها الى قومياتهم .
    
و يذكر بأن الهويات الشخصية لا تحتل أهمية في المجتمع السوفييتي إلا بالنسبة لذوي الكفاءات و المهارات و طلاب الجامعات، حيث يتحتم على كل فرد من هؤلاء أن يبرز هويته الشخصية لدى التقدم للعمل أو الدراسة، حيث تستطيع المؤسسات الهامة تحديد التشكيل القومي للعاملين فيها بينما لا يراعى مثل هذا التحديد في المؤسسات الدنيا (9) . إضافة لذلك، فقد بوشر باصدار الهويات بشكل إلزامي منذ عام 1934 و أصبحت خاضعة للتجديد بشكل روتيني كل عشر سنوات دون إعادة النظر في ما يحصل من تغير في حقل القوميات وفقا للاحصاءات الرسمية (10) . و ينتج عن ذلك أن الأفراد الذين يدلون في الإحصاء بقومية مخالفة لما هو مسجل في هوياتهم لا يستطيعون تغيير القومية المسجلة في هوياتهم .
إن ما يمكن استنتاجه بالنسبة لليهود في هذا المجال،  هو أن العديد من اليهود الذين افادوا في احصاء 1959 بأنهم ينتمون لقوميات أخرى قد ظلوا يحملون هويات تقول بأنهم يهود، وذلك  في الوقت الذي لم يؤد مثل هذا الإزدواج إلى إثارة أية مشكلة بالنسبة للقوميات المختلفة الأخرى، في ضوء تضاؤل الإهتمام ( ولو نظريا) بالفوارق القومية على الصعيد السوفييتي العام. إلا أن ما أثارته الحركة الصهيونية من حملة لأجل اليهود السوفييت منذ أوائل الستينيات قد دفع ببعض الأوساط إلى اعتبار إصرار السلطات السوفيتية على عدم تغيير الهويات بمثابة عرقلة لعملية الذوبان اليهودي في المجتمع السوفيتي . غير أنه يبدو ، وكما تؤكد بعض المصادر، أن السلطات السوفيتية قد آثرت عدم المساس بالهويات لأهداف احصائية بحتة هدفها التعرف على مدى تطور عملية الاندماج والذوبان التلقائي بين مختلف القوميات وفقا للظروف الإجتماعية التي سيتحدد بموجبها انتهاء التمايز القومي و منح الهوية السوفيتية لكافة المواطنين * ، مؤثرة عدم الاهتمام بما يثيره ذلك من مشاكل آنية لأية فئة من السكان.
و يمكن القول بأن الذوبان اليهودي الذي تم خلال الخمسينيات كان ذوبانا حقيقيا دافعه الرغبة المحضة في التخلص من الخصوصية اليهودية و الانتماء الى المجتمع السوفيتي العام . يورد شختمان حديثا أجراه مع احد الشباب اليهود في موسكو عام 1960 يقول فيه : ” كان رد فعلنا على العهد السابق (عهد ستالين ) هو الإحساس بالكرامة المهدورة و محاولة البحث عن الذات، فاذا هم أصروا على القول باننا يهود قذرون، كان إصرارنا أكبر في أن نكون يهودا .. كانت مشاعرنا حادة في تلك الفترة … و حين حدثت حرب السويس عام 1956 و قامت المظاهرات  المؤيدة للعرب ضد إسرائيل , بلغ بنا الأمر  حد الوقوف والتحدي علنا، حتى إن بعض الطلاب قد فصلوا من الجامعات في ذلك الحين لهذا السبب . أما الان، وأود أن أكون صادقا معك و مع نفسي فان تلك الاندفاعة العاطفية لمشاعرنا القومية لم تكن قائمة على أي أسس متينة و دائمة .. لقد كانت مجرد رد فعل على التحدي ” (11). و قد توصلت فالياهيرش بعد جولة قامت بها عام 1959 في موسكو و ليننغراد،  إلى أن احتمالات هجرة يهودية واسعة من الاتحاد السوفيتي إلى إسرائيل “هي أبعد ما تكون” (12)،  بينما قدر إيليا أهرينبورغ في العام نفسه عدد الذين يحتمل بن تكون لديهم رغبة في مغادرة الإتحاد السوفيتي الى اسرائيل بنحو مئة الف (13) .
شهدت الستينيات من القرن العشرين بداية تصاعد الحملة الصهيونية باتجاه اليهود السوفييت،كما شكلت نتائج حرب 1967 عاملا رئيسا في إرباك وتيرة الذوبان اليهودي، مؤدية في ما أدت إليه، إلى هجرة نحو مئتي ألف يهودي خلال السبعينيات. ، غير أن نتائج الإحصاء الرسمي الذي جرى عام 1970 وفق نفس الأسس التي جرى عليها إحصاء عام 1959 قد دلت على أن الذوبان اليهودي في المجتمع السوفيتي لم يتوقف .

____________________

* يذكر مثلا أن نحو 14% من الاوكرانيين يقيمون حاليا خارج أوكرانيا و أن 75% من التاجيك يقيمون خارج تاجكستان و كذلك نحو 54% من الأرمن و غيرهم . إن من شان هذا التمازج في المجتمع الاشتراكي أن يؤدي إلى تلاشي العديد من الفوارق و النعرات القومية.
فقد بلغ عدد اليهود السوفييت وفق هذا الإحصاء الأخير  000 , 151, 2 نسمة ،أي أقل  مما أورده إحصاء1959  بنحو مئة  ألف نسمة . وإذا ما اضيف إلى هذا الرقم مجمل الزيادة الطبيعية اليهودية خلال عشر سنوات، والبالغة على اقل تقدير نحو 250 الفا، فسيتضح بأن نحو 400 ألف يهودي محتمل قد ذابوا في المجتمع السوفيتي خلال الستينات* . يستنتج مما سبق أن عددا يتراوح بين مليون ومليون ونصف يهودي قد أصبحوا خلال العقدين الخامس والسادس في عداد القوميات السوفيتية الأخرى . غير أن السؤال الذي لابد من طرحه هنا هو  إلى أي حد ذاب هؤلاء، وما هو مدى فاعلية القنوات التي ذابوا من خلالها؟ .
جرت عملية الذوبان اليهودي من خلال قنوات رئيسة هي الزواج المختلط واللغة والدين والتأقلم الاشتراكي. وتشيرمختلف المصادر إلى أن ظاهرة الزواج المختلط قد انتشرت في العشرينات والثلاثينات كما ورد سابقا، ثم استؤنفت منذ الخمسينات وأن معظم هذه الزيجات قد تمثلت في زواج الذكور اليهود من إناث غير يهوديات، وتكمن أهمية هذه الظاهرة في أن تسجيل الأبناء في الاتحاد السوفيتي إنما يتم استنادا إلى قومية الأم، مع توفر حق الإختيار للأبناء حين يبلغون سن السادسة عشرة . وقد أدى ذلك بالطبع إلى أن أبناء العديد من اليهود الذكور قد أصبحو تلقائيا في عداد القوميات الأخرى .
 إن أية احصائية دقيقة بشأن هذه الزيجات غير متوفرة، ومن الصعب أن ترد .غير أنه  قد تم الإستدلال من إحصاء 1959 إلى  أن  واحدا  من كل سبعة رجال يهود متزوجين  كان متزوجا من امرأة غير يهودية،وأن نحو ربع الرجال اليهود قد تزوجوا من نساء غير يهوديات بينما كانت نسبة النساء اليهوديات المتزوجات من رجال غير يهود أقل من ذلك بكثير (15)  . وقد انعكس هذا الواقع على بنية الكتلة اليهوديةالسوفيتية حيث يشار إلى انخفاض نسبة الأطفال ممن هم دون سن الحادية عشرة انخفاضا ملحوظا سواء بالنسبة لمجموع الكتلة اليهودية أو بالنسبة لمجموع أطفال القوميات الاخرى . يحلل كوشان هذه الظاهرة بقوله : ” ظهر في إحصاء عام 1970  أن النسبة العامة لعموم السكان الذين تم تسجيلهم في إحصائي  1959 و1970  قد بلغت نحو 91% من مجموع سكان الاتحاد السوفيتي بحيث تكون بنية السكان العامة مؤلفة من نحو 191,700,000 نسمة فوق سن الحادية عشرة، ونحو 50 مليون طفل دون سن العاشرة. ولدى افتراض أن نسبة الزيادة الطبيعية والوفيات بين اليهود هي نفس النسبة السكانية العامة، فهذا يعني أنه كان هناك  في إحصاء 1970 نحو2,082,000 يهودي فوق سن الحادية عشرة ونحو 69 ألف طفل دون ذلك. وإذا ما إفترضنا أن نسبة الوفيات بين اليهود هي ضعف النسبة العامة، وهو مناف للواقع تماما ،  فإن ذلك سوف يؤدي إلى إفتراض وجود نحو 300 ألف طفل يهودي”… ويستطرد كوشان : ” إن الحقيقة تقع بين هذين الاحتمالين، غير أن ما يمكن قوله بثقة هو أن الكتلة اليهودية بشكل عام إنما تتألف في غالبيتها من كبار السن، وأنها لا تنجب من الأطفال ما يكفي للحفاظ على استمراريتها، وأن مدى الدور الذي يلعبه عامل الذوبان في ذلك شيء يصعب تحديده ” (16).

_______________________________

  • يشار الى أن العدد الكلي لسكان الاتحاد السوفيتي قد ازداد بين عامي 1959و 1970 بنحو 7, 15 % أي بزيادة سنوية مقدارها 5,1% ولدى اعتماد نفس الزيادة لليهود ينتج أن الزيادة الطبيعية لليهود قد بلغت نحو 356 الفا , غير أن عددا من المصادر تشير الى انخفاض نسبة الزيادة الطبيعية بين سكان المدن عن المعدل العام (14).
 كما لابد من الإشارة هنا إلى أن أثر الهجرة اليهودية خلال الخمسينات والستينات كان أثرا هامشيا ولم يترك أي أثر على مجمل النسب السكانية الخاصة باليهود .
كذلك سارت عملية الذوبان اليهودي عبر قناة اللغة .  فلغة الييديش قد آلت إلى الزوال تقريبا، ولا يتكلمها سوى الشيوخ من اليهود . وقد جاء في الإحصاء الرسمي لعام 1959 التوزع اللغوي التالي لليهود السوفييت:    1,733,000 = اللغة الروسية، 500,936 = الييديشية، 35,673= الجورجية المطعمة ببعض الكلمات العبرية المستقاة من التوراة، 20,763= تاجيكية مطعمة، 25,225= تترية مطعمة، 24,275= أوكرانية، 22,570= لغات أخرى.  وقد شكلت نسبة الناطقين بالييديش 17% فقط من مجموع اليهود (17). وقد انخفضت هذه النسبة خلال الستينيات، حيث أشار إحصاء 1970 إلى أن نحو 86,7 قد أفادوا بأن لغتهم هي الروسية، فيما توزع نحو 17,7 بين اللغات الأخرى.
وتشير نتائج إحصاء 1970 إلى أن عدد الناطقين باللغات الجورجية والتاجيكية والتترية الخاصة قد ازداد عما كان عليه في عام 1959 ، وذلك بفضل ارتفاع نسبة الزيادة الطبيعية في تلك المناطق ، بينما انخفض عدد الناطقين بالييديش بسبب وفاة جيل الشيوخ وإحجام الشباب عن تعلم تلك اللغة . فعلى الرغم من أنه لا توجد لغة رسمية في الاتحاد السوفيتي،  فإن اللغة الروسية تشكل من الناحية العملية صلة الوصل بين اللغات الأخرى، وذلك في ضوء أنها تشكل لغة أكبر قومية من قوميات الإتحاد السوفييتي.
ولا توجد حاليا أية مدرسة أو صحف ييديشية إلا في إقليم بيروبيجان الذي يعتبر المنطقة القومية الرئيسة حاليا لليهود . وفيما مرت عملية إقامة مدارس الييديش وإصدار الصحف الييديشية بعدة مراحل منذ عام 1917 حيث سمح بإقامتها وإصدارها حينا ومنعت حينا آخر، فقد أصبح المجال مفتوحا منذ الخمسينيات لأنشاء مثل تلك المدارس والصحف. غير أن اليهود السوفييت لم يطالبوا بهذا الحق كما يؤكد شختمان،  وينقل حديثا أجراه مع أحد رجال الدين اليهود يقول فيه : ” في عهد ستالين كنا نخاف أن نطالب بأي شيء، ولكننا الآن ليس هناك من يدعونا إلى المطالبة بمثل ذلك، بل إنني أكثر شكا فيما اذا كان أبنائي الذين كبروا وتزوجوا يكترثون حقا لإرسال أبنائهم الى مدرسة ييديشية .. لقد توقف التعليم اليهودي منذ أكثر من عشرين عاما وأصبح ابنائي وبنائي روسيين تماما .. هناك بعض الآباء الذين يحرصون على نقل بعض العناصر اليهودية إلى أبنائهم . ولذلك فهم يعمدون إلى الدروس الخصوصية لتدريس أبنائهم اللغة العبرية والتوراة ،ولكنهم لا يدرسونهم الييديش”(18 ). 
وقد تم منذ الخمسينات طبع العديد من مؤلفات الييديش في الإتحاد السوفيتي ضمن محاولة تخطي الحملة الستالينية غير المبررة ضد الييديش، غير أنه قد ثبت بأن قلة من اليهود يهتمون بقراءتها مما دفع السلطات الروسية إلى ترجمة هذه الكتب إلى الروسية والأوكرانية وبعض اللغات الاخرى بهدف اطلاع القراء السوفييت على أدب الييديش . وكان أدب الييديش قد ازدهر في أواخر القرن التاسع عشر بعد تطور تلك اللغة وظهر عدد من الكتاب والأدباء البارزين فيه.  وأدب الييديش في مجملة أدب تقدمي اعتبره البعض موجة من موجات بحر الأدب الروسي .
أما الدين اليهودي، فقد آل هو الآخر إلى الإندثار بين صفوف اليهود السوفييت ولا يكاد يعتنقه سوى جمهوريات آسيا الوسطى وجورجيا الذين يشكلون نسبة 10% تقريبا من مجموع اليهود السوفييت . ويمكن القول بأن الدين اليهودي قد انتهى عمليا في الاتحاد السوفيتي منذعام 1917 حين صدر قرار فصل الدين عن الدولة والمدرسة عن الدين .  وفيما نص الدستور السوفيتي على منح الحرية الدينية لكل مواطن، فإن تجريد الدين من وظيفته الاجتماعية والسياسية قد أدى إلى تحوله إلى مجرد عاطفة شخصية ومن ثم إلى تلاشيه بين الغالبية اليهودية . وتكمن أهمية هذه الظاهرة في أن الدين اليهودي قد مر عبر وظيفته السياسية بمرحلتين:  أولاهما وظيفة الحفاظ على الخصوصية اليهودية في عهد الإزدهار الطفيلي ضمن جدران حظيرة التوطن اليهودية خلال النصف الاول من القرن التاسع عشر،  وثانيهما وظيفة دعم الحركة الصهيونية العلمانية بهدف استقطاب الجماهير المتدينة حول الصهيونية . وقد اقترن الدين اليهودي في أذهان الجماهير الروسية سابقا بالربا بينما اقترن في أذهان الجماهير السوفيتية برجال النيب والسوق السوداء والصهيونية ، وبخاصة  أن الصهيونيين الذين نزلوا للعمل السري بعد عام 1917 كانوا يلجأون إلى الكنس لعقد اجتماعاتهم السياسية فيها . ويشار إلى أنه كان هناك عام 1960 نحو 400 كنيس يهودي في الاتحاد السوفيتي , ثم تقلص هذا العدد إلى 100 كنيس انتشر معظمها في المناطق الأسيوية (19) .
من جهة أخرى، هناك ما يشير إلى أن العديد من اليهود السوفييت قد تأقلموا مع الواقع الإشتراكي وما يوفره من تسهيلات حياتية واجتماعية لا تتوفر في المجتمع الرأسمالي،  حيث الركض المحموم وراء متطلبات الحياة والقلق على مستقبل المرء . ويشار إلى أن نسبة اليهود في الحزب الشيوعي قد شكلت في أوائل الستينات إحدى أعلى نسب القوميات المختلفة في الحزب . فقد قدر البعض هذه النسبة في عام 1961 بنحو 5, 2% بينما قدرها آخرون بنحو5, 1% وذلك استنادا إلى تقدير عدد الأعضاء اليهود بنحو 260 ألفا  من مجموع أعضاء الحزب البالغ في ذلك الحين نحو 14 مليون عضوا (20).
وهناك ما يدعو إلى التساؤل  رغم ذلك  عن المدى الحقيقي الذي أحرزته عملية الذوبان اليهودي هذه. فالذوبان الإجتماعي هو نتاج تطور تاريخي بطيء وطويل بحيث لايمكن الحسم بنتائجه خلال عقد أو عقدين. كما لايمكن أن يقرره جيل واحد . فهو يخضع إلى العديد من العوامل والظروف التي يمكن أن تؤدي إلى إبطائه  أو تسريعه او إرباكه في فترة من الفترات . واذا كانت الحرب العالمية الثانية قد أدت في الأربعينات الى ايقاف مسيرة الذوبان اليهودي،  كذلك  تدخلت جملة من العوامل الجديدة في الستينات لعرقلة هذه المسيرة .

 

______________________________

الفصل العاشر

الحملة الصهيونية الأميركية لأجل اليهود السوفييت

شكل النصر الذي حققته إسرائيل عام 1956 في الحملة الثلاثية على مصر، والتي انتهت بفتح مضائق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية، بداية النمو والتوسع الإقتصادي الإسرائيلي . فمع انفتاح إفريقيا والشرق الآقصى كمجال حيوي لإسرائيل، ومع حل مشكلة وصول النفط إليها، دخل الإقتصاد الإسرائيلي مرحلة التصنيع،ودفعت الحاجة للمهنيين والإختصاصيين بالإسرائليين إلى التفكير جديا في شن حملة تستهدف اليهود السوفييت . فاليهود السوفييت يتمتعون بدرجة عالية من التخصص العلمي وهم لايصبون في الخزينة الصهيونية ولا يشكلون قوة ضغط سياسية داخل الاتحاد السوفيتي الذي اتجه إلى تسليح مصر ثم سورية منذ أواسط الخمسينيات، إضافة إلى انهم مهددون في ظل النظام الإشتراكي بالانقراض ( كيهود) .
في تموز 1957 عقدت لجنة العمل الصهيوني للموتمر اليهودي العام إجتماعا خاصا باليهودالسوفييت في القدس . وتحدث ناحوم غولدمان بصفته رئيسا للوتمر اليهودي قائلا : ” لقد حان الوقت لإثارة مسألة اليهود السوفييت .. علينا أن نغير أسلوبنا في العمل منذ الآن … لماذا؟.. لأننا اذا ما انتظرنا خمس أو عشر سنوات أخرى فلربما نكون قد تأخرنا كثيرا … فخلال السنوات العشر القادمة، سيكون  معظم الجيل الجديد من اليهود قد فقد كل علاقتة باليهودية … فهذا الجيل يتربى الآن على الجهل التام باليهودية .. إنه يجل التوراة ولا تربطه أية رابطة باليهود وسيكون من الطبيعي جدا أن يتم إختفاء اليهود السوفييت (كيهود)(1) .
وخلال المناقشة العامة , اقترح بعض الأعضاء أن يتم شن الحملة من قبل قوى خارجية غير إسرائيلية أو يهودية. غير أن غولدمان أجاب : ” أعتقد بضرورة تبنينا نحن للموضوع ،  واذا لم تقم بطرح المشكلة طرحا عاطفيا، فإننا لن نجني شيئا” . وقد أصدر المؤتمر في نهاية جلساته بيانا عبر فيه عن (القلق العظيم ) الذي يساوره إزاء وضع اليهود السوفييت، مطالبا بمنحهم (حقوق الأقليات، وحق الهجرة الى إسرائيل ).  بعد ذلك بنحو ثمانية أشهر، عقدت اللجنة اليهودية الأمريكية مؤتمرا مماثلا في نيويورك، وبعثت إلى السلطات السوفيتية بمذكرة تطلب فيها منح اليهودالسوفييت (حقوقهم الثقافية والدينية وحق الهجرة إلى إسرائيل على أساس جمع شمل العائلات )(3).
اتسم النشاط الصهيوني في تلك الفترة المبكرة بالتردد وعدم الثقة، حيث لم تكن إسرائيل راغبة في تأزيم علاقاتها السياسية مع الإتحاد السوفيتي، كما كان يساورها قلق غير مبرر إزاء ما يمكن أن يقدم عليه الإتحاد السوفيتي كرد فعل لهذه الحملة . لذلك اقتصرت معظم الإحتجاجات التي قدمتها والنشاطات التي قامت بها على هدف رئيس هو وضع العصا في عجلة مسيرة الذوبان اليهودي من خلال موضوع الحقوق الثقافية والدينية  والعمل على تنظيم عملية الهجرة وفق شروطها ومواصفاتها في ضوء متطلبات نهضتها الصناعية والتكنولوجية التي بدأت بوضع أسسها بعد حرب السويس، وبينما أخذت إمكانيات الحصول على التعويضات الألمانية تلوح في الأفق .
وقد شكل عام  بداية تدويل الحملة ضمن ذلك الإطار.ففي الزيارة الثانية التي قام بها رئيس الوزراء السوفيتي خورتشيف  الى الولايات المتحدة الامريكية في ربيع 1960، رفعت 17 منظمة صهيونية مذكرة إليه بعد رفضه مقالبة وفد عنها، كما بعثت بنسخ من هذه المذكرة إلى هيئة الأمم المتحدة . تضمنت المذكرة احتجاجا على ما أسمته باضطهاد اليهود السوفييت وطالبت بما يلي:  منحهم الحقوق الثقافية والدينية إلى حد تشكيل إتحاد يهودي عام داخل الإتحاد السوفيتي لتعليم الدين اليهودي واللغتين العبرية واليديشية ، حق الهجرة لغرض لم شمل العائلات ، حق الاتصال بالمجموعات اليهودية خارج الاتحاد السوفيتي (4).
وفي 15 |9 | 1960 نظمت الحركة الصهيونية مؤتمرا عاما في باريس دعت إليه العديد من الشخصيات السياسية والثقافية العالمية . ويذكر بأن أكثر من نصف المدعوين لم يحضروا المؤتمر، وكان من بين المتغيبين : منديس فرانس، فرانسوا مورياك،  ريتشارد كروسمان، برتراند رسل ،شارلي شابلن، آثر ميللر والبروفيسور هايمان ليفي الذي بعث برسالة ندد فيها بالمؤتمر وجاء فيها : ” إن كلمة ( مصير ) و (لفت أنظار الرأي العام العالمي)  التي وردت في الدعوة لهذا المؤتمر، إنما تفوح منها بشكل أكيد روح الحرب الباردة … إنني لا أوافق على حضور أي تجمع يهودي من شأنه تلقائيا أن ينحط إلى مستوى إثارة العداء للإتحاد السوفيتي تحت ستار  لفت أنظار الرأي العام العالمي لمصير اليهود السوفييت ” (5) .
ويتضح من مجمل المناقشات التي جرت في ذلك الحين سواء داخل المؤتمر المذكور أم في مختلف الإجتماعات الصهيونية الأخرى، أن ناحوم غولدمان وجماعته كانوا مدركين تماما أن مطالبهم التي حددت في ذلك الحين بشكل رئيسي بالحقوق (الثقافية والدينية ) هي مطالب ذات حجج واهية في ضوء أن أغلبية اليهود السوفييت أنفسهم غير مكترثين لهذه المطالب، إضافة إلى أن وضع اليهود السوفييت ما فوق الإقليمي لايمكن أن يسمح بمنحهم مثل تلك الحقوق . فالكازاخيون أو الأوكرانيون مثلا،  الذين يقيمون خارج جمهورياتهم القومية ليست لهم مدارس أو صحف خاصة في جمهوريات القوميات الأخرى ، وذلك مبدأعام . كما إن اليهود وفق ذلك المبدأ لا يحق لهم إمتلاك صحف أو مدارس خاصة بهم إلا ضمن إقليمهم القومي الذي هو بيروبيجان . وقد عبر ناحوم غولدمان عن ذلك في أحد الإجتماعات بقوله : “يشكل اليهود حالة إستثنائية وفق المبدأ الإقليمي المعتمد هناك، وذلك من حيث أنهم لا يقيمون على أرض خاصة بهم .. إن ما نطالب الاتحاد السوفيتي به من حقوق دينية وثقافية يتعارض مع البنيان العام الذي يشكل كافة القوميات”. ولكنه يستطرد قائلا : “ولكن هذا لا يعني أن نكف عن مطالبتنا هذه ،وعلينا أن نستمر في المطالبة ” (6) .
كان لهذه الحملة ثلاثة أبعاد ذات أهداف واحدة، أولها يهودي خالص ارتبط برغبة الحركة الصهيونية عامة والدوائر الإسرائيلية خاصة، في إحياء علاقتها مع اليهود السوفييت لأجل الحيلولة دون الإستمرار في مسيرة ذوبانهم، ومن ثم تهجيرهم المستقبلي وفق كوتا معينة خاضعة لحاجة إسرائيل وقدرتها على الإستيعاب ووفق منظور التوسع الإقليمي الذي اخذت تخطط  له منذ ذلك الحين . وفيما ارتبط البعد الثاني بهدف استخدام اليهود السوفييت كورقة ضغط  سياسية للحيلولة دون استمرار الا تحاد السوفيتي في دعم الجانب العربي بقيادة جمال عبد الناصر ، ذلك الدعم الذي بدأ بشحن أول صفقة سلاح لمصرفي عام 1955، فقد ارتبط البعد الثالث بمجمل الصراع العالمي بين نظامين عالميين متناقضين هما الاشتراكية والرأسمالية , حيث شكل اليهود السوفييت بحكم مايحملونه من خلفية برجوازية غير بعيدة العهد، عنصر رهان في مسيرة التنافس السلمي بين الإشتراكية والرأسمالية منذ أن أحيا الإتحاد السوفيتي قي أواسط الخمسينيات استراتيجية التعايش السلمي، واخذ يخطوا خطوات واسعة نحو تطوير النظام الإشتراكي وازدهاره مما أدى الى تهديد اليهودية بالانقراض.
اتخذت حملة اليهود السوفييت في أوائل الستينات بعدا دوليا تمثل بانضمام دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة الامريكية بالذات إلى هذه الحملة.  لقد شكلت الستينات أهمية من حيث قيام الولايات المتحدة الامريكية بتزويد إسرائيل علنا بالمساعدات المالية والصناعية والعسكرية بعد أن كان ذلك يجري خلال الخمسينات من خلال دول أوروبا الغربية . ففي عام 1962 وصلت إسرائيل أول شحنة أسلحة أمريكية مباشرة (7).  وفي 24 |9| 1964 أصدر الكونغرس الأمريكي قرارا أدان فيه ما أسماه سياسة اضطهاد اليهود في الإتحاد السوفيتي (8) .  وفي 28| 10| 1965 وجه الرئيس الأمريكي جونسون كلمة  إلى عدد من المتظاهرين اليهود وهم في طريقهم إلى مقر البعثة السوفيتية في الأمم المتحدة في نيويورك جاء فيها: “إن وضع اليهود في الإتحاد السوفيتي يدعوا إلى الإهتمام الشديد . إننا لانستطيع أن نتجاهل وجود الاضطهاد الديني والعنصري في أي مكان في العالم ، وينبغي أن ندعم الإجراءات الرسمية المتوافرة لدينا بضغط من الرأي العالمي. وإني لآمل أن يتجمع المواطنون والمنظمات على إختلاف مذاهبهم لكي يعبروا تعبيرا عارما عن إهتمامهم المعنوي بيهود الإتحاد السوفيتي “(9) .
وفيما كان التحضير لحرب 1967 جاريا، تحولت نيويورك إلى  قاعدة للنشاط اليهودي، حيث تم في تشرين الأول 1966 تأسيس المؤتمر الخاص بأوضاع اليهود السوفييت ، كما تم في آذار من العام نفسه تشكيل لجنة خاصة بحقوق اليهود السوفييت ، وبدأت بإصدار النشرات الدعائية على نطاق واسع (10).
 أمدت نتائج حرب حزيران1967 المعسكر الصهيوني – الغربي عامة بزخم جديد، مؤدية فيما أدت إليه إلى نقل الحملة إلى داخل الإتحاد السوفيتي . فقد شكلت هذه الحرب هزيمة للإتحاد السوفيتي لا تقل في ضخامتها عن الهزيمة التي مني العرب بها. وفيما كان السلاح السوفييتي المتطور ينتقل إلى أيدي الإسرائيليين والأميريكيين عبر الجبهات العربية المهزومة، فقد ولد الإنتصار الإسرائيلي حماسا بين بعض قطاعات اليهود السوفييت الذين أخذوا يحسون بأنه ليس هناك ما يدعو بعد اليوم للتخلي عن يهوديتهم طالما أن اليهود قادرون على تحقيق مثل هذه الإنتصارات.
   
كان من شأن هذه الزوبعة العاطفية أن تخمد كما خمدت مثيلتها التي انطلقت بعد حرب السويس 1956، لولا أن العمل الصهيوني – الأميريكي كان قد تطور في تلك المرحلة إلى عمل مبرمج نقل من خلاله العمل إلى داخل الإتحاد السوفييتي  في وقت كانت فيه نتائج حزيران 1967 قد حولت تلك الحملة من حملة مطالبة بالحقوق الثقافية والدينية إلى حملة لتهجير أكبرعدد ممكن من اليهود السوفييت .
وقد اتخذ النشاط الصهيوني داخل الاتحاد السوفيتي منذ ذلك الحين شكل عمل منظم مهمته توزيع المنشورات وتأمين وصول رسائل من بعض اليهود السوفييت إلى الصحف الأميريكية يطالبون فيها بالهجرة إلى إسرائيل .  ففي15|2|1968 نشرت الصحف الامريكية أول رسالة مغفلة من التوقيع، ثم بدأت الرسائل ترد بأسماء معلنة .ويذكر أن الصحف الأميريكية قد نشرت بين شباط 1968 وتشرين الأول 1970 نحو 220 رسالة مماثلة .
وفي 5 تشرين الأول 1969 تجمع بعض الآف من الشباب اليهود لأول مرة أمام كنيس اليهود بمناسبة أحد الأعياد اليهودية وأخذوا يرقصون ويغنون وهم يصيحون (من نحن، نحن يهود … من نحن جميعا؟ نحن جميعا يهود )،  وحدثت مظاهرة مماثلة وفي نفس الوقت في مدينة ليننغراد (11) . تصاعد النشاط المذكور في عام 1970 حيث قام نحو 300 يهودي جورجي  بالتظاهر أمام مقر الحزب في جورجيا مطالبين بالهجرة الى إسرائيل , وفي كانون الأول من العام المذكور حاول تسعة شباب بينهم يهود اختطاف طائرة من مطار ليننغراد . و حفل عام 1971 بمختلف أشكال هذا النشاط.  لعل أبرزه إضراب الجلوس الذي قام به عدد من الشباب اليهود في باحة بناية مجلس السوفييت الأعلى واضربوا عن الطعام رافضين الرحيل أو إنهاء ذلك الاضراب قبل أن يمنحهم مجلس السوفييت الأعلى سمات خروج إلى اسرائيل.

 

المنشقون السوفييت والهجرة اليهودية

_____________________________

لعل أبرز ما اتسم به النشاط الصهيوني المنظم منذ عام 1968 هو اقترانه بظاهرة الإنشقاق التي ظهرت في الإتحاد السوفيتي في ذات الوقت . فقد ظهرت هذه الظاهرة في مطلع عام 1968 أيضا ولم تكن معزولة في أصولها عما كان جاريا في بولندة وتشيكوسلوفاكيا من أحدامث . أطلق المنشقون إسم ((الحركة الديمقراطية )) على دعوتهم وصدرت منذ ذلك الحين نشرة خاصة باسمهم هي نشرة ((كرونيكا)) مهمتها تسجيل نشاطات هذه الجماعة .
بدت هذه الدعوة في ملامحها العامة الداعية إلى تغيير المجتمع السوفيتي وكأنها عديمة الصلة بالنشاط الصهيوني الذي انبثق فجأة في ذلك الحين . غير أن هذه الصلة ما لبثت أن اتضحت حين قام أعضاء هذه الجماعة الذين عرفوا باسم المنشقين ، بتبني موضوع هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل من خلال الدعوة إلى حق الهجرة بشكل عام ، كما خصصت نشرة كرونيكا الناطقة بلسانهم بابا خاصا على صفحاتها بعنوان(الحركة اليهودية للهجرة إلى إسرائيل ) (12 ).  
ضمت ظاهرة الانشقاق هذه تيارات مختلفة منها التيارالديني الذي تزعمه سولجنستين  ،بينما كان التيار الليبرالي الذي تزعمه زخاروف هو التيار الأكبر والأقوى. وقد تألف هذا التيار في غالبيته من اليهود. يقول فورنيل : ” بينما لا يشكل اليهود السوفييت إلا نسبة ضئيلة جدا من عدد السكان السوفييت العام ،إلا أنهم يشكلون أكثر من نصف عدد المنشقين في الإتحاد السوفيتي . إن المنشقين من غير اليهود هم في الواقع أقلية صغيرة . ان معظم الأعضاء هم إما يهود أو أنصاف يهود ، وإن معظم نشطاء الهجرة كانوا في بداية الأمر ضمن المنشقين ” (13) .
وقد تركز نشاط هذه الحركة على الجانب القومي حيث ما لبثت الدعوة لهجرة اليهود أن اتخذت شكلا شموليا مهمته الدعوة لحق مختلف القوميات الأخرى في الهجرة كالأتراك الى تركيا والتتر إلى مواطنهم الأصلية في جورجيا . وقد لعب أندريه زخاروف منذ عام 1971 دورا بارزا في الدعوة لهجرة اليهود إلى اسرائيل حيث بادر إلى تشكيل (لجنة حقوق الإنسان ) وأخذ يوسع دعوته الليبرالية من خلال مساعديه من اليهود . ففي عام 1971 بعث زخاروف برسالة إلى مجلس السوفييت الأعلى تم نشرها في 7 |10 | 1971 في صحيفة نيويورك تايمز، طالب فيها بمنح اليهود حرية الهجرة إلى إسرائيل قائلا : ” إن حرية الهجرة هي شرط أساسي للحرية الروحية للجميع”،  وبأن هناك لاسامية تمارس في الاتحاد السوفيتي من خلال منع الهجرة . كما طالب في رسالة أخرى موجهة إلى مجلس السوفييت الأعلى بتاريخ 13 | 9| 1972 بمنح سمة الهجرة إلى إسرائيل لكل من الكسندر ليريز وبنجانين ليفيتش، كما قاد تظاهرة في 5| 12| 1972 في ساحة بوشكين (14).
وفي 21 | 8 | 1973 عقد زخاروف مؤتمرا صحفيا في منزله دعا إليه عددا من الصففيين الأجانب أيد فيه تعديل جاكسون على مشروع – السوفيتي ، وقال فيه :”إن تبني تعديل جاكسون يبدو وكأنه الخطوة الضرورية الأولى للحد من خطر الاتحاد السوفيتي على جيرانه” (15) . وقد شنت الدول الغربية حملة واسعة النطاق تأييدا لزخاروف حيث تم منحه جائزة نوبل بعد نشرة كتابة (بلادي والعالم ). غيرأن بعض المنشقين المقيمين في الولايات النتحدة ممن طردتهم السلطات السوفيتية إلى الخارج لم يتمالكوا أنفسهم من مهاجمة زخاروف حيث نشر فالينين بروساكوف وإدوارد ليمنوف وبخشاينان في تشرين الثاني 1975 تصريحات قالوا فيها “إن زخاروف يرسم صورة مغرقة في المثالية للغرب الذي يواجه الإرهاب والأزمات الإقتصادية والصراعات الدينية والقومية والعنصرية والفراغ الروحي وفقدان القيم” . وأضافوا قائلين إنهم يعرفون العديد من المهاجرين السوفييت الذين يتمنون العودة الى بلادهم فيما لو سمح لهم بذلك و”حبذا لو أن المستر زخاروف يولي هؤلاء بعض الإهتمام الذي يوليه للذين يرغبون في مغادرة الإتحاد السوفيتي (16).
ضم النشقون العديد من التكنو كراط اليهود بينهم بافل ليتفينوف وميخائيل شتيرن والكسندر فورميل وغيرهم . وقد أثار انضمام ليتفينوف إلى المنشقين ونشطاء الهجرة ردة فعل عنيفة في الأوساط الجماهيرية السوفيتية في ضوء أنه حفيد ليتفنيوف الذي كان وزيرا لخارجية الإتحاد السوفيتي عهد ستالين . وقد انهالت عليه الرسائل من أنحاء الاتحاد السوفيتي منددة بموقفه، وجاء في إحدى هذه الرسائل “لأي سبب أيها اليهودي ، تلطخ شرف جدك .. اذا لم تكن سعيدا في هذا البلد الرائع ، فارحل الى الجحيم أيها الخنزير .. انهم سيلاقونك هناك في إسرائيل بأذرع مفتوحة حيث يوجد الكثيرون على شاكلتك .. أنت لاتملك شرفا ولا ضميرا… أين يمكنك أن تجد أناسا طيبين وكرماء كالشعب السوفيتي الذي طالما صبر على أناس مثلك، حثالة قذرة مثلك .. لقد كان ستالين محقا،انت لست الا… “(17 ) . 
في ذلك الوقت ،كانت الحملة في الخارج قد اتسعت واشتد نشاطها بحيث أصبحت تشكل مسألة سياسية دولية . ففي 23 |2| 1971 عقد المؤتمر الصهيوني الأول لأجل اليهود السوفييت في مدينة بروكسل عاصمة بلجيكا ، وفي 25 |1| 1971  أقر المجلس الأوروبي المؤلف من بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا واللوكسمبرغ وإيطاليا وألمانيا الإتحادية ، في اجتماعه العام الثاني والعشرين توصية تنص على  حق اليهود في  مغادرة الإتحاد السوفييتي ، ليس فقط على أساس جمع  شمل العائلات، وانما استنادا إلى حق الهجرة ) (18).
ولدى انعقاد مؤتمر هلنسكي للتعاون الأوروبي عام  1973  اصر وزراء خارجية الدول الغربية على ادخال بند خاص ينص على ( حرية تنقل الأفراد والأفكار ) وبدا واضحا أن هذا البند إنما قصد به اليهود السوفييت ، وقد تم التأكيد على هذا البند من قبل الدول الغربية في عدة مناسبات لاحقة منها مؤتمر هلنسكي الثاني الذي عقد عام 1975، تم مؤتمر بلغراد للتعاون الأوروبي الذي عقد عام 1977حيث وجه الوفد الأميريكي للإتحاد السوفييتي تهمة خرق إتفاقية هلنسكي . في الوقت ذاته كانت المناقشات دائرة في الساحة الأميركية حول ماعرف بالاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي والذي مالبث بعد فشله أن أعقبته حملة حقوق الانسان مع بداية عهد الرئيس الأميريكي جيمي  كارتر .

 

مؤتمر بوكسل الأول :

 عقد ت الحركة الصهيونية في 23/2/1971  مؤتمرا عاما في مدينة بروكسل كرس خصيصا لليهود السوفييت . وفيما كانت الحملة  التمهيدية التي بدأت في الخمسينيات تتركز في مطالبة الإتحاد السوفييتي بمنح اليهود السوفييت  حقوقا ثقافية ودينية، فقد شكل مؤتمر بروكسل الأول تظاهر علنية واسعة بهدف واضح هو الضغط لأجل تهجير اليهود السوفييت إلى إسرائيل بعد أن اصبحت على استعداد لاستقبال المهاجرين . اقتصر حضور المؤتمر المذكور على المنظمات الصهيونية من شتى الانحاء ، وحاول المؤتمرون إظهار وضع اليهود السوفييت بأنه ماساوي …نظرا  إلى أنهم محرومون من حقوقهم الثقافية والدينية، مما اظطر رئيس المؤتمر اليهودي العالمي انذاك ناحوم غولدمان، الى القول  بأن وضع اليهود في الاتحاد السوفييتي قد أظهر بشكل درامي ومضخم (19). وقد أصدر المؤتمر في ختام أعماله بيانا جاء فيه :
 ” نحن مندوبي جميع الطوائف اليهودية في العالم ، المجتمعين في هذا المؤتمر، نعلن تضامننا مع إخواتنا اليهود في الاتحاد السوفييتي ، نحن معهم في كفاحهم البطولي من أجل الإبقاء على شخصيتهم القومية وحقهم المطلق في العودة إلى وطنهم التاريخي ، اسرائيل. نندد هنا بسياسة  الحكومة السوفييتية التي تستهدف القضاء على التراث الثقافي والديني اليهودي، خارقة بذلك الدستورالسوفييتي والإعلان العالمي لحقوق الانسان، وتؤكد كذلك على أن محاولة السلطات السوفييتية الفصل بين يهود الإتحاد السوفييتي ويهود العالم الآخرين هو إجحاف غير مقبول (20) .
وكان المؤتمر خلال اعماله قد انقسم الى لجان لبحث كيفية التحرك :  
  • في الأوساط الحكومية والبرلمانية العالمية .
  • على الصعيد القانوني ، تجاه المؤسسات غير الحكومية
  • من خلال وسائل الاعلام .
  • في أوساط الشباب والمثقفين . (21)
 اتخذت الحملة منذ ذلك الحين شكلا دوليا شاركت فيها مختلف الأوساط الأوروبية والأميريكية الرسمية وغير الرسمية ، وتعرضت مؤسسات الإتحاد السوفييتي في الخارج الى الهجمات، واشتد التسلل إلى داخل الاتحاد السوفييتي وتشكيل منظمات سرية صهيونية بهدف تحريض اليهود على الهجرة والقيام بإعمال تخريبية

مشروع الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي 

أثار مشروع الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي الذي تم وضعه  عام 1972عاصفة على امتداد ثمانيةعشر شهرا ، وذلك منذ أن تم تقديم المشروع إلى الكونغرس في عام 1973 من قبل الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس نيكسون، إلى حين مبادرة اتحاد السوفييتي إلى رفض المشروع وإلغاء الاتفاق التجاري في عام  1975.
فعلى الرغم من عقد هذا الاتفاق عام 1972 ، فإن العلاقات التجارية بين البلدين بقيت مجمدة على النحو الذي كانت عليه منذ عا م 1951،حين ألغت  الولايات المتحدة اتفاقا تجاريا كان قائما،  ضمن إجراءات الحرب الباردة . وقد تطلب تنفيذ إتفاق 1972 الذي اشتمل بشكل رئيس على جدولة الديون المتراكمة على الإتحاد السوفييتي إبان الحرب العالمية الثانية ، إصدار لوائح وتشريعات لتنظيم مجمل العلاقات التجارية بين البلدين .  شكل مؤتمر طوكيو للتجارة الذي عقد عام 1973 بداية التفكير الجدي من قبل الولايات المتحدة لتطوير علاقاتها التجارية مع  مختلف بلدان العالم وتوسيع تعاملها بحيث يشمل دول الكتلة الإشتراكية، حيث ثقدم الرئيس نيكسون في 10|4|1973 إلى الكونغرس بمشروع الإتفاق آنف الذكر .
غير أن اللائحة ما لبثت أن اصطدمت داخل الكونغرس باعتراض كتلة من النواب تزعمها السناتور هنري جاكسون وتشارلس فانيك ، حيث طالب جاكسون بإجراء تعديل على اللائحة ينص على تعهد الإتحاد السوفييتي بالغاء ضريبة الهجرة المفروضة على اليهود السوفييت لقاء  منحه التسهيلات التجارية الواردة في اللائحة .
استمرت المناقشات داخل الكونغرس نحو خمسة أشهر حيث صدرت الموافقة في
 4/10/ 1973 على اللائحة متضمنة التعديل الذي اقترحه السناتور جاكسون، مما دفع الرئيس نيكسون إلى الإعتراض على قرار الكونغرس معتبرا أن تعديل جاكسون من شأنه  أن يؤدي إلى عرقلة تنفيذ الإتفاق التجاري مع الإتحاد السوفييتي في الوقت الذي تحرص الولايات النتحدة على تنفيذه (22) .
غير أن حرب تشرين 1973 ا ما لبثت أن اندلعت . وحين عقد الكونغرس جلسته التالية لمناقشة اعتراض الرئيس الامريكي ، كان رصيد كتلة جاكسون قد ارتفع حيث تقدم تشارلس  فانيك بتعديل آخر يشترط تعهد الإتحاد السوفييتي  برفع كافة قيود الهجرة المفروضة على اليهود السوفييت .  وفيما كان تعديل جاكسون الأول قد حصل على 198 صوتا ضد 106 أصوات ، فقد حصل تعديل تشارلس فانيك على 219 صوتا ضد 80 صوتا . ولدى إجراء التصويت العام على اللائحة بمجملها في 11| 12 |1973 تم إقرارها بأغلبية 272 صوتا ضد 140 صوتا (23) .
لقد بدأواضحا أن تناقضا ما كان قائما بين موقف الإدار الأمريكية وموقف كتلة جاكسون فانيك داخل الكونغرس . فعلى الرغم  من أن الإدارة الأميريكية كانت لاتقل حرصا عن كتلة جاكسون في إثارة موضوع اليهود السوفييت والمساومة عليه ضمن الإتفاق التجاري ، إلا أنها كانت تعارض إدخال هذا الموضوع ضن الإتفاق التجاري، منطلقة من أن إقامة العلاقات التجارية مع الإتحاد السوفييتي سوف يؤدي الى إيجاد صيغة من التفاهم الضمني من خلال اللقاءات والمباحثات يتعهد الإتحاد السوفييتي بموجبها با أسمته ( الإفراج ) عن اليهود السوفييت، وإلغاء كافة القيود المفروضة على الهجرة . وقد عبر الرئيس نيكسون عن ذلك بالرسالة التي وجهها إلى الكونغرس لدى اعتراضه على تعديل جاكسون ، بقوله إنه على الرغم من أنه يدرك تمام الإدراك القلق العميق الذي يساور بعض أعضاء الكونغرس بشأن الضريبة المفروضة على المواطنين السوفييت الراغبين في الهجرة إلى بلدان أخرى … فإنه لايعتقد بأن حجب التسهيلات التجارية عن الإتحاد السوفييتي هو طريقة صحيحة وفاعلة من حيث التعامل مع هذه المشكلة (24) . كما صرح هنري كيسنجر فيما بعد قائلا : ” لقد وقفت الإدارة الأمريكية بإستمرار إلى جانب الأهداف التي توخاها تعديل جاكسون فانيك ، وذلك حتى قبل أن يقوما بتقديم تعديلهما ، إلا أنها تعتقد بشكل قاطع أن أسلوب إصدار نصوص تشريعية لهذه الحالة لايمكن أن يكون أسلوبا صحيحا، إضافة إلى ما يمكن أن يؤدي إليه من نتائج معكوسة”(25) .
ولدى تقديم اللائحة إلى مجلس الشيوخ، اقترحت اللجنة المالية الموافقة على قرار يخول الرئيس الامريكي رفع تعديل جاكسون – فانيك لمدة ثمانية عشرشهرا . وهي المدة التي
 يظل فيها قرار الرئيس  ساريا في العادة – وذلك لدى تأكد الرئيس من عدم وجود تقييدات سوفييتية على الهجرة ، حيث يتم التصويت ثانية على القانون .
حفل عام 1974 بالأخذ والرد في أوساط الكونغرس ومجلس الشيوخ والإدارة الامريكية ، قام خلالها وزير الخارجية  هنري كيسنجر بزيارة الاتحاد السوفييتي، كما جرت مباحثات مختلفة أخرى ، وبدا واضحا أن هناك نية لإثارة  ضجة واضحة في الأوساط الصحفية الأميريكية حول الموضوع . وفي 18|10| 1974 وجه كيسينجر رسالة إلى السناتور جاكسون يمكن تلخيصها بما يلي :-
(( أكتب إليك إنطلاقا من الإهتمام الكبير الذي أوليه شخصيا للتعديل الذي أدخلته على لائحة المشروع التجاري المعروض حاليا أمام مجلس الشيوخ، والذي تولي الإدارة الأمريكية أهمية كبيرة لتنفيذه … أنت تعلم أن التعديل الذي أدخله المستر تشارلس فانيك على اللائحة غير مقبول لدى الإدارة الامريكية، والإدارة الاميريكية كما تعلم تحترم أغراض الهجرة اليهودية من الإتحاد السوفييتي ، غير أنها لاتستطيع القبول بالأسلوب الذي تم فيه وضع تعديل فانيك في المادة الرابعة . وأود بهذه المناسبة أن أبين لك باننا قد حصلنا على التأكيدات من الإتحاد السوفييتي ، تتعلق بالقواعد والأساليب التي سيجري اعتمادها في تسهيل عملية هجرة اليهود السوفييت والتي تتضمن إيقاف الاجراءات التأديبية ضد الأفراد وعدم إعاقة طلبات الهجرة والكف عن فرض الضريبة وزيادة معدلات الهجرة ” (26).
 رد السناتور جاكسون في نفس اليوم على رسالة كيسنجر برسالة طالب فيها ببعض (الضمانات ) الأخرى، منها منح سمات الخروج للأبناء البالغين أسوة بآبائهم الذين يتقدمون بطلب الهجرة، ورفع معدلات الهجرة بحيث تصل إلى 60 ألف شخص في الشهر الواحد، وإفساح المجال لليهود السوفييت بالاتصال التلفوني مع الخارج … الخ .وفي مساء اليوم ذاته عقد جاكسون مؤتمرا صحفيا أذاع فيه الرسالتين مع كيسنجر، غير أنه أشار بأنه غير واثق ما إذا كان الاتحاد السوفييتي قد اطلع فعلا على رسالة كيسنجر قبل إرسالها إليه . وبدا للكثير من المتتبعين أن قصة هذه المراسلات والمؤتمرات الصحفية لم تكن تستند إلى أية معطيات فعلية وبأن لعبة ما كانت تدور من خلف الكواليس  بهدف إنقاذ الاتفاق التجاري مع التشهير بالإتحاد السوفييتي أمام أصدقائه العرب ، إضافة إلى أهداف جاكسون الشخصية الممثلة بكسب رصيد شخصي لمعارك الانتخابات .
 كان من شأن هذه المراسلات على أقل تقدير أن تكون مدعومة بإعلان سوفييتي على شكل رسالة تشير بتعهده لمثل تلك الإلتزامات ، ليكون لما جاء في رسالة كيسنجر أية مصداقية . وقد وصفت مجلة التايمز في عددها الصادر في اليوم التالي تلك المراسلات بأنها ( اتفاقية غريبة .. .. تجري بين المستر جاكسون من جهة والدكتور كيسنجر من جهة أخرى  ، وأوردت الغارديان في عدد 23 | 10 /1974 تصريحات لبعض المسؤولين في واشنطن جاء فيها إن رسالة كيسنجر قد كتبت من قبل البيت الأبيض بتعليمات مباشرة من الرئيس فورد دون إجراء أية مشاورات محددة مع الإتحاد السوفييتي ، وبأن وزير الخارجية هنري كيسنجر قد وقع على رسالة جاهزة دون أي  تردد.
وقد وجه وزير الخارجية السوفييتي أندريه غروميكو في  26 |10 | 1974 رسالة شديدة اللهجة الى وزير الخارجية الأميريكي هنري كيسنجر جاء فيها : ” أعتقد أنه من الضروري أن ألفت انتباهكم إلى ما نشرتموه مؤخرا من رسائل تتعلق بهجرة فئة معينة من المواطنين السوفييت . يتحتم علي أن أقول بصراحة بأن ما نشرتموه من أشياء بضمنها تلك الرسائل المتبادلة بينك وبين السناتور جاكسون إنما تخلق صورة مشوهة لموقفنا ولما كنا قد بيناه للجانب الأميريكي بشأن هذا الموضوع . فقد تم التأكيد في شرحنا لواقع الامر ، ردا على ما طلبتم ، أن الموضوع المذكور هو برمته أمر داخلي خاص بدولتنا… وقد نبهناكم في حينه إلى أن تصرفنا إزاء هذا الموضوع كان ولا يزال قائما على الاتزام التام بقوانيننا القائمة … إن ما يجري الآن هو إضفاء صفة التعهدات والإلتزامات من جانبنا على بعض الإيضاحات التي قدمناها بشأن مغادرة بعض المواطنين السوفييت إلى الخارج … وحين أطلعناكم على عدد المواطنين المفترض أن تتم مغادرتهم الإتحاد السوفييتي ، فقد كان ذلك من أجل إطلاعكم على واقع قائم هو انخفاض عدد الاشخاص الراغبين في الهجرة ، فيما جرى الحديث من قبلكم عن زيادة متوقعة بعدد المهاجرين .اننا نرفض هذه التفسيرات رفضا قاطعا ، وأنت أيها السيد وزير الخارجية ، تعلم جيدا ما قلناه في ذلك الحين . (27)
 في 13 | 12| 1974 أقر مجلس الشيوخ الامريكي لائحة المشروع التجاري بعد تخويل الرئيس الأمريكي بحذف تعديل جاكسون – فانيك من المادة الرابعة والاكتفاء بالاشارة الى موضوع اليهود السوفييت في المادة السادسة الخاصة بالشروط العامة ، مع حصر التبادل التجاري مع الاتحاد السوفييتي بمبلغ 300 مليون دولار . وقد جاء النص كما يلي : ” إن كافة الشروط الواردة أعلاه قد تم وضعها في ضوء ربط منح الإتحاد السوفييتي  وضع الدولة الأكثر رعاية، بالسياسات التي يعتمدها إزاء حرية الهجرة” (28 ).
في 14|2|1975 أعلن الإتحاد السوفييتي رفضه للقانون التجاري وإلغاء الإتفاق التجاري المعقود بينه وبين الولايات المتحدة عام 1972 ،   حيث اعتبر المشروع المذكور متعارضا مع الإتفاق التجاري لعام 1972 وبأنه يشكل تدخلا في شؤونه الداخلية .
شكل مشروع الاتفاق التجاري أول جولة صهيونية – أمريكية خاسرة في حملة السوفييت ، حيث أثبتت مسيرة الهجرة اليهودية من الإتحاد السوفييتي صحة ما ورد في رسالة وزير الخارجية السوفييتي من أن إنخفاضا قد طرأ على أعداد المتقدمين للهجرة كما سيرد لاحقا ، فيما فشلت الإدارة الامريكية في تبرير الادعاءات التي وردت في رسالة كيسنجر . ويمكن الإستنتاج أن التنازل الوحيد الذي قدمه الاتحاد السوفييتي في مجال المحادثات آنفة الذكر هو إلغاء ضريبة الهجرة منذ عام 1973  

 

مؤتمر بروكسل الثاني :

 عقدت المنظمات الصهيونية مؤتمرها الثاني الخاص باليهود السوفييت في 17 | 2| 1976 في مدينة بروكسل أيضا.  تميز المؤتمر المذكور عن المؤتمر الأول الذي عقد عام 1971 بضخامة عدد المشاركين حيث ضم نحو 1200 مندوبا يمثلون تنظيمات صهيونية في 23 بلدا، إضافة إلى عدد من المنظمات والشخصيات غير اليهودية والتي بلغ عددها نحو 88 شخصية (29 ). وقد تشكلت الوفود على النحو التالي: 350 مندوبا من الولايات المتحدة الأميريكية، 200 من فرنسا ،150 من بريطانيا ، 50 من أميريكا اللاتينية ، 100 من إسرائيل . و بعث الرئيس الأميريكي جيرالد فورد برسالة إلى المؤتمر تليت في جلسة الإفتتاح أعلن فيها تضامنه مع المؤتمر مشيرا إلى أن حق الهجرة حق أساسي. وقال رئيس المؤتمر القومي اليهودي في الولايات المتحدة لأجل اليهود السوفييت أن أهداف مؤتمر بروكسل تتلخص في :-
  • تأكيد الرابطة بين يهود العالم واليهود السوفييت
  • تأكيد مساندة الغرب لليهود السوفييت
  • تأكيد أن هذه المساعدة تنطلق أساسا من العالم الحر .

_________________________________

*تم التوقيع على اتفاقية التعاون والامن الاوروبي في 1/8/1975في مدينة هلنسكي من قبل كافة الدول الاوروبية ( باستثناء البانيا) والولايات المتحدة الامريكية وكندا . وقد شملت الاتفاقية تعهدات بشان التسلح الاوروبي والتعاون الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والانساني . وقد نصت الفقرات الخاصة بالجانب الانساني على تسهيل الاتصال والاجتماع بشكل دائم بين افراد العائلات الذين يقيمون في بلدان مختلفة ، والموافقة على طلبات لم شمل العائلات على مراحل وتبادل المواد الاعلامية . كما تضمنت فقرات حول عدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم دعم النشاطات التخريبية الهادفة الى الاطاحة بالنظام ..
واضاف قائلا بأن هناك نحو 750 ألف يهودي سوفييتي يرغبون في الهجرة فيما لوسمح لهم الإتحاد السوفييتي بذلك (30) .
 جاء انعقاد مؤتمر بروكسل الثاني في الوقت الذي  أخذت فيه الهجرة اليهودية السوفييتية بالتضاؤل مقارنة بما كانت عليه في أوائل السبعينيات . وفيما رأت بعض الأوساط أن مؤتمر بروكسل الأول قد شكل في حينه عاملا مباشرا في إطلاق الهجرة اليهودية السوفييتية،  فقد بدا واضحا لدى انعقاد المؤتمر الثاني أن الأوساط المعنية بعد انعقاد هذا المؤتمر قد هدفت إلى إخراج حملة الهجرة من ورطتها وتحميل الإتحاد السوفييتي مسؤولية تقلص الهجرة واتهامه بخرق إتفاقية هلنسكي* . فقد جاء في كلمة رئيس المنظمة الصهيونية العالمية ، يوسف الموجي ، لدى افتتاح المؤتمر : “علينا أن نذكر أنفسنا بأن الوقائع تشير إلى هجرة 115 ألف يهودي من الإتحاد السوفييتي منذ انعقاد المؤتمر الأول في بروكسل قبل خمس سنوات وأن أكثر من مئة ألف منهم قدموا الى اسرائيل …) ( 31) .
في ذات الوقت ، كان من الأهداف الرئيسة للمؤتمر إقامة تظاهرة إعلامية ضخمة ردا على قرار إدانة الصهيونية الذي صدر في العاشر من تشرين الثاني  عام 1975عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي نص على اعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية.  وقد حملت الصهيونية الإتحاد السوفييتي مسؤولية  صدور هذا القرار بشكل رئيس، و تم إبراز هذه الناحية بشكل واضح أثناء انعقاد المؤتمر والمؤتمرات الصحفية الجانبية حيث جاء في المؤتمرالصحفي الذي عقده بعض المندوبين عشية انعقاد المؤتمر: ” إن الاتحا د السوفييتي قد أصبح خلال السنوات العشر الأخيرة مركزا عالميا للدعاية المناوئة لليهود”. كما جاء في البيان الختامي الصادر  عن المؤتمر في 19/2/1976، أن “قيام الإتحاد السوفييتي ودول أخرى بمساواة الصهيونية بالعنصرية  يمثل كارثة ليهود العالم”، و طالب البيان الاتحاد السوفييتي  بتطبيق إتفاقيات هلنسكي والدستور السوفييتي وإيقاف الإجراءات القمعية ضد اليهود السوفييت المطالبين بالهجرة” ( 32) .

حملة حقوق الانسان

تبنى الرئيس كارتر الدعوة لحقوق الانسان إبان حملته الانتخابية، وذلك ضمن السياسة الجديدة التي طرحها في أعقاب الهزيمة الأميركية في فييتنام وقضية ووترغيت اللتين زعزعتا ثقة المجتمع الاميركي . وقد تقمصت دعوة كارتر هذه منطلقات أخلاقية وعقائدية في محاولة لكسب الأصوات الانتخابية من خلال الإيحاء للمجتمع الأمريكي بأن عهده سيكون عهدا أخلاقيا قوامه المثل الإنسانية وحرية الإنسان. غيرأن هذه الدعوة مالبثت بعد فوزه في الانتخابات أن اتخذت شكل حملة مبرمجة موجهة بشكل رئيسي ضد الدول الاشتراكية عامة  والاتحاد السوفييتي بشكل خاص، وذلك نتيجة الاتفاق الذي تم داخل الكونغرس الأميريكي بين كتلة هنري جاكسون وكتلة سام براون . فبينما أصر جاكسون على فرض العقوبات الإقتصادية على الإتحاد السوفييتي لأجل ما أسماه ( الافراج عن اليهود السوفييت )، طالب سام براون باتخاذ إجراءات مماثلة ضد بلدان أميريكا الاتينية التي تستورد حاجياتها من تشيكوسلوفاكيا بينما تطلب القروض من الولايات المتحدة. يقول دانيال موينهان في هذا الشأن: ” وقد تحدثت أنا باسم مجموعة السناتور جاكسون حول تعديل جاكسون … وتم الاتفاق على أن يدعم كل منا مطالب الآخر ، وهكذا تم تشكيل أقوى منبر ملتزم بحقوق الإنسان في تاريخنا …وكان هذا الاتفاق هو الذي دفع الرئيس كارتر لكي يشن حملته من أجل حقوق الانسان والتي بدأها في خطابه التدشيني ” ( 33).
ففي 25/3/1977جاء في خطاب كارتر: “هناك صراع أيدولوجي قائم منذ عدة عقود بين الأمم الشيوعية من جهة، والأمم الديموقراطية من جهة أخرى. إن السيد بريجينيف وأسلافه لم يحجموا يوما عن التعبير عن وجهة نظرهم حين كانوا يجدون أنهم لايتفقون مع بعض مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية في العالم الحر. وأنا أعتقد أن من حقنا أن نصرح علنا حين يساورنا القلق إزاء حقوق الإنسان أينما تحدث مثل هذه الانتهاكات “. ( 34) 
وقد اتخذت  الحملة بصعود كارتر شكل نشاطات جماهيرية واسعة إضافة إلى جملة من المواقف الرسمية ، لعل أهمها القرار الذي اتخذه مجلس الشيوخ الاميركي في 3/3/1977 بإدانة الإتحاد السوفييتي بتهمة عرقلة هجرة اليهود وخرق اتفاقيات هلنسكي. 
غير أن هذه الحملة مالبثت أن خفتت حيث اضطر كارتر إلى اللجوء إلى الصمت مع انكشاف  أهدافه الحقيقية من هذه الحملة  الانسانية  في الوقت الذي كانت فيه المخابرات المركزية الأميريكية تدير المجازر في تشيلي وتقف إلى جانب مرتكبي جرائم حقوق الإنسان في معظم أنحاء العالم. كما إن تزايد تدفق اليهود السوفييت المهاجرين نحو الولايات المتحدة بدلا من إسرائيل قد أدى إلى إثارة الخلافات داخل الإدارة الأميريكية ودائرة الهجرة الأميركية، حيث تشير بعض المصادر الى وقوف بعض عناصر هذه الدائرة ضد فكرة جلب اليهود السوفييت إلى الولايات المتحدة .

                              _________________________________

الفصل الحادي عشر

 الموقف السوفييتي من اليهود والهجرة

 يرفض الإتحاد السوفييتي التشجيع على هجرة فئات سكانية منه إلى الخارج نتيجة أي ظرف سياسي . غير أنه في ذات الوقت لايستطيع أن يحول دون هجرة من يرغب في الهجرة إلا في حالات خاصة تتعلق بأمن الدولة أو لأية اعتبارات أخرى تنص عليها المواثيق الدولية .
يشار في هذا المجال إلى أن السلطات السوفييتية فقد وافقت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية على عودة البولونيين الراغبين في العودة إلى وطنهم ممن كانوا قد لجأوا إلى الأراضي السوفييتية أثناء الحرب، على الرغم من أنهم كانوا قد حصلوا على الجنسية السوفييتية، وأن حق العودة إلى الوطن الام قد شمل بعض الأوروبيين الآخرين كماشمل بعض إلاسبانيين الذين كانوا قد جلبوا وهم أطفال إلى الإتحاد السوفييتي خلال فترة الحرب الأهلية الاسبانية (1) .
كذلك يذكر بأن السلطات السوفييتية قد استجابت لطلبات الهجرة المقدمة على أساس حق جمع شمل العائلات كتلك التي تقدم بها بعض الليتوانيين والستونيين للالتحاق بأقاربهم في الولايات المتحدة ، كما استجابت لطلبات الهجرة التي تقدم بها اليهود سواء إلى اسرائيل أو الولايات المتحدة، وذلك استنادا إلى الأساس ذاته ، ولايذكر أن الاتحاد السوفييتي قد سمح لليهود  السوفييت بالهجرة إلى إسرائيل على أساس انها وطنهم الام . فعلى الرغم من أن الاتحاد السوفييتي قد وافق على قرار التقسيم عام  1947واعترافه بدولة اسرائيل، فهو  لم يعترف بإسرائيل كوطن قومي  لكافة اليهود. وكان المبرر الذي قدمه لدى موافقته على قرار التقسيم هو “إيجاد ملجأ ليهود أوروبا الغربية” (2)، وذلك ضمن سياق السياسة العامة التي تورط فيها ستالين في ذلك الحين تحت تاثير بعض العناصر اليهودية من أعضاء اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية، في محاولة منه لضرب النفوذ البريطاني في المنطقة العربية . وقد تم التعبير عن ذلك في المقالة السابقة الذكر التي نشرها إيليا اهرينبورغ بتاريخ 21/9/1948 في صحيفة البرافدا بقوله : ” ان هناك فرقا كبيرا بين إسرائيل وصهيونية اليهود السوفييت” ، وذلك في معرض تفسيره للحملة الشديدة التي شنت في ذلك العام على كافة العناصر الصهيونية والتي مالبثت ان شملت بعض عناصر  اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية .
إضافة إلى ذلك ، فإن الإعتراف السوفييتي باليهود السوفييت كقوميةلا يتضمن الإعتراف بوجود قومية يهودية عالمية . فالقومية اليهودية وفق المفهوم السوفييتي هي قومية خاصة ضمن قوميات الاتحاد السوفييتي لاتربطها باليهود الاخرين الذين يقطنون البلدان الأخرى أية رابطة *، ولا صلة لها بيهود إسرائيل إلا من خلال صلة القرابة التي تربط بعضهم كأفراد، وهي قومية وطنها القومي بيروبيجان وليس إسرائيل .

________________________

*خرق ستالين هذا المبدأ عمليا  حين سمح  للجنة اليهودية المناهضة للفاشية  أثناء الحرب العالمية الثانية بإقامة الصلات مع اليهود الأمريكيين بهدف استغلال نفوذهم لدفع الحكومة الأمريكية نحو مساعدة الإتحادالسوفييتي ضد الهجوم النازي
وإذا كانت روسيا القيصرية قد رغبت كثيرا في هجرة اليهود بعيدا عن أراضيها ، فقد اختلف الوضع مع قيام النظام الإشتراكي بأيديولوجيته المختلفة تماما عما سبق والخاصة بالمفاهيم الخاصة بالإنسان والمجتمع، حيث حصل اليهود مع قيام لإتحاد السوفييتي على حقوقهم كاملة كمواطنين، وذلك لأول مرة في تاريخ تواجدهم في الأراضي الروسية.
كذلك كان هناك صراع طويل بين الإشتراكية والصهيونية يعود في أصوله إلى بداية تبلور الحركة الإشتراكية – الديمقراطية في الأراضي الروسية في أواخر القرن التاسع عشر. وهو صراع  أيديولوجي طويل  بين الاشتراكية العلمية والخصوصية البورجوازية الغيبية التي مثلها الفكر الصهيوني . وفيما شكل صدور وعد بلفور عام 1917 تحديا رأسماليا للنظام الاشتراكي متخذا من فلسطين ساحة له ، فقد ناهض الإتحاد السوفييتي الهجرة اليهودية الجماعية إلى فلسطين منذ ذلك الحين ضمن قناعة عامة بأن هجرة اليهود الذين يشكلون في غالبيتهم طبقة برجوازية مناهضة للإشتراكية سوف يؤدي إلى تقوية ودعم النظام الرأسمالي في المنطقة العربية
يتضح مما سبق أن الموقف السوفييتي من الهجرة اليهودية قد حكمته طبيعة المواجهة العامة بين الاشتراكية والرأسمالية . ولم يتخذ البعد العربي حيزا ملحوظا في مسار السياسة السوفييتية إزاء الهجرة إلا بعد أوائل السبعينات حين أصبح للثورة الفلسطينية وزنها السياسي عالميا وطرحت قضية شعب فلسطين نفسها على الساحة الدولية منذ عام 1974 .
كانت هناك قناعة عامة لدى السلطات السوفييتية خلال الستينيات بأن اليهود السوفييت غير مهيئين للإختراق الصهيوني إلا في قطاع ضئيل منهم ، وهو ذلك القطاع الذي حمل تراث السوق السوداء إلى قلب الستينات والذي تم ضرب بعض فئاته بتنفيذ أحكام الإعدام بمرتكبي الجرائم الإقتصادية في أوائل العقد المذكور . ثم إن اليهود  كمواطنين سوفييت يعاملون مثل الآخرين ، بل ويحتلون أرقى المناصب والمراكز العلمية والإجتماعية بنسب تفوق نسبتهم السكانية ، ويرفضون الحل القومي بدليل رفضهم الذهاب إلى بيروبيجان وتهافتهم على مختلف المدن السوفييتية وانغماسهم العام في مختلف مجالات الحياة الروسية .
وتشير وقائع الحملة الإعلامية الداخلية التي شنها الإتحاد السوفييتي منذ أوائل الستينيات ردا على الحملة الصهيونية التي اندلعت في ذلك الحين ، إلى أن الاتحاد السوفييتي كان شديد التفاؤل بساحته اليهودية الداخلية ومناعتها الإشتراكية . وكان من شأن ذلك التفاؤل المفرط أن يقود إلى التخبط في التخطيط وتوجيه تلك الحملة التي ما لبثت أن أدت الى نتائج عكسية إثر نتائج حرب حزيران 1967 .
ارتكزت تلك الحملة الإعلامية على ثلاثة مرتكزات رئيسية هي: التأكيد على أن الحياة في إسرائيل حياة بائسة ، ومحاربة الصهيونية كحركة قومية بورجوازية عنصرية وربط اليهود بالصهيونية . ففي عام 1960 تم القبض على موظف في السفارة الإسرائيلية في موسكو وعثر معه على مواد دعائية إسرائيلية ومنشورات تحريضية لليهود السوفييت . و صدر إثر ذلك بيان أذيع بالراديو والتلفزيون ناشد اليهود  “ألا يسمحوا لأنفسهم بالتأثر بالدعاية الصهيونية  التي تبحث لها عن ضحايا آخرين وتبث الاوهام عن إسرائيل الجنة”. كما عرضت في ذلك الحين تمثيلية هزلية ضد إسرائيل بعنوان  (أرض الميعاد) لغريغوري بلوتكين الذي كان قد زار إسرائيل عام 1948 (3) . كما تركز الهجوم على قادة إسرائيل والنظام القائم فيها وإبراز التعاون بين هؤلاء القادة والنازية ثم النازية الجديدة .
كذلك استمر الهجوم على الصهيونية بصفتها حركة قومية برجوازية في مختلف الصحف السوفييتية الرئيسة وتلك التي تصدر في الأقاليم التي يتواجد فيها اليهود ،
 و علقت صحيفة النيويورك تايمز في 5|12| 1966 على ذلك بقولها بأن حجم المساحة التي يشغلها الهجوم على إسرائيل والصهيونية في الصحف السوفييتية لا يتناسب مع أهميتها بالنسبة للسياسة السوفييتية ، وذلك في محاولة منها لتغييب ضخامة الحملة الصهيونية – الأمريكية الواسعة ومدى المساحة التي ـشغلها في الصحافة الأمريكية والغربية عامة .
أما المرتكز الثالث الذي انتهجه الإعلام السوفييتي حتى عام 1967 فهو الربط بين اليهودية والصهيونية حيث خصصت العديد من المقالات والبرامج الإذاعية لذلك  منهاعلى سبيل المثال ( الشعائر اليهودية   هي شعائر الصهاينة البورجوازيين ) (4)،
( الصهيونية ترتبط إرتباطا لا ينفصم باليهودية ) (6) . ومن الواضح أن اعتماد ذلك المرتكز الإعلامي  جاء بمثابة رد فعل على الحملة الصهيونية التي تمثلت في ذلك الحين بالمطالبة بالحقوق الثقافية والدينية لليهود السوفييت .
إضافة إلى ذلك ، عمد الإتحاد السوفييتي إلى شن حملة ضد الصهيونية على النطاق الخارجي . ففي تشرين الثاني 1965 طالب الاتحاد السوفييتي في اللجنة الثالثة التابعة للأمم المتحدة بمساواة الصهيونية بالنازية في ميثاق إزالة كافة أشكال التمييز العنصري (7) . غير أن هذا التعديل لم يحظ بالتأييد داخل الأمم المتحدة . وإزاء اشتداد الحملة الصهيونية التي ما لبثت ان انتقلت إلى فرنسا من خلال لجان حقوق الإنسان ، فقد أصدرت السفارة السوفييتية في باريس في 3|12| 1966 بيانا  تضمن تصريحا لرئيس الوزراء السوفييتي أليكسي كوسيجين جاء فيه :” فيما يتعلق بلم شمل العائلات ، اذا كانت هناك عائلات ترغب في اللقاء أو حتى في مغادرة الإتحاد السوفييتي ، فالطريق مفتوح أمامها ، وليس هناك مشكلة في ذلك ” (8). وقد نشر هذا التصريح في 5| 12| 1966في الإزفستيا ، مشكلا بذلك أول تصريح رسمي في الستينات فيما يتعلق بالهجرة . وعلى الرغم من هذا، فأن هذا التصريح  لم يخرج عن نطاق السياسة السوفييتية الثابتة إزاء مبدأ الهجرة اليهودية ، إلا أن صدوره في ذلك الوقت كان أشبه بمحاولة للرد على الحملات التي اشتدت تحت ستار حقوق الإنسان كما جاء نشره في صحيفة الإزفستيا بمثابة تأكيد على أن الاتحاد السوفييتي لا يزمع عرقلة الطلبات التي تقدم ضمن إطار جمع شمل العائلات وبأنه ملتزم بذلك داخليا وخارجيا . وتشير إحصائيات الهجرة المحققة خلال النصف الأول من عام 1967 أن الراغبين في الهجرة كانوا قليلين جدا حيث لم يتجاوز عدد الذين هاجروا خلال تلك الفترة نحو 380 شخصيا (9) .
ويشير هذا الواقع إلى أن اليهود السوفييت لم يكونوا راغبين في الهجرة ، وقد بدا ذلك واضحا من خلال التصريح الذي أدلى به السفير السوفييتي في باريس في 6|7|1966  وجاء فيه : إن الحديث عن مأساة اليهود السوفييت هو حملة كثر ترديدها ويتم تبنيها من قبل الدوائر الغربية الرسمية بهدف تشويه سمعة الإتحاد السوفييتي والإيحاء بأن اليهود السوفييت يتعلقون بإسرائيل وبأن الخطر يتهددهم في حالة بقائهم في الاتحاد السوفييتي .. ان اليهود السوفييت لهم وطنهم السوفييتي ولم يشعروا أبدا بأي جاذب يقربهم نحو إسرائيل .. ان الاتحاد السوفييتي سوف لن يقف ساكتا إزاء مثيري هذه الحملة (10) .
أدت حرب حزيران إلى نتائج معاكسة ، واتضح فشل الحملة الاعلامية السوفييتية الداخلية . فلقد أثار النصر الكاسح الذي حققته إسرائيل تعاطف قطاع لايستهان به من اليهود السوفييت ناسخا من أذهانهم صور البؤس الإسرائيلي التي طالما صورها الاعلام السوفييتي . بل إن ذلك النصر الذي حققته إسرائيل ( القومية البرجوازية ) ما لبث أن تحول الى ( فضيلة ) من فضائل البرجوازية التي طالما ترعرع اليهود في رحابها وشهدوا أكثر عهودهم إيناعا في ظلها . أما بالنسبة للعنصرية فلم يكن لها أي مدلول على الصعيد الداخلي ، وذلك في صوء غياب العنصر العربي الفلسطيني ، ضحية هذه العنصرية . ذلك ان العلاقة السوفييتية – العربية في الستينات قدارتبطت بأنظمة عربية محيطة بإسرائيل ، وبد الحديث عن العنصرية وكأنه نفخ في الريح . وكان المرتكز الإعلامي الثالث الذي قرن اليهودية بالصهيونية أشد تلك المرتكزات فشلا في ظل واقع ما زال فيه نحو مليونين من المواطنين السوفييت يحملون هويات تميزهم عن الآخرين بيهوديتهم التي تتعرض كل يوم للهجوم  بربطها بالصهيونية .
وفيما أخذت التنظيمات الصهيونية السرية بالتكون والتبلور منذ أوائل عام 1968مستمدة جذورها وقوتها من الجهات الخارجية ، فقد هيأ الفشل الاعلامي السوفييتي خلال السنوات السابقة تربة يهودية خصبة لهذه التنظيمات ، وتحتم على السلطات السوفييتية مواجهة واقع جديد ضمن ظروف معقدة قوامها هزيمة سوفييتية لاتقل قوة  عن الهزيمة التي حلت بالعرب عام 1967، ترافقها حملة صهيونية –أميركية –أوروبية غربية هائلة ومظاهرات يهودية وطلبات هجرة متدفقة على الصعيد الداخلي .
وتشير معطيات تلك الفترة إلى أن السلطات السوفيتية لم تكن مستعدة لمثل هذه المجابهة على الصعيد الداخلي بشكل خاص . فقد كان التعامل مع الخارج أكثر سهولة ونشطت الأجهزة على الصعيد الإعلامي والإجرائي والسياسي نشاطا بقي متخبطا حتى عام 1975.

الصعيد الاعلامي :

اتخذت الحملة الإعلامية مرتكزات ذات أبعاد جديدة منها : التركيز على اسرائيل العدوانية التوسعية، الصهيونية أيديولجية إمبريالية وعدوة للتطور الإشتراكي ، النشاط الصهيوني خيانة للوطن الإشتراكي، الهجرة خيانة للوطن الاشتراكي . فقد اشتد  الهجوم على إسرائيل وتم التركيز على اعتبارها جزءا من أخطبوط صهيوني واسع الإنتشار ، احتلت الصهيونية مكان الصدارة في الإعلام وجندت الكثير من الإمكانيات الإعلامية لذلك، حيث عمدت الإذاعة والتلفزيون إلى أبراز مواقف اليهود المعادين للصهيونية.
ففي 4/3/1970 تم عقد مؤتمر صحفي كرس ضد الصهيونية وشارك فيه عدد من اليهود السوفييت اذيع بالراديو والتلفزيون . كما بوشر بإصدار نشرات وكتيبات مختلفة بكافة اللغات السوفييتية ضد الصهيونية والتأكيد على أن النشاط الصهيوني خيانة كما إن الهجرة خيانة. وتم في كانون الاول من عام 1971عقد مؤتمر عام في موسكو تحت شعار ( الصهيونية أيديولوجية إمبريالية وعدوة للتطور الاشتراكي ) . وقد تخبط الاعلام في تلك الفترة في اتخاذ موقف من الصهيونية .فقد تضاءل الهجوم على اليهودية وفي 10/3/1971 أصدر احد عشر رجل دين يهودي بيانا ادانوا فيه اسرائيل والصهيونية ، فيما صدر في تلك الفترة كتابان يتعرضان لليهودية هما ( احذروا الصهيونية ) ليوري إيفانوف وكتاب ( اليهودية والصهيونية ) لتفوريم كيشيكو اللذين أثارا ردة فعل عينفة بين اليهود السوفييت .
  تطور الإعلام السوفييتي بعد حرب تشرين 1973 تطورا ملحوظا من حيث التركيز على ذكر حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين من جهة، وعلى علاقة يهود العالم باسرائيل مشيرا بالأرقام إلى تقلص التبرعات اليهودية لإسرائيل وهجرة اليهود الإسرائيليين إلى الخارج .

الصعيد الاجرائي : 

شكل عام 1970 أول مواجهة فعلية بين السلطات السوفييتية والتنظيمات الصهيونية حيث بدات مطاردة أعضائها وتقديمهم للمحاكمة بتهمة الصهيونية. جرت أول محاكمة في 13/5/ 1969لشاب يدعى موريس كوشوبينفسكي كان قد وزع بيانا بعنوان ( لماذا أنا صهيوني ) وطالب بالهجرة وتم الحكم عليه بالعمل بمعسكرات العمل لمدة ثلاث سنوات . مالبثت الأمور أن تطورت حيث حاول تسعة شباب بينهم سبعة من اليهود عام 1970  إختطاف طائرة من مطار ليننغراد، وصدر الحكم بالإعدام على اثنين منهم بينما حكم الآخرون بفترات سجن متفاوتة .  شكل ذلك الحكم زوبعة عاصفة في الداخل والخارج ، محققا للصهيونية نصرا جاهزا . فلقد رأى البعض أن الحكم  غير عادل قانونيا نظرا إلى أن القبض على الشباب قد تم وهم مازالوا في الطريق إلى الطائرة. وقد تم بعد ذلك تخفيف حكم الإعدام بعد تدخل قوى تقدمية ويسارية كثيرة* . وفيما جرى التحضير لعقد مؤتمر بروكسل الأول كانت طلبات الهجرة المترافقة بالتظاهرات ورسائل الإحتجاج قد بدأت بالتدفق.
شكل عام 1971 بداية المواجهة الفعلية ، حيث وجدت السلطات السوفييتية نفسها مضطرة إلى مواجهة واقع قائم أصبح مرتبطا بعدة أبعاد هي : بعد داخلي يهدد في حالة التشدد في الإجراءات المضادة بتزايد التكتل اليهودي والنشاط الصهيوني، ترافقه كراهية شعبية سوفييتية لليهود، وبعد دولي يقف بالمرصاد لأية مادة من شأنها توفير قرينة على خرق  حقوق الانسان ، وبعد مرتبط بمجمل الصراع العربي -الصهيوني .
لعبت عدة اعتبارات أدوارا مختلفة في دفع السلطات السوفييتية إلى اعتماد التجريبية في تعاملها مع هذه الظاهرة.  فمبدأ جمع شمل العائلات قد أصبح مبدأ مخترقا في ضوء أن دعوات الأقارب قادمة في غالبيتها من إسرائيل، حيث أصبحت مصداقية صلة القرابة أمرا يشك في صحته . فتزوير القرابة أمر وارد . كما  أن السماح بهجرة الشباب  والعلماء والخبراء من اليهود السوفييت إلى اسرائيل أمر يعارض مصالح الإتحاد السوفييتي الداخلية والخارجية ، إذ يعرضه جزء من موارده البشرية وطاقاته العلمية والتكنولوجية والشابة ، كما يؤدي إلى زيادة القوة البشرية العلمية والتكنولوجية والعسكرية لإسرائيل وما يتضمنه ذلك من تسرب لأسرار الدولة إلى إسرائيل والغرب .
في آذار 1971  تم إصدار ألف سمة خروج ضمن مبدأ لم شمل العائلات (11). وقد شكل الرقم المذكور قفزة واضحة بعد أن كان عدد السمات التي تم منحها خلال كانون الثاني وشباط من العام نفسه لايتجاوز مئتي سمة.  وكان ذلك بعد انعقاد مؤتمر بروكسل الاول مباشرة (23/2/1971) حيث 
*كتبت صحيفة الحزب الشيوعي الايطالي في 274/12/1970قائلة : اننا لانستطيع مناقشة حق بلد يريد الحفاظ على سلامة خطوطه الجوية ومعاقبة المجرمين ….ولكن أن تكون المحاكمات قد عقدت بصورة سرية وداخل ابواب مغلقة ، فان هذا لايتفق مع أسس الضمانات الفردية للمتهمين ،وهو أمر نعتبره غير مقبول …كما إنه لايصدق أن يصدر حكمان بالاعدام على جريمة لم تقترف ، وهذا امر خطير من الناحية القضائية 
مالبث طلبات الهجرة أن أخذت بالتزايد بشكل ملفت للنظر مما اضطر السلطات السوفييتية إلى التوقف عن منح السمات لنحو ثمانية أشهر لأجل دراسة الطلبات والتحقق من عمليات التحريض الجارية . تم خلال الأشهر الثمانية المذكورة القاء القبض على العديد من الشباب اليهود الذين ثبت بأنهم كانوا يحرضون اليهود على الهجرة حيث تم تقديمهم للمحاكمة : محاكمات في ليننغراد وريغا في أيار، محاكمات في أوديسا وكييف وسفيرلوفيسك في حزيران،  محاكمة في سمرقند في أيلول، محاكمة في ليننغراد في أكتوبر.  ومع نهاية عام 1971، صدرت أحكام بحق أربع وأربعين شابا يهوديا لفترات  سجن مختلفة (12) ، فيما بوشر ثانية بإصدار سمات الخروج لمعظم الطلبات المقدمة. ويشير مصدر سوفييتي إلى أنه  تم منح سمات الهجرة بين عامي 1971و  1975  لنحو 98.5% من طلبات الهجرة ولم يتم استثناء أحد إلاالعلماء ولخبراء العسكريين
برر الإتحاد السوفييتي سياسة الهجرة هذه إلى القوانين والقواعد الدولية بشكل رئيسي ، كما عمد إلى اخاذ  جملة من الإجراءات الأخرى التي يبيحها الدستور السوفييتي والقانون الدولي والتي تخول السلطة حق حجب سمات الهجرة عن بعض المتقدمين. ويمكن تلخيص مجمل هذه القواعد  والقوانين بما يلي :
1-التمسك بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1966عن الأمم المتحدة الذي تضمن:
أ – حق الفرد في اختيار موطنه .
ب- حق الدولة ذات السيادة في فرض قيود على هجرة مواطينها لاعتبارات تتعلق بالأمن والسلامة الوطنية .
2- التمسك بمبدا لم شمل العائلات في منح سمات الهجرة .
3- العمل بتوصية صادرة عن اليونسكو عام  1970   في شان الحد من هجرة العقول وفرض القيود المناسبة للحيلولة دون هجرة العلماء والإختصاصيين .
4-حق الدولة في فرض رسوم على المهاجرين لحماية الموارد العامة في النظام الإشتراكي .
وقد اتخذت الإجراءات الشكل التالي:
  • ضريبة الهجرة :صدر في 3/8/1970 قانون ينص على استحصال تكاليف التعليم من المهاجرين .وأعفي المرضى والمسنون من هذه الضريبة التي تراوحت بين 4 إلى 14ألف روبل( 13) . تم استحصال هذه الضريبة لبضعة أشهر حيث صدر قرار بالغائها في آذار 1973. ويعزو البعض سبب إلغائها إلى الضعوط التي تعرض لها الإتحاد السوفييتي إبان المحادثات الأميريكية- السوفييتية حول مشروع الإتفاق التجاري ، غيرأن المرجح هو أن الغاء هذه الضريبة قد جاء بهدف الحد من الأموال التي أخذت تتدفق على اليهود، ومن ثم على المنشقين من الخارج بحجة أن طالبي الهجرة غير قادرين على دفع الضرائب والرسوم المفروضة عليهم ، تلك الأموال التي كان يجري استغلالها لدعم التنظيمات السرية وبيعها في السوق السوداء .

 

  • فصل المتقدمين بطلب الهجرة من العمل : شكل فصل بعض المتقدمين بطلب الهجرة من العمل إجراءا أمنيا شمل معظم الفنيين والخبراء والعلماء الذين يشكل استمرارهم في العمل في مراكزهم الحساسة خطرا يهدد بتسرب المعلومات . 
    – وقد أكد صحفي كندي على أهمية هذه الناحية ، هو اسمه روجيه دولورم ، حيث أشارفي تقرير كتبه بعد جولة  طويلة قام بها بين معسكرات المهاجرين في فيينا بأنه قد تأكد من أن الولايات المتحدة الأمريكية عمدت إلى تشجيع هجرة اليهود السوفييت بهدف جمع المعلومات عن الإتحاد السوفييتي ، وبخاصة أن اليهود يشغلون الكثير من المناصب العملية الحسابية فيه . وقد اقترن هذا الاجراء بتأجيل منح سمات الخروج لمثل هؤلاء الأشخاص إلى أن يتم نفاذ قيمة المعلومات العلمية التي يمتلكونها . كذلك فقد أصبح استمرار طالب الهجرة في عمله أمرا في غاية الصعوبة حيث يجابهه جو عدائي من العاملين معه بحيث يصبح إنسانا منبوذا ممايضطره إلى ترك عمله بمخض اختياره .
    – التجنيد ، عمدت السلطات السوفييتية إلى تجنيد اليهود الذين يطلبون الهجرة قبل تأدية خدمتهم العسكرية .
– تخلي طالب الهجرة عن جنسيته السوفييتية .
– عدم السماح لمن أسقط جنسيته بالعودة إلى الإتحاد السوفييتي الا في حالات استثنائية .
– الاصرار على عدم سفر المهاجرين مباشرة إلى إسرائيل ، وإنما   من خلال دولة محايدة ثالثة وقد أنشئت لأجل ذلك  محطات في    أوروبا الغربية منها فيينا وروما وبروكسل ،  حيث خصصت فيينا  للذين يتلقون الدعوات من اسرائيل .
أصدر الاتحاد السوفييتي حتى عام 1975  نحو 115 ألف سمة هجرة.  وقد شكل عام 1975 تحولا من حيث تسلم الاتحاد السوفييتي زمام السيطرة الداخلية وسد ثغرات الإختراق الخارجي . وكان رفض مشروع الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة الأميريكية عاملا أساسيا في تكريس مجابهة الابتزا الأمريكي الصهيوني ، كما جاء التوقيع على اتفاقية هلنسكي  للتعاون والأمن الأوروبي بمثابة انتصار سوفييتي على المحاولات الأمريكية والأوروبية التي عمدت إلى محاولة إرغام الاتحاد السوفييتي على تهجير اليهود السوفييت. فقد جاء في البنود المتعلة بذلك :
البند الاول -6- تمتنع الدول المشاركة عن التدخل المباشر وغير المباشر ، الفردي والجماعي ، في الشؤون الداخلية أو الخارجية التي تدخل ضمن نطاق القضاء المحلي ……. كماتمتنع عن تقديم أية مساعدة مباشرة أو غير مباشرة للنشاطات الإرهابية أو غيرها من النشاطات التخريبية …
البند الثالث -7- ب- تعالج الدولة المشاركة بروح إيجابية وإنسانية الطلبات التي يتقدم بها الأفراد الذين يرغبون في الالتحاق بأفراد عائلاتهم ،ويتم إيلاء الأهمية للطلبات ذات الطبيعة الملحة كالطلبات المقدمة من المسنين والمرضى. يتم التعامل مع هذه الطلبات بأسرع مدة ممكنة.   كما تقوم حين الحاجة بتخفيض الرسوم المتعلقة بهذه الطلبات . ويمكن لطلبات لم شمل العائلات التي لم تتم الاستجابة لها أن تقدم ثانية …. ويتم النظر فيها خلال فترات قصيرة نسبيا …( 14) .
وفي 23/5/1975صدر قرار سوفييتي يقضي بفرض ضريبة حكومية بنسبة 30% على الأموال القادمة للأفراد من الخارج وذلك إضافة إلى الضريبة المصرفية البالغة 35% وتصريف بقية المبالغ المحولة إلى روبلات بسعر التصريف الرسمي. وقد كان صرف هذه المبالغ يتم في السابق على شكل بطاقات خاصة حيث كان أصحابها يبيعونها في السوق السوداء بنحو ستة أضعافها ، إضافة إلى دعم المنشقين من غير اليهود ، ويذكر بأن اليهود كانوا أكثر المتضررين من الإجراء المذكور وبأن المنشقين اعتبروه ضربة قاضية ( 15) .
وقد ترافق ذلك الإجراء بحملة مطاردة لأعضاء التنظيمات التي اتخذت من حقوق الإنسان إطارا عاما علنيا لنشاطها .  وفي 3/9/1975 صرح رئيس مركز دراسات الولايات المتحدة في أكاديمية العلوم السوفييتية ، جيورجي أرباتوف قائلا :
“يجب ألا يعتقد أحد بأن الإتحاد السوفييتي سوف يفتح أبوابه على مصراعيها للدعاية والعمليات الداعية إلى استخدام العنف وتوزيع الصور الإباحية وإثارة الكراهية بين القوميات والأجناس المختلفة . إن الاتحاد السوفييتي لن يقدم أية تنازلات في سياسته الداخلية وبخاصة فيما يتعلق  بحقوق الانسان  تحت ستار الإنفراج واتفاق التعاون الأوروبي ( 16). كما أوردت وكالة تاس في أيلول 1975  أن طلبات الهجرة قد انخفضت بمقدار الثلثين خلال العامين الأخيرين وأن طلبات العودة للاتحاد السوفييتي قد ازدادت (17) .
وقد شهدت الفترة الممتدة بين عامي 1975 و1978 سلسلة من المحاكمات شملت العديد من الشخصيات اليهودية العاملة ضمن تنظيمات حقوق الانسان أو لجان تشجيع الهجرة وصدرت بحقهم أحكام مختلفة منهم :
  • ميخائيل شتيرن ، كان يعمل رئيسا لقسم في أحد المستشفيات في أوكرانيا. قبض عليه في كانون الأول 1974وجرت محاكمته عام 1975بتهمة ابتزاز الرشاوي وبيع الأدوية الحكومية وكان ولداة قد تقدما بطلب الهجرة الى اسرائيل .
  • اليكسندر فروئيل ، فيزيائي قدم طلبا للهجرة إلى اسرائيل منذ عام 1972 ونشط منذ ذلك الحين فأسس جمعية أطلق عليها اسم ( جمعية المنبوذين ) بلغ أعضاؤها في عام 1975نحو 95عضوا بينهم قليل من غير اليهود .
  • أناتولي مالكين ، قدم طلبا للهجرة وقدم للمحاكمة في آب 1975بتهمة التهرب من الجندية وصدر الحكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات .
  • ميخائيل ليفييف ، حكم عليه بالإعدام في 21/7/1974 لثبوت تهمة قيامه بأعمال تجارية غير شرعية بلغت أرباحها مليون من الروبلات .
  • إيليا ليفين ، قدم طلبا للهجرة ووضع تحت المراقبة حيث ألقي القبض عليه في 27/12/1976 لدى عثور أسلحة نارية في حوزته .
  • الكسندر غنزبرغ ، قبض عليه في شباط 1977بتهمة تسلم الأموال من مؤسسة سولجنتسين وتمويل أعمال التخريب وطباعة منشورات معادية للنظام الإشتراكي والدولة . اعترف بالتهمة الموجهة إليه دون أن يقر بأنها جريمة ، حكم عليه بالسجن لمدة ثماني سنوات .
  • أناتولي شارانسكي ، قبض عليه في آذار 1977بتهمة التجسس حيث ثبتت علاقته بوكالة المخابرات المركزية الأميريكة، وقد أدلى شخص يهودي آخر إسمه د. ليبافسكي بالشهادة ضده ، وكان هذا الأخير يعمل عميلا لوكالة المخابرات الأميركية حتى عام 1975ثم سلم نفسه للمخابرات السوفييتية (18) . وقد أوردت صحيفة النيويورك تايمز في 8/3/1978قصة علاقة شارانسكي بالمخابرات المركزية الأميركية حيث لعبت صديقته دينا بيلين دور الوسيط بينهما (19) .
 عمد الإتحاد السوفييتي في ذات الوقت إلى سياسة طرد بعض نشطاء الهجرة  من يهود وغير يهود   إلى خارج الإتحاد السوفييتي. ويمكن عزو ذلك إلى الحملة الكبيرة التي شنتها الصحافة الغربية على المحاكمات وحملات الإعتقالات،  إضافة إلى اعتراض بعض الأحزاب الشيوعية الأوروبية عليها ، حيث أن اختلاط النشاط الصهيوني بنشاط دعوة  حقوق الانسان  قد أضفى على هذه المحاكمات في الخارج صفة خرق هذه الحقوق .
أدت هذه الإجراءات مجتمعة إلى الحد من نشاط دعاة  حقوق الانسان  والهجرة، وتقلصت  طلبات الهجرة اليهودية منذ عام م197بشكل واضح .
يتضح مما سبق أن الاتحاد السوفييتي قد اعتمد سياسة عامة إزاء الهجرة تتلخص في :
  • الاستجابة إلى غالبية طلبات الهجرة – ويتأكد ذلك لدى استعراض موجات الهجرة . فبعد حرب السويس عام 1956مباشرة ازداد عدد المهاجرين اليهود من الاتحاد السوفييتي إلى إسرائيل،  وذلك مقارنة مع السنوات القليلة التي سبقتها، كما ازداد بشكل  فائق بعد حرب 1967 ثم تقلص بعد حرب 1973.
  • القضاء على التنظيمات العامة بين صفوف اليهود.
  • التمسك بمبدأ لم شمل العائلات في منح سمات الخروج اإا في حالات استثنائية
  • شن حملة إعلامية داخلية واسعة ضد الهجرة واعتبار الهجرة خيانة وطنية وتشير الصحف الاسرائيلية باستمرار إلى أن السلطات السوفييتية قد تعمدت منح سمات الهجرة لليهود اللا صهيونيين الذين لايرغبون في الهجرة إلى اسرائيل . يقول ياكوف روعي بهذاالشان :” وجه الإتحاد السوفييتي ضربة قاضية إلى ادعاء إسرائيل بأنها دولة كل اليهود” (20) . وفي ضوء الدلائل التي تؤكد بأن السلطات السوفييتية  منحت سمات الهجرة لغالبية الذين تقدموا بمثل هذه الطلبات ، فإن اشتداد التساقط بين المهاجرين يرجح الاستنتاج بأن غالبية اليهود السوفييت غير صهيونيين .

______________________

 الفصل الثاني عشر

 الهجرة اليهودية والموقف الإسرائيلي منها

 المهاجرون

قدر عدد اليهود السوفييت الذين هاجروا من الاتحاد السوفييتي منذ عام 1971 ولغاية عام 1979 بنحو 200 ألف يهودي . ففي 9| 9| 1975 جاء في تصريح صادر عن وزارة الداخلية السوفييتية أن عدد اليهود الذين غادروا البلاد قد بلغ نحو 115 الفا (1) ،  بينما قدرت مصادر أخرى عدد الذين غادروا الاتحاد السوفييتي بين عامي 1976و1979 بنحو 70الفا . وقد تألفت دفعات المهاجرين خلال السنوات العشر الأخيرة من فئتين يهوديتين هما الفئة القروية المحافظة، المتمايزة إجتماعيا بأطرها الدينية وعاداتها وخلفياتها ، بينما تألفت الفئة الثانية من التكنوكراط  سكان المدن الأ قرب إلى الإندماج .
شكلت الفئة الأولى مصدرا لدفعات المهاجرين التي انطلقت بين عامي 1971و 1973 حيث تألفت غالبيتها من يهود المناطق الأسيوية مثل جورجيا وأوزبكستان ومناطق البلطيق : ليتوانيا ولاتيفيا وستونيا ومولدافيا .
كان يقطن جورجيا في عام 1970 نحو 60 ألف يهودي جورجي يختلفون عرقيا عن يهود المناطق الغربية ، منهم جورجيون قدامى اعتنقوا الدين اليهودي في أزمنة بعيدة وتكلموا اللغة الجورجية مطعمة ببعض الكلمات العبرية المستقاة من التوراة ومارسوا شعائرهم الدينية باللغة العبرية . شكل هؤلاء اليهود تربة خصبة للتجارب مع الأطروحات الصهيونية التي بدأت بتقديمها التنظيات الصهيونية العاملة منذ عام 1968. وكان هؤلاء الجورجيون أول من قاموا بتظاهرات عامة رافعين  لافتات تطالب بالهجرة إلى إسرائيل . وكان العمل الذي مارسته التنظيمات الصهيونية لايعدو أن يكون مجرد وسيلة دعائية لتحريك موضوع الهجرة وإخراجه على شكل مطلب شعبي . وكان العامل الدعائي الرئيسي الذي شجع هؤلاء اليهود على الهجرة هو العامل الديني حيث نشطت الدعاية الصهيونية بينهم في تصوير أنهم سوف يجردون من حريتهم الدينية وبأن إسرائيل هي المكان الوحيد الذي يستطيعون فيه ممارسة دينهم . شكل هؤلاء الجورجيون نحو 30% من مهاجري عام 1971 ونحو ثلاثة أرباع دفعتي عام 1972و 1973 (2) .
كذلك كان يقطن جمهورية أوزبكستان في عام 1970 نحو 130 ألف يهودي بينهم نحو 30ألف أوزبكستاني يهودي ممن كانوا قد اعتنقوا الدين اليهودي في أزمنة بعيدة ويختلفون عرقيا عن اليهود الغربيين ، بينما تألف الباقون من يهود أوكرانيين لجأوا إلى المناطق الشرقية إبان الحرب العالمية الثانية وأقاموا فيها منذ ذلك الحين . اتصف هؤلاء الأوكرانيون في أوزبكستان بحياتهم الإجتماعية الخاصة غير المندمجة في المحيط الأوزبكستاني ، حيث تميزوا باستمرارهم على ممارسة الاعمال التجارية في السوق السوداء لفترة متأخرة ، وكان من بينهم بعض الذين نفذت فيهم أحكام الإعدام لارتكابهم جرائم اقتصادية في أواسط الستينيات.
شكل يهود تلك المناطق الأسيوية نحو 40% من مجموع المهاجرين حتى عام 1976 . ولذايمكن الإستنتاج بأن جورجيا قد أصبحت شبه فارغة من اليهود بينما هاجر نحو نصف يهود أوزبكستان .
من جهة ثانية ، شكل يهود منطقة البلطيق التي ضمها الإتحاد السوفييتي إليه في عام 1939 ،بقايا يهود تلك المناطق الذين تقلصوا تقلصا كبيرا خلال العقود السابقة بفعل الهجرة المستمرة ونتيجة عمليات الإبادة على يد القوات النازية في الحرب العالمية الثانية . ففي عام 1970بلغ عدد يهود ليتوانيا ولاتفيا وستونيا : 24 الفا ، 37 الفا ،خمسة آلاف .  تميزت هذه المناطق منذ أواخر القرن التاسع عشر ، وبحكم طبيعتها الريفية ، بأشتداد نزعة الخصوصية اليهودية رغم أن الوجود اليهودي فيها يعود الى فترة مبكرة جدا ربما ترجع الى القرن الثاني عشر الميلادي . وقد أدى احتشاد سكانها ونمو البورجوازية التجارية فيها إلى جانب نمو حركة التصنيع إلى انطلاق موجات الهجلرة منها في أواخر القرن التاسع عشر باتجاهين،  حيث تدفق التجار الذين تضاءلت أهمية قراهم نحو أوكرانيا، بينما تدفق العمال والحرفيون نحو الولايات المتحدة الأميريكية . كذلك فقد شكلت هذه المناطق منذ حصولها على الإستقلال في عام 1917 وإلى حين ضمها الى الاتحاد السوفييتي في عام ،1939 تربة خصبة لنمو التنظيمات الصهيونية فيها،  في ضوء الظروف الإقتصادية السائدة فيها وقربها من بولونيا حيث تمركزت تلك التنظيمات بعد الحصار التي تعرضت له في الاتحاد السوفييتي . وقد انشأ هؤلاء اليهود خلال تلك الفترة مدارسهم اليهودية ومسارحهم الخاصة وتعلم الكثيرون منهم اللغة العبرية و شكل اندماجهم وتلاؤمهم مع المجتمع الإشتراكي الجديد بعد انتهاء الحرب أمرا في غاية الصعوبة . ويذكر بأن يهود تلك المناطق قد شكلوا نحو 60% من مجموع اليهود الذين هاجروا بين عامي 1971 و1976 . ومن المرجح ان هذه المناطق قد أصبحت شبه خالية من اليهود .

بروز ظاهرة  التساقط

اختلفت نوعية المهاجرين منذ عام 1974 حيث أخذت هذه الدفعات تضم ولأول مرة شريحة مؤلفة من سكان المدن الكبيرة مثل موسكو ولينينغراد وأوديسا وخاركوف وكييف . هنا تحتشد في هذه المدن ما تسمى بالطبقة الراقية من  اليهود . إنها طبقة التنكوقراط المتحررة من العائلات اليهودية البورجوازية التي شكلت عماد السوق السوداء حتى أواسط الستينات ، وهي شريحة مدينية لا دينية ولا قومية ، غير قابلة للخضوع للدعاية الصهيونية المباشرة إلابقدر ما يتعلق الأمر بمسألة الانتقال من النظام الاشتراكي إلى النظام الرأ سمالي .
بدأت هذه الشريحة بالتفكير بالهجرة نتيجة عدة عوامل أهمها وفي مقدمتها انفتاح أبواب الولايات المتحدة الأمريكية أمام المهاجرين وظهور المنظمات التي أخذت تعمل باتجاه تشجيع اليهود من خبراء وتكنوقراط وعلماء للهجرة الى الولايات المتحدة مثل منظمتي هياس وجوينت، وتقديم المساعدات لهم، حيث تعهدت بتسفير المهاجرين بينما تعهدت جوينت بتأمين السكن والعمل لهم داخل الولايات المتحدة .
اما العامل الآخر الذي دفع هؤلاء اليهود نحو التفكير بالهجرة، فهو الرغبة في الهروب من بين شقي الرحى نحو عالم لايطلب منهم اتخاذ أي موقف. فقد أدى اشتداد الصراع داخل الساحة السوفييتية بين التنظيمات الصهيونية ووسائل الدعاية الصهيونية – الأمريكية من جهة والسلطات السوفييتية ووسائل إعلامها من جهة أخرى إلى تولد رغبة لدى العديد من هؤلاء التكنوقراط إلى الإبتعاد عن الساحة السوفييتية التي تذكرهم كل يوم بيهوديتهم ، رافضين في ذلك الوقت الهجرة الى إسرائيل التي تشكل مسرحا للطرف الآخر من المعركة . ويمكن الإستنتاج هنا بأن غالبية  هؤلاء المهاجرين الذين بدأوا في التدفق نحو أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا منذ عام 1975 هم إنصاف يهود ضائعون بين الذوبان والخصوصية تحدوهم الرغبة في الذوبان فيما يشدهم تراثهم البرجوازي إلى عالم برجوازي ليبرالي يتيح لهم فرصة الانتعاش الإقتصادي كيهود دون أن يطلب منهم أن يقوموا بأي التزام نحو اليهودية . إلى أي مدى سيتحقق لهم ذلك ؟ هذا سؤال آخر .
لقد برزت ظاهرة أنصاف اليهود هذه بشكل حاد ولأول مرة في عام 1974.  وقد سميت ظاهرة رفض هؤلاء الهجرة إلى إسرائيل بظاهرة التساقط،  أي انهم تساقطوا على الطريق نحو اسرائيل، على الرغم من أنهم  استغلوا بطاقة الدعوة الإسرائيلية للخروج من الاتحاد السوفييتي .
ففي عام 1974 ، تساقط نحو أربعة آلاف مهاجر مشكلين نسبة 19% من مجموع المهاجرين في ذلك العام . وفي عام 1975تساقط نحو خمسة آلاف مهاجر مشكلين نسبة 37%من المهاجرين ، بينما تساقط في عام 1976نحو سبعة آلاف مهاجر مشكلين  نسبة 50% من المهاجرين وتساقط عام 1977نحو ثمانية الاف مشكلين نسبة 54%، فيما تساقط عام 1978نحو 17الف مهاجر مشكلين نسبة 58%كما أشارت الاشهر الأولى من عام 1979إلى تساقط نحو ستة الاف مهاجر مشكلين نسبة 76% من مجموع المهاجرين (3) .
تألف المتساقطون في غالبيتهم من سكان المدن السوفييتية الكبرى حيث بلغت نسبة المتساقطين نحو 89%من مجموع المهاجرين من مدينة موسكو و90% من مهاجري مدينة ليننغراد و98% من مهاجري مدينتي كييف وأوديسا . ويذكر بأنه  غادر أوديسا في عام 1978نحو 668يهوديا لم يتوجه إلى إسرائيل منهم سوى تسعة افراد ( 4) .كما إن ظاهرة التساقط هذه مالبثت أن شملت يهود جورجيا حيث  لم يصل إسرائيل في عام  1977  سوى عائلتين جورجيتين من مجموع ست عشرة عائلة يهودية جورجية غادرت موطنها (5) .
 صدرت العديد من الدراسات والتعليقات حول ظاهرة التساقط اليهودي منها قول أحد الكتاب الاسرائيليين : ” علينا أن نتذكر أنه خلال كافة مراحل الاستيطان وإقامة الدولة اليهودية ، فان عدد اليهود الذين أتوا إلى هذه الارض بدوافع عقائدية قليل جدا ، لقد جاء الباقون لانهم لم يجدوا أمامهم أي مكان آخر يذهبون إليه …فكل الابواب كانت مغلقة في وجوههم ” (6). وقد نقل شخص  آخر إنطباعاته عن المهاجرين السوفييت المتوقفين في فيينا حيث قال : ” إن جزءا كبيرا من اليهود الذين
 يغادرون الإتحاد السوفييتي اليوم ، لا يفعلون ذلك لاعتبارات صهيونية أو يهودية . انهم يهجرون وطنهم لكي يحظوا في الغرب بحياة افضل ) (7) ، كما جاء في  دراسة تقدمت بها فتاة يهودية تدعى يهوديت اليتسور إلى مؤتمر عقدته الوكالة اليهودية حول تساقط السصوفييت قولها:لا تعود أسباب التساقط فقط إلى رغبة اللذين يغادرون الاتحاد السوفييتي  في الالتحاق باقاربهم في أميريكا أو كندا او غيرهما، كا لاتعود فقط للظروف الاقتصادية المغرية في تلك البلدان ، وانما تعود في الأساس الى غياب الخلفية اليهودية لدى اليهود السوفييت) (8) .
ويشار أيضا في هذا المجال إلى أن دفعات المهاجرين قد ضمت عددا من اليهود المتزوجين بزوجات غير يهوديات ، وبأن نسبة هؤلاء بلغت حتى عام 1975نحو 20- %25(9) وسواء كانت هذه النسبة دقيقة أم لم تكن،  وسواء كان هؤلاء ضمن المهاجرين إلى اسرائيل أم إلى الولايات المتحدة أوغيرها ، فائن ظاهرة هجرة ذوي الزواج المختلط قد تدل على رغبتين متداخلتين لدى جيل انصاف اليهود : هما الرغبة في الذوبان والرغبة في الحفاظ على هويتهم اليهودية من خلال الخروج بابنائهم من مجتمع يرجح ذوبانهم .

المهاجرون السوفييت يغادرون اسرائيل

فيما برزت ظاهرة التساقط بين اليهود السوفييت بشكل واضح منذ عام 1974،   برزت في ذات الوقت ظاهرة لاتقل أهمية ، هي الظاهرة التي تم إطلاق صفة ( الإرتداد) عليها . انها ظاهرة مبادرة قسم ملحوظ من اليهود السوفييت الذين هاجروا الى اسرائيل منذ عام  1971 الى الهجرة ثانية إلى خارج اسرائيل ، إذ  يذكر رئيس الوكالة اليهودية آرييه دولتشين، في حديث نشرته له صحيفة دافار بأن 70% من اليهود السوفييت الذين هاجروا إلى اسرائيل حتى عام 1979قد غادروها (10) . واذا ماتم افتراض هجرة نحو 150ألف يهودي سوفييتي إلى إسرائيل بين عامي 1971و 1979من مجموع 200الف مهاجر سوفييتي فهذا يعني أن نحو مئة ألف يهودي سوفييتي قد غادروا اسرائيل حتى عام 1979، وذلك من مجموع نصف مليون اسرائيلي يقيمون حاليا في الولايات المتحدة الأميريكية وكندا وغيرها من البلدان الاوروبية الغربية ، ممايعني أن حصيلة إسرائيل من المهاجرين السوفييت الذين ناهزوا 200  الفا لم تزد على نحو خمسين ألف يهودي خلال عشر سنوات ، وذلك وفق أكبر تقدير* .
وقد كتبت العديد من التعليقات كماأجريت عدة دراسات حول ظاهرة الارتداد هذه ، منها دراسة قامت بها جامعة بارايلان بالاشتراك مع مركز البحوث الإجتماعية في إسرائيل في عام 1975، مما يشير إلى أن موضوع الارتداد قد شكل منذ ذلك الحين هما صهيونيا على صعيد الرأي العام ومؤشرا على فشل أحد أهداف الحملة الصهيونية الأميريكية التي رمت إلى إثبات صهيونية اليهود السوفييت ، وبخاصة ان هذه الدراسة قد جرت على يهود المناطق البلطيقية والأسيوية الذين مالبث معظمهم أن غادروا اسرائيل* .
 أجرى فريق البحث دراسته على عدد من هؤلاء اليهود الذين اخذوا يستعدون لمغادرة إسرائيل بعد .
*يشير امنون كابليوك في مقالة نشرتها له صحيفة اللوموند الفرنسية في عام 1979 ان عدد الاسرائيليين الذين هاجروا للاقامة الدائمة في الولايات المتحدة الاميركية منذ قيام اسرائيل قد بلغ نحو 350الفا فيما يؤكد الدكتور اسرائيل شاحاك ان حملة الجنسية الاسرائيلية المقيمين اقامة دائمة في الولايات المتحدة يربون على نصف مليون يحتفظون بجنسياتهم الاسرائيلية لاجل الحصول على بعض الامتيازات المادية في اسرائيل
إقامتهم فيها لفترة تراوحت بين عام وعامين . ورغم أن مانشر من هذه الدراسة لايشكل إلا جزءا عاما منها ، فقد ورد فيما نشرمنها مايلي ” إفادة 85% من اليهود السوفييت الذين هاجروا إلى إسرائيل أنهم كانوا مرتاحين في الاتحاد السوفييتي بالنسبة لأعمالهم ووظائفهم،  وأفاد 80%انهم كانوا يتمتعون بسكن جيد كما افاد 78% منهم بانهم كانوا يتمتعون بمستوى معيشي جيد . فيما افاد 43% منهم انهم غير راضين عن عملهم في اسرائيل ، افاد 74% منهم انهم غير قانعين بأوضاعهم الاجتماعية والسكنية ، كما افاد 65% منهم ان مستوياتهم المعيشية في اسرائيل سيئة ، وافاد 45% انهم مستاؤون من الأوضاع في اسرائيل بشكل عام . وتقول الدراسة في نتائجها العامة : ” معظم الشباب الذين يأتون إلى إسرائيل لايأتون بدافع صهوني وإنما لالأنهم وجدوا  أن لامستقبل لهم في الاتحاد السوفييتي !
وتستطرد الدراسة : ” يشير العديد من المهاجرين الذين وصلوا اسرائيل أنهم كانوا يشعرون في الاتحاد السوفييتي بانهم مواطنون من الدرجة الثانية لكونهم  يهودا ، وقد توقعوا لدى وصولهم إلى اسرائيل أن يعاملوا معاملة متساوية ، غير أنهم فوجئوا بأن وجدوا أنفسهم يعاملون معاملة أقلية حيث يشار اليهم دوما (بالروس) …و يشعرون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية في إسرائيل ، ثم تقول الدراسة : (“بغض النظر عن هذه المشاكل فان العديد من المهاجرين مقتنعون بانه على الرغم مما في النظام الاشتراكي السوفييتي من سلبيات ، فهو  يتيح إمتيازات كثيرة كتأمين السكن والعمل لكل مواطن حيث لاتوجد بطالة هناك ، كما يتيج لكل مواطن كافة النشاطات الاجتماعية بتكاليف لاتذكر كحضور المسارح وقاعات الموسيقى والباليت والتعليم المجاني في كافة مدارس الاطفال ومدارس الباليه والجامعات ، كمايوفر لكل مواطن الخدمات الصحية المتطورة ويتمتع بنظافة مرافقه العامة ، لقد اعتاد اليهود السوفييت على هذه الامتيازات ويجدون صعوبة كبيرة في ملاءمة أنفسهم مع الاوضاع في اسرائيل . وتنتهي الدراسة إلى القول بأن اجماعا عاما قد توفر لدى اليهود السوفييت حول خيبة املهم في سرائيل حيث كانوا يتصورون بانهم سوف يلقون الجنة أمامهم واذا بهم يلاقون الموقف السلبي من المهاجرين ، وعدم الايفاء بالوعود البيروقراطية وعدم المسؤولية ، الفظاظة ، القذارة والفوضى ،اللامبالاة وفقدان الآداب ” (11) .
من جهة ثانية ، ظهرت منذ عام 1973 أول بادرة تشير إلى ندم بعض اليهود السوفييت على الهجرة ورغبتهم في العودة إلى الاتحاد السوفييتي. ففي نيسان 1973تقدم مئة مهاجر بطلب العودة ، وفي كانون الأول 1973 تقدم أربعمائة مهاجر بمثل هذا الطلب . وفي الشهر ذاته احتل عدد من المهاجرين القنصلية السوفييتية في فيينا مطالبين السلطات السوفييتية بالسماح لهم بالعودة ، وقد تكررت عملية الإحتلال هذه في 10/12/1973حيث سمحت السلطات السوفييتية بعودة 32شخصا فقط لأسباب انسانية  (12).
وقد نشرت صحيفة الفرانكفورتر ألجيماين في 21/4/1975، تقريرا لمراسلتها في فيينا حني كونيشر جاء فيه : ” والجدير بالذكر أن غالبية المهاجرين لديهم تصورات خاطئة ، وهذا مايمكن استقراؤه من مصير مايقرب من ثلاثمائة لاجئ هاجروا إلى إسرائيل ووجدوا أنفسهم هناك على غير مايرام وبانهم قد خدعوا، وقد عادوا إلى فيينا تحدوهم مجرد الرغبة إلى العودة الى مكان ما في الاتحاد السوفييتي . غير ان هذا هو الأمل الذي لم يتحقق للكثيرين منهم …فحتى الوقت الحاضر سجل السوفييت عشرين حالة للعودة كأقصى حد …وبنفس الوقت يمكن أن تكون هناك حالات خاصة  ، إن الكثيرين من الراغبين في العودة إلى الاتحاد السوفييتي ينتظرون عدة سنوات دون طائل وقد حصلوا على عمل في فيينا ويعيشون في ظروف سيئة جدا ويترددون على القنصلية والسفارة السوفييتية باستمرار معتقدين بأنهم سوف يحصلون يوما على تأشيرة الدخول المنشودة إلى الاتحادالسوفييتي . وعند زيارة رئيس الوزراء السوفييتي ،أليكسي كوسجين إلى النمسا، طرح عليه المستشار النمساوي، برونوكرايسكي مشكلة هؤلاء التعساء المصابين  بمرض الحنين الى الوطن ، ولكنه اصطدم بالرفض الواضح … وتستطرد الكاتبة قائلة : “ولكي لايزداد عدد مثل هؤلاء التعساء المتجولين بين مختلف البلدان،  فقد قررت النمسا منع عودة المهاجرين اليها بعد مغادرتهم أراضيها ، غير أن بعضهم يجد الطريق إلى فيينا عبر دول ثانية وبخاصة بلجيكا وألمانيا الاتحادية … ورغم أن وضعهم في فيينا ليس أفضل مماهو عليه في الأماكن الأخرى، فهم يشعرون على مايبدو بأنهم أقرب إلى وطنهم السوفييتي”(13) .
ويشير الصحفي الكندي روجيه دولورم . في تقرير خاص أعده بعد جولة قام بها في مختلف أماكن تواجد المهاجرين السوفييت في عام 1977إلى أن هناك نحو 30ألف يهودي سوفييتي يحاولون العودةإلى الاتحاد السوفييتي بشتى الوسائل . أما الكاتب اليهودي ألفريد ليلينتال فيقول :” بينما يحتشد آلاف اليهود السوفييت في فيينا في طريقهم إلى اسرائيل ، فقد أخذت تنمو بينهم وبشكل ملفت للنظر ، ظاهرة الرغبة في العودة إلى روسيا الأم ” ، وينقل ليلينتال احاديث أجراها مع بعض هؤلاء المهاجرين حيث يقول خياط من أوديسا:” جميعنا يرتكب الأخطاء بالتأكيد، ولكننا الآن نريد العودة إلى  وطننا السوفييتي”،  كما يقول آخر كان قد هاجر إلى إسرائيل ثم غادرها مرة ثانية إلى روما:”  الأمور في روسيا ليست بهذا السوء الذي تتصورون، كما إن الأمور في إسرائيل ليست جيدة بالشكل الذي تتصورون ” (14) .
كذلك فقد نقل أفراييم سيفيلا في كتابه (  وداعا ياإسرائيل ) الذي نشره في أوروبا في عام 1978بعد مغادرته إسرائيل ، العديد من صور تلك الخيبة التي سيطرت على العديد من المهاجرين . والجدير بالذكر أن سيفيلا كان أحد الشباب الأربعة والعشرين الذين اعتصموا في 24/2/1971  في باحة مجلس السوفييت الأعلى وأضربوا عن الطعام مطالبين بالهجرة إلى اسرائيل وتم منح سمات الخروج لهم جميعا . يقول سيفيلا : ” لقد مضت أربعة أعوام على كوني مواطنا في مايسمى بدولة اسرائيل وقد التقيت مؤخرا برجل كنت قد عرفته في روسيا ، فبادرني بكلمات مخيفة : ” لوكان الأمر بيدي  لكنت نصبت لكم أربعا وعشرين مشنقة وشنقتكم عليها جميعا دون استثناء ، وذلك  لما جلبتم من شقاء على آلاف البشر الذين حذوا حذوكم في الثغرة التي فتحتموها بأضرابكم اللعين حيث كنت أحد هؤلاء الذين تبعوكم . ويقول سيفيلا بانه حاول التخلص من الاجابة بطريقة مازحة حيث رد على الرجل قائلا: ” إن عشرين مشنقة تكفي حيث أن هناك أربعة منا مازالوا حتى الآن في الاتحاد السوفييتي” (15)

 

معسكرات تجمع المهاجرين وامنظمات العاملة فيها

توجد لليهود المهاجرين من الاتحاد السوفييتي عدة معسكرات تجمع في أوروبا أهمها معسكرات فيينا الثلاثة : معسكر كيزر إيير سدور Kaizer Ibersdhor-  الذي يديره الصليب الأحمر الدولي باشراف وزارة الداخلية النمساوية ، ومعسكر شوناو – Shonau – الذي كان يدار من قبل الوكالة اليهودية ثم مالبثت الحكومة النمساوية أن أخضعته لإشرافها بعد الهجوم الفدائي الفلسطيني الذي تم على هذا المعسكر في عام ، 1973 ،  ومعسكر مالتغازه – Maltgasse – المخصص للمهاجرين الذين يصلون إسرائيل ويغادرونها ثانية بهدف العودة إلى الاتحاد السوفييتي . أما  المعسكر المهم الرابع فهو معسكر أوستيا الواقع على ساحل مدينة روما في إيطاليا . وهو مخصص للمهاجرين الذين يرفضون الهجرة إلى اسرائيل حيث يمكثون فيه بانتظار الحصول على سمات الدخول إلى الولايات المتحدة الأميركية أو كندا أو أستراليا . تعمل في هذه المعسكرات الى جانب الوكالة اليهودية ، بعض المنظمات اليهودية الأميركية أهمها منظمة هيا س   Hebrew ImmigrantsAidSocity-    
التي تنشط باتجاه نقل اليهود السوفييت إلى الولايات المتحدة بدلا من اسرائيل . لقد تشكلت هذه المنظمة في عام 1909في مدينة  نيويورك لأجل تامين دخول اللاجئين اليهود من أوروبا الشرقية الى الولايات المتحدة ، غير أن عمل هذه المنظمة مالبث أن تقلص منذ العشرينات نتيجة صدور قوانين الهجرة الاميركية التي حظرت الهجرة إلى الولايات المتحدة إلا بحدود ضيقة جدا وضمن مواصفات معينة ، تلك القوانين التي استمرت سارية المفعول طيلة الثلاثينات والى مابعد نهاية الحرب العالمية الثانية .
ويذكر بأن لهذه المنظمة فضل على الكثير من اليهود الذين أصبحوا فيما بعد من ذوي الثراء الطائل والمراكز الخطيرة في الولايات المتحدة الأمريكية حيث استمدت قوة استمرارها من الدعم الذي اخذت تتلقاه من هؤلاء اليهود الذين اخذوا يشكلون ماعرف بقوى الضغط اليهودي –اللوبي اليهودي – خاصة وأن هؤلاء اليهود من ذوي المراكز الحساسة والخطيرة قد ازداد اهتمامهم في العقود الأخيرة بمسألة تهجير السوفييت الى الولايات المتحدة بهدف زيادة عدد اليهود فيها في ضوء الأهمية الكبيرة التي تحتلها الأصوات اليهودية بالنسبة للانتخابات الاميركية واتخاذ القرار السياسي الأميركي ، إضافة إلى أن هناك رأيا سائدا بين بعض المتنفذين من اليهود الأميركيين حول ضرورة الحيلولة دون تجمع عدد كبير من اليهود في إسرائيل لأسباب يدخل من ضمنها العامل الاقتصادي، حيث يتاح لليهود في الولايات المتحدة وغيرها فرص الرخاء والثراء أكثر مما يتيحه لم وجودهم في إسرائيل . ولذلك فان منظمة هياس هي جزء من المؤسسة اليهودية الأميركية التي تجمع موازنتها من الجباية اليهودية الموحدة (16) ، إضافة الى الأموال التي يقوم الكونغرس الأميركي برصدها لتشجيع وتمويل عملية تهجير اليهود السوفييت ، حيث يذكر بأن الكونغرس الأميركي قد رصد المبالغ التالية لهجرة اليهود السوفييت : 50 مليون دولار في عام 1973 ، 36.5مليون دولار في عام 1974، 40 مليون دولار في عام 1975، 15مليون دولار في عام 1976 (17)، بينما تؤكد مختلف المصادر على أن الحكومة الأميركية مستمرة حتى عام 1979في تحمل نفقات سفر المهاجرين السوفييت إلى الولايات المتحدة الأميركية (18) .
وفيما يصرح رئيس منظمة هياس ، ماكس فيشر ، بأن “المهم هو خروج اليهود السوفييت من الاتحاد السوفييتي ، كما تجب مساعدة من يرغب منهم في الهجرة لى الولايات المتحدة (19) ، فان واقع مايحدث في معسكرات تجمع اليهود ، وبخاصة معسكر أوستيا المخصص لليهود غير الراغبين في الهجرة إلى اسرائيل ، يشير إلى أن دائرة الهجرة الأميركية تعارض  إدخال كافة اليهود السوفييت الراغبين في الهجرة إلى الولايات المتحدة . ففي معسكر أوستيا ، يتجمع اليهود بانتظار الحصول على سمة الدخول إلى الولايات المتحدة أو كندا أو أستراليا لفترات تمتد أحيانا الى أكثر من سنة وربما سنوات دون حصول البعض على تلك السمات . ففي معسكر أوستيا ، يتخلى اليهود عن تأشيرات الهجرة إلى اسرائيل حيث يحصلون بدلا منها على صفة ( لا جئ ) ويصبحون خاضعين لمنظمة هياس التي تسعى للحصول لهم على سمات دخول ،غير أن منظمة هياس تصطدم كما يبدو باجراءات دائرة الهجرة الأميركية التي تفترض مواصفات معينة في اللاجئين الذي سيمنحون سمات الدخول . وتشير بعض المصادر إلى أن دائرة الهجرة  الأميركية قد أخذت تصر على منح سمات الدخول للأكاديميين والمهرة فقط من اليهود السوفييت رافضة دخول غير المهرة ، كما أخذت في الآونة الاخيرة في التشدد في قبول منح سمات الدخول لبعض الأكاديميين بعد أن أتضح لها أن المهاجرين من الأكاديميين والعلماء والخبراء لايسمح لهم بمغادرة الاتحاد السوفييتي الا بعد ان تصبح المعلومات والخبرات المتوافرة لديهم قديمة وعديمة الفائدة للولايات المتحدة .
أدت هذه المواقف إلى احتشاد اليهود في معسكر أوستيا ضمن ظروف بالغة القسوة ، حيث يسكن هؤلاء المهاجرون في شقق مشتركة بين عدة عائلات وتتلقى كل عائلة مبلغا من منظمة هياس قدره 130دولار ، وهو مبلغ لايكاد يفي بأبسط حاجياتهم خاصة وأنهم يهاجرون من الاتحاد السوفييتي حاملين بعض حاجياتهم الشخصية فقط .
لقد أدت هذه الظروف الى عودة ظاهرة ( سوق اليهود) حيث يصطف هؤلاء المهاجرون على شاطئ أوستيا ، عصر كل يوم عارضين للبيع بضائعهم الضئيلة من ساعات وكاميرات وشراشف ولعب . لقد عاد اليهود في روما إلى باعة متجولين كما عادوا إلى جوالة دونما هوية حيث أنهم بعد تخليهم عن جنسيتهم السوفييتية ورفضهم الحصول على الجنسية الإسرائيلية قد أصبحوا يحملون بطاقة (لاجئ ) التي لاتعترف بها السلطات الإيطالية أو غيرها ، بانتظار سمة الدخول الى الولايات المتحدة، هذه السمة  التي قد تأتي أو لا تأتي .  ويواجه هؤلاء المهاجرون في روما العديد من المشاكل نتيجة ذلك الوضع حيث ترفض المستشفيات استقبالهم على سبيل المثال لأنهم غير قادرين على دفع نفقات العلاج، كما إن سفارتي الاتحاد السوفييتي وإسرائيل ترفضان دفع هذه النفقات بحكم كون هؤلاء المهاجرين لاينتمون الى أي من الدولتين .
غير أن أخطر ظواهر معسكرات اليهود هذه ، وخاصة معسكر أوستيا هي ظاهرة انتشار الجريمة بين اليهود المهاجرين حيث تؤكد مختلف الجهات المراقبة لما يحدث في هذا المعسكر على أنه لا يكاد يمضي شهر واحد دون وقوع حادثة قتل يذهب ضحيتها عدة اشخاص من هؤلاء اليهود**.

 

الموقف الإسرائيلي من الهجرة

 على الرغم من الحملات التي شنتها وسائل الدعاية الصهيونية ضد ظاهرتي التساقط والارتداد بين
صفوف المهاجرين السوفييت ،فهناك من المؤشرات ما يدل على وجود اتفاق بين الحكومة الإسرائيلية والدوائر اليهودية الأميركية على عدم عرقلة هجرة اليهود السوفييت إلى الولايات المتحدة الأميركية أو غيرها من الدول الرأسمالية الأخرى . لقد ظهر في الساحة الصهيونية اجتهادان رئيسان بشأن الهجرة هما الرأي القائل بضرورة تحشيد أكبر عدد من اليهود في إسرائيل بهدف تحقيق التفوق الديموغرافي اليهودي على العرب وتسريع عملية الاستيطان اليهودي في مناطق الجليل والضفة الغربية والغور الفلسطيني والنقب ، والرأي القائل بعد م تجميع عدد كبير من اليهود في إسرائيل والابقاء على التوزع اليهودي في العالم في مناطق معينة أهمها الولايات المتحدة الاميركية ( كوطن قومي ) ثان لليهود لايقل أهمية عن إسرائيل لعل أبرز من جسد الرأي الأول هو أرييل شارون الذي سرب في عام 1977مشروعه المعروف باسمه والذي طرح فيه فكرة زرع مليونين من اليهود في الأراضي المحتلة عام  1967  بحيث يتم تقسيم الضفة الغربية إلى مستطيلات عربية صغيرة يحيطها بحر من المعسكرات والمراكز الصناعية والمستوطنات الزراعية اليهودية .
*كافة العلومات الواردة عن معسكر أوستيا قدتوفرت نتيجة دراسة عينية قامت بها المؤلفة إلى المعسكر المذكور في صيف عام 1979إضافة إلى التقارير الخاصة التي اطلعت عليها والتي أعدها كل من مكتب منظمة التحرير الفلسطينية ومكتب الجامعة العربية في روما . أنظر كذلك التقرير المنشور في صحيفة المساجيرو الايطالية في 10/7/1979.
**أنظر التقرير المنشور في 10/7/1979في صحيفة الماساجيرو الإيطالية.
 وقد شرح شارون خطته  هذه بقوله :” أنكم تخطئون إذا تصورتم أن السلام سيتحقق في حالة بقاء إسرائيل أمة مكونة من ثلاثة ملايين يهودي الى الأبد ، لذلك يجب أن يكون لدينا من السكان خلال السنوات العشرين أو الخمسين المقبلة بين ستة الى ثمانية ملايين يهودي وعلينا أن نجد لهم وطنا ” ( 20). وقد دافع عن هذا الرأي العديد من المسؤولين الحكوميين عبر مشاريع مختلفة ، فيما عبر حاييم حخام ، منسق أعمال الحكومة في منطقة الجليل عن ذلك بقوله :” اإا لم يتم استيعاب عشرين ألف يهودي كل عام في الجليل فاننا سنخسر الجليل كله خلال بضع سنوات ” (21) ، ويقول الدكتور موشي هرطمان : “لكي يحافظ اليهود في سنة 2000على أغلبية 64% الحالية في كل أنحاء اسرائيل ( باعتبار المناطق العربية المحتلة عام 1967مناطق اسرائيلية ) فإن على اسرائيل أن تستوعب سنويا 125ألف مهاجر ) (22)  
أما الرأي الآخر ، فهو الرأي القائل بعدم الحاجة إلى تجميع عدد كبير من اليهود في إسرائيل ، وذلك لأسباب أمنية من جهة، ولأسباب استراتيجية اقتصادية من جهة أخرى، حيث يرى أنصار هذا الرأي أفضلية تحويل إسرائيل إلى قاعدة مالية وصناعية تكنولوجية تستطيع بتفوقها هذا أن تتحول إلى مركز رأسمالي ضخم يصدر التكنولوجيا والعلوم للشرق الأوسط والعالم الثالث دون الحاجة إلى كثافة سكانية يهودية كبيرة . ويبدو ان الحكومات الاسرائيلية الأخيرة ، بما فيها حكومة مناحيم بيغن الحالية ، قد تبنت وجهة النظر هذه وعملت على وضع وتنفيذ خطط التحول الصناعي وإعمار منطقة النقب بشكل خاص واكتشاف موارده الطبيعية من أجل تحويله إلى مركزصناعي – تقني ضخم قادر في مرحلة لاحقة على استقطاب العلماء والخبراء والتقنيين اليهود وغير اليهود الذين سيعملون تحت الإدارة الصهيونية . وكان التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة الصلح المصرية – الإسرائيلية بمثابة وضع  حجر الأساس لهذه التطلعات .
ولذلك فقد تم شن حملة تهجير اليهود السوفييت ضمن  جملة أهداف، أحدها إخراجهم من دائرة النظام الإشتراكي والزج بهم في دائرة النظام الرأسمالي   حيث يمكن الاستفادة من الخبراء والعلماء والعمل على تطورهم الرأسمالي في الدول الرأسمالية والولايات المتحدة بشكل خاص وتشكيلهم رصيدا يهوديا مستمرا لإسرائيل. فقد حدثت منذ السبعينيات عملية تمركز واضحة في المجال الصناعي الاسرائيلي ، وأصبحت الصناعة هي الأساس الذي يقوم عليه الاقتصاد الاسرائيلي . فبين عامي 1966و1977ازداد الانتاج الصناعي الاسرائيلي بنسبة 15% بينما تجاوز النمو السكاني 3% وارتفع نصيب الصناعة من الانتاج القومي الصافي من 22% الى 27% كما طرأ تحول خطير في العمالة حيث ارتفع مجمل العمالة الى نسبة 152% مما كان عليه في عام 1966وأدى التطور التكنولوجي في مجال الصناعة إلى انخفاض عدد  الشغيلة بينما ازداد عددالعاملين في المجالات التقنية والعلمية . ويذكر مثلا أن نصيب صناعة الإلكترونيات من الزيادة في اليد العاملة ذات المهارة الكثيفة قد بلغ لوحده نحو 19% من مجمل الزيادة في اليد العاملة الماهرة ( 23) .
وتدل هذه التطورات أنه قد حدث لدى اسرائيل في أواسط السبعينيات إشباع تام من حيث الحاجة الأكاديميين والتقنيين ، حين ذكر أنه في عام 1976كان لدى إسرائيل فائض من المهندسين تراوح بين 8000 و 11000مهندس ، وفائضا من الأطباء بلغ نحو ثلاثة الاف (24) ، وقد ورد على لسان بعض موظفي وزارة الاستيعاب الاسرائيلية في عام 1977وجود عدد كبير من الأكاديميين المهاجرين بدون عمل وبأن الوزارة المذكورة تسعى لتسهيل استيعاب هؤلاء المهاجرين من خلال تغيير مهنهم . (25)
وقد جوبهت الحكومة الاسرائيلية بمعضلة توفير العمل للمهاجرين الجدد من أكاديميين وتقنيين بشكل خاص في ضوء حالة الاشباع التي وصل إليها الاقتصاد الإسرائيلي في السبعينات . ولم يكن أمام المهاجرين السوفييت إلا العمل كعمال أشغال حيث أدى رفضهم ذلك إلى تحولهم إلى عبء إجتماعي واقتصادي على الدولة .
وتشير تصرفات الحكومة الاسرائيلية والوكالة اليهودية في أوروبا إلى أن أيةاجراءات حاسمة لم يتم اتخاذها ضد نشاط منظمة هياس ، ممايرجح وجود اتفاق ضمني بينهما على عدم تهجير اليهود إلى اسرائيل في المرحلة الراهنة .
وقد قام عدد من أعضاء الكنيست بالتجول في معسكرات المهاجرين في أوروبا وصرح رفائيل كوتلوفيتش أن رجال السفارة الاسرائيلية في روما لايتصلون بالمتساقطين  ( 26)  كما قالت جيئو لاكوهين [بأن السفارة الإسرائيلية في روما تمنح المهاجرين وثائق كاذبة للتحايل على السلطات الإيطالية لأجل منح المهاجرين مكانة (لاجئ ) لكي تستطيع منظمة هياس أن تقدم لهم المساعدة ممهدة بذلك الطريق أمام سفرهم إلى الولايات المتحدة الأميركية ( 27) . أما عوزي نوركيس الذي قام بجولة في روما وفيينا فقال بأن هناك  عملية تزوير قومية من الدرجة الاولى حيث تقوم اسرائيل بارسال بيانات للسلطات السوفييتية لمنح حق المغادرة لأشخاص معروف مسبقا بأنهم لن يهاجروا إلى إسرائيل (28) .
كماذكر آخرون بأن مندوبي إسرائيل الرأسماليين يتعاونون مع هياس لتأمين سفر
اليهود من فيينا إلى روما بواسطة تأشيرات سفر رسمية صادرة من السفارة الإسرائيلية في فيينا وذلك لأجل أن تتمكن هياس من تسفيرهم إلى أميركا ( 29) .
كذلك اتهمت كتلة الليكود في الكينيست ببغن نفسه ( بتجاهل الموضوع عن قصد) ، بل إن ملحق صحيفة عل همشمار قد نشر مقالة طرح كاتبها رأيا قال فيه بان السلطة تعمل على خفض الهجرة عمليا ، وذلك لأن الهجرة الكبيرة تتطلب استيعاب هؤلاء المهاجرين في أعمال يتقاضون عليها أجورا مرتفعة، بالمقارنة مع ما يتقاضاه العامل العربي رخيص الأجر ، وهذا شيئ يتناقض مع مصلحة الرأسماليين (30).
وازاء فشل امكانية اقامة وتطوير المستوطنات الزراعية في الضفة الغربية بفضل المقاومة التي يمارسها الشعب الفلسطيني ضد الاستيطان الصهيوني ، وحيث تحولت المستوطنات التي تمت اقامتها في الضفة الغربية إلى مراكز عسكرية مجردة من أية قاعدة اقتصادية تربطها بالمنطقة المقامة فيها ، فقد سعت الحكومة الاسرائيلية من جهة ثانية إلى التركيز على منطقتين حيويتين أخريتين هما الجليل والنقب وعملت على تشجيع المهاجرين للاقامة في مدن التطوير المقامة في هذه المناطق .
وقد أصدرت الحكومة جملة قرارات في أوائل عام  1979نصت على منح قروض مالية للمهاجرين الذين يعتزمون الاقامة في تلك المناطق وتحويل هذه القروض إلى منح بعد اقامة المستوطن سبع سنوات فيها (31) ، غير أن الدلائل تشير حاليا إلى عدم جدوى هذه الامتيازات حيث يرفض اليهود السوفييت الإقامة في المناطق الشمالية بحكم ما يهددهم من خطر مستمر نتيجة العمليات الفدائية ومقاومة فلسطيني الجليل ، إضافة إلى أنهم يرفضون الاقامة في المناطق الجنوبية التي مازالت غير آهلة بالسكان والعمران ولاتتوفرفيها الخدمات وتعرضهم للعزلة الشاقة .
يشكل وقوف الحكومة الاسرائيلية ضد فكرة تهجير أكبر عدد من اليهود إلى إسرائيل مرحلة سياسية من مراحل التخطيط الإسرائيلي حيث يتركز الهدف على تحقيق سلام متفق مع مصلحة تحويل إسرائيل إلى القاعدة الصناعية التقنية المرجوة ومايتضمنه إعمار النقب بشكل خاص من عناصر جذب تلقائي لليهود وغير اليهود من الكفاءات التقنية والعلمية الرافدة للنظام الرأسمالي .

الهوامش

 الفصل الأول

  •  أبراهام ليون، المفهوم المادي للمسألة اليهودية دار الطليعة بيروت ،1970،ص 18
  • المرجع السابق ،ص 51
  • المرجع السابق ، ص 78
  • S.W., History of the Jews in Russia and Poland , Ktav Publishing House Inc, New York , 1975, Part , p.39
  • المرجع السابق ، ص 245
  • المرجع السابق ، 243
  • المرجع السابق ، 51
  • المرجع السابق ، ص 51
  • المرجع السابق ، ص 66
  • Ruppin , Arthur , the Jews in the Modern World , Macmillan &co London , 1934, P. 133
  • سيمون دبنو ،ـ مرجع سابق ، ص 286
  • سيمون دبنو ، مرجع سابق ،ص141
  • سيمون دبنو ، مرجع سابق ، ص 184
  • سيمون دبنو ، مرجع سابق
  • سيمون دبنو ،مرجع سابق
  • سيمون دبنو ، مرجع سابق ، ص 275
  • سيمون دبنو ، ص 295

الفصل الثاني

 

  • يوري إيفانوف ، احذرو الصهيونية ، دار التقدم ، موسكو        1970 ص 31
  • المرجع السابق ، ص 32

-Diky .Andrei, Jews in Russia and thee USSR, New3             York, 1967, P.48

-Nedava Joseph, Trotsky and the Jews, the Jewish4 publication house Society , Philadelphia, 1971, p . 20

5- Dubnow, S.W., Part one, P. 313

Dubnow, S.W .PAT 1, P. 3135 -Diky, Andrei , p.886

7-ابراهام ليون ، مصدر سابق، ص 92

-Ruppin, Arthur, p. 1358

-Nedava, Joseph 9

10- يوري ايفانوف ،ص 54

-Nedava Joseph, p.211

 -Diky, Andrei, p. 7012 

– Dubnow, S.W .P.4913

 – Ibid. p 5214

15-ابراهام ليون ، ص 92

16-اسحق دويتشر ، ثورة اكتوبر في نصف قرن ، دار الحقيقة ،بيروت 1970،ص 45

17-المرجع السابق ، ص 47

18- Rubinow , Isaac, Economic conditions of th Jews in Russia A study written in 1907, Arno press, New York 1975

 -Dubnow, S. W .part 11, p. 17719

Diky, Andry, p, 842020

21- Greenberg, Louis the Jews in Russia, Yale 21university press. London, part 1p. 82

22- Ibid.,P.83

Ibid.P. 83-23

Dubnow, S.W, part11-24

.Greenberg, Louis, p.84-25

Ibid.p.83-26

Dubnow, S, W, p.214-27

Ibid .pp.73.84-28

Ibid. pat.11. p. 194-29

Ibid, p. 196-30

Ibid, p.191-31

Ibid. p.204-32

Ibid p.191-33

Ibid. 177-34

35-ماركس – انجلز- حول روسيا ، ترجمة جورج طرابيشي دار المعرفة  بيروت 1972، ص 108.

36-اسحق دويتشر ،ثورة اكتوبر في نصف قرن ، ص 47

37-ماركس – انجلز ، حول روسيا ،دار الطليعة ،بيروت ، 1972،ص 123.

 

الفصل الثالث  

  • كافة الارقام والجداول في هذا الفصل مستقاة ومستخلصة من دراسة اسحق روبينو السابقة الذكر ،والمعتمدة في معظمها على احصاء 1897الرسمي ، الافي حالة الاشارة الى غير ذلك .
  • يوري ايفانوف

3- Weizmann , Haim , Trial and Error , western printing services, 1949, p. 22

Nedava , Joseph, P. 237-4

Ruppin, Arthu, P. 113-5

6-اسحق دويتشر اليهودي اللايهودي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 50ص1971

7-المرجع السابق ،ص 70

Nedava Joseph p.50-8

Ibid.p.22-9

Greenberg,P.21-10

Ibid .p. 24-11

Dubnow, S.W .P.75-12

Ndava, p.68-13

14-دويتشر ،ستالين ، ص 76

 -Diky .p.13815

Ruppin. A. P.43-16

Rubinow, I-17

Ibid-18

Greenberg Part11p.74-19

Ibid, p.166-20

From Haven to Conquest, p.97-21

22-نيفيل مندل ، مجلة الدراسات الفلسطينية، جامعة بغداد، العدد (25) .

  

الفصل الرابع

Greenberg, Louis, p2, p.14-1

  • 2-Ibid. p.148

3- Ibid.

4-Ibid. 

5- 1bid.

6- Israel, Gerard, The Jews In Russia, St. Martin,s Press, New York, 1975, P. 100

7- Nedava,P. 87

8- Ibid.

9- Ibid.

10- Ibid.

11- Tobias, Henry, The Jewish Bund In Russia, Stanford University Press, California, 1972, P.

12- Ibid., P. 253

13- Weizmann, Haim, Letters and Papers, 2, Oxford University Press, London, 1971, P. 307

-14 جورج طرابيشي، الماركسية والمسألة اليهودية، دار آلاداب، بيروت، 1969، ص. 216، نقلا عن لينين: المؤلفات الكاملة، مجلد11، ص.195

15- Greenberg, 2, P.155

 

الفصل الخامس

1- Taylor, Alan, in Journal of Palestine Studies,k Institute for Palestine Studies, Beirut, No. 2, 1972, P. 39

2- Sokolow, Nahum, History of Zionism, Ktav Publishing House, New York, 1969,P. XLVI

3- Ibid. P. 292

4- Ataov, Turkaya, unpublished article

5- Bardin, Shlomo, Pioneer youth in Palestine, Bloch Publishing Co., New York, 1932, P. 5

6- Smolenskyn, It, s Time To Plant, in Herzburg, The Zionist Idea

7- Bardin op.cit. P. 5

8- Smolenskyn, op.cit. P.147

9- Pinsker, Leo, Auto Emancipation, in Herzburg, P. 182

10- Ibid.

11- Weizmann, H., Trial 7 Error,

12-Taylor, Alan, The Zionist Mind, Institute of Palestine Studies, Beirut, 1971, P. 45

13- Ibid.

14-Bardin, P. 10

15- Ibid., P. 10

16- Ahad Ha, am, This is not The Way, in Herzburg, P. 262

17- Cohn, Hans, in From Haven to Conquest, Institute for Palestine Studies, P. 824

18- Bardin, P. 34

19- Ibid., P.35

20 Herzburg, P. 40

21- Taylor, Alan, op.cit,  P. 71

22- Weizmann, Trial & Error. 114

23- Ibid.

24- Weizmann, Letters…, 2, P. 308

25- Weizman, Trial…, P. 63

26- Taylor, P. 85

27- Weizmann, Letters…, 2, P. 193

28- Duker, Abraham, Preface to Borochov, Ber, Nationalism & the Class Struggle, Greenwood Press, Westport, Connecticut, U.S.A.,1973, Pز 28

29- Borochov, Ber, Ibidز P. 130

30- Ibid., P. 202

31- Duker, in Borochov, P. 33

32- Ibid., P.39

33- فلاديمير بيغون، الصهيونية ثورة مضادة في الخفاء، مينسك، الالاتحاد السوفييتي، 1973، من المنشورات المترججمة ، حكة التحرير الوطني الفلسطيني فتح،ص. 3.

34- Sokolow N. P.28

35- Weizmann, Letters…, 2, P.303

36- Weizmann, Trial …, P. 424

37- Sokolow, P. 258

38- Weizmann, Trial…., P. 104

 

 

الفصل السادس

 1- Israel, Gerard, The Jews In Russia, P. 153

2-لينين، نصوص حول المسألة اليهودية

3- Ruppin, Arthur, P.119

4- Weizmann, Letters…., P. 300

5- Nedava, P. 103

6- إسحق دويتشر، ستالين، ص. 230

7- أبراهام ليون، ص. 134

8- Ruppin, P. 26

9- Ibid., P. 138

10- Ibid., P. 138

11- Israel, Gerard, P.158

13- Ibid.

14- Ruppin, P. 241

15- Israel, Gerard, P. 158

16- Schechtman, A Star in Eclipse< P. 31

17- Nove, The Jewish Population, in koshan, Lionel, The Jews in Soviet Russia, P. 127

18- Nedava, P. 119

19- Ibid.

20- Ibid., P. 114

21- Ibid.

22- Ibid.

23- صادق جلال العظم، ص. 137

24- Ruppin, P. 240

25- Ibid.

26- Shapiro in Dubnow 2, P. 417

27- نجدة فتحي  صفوة، بيروبيجان، مركز الدراسات الفلسطينيةن جامعة بغداد، 1974، للمزيد من المعلومات

28- Ruppin, P. 139

29- Nove, op.cit, P. 134

30- Ibid., P. 136

31- Israel, Gerard, P.169

32- أبراهام ليون، ص. 134

33- Shapiro, in Dubnow, P. 433

34- West, Benjamin, P. 12

35- Ibid.

 

الفصل السابع

1-Sokolow, 2, PP.28-38

2- Ibid.

 3- Shapiro, in Dubnow, P.417

 4- Stein, Leonard, in Khalidi, From Haven to Conquest, P. 570

5- Ibid., P.346

6- صبري جريس، شؤون فلسطينية، العدد95

7- Stein, in Khalidi, P.570

8- Ibid., P. 560

9- Ibid., P. 568

10- Ibid., P. 570

11- Ibid.

12- Schechtman, in Kochan, P. 103

13- Ibid.

14- Israel, Gerard, P. 111

15- Schechtman, in Kochan, P. 106

16- Ibid.

17- Ibid.

18- Ibid., P. 109

19- Encyclopedia of Zionism & Israel

20- Schechtman, in Kochan, P. 109

21- Encyclopedia of Zionism & Israel

22- Schechtman, in Kochan, P. 109

23- Ibid.

24- Ibid.

25- Israel, Gerard, P. 137

26- Schechtman, in Kochan, P.109

27- Ibid., P. 112

28- ماهر الشريف، شؤون فلسطينية، العدد70، صص. 135-137

29- Schechtman, in Kochan, P. 111

30- From Haven to Conquest, P.854

31Ruppin, P. 50

Ibid., P. 49

 

الفصل الثامن

  • ناثان فاينشتوك، في غسان كنفاني، ثورة 1936، منشورات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

2- Shapiro, in Dubnow, P.441

3- Koshan, P. 130

4- Schechtman, P.442

5- إسحق دويتشر، اليهودي اللايهودي، ص. 56

6- إسحق دويتشر، ستالين، ص. 625

7- Schechtman, PP.33-116

8- Diky, P. 263

9- Ibid

10- Ibid.

11 Ibid.

12- Ibid.

13- إسحق دويتشر، اليهودي اللايهودي، ص. 56

14- دويتشر، ستالين، ص.626

15- Schechtman, P. 116

16-  دويتشر، ستالين، ص.596

17- نفس ا لمصدر، ص. 600

18- Israel, Gerard, P.181

19-  دويتشر، اليهودي اللايهودي، ص. 57

20- Israel, G., P.226

21- Shapiro, in Dubnow, P.468

22- Ibid., PP. 466-488

23- Nove, in Koshan, P. 150

24- Katz Zev, in Koshan, P.330

25- Ibid.

26- Schechtman, P. 45

27- Novosti Press, Facts & Fivtion, P. 23

28- West, P. 25

29- Ibid.

30- Ibid, .P. 49

31- Ibid.

32- Schechtman, in Koshan< P.113

33- محمد كمال يحيى، المجلة التاريخية المصرية، المجلد22.

34- Israel, G., P. 179

35- West, P.24

36- Ibid.

37- Israel, G., P. 193

38- Schechtman, in Koshan, P. 114

39- Israel, G. P. 198

 40- دويتشر، ستالين، ص. 628

41- West, P. 46

42- نفس المثصدر، ص. 129

43- Israel, G., P. 208

44- دويتشر، ستالين، ص. 646

45- Schechtman, P. 45

46- Ibid.

 

الفصل التاسع

1- Schechtman, P.27

2- Nove, in Koshan, P.130

3- Schechtman, P. 29

4- Schechtman, in Koshan, P. 139

5- Einstein, Ruben, in Koshan, P.285

6- Ibid.

7- Ibid., 286

8- Schechtman, P. 39

9- Nove, in Coshan, P.14

10- Ibid., P.127

11- Schechtman, P. 211

 12- Ibid., P.212

13- Ibid.

14- Shmeruk, in Koshan, P.347

15- Nove, in Koshan, P..143

16- Coshan, P. 358

17- Shapiro, in Dubnow, P.463

18- Schechtman, P. 152

19- Shapiro, in Dubnow, P. 477

20- Katz, in Koshan, P. 332

 

الفصل العاشر

 

1- Schechtman, P. 220

2- Ibid., P.234

3- Ibid.

4- Ibid., P.225

5- Ibid., 234

6- Ibid., P. 239

7- Ibid.

8- صلاح الدباغ، الاتحاد السوفييتي وقضية فلسطين، ص. 65

9- نفس المصدر

10- Israel, G., P. 243

11- Ibid., 235

12- Katz, in Koshan, P. 326

13- Ibid.

14- Keesings 25602

15- Ibid., 26128

16- Ibid., 25550

17- Israel, G., P. 281

18- Ibid., P.249

19- داود تلحمي، شؤون فلسطينية، العدد 2, ًز 235

20- نفس المصدر

21- نفس المصدر

22- Keesings, 26993

23- Ibid.

24- Ibid

25- Ibid., 26995

26- Ibid., 26850

27- Ibid., 26995

28- Ibid.

29- Jerusalem Post, 18/2/1976

30- Ibid.

31- Ibid.

32- Ibid., 20/2/1976

33- Commentary, August, 1977

34- Ibid.

 

 الفصل الحادي عشر

 

1- Schechtman, P. 170

2- Roi, Yaacov, Limits to Power, P.247

3- Schechtman, P. 192

4- Katz, in Koshan, P.118

5- Ibid.

6- Ibid.

7- Ibid.

8- Ibid., P. 122

9- Haaretz, 31/1/1974

10- Schechtman, in Koshan, P. 122

11- Lewis, in Koshan, P. 344

12- Ibid., P. 350

13-Ibid.

14- Keesings, 27306

15- Ibid., 25603

16- Ibid., 27549

17-Ibid., 27553

18- Ibid.,29229

19- Lilienthal, Alfred, The Zionist Connection, P. 525

20- Roi, Y., P. 248

 

الفصل الثاني عشر

 

1- Keesing, 27553

 2- يديعوت أحرونوت، 13/4/1974

3- هآريتس، 20/3م1979

4- هآرتس 20/3/1979

5- معاريف، 2/8/1977

6-  يديعوت أحرونوت، 11/2/1977

7- يديعوت أحرونوت، 30/1/1977

8- يديعوت أحرونوت، 28/6/1977

9- Israel, G., P.276

10- دافار، 14/8/1979

11- The Israel Year Book, 1975, P. 175

12- keesing, 26707

13- الفرانكفورتر، تلارجمات سياسية، مركز الدراسات الفلسطينية، العدد 59

14- Lilienthal, A.,P. 519-529

15- مقتطفات من كتاب ” وداعا يا إسرائيل” لأفراييم سابيلا، منشورات وزارة الثقافة والإعلام العراقية، 1979

16- يديعوت أحرونوت، 4/6/1979

17- Lilienthal, A., P. 531

18- دافار، 4/8/1979

19- يديعوت أحرونوت، 3/3/1977

20- Newsweek,19/9/1979

21- نشرة  الأرص،5، 1979، نقلا عن هآرتس ، 20/11/1978

22- نشرة الأرض، 5، 1979 ،نقلا عن هآرتس 24/5/ 1978

23- حسين أبو النمل، مخطوطة ” الصناعة في الإقتصاد الإسرائيلي، نقلا عن” الكتاب السنوي الإسرائيلي” لسنوات مختلفة

24- نفس المصدر

25- أومر، 18/1/1977

26- هىرتس 1/8/1978

27-  ملحق يديعوت أحرونوت،18/5/1979

28- معاريف 28/11/1978

29- نشرة الأرض، 3، 1979

30- نفس المصدر

31نفس المصدر، نقلا عن معاريف 6/ 8/1978  

 

 

أهم المصادر

 

العربية

 

  • أبراهام ليون، المفهوم المادي للمسألة اليهودية، مترجم، دار الطليعة، بيروت، 1970.
  • إسحق دويتشر، ثورة أكتوبر في نصف قرن، مترجم، دار الحقيقة، بيروت ، 1970
  • إسحق دويتشر، ستالين، مترجم، دار الطليعة، بيروت، 1972
  • إسحق دويتشر، اليهودي اللايهودي، مترجم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1971
  • جورج طرابيشي، الماركسية والمسألة اليهودية، دار الآداب، بيروت، 1969
  • صادق جلال العظم، الصهيونية والصراع الطبقي، دار العودة، بيروت، 1975
  • صلاح الدين الصباغ، الإتحاد السوفييتي وقضية فلسطين، مركز الأبحاث الفلسطينية، م.ت.ف. ، بيروت، 1968
  • لينين، نصوص حول المسألة اليهودية، مترجم، دار الطليعة، بيروت، 1972
  • ماركس-إنجلز، حول روسيا، مترجم، دار الطليعة، بيروت، 1970

10-نجدة فتحي صفوة، بيروبيجان…التجرب السوفييتية لإنشاء الوطن القومي اليهودي،مركز الدراسات الفلسطينية، جامعة بغداد، بغداد، 1974

11-يوري إيفانوف، إحذروا الصهيونية، دار التقدم، موسكو، 1970

 

 

الإنجليزية

 

1- Bardin, Shlomo, Pioneer Youth in Palestine, Bloch Publishing Co., New York, 1932

2- Borochov, Ber, Nationalism, Class & Struggle

3- Dubnow, Simon, History of the Jews in Russia & Poland, Ktav Publishing House, New York, 1975

4- Diky, Andrei, Jews in Russia & the USSR, New York, 1967

5- From Haven to Conquest, edited by Walid Khalidi, Institute for Palestine Studies, Beirut, 1971

6- Greenberg, Louis, The Jews in Russia, Yale University Press, London, 1965

7- Herzburg, Arthur, The Zionist Idea

8- Israel, Gerard, The Jews in Russia, St. Martin’s Press, New York, 1975

9- Encyclopaedia of Zionism & Israel

10-Israel Year Book, 1975

11- The Jews in Soviet Russia since 1917,edited by Koshan, Lionel, Oxford University Press, London, 1972

12- Keesing, s reports 1971-1979

13- Lilienthal, Alfred, The Zionist Connection, Dodd& Mead, New York, 1978

14- Nedava, Joseph, Trotsky & the Jews, The Jewish Publication House, Philadelphia, U.S.A., 1971

15- Rubinow, Isaac, Economic Conditions of the Jews in Russia, Arno Press, New York, 1975

16- Ruppin,  Arthur, The Jews in The Modern World, Macmillan, London, 1934

17- Roi, Yaakov, The Limits to Power, Croom Helm, London, 1979

18- Sokolow, Nahum, History of Zionism, Ktav Publishing House, New York, 1969

19- Stein, Leonard, The Balfour Declaration, Valentine- Mitchell, London, 1961

20- Schechtman, Joseph, a Star in Eclipse, Thomas Yosiloff, New York, 1961

21- Taylor, Alan, The Zionist Mind, Institute for Palestine Studies, Beirut, 1974

22- Tobias, Henry, The Jewish Bund in Russia, Stanford University, U.S.A., 1972

23- Weizmann, Haim, Letters & Papers, Oxford University Press, London, 1971

24- Weizmann, Haim, Trial & Error. Western Printing Series, London, 1949

25- West, Benjamin Struggles of a Generation, Tel Aviv, 1959 

 

 

المحتويات

–  صفحه

–  مقدمة

 –  الفصل الاول – الخلفية البولونية

 – الفصل الثاني – الازدهار الطفيلي والتحول الإجتماعي

      أ- حظيرة التوطن اليهودية       

 -الفصل الثالث – التأزم وفشل التحول البروليناري

  أ- التوزع الوظيفي

 ب- أعمال العنف والهجرة 

 – الفصل الرابع- اليهود والنشاط الثوري

  أ-  البداية النارودنية

 ب- البو ند يستقطب الجماهير اليهودية

 – الفصل الخامس – اليهود والفكرة الصهيونية

 – الفصل السادس – مواطنون سوفييت بين الخصوصية والذوبان

أ- مشكلة الخصوصية         

ب- الحل القومي

 – الفصل السابع – النشاط الصهيوني ( 1917-1939) .

أ- وعد بلفور والثورة الإشتراكية

ب- النشاط الصهيوني بعد ثورة أكتوبر

ج- الهجرة

 – الفصل الثامن – الحرب تهدم مابناه السلام

أ- كتلة يهودية جديدة في الاتحاد السوفييتي

ب- انتعاش النشاط الصهيوني .

 – الفصل التاسع – مسيرة الذوبان اليهودي

 – الفصل العاشر – الحملة الصهيونية – الأمريكية لأجل اليهود السوفييت .

أ- المنشقون السوفييت والهجرة اليهودية

ب- مؤتمر بروكسل الأول

ج- مشروع الإتفاق التجاري بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الامريكية .

د- مؤتمر بروكسل الثاني .

ه- حملة حقوق الانسان .

 – الفصل الحادي عشر – الموقف السوفيي من اليهودية والهجرة .

 – الفصل الثاني عشر – الهجرة اليهودية والموقف الإسرائيلي منها .

أ- المهاجرون

ب- الموقف  الإسرائيلي من الهجرة .

 – الهوامش